إعلانات Zone 4B

[CLOSE]

إعلانات Zone 3B

[CLOSE]
أحدث الأخبار:

إعلانات Zone 2B

[CLOSE]
الرئيسية | مقالات | جريمة بيصور «المقدَّسة» وأخواتها
المصنفة ايضاً في: مقالات

جريمة بيصور «المقدَّسة» وأخواتها

آخر تحديث:
المصدر: صحيفة السفير اللبنانية
image
الكاتب:
عدد المشاهدات: 1012
قيّم هذا المقال/الخبر:
0
حجم الخط: A+ A-
نسخة صالحة للطباعة   نسخة نصية   أرسل إلى صديق
جريمة بيصور «المقدَّسة» وأخواتها

يقول المفكر إيان كرشاو: «إن عالمنا ليس في منأى عن وحشية مماثلة للهولوكوست، ويمكن أن تأتي على أيدي غير الألمان». هذه إشارة إلى إمكانية انتقال التوحش، من بلد إلى بلدان أخرى، ومن عقيدة نازية إلى عقائد أخرى. وان ما يبدو علينا من تخلُّق وقيم وحضارة، لا يعدو أن يكون طلاء ناعماً يغطي المجتمعات المطمئنة إلى نقاوة سريرتها، وإلى نظافة أياديها من الارتكاب. ان التوحش صفة ملازمة للتاريخ البشري، بحيث لم يعثر علماء الحروب «البوليمولوجيا» على حرب واحدة، لم تشهد فظائع في الارتكابات وفي فنون القتل، وفي شموله جماعات بريئة من آثام القتال والقتل. لا حرب نظيفة على الإطلاق.

شهدت منطقة المشرق من التوحش، ما يفيض عن اللامعقول، وما يتفوّق على المنسوب الإنساني والروحي الذي عرف لحظات نادرة من البروز لدى شعوبنا. والحروب، منذ قرن من الزمن العربي، تفيد بأننا لم نكن «أول المتوحشين» ولن نكون آخرهم.

لا يولد التوحش بالفطرة. وليس من المفيد تكرار بعض المأثور من حكم وأقوال، كأن نقول: «يولد الناس أحراراً...» أو «يولد الناس عبيداً، يستعبدون بعضهم بعضاً» أو كأن نقول مع صموئيل بيكيت «يولد الناس مجانين» الخ. هذه الحكم لا تشرح شيئا وإن كانت تحاول البحث عن الأصل المفقود... إن مسألة التوحش لا تحتاج إلى دارون، بل إلى الذاكرة.

العنف هو حاضنة التوحش. والعنف ولد مع ولادة المقدس القبلي والديني والمذهبي والحزبي. والمقدس، محط العلاقة الروحية بالرمز أو الحقيقة، وباعث الفعل لحمايته من الدنس والخطأ.

المقدس الديني يقسّم الناس، مؤمنين وكفاراً. صالحين وأشراراً. ولقد تعمم المقدس الديني، عندما أسقط من عالم الماوراء والإلهيات إلى مقام البشر، حيث جرى تقديس الملوك وعبادتهم، بما أوتي الإنسان من حرارة الإيمان وطمأنينة الخضوع.

وانتقال المقدس بطقوسه إلى عالم العقل والمستويات السياسية، وضع «الحقيقة» مقام العصمة، وبات التعامل معها، كدين، عبر ترسيمة ايديولوجية شاملة، تفرض على الجميع الخضوع لها... شهد العصر الاغريقي مثل هذه النزعة، فقُتل سقراط، وشهد القرن العشرون تعظيماً للحقائق وتأليهاً، عبر الأحزاب الشمولية، التي جعلت من القول فوق الإنسان، والإنسان خادماً للحرف. والحرف بلسان بولس الرسول يقتل، أما الروح فتحيي... عاشت الأحزاب التوتاليتارية، الشيوعية والنازية والفاشية، والأحزاب العقائدية العربية، على وهج عبادة الحقيقة أو العقيدة، والتي عندما تخشّبت وتكلّست، حوّلت العبادة إلى القائد. والأحزاب القومية تشهد على ذلك. وكانت الكارثة.

الوحشية الغربية في القرن العشرين، نتاج هذا السلوك الذي حرّم الخروج على المقدس، باستعمال وسائل إقناعية، تقوم على البتر والقتل والحذف والإبادة. والوحشية عندنا، تربت على مقدساتنا غير المقدسة.

النيوليبرالية الغربية والعولمة المعاصرة، رفعت السوق الحرة إلى مقام المقدس، برعاية وحراسة القوى العظمى، والمؤسسات المالية العالمية، القابضة على عنق الاقتصاد والمال، والمسيِّرة له وفق بوصلة الربح. منظمة التجارة العالمية، منظمة ديكتاتورية.

صندوق النقد الدولي، إملاءاته «الإصلاحية» أهم من الآيات السماوية، وواجبة طاعتها، ولو أدى ذلك إلى إبادة وحشية لفقراء العالم.

الدول الديموقراطية التي تحارب لتعميم نظامها الاقتصادي، ليست في منأى عن الوحشية الناتجة من تعميم ديكتاتورية عبادة السوق. ولهذه العبادة طقوس، لا تمت إلى الصلاة، بل إلى الفروض التي يسهر على أدائها دعاة وأساتذة وخبراء وساسة وملوك رؤساء وأنظمة ظالمة ومحمية...

