إعلانات Zone 4B

[CLOSE]

إعلانات Zone 3B

[CLOSE]
أحدث الأخبار:

إعلانات Zone 2B

[CLOSE]
الرئيسية | مقالات | تمت تصفيتها على يد عصام ابو زكي وقادها أحمد القدور ورفاقه
المصنفة ايضاً في: مقالات, لبنان من الذاكرة

تمت تصفيتها على يد عصام ابو زكي وقادها أحمد القدور ورفاقه

آخر تحديث:
المصدر: صحيفة الانوار اللبنانية
image
الكاتب:
عدد المشاهدات: 3363
قيّم هذا المقال/الخبر:
0
حجم الخط: A+ A-
نسخة صالحة للطباعة   نسخة نصية   أرسل إلى صديق

إعلانات Zone 6B

تمت تصفيتها على يد عصام ابو زكي وقادها أحمد القدور ورفاقه
دولة المطلوبين ظهرت في أيام سليمان فرنجيه ورشيد كرامي وتفكيكها استغرق اسبوعين في عصر قاسم العماد !!

قصة دولة المطلوبين في طرابلس، هي قصة دقيقة وطريفة، وتختصر رواية الخارجين على العدالة في العاصمة الثانية.
والقصة، هي قصة دولة أحمد القدور، في حقبة السبعينات. وقد جرت في عصور سياسية دقيقة بدأت في عهد الرئيس سليمان فرنجيه، ورافقت ظروف زعامة الرئيس رشيد كرامي، وانتهت في ايام محافظ الشمال قاسم العماد.
لا يمكن العودة الى تلك الايام، من دون الرجوع الى ابرز القادة الامنيين في تلك الحقبة خصوصاً وزير الداخلية السابق العميد مروان شربل الذي تسلم الحقيبة الأمنية في أوائل حكم الرئيس العماد ميشال سليمان.



