إعلانات Zone 4B

[CLOSE]

إعلانات Zone 3B

[CLOSE]
أحدث الأخبار:

إعلانات Zone 2B

[CLOSE]
الرئيسية | مقالات | إديت بوفييه.. الصحافية التي أصبحت خبراً
المصنفة ايضاً في: مقالات

إديت بوفييه.. الصحافية التي أصبحت خبراً

آخر تحديث:
image
الكاتب:
عدد المشاهدات: 823
قيّم هذا المقال/الخبر:
0
حجم الخط: A+ A-
نسخة صالحة للطباعة   نسخة نصية   أرسل إلى صديق

إعلانات Zone 6B

إديت بوفييه.. الصحافية التي أصبحت خبراً

إديت بوفييه، صحافية فرنسية، ولدت مرة أخرى، في باب عمرو في حمص، الفتاة التي تنقلت مراراً في خريطة الحروب (الصومال، بغداد، أربيل، طهران، سوريا، كينيا وأوزبكستان) هي مراسلة منتمية إلى مهنتها من جهة، وملتزمة بمعايير الإنسانية التي لا تميز بين أنماط وأجناس البشر، في بؤسهم وشقائهم. إديت هذه، على الرغم من تحذير الأصدقاء لها، وخطورة الحصار المضروب على حمص وتوقع اقتحامها بين ساعة وأخرى وهجرة عدد كبير من المراسلين الأجانب، قررت أن تتسلل من إحدى البوابات اللبنانية السرية، إلى ريف حمص، ومن ثم إلى جحيمها، حيث نالت وسام الدم، وكادت أن تدخل في العتمة الأبدية...

لا تعتبر إديت بوفييه نفسها شجاعة، أو أنها تتصف ببسالة. هي فقط تنتدب نفسها لتكون على مقربة من ساحات الدم. لا تكترث كثيراً لتأويلات الأحداث. هي تحضر حيث يكون العنف، فيغيب الآخرون، القريبون جداً والبعيدون كذلك. في العنف، يُترك الناس لمصائرهم المأساوية. يترك الرجال لمواجهة الحسم بين الموت والحياة. يترك الأطفال لالتقاط الدمى القاتلة... هي تحضر حيث يكون العنف هو التأويل الفج للسياسة، وحيث الموت والقتل، اللغة الفضلى، لكتابة نص المأساة، أو نص التاريخ... ان تكون مراسلاً حربيا، يحيط بك الخطر من كل صوب، هو أن تسهم في إعطاء العالم صوتا حقيقيا لا مفر منه... ان تكون ضد الصمت أحياناً، أو ضد الثرثرات المنحازة والقاتلة.

قالت لي: الخلفية السياسية تضيء لها خشبة المشهد. لكن المشهد كله تصنعه الأحداث. ولذلك، هي ترسم المشهد من دون أن يخضع لخلفية مسبقة. الحدث، بفجاجته هو الأول، كما هو. لا يتم تصنيعه وفق انتماءات مسبقة، أو تأويلات سالفة. الحدث هو الناطق الحقيقي بلسان ضحاياه وقتلاه والمرتكبين كذلك. هو السياسة وقد نزعت عنها قشور التبرير والتزوير.

تقول أيضا: حيثما حللت وجدت أناساً أشبههم ويشبهونني. أنتمي إليهم، من دون التماهي بهم، أي من دون الإساءة إلى صورة الحدث. لا تلعب بسحنة المكان والناس. تنقل قضايا الناس المنخرطين وهموم الناس العاديين، بأمانة المهنة وأخلاقية الدفاع عن القضايا المحقة. تنحاز عاطفياً وتعتدل سياسيا. هي ليست ناطقة باسم فريق ضد فريق. هي ليست صوت أحد من خارجها. بل هي صحافية، تقيّد نصها بما تراه عيناها وما تكشفه من ألم ومصائر. تجارب الميدان أفصح من شاشات الكلام.

غير أنها في باب عمرو، انتمت كثيراً. لم تعد صحافية تنقل الخبر وتبثه، لأنها صارت هي الخبر وهي الحدث. ومن جاءت لتكتب عنهم، صاروا ينقلون للعالم أخبار إديت. لقد أصيبت فور وصولها إلى «البيت الاعلامي» المفترض أنه محمي من القصف وقذائف المدفعية... الصحافي في الحروب، كالمسعف فوقه «خيمة زرقاء» تحميه، إلا في باب عمرو، حيث السماء معادية جداً، وحيث الفضاء مشرّع لكل المفاجآت القاتلة. هناك، من كان مفترضاً أن تكون صحافية، صارت ضحية، ومن كان مفترضاً أن تكون كاتبة، صارت نصاً وصورة، لوكالات الأنباء العالمية.

في غرفة مدمرة، بلا أبواب ولا جدران مستقيمة، أقامت إديت على النزف. جراح بليغة، وكسور خطيرة، وليس بين المقيمين طبيب أو ممرض أو...

