إعلانات Zone 4B

[CLOSE]

إعلانات Zone 3B

[CLOSE]
أحدث الأخبار:

إعلانات Zone 2B

[CLOSE]
الرئيسية | مقالات | القتلة بيننا.. وعفا الله عمّن قتل!
المصنفة ايضاً في: مقالات

القتلة بيننا.. وعفا الله عمّن قتل!

آخر تحديث:
المصدر: صحيفة السفير اللبنانية
image
الكاتب:
عدد المشاهدات: 988
قيّم هذا المقال/الخبر:
0
حجم الخط: A+ A-
نسخة صالحة للطباعة   نسخة نصية   أرسل إلى صديق

إعلانات Zone 6B

القتلة بيننا.. وعفا الله عمّن قتل!

I ـ طنين الذباب

يقال: مَللنا الحكاية. يكفينا ما فينا. الجحيم وطن ونحن مواطنوه. ليس في هذه الأمة مكان لسماء ضئيلة. سماواتنا إسفلت ودم. ليلنا كليل امرئ القيس، وبطيء الكواكب كليل النابغة الذبياني.
ويقال: ما لنا ولهذا الماضي؟ فلنترك الموتى يدفنون موتاهم. لا طاقة لنا على سماع الحكاية.
لو أن هذا القول سليم، لعفينا أنفسنا من المناسبة. «صبرا وشاتيلا» لم تُرْوَ بعد. لم تكتب بعد. لم يُحاكم أحد فيها بعد، والعقاب، أنزل فقط بالشهداء الأموات ومن تبقى منهم على قيد الحياة... ليس بين كتبنا إلا قلة نادرة. الذين كتبوا عن «صبرا وشاتيلا»، أجانب ويهود.
أمنون كابليوك، روبرت فيسك، جان جينيه... مَن مِنَّا غير تلك المرأة المؤسسة، بيان نويهض الحوت؟
إذاً، لا بد من الرواية، ولو على عكازة جان جينيه، أو عبر عدسة كابليوك، وشهادة فيسك، وموسوعة الحوت.
أول الشهود، كانوا من تبقى. إلى جانب جان جينيه. دليله إلى المخيم، موت يشير بإصبعه إلى النهايات. قادته الرائحة إلى الأزقة. لا صوت أبداً. وحده الذباب كان يحتفل بمائدة الأجساد. صوت الذباب، نعيق يطن في الأزقة.
تقع عينا جينيه على ثياب ليست على مقاس أجساد ترتديها. إنها ضيقة جداً. مزروكة جداً. الأجساد فائضة عنها. لها رائحة يشتهيها الذباب فقط. للتراب، آنذاك، في صبرا وشاتيلا، رائحة عفن ودم وتخثر أعضاء. إنها الرائحة. ولا شيء سواها. الأجساد تشبه ضوضاء بلا أصوات. لا شك أنها فكرت بالهرب. أو أنها هربت بالفعل، ولكنها وصلت إلى الطلقة، أو إلى حافة البلطة، ووقعت على وجهها. أجساد، لا يخطر في بال أحد أن تكون شبيهة بالجياد الميتة، التي سقطت على بطونها عندما عزت عليها القوائم وانطفأت ذؤابات العيون. لا يخطر في بال أحد، أن تسد الحارات والأزقة بالجثث. وأن الممرات صارت مكبّات لأطفال ونساء ورجال وعجائز، يتمرغون في طنين الذباب.

