إعلانات Zone 4B

[CLOSE]

إعلانات Zone 3B

[CLOSE]
أحدث الأخبار:

إعلانات Zone 2B

[CLOSE]
الرئيسية | مقالات | سؤال الغياب عن غريغوار حداد: لماذا أنت وحدك؟
المصنفة ايضاً في: مقالات

سؤال الغياب عن غريغوار حداد: لماذا أنت وحدك؟

آخر تحديث:
المصدر: صحيفة السفير اللبنانية
image
الكاتب:
عدد المشاهدات: 524
قيّم هذا المقال/الخبر:
0
حجم الخط: A+ A-
نسخة صالحة للطباعة   نسخة نصية   أرسل إلى صديق
سؤال الغياب عن غريغوار حداد: لماذا أنت وحدك؟

سيدي من أنتَ؟ لستَ غيرك أبداً. بحثت عمّن يشبهك؟ بينك وبين البعض، شبه لا يكتمل.

من ذاكرتي، أنتقي شبيهين ونقيضين معاً. الأول، رفاعة الطهطاوي، من عندنا. الثاني، الكسي دوتوكفيل، من عندهم. الطهطاوي، «أمير المثقفين»، «أول مَن أخذ بنفسه في تاريخ الثقافة الإسلامية الحديثة حق التحدّث، ليس فقط في ما وافق الشرع، بل وفي ما يخالف الشرع». الطهطاوي، أجاز وجود ولاءين «واحد تجاه مَن يدينون بالدين الواحد، والآخر تجاه المواطنين» (ألبرت حوراني). الطهطاوي، في «تلخيصه» (الأبريز في تلخيص باريز) يضّمن نصّه الإعجاب بفضائل الحكم الجمهوري القائم على الفصل بين السلطات، ويقرب مبادئ الثورة الفرنسية من ذائقة المصريين الثقافية، ويتحمّس للأخذ بأسباب الحضارة الغربية، ما دفعه للتباعد، ثقافياً وسياسياً، بين العرب والأتراك ليقرّب بين الفرنسيين والعرب (عفيف فراج).

الطهطاوي رائد في تأييد الديموقراطية وإظهار محاسن النظام الجمهوري وفضائل الفصل بين السلطات، لكنه لا ينصح سيده محمد علي بالأخذ بها. يؤمن بشيء ويمارس عكسه، تماشياً مع بيئته الإسلامية وسلطته. وتأييده للديموقراطية يتخلّى عنه، ليشيد بمذهب «المستبد العادل» محمد علي باشا. هكذا فاز المستشار على المفكر.

«هذا رجل لا يشبهك يا غريغوار. ما آمنت به قمت به. ما آمن به وأحبّه تراجع عنه ومارس ضده. ألم نقل: بينك وبين البعض شبه لا يكتمل. أنت ضد النقصان والانتقاص. هو ساوم. لم يقطع مع السائد ومع المصلحة. أنت فعلت. قطعت وحسمت وقاومت. فكنتَ وحيداً. فأنتَ لست غيرك أبداً».

والكسي دوتوكفيل، مرجع في الديموقراطية والحرية والثورة. القضية الحاضرة في ما كتب، البحث عن الحرية وفيها. النموذج الأميركي شكّل موضوعه. «هدف الحكومة الدستورية التي تؤسسها الحكومة الثورية هو لفرض إقامة الحرية العامة (...) وحماية الأفراد من استخدام السلطة العامة. الحرية يجب الدفاع عنها ضد الجمهور وسلطته. إن الحرية والسلطة قد افترقتا كل في طريق، فبدأ إجراء ذلك التساوي المشؤوم بين السلطة والعنف، بين الشأن السياسي والحكومة، وبين حكومة وشر ضروري» (حنة أرندت ـ في الثورة) و «إن الثورة قد علمت الشعب درساً أول في فكرة الحرية العامة والولع بها».

شبه طلاق بين توكفيل وبين ما كتبه. الإنسان عنده ليس كله. بعض الإنسان يهمّه والآخرون فليذهبوا إلى العبودية. عندما عاد توكفيل من أميركا، وقف إلى جانب الحكومة الاستعمارية. بشّر بالغزو ودافع عنه. الديموقراطية والحرية ليستا لكل الناس. جيوش الغرب التي غزت المناطق الرخوة في العالم، أذاقت شعوبها الإبادة والرق وفضائل العبودية... الحرية حقّ اختصّت به دول الغرب. المجد للإنسان الأبيض.

