إعلانات Zone 4B

[CLOSE]

إعلانات Zone 3B

[CLOSE]
أحدث الأخبار:

إعلانات Zone 2B

[CLOSE]
الرئيسية | مقالات | سوريا غداً... لبنان بصيغة ماضيه
المصنفة ايضاً في: مقالات

سوريا غداً... لبنان بصيغة ماضيه

آخر تحديث:
المصدر: صحيفة السفير اللبنانية
image
الكاتب:
عدد المشاهدات: 983
قيّم هذا المقال/الخبر:
0
حجم الخط: A+ A-
نسخة صالحة للطباعة   نسخة نصية   أرسل إلى صديق

إعلانات Zone 6B

سوريا غداً... لبنان بصيغة ماضيه

I موجز لا بد منه
لم تبلغ سوريا بعد عتبة "البحث عن حل". أفق الصراع مفتوح. "الحل الكيميائي" قطع الطريق أمام حرب غير مرغوب فيها من قبل القادرين عليها. المروجون لها والعاجزون عن خوض معاركها، خسروا جولة، يعوضونها بزيادة دعم وتسليح المعارضة للصمود. الحسم المفترض سقط. النظام باق، والمعارضة المسلحة مستمرة، والسجال الدامي لا يتوقف، بل تزداد قسوته.
"الحل الكيميائي" سمح للديبلوماسية النشطة غربياً، بأن تعيد صياغة لغة جديدة ومقاربات معقولة، لبدء عملية "البحث عن حل" في "جنيف 2". لا حسابات دقيقة بعد، التفاؤل خجول جداً، الأمل مشكوك فيه، فالوقائع الميدانية لم تنتج بعد فروقات حاسمة، بين النظام الذي يتقدم ولا ينتصر، والمعارضة التي تخسر ولا تنهزم. المعارك لها القول الفصل في التمهيد للحل. لم يولد في الحرب الدائرة في سوريا ميزان قوى جديد. ما يخسره النظام في منطقة أو في معركة، يعوّض عنه بكسب في مناطق رخوة ورجراجة. كذلك المعارضة. تكسب حيث يخسر النظام في مناطق نائية عن مركزه. لم تتغير المعادلة بعد. المعارضة تسيطر على 60 في المئة من الأرض السورية، فيما يسيطر النظام على 40 في المئة من الأرض التي تضم 60 في المئة من السكان. حساب القتلى والمهجرين والنازحين، اختصاص الهيئات الإنسانية الدولية، حتى الآن.
مقدمات البحث عن حل لم يجر الاتفاق عليها بعد، ويصعب ذلك راهناً. العقدة الأساس تكمن في ما يلي: المعارضة تصرّ على ان لا حل بوجود الرئيس بشار الأسد، والنظام يصر من جهته على أن مصير الرئيس، تقرره صناديق الاقتراع في منتصف العام القادم. ما بين البداية هذه ومحاولات رسم خريطة طريق "للمرحلة الانتقالية"، ستسيل دماء سورية كثيرة، وستحدث مفاجآت كارثية، قد تجعل سوريا، بلداً لحراسة الخراب وإعادة تدمير المدمّر مراراً: وليست هذه المرة الأولى التي يمتد فيها الصراع، بكل مآسيه، وتعجز المعارك العسكرية عن إنهائه، ويقصر العالم عن إنجاز التسوية فيه. الصومال نموذجاً، السودان كذلك، قبل وبعد انفصال الجنوب. افغانستان مراراً. ولبنان ظل أسير العنف خمسة عشر عاماً، ولم يصل إلى التسوية، إلا بعد انهيار الجميع في الداخل. واتفاق "الجميع" في الخارج.
بعيدة سوريا عن الحل. لا تزال تعيش المعادلة التالية: "لا حل عسكرياً، ولا حل سلمياً. وفي حالة النفيين تلك، المؤكد الوحيد هو التالي: رعاية الحرب من الخارج، ومنع سقوط النظام، مقابل منع سحق المعارضة. محور النظام لن يدعه يسقط عسكرياً، ولكنه لن يتيح له الانتصار، لعجزه عن ذلك. محور المعارضة، لن يدع المعارضة المسلحة لقمة سائغة في فك الآلة العسكرية للنظام، ولن يتيح لها الانتصار، لعجزها عن ذلك أيضاً. التعادل السلبي هو النتيجة المنطقية لعامين ونصف العام من القتال، أسفرت فقط، عن "حل كيميائي"، لم تربحه المعارضة، إذ جاء لمصلحة إسرائيل فقط. أما استعماله في الداخل، فبات ممتنعاً وإعادة استعماله، يستدعي حرباً تستتبع حروباً.