اما ابرز القادة الامنيين الذين تولوا تصفية دولة المطلوبين فهو قائد مدينة طرابلس في السبعنيات العميد عصام ابو زكي الذي زرعها رهينة امنية، لكنه استطاع بعقله الثاقب وجرأته النادرة، ان يرسي العاصمة الثانية على أسس شارك في رسوخها الضباط بدري الغزال والعقيد مروان زين، والعقيد سمير بو جوده قائد الفرقة ١٨ في مدينة الفيحاء.
الا ان ضباطا كباراً من الجيش اللبناني قادوا بحكمة وحنكة صناعة التاريخ الأمني ابرزهم العميد سيمون سعيد، والعقيد عبد المجيد شهاب والعقيد سامي الحشيمي.
ويمكن القول ان قيام دولة المطلوبين وقد روعت طرابلس، ما كانت لتتفكك وتزول للولا قائد المدينة الباسل عصام ابو زكي والعقيد بدر الغزال والعقيد سمير بو جوده والسفير اللبناني في السعودية لاحقاً مروان زين.
والقصة، قصة تفكيك دولة المطلوبين استغرقت ١٢ يوماً، ولجأت السلطة خلالها الى الكلاب الوليسية، للقضاء على فصولها الواحد تلو الاخر.
الوقائع والاسرار
يروي القائد عصام ابو زكي قصة دولة المطلوبين بأسلوب قصصي مشوق، ويقول بين جميع الاحداث الامنية التي عشتها في عاصمة الشمال، كان التحدي الذي اثارته نشاطات ما سمي ب دولة المطلوبين في الاحياء الداخلية للمدينة التحدي الأخطر، لأنه كان من النوع الذي يمكنه زعزعة هيبة الدولة وفتح الباب امام ولادة ظواهر مماثلة هنا وهناك. فهذه المرة، كانت العناصر الاجرامية المدعومة من جهات خارجية قد تكتلت، وأصبح لها جيش صغير من المقاتلين العاطلين عن العمل، والمهمشين وأصحاب السوابق. وبالنظر لحجم الظاهرة وتركزها في الاحياء الداخلية لمدينة طرابلس، وبالنظر لطبيعة الاسواق القديمة وأزقتها الضيقة، فقد بدا للبعض ان من الصعب التعامل معها امنياً، حتى إن رئيس الحكومة رشيد الصلح اعتقد ان من المفيد التفاوض مباشرة مع زعيم الزمرة وهو احمد القدور، وحصل اللقاء الذي كان في نظري خطأ سياسياً، لأنه جعل رئيس حكومة يتنازل للتفاوض مع رئيس عصابة، الأمر الذي اعطى للرجل قيمة لم يكن يملكها. وربما اعتقد الرئيس الصلح انه قادر بحنكته ان يتوصل الى حل توافقي يجنب طرابلس معركة دموية، لكن طبيعة العناصر الذين تعامل معهم كانت اجرامية لا يفهمون من التساهل الرسمي الا انه علامة ضعف. وقد اشتهر عن القدور يومها قوله انه سيطعم الرئيس رشيد كرامي الفلاقل في المدينة القديمة، اي في نطاق سيطرته ودويلته المزعومة!
رغم كل ما ظهر من قوة الدويلة وزعيمها القدور، فقد كان في اعتقادنا ان تصفيتها امر ممكن، لكنه يحتاج الى خطة بعيدة الامد، وقبل كل شيء الى قرار سياسي. وقد تمكنا، والحمد لله، في نهاية المطاف من تدمير العصابة والقبض على عناصرها واذابة دولتهم واراحة عاصمة الشمال من شرورهم.
ويتساءل عصام ابو زكي:
كيف تم لنا وللقوى الامنية وللدولة هذا النجاح الامني، والذي في الحقيقة، وضع حداً لتيارات وبؤر الاجرام والخروج على القانون في المدنية؟
ثم يجيب: كانت ظاهرة دولة المطلوبين أوضح دليل على تصاعد المخطط الذي يستهدف لبنان. فهذه الظاهرة التي شكلت تهديداً لأمن طرابلس، تُذكر بما عاد وحصل في مخيم نهر البارد، وهي جاءت على شكل تتمة وتصعيد في الوقت نفسه، لظواهر منظمة الغضب وحركة ٢٤ تشرين والتجاوزات المتصاعدة للمنظمات الفلسطينية. لم يكن اعضاء عصابة القدور سوى زمرة من الحثالة، ولم تكن لديهم اي افكار سياسية او جاذبية للشارع، لكن هذه العصابة تمكنت من التوسع في الاحياء القديمة لمدينة طرابلس، بعدما تلقت تشجيعاً ودعماً من جهات خارجية متعددة. ومن اكثر الأمور لفتاً للانتباه هو ان الظاهرة برزت بقوة في مطلع العام ١٩٧٥، أي قبل بضعة اشهر من حادثة عين الرمانة، فلا يمكن بالتالي عزلها عن نهج التفجير الذي اكتملت حلقاته مع حادثة بوسطة عين الرمانة.
احمد محمد الخالد القدور هو الثالث بين اربعة اشقاء، والدهم دركي سابق من تكريت في عكار، وأمهم من الحارة البرانية في طرابلس.
