إعلانات Zone 4B

[CLOSE]

إعلانات Zone 3B

[CLOSE]
أحدث الأخبار:

إعلانات Zone 2B

[CLOSE]
الرئيسية | مقالات | أنا قاتل... فاغفروا لي
المصنفة ايضاً في: مقالات

أنا قاتل... فاغفروا لي

آخر تحديث:
المصدر: صحيفة السفير اللبنانية
image
الكاتب:
عدد المشاهدات: 3001
قيّم هذا المقال/الخبر:
0
حجم الخط: A+ A-
نسخة صالحة للطباعة   نسخة نصية   أرسل إلى صديق

إعلانات Zone 6B

أنا قاتل... فاغفروا لي

1ـ أنا كذاب... ونادم

جيروم كاهوزاك كذب على رئيس الجمهورية الفرنسية، كذب على رئيس الحكومة، كذب على مجلس النواب، كذب على الشعب الفرنسي بأسره. ولما اكتشف موقع الكتروني استقصائي أنه كذب، اهتزت فرنسا... ولا تزال.
جريمة كاهوزاك، انه أخفى حساباً خاصاً في مصرف سويسري، أودع فيه 600 ألف يورو! قبل عشرين عاماً، متهرباً من الرسوم والضرائب التي يفرضها القانون.
جريمة كاهوزاك هذا، أنه كان وزير الخزانة في الحكومة الأولى التي شكلها فرنسوا هولاند، تحت شعار إعادة الاعتبار إلى الأخلاق في السياسة، رداً على حكومة «اختلاط المال ورجال الأعمال بالسلطة» في عهد سلفه نيكولا ساركوزي، وكان كاهوزاك مولجاً بمحاربة التهرب الضريبي، ولم يتورع عن حث الناس على التضحية، لتصويب مسار الاقتصاد الفرنسي المتعثر والموازنة المتقشفة.
كذب كاهوزاك. حاصرته الصحافة. أثبتت «ميديا بارت» بالصوت، انه مرتكب. وضع القضاء يده على المسألة، فاعترف الوزير بالإثم كاملاً... واختفى عن الأنظار.
أمس الأول، وبعد خمسة عشر يوماً من استقالته التي دفع إليها، أطل كاهوزاك على الشعب الفرنسي عبر شاشة التلفزيون. ليقول: «أنا كذبت... إغفروا لي». اعترف بصراحة ان ما ارتكبه كان خطأ مجنونا، وأنه وحده يتحمل كامل المسؤولية. وهو مستعد ان يدفع الثمن، حتى في حال قرر القضاء وضعه خلف القضبان.
هذا يحدث في الدول الديموقراطية فقط... في سواها، يُعَاقِب السارقُ المسروقَ منه. يعاقبُ الكذابُ الصادقَ. يعاقب المجرمُ الأبرياء.

