إعلانات Zone 4B

[CLOSE]

إعلانات Zone 3B

[CLOSE]
أحدث الأخبار:

إعلانات Zone 2B

[CLOSE]
الرئيسية | مقالات | فصل في فنون العبث بالذاكرة
المصنفة ايضاً في: مقالات

فصل في فنون العبث بالذاكرة

آخر تحديث:
المصدر: صحيفة السفير اللبنانية
image
الكاتب:
عدد المشاهدات: 842
قيّم هذا المقال/الخبر:
0
حجم الخط: A+ A-
نسخة صالحة للطباعة   نسخة نصية   أرسل إلى صديق

إعلانات Zone 6B

فصل في فنون العبث بالذاكرة

إذا كان التدليس السياسى استثناء في المجتمعات الديموقراطية التعددية، فهو أصل وقاعدة في مجتمعات الصوت الواحد.

(1)

في تشرين الثاني الماضي، اختارت قواميس «أكسفود» مصطلح «ما وراء الحقيقة» الذي هو ترجمة عربية لكلمة post truth ليكون مصطلح سنة 2016، نظرا لذيوعه ورمزيته في أحداث العام. وعرفته باعتباره يشير إلى الحالة أو الظروف التي يتضاءل خلالها تأثير الحقائق الموضوعية على صياغة الرأي العام، في حين تهيمن عليه العاطفة والمعتقدات الشخصية. الأمر الذي يصنع وعيا كاذبا لدى الجماهير لا صلة له بحقائق الواقع. بكلام آخر، فإن المصطلح يعبّر عن الحالة التي تطلق فيها الأكاذيب واحدة تلو الأخرى، على نحو يحدث تراكما لدى الجماهير، يحولها بمضي الوقت إلى حقائق ومسلمات يصدّقها الناس ويتداولونها فيما بينهم. والنموذج الذي يُشار إليه في هذا الصدد يتمثل في انتخاب الرئيس الأميركى الجديد دونالد ترامب الذي جاء تعبيرا عن فاعلية حملة الأكاذيب. عبّرت عن ذلك روث ماركوس كاتبة «الواشنطون بوست» التي نشرت مقالا في 12/5 كان عنوانه «مرحبا بكم في رئاسة ما وراء الحقيقة»، ذكرت فيه أن الأكاذيب كان لها الفضل في وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض. وكلما زادت الأكاذيب التي يتفوه بها، زادت المكافآت التي قدمها له الناخبون، الذين رأوا أنه يقول الحقيقة من دون تزيين.

أضافت الكاتبة قائلة إننا «الأمريكيين» اقتنعنا بمقولة الرئيس الثاني للولايات المتحدة جون آدامز (العام 1770) التي ذكر فيها أنه «بغض النظر عن رغباتنا وميولنا أو ما تمليه علينا عواطفنا، ليس بإمكاننا تغيير الحقائق والأدلة». إلا أن تلك المقولة عفا عليها الدهر في ما يبدو بعدما حدث في تجربة الرئيس الخامس والأربعين دونالد ترامب. ذلك «أننا انتخبنا رجلا لا يأبه للحقيقة، ويقف بصلابة في وجه أي جهود للتحقق مما يطلقه من تصريحات».

(2)

ما سبق ليس رأيا خاصا عبرت عنه الكاتبة الأميركية، لأن الصحف الغربية عموما والأميركية خصوصا حفلت بعديد من الكتابات التي تناولت أكاذيب ترامب وفريقه. فصحيفة «نيويورك تايمز» نشرت مقالة لبول كروجمان الاقتصادي الأميركي الكبير الحائز على جائزة نوبل ذكر فيه أن «ترامب أغرانا وخدعنا» وآدم سيرور كتب في «ذي اتلانتيك» منتقدا عالم ترامب الموازي الحافل بالأكاذيب. وقال إنه وفريقه «من طينة أناس يسعهم إعلان أن السماء خضراء من دون أن يرف لهم جفن». وتحدث فيرنر موللر أستاذ النظرية السياسية وتاريخ الأفكار بجامعة «برينستون» عن شعبوية ترامب وأنصاره الذين يسوقون مختلف الحجج لإلغاء مخالفيهم وادعائهم تمثيل كل الشعب. أما أستاذ الفلسفة بجامعة كاليفورنيا، ألفا نومي، فقد ذهب إلى أن زمن ما وراء الحقيقة سابق على عهد ترامب، لأن الكذب السياسي له تاريخ طويل في التجربة السياسية.