في الحروب، تتغير اختصاصات الناس. المدرس يمكن ان يصير ممرضاً، الصيدلي طبيبا، الأم مسعفة، سائق الدراجة النارية سيارة إسعاف... في الحرب، يتغير العالم ويتبدل الناس. أصبحت إديت الصحافية، النائمة على خدر الوجع، والمنتظرة على قلق فرج الإسعاف، «باب عمرو أخرى».. هي تدرك خطورة وضعها، وتترك أمر علاجها البدائي، لأهل «الاختصاص» الحديث، المداواة بالاحتضان والإسعاف بما تيسّر من علاجات بدائية.

هناك، انتمت إديت إلى من عانى معها، من أسعفها، من حاول تهريبها من «الوكر الإعلامي الخطير» الذي دكه جيش النظام. انتمت إلى من حاول نقلها من سريرها عبر نفق مظلم، وتركت فيه وقتا طويلا، بلا أمل بلوغ نقطة الضوء المخيفة في آخره. هناك، انتمت إديت إلى من استشهد، وكانوا كثرا، عندما كانوا يحاولون إنقاذها، عبر تهريبها في خطوط متعرجة، وجغرافية ملغومة، لتعود، عبر بوابة سرية أخرى، بعد جلجلة الموت البطيء في باب عمرو... إنقاذ إديت كان بكلفة كبيرة: شهداء من شباب الثورة.

لم تكن إديت صحافية في باب عمرو، إلا بمقدار ما رأت: زميلها وليم المصوّر شفيعها. رفض استكمال مهنته، فترك الكاميرا جانبا، وبات مشرفا صحياً على حياتها، ومبتكراً الوسائل البدائية كي لا تصاب ساق إديت بالهريان أو التقلص...

كان الموت على بابها، ريمي أوشليك، مصوّر فرنسي، قتل على بعد أنفاس منها. ماري كولفن، مراسلة أميركية طاعنة في تغطية الحروب، قتلتها القذيفة... وكان من المفترض أن تكون إديت، الضحية الثالثة. لكن شفاعة ما أنقذتها.

انتمت إديت هناك إلى من حرسها وساعدها وافتداها من شباب «الجيش السوري الحر»، وهي تدين لهؤلاء بولادتها الثانية، وحياتها الجديدة. وإليهم تهدي كتابها.

لإديت في ذاكرتي مشهدان:

ابتسامة المساء الأخير، قبل تسللها إلى سوريا.. ابتسامة، عبّرت عن عدم قناعتها بحججنا التي نهتها عن محاولة العبور إلى حمص. وابتسامة الصباح الاول في بيروت، في مستشفى «أوتيل ديو»، حيث كنا عائلتها في لبنان. الابتسامة الأولى، كانت تعبيراً عن قول لم تقله: «أنا رايحة». وابتسامتها الثانية، كانت تعبيراً عن قول لم تقله كذلك: «ها أنا قد عدت».

أمس وقّعت إديت كتابها في معرض الكتاب الفرنسي في «البيال». كتابها هذا، شهادة حية وتجربة مهنية وامتحان إنساني. وتدريب على المعرفة والحقيقة حيث تكون وحيث تُرى وحيث تُعاش، لا حيث تكون الثرثرة واللغو سياسة.

معها، تبدو كل معرفة بعيدة عن الدم.. خرافة وكلاماً. في «الربيع العربي» عرفنا مثل إديت. فلهم ولها شكر كبير.

المصدر: صحيفة السفير اللبنانية

إشترك في خلاصة التعليقات عدد التعليقات: (0 منشور)

المجموع: | عرض:

إكتب تعليق

البريد الالكتروني يبقى سرّي و لا ينشر
  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

- التعليقات الواردة من القراء هي مسؤولية أصحابها ولا تعبر عن رأي إدارة الموقع بالضرورة
- تتم مراجعة تعليقاتكم قبل نشرها عن طريق إدارة الموقع

- (سياسة نشر التعليقات)

تابعونا

  1. دول خليجية تحذر رعاياها من السفر إلى لبنان (5.00)

  2. وفاة "ملكة الديسكو" دونا سمر عن 63 عاماً (5.00)

  3. معارض صيني ضرير بمطار بكين متوجهاً لنيويورك (5.00)

  4. الاكتئاب لدي المراهقين .. له إشارات يجب الانتباه لها (5.00)

  5. صحف العالم: أمريكا "تعاقب" باكستان بعدد سنوات سجن أفريدي (5.00)

  6. فيلم منتظر يكشف تفاصيل اغتيال بن لادن (5.00)

  7. أستراليا: التيار الوطني الحر في سيدني ينعي فقيده المفكر و المناضل والاعلامي المخضرم الأستاذ بطرس عنداري (5.00)

  8. الرحيل المفاجئ (5.00)