إعلانات Zone 4B

[CLOSE]

إعلانات Zone 3B

[CLOSE]
أحدث الأخبار:

إعلانات Zone 2B

[CLOSE]
الرئيسية | لبنان | الحراك المدني في لبنان.. محطة عابرة في حياة الوطن أم تاريخ فاصل بين لبنانين؟!
المصنفة ايضاً في: لبنان, مختارات لبنانية, مقالات

الحراك المدني في لبنان.. محطة عابرة في حياة الوطن أم تاريخ فاصل بين لبنانين؟!

آخر تحديث:
image
الكاتب:
عدد المشاهدات: 1246
قيّم هذا المقال/الخبر:
0
حجم الخط: A+ A-
نسخة صالحة للطباعة   نسخة نصية   أرسل إلى صديق

17 تشرين الأول 2019.. محطة عابرة في تاريخ لبنان أم تاريخ فاصل بين لبنانين؟.

لبنان الفساد والنهب و "حارة كل مين ايدو الو" أم لبنان نظافة الكف والكفاءة والجدارة؟

لبنان الولاء للخارج ولزعامات الداخل قبل الولاء للوطن أم لبنان الولاء فيه للوطن قبل أي ولاء آخر؟

لبنان المحاصصة والمحسوبيات والسرقات «على عينك يا تاجر» دون حسيب او رقيب أم لبنان النزاهة والمحاسبة لكل من يمد يده الى المال العام؟

لبنان الذي يختبئ فيه الفاسد تحت عباءة الطائفة والمذهب والحزب أم لبنان الذي ترفع فيه الطائفة والمذهب والحزب يدها عن الفاسد ليلاقي العقاب الذي الذي يستحق؟

لبنان الذي تعتبر فيه الزعامات الوطن أرضا سائبة ومشاعا لها تعيث فيها فسادا وافسادا على هواها أم لبنان قضاؤه مستقل غير تابع للزعامات وقراراته واحكامه لا تنبع الا عن قناعاته وما يتطلبه منه شرف المهنة.. لبنان يكون فيه القضاء السلطة الثالثة، كما ينص الدستور، اي سلطة مستقلة بكل معنى الكلمة، لا تسلط عليها ولا سلطة فوقها الا مصلحة الشعب الذي هو مصدر كل السلطات؟

في 17 تشرين الأول خرج مئات الألوف، الى الساحات والشوارع احتجاجا على الأوضاع التي لم تعد تطاق معيشيا، سياسيا، ماليا، اقتصاديا واجتماعيا مطالبين بمكافحة الفساد المستشري في كل مفاصل الدولة وباستعادة المال المنهوب ورفع السرية المصرفية عن الاموال والممتلكات ورفع الحصانات عن النواب والوزراء والرؤساء الحاليين والسابقين وموظفي الفئات الأولى والثانية والثالثة و...العاشرة في القطاع العام.

لا شك ان هذه الألوف «المؤلفة» نزلت الى الشوارع والساحات بكل عفوية رفضا للواقع القائم ولسياسة التجويع والإفقار التي تمارسها غالبية من في الدولة، حتى لا نقول كل الدولة، بحق الشعب اللبناني بكافة طوائفه ومذاهبه.. ولأن الجوع والفقر لا طائفة لهما ولا دين ولا رب، نزلوا الى التظاهر من كل الطوائف والمذاهب والفئات للمطالبة بحقوقهم وليقولوا للسياسيين الفاسدين والمفسدين كفى نهب وفساد، كفى صفقات على حساب الشعب ولقمته وتعليمه واستشفائه.

في 17 تشرين الأول كانت الشعرة التي قصمت ظهر البعير حين صرح وزير الاتصالات محمد شقير بفرض رسم قدره 20 سنتا في اليوم على الاتصالات من خلال تقنية نقل الصوت عبر بروتوكول الإنترنت التي تستخدمها تطبيقات مثل «واتس آب» المملوك لـ «فايسبوك» والاتصالات عن طريق «فايسبوك» و "فايس تايم»، كما أفاد رئيس الوزراء سعد الحريري، بأن هذا الإجراء من المتوقع أن يدر إيرادات للدولة بنحو 200 مليون دولار سنويا، وفقا لبيان أصدره مكتبه الصحفي.. ومع ان الوزير شقير ما لبث ان أعلن تراجع الحكومة عن فرض ضرائب على مكالمات «واتس آب» تحت ضغط الشارع.. ولكن ذلك جاء بعد فوات الأوان... اذ ان النوايا بانت وما حصل قد حصل.

ولأن القرار اتخذته الحكومة بكامل او غالبية اعضائها.. اذاً فليس بمقدور احد فيها «غسل يديه» من دم جريمة رسم «الواتساب» بحق الشعب الفقير والمحروم من ابسط مقومات العيش، حيث من المعروف ان هذه الخدمة هي مجانية في كل بلاد العالم، غير ان حكومتنا لم تعد تشبع من نهش لحم الشعب المسكين ومص دمه.

