إعلانات Zone 4B

[CLOSE]

إعلانات Zone 3B

[CLOSE]
أحدث الأخبار:

إعلانات Zone 2B

[CLOSE]
الرئيسية | مقالات | عندما كانت «البلدية» دولة قانون
المصنفة ايضاً في: مقالات

عندما كانت «البلدية» دولة قانون

آخر تحديث:
المصدر: صحيفة السفير اللبنانية
image
الكاتب:
عدد المشاهدات: 869
قيّم هذا المقال/الخبر:
0
حجم الخط: A+ A-
نسخة صالحة للطباعة   نسخة نصية   أرسل إلى صديق

إعلانات Zone 6B

عندما كانت «البلدية» دولة قانون

أقفل المستقبل، فلا طريق أمامنا. وحدها العودة إلى الوراء، تبث العزاء، ولعلها، تغرينا بأمل التقليد. استدعاء الماضي، هو آخر ما يبتدعه الذكاء، عندما يصاب بالقحط، ولعله، هذا الماضي، يوبخنا ويبكتنا ويسألنا: «يا حيف، لماذا كل هذا؟ لم نكن نحن كذلك»؟
لا حاجة إلى مناحة. لبنان يتوغل في المجهول، بعد مسيرة الضلال الوطني المتمادية. أكثر من نصف قرن، وهو بعض عمره، كان يقلد لينين منقوصاً: «خطوتان إلى الوراء». لا أمام قدّام لبنان ليخطو باتجاهه. وها هو اليوم، ركام دولة ينتصب بعناد، لا هو ينهار، فيأذن بالرحيل، ولا هو يصمد فيدعم ويبنى على الوطن مقتضاه الشعبي.
الاختصار مفيد: لبنان في إعاقة دائمة وعطب لا شفاء منه.
إنما، لم نكن كذلك. ماضينا، منذ قرن التأسيس لهذه الكيانات، كان مختلفاً وواعداً. ما كان صعباً تطلب جهداً، وقد بذل، وما كان معانداً تطلب ليونة فوجدت. زمنذاك، كان الإيمان بالدولة قيد النمو، برغم الاعتراضات القومية، وكان احترام القانون، برغم الإقطاع والنفوذ العشائري والديني، يتفوّق على محاولات الانتهاك. كان هناك ممنوع ومسموح. وحدها «علية القوم»، كانت تحتال على القوانين خفية. لم تكن تباهي بعصيان القرارات ودوس القوانين وتخطي الأعراف.
لم نكن، زمنذاك، مدينة فاضلة طبعاً. كانت لنا عيوب وسقطات واصطفافات. كانت لنا فذلكات وسياسات تبعية وتبريرات من نوع «اليد التي يجب أن تبوسها»... إلخ. إنما، كانت «مدينتنا»، تقيم وزناً للذمة والقيم والأخلاق. تعلي من شأن «الأوادم» على نصّابي الفرص وانتهازيي السلطة... زمنذاك، كان الفساد «محتشمًا» وجبانًا، لا يجرؤ على الظهور والتباهي وإعلاء القصور دلالة على الفجور. كانت عيون الناس تخيف، لأنها كانت تحاسب، من واقع شقاوتها وبؤسها وحاجتها إلى اللقمة والحرف بكرامة الجبين، لا بمد اليد... كانت ثقافة أجدادنا وآبائنا، رثة في السياسة، متفوقة في الأخلاق وتقاليد الآباء والتباهي بنظافة الكف.
واليوم، وقد أقفل المستقبل، فإنه لم يبق لنا غير دفاترنا العتيقة، نقلب صفحاتها، لنشهد فيها على جيل، منسيّ في قراه، معزول في مناطقه النائية، كان يمارس السلطة، طبقاً للقانون، وتنفيذا لقراراته واحتراما لما له واحتراسا من فتنة يمكن أن تشتعل.
بلدتي مشغرة، حظيت منذ مئة عام، بأول مجلس بلدي، وتحديدا في مثل هذه الأيام، التي اندلعت فيها الحرب الكونية، في الرابع من آب العام 1914. حفظ لنا أرشيف البلدية، سجلاً حافلاً لمحاضر الجلسات التي تضمنت القرارات التي اتخذها المجلس البلدي منذ تأسيسه، في ظل السلطنة العثمانية. وفي ما بعد، تحت الانتداب وتحت سلطة الاستقلال.
الانقسام في مشغرة، لم يكن طائفيًّا. كان التنافس الانتخابي بين فريقين، يتزعمهما وجهاء وإقطاع وأقطاب عائلات، من الطائفتين الإسلامية والمسيحية. كان كل فريق يدين بالولاء لذاته، لا لطائفته. أما الولاءات الخارجية، فهي كانت العادة، موزعة على الزعامات المناطقية وأصحاب النفوذ في السلطة الانتدابية، وفي ما بعدها، بالقوى النافذة ذاتها، التي نقلت ولاءها بعد الاستقلال، إلى دول وقناصل.
لم تكن البلدية، زمنذاك، بريئة من التبعية أو من الغرضية السياسية. فالبلدية، لم تكن مستقلة، وإن كان النص، يعزز استقلالها وديموقراطيتها ويعصمها عن الطائفية. ومع ذلك، ففي ذلك الزمن، كانت البلدية «دولة مدنية مصغرة تحترم القانون وتلتزم به».
من محاضر جلسات ذلك الزمن، الذي يعود إلى فترة العشرينيات من القرن الماضي، ما يلي:
اتخذ المجلس البلدي قرارًا يمنع أن تصب مياه المزاريب من السطوح على الطريق العام، ويلزم أن تصب في القناة، وكل من يخالف هذا القرار، يُغَرَّم. وطلب من شرطي البلدية أن يتولى مراقبة تنفيذ هذا القرار، وتحرير محاضر ضبط بالمخالفين...
