إعلانات Zone 4B

[CLOSE]

إعلانات Zone 3B

[CLOSE]
أحدث الأخبار:

إعلانات Zone 2B

[CLOSE]
الرئيسية | مقالات | سامي الصلح يروي قصة الانتداب ووقائع الصراع مع الجنرال غورو مبادرة للخروج من رتابة الإصطفاف السياسي ٤ معادلات في الميزان: النسبية والكهرباء و٨ و١٤ آذار
المصنفة ايضاً في: مقالات, لبنان من الذاكرة

سامي الصلح يروي قصة الانتداب ووقائع الصراع مع الجنرال غورو مبادرة للخروج من رتابة الإصطفاف السياسي ٤ معادلات في الميزان: النسبية والكهرباء و٨ و١٤ آذار

آخر تحديث:
image
الكاتب:
عدد المشاهدات: 1861
قيّم هذا المقال/الخبر:
0
حجم الخط: A+ A-
نسخة صالحة للطباعة   نسخة نصية   أرسل إلى صديق
سامي الصلح يروي قصة الانتداب ووقائع الصراع مع الجنرال غورو  مبادرة للخروج من رتابة الإصطفاف السياسي  ٤ معادلات في الميزان: النسبية والكهرباء و٨ و١٤ آذار

وقف السياسي العتيق، بين نفر من أترابه والأصدقاء، وراح يتساءل بمرارة: لبنان الى أين؟

وسارع أحدهم الى مقاطعته: كم مرة طرحتم علينا هذا السؤال.

وأجاب بمرارة: إنه السؤال الملحّ في الزمان الصعب. لكنه أوضح: هذه المرة ثمة بارقة أمل تلوح في الأفق.

سألوه ثانية: ما هي؟

- لقد عاد العقل الى لبنان.

سألوه للمرة الثالثة: هل كان العقل مسافراً؟

وأجاب: نعم. لقد تعافى ورجع وعاين المرض ووصف له الدواء والعلاج. لقد ضاقت البلاد في المناكفات السياسية، وغرقت في أوحال الخلافات، بين صدور القرار الظني، أو الجزء الأول منه، ومطالبة المحكمة الدولية السلطة اللبنانية بربط قضية تفجير موكب الرئيس رفيق الحريري واغتياله، بقضية الاغتيالات الأخرى، جثم على البلاد قلق مذهل، من خطر نشوب الحرب الأهلية، بعد تفاقم الصراع على المحكمة والحقيقة بين تيار المستقبل وفريقه، وحزب الله وحلفائه، والفريقان يعملان على تبديد المخاوف وتبريد الأجواء الساخنة، وتجميد التطرف من هنا وهناك.

وعاد الأتراب والأصدقاء الى سؤال السياسي العتيق، عما عناه بعودة العقل الى البلاد بعد غياب.

وردَّ: لقد اطمأننت الى أن المهندس نسيب لحود رجع الى البلاد بعد العلاج، وأطلق مع حركة التجدد الديمقراطي التي يرئسها، دعوة سياسية الى تجاوز الاصطفافات السياسية، والى التوحد في منطق يوحّد ولا يفرّق، يجمع ولا يزيد الشتات شتاتاً، يخرج البلاد من صراع ٨ و١٤ آذار، ويجعلها تنضوي تحت مظلة واحدة تردّ عنها حرارة الشمس اللاهبة، في صيف قائظ وحار. إنها مظلة العقل في أجواء القلق والخوف على المصير.

 

سجلت المحكمة الدولية، حضوراً إضافياً على المسرح الداخلي، بإعلانها إلحاق ملف اغتيال الأمين العام السابق للحزب الشيوعي جورج حاوي والنائب مروان حماده والوزير الياس المر بجريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وبالتالي وضعها في نطاق صلاحياتها للنظر فيها، بعد اعلان المدعي العام للمحكمة دانيال بلمار وجود ترابط بينهما.