لا شك ان الحراك الذي انطلق في معظم المدن والبلدات جاء نتيجة تململ عمره حوالى 30 عاما فانفجر في لحظة غضب على قرار حكومي بفرض هذه الضريبة المقيتة على خدمة تشكل المتنفس الاخير لهذا الشعب وكأنها تريد سد عليه هذا المتنفس.

 

حـراكان لا حـراك

ولكن علينا ان نميز بين حراكين:

حراك أصيل انتفض وثار على نهج فساد وافساد ونهب متعمد للمال العام حيث تم الكشف عن ان اموال السياسيين اللبنانيين المنهوبة في مصارف سويسرا بلغت حوالى 320 مليار دولار، أما البنك المركزي الاميركي فكشف عن حوالى 800 مليار دولارمهربة من سياسيين لبنانيين الى الخارج.. فاذا تم استرجاع بعض هذا المال فلا حاجة للبنان لـ «سيدرز» ولا لـ «صَدَقات» دولية بل انه بهذا المال يمكن ان يعيش الشعب اللبناني ببحبوحة تامة لناحية تأمين الاستشفاء والتعليم المجانيين وضمان الشيخوخة وغير ذلك.

وحراك مدسوس مزور يتلقى تعليماته من السفارات بغية استعادة مشهدية الحرب الأهلية.

حراك نظيف بمثابة ثورة على السياسات الافقارية والتجويعية الممنهجة للحكومات المتعاقبة وعلى "الهندسات» المالية لحاكم مصرف لبنان وتواطئه مع المصارف و«تهريب» عشرات مليارات الدولارات، التي هي ملك الشعب اللبناني، الى الخارج.

وحراك زائف يتلقى تعليماته من جهات واحزاب غير راضية على «حصتها» في الحكومة وادارات الدولة ودوائرها فعمد الى استغلال واستثمار الحراك العفوي الثائر على الظلم وركب الموجة وقام بتشويه صورة الحراك السلمية الناصعة من خلال اعمال البلطجة وقطع الطرقات العامة وحتى «الزواريب» داخل الاحياء السكنية في محاولة لاستعادة مشهدية زمن الحرب التي لا يريد احد تذكرها وكلنا نقول «تنذكر ما تنعاد».

كان الحراك في أسبوعه الاول نظيفا وكانت مطالبه معيشية واقتصادية ومالية، غير انه ما لبث، بعد انضمام الدخلاء اليه، ان غلب، على هذه المطالب الشعبية المحقة، مطلب «فليسقط النظام» دون ان يدركوا ما ينطوي عليه هذا الشعار من مخاطر تهدد الوطن ككل.

 

أسباب الحراك

هل فرض رسم على «الواتسكاب» هو فقط وراء الحراك؟

ان حراكا بهذا الحجم ليس وليد الساعة اذ انه محضّر له تحضيرا دقيقا من قبل دول عربية وخارجية وذلك للاسباب التالية:

 

اعادة النازحين السوريين

لعل من ضمن اسباب الحرب على سورية (وأنا لا أقول الحرب السورية كما لم أقل من قبل الحرب اللبنانية) هو تهجير ما أمكن من سكانها في عملية فرز ديموغرافي يخطط لها الغرب وتشترك معه، طبعا، الامم المتحدة في ذلك.

فبعد عودة الأمن والهدوء والاستقرار الى اكثر من 90 في المئة من أراضي سورية وخاصة الى المناطق التي تهجر سكانها، نرى الامم المتحدة ودول الغرب وعلى رأسها الولايات المتحدة الاميركية والمنظمات والجمعيات المرتبطة بها تدفع اموالا طائلة لهؤلاء النازحين، ولكن ليس لاعادتهم الى بلادهم (وخصوصا الى المناطق المحررة التي استتب فيها الأمن) بل لمساعدتهم على البقاء في لبنان.. حتى اننا رأينا، في اكثر من ريبورتاج مصور، كيف ان بعض موظفي المنظمات والجمعيات المرتبطة بالامم المتحدة او بالدول الغربية قصدوا بعض العائلات السورية التي فضلت العودة الى بلادها، محاولين اقناعها والضغط عليها للعودة الى لبنان للحصول على المساعدات.

وفي هذا الاطار ناشد رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، في كلمته، التي القاها، باسم لبنان، امام الجمعية العامة للامم المتحدة في نيويورك، في دورتها الرابعة والسبعين «كل زعماء العالم للمساعدة على العودة الآمنة للنازحين الى سوريا، خصوصا أن مسؤولية معالجة ازمة النزوح لا تقتصر على لبنان وحده، بل هي مسؤولية دولية مشتركة تحتم تعاون الجميع لايجاد الحلول لها، وبصفة عاجلة. اذ لا يمكن للمجتمع الدولي أن يكتفي فقط بتأمين الحد الأدنى من المساعدات للنازحين واللاجئين في أماكن نزوحهم وتغييب برامج العودة الآمنة والكريمة لهم»، مؤكدا «أن شروط العودة أصبحت متوافرة، فالوضع الأمني في معظم أراضي سوريا، ووفقا للتقارير الدولية، أضحى مستقرا والمواجهات العسكرية انحصرت في منطقة إدلب، وقد أعلنت الدولة السورية ترحيبها بعودة أبنائها النازحين».