II ـ بعد مقتل بشير

الثلاثاء 14 أيلول 1982، الساعة الرابعة وعشر دقائق بعد الظهر، دوّى انفجار هائل في مبنى في الأشرفية. قتل بشير الجميل، قبل ثمانية أيام من موعد تسلمه رئاسة الجمهورية في لبنان، بعد «انتخابه» بقوة «البنادق»، إبان الحرب على لبنان، بذريعة «سلامة الجليل».
في تلك اللحظة، انكسر تاريخ صاعد، بعنوان إسرائيلي، وبدأت حقبة من العنف، ما كان أحد يتوقع أن تستمر لسنوات. ولئن كان كثيرون كانوا يدركون، أن «الثأر» الكتائبي، المدعّم اسرائيلياً، سيكون مريعاً.
تاريخ ما قبل الاغتيال، يشي بوضوح، أن المستهدف هو الفلسطيني ومن معه ومن يؤيده. كان بشير العدو اللدود للفلسطينيين، قال لمجلة «نوفيل اوبسرفاتور» في عز العدوان الاحتلالي للبنان، وإبان محاصرة بيروت، «في الشرق الأدنى شعب زائد، هو الشعب الفلسطيني». فلا بد من حذف هذا الشعب، لتحقيق ما يطمح إليه مناحيم بيغن آنذاك: «لا تمر سنة 1982 الا ونكون وقعنا على معاهدة سلام مع لبنان». وكان بيغن أول من وجه برقية تهنئة لبشير الجميل جاء فيها: «أهنئكم من صميم القلب لانتخابكم. حفظكم الله، أيها الصديق العزيز وأعانكم على إنجاز مهمتكم التاريخية من أجل حرية لبنان واستقلاله. صديقكم مناحيم بيغن».
عندما وصل نبأ مقتل بشير الجميل إلى أرييل شارون، قرر انتهاز المناسبة ليدخل بيروت الغربية، التي كان قد حاول دخولها، إبان حصار المدينة، وعندما كانت قوات منظمة التحرير فيها، إلى جانب «القوات المشتركة» اللبنانية. ولقد دفع الجيش الإسرائيلي في ساعات قليلة، أكثر من 23 قتيلاً وعشرات الجرحى. لدى محاولته تخطي معبر المتحف باتجاه البربير.
إذاً، القرار الذي تعذر تنفيذه، وتلكأ الكتائبيون في مساعدة جيش الدفاع الاسرائيلي عليه، بات ملحاً. مقتل بشير، هو بطاقة عبور للثأر من الفلسطينيين، ولتطهير المخيمات ممن تبقى من القوات الفلسطينية المسلحة، وفق ما ردده شارون، ومعه بيغن.
غريب. الضمانات الدولية التي منحها فيليب حبيب بعدم المساس بالمخيمات، بعد رحيل قوات منظمة التحرير والقادة الفلسطينيين من بيروت، بحماية قوة تدخل أميركية ـ فرنسية ـ إيطالية، باتت تشكل مانعاً وحاجزاً أمام شارون لدفع قواته واحتلال بيروت الغربية والمخيمات فيها.
غريب جداً، ففي 13 أيلول، عشية مقتل الجميل، غادرت بيروت الدفعة الأخيرة من القوة الدولية (850 جندياً) وذلك قبل عشرة أيام من انتهاء مدتها في بيروت (أمنون كابليوك ـ تحقيق حول مجزرة. ص 19).
«في مكتب الجنرال شارون في وزارة الدفاع في تل أبيب، بسطوا خريطة عسكرية، رُسمت عليها مسبقاً عملية اقتحام بيروت الغربية، وكتب في أعلى الهامش، الاسم الرمزي للعملية.. الدماغ الحديدي». وبدأ التنفيذ بسرعة. وكان ما كان. قال رئيس الأركان رفول ايتان: «نحن الآن في داخل بيروت الغربية، وسوف ننظفها ونجمع السلاح ونلقي القبض على الإرهابيين، تماماً كما فعلنا ذلك في صيدا وصور ومناطق أخرى في لبنان... سندمر ما ينبغي تدميره ونعتقل من يجب اعتقاله. سنترك بيروت عندما يتم التوصل إلى اتفاق... وعندها سننسحب من جميع الأراضي اللبنانية، عندها فقط سننسحب من بيروت». (مرجع سابق. ص21).
قبل بدء الهجوم بساعات، عقد اجتماع في المقر العام «للقوات اللبنانية» حضره فادي افرام والياس حبيقة وآخرون، ورسموا تفاصيل المشاركة. وفي نهاية الاجتماع أسرّ أحد المسؤولين الكتائبيين للإسرائيليين: «منذ سنوات ونحن ننتظر هذه اللحظة»، لحظة دخول المخيمات وتمشيطها. حدث ذلك فجراً. وفي التاسعة صباحاً بدأ شارون يدير «الغزو»، وكان يراقب سير التقدم، وما يجري من عمليات، وهاتف بيغن من هناك: «قواتنا تتقدم نحو أهدافها. أستطيع ان أراها بأم العين».
رفض البيت الأبيض إدانة العمل العسكري الاسرائيلي. أبدت الخارجية الأميركية تفهماً للدوافع. ارتعب قادة منظمة التحرير. تذكروا الضمانات المكتوبة. قال فاروق القدومي «لقد خانونا»، وأعلن شفيق الوزان، رئيس وزراء ما تبقى من لبنان «ان اسرائيل خدعتنا». فيما كان الضابط ميشال عون يواجه الضابط الاسرائيلي الجنرال دروربي، ويرفض التعاون مع الجيش الاسرائيلي متسلحاً بأمر الوزان الذي منعه من أي تعاون مع الجيش الإسرائيلي، وأشار له انه «تلقى أمراً بفتح النار على القوات الإسرائيلية المتقدمة داخل بيروت الغربية، وانه، إذا لم يمتثل للأمر، فإنه مهدد بأن يُقدّم للمحاكمة العسكرية».

