إعلانات Zone 4B

[CLOSE]

إعلانات Zone 3B

[CLOSE]
أحدث الأخبار:

إعلانات Zone 2B

[CLOSE]
الرئيسية | لبنان | الخطوط العريضة لسينودس الشرق الاوسط: شركة وشهادة [2]
المصنفة ايضاً في: لبنان, مذاهب واديان

الخطوط العريضة لسينودس الشرق الاوسط: شركة وشهادة [2]

آخر تحديث:
image
الكاتب:
عدد المشاهدات: 1411
قيّم هذا المقال/الخبر:
0
حجم الخط: A+ A-
نسخة صالحة للطباعة   نسخة نصية   أرسل إلى صديق
الخطوط العريضة لسينودس الشرق الاوسط: شركة وشهادة  [2]
العلاقة مع اليهود والمسلمين تنطلق من تثبيت المساواة الكاملة في المواطنة

الارشاد الرسولي الذي يوقعه البابا بينيديكتوس السادس عشر خلال زيارته لبنان في بازيليك القديس بولس في حريصا، يتضمن نتائج المناقشات والتوصيات الصادرة عن السينودس الخاص بالشرق الاوسط الذي عقد في حاضرة الفاتيكان. وقد انطلق من الخطوط العريضة التي كانت ثمرة تفكير عميق شاركت فيه الكنيسة على مختلف مستوياتها. وكان عنوان السينودس الخاص بالشرق الاوسط في تشرين الاول 2010: الكنيسة الكاثوليكية في الشرق الاوسط شركة وشهادة. وتنشر "النهار" على يومين الخطوط العريضة لهذا السينودس أي منطلقات التفكير. هنا الجزءالثاني:
ثالثاً: الشهادة المسيحية (46 – 86)
46- إن الإيمان المُعاش يحمل ثماراً وفيرة. والإيمان بدون أعمال إيمان ميت ( راجع يعقوب 2/17).كنائسنا نشيطة: فهناك العديد من المشروعات، والكثير من أنشطة الشباب، والوفير من المؤسسات التربوية والخيرية، وغيرها. وأحيانا تكون هذه الخدمات فعّالة على المستوى المهني، ولكنها قد لا تكون دائما شهادة للمحبة المتجرّدة، التي تدعو إلى إدراك ينبوعها الإنجيلى.