في هذا السياق قرأت تحليلا لظاهرة ترامب وزمن ما بعد الوقائع كتبه خبير الشؤون الأميركية الزميل حسن منيمنة في صحيفة «الحياة» اللندنية (عدد 12/11) تحدث فيه عن أن الأكاذيب والأضاليل إذا صارت سمة الهوامش الثقافية فهو أمر مقدر، لكن أن تكون الصفة الغالبة على الحوار السياسي فأمر مقلق. أما أن تصل الظاهرة إلى موقع الرئاسة فأمر خطير ذو تداعيات أكيدة. ومما ذكره أن اليمين «الجمهوري» الذى يحيط بترامب تجتمع فيه نظريات المؤامرة بالغيبيات والعنصرية والصلافة. حيث يصبح خطابه نموذجا لتغييب الوقائع والمعطيات من قبيل الادعاء بأن هيلارى كلينتون ومن معها يديرون شبكة دعارة للأطفال تتعاطى لحوم البشر في إطار طقوس شيطانية، ويمسي الاعتراض على هذا التيه بحد ذاته مؤامرة ومسعى إلى منع تقصي الحقيقة وحرية التعبير.

(3)

الحوار حول بروز ظاهرة «ما وراء الحقيقة» تزامن مع إعلان نتائج دراسة أجراها فريق من الباحثين البريطانيين والكنديين حول «زرع الذاكرة الكاذبة». وقد وقعت على خلاصة تلك الدراسة في تقرير نشرته صحيفة «الشرق الأوسط» (عدد 12/9) تبين منها أن كثيرا من الناس يتذكرون أحداثا لم تقع قط، ومع ذلك فإنهم يبدون على ثقة من وقوعها جراء الإلحاح على تزوير أو خلط المعلومات أثناء عرض الأخبار، نتيجة تكرارها على مسامعهم بصياغات مختلفة في العديد من المناسبات. وهو ما يؤدي إلى تكوين ذاكرة جمعية خاطئة. الأمر الذي يؤثر على سلوك الناس ومواقفهم الاجتماعية فضلا عن السياسية. وهو ما دعا الباحثين إلى التشكيك في دقة وصحة أقوال الشهود في استنادهم إلى الذاكرة أثناء التحقيقيات الجنائية وداخل قاعات المحاكم.

نشر الدارسون نتائج أعمالهم في ثمانية أبحاث تضمنتها مجلة «ميموري» لدراسات الذاكرة وقد خصصت كلها لجوانب مختلفة لموضوع «زرع الذاكرة الكاذبة». وأشرفت على العملية الدكتورة كمبرلي وايد بجامعة «وارويك» البريطانية وساهم فيها اثنان من الباحثين الكنديين. وأظهرت دراسة الدكتورة وايد أن الأشخاص الذين تقدم لهم معلومات متخيلة عن أحداث في بداية أعمارهم، ويقومون مرارا وتكرارا بتخيل أن تلك الأحداث وقعت لهم، يتعرض نصفهم إلى التصديق بوجودها فعلا. وظهر أن نصف ما مجموعه 400 مشارك في عملية زرع الذاكرة هذه، من الذين عرضت عليهم معلومات كاذبة عن حياتهم، اعتبروها جزءا حقيقيا من تاريخهم. وقال 30 في المئة منهم إنهم «يتذكرونها» وتحدثوا بالتفصيل عن جوانبها. بينما قال 23 في المئة آخرون إنهم يعتبرون تلك الأحداث جزءا من تاريخهم.

(4)

معهم حق الباحثون حين تستنفرهم ظاهرة الكذب السياسي أو زراعة الذاكرة الكاذبة. فتلك ممارسات تشكل استثناء على منظومة القيم السائدة في مجتمعات الديموقراطية. فضلا عن أن أجواء الحرية والتعددية المتاحة لهم تمكنهم من كشف مواضع التدليس وتبصير الناس بالحقائق الخافية. إلا أن المشكلة أكبر بكثير في المجتمعات غير الديموقراطية التى يهيمن عليها الصوت الواحد، التي تضمن ضخ الأكاذيب طول الوقت بما يكفل غسل الأدمغة وتعميم الذاكرة الكاذبة.

الحاصل في سوريا يعد نموذجا صارخا يدلل على ما ندعيه. فالخطاب الرسمي بأبواقه المختلفة يروّج للادعاء بأنه تم تحرير حلب من «الإرهابيين»، فى حين أن النظام الذى أطلق المقولة مسؤول عن قتل 400 ألف سوري وإعاقة ضعفهم وتهجير ونزوح عشرة ملايين آخرين. علما بأن أغلب المنظمات التى تقاتله خرجت من عباءة مقاومة إرهاب النظام الذى أذلّ السوريين منذ أكثر من ثلاثين عاما. وكانت عناصر تلك المقاومة قد دعت إلى التأثير السلمي منذ ست سنوات، ولكنها قوبلت بالبطش والتنكيل وغير ذلك من الممارسات التى تعد جرائم ضد الإنسانية. مع ذلك يراد لنا أن نصدق أن الإرهابييين هم من قاموا بالاستبداد وأن النظام القائم هو من قاد عملية التحرير (بواسطة الروس والإيرانيين).

