إعلانات Zone 4B

[CLOSE]

إعلانات Zone 3B

[CLOSE]
أحدث الأخبار:

إعلانات Zone 2B

[CLOSE]
الرئيسية | مقالات | إقبلني مسيحياً.. بمعمودية فلسطين
المصنفة ايضاً في: مقالات

إقبلني مسيحياً.. بمعمودية فلسطين

آخر تحديث:
image
الكاتب:
عدد المشاهدات: 759
قيّم هذا المقال/الخبر:
0
حجم الخط: A+ A-
نسخة صالحة للطباعة   نسخة نصية   أرسل إلى صديق
إقبلني مسيحياً.. بمعمودية فلسطين

من أكون لأخاطب قداسة البابا؟

إيماني المرتبك والفوضوي لا يسمح لي، فلا أنا مسيحي، ومن المسيحية عندي ما يثري روحي وما يغنيني عن الانتظام في سلك «المؤمنين»، المستقيمي الرأي... ولا أنا مسلم، ومن الإسلام عندي ما يحرر عقلي وما يعفيني من الانتظام في سلك الفقهاء وأصحاب الطرق والمذاهب. ولست من أتباع الديانات الوثنية أو من أهل الالتزام بوحدانية الحقيقة والعقيدة. ومع ذلك، أشعر أن من واجبي مخاطبة قداسته.

أنا أشبه كثيرين من الذين يشعرون بالغربة الروحية، عن الأديان في تجسداتها، وعن العقائد في مسيراتها، وعن الطوائف والمذاهب في تمظهراتها، وعن الأنظمة السياسية في استبداداتها، وعن الأوطان وقد خلت من الروح... أنا، وغيري كثيرون يعيشون على الهامش، لأن المتن مسكون بنصوص تحرّض وتكفر وتسفك، لأن المتن مسكون بصكوك دينية نفطية، ولأن المتن ترسانة عنف وحقد، ولأن المتن سياسة بالإكراه، وطاعة بالاستقواء، واستبداد مشرّع ومشرعن، بآيات الغفران.

أنا، كسواي من الملايين الهاربة، من أماكن إقامتها في ما يعتبر أوطانا، بينما تقيم فيها، على رجاء يوم السلامة، لا يوم القيامة... أنا كسواي، أعيش في بلاد كفر، يرتع فيها «المؤمنون»، من ديانات ومذاهب شتى، يتواطأون من أجل سلطة تستبد باسم الدين، ويقتتلون على الأرض، والسماء خلاء منهم، ويدّعون أنها لهم.

هذا الأنا/النحن، صعاليك هذه الأمة، من حقنا ان نقول لقداسته حقيقة ما نعرفه ونعيشه، ما نحبه ونكرهه، ما نصبو إليه ونحلم به، ما نظن أنه من حقنا، حق ان نعيش بسلام، في «بلاد العنف الطافح دماء»، حق أن نعيش بحرية كأفراد وجماعات، حق أن نمشي بجباه عالية، لا أن نسير حذو الرأس بالنعل، كما هو مفروض ومتبع وسائد. وفق نهج القطعان التي تساق بالعصا والأصوات المنذرة بالويل الإلهي والثبور الديني. حق ان نكون بشراً حقيقيين، لا تمييز بيننا، دينا أو عرقا أو مذهبا أو منبتا أو مشربا أو فكرا. من حقنا أن نقول لقداسته، لقد جئت من أجل غيرنا. فهل تستطيع ان تسمع كلاماً مغايراً؟

نبدأ من المسيحيين.

يا قدس الحبر الأعظم. نعلُمك ما أثبتته الوقائع التاريخية. لا خلاص للمسيحيين وحدهم في هذه المنطقة. كما لا خلاص لأي طائفة أو مذهب. هذه بلاد لا يشتبك فيها الله مع الله. لا يعترك فيها الرسل بالرسل. هذه بلاد توحدت إلهيا، بسلالة إبراهيمية إيمانية، وتفرّقت بشريا. منطق الله، لم يغلب منطق الاجتماع والجغرافيا وفقه المصالح ونزوع الانتماءات القبلية... منطق الدين، وهو في أجلى توحيده، بعثرته المصالح لا العقائد. العقائد بنت المصالح، وهذه بنت النزوع والحاجة، وهذان تحددهما مواقع الزرع والضرع والتجارة، ومذاهب القوة ومنازع السلطة... الدين، توظف عند السلطة، ففقد علاقته بنا. كنا روحه، وأرادونا أتباعاً له، بعدما صار تابعا للسلطة.