أ - الشهادة للإنجيل في الكنيسة ذاتها: التعليم المسيحي والأعمال
47- تتمّ البشارة الاعتيادية بالإنجيل فى العظات عند الاحتفال بالقداس الإلهي، أو بمنح الأسرار المقدسة. وكذلك فى التعليم المسيحي في المدارس والرعايا، أو فى "مدارس الأحد" للتلاميذ الذين يتلقون تعليمهم بالمدارس الحكومية والتي لا توجد فيها دروس للتعليم المسيحي. ويجب الحرص على أن ينال معلّمو التعليم المسيحى تكوينا جيدا، وأن يكونوا مثالا حيا للشباب. فمن الملاحَظ أكثر فأكثر أن الكهنة الرعاة لا يعطون التعليم المسيحي بأنفسهم. كما تتمّ البشارة أيضاً عن طريق المجلات، والكتب، والانترنت. وتوجد أيضا فى كل مكان معاهد للتربية الكتابية واللاهوتية الموجودة حالياً في كل مكان. ولا ننسى الجامعات الكاثوليكية والمراكز الدُولية الموجودة فى أورشليم وفى أماكن أخرى.
48- في بلاد مشرقنا، أكثر مما في سائر بلاد العالم، يلزم أن يحتل الكتاب المقدس المكانة الرئيسية. ومن المهم حفظ فقرات كثيرة منه عن ظهر قلب. ومن المهم أيضا معرفة التراث الكنسى الخاص. كذلك من المهم أن نعرف الذين يشاركوننا العيش والحياة، إخوتنا المسلمين واليهود، بعيداً من أي أحكام سلبية مسبَّقة. كما يلزم أن نعرف الاعتراضات الموجَّهة إلى المسيحية، حتى نكون قادرين على تقديم الإيمان المسيحي بصورة أفضل.
49- ومن الضروري أن يتمّ توضيح وجهة النظر المسيحية، في مختلف المواضيع التي تشغل المجتمع والرأي العام، بصورة قويّة وذكيّة. ويجب تكوين الشباب والمؤمنين على العمل المشترك كفريق، وعلى التضامن مع الأكثر فقراً واحتياجاً، وعلى الحب الصادق نحو الجميع، مسيحيين كانوا أو غير مسيحيين. وكذلك تكوينهم على العمل من أجل الخير العام للمجتمع كله.
50- كذلك فإن وسائل الإعلام الحديثة وسائل فعّالة للغاية في الشهادة للإنجيل: الانترنت (للشباب خاصة)، والراديو والتلفزيون. إنما مازالت هذه الوسائل قليلة الاستعمال جدا لدينا. وهنا نشير إلى وسيلتين إعلاميتين كاثوليكيتين في لبنان: "صوت المحبة" و"نورسات"، اللتين يصل إشعاعهما إلى الشرق الأوسط كله، بل إلى كل أنحاء العالم. إنهما تستحقان دعما أكبر، وكذلك كل مراكز الإعلام الكاثوليكية في بلادنا المختلفة.
51- وحيث أننا نعيش في مجتمعات تتكاثر فيها الصراعات من كل نوع، فيلزم على التعليم المسيحي أن يهيّىء الشباب على مواجهتها، وهم أقوياء بفضل إيمانهم ونور وصية المحبة. ماذا تعنى محبة الأعداء؟ كيف نعيشها؟ كيف نغلب الشر بالخير؟ يجب التشديد على المشاركة الفعّالة في الحياة العامة كمسيحيين، بنور وقوة ووداعة إيماننا. ونظرا للانقسامات العديدة المؤسّسة على الديانة، والتحزّب الأُسرى أو السياسى، يجب تكوين الشباب على تجاوز هذه الحواجز والعداوات الداخلية، وأن يروا وجه الله في كل شخص بشرى، ليتعاونوا معاً، ويبنوا مدينة مشتركة تتقبّل الجميع. يجب أن يركّز تعليمنا المسيحي على هذه العناصر، وبالأخص فى مدارسنا الكاثوليكية، التي تُعِدّ الشباب لبناء مستقبل، مبني لا على الصراع وعدم الاستقرار، بل على التعاون والسلام.
52- ومن جهة أخرى، يظهر عمل الكنيسة في العدد الكبير من الأعمال الاجتماعية: المستوصفات، والمستشفيات، وبيوت للأيتام، والمسنين، والمعاقين، وغيرهم. وهنا أيضا يقوم العلمانيون بدور محوري أساسى، لا ثانوى. والخطر الموجود هنا أو هناك، هو أن تتحول هذه الأعمال الاجتماعية منافسة طائفية. لذلك لا بد من التنسيق بين الكنائس، لتلافي التكرار غير الضرورى في بعض المجالات، وترك مجالات أخرى فارغة.