لقد بات واضحا للجميع، طبعا لمن يريد ان يفهم، ان الولايات المتحدة والدول الغربية تريد ابقاء النازحين السوريين حيث هم في عملية تسييس واضحة وذلك في مخطط شيطاني يتم اعداده والعمل عليه في دوائر القرار الغربية.

وحذر رئيس الجمهورية من تحويل النازحين الى رهائن في لعبة دولية للمقايضة بهم عند فرض التسويات والحلول، حيث قال «ترتسم لدينا علامات استفهام عديدة حول موقف بعض الدول الفاعلة والمنظمات الدولية المعنية الساعي إلى عرقلة هذه العودة والادعاء بخطورة الحالة الأمنية في سوريا وإثارة المخاوف لدى النازحين، مما يؤشر بوضوح الى المنطلقات السياسية التي يتم من خلالها التعاطي مع أزمة النزوح، وكأني بالنازحين قد تحولوا رهائن في لعبة دولية للمقايضة بهم عند فرض التسويات والحلول، وهذا ما قد يدفع لبنان حكما إلى تشجيع عملية العودة التي يجريها بالاتفاق مع الدولة السورية لحل هذه المعضلة التي تهدد الكيان والوجود، لأن تجارب قضايا الشعوب المهجرة في العالم وانتظار الحلول السياسية لا تطمئن أبدا».

واضاف يقول «إن شروط هذه العودة أصبحت متوافرة، فالوضع الأمني في معظم أراضي سوريا، ووفقا للتقارير الدولية، أضحى مستقرا والمواجهات العسكرية انحصرت في منطقة إدلب، وقد أعلنت الدولة السورية، رسميا وتكرارا، ترحيبها بعودة أبنائها النازحين، وقد غادر من لبنان حتى الآن قرابة 370 الف نازح، عاد منهم الى سوريا ما يزيد عن 250 الفا، ولم ترد أي معلومات عن تعرضهم لأي اضطهاد او سوء معاملة».

نعم لقد ثائرت ثائرة واشنطن، ومن يدور في فلكها عندما قال رئيس البلاد «وهذا ما قد يدفع لبنان حكما إلى تشجيع عملية العودة التي يجريها بالاتفاق مع الدولة السورية لحل هذه المعضلة التي تهدد الكيان والوجود».

لماذا ثارت ثائرتها؟ لأن في هذه الخطوة، اي الحوار المباشر مع الدولة السورية، وضعا للعصي في دواليب المؤامرة و«خربطة» المخططات الغربية التي تريد ابقاء النازحين في البلدان التي نزحوا اليها.. كما جرى من قبل ابقاء الفلسطينيين في اماكن تواجدهم بانتظار معرفة مصيرهم وها هي «صفقة القرن» التراشنيرية (نسبة الى ترامب وكوشنير) تقضي بحصولهم على حقوق المواطنة الكاملة في الدول المضيفة ونسيان نهائيا ما يسمى بـ «حلم العودة».. فلا حلم ولا مَن يحلمون.

ومما زاد الطين بلة بالنسبة لمراكز القرار في العالم الغربي اعلان وزير الخارجية جبران باسيل عزمه على زيارة سورية للبحث في مسألة اعادة النازحين السوريين الى بلادهم.

فقبل بدء الحراك بأيام قليلة، اي 13 تشرين الاول، أعلن وزير الخارجية جبران باسيل أنه سيزور سوريا قريبا، وكشف عن أن هدف الزيارة إعادة النازحين السوريين إلى وطنهم، قائلا إنه «يريد أن يذهب إلى سوريا لكي يعود الشعب السوري إلى بلاده، ولأنه يريد للبنان أن يتنفس بسيادته واقتصاده».

وكان باسيل، قد اشار أثناء إلقاء كلمته في اجتماع وزراء الخارجية العرب السبت في 12 تشرين الاول، إلى أن «الوقت حان لتحقيق مصالحة عربية وإعادة سوريا للجامعة العربية ووقف حمام الدم هناك»، وهنا ربما اعتبر بعض الحكام العرب ان باسيل يتدخل في شؤونهم وانه يلعب دورا اكبر من حجمه، ولذا يجب ايقافه عند حده..

ومن هنا نفهم الحنق الغربي والعربي على باسيل حتى ان بعض يافطات الحراك، الذي شارك فيها عشرات آلاف النازحين السوريين في مناطق معينة، رفعت شعار «النازح جوّا جوّا وباسيل برّا برّا».

سلاح المقاومة

رئيس الجمهورية العماد ميشال عون هو رجل عسكري قبل كل شيء وهو يعرف ان «الرطل بدو رطلين ووقية» ويعلم ان «توازن القوة» أو ما يسمى «توازن الرعب»، هو الذي يؤمّن السلام .. طبعا السلام السلبي الناتج عن الخوف من الحرب.