قام الشرطي بواجبه. حرّر محاضر ضبط بالمخالفين. وتبيّن أن العدد الأكبر من المخالفين هم من الوجهاء ومن أعضاء المجلس البلدي. وقد تم تنفيذ العقوبة بالمخالفين، فدفعوا القيمة المقررة في محضر الضبط...
حدث ذلك منذ ما يقارب المئة عام إلا قليلا. مَن يجرؤ اليوم على تحرير مخالفة بمسؤول؟ بمن هو تحت المسؤول؟ بمن يمت إلى المسؤول بتبعية؟ من يجرؤ على سؤال مسؤولين، بالآلاف، عن عدادات الكهرباء، عن سرقة... عن صفقة... عن احتلال أملاك عامة... من يتجرأ على أن يكون مراقبا نزيها؟ أي عقوبة سيحظى بها لآدميته؟
هذه بلدية، كانت تحترم القانون وتلتزم به وتعاقب من يخالفه. ليس عندنا اليوم من هذه البضاعة. وإذا تيسّر لنا مثلها، فلسوف تعامل معاملة المتخلفين. القول الذي يلصق بالآدمي، هو: «الأهبل». هذا زمن الحرام الذي أصبح حلالاً.
قصة أخرى تروى عن المجلس البلدي في مشغرة. حدث أن وقعت عاصفة قوية (زاعقة) حطمت أشجاراً في أرض متنازع عليها، بين الوقف المسيحي والوقف الشيعي. فسارعت البلدية، منعا من لوقوع نزاع بين الحطابين، إلى وضع اليد على المنطقة وحراستها، وقامت بقطع الأشجار وباعتها حطباً، ووضعت الغلة المالية في صندوق خاص، ريثما يصدر قرار يحدد ملكية الأرض وأصحاب الحطب.
يبدو أن ما يقال عن العيش المشترك اليوم، كان مجهولاً يومذاك. كان الناس يحيون حياة مشتركة بلا شعارات ولا إطناب في ترداد شعار، لا يمت إلى العيش المنفصل راهناً... إن التأكيد الممل على العيش المشترك هو تدليل واضح على انعدامه... تصرف المجلس البلدي في مشغرة، تصرف العدالة والحياة والمساواة والحكمة، لا تصرف الحسابات المذهبية والطائفية، التي تؤمن الظروف المثالية للمثالب وتناميها والاحتماء بها عقيدة مقدسة.
قصة أخرى، بإمكانها أن تدل على قدسية المال العام. عندنا، منذ عقود، تحوّل المال العام، إلى صيد ثمين لقطَّاع السياسة والطوائف والمذاهب. لا حرمة لهذا المال العام، بعدما تحوّل في معظمه إلى مال حرام. شبيحة المال أشد خطراً من شبيحة الشارع.
تقول القصة، إن شرطيا بلديا في مشغرة، سوّلته نفسه أن يستحوذ على نصف كيس ترابة، ليفرش مصطبة بيته بالباطون، كي يتخلص من الأوحال والغبار. لم يكن ذلك سرقة، لأنه أعلم رئيس البلدية بذلك، ظاناً، أن الرئيس، سيسمح له بذلك ويسامحه.
ماذا سمع الشرطي؟
قال له الرئيس: يا فلان، أستطيع أن أسامحك، إذا كان هذا المال من أموالي. يا فلان. هذا مال الضيعة. يلزم أن تطلب من أهلها أن يسامحوك. إذا قبلوا، فعلت. فاضطر الشرطي إلى دفع ثمن نصف كيس ترابة إلى صندوق البلدية.
هذه القصص والحكايات المسجلة في الذاكرة المكتوبة والشفهية ليست حكراً على بلدية مشغرة. معظم البلديات، حتى المعطوبة بالسياسة، كانت أفضل في احترام القوانين والالتزام بها. ولقد أخبرني فواز طرابلسي، إبن مشغرة، أن في سجله حكماً قضائياً، لأنه ابتنى في البستان في سهل مشغرة، بيتاً صغيراً مخالفاً... هذا نيشان يعلق على صدر من رفض المخالفة ومن قبل الحكم. أليس معظم ما يتم إنشاؤه مخالفاً للقوانين، بل، أليس طابق «المر»، مخالفة تشرع في ما بعد، وطابق «الميقاتي» مخالفة سيتم تشريعها... الوطن لا يبنى على المخالفات. الوطن تدمره عشوائيات القرارات التي تستبيح القوانين.
في قياس هذه الأيام. هذا الرئيس مجنون، وهذا الشرطي معتوه. أما في قياس ثقافة الوفاء والحياء واحترام القانون، فهذا ما يؤسس وما يبني.
فاتنا كل ذلك. خسرنا كل ذلك، بل دمرنا كل ذلك. ولم يعد عندنا، غير مستقبل أقفلنا عليه، وواقع يدفعنا إلى معاقرة اليأس.
غير أن لدى الآخرين، عودة أخرى إلى الماضي. ماضيهم هو ماضي دياناتهم وطوائفهم ومذاهبهم. ماضيهم هو ماضي النص المنزوع من تاريخه، والأحداث المنفصلة عن النص وعن الآية وعن الروح. ماضيهم، معارك ومجازر وفتك وخوارج وتكفير وصليبيون ومرتدون وهلم جرا من الهمجية البربرية.
في ماضينا الذي مات، ما يحيي فينا الأمل.
في ماضيهم الذي ما زال حياً، ما يقتل فينا الروح والجسد معا.