ب - الشهادة المشتركة مع الكنائس والجماعات المسيحية الأخرى
53- إن روابط الشركة الحقيقية، وإن لم تكن كاملة، بين الكنيسة الكاثوليكية والكنائس والجماعات المسيحية الأخرى، تتأسس على الإيمان المشترك بالمسيح المصلوب والممجَّد، وكذلك على سر المعمودية. (راجع المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، مرسوم فى الوحدة، 3 و22). وعادةً ما تكون العلاقات جيّدة وتتّسم بالصداقة. وهى من نوعين:
- على المستوى الفردي أو بين الكنائس، أو بين الأساقفة، وبين الكهنة أو المؤمنين العلمانيين، كعلامة صداقة أو تعاون.
- على المستوى الجماعي، عندما يلتقى أساقفة المدينة الواحدة بطريقة منتظمة، لدراسة المسائل الرعوية، والاجتماعية، أو السياسية.
54- وعلى مستوى الرعايا، بين الرعاة، عادة ما تكون العلاقات علاقات صداقة. وأحيانا تتّصف بالتافس أو النقد. فعلى مستوى الكنائس هناك صعوبتان نشير إليهما:
- واحدة ذات طابع رعوي: تتطلّب بعض الكنائس أو الجماعات الكنسيّة غير الكاثوليكية، في حالة الزواج المختلط، إعادة معمودية الطرف الكاثوليكي. وتأتى صعوبة أخرى رعوية من جانب بعض الشيع "الإنجيلية" التي تمارس " الاختطاف "، فتزيد الانقسام بين المسيحيين .
- أما الصعوبة الثانية فهى ذات طابع تاريخي، وتوجد في الأرض المقدّسة، حيث يخضع نظام الأماكن المقدّسة لقانون "الوضع الراهن". وأحيانا تكون العلاقات صعبة في اكبر مزارين مسيحيين: كنيسة القبر المقدس وكنيسة الميلاد. ففي هذين المزارين المقدسين، ينظّم قانون "الوضع الراهن" العلاقات بين الطوائف الثلاث التي تمتلك المكان: اللاتين( ويمثّلهم الآباء الفرنسيسكان حرّاس الأراضي المقدسة)، والأرمن واليونانيون. فأحيانا تحدث خلافات أو شكوك، تضخمها وسائل الإعلام، بما يعود على الكنيسة بضرر كبير).
55- ويتمّ الحوار المسكونى في إطار مجلس كنائس الشرق الأوسط، (لجنة "الإيمان والوحدة")، الذي يجمع كل الكنائس في أربع عائلات: العائلة اليونانية الأرثوذكسية، والعائلة الأرثوذكسية الشرقية (الكنائس القبطية، والسريانية، والأرمنية)، والعائلة الكاثوليكية التي تضم الكنائس البطريركية الست والكنيسة اللاتينية، والعائلة البروتستانتية (الأنجليكان- اللوثريون – المشيخيون، وطوائف أخرى). ويمثّل هذا المجلس عملياً كل مسيحيي العالم العربي. وهو بلجانه المختلفة (الإيمان والوحدة، المؤسسات اللاهوتية والاكليريكيات، العدالة والسلام، الشباب، وغيرها) يقوم بعمل مسكوني، يحمل إلى الكنائس نسمة جديدة، وقدرة على التعامل مع الآخر باحترام.
56- علاوة على ذلك، يواصل الكرسي الرسولي الحوار اللاهوتي الخصب والمثمر، مع الكنائس الأرثوذكسية مجتمعة، وحوارا منفصلا مع عائلة الكائس الأرثوذكسية الشرقية كلها، تشترك فيه الكنائس الكاثوليكية الشرقية اشتراكا فعالاً. كما أن "مؤسسّة من أجل الشرق" في فيينا بالنمسا، تجمع من وقت لآخر كنائس المنطقة الكاثوليكية والأرثوذكسية، فى لقائات فكر لاهوتى ومسكونى.
57- وتستقبل المدارس الكاثوليكية جميع المسيحيين. وإذا وافق الوالدون، يمكن للطلبة الأرثوذكس أن يشتركوا في سر المصالحة وسر الإفخاريستيا. ويلزم استبعاد كل نوع من أنواع الخطف. فالتلاميذ الأرثوذكس مدعوون إلى معرفة كنيستهم والأمانة لها. وتوجد مشروعات اجتماعية مشتركة عديدة، يبادر بها ويديرها العلمانيون أنفسهم.
58- وتوجد مشروعات رعوية مشتركة، تتمّ دراستها في مجلس البطاركة الكاثوليك، المجتمعين مع البطاركة الأرثوذكس، فى لبنان وسوريا. وتتناول أربع نقاط: الزواج المختلط بين مختلف المذاهب المسيحية، والمناولة الاحتفالية الأولى، ومنهج مشترك للتعليم المسيحي، وتاريخ مشترك لعيدي الميلاد والقيامة. وتمت اتفاقات حول النقاط الثلاث الأولى. فالتعليم المسيحى المشترك قد وصل إلى كتاب مرحلة الصف السادس الابتدائي. أما مسالة توحيد عيدي الميلاد والقيامة، التي يتناولها مجلس كنائس الشرق الأوسط، فتلاقى صعوبات لا يمكن التغلب عليها (من القوانين، والتقاليد وغيرها). علما بأن رغبة المؤمنين الكبرى، فى كل بلاد الشرق الأوسط، هى أن يأتى اليوم الذى يحتفلون فيه معا بهذين العيدين.
59- وعلى المستوى الأكاديمي، يوجد تعاون بين الجامعات، وكليات أو معاهد اللاهوت. فدراسة التراث المسيحى، العربي والسرياني، تثير اهتماما حقيقيا لدى المؤسسات الأكاديمية والسلطات الكنسية. وهذا المجال واعد جدا، ويمكن أن يكون مصدرا للغِنى الروحى: فالعودة إلى التقليد المشترك يمكن أن تكون وسيلة ممتازة للتقارب اللاهوتي. بالإضافة إلى ذلك، فالتراث العربي المسيحي، متى تم تثمينه أكاديمياً، يساعد على إقامة حوار ثقافي وديني حقيقى بين المسيحيين أنفسهم، ومع المسلمين أيضاً.
60- وهناك مجال آخر يستحق التعاون المنتظم بين الكاثوليك والأرثوذكس، وهو مجال الطقوس الكنسية. إننا نتمنّى أن يكون هناك مجهود لتجديدها، تنطلق جذوره من التقليد الكنسي، ويأخذ في الحسبان الحساسيات العصرية، والحاجات الروحية والرعوية الحالية. وبقدر المستطاع يلزم القيام بهذا العمل معاً.