الحرب المذهبية تلوح في الآفاق. الحرب السياسية تتلبد في الأجواء. الأكثرية الجديدة في صراع داخل الحكومة وفي البرلمان حول مشروع الرئيس العماد ميشال عون لتخصيص مليار و٢٠٠ مليون دولار للكهرباء، والأكثرية السابقة تشتري الموضوع بألف ثمن وثمن، من أجل دفع حكومة الرئيس نجيب ميقاتي الى وهاد الخلافات، مطالبة بضمانات ورقابات في الإنفاق ووزير الطاقة جبران باسيل يؤكد أن هناك ٤٨ ساعة حاسمة، هي الحد الفاصل للسير في مشروع الكهرباء، مشدداً على أن مجلس الوزراء سيحسم الأمر غداً الثلاثاء، فإما أن يتبنى المشروع أو يعدله، ودعا الأكثرية الى النزول الى البرلمان وإثبات نفسها وإسقاط خطة المعارضة الى تطيير النصاب.

في غضون ذلك، تبقى قضية اعتماد النسبية في مشروع قانون الانتخابات مشكلة المشاكل، ولا سيما على صعيد اعتماد نصوص تجميلية لها أو منفرة منها، خصوصاً بعد اجتماع الكتل المسيحية الأسبوع الماضي في الديمان، لإقرار صيغة يرتاح اليها الأفرقاء جميعاً، مع حلفائهم في الطوائف الأخرى للإهتداء الى صيغة مقبولة من الجميع، خصوصاً بعدما أطلق الأستاذ وليد جنبلاط رصاصة الرحمة عليها، في خطابه الأخير في الشوف.

وعكست البطريركية المارونية اهتماماً ملحوظاً بالملف الانتخابي، بعدما لاحظ البطريرك الراعي، أن لبنان يتشقق وهو على أبواب خيارات مصيرية في صيف العام ٢٠١٣، الا ان الاجتماع الاخير حمل بريق أمل بالتوصل الى اتفاق على صيغة في لقاء مصغر برئاسته وبحضور ممثلين عن التيار الوطني الحر والكتائب اللبنانية والقوات اللبنانية، والوزير السابق للداخلية والبلديات زياد بارود والسفير عبدالله بوحبيب وعدد من المطارنة والخبراء.

ولاحظ المراقبون أن النسبية التي كانت مرفوضة عند القوى المسيحية، باتت أكثر ميلاً الى القبول، اذا ما جرى تضمينها بنوداً ميثاقية تنطلق من اتفاق الطائف وتسري على المناطق كافة، بحيث لا تنفر القوى المطالبة بالنسبية، على أساس جعل لبنان دائرة انتخابية واحدة، أو على أساس دوائر موسعة مثل اعتماد تكثيف المحافظات، أو تجعل الأفرقاء جميعاً يتراجعون عن اعتماد الدوائر الفردية، بغية احترام خصوصية كل طائفة وكل منطقة، فلا يطغى فريق على آخر.

عظة وعبرة

يورد اسكندر رياشي في كتابه المشهور رؤساء عرفتهم، أن وفداً من جبل لبنان، ذهب الى دمشق لتهنئة الملك فيصل الأول، بإعلانه ملكاً دستورياً على سوريا، في ٨-٣-١٩٢٠، وكانت فرنسا ضد هذا الأمر، وكان من بين رجال الوفد زجّال بارع، وعندما وصل الوفد الى مقر الملك فيصل، بادره الزجال:

بواريدنا بتردّها وبصدورنا منصدّها

فيصل أمير بلادنا باريس تلزم حدّها

ولما دخل الجنرال غورو دمشق، بعد معركة ميسلون في ٢٠-٧-٢٩١٠، وكان الملك فيصل غادرها، ذهب وفد لبناني لتهنئة الجنرال غورو باحتلاله العاصمة السورية. وكان في عداد الوفد أشخاص من الوفد السابق، بينهم الزجّال نفسه. وعند وصول الوفد الى مقر الجنرال غورو في دمشق، قال الزجّال:

يا مير وش لك والحروب/ باريس منّك قدّها

هيدي دول بدها دول/ راعي غنم ما يردها

تذكَّر الكاتب صخر أبو فخر هذه المعلومات وراح يحلل من خلالها واقع السياسة في لبنان، ويقول إن الكراسي الموروثة والكرسي المصنوعة مخضبة بهذا الواقع، ويضيف: الكراسي في لبنان، مثل الألقاب، ثابتة لا تتغير. يتغير من ينزل فيها فحسب. فالموت يغيّر أحوال الناس بالتأكيد. إن أول رئيس للبنان المستقل كان بشارة الخوري الذي جاء به الجنرال الانكليزي سبيرز، ابنه خليل صار نائباً في البرلمان، وابنه ميشال صار حاكماً لمصرف لبنان، وظلت عينه على رئاسة الجمهورية. الرئيس اميل اده الذي جلبه الفرنسيون الى رئاسة الجمهورية تحت الانتداب، أورث ابنه ريمون اده فضيلة السعي نحو الرئاسة الأولى ولم ينجح. الرئيس الثاني للبنان، رجل الانكليز بامتياز ثم الأميركيين، كميل شمعون، خاب أمله في أن يرى واحداً من ابنيه داني اغتيل أو دوري في موقع الرئاسة، فتبنى بشير الجميل . الرئيس فؤاد شهاب والرئيس شارل حلو لم ينجبا فأعفتهما الايام من هذه المهمة الشاقة. الرئيس سليمان فرنجيه ورث شقيقه حميد وأورث ابنه طوني فرنجيه طموح الرئاسة، فلما اغتيل صارت الأمور الى سليمان الحفيد.، وهكذا تسري الكراسي في الأعقاب: كمال جنبلاط أورث وليد جنبلاط عباءته وصائب سلام ورثه تمام سلام من دون السيكار والقرنفلة. أما آل الصلح فقد اغتيل رياض الصلح ولم يكن لديه وارث ذكر، فانتقلت الكرسي الى أقاربه، فتسلم سامي الصلح ورشيد الصلح وتقي الدين الصلح كرسي رئاسة الحكومة على التوالي.

وقائع ومعلومات

ويروي الرئيس سامي الصلح قصة الانتداب الفرنسي على لبنان، وكيف تضافرت الجهود في الداخل، ضد من هم يتربصون به شراً في الخارج.

إن الانتداب، ليس سوى الوجه الآخر للاحتلال، لكنه هذه المرة، اتسم بحلة جديدة وخبرة أوسع، ولذلك فالمسؤولية اليوم أخطر من أي وقت مضى، ولن نرضى بأقل من الاستقلال التام والناجز مهما كبرت الإغراءات وعظمت التضحيات. لم أكن وحدي على هذا المركب، بل ان جل من عملوا في تلك الفترة، سواء في القضاء أو الادارة، كانوا من المخلصين الذين لا غبار على تاريخهم ونزاهتهم، وساهموا بشكل أو بآخر في التوصل الى الاستقلال، خلافاً للذين استغلوه وأثروا على حساب الشعب.

ويتابع: لم تكن الاثنتان وعشرون سنة التي قضيتها في القضاء لتصرفني عن الاهتمام بالأمور السياسية ومتابعة تطوراتها. ومع انني تدرجت وفق التسلسل الطبيعي في القضاء الي أن أصبحت رئيساً أولاً لمحكمتي الاستئناف والتمييز، فقد حرصت على ألا أملك سيارة في تلك الفترة، وبقيت أقطع المسافة بين منزلي في برج أبي حيدر وقصر العدل سيراً على الأقدام، وكنا أنا وبعض القضاة نمارس رياضة السير في أيام الآحاد لمسافات طويلة قد تصل الى عشرين كيلومتراً في أغلب الأحيان، كما كان من عادتي أن أباشر العمل باكراً، وأصرّف أعمالي بسرعة ولا أؤجل عمل اليوم الى الغد، إذ لا شيء أكثر من المماطلة والتأجيل والتباطؤ في الدعاوى إلقاءً لليأس ليس في نفوس المحامين المتحمسين فحسب، وانما ايضا في تحطيم معنويات المتقاضين طالبي العدل.