II فرضيات ممكنة
قد تفضي "الميدانيات" الديبلوماسية، في فترة ما بعد "الحل الكيميائي" إلى إنضاج خريطة طريق مفترضة، يلتزم الأقوياء في كلا المعسكرين، بإجراء الضغوطات الواجبة، على الحواضن الإقليمية لطرفي النزاع، وعلى القوى المسلحة المتصارعة، داخل سوريا، لتحقيق الأرضية الهادئة عسكرياً، وتسهيل المفاوضات الماراتونية.
هذه الفرضية تفترض ميدانياً ما يلي:
أولاً: وقف إطلاق النار.
ثانياً: بقاء كل فريق في مواقعه.
ثالثاً: وقف تسليح وتدعيم الطرفين.
رابعاً: تأمين سلامة الهيئات الطبية ومنظمات المساعدات الإنسانية.
خامساً: عودة النازحين إلى ديارهم، وحفظ أمن العائدين.
سادساً: إخراج التكفيريين من المعادلة، وهذا وحده يتطلب جهوداً لا يمكن التنبؤ بنتائجها، لطبيعة هذه القوى وانتشارها وتطرفها والدعم الهائل الذي تتلقاه من هيئات ومنظمات تؤيدها في قتالها وفي انتشارها وفي استدامتها.
دون تحقيق ذلك عوائق تصل إلى حدود المستحيل، فالضمانات الشفهية والمكتوبة غير كافية، وتأمين قوات فصل، ضامنة لاحترام هذه البنود، دونها عقبات التأليف وتحديد المهمات وقواعد الاشتباك وحق الإمرة والمرجعية العادلة والمضمونة... إلى آخر التعقيدات التي لا عدَّ لها ولا حصر، والتي تحتاج كل واحدة منها، إلى تفاوض مديد وتدوير للزوايا وقبول للأطراف جميعاً بها.
ومع ذلك، تبقى تلك الفرضيات الميدانية واجبة، ويبقى البحث عن إمكانية تطبيقها ضرورياً، وإلا فإن البديل سيكون أسوأ مما هي سوريا عليه الآن: إقامة مملكة الخراب التي يحكمها أمراء التدمير والركام.
لا جدوى من العمل في تأمين "الحاضنة الأمنية" للحل السياسي، إذا لم يقترن ذلك بعدد من الفرضيات السياسية، التي تشكل ميناء ترسو عليه الأزمة السورية.
تهدئة الحالة العسكرية تسير جنباً إلى جنب مع العمل على ما يلي:
أولاً: إقامة نظام سياسي لا يلغي أحداً.
ثانياً: إقناع الجميع، في الداخل والخارج، بأن حصته في النظام، ليست بالضرورة على قياس طموحه أو على قياس قوته وحجمه العسكري الميداني.
ثالثاً: تشكيل حكومة انتقالية، تمثل الجميع، بصلاحيات مؤقتة، تتثبت في ما بعد عبر الاستفتاء على الدستور الجديد.
رابعاً: إجراء انتخابات نيابية ورئاسية وفق الدستور الجديد.
خامساً: إخراج القوات المسلحة والأمنية من الميدان السياسي وإخضاعها للسلطات المدنية.
هذه الفرضيات تبدو غير مؤهلة للنجاح، لأن كل واحدة منها، تفترض تعديلاً في موازين القوى، أو، ضغوطاً هائلة، أو إنهاكا للأطراف مجتمعة. فلا يبقى قوي، بل تظهر على الجميع الرغبة في إطلاق نداء استغاثة: "أنقذونا". إن بلوغ تهدئة أمنية أو هدنة عسكرية أو مفاوضات فصل قوات أو تبادل مواقع أو سواها، أسهل بكثير من العبور داخل حقل ألغام الحل السياسي المفترض، والذي لن يكون إلا حلاً على علاته.
سوريا لم تكن الأولى في هذا الميدان، ولن تكون الأخيرة.