شقيقه الاكبر محمود مات في السجن، وهو يقضي عقوبته، جراء جريمة قتل، وعمر قتل برصاص الدرك في معركة استشهد فيها رقيب في الدرك، ومحمد وهو آخر العنقود، ملازم لمنزله في قرية تكريت بعكار.
ترعرع احمد القدور في الاحياء الداخلية كمواطن مخلص لدولة القبضاي ديب شحيطة. وعندما زالت دولة الشحيطة، ورثه القدور ووسع عمليات الدولة وطورها، فأصبحت تعرف باسم دولة القدور قبل ان يُطلق عليها في ما بعد اسم دولة المطلوبين. وقد استمرت إمارة القدور سبعة اشهر.
ويتابع العميد ابو زكي روايته:
كنت مدركاً ان ظاهرة القدور ودويلته ليست أمنية فقط، لأن لها جذورها الاجتماعية، وخصوصاً الحقد الذي يحمله فريق من فقراء المدينة على سلطة الدولة باعتبارها سلطة للقمع غير مهتمة بمشكلاتهم. لذلك، فإنني اعتبرت كسب ثقة الناس العاديين والفعاليات في المدينة شرطاً أساسياً لكسب المعركة في نهاية المطاف.
قمت من اجل ذلك بتشكيل فريق عمل مهمته التفرغ لمواجهة تلك الحالات بكثير من الشفافية والتفهم لهموم الناس. وقد تمكنا من فتح كوة داخل هذه الاسواق سواء بتوفير المعلومات أو بالمساعدات الاجتماعية، وهنا أذكر جهود محافظ الشمال الشيخ قاسم العماد، رحمه الله، الذي هيأ لنا اجواء الثقة، باعطائنا كثيراً من الصلاحيات، ووفر لنا بعض اكياس الحنطة والقمح والوجبات الناشفة المعلبات والحليب والخبز لتوزيعها على نطاق ملموس داخل اسواق المدينة.
تمكنا من خلال تلك المبادرات من ان نكسب ثقة المواطن. وكانت مكاتبنا مفتوحة لأصحاب الحاجات. فكنا نصغي الى شكاويهم، ونسعى بكل ما لدينا للاهتمام بأوضاعهم ومساعدتهم. وقد توسعت اتصالاتنا الى ادارة المستشفيات في المنطقة من اجل تسهيل دخول المرضى اليها وتأمين حصولهم على الدواء. ووقف المغفور له الرئيس الشهيد رشيد كرامي معنا، وأطلق عبارته الشهيرة أمامنا: ان الشرطة في خدمة الشعب وليس لقمعه.
بداية العصيان
يوم الاربعاء في ٣٠ تشرين الأول ١٩٧٤ استفاقت مدينة طرابلس على بلبلة أمنية، وما لبثت ان توترت أجواؤها، فأقفلت الاسواق التجارية، وخلت الشوارع والساحات العامة القريبة من الاحياء الداخلية من المارة. وأدت الاحداث الى سقوط قتيلين وأربعة عشر جريحاً، وسميت هذه المعركة ب حرب القبضايات.
بداية الحادثة ان امرأة حضرت الى المدعو خضر زبيدي الملقب قدورة شاكية أمرها باعتباره شيخ شباب الحارة، وأخبرته قصتها، وهي ان المدعو محمد برغشون يعاكس ابنتها في الشارع. تحركت نخوة قدورة، فقرر تأديب برغشون. بعد ايام، التقى قدورة المطلوب للعدالة عبد الرزاق مصطفى المحسوب على برغشون امام المسجد المنصوري الكبير، فأطلق عليه النار وأصابه في ساقه. علم برغشون بالأمر، فثار لحال رفيقه مصطفى، وتوجه الى المكان الذي يتواجد فيه قدورة عند مدخل سوق الصاغة في محلة النوري، حاملاً رشاش كلاشنكوف وأطلق النار علىه فأرداه.
فور وقوع الجريمة انتشرت الشائعات في احياء طرابلس الداخلية كالنار في الهشيم، فأسرع المطلوبون والمواطنون من انصار الرئيس رشيد كرامي الى حمل لسلاح، وتوجهوا الى قصر القلة، وهو مقر اقامة الافندي، لاعتقادهم ان ثمة مسلحين يطوقون المنزل. وقد بادر المهندس معن كرامي رشقيقه عمر الى تطمين الانصار ودعوتهم الى ضبط النفس والتحلي بروح المسؤولية. وقد نفى آل كرامي بشدة الشائعات، معتبرين ان القصد منها هو اثارة الفتن في المدينة.
لكن وعلى الرغم من كل جهود التهدئة، فقد اتجه الوضع للانفجار، وتطورت الأمور الى حرب شوارع والقاء المتفجرات ومهاجمة المسلحين لرجال قوى الامن، مما اضطرنا الى اخلاء مخفر البلدية. وكان واضحاً أن ما يحصل سيناريو منظم، وان هدف مروجيه هو رمي المدينة في أتون فوضى يتم التسلل من خلالها لضرب أجهرة الدولة وعلى رأسها القوى الامنية.