(كُتبت بمناسبة مئوية المجلس البلدي في مشغرة)

المصدر: صحيفة السفير اللبنانية

إشترك في خلاصة التعليقات عدد التعليقات: (0 منشور)

المجموع: | عرض:

إكتب تعليق

البريد الالكتروني يبقى سرّي و لا ينشر
  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

- التعليقات الواردة من القراء هي مسؤولية أصحابها ولا تعبر عن رأي إدارة الموقع بالضرورة
- تتم مراجعة تعليقاتكم قبل نشرها عن طريق إدارة الموقع

- (سياسة نشر التعليقات)

تابعونا

  1. دول خليجية تحذر رعاياها من السفر إلى لبنان (5.00)

  2. وفاة "ملكة الديسكو" دونا سمر عن 63 عاماً (5.00)

  3. معارض صيني ضرير بمطار بكين متوجهاً لنيويورك (5.00)

  4. الاكتئاب لدي المراهقين .. له إشارات يجب الانتباه لها (5.00)

  5. صحف العالم: أمريكا "تعاقب" باكستان بعدد سنوات سجن أفريدي (5.00)

  6. فيلم منتظر يكشف تفاصيل اغتيال بن لادن (5.00)

  7. أستراليا: التيار الوطني الحر في سيدني ينعي فقيده المفكر و المناضل والاعلامي المخضرم الأستاذ بطرس عنداري (5.00)

  8. الرحيل المفاجئ (5.00)