III لبنان أولاً
النزاعات اللبنانية، السابقة على تشكل لبنان الحديث، تلقي أضواء على أصناف التسويات الكثيرة، التي تمت تجربتها، قبل أن ترسو صيغة الكيان بحدوده المثبتة في إعلان دولة لبنان الكبير، وقبل ان تصبح "الصيغة" اللبنانية مرجعية لـ"ميثاق وطني" رجراج، ونظام سياسي يتقلّب بين مرجعيتي النص الدستوري ومرجعية "النص الميثاقي"، مع أرجحية الثاني على الأول، على عكس الأنظمة الديموقراطية الدستورية، حيث لا سقف فوق سقف الدستور.
العودة إلى التجارب اللبنانية، أو تجارب القوى والجماعات فيه، وتشابك هذه التجارب مع "الحلفاء" و"الرعاة" و"الحماة" الغربيين، إلى جانب الحاضنات الإقليمية، كالسلطنة العثمانية، وبعض الممالك الناشئة... هذه العودة تفيد في تلمس الحروف الأولى التي ستصاغ بها التسوية السورية، إذا قيض لها ان تبدأ بقراءتها والتقيد بها، اختصاراً لحقب وعقود نوجز: لبنان ليس جزيرة. هو متصل، لا ينفصل عن محيطه، اتصاله حيوي من جهة ومدمر من جهة. إن اتصل عاش، وإن انفصل تنازع، وإن كان اتصاله بمحيط معافى ازدهر، وإن كان محيطه مريضاً أصيب بانقسام. فهو يشبه مشرقه، بنية واجتماعاً وعلاقات. خصوصيته هويته ومشكلته. خصوصيته تؤكد انفصال بعضه عن محيطه ورغبة باتصال بمن وراء البحار. تلك مشكلة الأقليات في "دول" تفرض هوية سلطتها على شعوبها. وهي في أحيان كثيرة هوية دينية أو عرقية أو طائفية أو عائلية.
لبنان هذا، مذ بدأت "المسألة الشرقية"، كان جزءاً منها. ولبنان هذا، آنذاك، ما كان دولة ولا كياناً. كان حالة في جغرافيا غير مستقرة. جبل بلا ساحل، بلا مدن، بلا بقاع، بلا... إنما كان فكرة محمولة من أقلية في محيطها.
مثل هذا التوزع، لا التنوع، يوّلد نزاعاً تليه نزاعات، ولا يشهد التاريخ في المشرق نزاعات محلية لم تكن شديدة الاتصال بالقوى الخارجية. وعليه، دخل لبنان في الفتنة مراراً، ولا نجد فتنة لم يكن وقودها لبنانيون، وقادتها من خارج لبنان. وتنعكس الصراعات بين الدول الكبرى آنذاك، على صراعات الصغار في لبنان، مرحلة ما قبل الكيان.
ولد لبنان من قلب هذا المخاض، ومن رحم أكبر حرب كونية. عرف في حروبه الداخلية، حلولا لم يكن فيها لأبنائه، لا ناقة ولا جمل. نظام الإمارة الشهير، وما عرفه من حروب وفتن ومعارك، كان بحاجة إلى حماية، تستجلب الأعداء إلى جانب الحماة. محمد علي باشا وابنه ابراهيم باشا، احمد باشا الجزار، نابليون بونابرت، لندن، باريس، الباب العالي، القياصرة، الأباطرة... كلهم كانوا هنا، عبر ممثليهم، يسمعون، يقررون، يرفضون ويبررون، الحلول بمعزل عن الأهالي.
نظام القائمقاميتين نجح في تقسيم اللبنانيين أكثر، وأضفى على الوضع صفة دولية. لم تعد المسألة اللبنانية في اربعينيات القرن التاسع عشر، تخص اللبنانيين. مصيرهم يتقرر من دونهم. موافقتهم ملزمة وتتم بالإملاء. الدول الخمس التي دعيت لبحث مصير جبل لبنان، انقسمت بين مطلب عثماني يعيد سلطة السلطنة إلى الجبل وبين مطلب فرنسي يعيد الإمارة الشهابية المسيحية. ميترنيخ ابتدع الحل الوسط، وقضى بتقسيم الجبل بين المسيحيين والدروز. تم الاتفاق على التقسيم. كان الحل بالتجزئة الجغرافية والسكانية، وتجزئة السلطة بالطبع. لم تلجم سلطة القائمقاميتين العنف الطائفي. فدخل لبنان في فتنة الستين، التي شهدت مذابح متبادلة، بين الدروز والموارنة. والتي انتقلت إلى دمشق بين المسلمين والمسيحيين. مذابح الستين في القرن التاسع عشر أنتجت صيغة جديدة لجبل لبنان، نظام متصرفية، بإمرة مسيحي من السلطنة يعينه الباب العالي، مجلس إدارة يضم ممثلي الطوائف، والجندرمة، من الأهالي، إنما بلباس فرنساوي. وكان لكل قنصلية من قناصل "الدول الكبرى" آنذاك، حق التدخل ووضع "الفيتو". فرنسا ضد بريطانيا، أي الموارنة في مواجهة الدروز. وترجمة ذلك، صراع بين النفوذ الفرنسي في المنطقة والنفوذ البريطاني، بانتظار سقوط التفاحة العثمانية بعد نضجها في يدي واحد من الطرفين. وعلى هامش هاتين الدولتين، روسيا التي تتطلع إلى "قداس الأرثوذكس" الدافئ، والنمسا المتربصة لدور شبيه بدور مترنيخ، أما الباب العالي، فيكتفي بإرضاء الجميع، شرط الحفاظ على ما تبقى من سلطة السلطنة في جبل لبنان.
من هذا المخاض، ولد لبنان، فكان من حصة الطوائف، مع أرجحية مسيحية. على الكيان أنشئ دستور ونظام، وعملية ضم الأطراف (الأقضية الأربعة) لم تحصل طوعاً، تمت قسراً. التحق السنة بلبنان قسراً وطمعاً. انفصلوا عن دمشق لقاء حصة. لبنان كيان بحصتين: واحدة للمسيحيين وأخرى للموارنة. لبنان غير قابل للتقسيم ولكنه قابل للاقتسام. حصل ذلك إبان الانتداب وبعده. الاستقلال كان مزدوجاً. واحد عن دمشق وآخر عن فرنسا. والولاء ظل لاثنين: واحد للعرب وآخر للغرب.
تلك كانت المادة الصلبة لبناء دولة لبنان بنظامها السياسي المقفل والمختنق. بعد الحروب الأهلية أو الحروب الداخلية، تولد عصبيات سياسية لا يمكن حذفها أو التغاضي عنها. إشباع العصبيات يتم عبر الاعتراف بها وبحقها في تقرير مصيرها الخاص، داخل المصائر الأخرى، التي، إذا التأمت، دعيت بالمصير الوطني، وإذا تنازعت أخذت الوطن إلى المصير المجهول. كما حدث مراراً.