لا شك ان توازن الرعب هذا هو الذي يجعل اسرائيل «تعدّ للعشرة» قبل القيام بأي عملية عدائية تجاه لبنان اذ كلنا نعلم انه قبل سلاح المقاومة كان لبنان مسرحا شبه يومي للخروقات والعمليات الاسرائيلية العدوانية.

ولهذا فان اكثر ما يغيظ الولايات المتحدة خاصة والغرب عامة هو التفاهم التاريخي بين التيار الوطني الحر وحزب الله الذي يعرف بـ «تفاهم مار مخايل» الذي تعمل واشنطن على فك عراه بكل ما أوتيت من نفوذ وقوة، نظرا للغطاء المعنوي الذي يؤمنه رأس الدولة وكذلك اكبر تيار مسيحي للحزب.

وفي هذا السياق اكد الرئيس عون، في كلمته امام الجمعية العامة، على «ان الخروق الإسرائيلية للقرار 1701 لم تتوقف يوما، وكذلك الاعتداءات المتمادية على السيادة اللبنانية برا وبحرا وجوا، والعمل العدواني السافر الذي حصل الشهر الماضي على منطقة سكنية في قلب بيروت (سقوط الطائرتين المسيرتين في الضاحية) هو الخرق الأخطر لهذا القرار، كذلك الحرائق التي استمرت لأيام داخل مزارع شبعا المحتلة جراء القذائف الاسرائيلية الحارقة، والتي تشكل جرما بيئيا دوليا يستوجب إدانة من تسبب به»، مجددا القول «أن لبنان بلد محب للسلام، وهو ملتزم القرار 1701»، ومشيرا في الوقت عينه الى «أن التزامنا هذا لا يلغي حقنا الطبيعي بالدفاع المشروع عن النفس، بكل الوسائل المتاحة».

اذا، من هو هذا الرجل، الآتي من بلد صغير، الذي تجرأ على تحدي الارادة الدولية من على أعلى منبر عالمي مطالبا باعادة النازحين السوريين وبرفض توطين الفلسطينيين وبحق المقاومة، الى جانب الجيش طبعا، في الدفاع عن الأرض.

النفط والغاز

النفط والغاز هما شريان الاقتصاد وعصبه لأي دولة من دول العالم وخاصة العالم الغربي ومن هنا كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب صريحا حين قال، في أواخر تشرين الاول، «ما يهمنا هو النفط وسنبقي على عدد محدود من جنودنا في سوريا بهدف حماية المنشآت النفطية.. لدينا جنود في قرى في شمال شرق سوريا قرب حقول النفط، وهم ليسوا في طور الانسحاب»، مستطرداً القول «يمكن أن نرسل واحدة من كبرى الشركات النفطية للقيام بذلك بشكل صحيح».

اذا، فان الولايات المتحدة الاميركية مستعدة لفعل اي شيء مقابل الحصول على نصيبها من النفط والغاز في لبنان حيث تم تلزيم البلوكات النفطية لشركتين اوروبيتين واخرى روسية.

من هنا قال رئيس الجمهورية، في الكلمة نفسها، ان لبنان «لن يوفر أي فرصة في سبيل تثبيت حدوده البرية المعترف بها دوليا بالوثائق الثابتة في الأمم المتحدة، وترسيم الحدود البحرية، وذلك بإشراف الأمم المتحدة، مع ترحيبه بأي مساعدة من أي دولة بهذا الخصوص، في وقت سوف يباشر بعمليات التنقيب عن النفط والغاز في مياهه الاقليمية قبيل نهاية هذا العام بحسب القوانين والأعراف الدولية»

وكان ملف استخراج النفط والغاز والبحث في سلاح حزب الله قد دفعا بوزير الخارجية الاميركي مايك بومبيو الى زيارة بيروت، في آذار الماضي، للتوسط في ترسيم الحدود البحرية بين لبنان واسرائيل وفق شروط الاخيرة، ولدى مغادرته خالي الوفاض توعد اللبنانيين واضعا اياهم أمام خيار من اثنين: إما مواجهة «حزب الله»، أو دفع الثمن.

وفي المعنى نفسه نستطيع ان نضع افادة فيلتمان امام الكونغرس حيث ابدى فيها قلقه من توسّع دور روسيا «العدواني» في الإقليم والمتوسط، ومن كون الأخيرة تضع لبنان نصب أعينها كمكان لمواصلة دورها المتصاعد. وللدلالة على وجهة نظره، سأل: «ماذا لو استغلت روسيا موانئ لبنان الثلاثة ومخزونات الهيدروكربون (اي النفط والغاز) البحرية؟ ستفوز في شرق وجنوب المتوسط، على حسابنا»..

اذن، «الهجمة» الاميركية على لبنان تفوح في حيز كبير منها «رائحة النفط والغاز».