ج - العلاقة الخاصة
مع الديانة اليهودية
61- نظرا لحالة الصراع السياسى بين الفلسطينيين والعالم العربى من جهة، وبين دولة إسرائيل من جهة أخرى، فالحوار بين كنائس الشرق الأوسط وإسرائيل محدود جداً. وتقتصر العلاقة مع اليهودية على كنائس أورشليم (5 كنائس أرثوذكسية، و6 كنائس كاثوليكية، وكنيستين بروتستانتية). ففي فلسطين وإسرائيل توجد مؤسسات عديدة للحوار المسيحي - اليهودي. كما توجد مبادرات للحوار بين اليهود والمسيحيين والمسلمين. وأهمها ما يقوم به: "مجلس المؤسسات الدينية فى الأرض المقدّسة"، الذى تأسس العام 2001 (ويضم الحاخام الأكبر، والقاضي الأعظم، ووزير الأوقاف، والبطاركة الثلاثة عشر أو رؤساء كنائس أورشليم). ويتمّ الحوار الأكثر أهمية على مستوى الكرسي الرسولي مع حاخام إسرائيل الأكبر، ويشترك فيه أيضاً ممثلون عن الكنائس المحلية).
62- وقد وأشار مجلس بطاركة الشرق الكاثوليك صريحاً إلى العلاقة مع اليهودية، منذ رسالته الرعوية الثانية (1992). وفي الرسالة العاشرة والأخيرة (2009) يقول: "إن هذه العلاقات مسألة تخص المسيحيين العرب، وكذلك كل العالم العربي. لذا يجب اعتبارها على ثلاثة مستويات: المستوى الإنساني، والديني، والسياسي.
فعلى المستوى الإنساني، كل شخص بشرى هو خليقة الله. فعلى مستوى هذا اللقاء، يرى كل واحد منا وجه الله في الآخر، فيعترف بكرامته ويحترمه، أياً كانت ديانته أو قوميته.
وعلى المستوى الديني، فالديانات مدعوة إلى الالتقاء والحوار، وإلى أن تكون عاملا للتقارب بين الناس، لاسيما في أزمنة الحرب والأزمات (...). إن دور الرئيس الدينى، في كل ديانة، دور صعب، بالأخص في حالة تواصل العداوة بين طرفين(...) . إن مجتمعاتنا في حاجة إلى رؤساء دينيين مخلصين، يكونون خدّاما لشعوبهم وللإنسانية، يرون أن جوهر الديانة، في كل الظروف، يقوم في عبادة الله واحترام كل خلائقه.
63- وعلى المستوى السياسي، فإن هذه العلاقة مازالت مدموغة بحالة عداوة بين الفلسطينيين والعالم العربي من جانب، وبين الإسرائيليين من الجانب الآخر (تزيدها المفاهيم الدينية خطورة). وسبب هذه العداوة هو احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية وبعض الأراضي اللبنانية والسورية." (11) (مجلس بطاركة الشرق الكاثوليك، الرسالة العاشرة (2009)، 27). وعلى هذا المستوى، يرجع إلى الرؤساء السياسيين المعنيّين، بمساعدة الأسرة الدُولية، أن تأخذ القرارات اللازمة، التى تتّفق مع قرارات الأمم المتحدة.
64- وهذا ما أكّده بوضوح قداسة البابا بندكتوس السادس عشر، عند زيارته الرسولية للأراضي المقدسة، في حفلي استقباله. ففى ببيت لحم، في 13/5/2009، قال: "سيادة الرئيس، إن الكرسي الرسولي يدعم حقّ شعبكم في وطن فلسطيني، ذى سيادة على أرض أجداده، وطن آمن وفي سلام مع جيرانه، داخل حدود ُمعترَف بها على المستوى الدُولى (البابا بندكتوس السادس عشر، الزيارة الرسولية للأراضى المقدسة، حفل الترحيب في بيت لحم، 13/5/2009: جريدة الأوسّيرفاتورى رومانو، الإصدار الأسبوعى الفرنسى، عدد 3083، 29/5/2009)، ص 13). وفي خطابه في مطار بن غوريون بتل أبيب، في 11/5/2009، تمنىّ قداسته أن "يستطيع الشعبان أن يعيشا في سلام، كل منهما في وطنه، بحدود آمنة ومُعترف بها دُوليا" (البابا بندكتوس السادس عشر ، الزيارة الرسولية للأراضي المقدسة، خطاب في مطار بن جوريون بتل أبيب، 11 /5/2009: جريدة الأوسّيرفاتورى رومانو، الإصدار الأسبوعى الفرنسى، عدد 3083، 29/5/2009، ص 4).
65- علينا كمسيحيين أن ندعم كل وسيلة سِلميّة يمكن أن تقود إلى سلام عادل. ومن رسالتنا كذلك أن نذكّر دوما بالفارق بين المستويين الديني و السياسي. وكما ذكر قداسة البابا يوحنا بولس الثاني: "لا سلام بدون عدالة، ولا عدالة بدون صفح" (البابا يوحنا بولس الثاني، رسالة بمناسبة اليوم العالمي للسلام، 2002). يجب أن نتعلّم أن نغفر، دون أن نقبل أبداً الظلم.
66- إن العمل على خلق مجموعات صداقة وتفكير، من أجل السلام بين اليهود والمسلمين والمسيحيين، هو واجب جوهري ومسيحي مهم للغاية. فكما هدم المسيح الحائط الذي كان يفصل بين اليهود واليونانيين، آخذا الشر على ذاته، فى جسده (راجع أفسس 2/13-14)،كذلك يتوجب علينا أن نهدم حائط الخوف، وعدم الثقة، والكراهية ، وذلك بصداقتنا بين اليهود و المسلمين، والفلسطينيين والإسرائيليين.
67- أما على المستوى اللاهوتي، فحسب تعليم مرسوم مجمع الفاتيكان الثانى فى الحوار الدينى، رقم 4، يجب أن نشرح لمؤمنينا الرباط الديني بين الديانتين اليهودية والمسيحية، والقائم على الرباط بين العهدين القديم والجديد، حتى نتفادى أن تشوّه الإيديولوجيات السياسية هذه العلاقة. فالتمييز الواضح بين المستويين السياسي واللاهوتي أمر جوهرى: لا نستخدم الكتاب المقدس لأغراض سياسية، ولا السياسة لأغراض لاهوتية .