في عالمنا العربى قائمة طويلة من العناوين والشعارات الأخرى التي أطلقت خلال السنوات الأخيرة، وشكلت وعيا عاما لم يعرف وجه الحقيقة فيه. ولكن الإلحاح الإعلامى صاحب الصوت الواحد حول العناوين الملتبسة، من خلال الذاكرة التى تم زرعها، إلى حقائق ومسلمات مستقرة. إذ شمل الالتباس مصطلح «الربيع العربى» الذى أصبح يطلق عليه وصف «الخراب العربي» في العديد من منابر الإعلام، وجرى الربط بينه وبين مظاهر الفوضى التي شهدتها بعض الأقطار، والتي حركتها قوى الثورة المضادة حين سعت إلى إفشال «الربيع» بالسبل كافة. وهذا التشويه أصاب ثورة «25 يناير» فى مصر التى صار البعض يشير إليها بحسبانها «مؤامرة» دبرتها قوى أجنبية وليست انتفاضة باهرة للشعب المصرى. وبمناسبة المؤامرة فإن ثمة خطابا في مصر دائم الإشارة إلى أن البلد مستهدف وأن الكل يتآمر عليه من جانب «أهل الشر». كما أن «الإخوان» تحولوا إلى قوة عالمية جندت كبريات الصحف والبرلمانات الغربية واخترقت البيت الأبيض في واشنطون. إلى جانب دورهم في كل جرائم القتل التى استهدفت الشرطة والجيش وصولا إلى دورهم في انسداد بلاعات الإسكندرية ورفع أسعار الدولار.

ولعلي لا أبالغ إذا قلت إن وقائع التاريخ المصري منذ 25 يناير 2011 وحتى اللحظة الراهنة تمّت صياغتها من وجهة نظر واحدة، ولاتزال بحاجة إلى تحقيق وفرز. ذلك أنه صار لدينا تاريخان لثورة 2011، أحدهما قضائي محايد قامت بتحريره لجنة تقصّي الحقائق التي رأسها المستشار عادل قورة، وآخر أمني نسخ الأول وجرى تصميمه لتبرئة الشرطة من قتل المتظاهرين وتصفية الحسابات السياسية أمام القضاء في وقت لاحق.

ليس الأمر مقصورا على الذاكرة السياسية فحسب، ولكنه شمل أيضا الذاكرة التاريخية. ففي ثنايا الحملة ضد الإرهاب صوّر البعض التاريخ الإسلامي على أنه رحلة للدم. وبعد تفجير الكنيسة البطرسية جرى انتقاء بعض المعلومات الشاذة في كتب التراث وقدمت باعتبارها «قنابل التكفير». ومن شأن كل ذلك أن تظل الحقيقة تائهة وضائعة، بحيث يتم تشكيل المدارك والرأي العام تبعا للأهواء والنزوات السياسية الطارئة.

المصدر: صحيفة السفير اللبنانية

إشترك في خلاصة التعليقات عدد التعليقات: (0 منشور)

المجموع: | عرض:

إكتب تعليق

البريد الالكتروني يبقى سرّي و لا ينشر
  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

- التعليقات الواردة من القراء هي مسؤولية أصحابها ولا تعبر عن رأي إدارة الموقع بالضرورة
- تتم مراجعة تعليقاتكم قبل نشرها عن طريق إدارة الموقع

- (سياسة نشر التعليقات)

تابعونا

  1. دول خليجية تحذر رعاياها من السفر إلى لبنان (5.00)

  2. وفاة "ملكة الديسكو" دونا سمر عن 63 عاماً (5.00)

  3. معارض صيني ضرير بمطار بكين متوجهاً لنيويورك (5.00)

  4. الاكتئاب لدي المراهقين .. له إشارات يجب الانتباه لها (5.00)

  5. صحف العالم: أمريكا "تعاقب" باكستان بعدد سنوات سجن أفريدي (5.00)

  6. فيلم منتظر يكشف تفاصيل اغتيال بن لادن (5.00)

  7. أستراليا: التيار الوطني الحر في سيدني ينعي فقيده المفكر و المناضل والاعلامي المخضرم الأستاذ بطرس عنداري (5.00)

  8. الرحيل المفاجئ (5.00)

فهمي هويدي

فهمي هويدي

كاتب ومفكر إسلامي مصري ، يعد من أبرز المفكرين الإسلاميين المعاصرين ، كرس معظم مجهوداته لمعالجة إشكاليات الفكر الإسلامي والعربي في واقعنا المعاصر ، داعياً إلى ترشيد الخطاب الديني ، ومواكبة أبجديات العصر ، له مقالات عديدة نشرتها صحيفة الأهرام على مدار فترة طويلة ، وهو حاليا من الكتاب الدائمين في صحيفة "الشروق" ، كما تنشر مقالاته وأعماله في صحف عربية عديدة مثل الشرق الأوسط.

المزيد من اعمال الكاتب