نحن نعلم ان سلاح المقاومة يؤرق تل أبيب وربيبتها واشنطن وان المسؤولين الاميركيين مستعدون لزيارة لبنان في أي وقت للبحث في مسألة نزع هذا السلاح.. ولكن لماذا هذه الزيارة في هذا الوقت بالذات؟

طبعا، ان توقيت هذه الزيارة لرئيس الدبلوماسية الاميركية يأتي في محاولة للتوسط في ترسيم الحدود البحرية بين لبنان واسرائيل حيث ان عملية تلزيم البلوكات البحرية جارية على قدم وساق.

وفي هذا الاطار قامت الوزيرة ندى البستاني خوري بتسليم شركة «توتال»، في 13 كانون الاول، رخصة حفر النفط في أول بئر استكشافي في البلوك رقم 4 على ان تصل سفينة الحفر في كانون الثاني المقبل والعمل يستغرق شهرين.. وبعد الانتهاء من هذا البلوك سيبدأ الحفر الاستكشافي في البلوك رقم 9.

وكان من الطبيعي ان تبوء وساطته بالفشل نظرا لتحيزه الفاضح الى جانب اسرائيل.

وهنا يحق لنا أن نسأل: لو لم يكن سلاح حزب الله يشكل نوعا من «توازن القوة» بين لبنان واسرائيل، هل كان بومبيو «بيعذّب نفسو» بالمجيء الى لبنان لبحث مسألة ترسيم الحدود البحرية مع اسرائيل؟

تدرك تل أبيب ان اي محاولة من طرفها لنصب منصات لاستخراج النفط والغاز من المنطقة النفطية اللبنانية الخالصة أو حتى من المنطقة المتنازع عليها سواء بين لبنان واسرائيل او بين البلدين وقبرص فان الصواريخ الدقيقة للمقاومة ستدمر هذه المنصات.

نعم ان مسألة اقتراب استخراج لبنان للنفط والغاز دفعت بالولايات المتحدة وكذلك بالدول الخليجية وخاصة السعودية والامارات، اضافة الى اسرائيل طبعا، الى تحريك أدواتها في لبنان للبدء بهذا الحراك (مع اننا كلنا مع الحراك العفوي والنظيف) المدسوس لتختفي معه الشعارات المطلبية المعيشية ويرتفع شعار «فليسقط النظام».. وهنا بدأ انكشاف خيوط اللعبة.

وفي هذا الاطار استغلت اسرائيل ما تعيشه الساحة اللبنانية من «حراكات» وقامت بعدوانية متمادية بحق سيادة لبنان، خاصة في المنطقة الاقتصادية الخالصة جنوبا، وآخرها ما حصل بتاريخ 26 /11/2019 حيث ظهرت في بقعة العمليات البحرية التابعة لقوات الامم المتحدة باخرة للمسح الهيدروغرافي تحمل اسم «ميد سيرفايور» وترفع علم «بنما» قادمة من مرفأ حيفا. وبتاريخ 27/11/2019 دخلت الى المياه الاقتصادية الخالصة التابعة للدولة اللبنانية على مسافة خمسة اميال بحرية وبقيت بداخلها لغاية الساعة الثامنة وسبع وثلاثين دقيقة. وبذلك تكون قد تواجدت داخل المياه الاقتصادية الخالصة للبنان (البلوك رقم 9) لمدة سبع ساعات وثماني عشرة دقيقة»،كما جاء في بيان لـ «كتلة التمنية والتحرير».

لقد ساء هذه الدول (ودول أخرى طبعا) وقضّ مضاجعها ان ينضم لبنان الى نادي الدول النفطية، كما غاظها ان يحمي سلاح المقاومة هذه الثروة، فاشتركت في هذه المؤامرة التي تهدف الى اغراق البلد في فتنة مسلحة تقضي على الاخضر واليابس.. ولهذا الغرض تم اجتماع سري للغاية في الرياض - كما ذكرت قناة «روسيا اليوم في 26 تشرين الاول» ضم نتنياهو ومحمد بن سلمان ومحمد بن راشد حيث قرر هؤلاء الثلاثة تمويل التظاهرات اللبنانية بالمال والسلاح والشعارات الطائفية وتمديدها الى ثورة عنف ضد الجيش اللبناني وحزب الله وصولا الى حرب أهلية أسوة برواندا سابقا. (صورة عن الخبر كما جاء في القناة أعلى الصفحة في العدد السنوي لصحيفة الميدل ايست هيرالد).

المؤامرة.. خيوطها ومؤشراتها

ان ما يجري حاليا في لبنان هي «حرب» اميركية عليه، بكل معنى الكلمة، فحروب اليوم لم تعد حروبا تقليدية تستخدم فيها الترسانات العسكرية بل اصبحت حروبا اقتصادية ومالية وهذه الاخيرة اكثر فتكا وفعالية حيث تطال الطبقتين الفقيرة والمتوسطة بلقمة عيشها ودوائها وطبابتها وكل تفاصيل حياتها، فيما يعرف باسم «الانهاك - التآكل البطيء».