د - العلاقة مع المسلمين
68- يجب فهم العلاقة بين المسيحيين والمسلمين انطلاقا من مبدأين: فمن جهة، بصفتنا مواطنين في بلد واحد ووطن واحد، نشترك في نفس اللغة ونفس الثقافة، كما في نفس أفراح وأحزان بلادنا. ومن جهة أخرى، نحن مسيحيون فى مجتماعتنا ومن أجل مجتمعاتنا، شهود للمسيح والإنجيل. وأحيانا أو كثيرا ما تكون العلاقات صعبة، بالأخصّ لأن المسلمين يخلطون غالبا بين الدين والسياسة، مما يضع المسيحيين في موقف حساس وكأنهم ليسوا بمواطنين.
69- في المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، فى 28/10/1965، أعلنت الكنيسة للعالم أجمع موقفها من الإسلام: "تنظر الكنيسة أيضاً بتقدير إلى المسلمين، الذين يعبدون الله الأحد، الحي القيوم ، الرحمن والكلّي القدرة، خالق السماء والأرض،والذي تكلم إلى البشر." (15) (المجمع الفاتيكاني الثانى، 28/10/1965، المرسوم فى العلاقة بين الأديان، 3) .
70- علينا إذن أن نعمل، بروح المحبة والإخلاص، من أجل تثبيت المساواة الكاملة بين المواطنين على كل المستويات: السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والدينية، وذلك طبقا لأغلب دساتير بلادنا. بهذا الاخلاص للوطن، وبهذه الروح المسيحية، نواجه الواقع المعاش، الذى قد يحمل صعابا يومية، بل أيضا بيانات وتهديدات من جانب بعض الحركات. إننا نعاين تصاعد الأصولية في بلاد كثيرة، كما نعاين أيضا استعداد عدد كبير من المسلمين لمقاومة هذا التطرف الديني المتنامي.
71- بسبب هذا الوضع العام، ليست العلاقات بين المسيحيين والمسلمين دائما سهلة. ومن المؤكد أنه يجب عمل كل ما يمكن أن يُسهم في تنقية وتهدئة الأوضاع، أيّاً كانت الصعوبات. وتنطلق المبادرة في أكثر الأحيان من المسيحيين: يجب أن تكون متواصلة وثابتة. وهذه العلاقات (التي يمكن أن تتطوّر إلى حوار)، تساير جيدا التعاون الصادق، على مستوى أفراد وجماعات الديانتين. ومراكز الحوار بين المسيحيين والمسلمين، حيث توجد، هي مفيدة جدا، لاسيما في وقت الأزمات. وللمجلس البابوي للحوار الدينى دور هام، بوصفه مؤسسة رسمية للكرسي الرسولي.
72- تقوم مدارسنا ومؤسساتنا بدور هام في تعميق هذه العلاقات. فهي مفتوحة للجميع، مسلمين ومسيحيين، وتمثّل فرصة للتعارف المتبادل الأفضل، ولاستبعاد بعض الأحكام المسبَّقة، ولاكتساب أفكار أكثر دقّة عمّن هو المسيحى وما هى المسيحية. كذلك فإن التربية على حقوق الإنسان وعلى حرية الضمير تشكّل هى جزءاً من التكوين الديتي و الإنساني العام: وهى حيوية بالنسبة إلى مجتمعاتنا ويجب تنميتها.
73- إن التعارف المتبادل هو أساس كل حوار. لذلك فإن تقديم الإنجيل والمسيح بطريقة مُبَسٍّطة، باللغة المحلية، يعتمد أساسيا على العهد الجديد، وقريب إلى عقلية أبناء مجتماعتنا، هو أمر واجب ومُلحّ، يلزم القيام به مع باقي المسيحيين في المنطقة. فهو سيعود بالفائدة على المسيحيين كما على المسلمين، على مستوى الحوار أو على مستوى الحياة اليومية.
74- يوجد الآن العديد من القنوات التليفزيونية المسيحية والإسلامية، باللغة العربية أو بلغات أخرى، تسمح لمن يريد التعرف على الآخَر. ومن المُحبَّذ أن يتمّ هنا تعاون بين جميع الكنائس. ومن الضرورى المحافظة عل الموضوعية في تقديم المعلومات، واحترام الآخر فى الحوار، حتى يمكن أن تتحقّق حقا المشاركة فى نعمة الإنجيل.