كنت أراقب عن كثب تطورات وتصرفات غورو الذي أمضى حوالى ثلاث سنوات متخبطاً بين محاولاته تقسيم سوريا الى دويلات طائفية ومذهبية وعرقية من جهة، وسعيه الى إخماد الثورات الوطنية وقمع الاضطرابات الاحتجاجية الناقمة من جهة أخرى. ولكن هذا التخبط أدى الى إنهاء مهمته في لبنان واستبداله بالجنرال ويغان الذي وصل الى بيروت عام ١٩٢٣ وبدأ أعماله بحل الاتحاد السوري وإعلان سوريا دولة واحدة تضم دمشق وحلب، وألحق بها لواء الاسكندرون الذي وضعه تحت ادارة حاكم فرنسي.. وسرعان ما استبدل ريغان بالجنرال ساراي الذي وصل الى بيروت مطلع العام ١٩٢٥ وحاول، بصفته علمانياً، الحد من تدخل الكهنة في شؤون البلاد من جهة، وراح يستبد في معاملة المواطنين من جهة أخرى، مما نتج عنه إعلان الدروز الثورة ضده وضد فرنسا في الجبل دفاعاً عن كرامتهم، فحاول ساراي قمعها بالقوة والعنف والارهاب مبيحاً لجنوده استعمال الأسلحة كافة.

لجنة بونكور لاعداد الدستور

وفي هذا الوقت، حاول ساراي ان يجعل من اللجنة الفرنسية التي جرى تعيينها لوضع الدستور اللبناني، برئاسة بول بونكور صاحبة الدور الأساسي في صياغة النصوص. إلاّ أن المجلس التمثيلي في بيروت الذي اجتمع يوم ١٧/١٠/١٩٢٥ طلب ان تناط به وحده مهمة وضع الدستور وان تكون مهمة اللجنة الفرنسية استشارية فقط. ولما رفض ساراي هذا الطلب، ثارت عليه الأحزاب في لبنان، فاستدعته حكومته على عجل وعيّنت بدلاً منه هنري دي جوفنيل.

ومنذ وصوله الى بيروت ٢/١٢/١٩٢٥ جعل دي جوفنيل شعاره: السلام لمن يريد السلام والحرب لمن يريد الحرب، وهذا الشعار ضمنه خطابه في المجلس التمثيلي اللبناني مطالبا من رجال الثورة ! إلقاء سلاحهم بلا قيد أو شرط معلنا: لا يجدي الثائرين نفعا ان يفرضوا علينا شروطا، أو أن يطلبوا منّا وعودا لحل المعضلة... لم يعد الآن لاستمرار الحرب أي مبرر، ودعا في ختام خطابه أعضاء المجلس التمثيلي لعقد دورة استثنائية لتعيين لجنة وطنية تشارك لجنة بونكور في وضع نصوص الدستور اللبناني.

وانه لمن المثير حقا ان تترافق خطوات تنظيم أوضاع لبنان جنبا الى جنب مع عملية تنظيم الأوضاع في سوريا... وقد عمد الفرنسيون في لبنان الى تعديل الدستور ١٧/١٠/١٩٢٧... ثم أعادوا انتخاب شارل دباس لرئاسة الجمهورية ٢٧/٣/١٩٢٩ مجردا من كل سلطة. حتى اذا انتهت مدة ولايته ١٩٣٢ ظهر الخلاف قويا في الأوساط المارونية تجسّد في المنافسة الشديدة بين اميل اده وبشارة الخوري، الأمر الذي حمل عددا من النواب النصارى على دعم ترشيخ الشيخ محمد الجسر من طرابلس لرئاسة الجمهورية بصفته مرشحا حياديا، وكاد يفوز برئاسة الجمهورية لولا تدخل بونسور باسم فرنسا لمنع هذا الانتخاب، فأقدم عشية الانتخاب على تعليق الدستور وحلّ المجلس النيابي ٩/٥/١٩٣٢ وأعاد تعيين شارل دباس رئيسا للدولة.

راحت سلطات الانتداب تعمل على تقويض اللغة العربية في لبنان، فجعلت اللغة الفرنسية لغة رسمية للادارة والمحاكم والثقافة ولغة للخاصة، وأهملت اللسان العربي، لسان المواطنين اللبنانيين عموما، واعتمدته لغة الشوارع ولسان العامة، مهملة الأسس والقواعد الثقافية الوطنية والقومية في المدارس.

وفي عودة الى الذات، وبعد تقييم هذه المراحل والمحطات المهمة في تاريخنا، خرجت بقناعة ان العهد العثماني هو الشقيق المميز للاحتلال ومن ثم للانتداب الفرنسي وهو الشقيق التوأم لكل عهد لاحق لا يعطي لكل ذي حق حقه.