III ـ أربعون ساعة..
للقتل

وكان ما كان: أربعون ساعة من دون انقطاع، كانت كافية لإتمام مراسم المذبحة: رعب فالت. قتل بالأسلحة الحربية، بالفؤوس، بالفرّاعات، بالسواطير. لم يفرّق السفاحون بين فلسطيني ولبناني، بين مسلم ومسيحي، فكل من يعيش في المخيم، «حلال قتله وذبحه».
تفاصيل المذبحة موثقة. بيان نويهض الحوت، سجلت بدقة ما حصل، وفق شهادات مثبتة وصادقة ومؤكدة. امنون كابليوك في «تحقيق حول مجزرة» روى ما نقله شهود عيان واستند إلى شهادات عشرات الاسرائيليين، من مدنيين وعسكريين، وفلسطينيين ولبنانيين وصحافيين أجانب. «ويلات وطن» لروبرت فيسك نقلٌ حيٌ لمشاهدات الكاتب، عندما تسلل إلى صبرا وشاتيلا، ووجد نفسه بعد لحظات، انه يقف على تلة غطّى ترابها المهال عليها بسرعة، فوق أجساد، وأنه لا يتكئ على خشبة، بل على ذراع تيبست في العراء واسودَّ جلدُها.
في تلك الساعات، أتمّ الكتائبيون و«القوات» ورجال سعد حداد، بقيادة أرييل شارون ورفول ايتان، عملية تطهير المخيمات من الحياة.
الكتائبيون ثأروا لرئيسهم من أبرياء. الفلسطيني متهمٌ دائم. هو مخرب. إرهابي، مجرم، محتل، عميل ومجوي. هي ثقافة أبلسة الآخر تمهيداً لعزله وتصفيته. «فلسطيني واحد ميت، هذا تلوث. كلهم قتلى، هذا هو الحل». المبالغة في اللغة، المعبرة عن أحقاد متوارثة، تقود إلى تنظيم احتفال بالقتل. وأبلغ الشهادات وأكثرها تعبيراً، جاءت على لسان سفاح «السبت الأسود» جوزف سعاده. فعندما رأى ما يرتكبه رفاقه الكتائبيون آنذاك، صرخ بهم: «يا حيوانات. ماذا تفعلون». أجابوه: «تذكر السبت الأسود». الآن صرت تشفق على الفلسطيني.