ولعل المحاضرة التي ألقاها البروفسور «ماكس مانوارينغ» خبير الاستراتيجية العسكرية في معهد الدراسات التابع لكلية الحرب الأميركية، تكشف لغز ما يجري ويُخطط له في لبنان والمنطقة.

مكان المحاضرة:

*اسرائيل

التاريخ 1/١٢/٢٠١٨

المدعوّون للمحاضرة: كبار الضباط من حلف الناتو والجيش الصهيوني..!!!

استهل البروفسور ماكس محاضرته بالقول بأن اسلوب الحروب التقليدية صار قديماً، والجديد هو الجيل الرابع من الحرب...!!!

وقال حرفياً ( والنص له ):

«ليس الهدف تحطيم المؤسسة العسكرية لإحدى الأمم، أو تدمير قدرتها العسكرية، بل الهدف هو: ( الإنهاك - التآكل البطيء ) لكن بثبات..!!!! فهدفنا هو ارغام العدو على الرضوخ لارادتنا»..!!!

ويضيف حرفياً: «الهدف زعزعة الاستقرار..!!!

وهذه الزعزعة ينفذها مواطنون من الدولة العدو لخلق الدولة الفاشلة..!!!

وهنا نستطيع التحكم...!!!

وهذه العملية تنفذ بخطوات..ببطء.. بهدوء وباستخدام مواطني دولة العدو، فسوف يستيقظ عدوك ميتاً»..!!!!

هذه المحاضرة قيل إنها أخطر محاضرة في التاريخ الحديث حيث توضح كل ما جرى ويجري من حروب وصراعات أهلية مسلحة في دول العالم الثالث عامة والاسلامي خاصة..!!!!!

ان أكثر ما يلفت الانتباه في هذه المحاضرة هي عبارة : «الإنهاك والتآكل البطيء»..!!!

وتنطبق هذه المحاضرة، الى حد كبير، على ما تشهده الساحة اللبنانية من انهيارات على كافة المستويات الحياتية والمعيشية والاقتصادية والمالية حيث تجاوز سعر الدولار في السوق السوداء عتبة الـ 2000 ليرة لبنانية، اضافة الى نفاذ اصناف كثيرة وضرورية من الأدوية والمواد الغذائية الاساسية وتضاؤل كميات المحروقات واقفال مئات الشركات وغير ذلك.. وهذه المحاضرة تكشف لغز ما يجري ويُخطط للبنان والمنطقة.

وهكذا فكلما طال الحراك تكشفت خيوط المؤامرة / الحرب أكثر واكثر وظهرت التدخلات الخارجية اكثر وضوحا، ويأتي تصريح وزير الخارجية الاميركية مايك بومبيو بمثابة دليل واضح على التدخل الأميركي في التظاهرات اللبنانية باعلانه مساندة بلاده للاحتجاجات في لبنان والعراق ضد الهيمنة الايرانية متهما النظام الايراني بتصدير الفساد على «شكل ثورة» الى هذين البلدين، ليرد عليه رئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع في تصريح له عبر «تويتر» قائلا «مع الشكر الجزيل مستر بومبيو ولكن الشعب اللبناني «مكفّى وموفّى» وليس بحاجة للمساعدة من اجل الخروج من أزمته المعيشية، الاجتماعية والاقتصادية».

وكان لا بد للحرب الحديثة المتمثلة بسياسة «الانهاك - التآكل البطيء» ان تشمل لبنان بحجة وجود سلاح «حزب الله» الذي «يسيطر على الدولة اللبنانية ومؤسساتها»، حسب زعم اميركا، لتكتمل حلقات المؤامرة التي تشمل لبنان والعراق وايران مع فارق ان التظاهرات في البلدين الاخيرين اتخذت طابع الدموية حيث سقط فيها عشرات القتلى ومئات الجرحى، وكان مخططا لبنان ان يلتحق بركب «الدم» لولا حكمة ووعي جيشه قيادة وأفرادا.

وقد هدد وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، خلال زيارته بيروت في اذار الماضي، اللبنانيين ووضعهم بين خيارين: إما مواجهة حزب الله، أو دفع الثمن. ما قاله بومبيو قبل 8 أشهر، كرره السفير الأميركي السابق في لبنان، جيفري فيلتمان، في تشرين الثاني أمام الكونغرس حيث قال ما معناه إن امام اللبنانيين خيارين: إما الالتزام بسياسات واشنطن، او الانهيار. وسياسات واشنطن تعني أيضاً الوقوف في وجه حزب الله (في شهادته، كرر فيلتمان كلمة حزب الله 49 مرة)، وإضعاف حلفائه في أي انتخابات مقبلة، وتأليف حكومة تكنوقراط.