فسياسة هذا العهد كانت تقوم على مبدأ إضعاف الجميع ومنح بعض الامتيازات الموقتة لبعض السياسيين بقصد إلهائهم عن مطالب الشعب، وهذا ما قاله لي والي بيروت العثماني الشركسي الأصل عندما أعربت له عن رغبتي الترشح الى الانتخابات النيابية: لا تُعِر انتباهك لتجار السياسة ومستغلي الوطنية لأني سوف أشتتهم وسأرمي لكل واحد منهم بعظمة، ومع الأسف لم يعِ البعض من رجال السياسة اللبنانية هذا الأسلوب وتركوا أنفسهم تنقاد وراء أهوائهم ومطامعهم وتحوّلوا الى دُمى يحرّكها الغزاة كيفما أرادوا ومتى أرادوا.

وإني لأحمل في داخلي اليوم خوفا كبيرا من أن تتحول مثل هذه العهود والاستقلال المزعوم الى احتلال باطني يعيشه المواطن في قهر وخوف وسلب قرار، سائلا الله أن يعطينا القوة والعزيمة كي نتمكن مع المخلصين الأبرار من استكمال مقومات الاستقلال فيغدو لبنان حرا مستقلا وموحّدا.

تطورت الحياة العامة في لبنان خلال الاثنتين والعشرين سنة التي قضيتها في سلك القضاء، ووقعت حرب عالمية ثانية تخللتها انتفاضات اقليمية ألهبت في نفسي الحماس والشعور الوطني وأتاحت لي خوض المعترك السياسي. فاذا كان الميدان القضائي يقضي في جوهره بحماية الدولة وحماية مواطنيها من الأخطار الداخلية، فالميدان السياسي يقضي بصيانة الدولة ومواطنيها من الأخطار الخارجية، تلك الأخطار التي لا تغيب عن أذهاننا في هذه الأوقات المضطربة، وهي تشمل الحرب والتهديد بها، وربما كانت أخطارا فكرية أو ايديولوجية أو نفسية بقدر ما تكون أخطارا مادية.

الجمهورية الفرنسية الثالثة

لقد أرسى الدستور حياة لبنان السياسية، وجاء يكرّس مفهوم العلاقات التقليدية بين الطوائف اللبنانية المختلفة التي يتألف منها شعب لبنان. وثبّت الدستور، اقليميا ودوليا، حدود لبنان الجغرافية التقليدية كما أقرّت سنة ١٩٢٠. وجعلها غير قابلة للتبدّل. وألزم رئيس الجمهورية المنتخب ان يقسم يمين الولاء للأمة اللبنانية والحفاظ على سلامة أراضيها. وهذه العبارة مذكورة فيه ثلاث مرات. وهكذا دون أن يكون طائفيا أو دينيا، أو بالأحرى، بصفة علمانية بحتة، قضى الدستور بأن تراعى حقوق الطوائف.

ومنذ اعلان الدستور، المستمد من دستور الجمهورية الثالثة في فرنسا ١٨٧٥ انتقدته بالنظر الى الصلاحيات الواسعة التي تمتعت بها السلطة المنتدبة. ولم تتعدّل المواد المختصة إلاّ في مطلع العهد الاستقلالي، في حين جرى تعديله من نواح أخرى في فترات متفاوتة. فقد عدّل للمرة الأولى بالغاء مجلس الشيوخ وحصر السلطة التشريعية في مجلس النواب في شهر ١٠/١٩٢٧. وفي شهر ٣/١٩٢٩، عدّل للمرة الثانية، فجعلت مدة رئيس الجمهورية ست سنوات غير قابلة للتجديد.

ويقول الرئيس سامي الصلح:

لقد كنت ضد فكرة التعديل في ما يتعلق بإلغاء مجلس الشيوخ وحصر السلطة التشريعية في مجلس النواب. وكنت أؤمن بأن مجلس الشيوخ ضروري لاصدار قوانين ناضجة ناجمة عن الاختبار، ولضم رجالات البلاد، كالرؤساء السابقين والوزراء وكبار رجال الفكر والعلم والفقه ورؤساء النقابات.