إن ضحايا «الهولوكوست» الاقتصادي، يفوق ضحايا النازية الهتلرية. لقد كان ذلك «الهولوكوست» المريع كارثة، استمرت لسنوات خمس. أما «الهولوكوست» المستجد، فلم يتوقف بعد عن حصد الأرواح، حتى اللحظة.

كل مقدس يحتاج إلى ذبائح... جزء من البشرية اليوم ذبيحة لهذا النظام.

لقد أنشأت النيوليبرالية نظامً كونياً مقدساً جديداً، ونظاماً قيمياً جديداً، يعترف بأن السوق مصدر الوحي الفكري، ومصدر الشرعية السياسية. لقد قتلت عقيدة السوق أكثر مما قتلت الحروب في القرن العشرين. قتلتهم بالعنف، وصح ما قاله الكاتب الفرنسي آلان جوكس «إن انتشار ماكدونالد في العالم يلزمه سلاح الماكدوغلاس لحمايته».

قتلى هذا المقدس (السوق) بالعنف، هو بالمليارات، أما قتلاه بالإغراء، فهو جنس بشري. لقد قتلت عقيدة السوق الثقافة والتاريخ وألغت الحواجز والعادات من أجل إقامة نظام أوحد، هو نظام الاستهلاك، وعبادة «الماركة» والسلعة، عبر سلطة الإغراء. يقول بيار باولو بازوليني: «ان السلعة هي القداس والصلاة والقربانة». والمصانع لا تصنع لسد الحاجة، بل من أجل بيع سلعة. فالسلعة أولا، والحاجة تنشأ إليها بعد وجودها في السوق، عبر الضخ الإعلاني.

إنه عالم عنيف.

المقدس فيه يتكدّس، ولو كان أساسه من الدنس. ولدينا في العالم العربي من المقدسات، ما يفوق المقدسات المنتمية إلى عالم اللاهوت، لدينا مذاهب مقدسة، فتاوى مقدسة، مرجعيات مقدسة، قضايا مقدسة، مواقف مقدسة، تقاليد مقدسة، لغة مقدسة، طقوس مقدسة، طوائف مقدسة، عائلات مقدسة وسياسات مقدسة. ومهما كانت درجة القداسة، فإنها لا تمس. وكل مساس بها عقوبة.

لبنان، المهترئ، محكوم بهذه المقدسات المتعاركة والمتنابذة والمتذابحة. محكوم بالعنف الهمجي والمتوحش، الذي يدافع عن هذا المقدس، الذي لا يعقله بعقله، بل يؤيده بغريزته. والغرائز، إذا أصيبت بالعمى، تنتج، مجزرة في عرسال ومعارك في عبرا وجريمة همجية في بيصور (اعتكف رجال الدين من كل الطوائف ورجال السياسة من كل الاتجاهات عن إدانتها وتبيان الهول الفظيع الذي سببته لدى أفراد المجتمع اللبناني، بكل تلويناته، بما فيها الدرزية، من قرف واستنكار) سيارة مفخخة لقتل الأبرياء في الضاحية، وأربع عشرة معركة في طرابلس والحبل على الجرار.

«الفردوس اللبناني المقدس»، مسكون بالشياطين، ومحروس بسياسات تشجع لغة التحريض، وتصون الانغلاق المذهبي وتبرره، وتخضع اللبناني ليكون مواظباً على غرائزيته، ومدافعاً عن جرائم من ينتسب إليه في الدين أو المذهب أو العقيدة أو الزعامة.

لكل جريمة في لبنان حماتها من جنسها. أما «أندلس» العرب في المشرق، شاماً وعراقا، فقفا نبكِ.

كأن المطلوب منا أن نتعايش مع الجريمة، وإذا استنكرنا حدوثها، فلأيام قليلة، لأن الانتماء إلى مملكة النسيان، يسهل العيش وسط الركام الطوائفي والمذهبي، هذا الركام هو الهيكل اللبناني المقدس.

هل من يغضب؟

المصدر: صحيفة السفير اللبنانية

إشترك في خلاصة التعليقات عدد التعليقات: (0 منشور)

المجموع: | عرض:

إكتب تعليق

البريد الالكتروني يبقى سرّي و لا ينشر
  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

- التعليقات الواردة من القراء هي مسؤولية أصحابها ولا تعبر عن رأي إدارة الموقع بالضرورة
- تتم مراجعة تعليقاتكم قبل نشرها عن طريق إدارة الموقع

- (سياسة نشر التعليقات)

تابعونا

  1. دول خليجية تحذر رعاياها من السفر إلى لبنان (5.00)

  2. وفاة "ملكة الديسكو" دونا سمر عن 63 عاماً (5.00)

  3. معارض صيني ضرير بمطار بكين متوجهاً لنيويورك (5.00)

  4. الاكتئاب لدي المراهقين .. له إشارات يجب الانتباه لها (5.00)

  5. صحف العالم: أمريكا "تعاقب" باكستان بعدد سنوات سجن أفريدي (5.00)

  6. فيلم منتظر يكشف تفاصيل اغتيال بن لادن (5.00)

  7. أستراليا: التيار الوطني الحر في سيدني ينعي فقيده المفكر و المناضل والاعلامي المخضرم الأستاذ بطرس عنداري (5.00)

  8. الرحيل المفاجئ (5.00)