II ـ أنا سفاح... ولست نادماً

شهادة أخرى، للعبرة.
كان الكاتب ديفيد لامب قد سجل ما يلي على صفحات جريدة «لوس أنجليس تايمز»، إبان تغطيته يوميات الحرب اللبنانية، التي ارتكب شناعاتها، لبنانيون أقحاح، لا لبس في لبنانيتهم. «عائلات بكاملها ذُبِحَت. مجموعات من عشرة إلى عشرين شخصاً كانوا يوقفونهم إلى جانب الحيطان ويرشونهم بالرصاص. الأمهات متن وهن متشبِّثات بأطفالهن. كل الرجال ظهر أن النار أطلقت عليهم من الخلف. خمسة رجال ربطوا إلى «بيك آب» وجروا على الطرقات قبل أن تطلق عليهم النار».
متركبو هذه البشاعة لم يعترفوا ولم يعتذروا... صبرا وشاتيلا يتيمتان. الضحية موجودة والسفاح موجود. الأولى معروفة والثاني مجهول عمداً.
غير أن جوزف سعاده تجرأ واعترف بما ارتكبت يداه قال: أنا قاتل. سمّى الأشياء بأسمائها... لما جاءه أحدهم بقميص إبن رولان مضرجاً بدمه، رفع سعادة قميص ابنه الذي تمت تصفيته بعد خطفه، وراح يبربر كلمات وصلوات غامضة وبدأ يرقص رقصة موت بدائية... يقول: «توجهت إلى حيث كان تجمع بعض المخطوفين (يسمي طائفتهم) الذين أخّرنا أجلهم. توجهت إلى حيث هم، لأصفيهم جميعاً... نفد ما بحوزتي من ذخيرة. وقعت على بندقية مُلَقّمة. كالمجنون عُدت، وتابعنا أنا ورينغو تصفية المخطوفين، ممددين أرضاً في برك دم قانية. كانت تأوهاتهم وحشرجاتهم تخبو شيئاً فشيئاً. تقدمت صوب جادة شارل حلو: حدّث ولا حرج».
يكمل سعاده وصفه ليوم «السبت الأسود»، أشهر أيام الحرب اللبنانية: «كانت تخيم على المكان حمى من الجنون. يومذاك، عدنا لا نشبه البشر في شيء. يومذاك، أين منا ومن توحشنا الذئاب الكواسر؟؟؟ بطلقة واحدة في الرأس، من مسدس، من «كلاشينكوف»، كان المارة المسلمون ومعظمهم من عمال المرفأ، يُقتلون بلا تمييز. كنا نكدس الجثث في شاحنة... لإفراغ حمولتها من أعلى أحد الجسور... كنا نقتل بلا هوادة، ورغم كل شيء لم أكن راضياً... زمن البراءة والأبرياء ولى... المسلمون، كل المسلمين، مسؤولون عن مقتل ولديَّ».
ملاحظة: أتوقف عند هذا الحد. لا طاقة لي على نقل فقرات إضافية من اعترافاته المرعبة. ينتابني دوار وغثيان كبير. أنا في حاجة إلى حبوب مهدئة وإلى التوقف عن الكتابة، ريثما تعود أصابعي مطيعة لأفكاري...
أعود إلى الكتابة بعد استراحة ليل:
أعترف جوزف سعاده في كتاب: أنا الجلاد والضحية أنا مسجلاً فيه مآثره، بكل ما فعل. وعندما سئل بعد إتمام روايته: هل أنت نادم؟ قال: لا. لست نادماً. ولا أعتذر.
جوزف سعاده، ليس وحيداً في بني جرمه. في معظم الميليشيات التي شاركت في الحرب اللبنانية، تلامذة نجباء لجوزف سعاده، وبعضهم تفوّق عليه، فلقد شهد بطل «السبت الأسود»، مجزرة صبرا وشاتيلا، واستفظع ما ارتكبه رفاقه هناك... وحش يتفوق على وحش. وحش يشفق على قتيله.
يومها، كان المشهد متشابها على كثير من المعابر: «وقِّف. تذكرتك. هويتك. من أين؟ مسيحي؟ انزال... أو: وقِّف، تذكرتك، هويتك، من أين؟ مسلم؟ انزال.
وكان عدد من الذين نزلوا... وصلوا إلى جثثهم بسرعة.
لم يحاكم أحد. صدر قانون عفو. عفا القاتلون عن القتلة. أخفوا المقتولين في مقابر جماعية، وأخفوا المخطوفين في معتقل الصمت العمومي. بعدها، جلس الجميع إلى المائدة السياسية، لإعادة ترتيب الوطن وتربيته...
أين هم القتلة؟ أين هم العشرون ألف قاتل أو الأربعون؟
القتلة بيننا، بجدارة وفعالية. بل: الذئاب بيننا. ألا ترون إلى أنيابها الطائفية والمذهبية والأصولية والسلفية؟


III ـ أنا قاتل... فاغفروا لي

شهادة ناقصة وندم بلا ثمن. تلك هي مروية أسعد الشفتري.
يعترف الرجل انه ارتكب. لم يحدد. لم يسمِّ. لم يوضح. لم يصف الارتكاب. لم يقل من كانوا ضحاياه. لم يقم بعملية كشف ما يعرفه على الملأ. احتج بالخوف على الآخرين. كتم أكثر مما أفصح. ترك القصص الكاملة في ذاكرته. ومع ذلك، ولأنه فريد الحروب اللبنانية، فقد كان جريئاً.
قال الشفتري: «أنا ارتكبت... فاغفروا لي»... أود أن أعتذر من جميع الأشخاص الذين كنت جلادهم (من هم؟) أو كانوا ضحيتي (أين هم؟)...
غيره من المجرمين، صمت وحظي بالمباركة والمرتبة والرضا. هو، مجرم يفصح عن ندم وتأنيب ضمير... من دون رواية، تشفي بعضاً من آلام الناس الذين فجعوا بمقتل او اختفاء أحبائهم. قوله: أنا قتلت، لا يرضي المقتولين المجهولين، قوله: قتلت بيدي وأمرت بالقتل، لا يدل على المقتول المفقود وغير المعروف في أي مقبرة جماعية يقيم.
اليان الراهب في فيلمها الجريء والجديد والمؤلم، قدمت الشفتري في أحد منعطفات الصراع الحقيقي. بين القاتل والضحية، بين القاتل وضميره، بين القاتل ومسؤوليته، بين القاتل والاعتراف المتردد، بين القاتل والقتلة الآخرين، ونجحت في استصدار عفو، يطمئن الشفتري، وألم يأكل مريم، أم المخطوف أو الشهيد.
اليان الراهب فتحت بابا يجب الا يقفل. فلتسأل اكثر عن المجرمين الآخرين. هنا، السينما فن اكتشاف المختفي واعلانه حقيقة. التاريخ يكذب، الفن يصدق. نقول لاليان شكراً.