ولهذا طفرنا. خرجنا طمعا بخلاص فردي، بعدما امتنع الخلاص الجماعي. لم يعد الدين، بتجلياته الدنيوية، خشبة خلاصنا... ليته ظل كما كان. أخذوه عنوة منا. خسرناه، فمن يعيد إليه الينابيع؟

يا قدس الحبر الأعظم. لسنا شواذ هذا العالم. الحروب الدينية في أوروبا المسيحية، شاهدة على التحريف الديني لمصلحة السياسي السلطوي النفعي الانتهازي القمعي الدموي. هكذا كانوا وللأسف نحن لا نزال. أوروبا سبقتنا إلى خلاصها عبر تخليص الدين من السياسة. نجت الكنيسة عندما هُزمت. نجت لأنها أُخرجت من السياسة وعادت إلى التعليم والتبشير والتوجيه والعناية والاهتمام بالضمير والقيم، بلا قمع أو تكفير. تقبل منها أو تختلف معها، بلا عقوبة أو محاكمة.

بكل أسف، كما كنتم هناك، ما زلنا هنا.

الدين ليس مانعا للحروب، بل قد يزكيها، إذا استدرج إلى خنادقها. «الحروب الصليبية»، مجازاً، منتشرة في كل الديانات... ما تشهده منطقة المشرق من عنف مذهبي وديني، والتي تجيئها اليوم، لإرشادها، ليس حكراً ولا اختصاصاً ولا استثناء. على أن الاختصاص الذي سجلته هذه المنطقة في تاريخها، لم يكن حروبا بين أتباع أديان أو دينين، بل بين أتباع الدين الواحد. ما بين الشيعة والسنة، فتنة كبرى، بدأت عند وفاة الرسول. وهي فتنة لما تهدأ، ومن ينفخ فيها اليوم، يريد لهذا الشرق أن يبقى مشتعلا، وأكثر ضحاياه تعرضاً هم المسيحيون، لهشاشة أوطانهم وهشاشة علاقاتهم وفقدان النصاب الوطني في دولهم، واكتمال النصاب المذهبي وتحالفه مع آلة القمع والنبذ السلطوية.

لا خلاص بالتعدد الديني/ السياسي. التعدد البناء يرتكز على ما في الديني من خصب وثقافة وإبداع وتسامٍ. لا حدود في هذا التعدد. لا محاصصة. لا منافع. لا خنادق... التعدد الديني السياسي، مشروع فتنة، يؤجله التوازن والتحاصص والتسويات وتفجره الكمائن والمصالح والمصامع... كل تعدد ديني/سياسي، عابر للحدود والأوطان. انتماؤه خارجي، وامتداده تحالفي. في التعدد الديني/ السياسي، سيادة للخاص على العام. ونحن، في بلاد، بلا دول، لشدة تحكم الخاص بالشأن العام. وأخطر الخصوصيات، الخصوصيات المذهبية والدينية.

لا خلاص للمسيحيين، من دون خلاص للمسلمين. لا خلاص لأحد على حساب أحد آخر. كل خلاص خاص، غلبة على أو هروب من. كما انه لا خلاص للمسيحيين من خلال حماية خارجية، أو حماية يوفرها نظام استبداد. أنظمة الاستبداد العربية، تشتري ولاءات المذاهب لتوفير الأمان لها، (وهو حق طبيعي) لقاء تبعية ومبايعة وصمت على الارتكاب.

أنظمة الاستبداد لا تحمي أحداً، لا دينا ولا طائفة ولا عشيرة ولا عائلة ولا أفراداً... تسمح لنفسها بالموبقات، وتحظر على الناس ان يكونوا مواطنين. وأنظمة الاستبداد الديني، أشد كفرا وبطشاً من أنظمة الاستبداد الحزبي والعسكري والعقدي.

المسيحيون خائفون. طبعا. ولكنهم ليسوا وحدهم في هذا العراء المخيف. السنة خائفون، الشيعة خائفون. العلمانيون خائفون. الأفراد خائفون. لا علاج للمخاوف بطمأنة أقليات أو ضمانة أكثريات... بلاد بلا دول ولا مواطنة، هي بلاد داشرة لا تقيم اعتباراً للمواطنة والحقوق والحرية والكرامة والخبز.

هذه بلاد مسكونة بالعنف، ومستمرة بالعنف، وهو ضد الجميع.