استخدم التوتر الذي نشأ عن جريمة قتل لايجاد حالة من الرعب لم يسبق ان شهدتها المدينة التي لم يعد يسمع فيها الا أزيز الرصاص ودوي القنابل والمتفجرات. وسقط جراء الاشتباكات بعض الاشخاص، وهرع الأهالي الى الافران لشراء الخبز والحاجيات الضرورية من المحال التجارية. وفي هذا الوقت كان المسلحون في الاسواق الداخلية يقيمون المتاريس، واتخذوا مواقع لهم فيها، كما كانوا يتبادلون النار مع رجال الامن المرابطين في مواقع قريبة منهم، ووقعت أضرار مادية جسيمة في السيارات والممتلكات والابنية المجاورة للمنطقة.
ويواصل العميد ابو زكي روايته:
بدأت أتساءل: ماذا الدي يحدث؟ كيف يمكن لجريمة عادية ان تغرق المدينة في اجواء حرب مرعبة، وما هو الهدف، ومن يقف وراء هذا التصعيد غير المفهوم؟
عشرات الآلاف من الطلقات النارية أطلقت في ليلة السابع من تشرين الثاني، على مسامع سكان المدينة، اضافة الى عشرات القنابل التي مزقت سكون الليل. كانت بعض المحلات تفتح ثم تقفل ابوابها الجرارة بسرعة، والناس تهرع الى الشارع في لحظة هدوء، ثم عند سماع زخات الرصاص ودوي القنابل، يبدأ التدافع والركض في كل اتجاه. وفي كل مرة كان للموت ضحية أو أكثر وللبيوت دمار من كل الاصناف.
تبين لي فيما بعد ان هذا التصعيد بكل انواع الأسلحة بدأ عندما جمع احد المطلوبين انصاره وتمركزوا في منطقة التل. وأثناء تفقد رئيس المخفر المنطقة، اقدم احدهم على اطلاق النار باتجاه قوى الامن، فردت الدورية على مصدر النار بالمثل، فانفجرت الاشتباكات، وما لبثت ان امتدت الى معظم الاحياء الداخلية، ووردتني معلومات ان القتال تقوم به عناصر دولة المطلوبين بقيادة المطلوب أحمد القدور في ما يشبه العصيان المسلح.
في موازاة ذلك كانت المساعي السياسية الحميدة التي يقوم بها زعماء طرابلس ونوابها ناشطة على أكثر من صعيد لتهدئة الأجواء المحمومة، وقد قام الرئيس رشيد كرامي بجولة تفقدية على الأحياء دعا فيها الأهالي الى الهدوء.
بعد مفاوضات شاقة وصعبة استمرت ثلاثة أيام، بيننا وبين المحافظ الشيخ قاسم العماد من جهة وبين الرئيس رشيد كرامي من جهة أخرى، أجرينا في اليوم الأخير اتصالات مستمرة حتى ساعة متأخرة من الليل، لم تكن الجهات المعنية قد أصدرت بيانا توضيحيا عن المعارك التي دارت بين قوى الأمن والمطلوبين، وحده الرئيس رشيد الصلح اكتفى بالقول: إننا نتابع الموقف باهتمام، ونحاول حصره وتطويق ذيوله في نطاق القانون. ودعا محافظ الشمال مجلس الأمن الفرعي للانعقاد ومناقشة الموقف واتخاذ القرارات المناسبة لذلك، وفي الوقت نفسه كان المحافظ العماد ينقل التفاصيل الى رئيس الجمهورية سليمان فرنجيه الذي سمع أزيز الرصاص عندما كان يتناول طعام الغداء في فترة الأعياد عند صديق له من طرابلس برفقة رئيس الحكومة رشيد الصلح، وقد أصدر الرئيسان تعليمات حاسمة بوجوب استخدام كل الوسائل الممكنة لوضع حد للتوتر المخيم على المدينة.
أرسلنا التقارير الأمنية التي تشرح الوضع الميداني لحركة المطلوبين الى القيادة في بيروت.
وضع مجلس الوزراء خطة عسكرية، وقرر اقتحام الأسواق الداخلية من قبل قوى الأمن الداخلي وبمؤازرة الجيش اللبناني، وتم ابلاغي أن بدء الهجوم سيكون الساعة صفر من صباح الأحد ٥/١/١٩٧٥، لأن اليوم الثاني - أي الأحد - يوم عطلة، فلا مدارس ولا متاجر ولا أسواق مما يساهم في حصر الأضرار المحتملة من العملية العسكرية.
انعقد مجلس الأمن الفرعي، واتخذ القرارات الحاسمة، واتفق أعضاؤه على أن تحاط تلك القرارات بسرية تامة. علمنا خلال الاجتماع أنه سيتم استقدام قوات اضافية جيش قوى أمن معززة بالآليات والأسلحة وان أمر التنفيذ يتوقف على النتائج الأخيرة لمساعي التهدئة. وعندما لم تنجح المفاوضات صدر الأمر بتنفيذ خطة الهجوم على دولة المطلوبين وتصفيتها.