كانت السلطات المنتدبة تختار رجال الحكم عادة من سلك القضاء على اعتبار ان القضاء كان ولا يزال يضم نخبة من اللبنانيين. وللتخفيف من نقمة طائفة الروم الأرثوذكس على الأوضاع ووقوفها الى جانب الاسلام السنّة. فرض المفوض السامي على أعضاء مجلس الشيوخ والنواب انتخاب شارل دباس رئيسا في عام ١٩٢٦، والتجديد له في عام ١٩٢٩ لثلاث سنوات أخرى.

خلاف بشارة الخوري وإميل اده

أوكل تأليف الوزارة الأولى الى أوغست أديب، الماروني. وكان أديب قد أقام في مصر حيث اكتسب خبرة واسعة في الادارة والشؤون المالية. وقد ألّفها مجددا سنة ١٩٣٢ حتى انتهت المدة الدستورية لرئاسة شارل دباس. أما من العام ١٩٢٧ وحتى العام ١٩٣٠ فكان قد تسلم رئاسة الوزارة ثلاثة موارنة آخرين، أحدهم حبيب باشا السعد، رئيس مجلس ادارة جبل لبنان سابقا، أما الآخران فكانا اميل اده وبشارة الخوري، وشكّل اده، العضو في المجلس التمثيلي منذ ١٩٢٢، الوزارة في شهر ١٠/١٩٢٩. أما بشارة الخوري، فقد شكل ثلاث وزارات بين العام ١٩٢٧ و١٩٢٩، فبقي رئيسا للوزارة حوالى سنتين. ومن هنا انطلقت المنافسة السياسية والحزبية العنيفة بين اده والخوري، علما بأن الأخير تدرّج كمحام في مكتب اده. وليس من شك في أن اده الذي اشتغل في السياسة اللبنانية في أواخر عهد المتصرفية كان من قادة النزعة الاستقلالية مما اضطره للهرب الى فرنسا أثناء الحرب. أما بشارة الخوري، فقد كان دخوله المعترك السياسي متأخرا مع اعلان دولة لبنان الكبير.

ولم يتخذ الخلاف المبدئي بين اده والخوري شكله الواضح الاّ بعد ١٩٣٢، كان من جراء هذا الخلاف أن ذرّت الطائفية قرنها مجددا. آنذاك طالب عبدالحميد كرامي في طرابلس وسليم سلام في بيروت بالاتحاد مع سوريا، كما ان رياض الصلح وخير الدين الأحدب في بيروت كانا في طليعة المنادين بالوحدة العربية. احتدم الخلاف الحاد في الرأي السياسي مع كبار الزعماء المسيحيين في البلاد، وكان من نتائجه ان بدأت اللغة الطائفية تتصدر الأحداث.

ويستطرد: أما أنا فقد وقفت من هذه المحاولات موقفا ايجابيا محايدا. وأدركت ان لبنان لجميع اللبنانيين. والحقيقة ان براعة هؤلاء في المناورات الحزبية واستقطاب الجماعات كانت تفوق وعيهم للمشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي كانت تعانيها البلاد واهتمامهم الجدّي بمعالجتها. وهذه المشاكل أقلقتني واستحوذت على اهتمامي في الدرجة الأولى، فكنت أستوحي مشاريعي العامة من حاجات الناس ومما كنت ألاحظه في كل بلد زرته ومن خلال اتصالاتي مع المعنيين في الشأن العام.

وبنتيجة الخلاف القائم بين اده والخوري على الرئاسة قام الأول، نكاية بالثاني، بمساندة الشيخ محمد الجسر ورشحه للرئاسة وعلى الأثر عطّل المجلس ومارس دباس السلطة التنفيذية استنادا الى قرار المفوض السامي، ثم عيّن حبيب باشا السعد خلفا له. وفي الفترة الواقعة بين العام ١٩٣٢ و١٩٣٤ تمت اصلاحات ادارية ومشاريع على جانب من الأهمية، وأصلح النظام القضائي القائم وسُنّت قوانين جديدة.