هـ - مساهمة المسيحيين في المجتمع
1- تحدّيان يواجهان بلادنا
75- إن التحدّيات القائمة اليوم فى مجتمعاتنا تواجه الجميع: المسيحيين واليهود والمسلمين في نفس الوقت . ففى مواجهة الصراعات والتدخّلات العسكرية، تشغل تحدّيات السلام والعنف مكانا كبيرا. فالكلام عن السلام والعمل لأجله، بينما الحرب والعنف مفروضان فى الواقع علينا، هو رهان مستحيل. إن حل الصراعات هو بين يدي البلد القوي، الذى يحتل البلد الآخر أو يفرض عليه الحرب. والعنف هو بين يدي القوي، كما أنه بين يدي الضعيف، الذى يستطيع هو أيضاً اللجوء إلى العنف بما يتوافر لديه لكى يتحرر. يعيش العديد من بلادنا (فلسطين، والعراق) في حالة حرب، وكل المنطقة تتعذّب مباشرةً من ذلك، منذ أجيال. ويستغل الإرهاب العالمى الأكثر حِدّة هذا الوضع.
76- في أغلب الأحيان توحّد بلادُنا الغربَ مع المسيحية. فإن كان تراث الغرب (أوربا وأمريكا) هو فى الحقيقة مسيحيا، وإن كانت جذوره مسيحية، إلا أنه من المؤكَّد أن نظام وحكومات هذه البلاد هى اليوم علمانية، بل وبعيدة عن استلهام المبادئ المسيحية في سياساتها. وهذا الخلط، الذى يرجع إلى أن العالم الإسلامى لا يميّز بسهولة بين ما هو سياسى وما هو دينى، يتسبب فى أذى شديد لكنائس المنطقة. وبالفعل، فالاختيارات السياسية للدول الغربية، تُحسَب على الإيمان المسيحى. لذلك من الضرورى شرح معنى العلمانية، وتذكير بلادنا بأنه لا توجد "رابطة للدول المسيحية" على مثال "منظمة المؤتمر الإسلامى".
77- إن مساهمة المسيحيين في هذه الظروف، تقوم فى تقديم القِيَم الإنجيلية والعيش بموجبها. وكذلك أيضاً فى إعلان كلمة الحق في وجه الأقوياء، الذين يطغون، أو يتبعون سياسات تضر مصالح البلد، وفي وجه مَن يردّون على القمع بالعنف. إن التربية على السلام هي الأكثر واقعية، حتى ولو رفضتها الأغلبية. بل إن فرص قبولها هى الأكبر، حيث أن عنف كل من الأقوياء والضعفاء لم يؤدِّ إلا إلى الفشل، وإلى طرق مسدودة في منطقة الشرق الأوسط. إن مساهمتنا، التي تتطلب الكثير من الشجاعة، هى أمر حتمي.
78- تبدو الحداثة كواقع مُلتبَس. فمن جهة لها وجه جذّاب، يعِد بالرفاهية والرخاء فى الحياة المادية، وحتى بالتحرر من التقاليد الثقافية أو الروحية الطاغية. والحداثة هي أيضاً الصراع من أجل العدالة، والدفاع عن حقوق الأكثر ضعفاً، والمساواة بين جميع البشر، رجالاً ونساءً، مؤمنين وغير مؤمنين، وغير ذلك. وباختصار هى أيضاً الإسهام فى كل حقوق الإنسان، التي تمثّّل التقدم الهائل للإنسانية. ومن جهة أخرى، بالنسبة إلى المسلم المؤمن، تظهر الحداثة بوجه مُلحد وغير أخلاقي. أنه يعيشها كغزو ثقافي يهدّده، ويخرّب نظام القِيَم الخاص به. وهو لا يعرف كيف يواجهها: البعض يصارعون ضدها بكل قواهم. فالحداثة تجذب وتطرد في نفس الوقت. ودورنا في المدارس كما فى وسائل الإعلام، هو تكوين أشخاص قادرين على التمييز بين الإيجابى والسلبي، للتمسّك فقط بالأفضل.
79- الحداثة هي أيضاً مخاطرة بالنسبة إلى المسيحيين. فمجتمعاتنا هي أيضاً مهدَّدة بتغييب الله، وبالالحاد والمادية، وأكثر من ذلك بالنِسبية واللامبالاة. يجب أن نذكّر بمكان الله في الحياة المدنية كما فى الحياة الشخصية، وأن نصير أكثر فأكثر رجال صلاة، وشهودا للروح، الذى يبنى ويوحّد. إن مخاطر كهذه، شأنها شأن التطرف، يمكن بسهولة أن تهدم أسرنا، ومجتمعاتنا، وكنائسنا. ومن هذا المنطلق، علينا أن نقوم كلنا بمسيرة مشتركة، المسيحيون والمسلمون.
2- المسيحيون في خدمة المجتمع فى بلادهم
80- نحن ننتمي إلى الشرق الأوسط ونتضامن معه. فنحن عنصر أساسي فيه. وكمواطنين، نحن نشترك في جميع المسؤوليات من أجل البناء والتقويم. وعلاوة على ذلك، فنحن كمسيحيين، يمثّل هذا الأمر التزاماً علينا. ومن هنا ينبع واجبنا من منطلقين للمشاركة في محاربة مساوئ مجتمعنا، إن كانت سياسية، أو قانونية، أو اقتصادية، أو اجتماعية، أو أخلاقية. وذلك لنساهم في إقامة مجتمع أكثر عدالة وتضامناً وإنسانية.
81- وبقيامنا بهذا الدور، نقتفي آثار مَن سبقنا من أجيال المسيحيين: فقد كان إسهامهم عظيما فى مجتمعاتهم: على مستوى التربية، والثقافة، والأعمال الاجتماعية، وذلك منذ أجيال عديدة. لقد لعبوا دورا أساسيا في الحياة الثقافية، والاقتصادية، والسياسية فى بلادهم. فقد كانوا روّاد نهضة الأمة العربية.
82- واليوم فإن حضورهم في المجال السياسي محدود أكثر، باستثناء لبنان، لاسيما لقلة عددهم. ولكن دورهم مُعترَف به في المجتمع. فبفضل العديد من المؤسسات الكنسية والجمعيات الرهبانية، الكنيسة حاضرة في المجتمع، ويحظى حضورها عادةً ما بالتقدير. ويا حبذا لو ازداد التزام المؤمنين العلمانيين في المجتمع.
3- العلاقة بين الدولة والكنيسة
83- لا توجد علمانية فى الإسلام، باستثناء تركيا. فالإسلام هو عادةً ديانة الدولة. والمصدر الرئيسي للتشريع هو الإسلام، الذى يستند إلى الشريعة. وبالنسبة إلى الأحوال الشخصية (الأسرة والمواريث فى بعض البلاد)، توجد شرائع خاصة بالطوائف المسيحية، تعترف الدولة بمحاكمها الكنسية وتطبّق أحكامها. وتؤكّد كل الدساتير المساواة بين جميع المواطنين أمام القانون والدولة. كما أن التعليم الديني إلزامي في المدارس الخاصة والحكومية، وإن كان غير متوافر دائما للمسيحيين.
84- أن بعض البلاد هي دول إسلامية، وفيها يتمّ تطبيق الشريعة، ليس فقط على مستوى الحياة الخاصة، وإنما أيضا في الحياة الاجتماعية، حتى على غير المسلمين. وهذا الوضع هو تفرقة عنصرية، وبالتالى مناهض لحقوق الإنسان. أما في ما يتعلق بالحرية الدينية وبحرية الضمير، فهما مجهولتان فى العقلية الإسلامية. فهى تسمح بحرية العبادة، وليس بحرية البشارة بدين آخر غير الإسلام، واقل أيضا بحرية التخلي عن الإسلام. ومع تنامي الأصولية الإسلامية، تتزايد الحوادث ضد المسيحيين فى كل مكان تقريبا.