تألفت قيادة العملية من الضباط: العميد سيمون سعيد قائد موقع الشمال العسكري العقيد عبد المجيد شهاب نائب القائد، العقيد سامي الحشيمي قائد سرية درك الشمال، الرائد البير سماحة ضابط المعلومات في الشمال، الرائد بدر الغزال آمر المفرزة القضائية، الرائد دار غوث، النقيب عصام أبو زكي قائد مدينة طرابلس، الملازم اول سمير بو جودة آمر مفرزة الطوارئ في طرابلس، الملازم أول غسان حمصي آمر فصيلة درك حلبا، الملازم جان قاصوف والملازم مروان الزين من مفرزة مغاوير الدرك.
وكانت مهمة رئاسة القوى المقتحمة مناطة بقائد المدينة أي بي شخصيا، وقد عملت على تجهيز القوى، وحددت المجموعات المكلفة اقتحام الأحياء الداخلية مصدر التوتر، والتي كان يسيطر عليها المطلوبون للعدالة.
قطعنا التيار الكهربائي وخطوط الهاتف والمياه عن الأحياء الداخلية، وبدأ تنفيذ العملية العسكرية في جو محموم وغزارة نيران مصحوبة بدوي قذائف ال آر. بي. جي والقنابل اليدوية. وكان الجو ماطراً بغزارة والشوارع مظلمة بسبب قطع التيار الكهربائي، ولم يكن في امكاننا أن نحدد نطاق الأهداف وأماكن تواجد المسلحين إلاّ من وميض فوهات البنادق واشتعال النيران بالمنازل والأحياء.
كانت عملية خطرة والتحدي كبير، لأن المنطقة مكتظة بالسكان، وكان المطلوبون من أبناء الأحياء الداخلية، يعرفون أزقتها وسراديبها معرفة تامة، لذلك فقد كانوا يظهرون فجأة في مكان ويعودون ويطلقون النار من مكان آخر على عناصر قوى الأمن. أصيب النقيب طوبيّا من الجيش اللبناني فتم نقله بسرعة، وتابعنا الاقتحام، ووصلنا الى الأسواق الداخلية في جو من الرعب وسقط جرحى بين القوة المهاجمة.
بدأ الفجر ينبلج، وأصبحت معالم الأسواق ترتسم أمامنا، أمام قوة الهجوم ظن المطلوبون ان القوة العسكرية جيش كبير يطوّقهم من كل الجهات، وأثّر ذلك في معنوياتهم، فانسحبوا بسبب غزارة نيران القوة المهاجمة الى الحمامات العثمانية القديمة، حيث دارت معركة حامية أدت الى مقتل أحد المطلوبين واعتقال المطلوب رشيد موسى، واستشهاد عنصر من قوة الاقتحام هو الدركي محمد الشيخ محمود الرفاعي.
استمرت حملة مطاردة المطلوبين في اليوم الثاني، وتمكنا من اقتحام آخر مخابئهم، وسيطرنا على الأسواق الداخلية، التي كانوا يتمركزون فيها، ويتخذون منها منطلقا لبسط نفوذهم في المنطقة، وقد ساعدتنا طائرات الهليكوبتر في تمشيط البساتين والطرقات.
وصلنا الى الجامع، وكان بعض المطلوبين لجأوا اليه، فحاصرنا المكان، وأجريت اتصالا بالمحافظ لأعرف ما الذي يجب عليّ فعله لأن دخول المسجد بقوة السلاح له محاذيره الدينية والقانونية. اتصل المحافظ بوزير الداخلية الرئيس الصلح في بيروت الذي قال ان المساجد وجدت لعبادة الله، وليس لايواء المجرمين، وكان مصمما على إنهاء عصابة دولة المطلوبين.
وصدر الأمر باقتحام المسجد بعد أن تم أخذ الموافقة من سماحة مفتي الجمهورية اللبنانية الشهيد الشيخ حسن خالد، ومفتي طرابلس الشيخ نديم الجسر رحمهما الله للدخول بقوة السلاح وإلقاء القبض على المطلوبين... شرط ان تكون العناصر المقتحمة من المسلمين لئلا تحصل حساسيات أو ترتكب أعمال قد تشكّل خرقاً لحرمة المكان.
استمرت الاقتحامات في الأسواق الداخلية، وتم القاء القبض على عدد كبير من المطلوبين العاديين اضافة الى الأسلحة والذخائر والقذائف... واستمر تعطيل المدارس بقرار من المحافظ. ولاقت حملة القضاء على المطلوبين للعدالة تأييداً سياسياً، شرط ان تكون شاملة، بجعل تدابير الأمن تشمل جميع المناطق اللبنانية التي تعاني أوضاعا مشابهة لأوضاع عاصمة الشمال. بحيث تفرض هيبتها وتوطد سلطان القانون. وعلى الرغم من صعوبة الوضع وخطورته، إلاّ أن الأجواء الايجابية أعطتنا القوة والعزم على الاستمرار في العملية وتوقيف المطلوبين الرئيسيين الذين روّعوا المدينة ومواطنيها...