قدّم جيفري فيلمان رؤيته الخاصة بالوضع في لبنان. «ما يحدث مرتبط بالمصالح الأميركية»، هذا ما أكّده. وبدا الحراك في الكونغرس لافتاً، إذ التأمت اللجنة الفرعية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا والإرهاب الدولي (أحد فروع لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي)، في جلسة بعنوان «ما هو التالي للبنان؟ دراسة الآثار المترتّبة على الاحتجاجات القائمة».

 

الحرائق

في 13 تشرين الأول، اي قبل بدء الحراك بأربعة ايام اندلع اكثر من 100 حريق في لبنان خلال 24 ساعة فقط كان معظمها واخطرها في الشوف والجوار راح ضحيتها الشاب سليم ابو مجاهد الذي دفعته غيرته لوضع نفسه في الخطر والمساعدة على اخمادها، اضافة الى وقوع بعض الاصابات في صفوف الدفاع المدني.

الغريب في الأمر ان معظمها نشب حوالى منتصف الليل ومع ساعات الفجر وان حوالى 26 حريقا منها كان بمثابة خط مستقيم (خط نار) تقريبا».

الكل يعلم ان الحرائق الطبيعية عادة ما تندلع حين ترتفع درجات الحرارة الى مستويات عالية بسبب بعض حطام الزجاج، مثلا، التي تنعكس عليها أشعة الشمس مما قد يؤدي الى اشتعال النار. غير ان توقيت اندلاع هذه الحرائق يرسم اكثر من علامة استفهام؟

هل أُشعِلت عمدا؟

واذا كان كذلك، وهو المرجح، فمن هو المستفيد؟

والى من تتجه أصابع الاتهام خصوصا ان معظمها كان في البلدات والمناطق ذات الغالبية المسيحية؟

هل اشعلها أشخاص يدويا؟ أم ان طائرة مسيرة، مثلا، قامت بهذا العمل، خاصة وان الخط البياني شبه المستقيم لاندلاع بعض اخطر هذه الحرائق يجعل فرضية الافتعال العمد بطائرة مسيرة تتقدم على غيرها من الفرضيات؟

وما يدعم نظرية الافتعال اعلان المدير العام للدفاع المدني ريمون خطار، في 15 تشرين الثاني، أنّ أكثر من 104 حرائق شبت على الاراضي اللبنانية خلال الساعات الـ24 الماضية، موضحا أنّه منذ عشرات السنين لم نشهد حرائق بهذا الحجم، مؤكدًا أنّ الحرائق التي تندلع عند الساعة الواحدة بعد منتصف الليل تطرح علامات استفهام.

وفي هذا الاطار تساءل النائب ماريو عون عبر قناة «الأو. تي. في» عن السبب الذي جعل الحرائق تقتصر على المناطق المسيحية، قائلاً: «معليش حتى لو كان هالكلام طائفي ليش الحرايق ما بتصير الا بالمناطق المسيحية».

فهل تهدف مؤامرة اشعال الحرائق - وهنا اسمح لنفسي ان أقول مؤامرة - الى تهجير ما بقي من المسيحيين هناك الذين لم تهجّرهم الحرب؟

 

الحصار المالي

صحيح ان فرض واشنطن عقوبات على أثرياء لبنانيين باتهام تمويل حزب الله كانت جارية قبل بدء الحراك بفترة، لكن هذه العقوبات تكثفت عشية بدء الحراك بشكل كبير.

فقد لوحت واشنطن في الآونه الاخيرة بفرض عقوبات على شخصيات مسيحية متعاونة او صديقة لحزب الله.

ليس من قبيل الصدفة أن تسلك العقوبات الاميركية على «حزب الله» والقطاع المصرفي اللبناني مساراً تصاعدياً في خضم الاندفاعة اللبنانية نحو تلزيم البلوكات النفطية لشركتين أوروبيتين وشركة روسية... وليست مصادفة كذلك أن تشتد هذه العقوبات منذ اللحظة التي فشلت فيها الوساطة الاميركية في ترسيم الحدود البحرية وفق الشروط الاسرائيلية.

وكذلك ليست مصادفة ان يتم التلاعب بسعر صرف الليرة من قبل مصرف لبنان والمصارف بعد انتهاء الرئيس عون من القاء كلمته في الجمعية العامة للامم المتحدة وقبل عودته الى لبنان.

وفي اي اطار نضع توقف الولايات المتحدة عن ضخ الدولار في الاسواق اللبنانية؟

كما في أي اطار نضع، قبلها، الضغط الاميركي لتصفية بنك جمّال "الشيعي"؟

منذ فترة، بدأت تتضح أدوات الحرب الاميركية خارج الاطار التقليدي. لقد جرّب الاميركيون هذه الادوات في الجمهوريات التي كانت ضمن الاتحاد السوفياتي السابق، وصولاً إلى اميركا اللاتينية. واليوم، يتم تطبيق هذه الادوات في لبنان والعراق وصولاً إلى ايران، مشفوعة بسلاح العقوبات الذي صار بمثابة سيف تشهره بوجه كل دول العالم، لقلة كلفته بشرياً واقتصادياً عن الحروب المباشرة.