و - خاتمة: مساهمة المسيحيين الفريدة
والتى لا غِنى عنها
85- يقع على المسيحي دور خاص ولا غنى عنه فى المجتمع الذى يعيش فيه، ليُغنيه بقيم الإنجيل. إنه الشاهد للمسيح وللقِيَم الجديدة التي حملها للإنسانية. لذلك فعلى تربيتنا المسيحية أن تكوّن، فى الآن نفسه، الأشخاص كمؤمنين وكمواطنين يعملون في قطاعات المجتمع المختلفة. أما الالتزام السياسي الخالى من قِيَم الإنجيل فهو شهادة مضادة، ويصنع شرا أكبر من الخير. وفى نقاط كثيرة، هذه ليقِيَم، وبالأخص حقوق الإنسان، تواكب نفس القيم الموجودة لدى المسلم. فمن المفيد العمل معا على تنميتها.
86- توجد في الشرق الأوسط صراعات عدة، نابعة من المصدر الرئيسي، وهو الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني. وتقع على المسيحي مسؤولية خاصة للمشاركة في مجال العدالة والسلام. فمن واجبنا أن ندين بشجاعة العنف أياً كان مصدره، وأن نقترح الحلّ، الذى لا يمكن أن يأتى إلا من الحوار. علاوة على ذلك، ونحن نطالب بالعدالة للمظلومين، يجب أن نقدم رسالة المصالحة المبنيّة على المغفرة المتبادلة. وبقوة الروح القدس نستطيع أن نغفر وأن نطلب المغفرة. وهذا الاستعداد وحده قادر على خلق إنسانية جديدة. يحتاج القادة السياسيون إلى هذا الانفتاح الروحي، الذى تقدر أن تحمله لهم مساهمة مسيحية متواضعة ومتجرّدة. إن العمل من أجل أن يتمكّن الروح من أن ينفذ إلى قلوب الناس، رجالا ونساء، الذين يعانون في منطقتنا أوضاع الصراع، تلك هى مساهمة المسيحي النوعية، وأفضل خدمة يمكن أن يقدمها للمجتمع.