بعد دخول الحملة يومها الخامس، استخدمت الكلاب البوليسية منذ الصباح الباكر، ودهمت بعض المنازل والمستودعات في أحياء الدفتردار وسوق الصاغة وطلعة أبي سمرا وحيّ المهاترة. وكان الموقوف محمد عزمي الشريف، الذي اعترف بالاشتراك في قتل الدركي محمد حسين ناصر الدين، أفاد ان القدور وجماعته لجأوا الى منطقة المهاترة. فدهمت قوة من الدرك والمغاوير المنطقة وأرشدتها الكلاب البوليسية الى منزل مهجور عثرت فيه على ثلاثة رشاشات وقنبلتين من نوع صيني وكمية من الذخيرة.
ووقع رجال الأمن بعد الظهر على أول صيد ثمين من رؤوس المطلوبين، إذ وردت اخبارية تقول ان المطلوب فيصل الأطرش مختبئ في مستودع للحديد في شارع سوريا في محلة باب التبانة. فقمت بمساعدة قائد المفرزة القضائية الرائد بدر الغزال على رأس قوة من الفرقة ١٨ والمغاوير بحملة، وطوّقت قوة من الجيش الحيّ المذكور، واقتحمت المستودع، وأنذرت المطلوب الأطرش فرفع يديه مستسلماً، وأقتيد الى الثكنة العسكرية بعد أن صودر منه مسدسه الحربي و٤١ قذيفة وموسى حلاقة، وكان قد حلق شاربيه تخفياً، والأطرش مطلوب بموجب مذكرات توقيف، ومنسوب اليه التخطيط والاشتراك في تنفيذ حوادث عدة.
وقد صدرت بعض الصحف في اليوم التالي برسم كاريكاتوري ظريف يسأل المسلح الأول كيف اعتقلوا الأطرش؟ فيجيب المسلح الثاني: ما سمع الدعسة...
وهكذا تحوّل التشاؤم الذي ساد طرابلس الى تفاؤل بامكان القبض على بقية المطلوبين الرئيسيين بعد اعتقال أحد كبارهم. ومع عودة الخطوط الهاتفية الى المدينة قبل الظهر والاعلان عن السماح بالتجول لمدة ٩ ساعات يوميا في الأحياء المطوّقة، كان أهم ما يشغل بال الناس هو وضع سكان الأحياء وكيفية تأمين المواد الغذائية والطبية لهم...
جاءتنا بعض الاخباريات ان القدور ورفاقه الخمسة: ألبير حلو، خلدون المصري، عبد الغني كمون، مظهر الشامي، وابراهيم الصميدي، أفلتوا بأسلحتهم وقنابلهم اليدوية من الحصار المضروب حول ساحة الدفتردار، واستعملوا الدهاليز للهروب من الأسواق الداخلية، وثبت ان آخر مكان شوهدوا فيه كان الساحة، حيث طلبوا طعاماً من منزل آل البيطار، ثم ضاع لهم كل أثر، وقد أفادنا بعض المخبرين أنهم موجودون في جرود عكار، بعد ان نفذوا اليها سيراً على الأقدام وسط بساتين البرتقال، عبر البولفار الى حي الغرباء في العمق الشمالي للمدينة.
انتقلت مع الرائد حليم كيروز من القيادة العسكرية والرائد بدر الغزال رئيس التعقبات الجنائية والملازم سمير بو جودة رئيس الفرقة ١٨ الى المنطقة الشمالية من طرابلس. وبدأت القوى الأمنية المشتركة تساعدها الطوافات العسكرية، اضافة الى العناصر الراجلة والمخبرين في تعقب المطلوبين وتحرّي مكان وجودهم. وقد بلغنا ان المطلوبين وصلوا الى أحراج بلدة قبعيت وهم يتجهون الى بلدة قرحيا حيث تقضي الطريق الى بلدة السفيرة في قضاء الضنية. وساعدتنا عناصر الشعبة الثانية - مخابرات الجيش وفرقة المغاوير - في البحث والتفتيش. وقد استعملت القنابل المضيئة لأول مرة في عكار، حيث ألقيت ستون قنبلة مضيئة ثمن الواحدة منها ١٢٥ ليرة في ذلك الوقت.
تبادل المطلوبون النار مع رجال الأمن لحظة دخولهم الى منزل العريف محمود عبد الكريم في حرار قرب فنيدق، لأنهم كانوا جياعاً. فقد دخل جمعة مسلماني الى المطبخ، وتمكن العريف من اعتقال مسلماني في المطبخ، وتبادلت العناصر الأمنية الرصاص مع المطلوبين بعد ان انكشف أمرهم وغلبهم الجوع، وبعد انتهاء حملة البحث عنهم في عكار عمدنا الى تغيير خطة العمليات بالاتفاق مع قائد السرية العقيد سامي الحشيمي ووضعنا خطة جديدة.
علمنا ان المطلوبين انتقلوا من مرحلة السير على الأقدام الى مرحلة السيارة، فهددوا سائق إحدى سيارات الإجرة بالسلاح لينقلهم الى منطقة المنكوبين منكوبي فيضان نهر أبو علي عام ١٩٥٥، وتقع قرب البداوي، لتنتهي هذه الرواية بالقاء القبض عليهم.