وفي العام ١٩٣٤، أجريت انتخابات نيابية أعادت للبلاد حياتها السياسية والدستورية، وتعيّن يوم ٢٠/١/١٩٣٦ موعدا للانتخابات وكانت الفترة القائمة بين الانتخابات النيابية وموعد انتخابات الرئاسة فترة صراع جديد بين اده والخوري. فاز اده على الخوري بصوت واحد. يقول الخوري في مذكراته انه صوت كميل شمعون. وكان هذا الفشل من حظ بشارة الخوري لأنه لو تبوّأ سدة الرئاسة في عهد الانتداب فلما تبوأها في عهد الاستقلال.

وفي ٩/٩/١٩٣٦ تم توقيع المعاهدة الفرنسية - السورية التي تعترف بسوريا دولة مستقلة. وفي تلك المرحلة الحساسة، كان الوفد السوري المفاوض قد استعان بخبرة ونفوذ رياض الصلح وعلاقاته السياسية والشخصية، خاصة في أوساط اليسار الفرنسي. فركّز رياض جهوده على إذكاء حمية أحزاب اليسار وإثارة حماستها لالغاء الانتداب، ملوحا بأن صداقة فرنسا لسوريا ولبنان هي أفضل من خمسين ألف جندي سنغالي، بينما المكلّف الفرنسي يدفع الضرآئب ولا يجني أي كسب من امتداد السلطة الفرنسية الى بلاد ستستقل، عاجلا أم آجلا. ثم بدأت المفاوضات في بيروت لعقد معاهدة مماثلة بين فرنسا ولبنان. وفي ١٣/١١/١٩٣٦ تم توقيع المعاهدة بين الرئيس اده والمفوض السامي. وكانت صالحة لمدة ٢٥ سنة اشترطت فيها فرنسا على ان يبقى جنودها في لبنان. وأخد بشارة الخوري يدافع عن المعاهدة في تقرير وضعه لابرامها أمام مجلس النواب، فوافق المجلس النيابي اللبناني في ١٧/١١/١٩٣٦ على نصها واعترفت فرنسا بموجبها بلبنان دولة مستقلة على ان يكون لفرنسا مركز ممتاز في كل من سوريا ولبنان. وألحقت بالمعاهدة الفرنسية - اللبنانية رسائل متبادلة بين اده والمفوض السامي دي مارتيل توضح بعض النقاط المهمة منها الرسالتان الرقم ٦ و٦ مكرر اللتان أكدتا ضرورة تمثيل مختلف الطوائف والمناطق اللبنانية تمثيلا عادلا في الحكومة والمناصب الادارية العليا. وكان رياض الصلح قد قال للمفوض السامي الفرنسي بتاريخ ١٣/١١/١٩٣٦ دفاعا عن المجلس القومي الاسلامي: إننا لم نتقدم بمطالبنا باسم الشعار الطائفي إلاّ لأن استقلال لبنان نفسه يستمد وجوده من الشعار الطائفي. لولا الطائفية ما كان منفصلا عن سوريا.

المصدر: صحيفة الانوار اللبنانية

إشترك في خلاصة التعليقات عدد التعليقات: (0 منشور)

المجموع: | عرض:

إكتب تعليق

البريد الالكتروني يبقى سرّي و لا ينشر
  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

- التعليقات الواردة من القراء هي مسؤولية أصحابها ولا تعبر عن رأي إدارة الموقع بالضرورة
- تتم مراجعة تعليقاتكم قبل نشرها عن طريق إدارة الموقع

- (سياسة نشر التعليقات)

تابعونا

  1. دول خليجية تحذر رعاياها من السفر إلى لبنان (5.00)

  2. وفاة "ملكة الديسكو" دونا سمر عن 63 عاماً (5.00)

  3. معارض صيني ضرير بمطار بكين متوجهاً لنيويورك (5.00)

  4. الاكتئاب لدي المراهقين .. له إشارات يجب الانتباه لها (5.00)

  5. صحف العالم: أمريكا "تعاقب" باكستان بعدد سنوات سجن أفريدي (5.00)

  6. فيلم منتظر يكشف تفاصيل اغتيال بن لادن (5.00)

  7. أستراليا: التيار الوطني الحر في سيدني ينعي فقيده المفكر و المناضل والاعلامي المخضرم الأستاذ بطرس عنداري (5.00)

  8. الرحيل المفاجئ (5.00)