IV لبنان الثاني
ولد لبنان الثاني بعد اتفاق الطائف. الحرب اللبنانية أنهيت، بعدما بلغت الخامسة عشرة. كانت قد قضت على الصيغ السياسية كلها، أسقطت المؤسسات، هزمت الدولة، بددت الجيش، أفلتت العصبيات القبلية، انتزعت السلطة من أصحابها الدستوريين، وأخذت إلى أمراء الطوائف في الشوارع والمناطق والمعارك، ونشأ في كنف الركام الذي طال بنية الدولة، قوى سياسية تستمد قوتها من عصبيتها وبندقيتها معاً.
الحلول التي سعى لها اللبنانيون بمعية القوى الإقليمية والدولية، لم تفلح في لجم الحرب وابتداع حل. تكفلت المعارك بملء الفراغ السياسي. أسقطت الميليشيات كل حل لا يناسبها. دخلت في مرحلة حروب الأخوة الأعداء، داخل المذهب الواحد، والطائفة الواحدة. ولكل ميليشيا حاضن إقليمي ودولي، يزوده بالسلاح والمال، ويغطيه سياسياً. وبعض الحواضن الإقليميين، حضن الأضداد معاً. فكان إلى جانب المسيحيين فيما هو يدعم القوى الإسلامية.
ولد لبنان الثاني بعد إفلاس الميليشيات، وفراغ جعبها من القضايا. الحروب الداخلية تقتل بداياتها، وتغتال قضاياها، وتصل في نهاية المطاف إلى المطالبة بتحقيق الحد الأدنى. فالحروب الداخلية يخسرها من ينهزم فيها، ويخسرها كذلك من يربحها.
الحل الذي ابتدع في الطائف قام على توزيع السلطة على الطوائف، عبر انتزاعها من رئاسة الجمهورية اللبنانية (المارونية عرفاً) وإيلائها مجلس الوزراء، الذي يضم ممثلين عن الطوائف والمذاهب كلها، وفق أحجامها. ولم ينشأ في لبنان الثاني مركز تقوم فيه سلطة عليا جامعة، وهي في مقام السلطة الوطنية ذات الإمرة، حفاظاً على الوحدة.
اقتسام السلطة اسهل من تقسيم الأرض. ودخل لبنان هذه المغامرة، ومارس القسمة، ولم يبق من سلطة الدولة، إلا ما تسمح به سلطات قيادات الطوائف، التي يمكن ان تنتقل بحصتها في السلطة من المؤسسات إلى الشارع. ولبنان راهناً، سلطته في أزقته، لا في أروقته، حيث المؤسسات مقفلة وفارغة ومؤجلة.