المصدر: صحيفة الانوار اللبنانية

إشترك في خلاصة التعليقات عدد التعليقات: (0 منشور)

المجموع: | عرض:

إكتب تعليق

البريد الالكتروني يبقى سرّي و لا ينشر
  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

- التعليقات الواردة من القراء هي مسؤولية أصحابها ولا تعبر عن رأي إدارة الموقع بالضرورة
- تتم مراجعة تعليقاتكم قبل نشرها عن طريق إدارة الموقع

- (سياسة نشر التعليقات)

تابعونا

  1. دول خليجية تحذر رعاياها من السفر إلى لبنان (5.00)

  2. وفاة "ملكة الديسكو" دونا سمر عن 63 عاماً (5.00)

  3. معارض صيني ضرير بمطار بكين متوجهاً لنيويورك (5.00)

  4. الاكتئاب لدي المراهقين .. له إشارات يجب الانتباه لها (5.00)

  5. صحف العالم: أمريكا "تعاقب" باكستان بعدد سنوات سجن أفريدي (5.00)

  6. فيلم منتظر يكشف تفاصيل اغتيال بن لادن (5.00)

  7. أستراليا: التيار الوطني الحر في سيدني ينعي فقيده المفكر و المناضل والاعلامي المخضرم الأستاذ بطرس عنداري (5.00)

  8. الرحيل المفاجئ (5.00)