قدس الحبر الأعظم. ماذا عن مسيحيي لبنان؟ إذا قالوا لك إنهم خائفون، لا تصدقهم. الخوف اللبناني عام وشامل. المسيحيون أقل عرضة من سواهم. وان أصابهم، فبالصدفة... مشروع الخوف والتخويف الذي تبنوه منذ إعلان لبنان الكبير، استنفد أغراضه. قالوا: لبنان ملجأ وطمأنينة. لا بد منه كيانا، خوفاً من أمواج الاسلام المتدافقة. بلد صغير مسيحي قليلا، في بحر إسلامي لجوج... كل هذا انتهى.

في الحروب التي قادوها، والتي توّجت بمشروع بشير الجميل الانتحاري، الذي تصادفت ذكرى قتله أمس، لم يبق مسيحي في لبنان، من المحافظات الأربع، من دون أن يتعرض للتهجير... تجارة الخوف والاستقواء به أنهت الوجود المسيحي في ثلاثة أرباع لبنان.

قدس الحبر الأعظم. يلزم أن يطلعوك على الانتشار المسيحي في لبنان، قبل جنون قياداتهم عشية الحرب في العام 1975. كان المسيحيون منتشرين في كل لبنان. وحدهم بين المذاهب والطوائف، عاشوا في كل لبنان المترامي بين بحر وجبال وسهول... الطوائف الأخرى لا تتساكن بعضها مع بعض. السنة وحدهم. الشيعة وحدهم. الدروز وحدهم... يشاركهم المسيحيون فقط... هذا تعايش حقيقي، ولكنه انتهى... المسيحيون اليوم، يعيشون في ضاحيتين متداخلتين، ضاحية «الرابية» حيث يقيم «الجنرال»، وضاحية «معراب»، حيث يقيم «الحكيم». موزعة كالفتات على موائد العائلات وما تبقى من أحزاب.

مسيحيو لبنان بلا مشروع. وكان من المفترض ان يكون ذلك إيجابياً، لينصرفوا إلى مشروع بناء دولة المواطنة. للأسف أيضا، اختاروا التمسك بالطائفية، وبسبب ضعفهم تحالفوا مع شيعة، وللشيعة مشروعهم، ومع السنة، وللسنة مشروعهم المضاد. لمسيحيي لبنان مشروعان إسلاميان. فليطمئن قلب المسيحيين. حمايتهم متأتية من ازدواج تحالفهم...

علتهم اليوم، انهم راغبون ان يكونوا «شركاء لا أجراء» عن جد. فيكون تمثيلهم المسيحي صافيا من خلال صفاء منتخبيهم. لأن عدداً من ممثلي المسيحيين راهنا، يُنتخبون بأصوات شيعية أو درزية أو سنية.

هذا علاج يكاد يفجّر المسيحيين أنفسهم. أما حصتهم في الدولة، فلا خوف عليها. انها محروسة عدداً وعُدّة. يشكون من دسامة حصص الآخرين...

لا خوف عليهم ولا أمل فيهم... لأنهم يفكرون كمسيحيين. ويا ليتهم كانوا مؤمنين. الخوف، على كل لبنان، كما كان على كل العراق، وكما هو الآن على كل سوريا. العراق كان مذبحة للجميع. ضحايا أميركا من كل الأديان. ضحايا النظام والثورة في سوريا من كل الطوائف... إن الخوف علينا يجب أن يكون بصيغة الجمع، وليس بصيغة المفرد الطائفي والديني.

تبقى فلسطين يا قدس الحبر الأعظم.

دعني أحلم. ماذا لو كان مكان إقامة الفاتيكان هو القدس في فلسطين. ماذا لو كان يعاني، معاناة وجودية، ما عاناه ويعانيه الفلسطينيون. لو كان ذلك كذلك، لما اعترف الفاتيكان بإسرائيل... هذه دولة اغتصاب يا صاحب القداسة. أنا كنت أتمنى أن لا يذهب الرسول بطرس إلى روما ليستشهد فيها. وتبنى الكنيسة الرومانية على صخرة استشهاده. كنت أتمنى ان يبقى صياداً على بحيرة طبرية، مبشراً بالخلاص. وتبنى كنيسته على وعد الخلاص. وكم فلسطين بحاجة إلى هذا الخلاص؟

لو كان الفاتيكان هنا، لتغير العالم، ورأى الفلسطيني الضحية ونصر أهلها... آسف أن أنقل إليك شعوري. الفاتيكان يتصرف كدولة أوروبية، وليس بين هذه الدول «الراقية، الديموقراطية، الحضارية» من يجرؤ على كشف الجريمة الرهيبة التي ارتكبت بحق فلسطين، وحق هذه الأمة المنكوبة... الفاتيكان الدولة لا يكون كأي دولة. هو دولة الروح. ولا مساومة على الروح وفي الروح.