«أنت يا سيدي لست كذلك. منذ اثنين وثلاثين عاماً على منبر الحركة الثقافية ـ انطلياس تتحدّث عن التزامك بالعلمانية الشاملة، «كقيمة إنسانية من القيم الكبرى واللازمة للإنسان والمجتمع...». فالقيم الكبرى خطيرة، بالوقت ذاته خطرة... هدامة للأفراد والجماعات والمجتمع بأسره، والمطلوب من الواعين للقيم الإنسانية أن يزيلوا الأخطار السلبية، ويناضلوا لتحقيق الوجوه الإيجابية لكل قيمة... بما فيها العلمانية: العلمانية قيمة إنسانية عليا.

أخرج غريغوار حداد العلمانية من لاهوتها، أنزلها من مرتبة الفوق، وضعها في مكانها التاريخي، فهي مبنية على العلم التجريبي فقط. العلمانية من الزمنيات ولا تُناط بالروحانيات، وهي ليست مع الدين أو ضده، هي في الحياد التام عن الدين، وانحياز تام للحياة والمجتمعات والإنسان كل الإنسان، أياً كان وعلى أي هيئة أو دين أو كيان. ومثل هذا النقاء النموذجي، مخالف لتراث وتقليد الطوائف اللبنانية والبعثات التعليمية التي روّجت كل واحدة منها، لعلم طائفي، أسس التعليم في لبنان على قاعدة الولاء الديني والمذهبي، منذ «مجمع اللويزة».

في محاولته لتنقية العلمانية الطوباوية مما لحق بها، يؤكد غريغوار أن العلمانية ليست العقلانية، بسبب انتمائها إلى عالم التجربة. وليست الديموقراطية ولو اشتملت على شيء منها، كالمساواة مثلاً. والعلمانية ليست الديموقراطية في مجتمع ديني، لأنها صفة من صفات المجتمع المدني، لا المجتمع الديني، ولا دخل لها بالرهبانيات وبالكهنوت، فلا هي حالة حرب مع الكهنوت، ولا مع أديان لا كهنوت فيها. والعلمانية «ليست لتحرير المجتمع من الدين والله» وليست الإلحاد كذلك، لأن العلمانية اختصاص مدني اجتماعي، وليس من خصائصها «أن تقول شيئاً في الله»، بل هي عاجزة وقاصرة، وهي «تترك الله ورسله وكتبه للإيمان». وعليه «ليست العلمانية حرباً على رجال الدين»، وليست رفضاً للقيم الدينية، ولكنها ملزمة بمواجهة المتفرّغين الدينيين عندما «يتجاوزون حقول تفرّغهم واختصاصهم الديني ليهتمّوا بالشأن المجتمعي ولا سيما السياسي والحزبي منه». وهذا ما يتناسب مع شعار لم يأت المطران على ذكره «منع رجال الدين من التدخل في شؤون الدولة ومؤسساتها».

ومن واجب العلمانية أن تدافع عن قيمها الإنسانية. وترفض احتكار الأديان وحدها دون سواها، للقيم الإنسانية، والتأكيد على «أنه من المستحيل على الإنسان أن يصل إلى هذه القيم إلا عن طريقها»... و «العلمانية ترفض أن تأخذ قوانينها من الكتب الدينية الأساسية» ليس بسبب انتسابها إلى الوحي، بل «لأنها تعتبرها بنصها غير صالحة للمجتمع الحالي. وإذا رأتها صالحة أخذتها، حتى بنصها الأصلي، وإذا رأت في تعديل بعضها، مصلحة للجماعة، عدّلتها». شرعية القوانين لا تتأتّى من انبثاقها من سلطة الله وعلمه»، يلزم إضفاء شرعية السلطة المدنية المعترف بها.

قال المطران ما قاله والتزم. ظل وفياً لقناعته ولم يتنازل. إن فعل، خسر من إنسانيته. فالعلمانية قيمة لكل الإنسان. غيره فعلها. العلمانيون في لبنان، فاشلون. الطائفيون، على العكس، متفوقون. لم يُنجز العلمانيون أمراً. بَدَدٌ بعد بَدَد. لا يجمعون على خطوة. منحازون إلى فردية ونرجسية. كثير من الادعاء. زَبَدٌ على رمل. يحملون قضية محقة، وفي كل وادٍ سياسي وطائفي يهيمون، الحزبيون العلمانيون، تورّطوا في احلاف الطوائف، خدموها حتى الثمالة. نالوا حصة طائفية بمنسوب متدنٍّ. يرفعون العلمانية راية في المناسبات، وينخرطون في الطائفية ويخرجون منها بتبريرات مصيبة، كل الأمجاد اللبنانية التعيسة والرثة تجيّر للطائفيين.