IV ـ من المقبرة
إلى «الوطن البديل»

تمت التصفية. وهذا ما كان يريده قادة العدو الاسرائيلي. صحيح أن عنوان الحرب كان «سلامة الجليل»، لكن الهدف المضمر، كان «حل المشكلة الفلسطينية» النهائي. كان من المفترض، كما أعلن ايهودا باراك، بمناسبة الذكرى العاشرة لانسحاب الجيش الاسرائيلي من الجنوب اللبناني، أن تفضي «سلامة الجليل» إلى طرد الفلسطينيين من لبنان، ونقلهم إلى المنافي، وإقامة دولة فلسطينية في الأردن. أو إقامة الوطن البديل واعتبر باراك، ان الانسحاب من الجنوب اللبناني، كان يجب ان يتم منذ أعوام، لأن مشروع شارون قد فشل.
مجزرة صبرا وشاتيلا، كانت في هذا السياق، جزءاً من خطة غزو لبنان: إقامة حكم لبناني موال لإسرائيل، يعقد معاهدة سلام. طرد الجيش السوري، تصفية قوات منظمة التحرير، وطرد الفلسطينيين من لبنان.
الثمن كان باهظاً. كان بحجم جريمة ضد الإنسانية. أفلت القتلة اللبنانيون من العقاب، غسلت إسرائيل جريمتها بمحاكمة غير عادلة، برأت فيها القيادة من الفعل المباشر. ومنذ ذلك الوقت ساد منطق العفو عن القتلة. ولا تفتحوا قبور الماضي، «الوحدة الوطنية» تقتضي النسيان والإهمال، أما شارون وعصابته، فقد حماهم العالم الحر، ومنع عنهم المحاكمة، حتى ولو كانت صورية.
ما أسرع العالم في تبرئة إسرائيل من جرائمها، وما أجرأه في الإقدام على منح جائزة نوبل، لمناحيم بيغن، الأب الروحي والقائد السياسي، والآمر العسكري، لغزو لبنان، نوبل حاولت ان تتخطى كل ما قاله بيغن: «أغيار قتلوا أغياراً... فما علاقتنا بذلك».
مخجل أمر التاريخ. يمحو أكثر مما يسجل. يغفل أكثر مما يوضح. هو صندوقة الأقوياء، يرمون فيه حمولاتهم بلغة سهلة الحفظ. لقد سجل التاريخ مذبحة صبرا وشاتيلا، ولكن صوتها شحيح، وملفاتها مغلقة، وما يرشح منها، هو نبش يقدم عليه، المؤمنون بالضمير، أو، الذين لم يقتلوا ضميرهم بأيديهم.
جمهورية الصمت، أقوى من تقاسيم المذبحة، «فيا فجر بيروت الطويلا، عجِّل قليلا، عجِّل لأعرف جيداً: إن كنتُ حياً أم قتيلا». (محمود درويش).
القَتَلة أحياء بيننا... والموت الأعمى يلف القتلى بصمته.

المصدر: صحيفة السفير اللبنانية

إشترك في خلاصة التعليقات عدد التعليقات: (0 منشور)

المجموع: | عرض:

إكتب تعليق

البريد الالكتروني يبقى سرّي و لا ينشر
  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

- التعليقات الواردة من القراء هي مسؤولية أصحابها ولا تعبر عن رأي إدارة الموقع بالضرورة
- تتم مراجعة تعليقاتكم قبل نشرها عن طريق إدارة الموقع

- (سياسة نشر التعليقات)

تابعونا

  1. دول خليجية تحذر رعاياها من السفر إلى لبنان (5.00)

  2. وفاة "ملكة الديسكو" دونا سمر عن 63 عاماً (5.00)

  3. معارض صيني ضرير بمطار بكين متوجهاً لنيويورك (5.00)

  4. الاكتئاب لدي المراهقين .. له إشارات يجب الانتباه لها (5.00)

  5. صحف العالم: أمريكا "تعاقب" باكستان بعدد سنوات سجن أفريدي (5.00)

  6. فيلم منتظر يكشف تفاصيل اغتيال بن لادن (5.00)

  7. أستراليا: التيار الوطني الحر في سيدني ينعي فقيده المفكر و المناضل والاعلامي المخضرم الأستاذ بطرس عنداري (5.00)

  8. الرحيل المفاجئ (5.00)