حلمي هذا، أثاره ريجيس دوبريه، عندما اقترح أن تنتقل هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن إلى القدس.. معه حق. هنا يتحسس المقيم ماذا يعني الاحتلال، الذل، المهانة، الاستيطان، السجن، الاعتقال، الطرق الالتفافية، الجدار الفاصل، العنصرية الصهيونية... هنا، عبر العيش في فلسطين، تكوي الجمرة الوعي وتوقظه من سباته وخوفه وجبنه.

أنت اليوم رأس الكنيسة. ألماني الأصل والمعاناة... إنما يا قدس الحبر الأعظم، نحن لا علاقة لنا بالمحرقة. نحن لم نحرق اليهود. أوروبا المسيحية نكّلت بهم واضطهدتهم. نحن عشنا معهم قرونا مديدة، يقول عنها جاك أتالي، كانت تلك القرون، الفترة الذهبية لليهود في العالم... بيننا كانوا مثلنا. بل تبوأوا في أزمنة عديدة صدارة العمل العربي. قائد الجيوش العربية في الأندلس لسبعة عشر عاما كان يهوديا. اليهود ساعدوا جيوش عمر بن الخطاب على فتح الاسكندرية. كانوا أسياد التجارة والمواصلات بين قندهار في أفغانستان وشواطئ الأطلسي في المغرب، وكانوا شركاء في صنع الحضارة الأندلسية.

وحتى عشية قيام دولة اسرائيل، كانوا يهوداً عربا. اسرائيل جعلتهم يهوداً صهاينة.

هل كان من حقي ان أقول كل ذلك في مقامك بيننا؟

اعترف بأنني من بين الرسل جميعاً، اخترت الرسول توما شفيعاً لي، لأن الكلمات لا تشفيه. وحده الجرح يقنعه. ونحن أبناء الجراح الفلسطينية واللبنانية والسورية والعراقية والمصرية والعربية. منذ قرن ونحن نتعرض لحروب تردنا من الخارج. ولأننا أبناء هذه الجراح، نتطلع إلى شفاء أصيل. ولا شفاء لنا إلا بالسلام. نحن أجدر وأحق الشعوب بالسلام. لكن ما يعرض علينا هو الاستسلام. وهذا «السلام» مجلبة عنف لا يهدأ. عنف أصولي، قومي، طائفي، مذهبي... عنف يوقظ الشياطين ويدفعنا إلى الجحيم.

لا نطلب من قداستك صلاة فقط. نطلب ان تقف الكنيسة موقفا ليس صعبا، ولا تبعات مؤذية لها. فكما وقفت مع بولونيا بحزم، فلتقف مع فلسطين بحزم. فلتقف مع تحريرها بشدة. فلتقف مع الحرية والديموقراطية في العالم العربي. فلتقم حواراً أبديا مع المسلمين، ولكن فلتدعم صيغة الدول الديموقراطية العلمانية.

بهذا تربح الكنيسة روحها وأرواحنا. وبهذا نصبح مؤمنين عن جد... ونعلن بصوت ملؤه الحنان: نؤمن بإله واحد... إلى يوم الدين... أنا الابن الضال. عاملني كالابن الشاطر، لأني مستعد لدخول الكنيسة، مرة أخرى بمعمودية فلسطين.

المصدر: صحيفة السفير اللبنانية

إشترك في خلاصة التعليقات عدد التعليقات: (0 منشور)

المجموع: | عرض:

إكتب تعليق

البريد الالكتروني يبقى سرّي و لا ينشر
  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

- التعليقات الواردة من القراء هي مسؤولية أصحابها ولا تعبر عن رأي إدارة الموقع بالضرورة
- تتم مراجعة تعليقاتكم قبل نشرها عن طريق إدارة الموقع

- (سياسة نشر التعليقات)

تابعونا

  1. دول خليجية تحذر رعاياها من السفر إلى لبنان (5.00)

  2. وفاة "ملكة الديسكو" دونا سمر عن 63 عاماً (5.00)

  3. معارض صيني ضرير بمطار بكين متوجهاً لنيويورك (5.00)

  4. الاكتئاب لدي المراهقين .. له إشارات يجب الانتباه لها (5.00)

  5. صحف العالم: أمريكا "تعاقب" باكستان بعدد سنوات سجن أفريدي (5.00)

  6. فيلم منتظر يكشف تفاصيل اغتيال بن لادن (5.00)

  7. أستراليا: التيار الوطني الحر في سيدني ينعي فقيده المفكر و المناضل والاعلامي المخضرم الأستاذ بطرس عنداري (5.00)

  8. الرحيل المفاجئ (5.00)