حدث أن تقدّم علمانيون بمشروع يقضي بشطب الإشارة إلى الطائفة من سجل النفوس، يصبح فيه الشاطب مواطناً علمانياً عن جِد. سخر العلمانيون الأصوليون والحزبيون منهم. فضلوا البقاء في الإقامة الطائفية المريحة، على التحرر من المرعى الطائفي... حدث أن تقدّم علمانيون بمشروع للزواج المدني في لبنان، لا أمل، العلماني في لبنان، مدّعٍ، مصابٌ بغرور التوحّد.

على نقيض منه، الطائفي. هو مؤمن بطائفته، يواليها ويدافع عنها ويلتزم بأوامر قادتها ومستعدّ لتقديم الغالي والنفيس وحتى الشهادة، دفاعاً عن طائفته وحصتها في السلطة، ويتهم من يخالفها بالإساءة إلى التوافقية.

على مَن تلوَتَ مزاميرك يا سيد؟ علمانيتك الصافية لا تمتّ بصلة إلى هذه البيئة اللبنانية الناصعة في انتماءاتها المختلفة. أنتَ، أدّيْتَ قسطك حتى النهاية. ولكنَّ القمح قليل وخبزك منعدم.

لعله لبنان ضدك. أقصد الكيان. أليست نشأة الكيان لأسباب طائفية؟ المسيحيون في لبنان فازوا في الحرب الكونية لتحالفهم مع الفرنسيين. حصتهم كانت هذا الكيان. الكيانات الأخرى لها أسبابها. أما لبنان، فالطائفية علة وجوده. من دونها، لا يكون. وعليه، ما كان موقتاً دام. ما كان مختصاً بطائفة توزّع. المارونية السياسية ورثتها السنية السياسية ثم الشيعية السياسية. الطوائف تتحكّم ببلد لم يعُد قادراً على تشكيل حكم. الرواد الاستقلاليون، ربما كان ميثاقهم، منصة للتقدّم باتجاه دولة مدنية. حدث أن كانت منصة للقفز في الجحيم. شبه انتحار.

لا أؤمن بالاستثناء اللبناني، والاستعصاء الكياني. لعل المشكلة في مكان آخر. يفترض البحث عنه.

من جهتي أدخل كرسي الاعتراف، وأطلب من الأب غريغوار، أن يغفر لي تقصيري ويأسي، وأن يباركني لبقائي على الأقل، مؤمناً بالعلمانية كقيمة إنسانية، وفاشلاً في خدمتها.

ورقة قدّمت في «الحركة الثقافية ـ انطلياس».

المصدر: صحيفة السفير اللبنانية

إشترك في خلاصة التعليقات عدد التعليقات: (0 منشور)

المجموع: | عرض:

إكتب تعليق

البريد الالكتروني يبقى سرّي و لا ينشر
  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

- التعليقات الواردة من القراء هي مسؤولية أصحابها ولا تعبر عن رأي إدارة الموقع بالضرورة
- تتم مراجعة تعليقاتكم قبل نشرها عن طريق إدارة الموقع

- (سياسة نشر التعليقات)

تابعونا

  1. دول خليجية تحذر رعاياها من السفر إلى لبنان (5.00)

  2. وفاة "ملكة الديسكو" دونا سمر عن 63 عاماً (5.00)

  3. معارض صيني ضرير بمطار بكين متوجهاً لنيويورك (5.00)

  4. الاكتئاب لدي المراهقين .. له إشارات يجب الانتباه لها (5.00)

  5. صحف العالم: أمريكا "تعاقب" باكستان بعدد سنوات سجن أفريدي (5.00)

  6. فيلم منتظر يكشف تفاصيل اغتيال بن لادن (5.00)

  7. أستراليا: التيار الوطني الحر في سيدني ينعي فقيده المفكر و المناضل والاعلامي المخضرم الأستاذ بطرس عنداري (5.00)

  8. الرحيل المفاجئ (5.00)