عراق "بريمر"
غزو العراق أطاح بصدام حسين. دمّر الدولة العراقية. بدّد القوة العسكرية وسرح الجيش، فاستيقظت شياطين الأقوام والطوائف والمذاهب. قبل الغزو، ثار الأكراد مراراً، وانتزعوا "حكماً ذاتياً" ضمن دولة "العراق الموحد" بقيادة بونابرتية، تحكم سيطرتها على العراق، وتحاول ان تهيمن على إمارات وسلطنات الخليج. غزو الكويت، ثم تحريرها، أتاح للشيعة إعلان ثورة سحقت على مرأى من "محرري" الكويت من احتلال صدام لها وضمها إلى "أرض العراق الأم".
فأي نظام ينشأ بعد كل هذا؟ أي دولة يمكن إعادة تركيبها، وأي سلطة يمكن ايلاؤها أمور الحكم فيها؟ وما حصة قوى الخارج وما مقدار تناسبها مع القوى الجديدة، القادمة من أحضان دولة إقليمية كبرى ودول خليجية وسطى، ودولة عظمى بقوة الولايات المتحدة الأميركية؟
لم يخلف الاستبداد بعد سقوطه من يرثه، ولم تتأهل غير فصائل عصبوية مذهبية ودينية و"أحزاب" عاشت في كنف دول راعية وحامية لها. من طبيعة الاستبداد، تجريف الأحزاب، ومن طبيعة الاستبداد أن يحيل الشعب إلى "قاع صفصف" مجدب لا تنبت فيه نبتة في الضوء. غير ان الدين، وهو القوة الأقوى في مجتمع معطوب سياسياً ومعدوم مدنياً، سيكون الحاضن الآمن نسبيّا للناس. فلا حماية إلا لمن تديّن واستتر.
من هذا السديم السياسي وفوق "أرض محروقة" بالاستبداد والغزو، قبض بريمر على العراق، حاكماً مطلقاً. وأعطي حق تشكيل "العراق الجديد"... المادة الأولى بين يديه، هي الجماعات التي عادت من هجرتها القسرية إلى إيران والسعودية ودول الخليج والولايات المتحدة الأميركية مروراً ببريطانيا. عادت هذه الجماعات، إما على ظهر الدبابة أو بشكل طوابير قتالية قادمة من إيران.
هذه المادة الجديدة، سترث صدام و"بعثه" وجيشه، فاستخرج منها بريمر مداميكه لإعادة ترتيب العراق، كقوة مخلعة، لا قدرة لها على حماية نفسها من نفسها.
الشيعة أولاً، السنة ثانياً، الأكراد دائماً، إلى جانب هيئات وأحزاب (قديمة وجديدة) أعطيت فرصة الإقامة داخل الفسيفساء المشتت، غير القادر على تشكيل "لوحة" سياسية متماسكة داخل "إطار" الدولة الواحدة.
اقتسم هؤلاء السلطة، اقتسموا المناطق، تقاسموا النفوذ، تصارعوا على كل شيء، وكل ذلك يجري، باحترام الآلية الديموقراطية، حاضنة التفتيت والساهرة على تظهيره، كشكل من أشكال التعبير عن "التعدد"، بحريه لا ترتكز إلى أصول مدنية وإلى قواعد تبقي للدولة وحدتها وهويتها.
كان من نصيب العراق، بعد الحرب، الاعتراف بالتقسيم الفيدرالي في الشمال، والنزاع على قسمة ما تبقى من الأرض، في الأقاليم والمحافظات، كل ذلك سار جنباً إلى جنب، مع موجات العنف المذهبي وعمليات التفجير الانتحارية، التي حصدت آلاف القتلى وعدّلت من طبيعة الديموغرافيا، وحكمت على العراق ان يعيش دائماً، وسط الرعب.
فشلت الديموقراطية المنقولة على ظهور الدبابات، نجحت أميركا في بناء هيكل من الركام السياسي/ الإثني/ المذهبي/ على الركام الاجتماعي. وحدة العراق، بقيادة مركزية بونابرتية، تفتتت عندما أعلن المجتمع عن نفسه. كأن الاستبداد يوحد بالقوة والديموقراطية تبدد بالحرية. والديموقراطية في مجتمع متعدد طائفياً وإثنياً ومذهبياً، لن تكون إلا شكلاً غير قادر على ضبط النزاعات وتأطيرها وإيجاد الحلول لها. الديموقراطية في مجتمع منقسم عمودياً أداة لإدارة الفوضى ومواكبة العجز.
لا شفاء للعراق، بترياق الديموقراطية المعبدة بالمحاصصة والمشرعنة بالانتماءات المذهبية والإثنية. ولا خلاص، ببقاء الخارج حاضناً لهذه الانتماءات وداعماً لها ومؤيداً لمطالبها ومانعاً عنها الإبعاد والإقصاء.
حروب لبنان الصغيرة والمديدة، لم ينتصر فيها أحد على أحد. الحل جاء على قاعدة خسارة الجميع، والتعويض عليها بنصيب في السلطة. حروب العراق الكبيرة والمدمرة، هزمت فيها الدكتاتورية وانتصرت فيها مكونات اجتماعية ضد الدولة بوحدة ترابها وشعبها، عبرت عن نفسها بكيانات مذهبية وإثنية، داخل ديموقراطية مخلعة.
لبنان، بعد ربع قرن من "الحل العجائبي" لم يشف من الاقتسام والعنف المصاحب له والضياع المستمر في التوجه خارجياً، والعراق، بعد عقد من "حل بريمر" لم يصل إلى استعادة وحدته، والتصرف بحريته بأسلوب يتيح للديموقراطية أن تبرهن عن جدواها.
لبنان مريض مزمن والعراق عليل... فما بال سوريا!