المصدر: صحيفة النهار اللبنانية

إشترك في خلاصة التعليقات عدد التعليقات: (0 منشور)

المجموع: | عرض:

إكتب تعليق

البريد الالكتروني يبقى سرّي و لا ينشر
  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

- التعليقات الواردة من القراء هي مسؤولية أصحابها ولا تعبر عن رأي إدارة الموقع بالضرورة
- تتم مراجعة تعليقاتكم قبل نشرها عن طريق إدارة الموقع

- (سياسة نشر التعليقات)

تابعونا

أحدث الأخبار - لبنان

  1. دول خليجية تحذر رعاياها من السفر إلى لبنان (5.00)

  2. وفاة "ملكة الديسكو" دونا سمر عن 63 عاماً (5.00)

  3. معارض صيني ضرير بمطار بكين متوجهاً لنيويورك (5.00)

  4. الاكتئاب لدي المراهقين .. له إشارات يجب الانتباه لها (5.00)

  5. صحف العالم: أمريكا "تعاقب" باكستان بعدد سنوات سجن أفريدي (5.00)

  6. فيلم منتظر يكشف تفاصيل اغتيال بن لادن (5.00)

  7. أستراليا: التيار الوطني الحر في سيدني ينعي فقيده المفكر و المناضل والاعلامي المخضرم الأستاذ بطرس عنداري (5.00)

  8. الرحيل المفاجئ (5.00)