IV ـ القتل عائد... لأنه مبرر

يحتفل لبنان سنويا بـ «13 نيسان» على طريقة الفولكلور. فيها الكثير من النوايا الحسنة والرغبة في الخلاص و«تنذكر تا ما تنعاد». لم نبلغ بعد مرحلة اليقين بالشفاء. كأن «13 نيسان» ليست وراءنا، بل هي عند كل منعطف أمامنا. لم يقفل أحد باب العنف. وهذه بعض الأدلة. فمن أفواههم خذوا تبريراً للعنف.
سألت «نهار الشباب» في «13 نيسان» 2007 قادة الحروب اللبنانية: أليست الحرب جريمة بحق الناس؟ هل تعتذرون عنها؟ هل تندمون؟ هل أنتم مستعدون لحرب أخرى أو عنف آخر؟
اتفقوا على ما يلي في إجاباتهم:
الجنرال ميشال عون: «كل الحروب جريمة... الاعتداء يبرر الدفاع عن النفس... كنا في موضع الدفاع عن النفس»... وعن الاعتذار أحال السؤال إلى القضاء وأصوله.
سمير جعجع: «الحروب على المواطنين جريمة لا تغتفر... جريمة ارتكبها الطرف الآخر... كنا في موقع الدفاع عن النفس... على من يعتدي ان يعتذر، ومن يدافع عن نفسه يوجه إليه الشكر».
وليد جنبلاط: «صحيح (الحرب جريمة)... لكن ما سبب الحروب»؟ ويتساءل عما إذا كان الاعتذار مفيدا، وهل للاعتذار قيمة.
أمين الجميل: «من وجد نفسه مضطراً لحمل السلاح دفاعاً عن نفسه وأهله هو ضحية الحرب».
القومي: «كنا في موقع الدفاع عن النفس. على ميليشيات الطوائف ان تعتذر».
الشيوعي: الكل مسؤول. «أمل» لم تجب. حزب الله، لم يجب كذلك.
العنف مبرر بالدفاع عن النفس. الملاحظ ان الجميع يدافعون عن أنفسهم ضد أنفسهم. عبث. الدولة، كقابض على العنف، ملغاة. تم ايكال امر الدفاع عن النفس، إلى الطوائف والعشائر والعصبيات... ولهذا فإن لبنان يشبه غابة. والآتي أعظم.

V ـ العدالة الانتقائية

كاهوزاك الفرنسي، كذب وخالف القانون، فسقط، وسقوطه مدوٍ. هذا عندهم. عندنا، المسألة معكوسة. الاعتراف بوجود دفترين علنا، ومن على الشاشة، اعتبر شهادة على شجاعة الزعيم. هل حاسبه أحد؟ هل حوسب أحد سواه؟ نحن ننتمي إلى تنظيم المافيوزو الوطني، والعابر للحدود والبالغ تخوم منابع النفط والغاز ومصباته.
غير ان لفرنسا، وسواها من الدول الديموقراطية، حدوداً لا تتجاوزها.
ديموقراطية في الداخل، وتعامل مع كل بضاعة سياسية فاسدة في العالم الثالث. تنتقي الاستبداد واللصوص والمجرمين والسفاحين، وتتعامى عن الشرفاء والمناضلين والمواطنين. وتقبل الطائفية وتحاربها عندها. ولذلك، اذا قيس كاهوزاك بالمرتكبين عندنا لاعتبر امرأة قيصر.
مسكين كاهوزاك... ليس لبنانيا ليصير زعيماً.
بئس هذا الغرب مع هذا الشرق البائس.

المصدر: صحيفة السفير اللبنانية

إشترك في خلاصة التعليقات عدد التعليقات: (0 منشور)

المجموع: | عرض:

إكتب تعليق

البريد الالكتروني يبقى سرّي و لا ينشر
  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

- التعليقات الواردة من القراء هي مسؤولية أصحابها ولا تعبر عن رأي إدارة الموقع بالضرورة
- تتم مراجعة تعليقاتكم قبل نشرها عن طريق إدارة الموقع

- (سياسة نشر التعليقات)

تابعونا

  1. دول خليجية تحذر رعاياها من السفر إلى لبنان (5.00)

  2. وفاة "ملكة الديسكو" دونا سمر عن 63 عاماً (5.00)

  3. معارض صيني ضرير بمطار بكين متوجهاً لنيويورك (5.00)

  4. الاكتئاب لدي المراهقين .. له إشارات يجب الانتباه لها (5.00)

  5. صحف العالم: أمريكا "تعاقب" باكستان بعدد سنوات سجن أفريدي (5.00)

  6. فيلم منتظر يكشف تفاصيل اغتيال بن لادن (5.00)

  7. أستراليا: التيار الوطني الحر في سيدني ينعي فقيده المفكر و المناضل والاعلامي المخضرم الأستاذ بطرس عنداري (5.00)

  8. الرحيل المفاجئ (5.00)