VI سوريا أخيراً
انتصار حاسم لطرف غير متوقع، استمرار الحال على هذا المنوال مستحيل. وحده الوقوف في وسط الطريق محتمل. وفي الوسط تلتقي الأطراف السورية، أو من تبقى منها، تمثل أمام القوى الدولية، لصياغة الشكل الذي سيعطى لسوريا في المستقبل.
من المرجح، ان سوريا المستقبل لن تشبه سوريا في ماضيها القريب وفي نظامها العسكري الراهن. فالنظام، بما يتبقى لديه من قوة عسكرية وسلطة على أجزاء من سوريا، سيكون حاضراً إلى جانب إيران وروسيا. "الإخوان المسلمون" سيحضرون عبر ائتلاف أو تنظيم معارض، إلى جانب قطر وتركيا، وسيحضر السلفيون، بتعدد تنظيماتهم السياسية والمدنية والعسكرية، إلى جانب المملكة العربية السعودية، وسيستثنى بالطبع، التكفيريون والأصوليون وجماعة "القاعدة"، هذا إن لم تتم تصفيتهم بقوة مشتركة من النظام والمعارضة معاً.

المصدر: صحيفة السفير اللبنانية

إشترك في خلاصة التعليقات عدد التعليقات: (0 منشور)

المجموع: | عرض:

إكتب تعليق

البريد الالكتروني يبقى سرّي و لا ينشر
  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

- التعليقات الواردة من القراء هي مسؤولية أصحابها ولا تعبر عن رأي إدارة الموقع بالضرورة
- تتم مراجعة تعليقاتكم قبل نشرها عن طريق إدارة الموقع

- (سياسة نشر التعليقات)

تابعونا

  1. دول خليجية تحذر رعاياها من السفر إلى لبنان (5.00)

  2. وفاة "ملكة الديسكو" دونا سمر عن 63 عاماً (5.00)

  3. معارض صيني ضرير بمطار بكين متوجهاً لنيويورك (5.00)

  4. الاكتئاب لدي المراهقين .. له إشارات يجب الانتباه لها (5.00)

  5. صحف العالم: أمريكا "تعاقب" باكستان بعدد سنوات سجن أفريدي (5.00)

  6. فيلم منتظر يكشف تفاصيل اغتيال بن لادن (5.00)

  7. أستراليا: التيار الوطني الحر في سيدني ينعي فقيده المفكر و المناضل والاعلامي المخضرم الأستاذ بطرس عنداري (5.00)

  8. الرحيل المفاجئ (5.00)