وفي لبنان، كانت المؤشرات على ذلك واضحة، حين وضع الوزير بومبيو اللبنانيين أمام خيار من اثنين: إما مواجهة حزب الله، أو دفع الثمن. وهو المنطق ذاته في كلمة فيلتمان أمام الكونغرس، لناحية تأكيده على أن ما يجري اليوم في لبنان «مرتبط بالمصالح الاميركية»، او بمعنى آخر يخدم تلك المصالح.

بهذا المعنى، يمكن ترجمة الموقف الاميركي بشكل عملي أكثر وضوحاً في الواقع الحالي: إمّا حكومة متحررة من «حزب الله»، وإمّا الفوضى، سواء كانت فوضى الشارع أم فوضى الاقتصاد، أم كلاهما معاً، وهذه السياسة الاميركية هي ترجمة «دقيقة وأمينة» للجيل الرابع من الحرب الذي كشف عنه البروفسور «ماكس مانوارينغ» والقائم على «الانهاك - التآكل البطيء».

صحيح ان سعر الدولار الرسمي في مصرف لبنان والبنوك ما زال على قيمته الاساسية لكنه لدى الصرافين وفي السوق السوداء تجاوز الـ 2000 ليرة لبنانية وهذا السعر هو المتداول بين المواطنين وهر الذي يلامس معيشتهم وحياتهم اليومية ويؤثر عليها.

فبعد ان كان يحق للشخص سحب 1000 دولار اميركي اسبوعيا تقلص هذا المبلغ الى 500 دولار ومن ثم الى حوالى 200 دولار في بداية كانون الاول، فيما اموال المصارف في الخارج تقدر بحوالى 16 مليار دولار، والغريب ان هذه المصارف قامت بتهريب حوالى 3 مليارات دولار الى الخارج خلال فترة اقفالها حيث بلغت احدى هذه التحويلات 200 مليون دولار دفعة واحدة، كما كشف مصدر برلماني لبناني لقناتي «العربية» و «الحدث».. اضافة الى سحب المودعين في الداخل حوالى 4 مليارات دولار، في الاسابيع الثلاثة الأولى.. ونتيجة ذلك شح الدولار في السوق اللبناني مما اثر سلبا على كل شيء وأدى الى اقفال او وقف اعمال العديد من الشركات والمصالح نتيجة عدم تمكنها من استيراد المواد الأولية اللازمة لمواصلة أعمالها، كما تدنت السياحة بمعدل 84 في المئة.

 

«حراكان» لا حراك

وما يندرج ضمن هذا العنوان نستطيع ادراجه تحت العنوان السابق ايضا اي «المؤامرة خيوطها ومؤشراتها».

 

الحراك الأول

نستطيع القول بكل ثقة وراحة ضمير ان الحراك الاصلي والعفوي، المبارك والواعد بدأ في 17 تشرين الاول، نتيجة الوجع الذي يعيشه المواطنون يوميا.. وجع المعيشة.. وجع التعليم.. وجع الطبابة والاستشفاء.. وجع انعدام الخدمات.. وجع شح فرص العمل للمتخرجين الجامعيين مما يدفعهم الى طرق أبواب الهجرة.. وجع المستقبل القاتم، فخرج مئات الآلاف الى الساحات للتعبير عن هذا الوجع والمطالبة بمكافحة الفساد واسترداد الاموال المنهوبة ورفع السرية المصرفية والحصانات عن النواب والوزراء والرؤساء وموظفي الفئة الاولى وغيرهم.

 

الحراك الثاني

هذا الحراك هو الحراك المندس والمخرب الذي ركب موجة الحراك الاصلي لتحقيق أهداف حزبية وفئوية ضيقة وتنفيذ اجندات خارجية مشبوهة أراد من يقف وراءها رمي البلاد في الفوضى الاهلية ومحاولة اسقاط النظام.

لقد عمل الذين لم يحصلوا على نصيبهم «العادل» من «جبنة» الدولة بمقولة شمشون الجبار «عليّ وعلى أعدائي يا رب».. فخراب الهيكل في نظرهم أفضل من بقائه واقفا لا يستطيعون ان يسرحوا ويمرحوا فيه على هواهم.

صحيح ان هذا الحراك ظهر للعلن وعلى نحو مكشوف بعد حوالى اسبوع على الحراك الاصلي، غير انه بالحقيقة سبقه وتقدم عليه من خلال عدة احداث، يكفي ان نذكر اثنين منها:

 

حادثة قبرشمون

في 30 حزيران كمن افراد من الحزب التقدمي الاشتراكي لوزير شؤون النازحين صالح الغريب في قبرشمون فجرى اطلاق نار بين مرافقي الوزير وعناصر الحاجز الذين كانوا مجهزين بأحدث انواع الاسلحة الفردية فقتل اثنان من مرافقي الوزير واصيب عنصر ثالث.

الكمين لم يكن، اساسا للوزير الغريب بل لوزير الخارجية رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، الذي كان من المفترض ان يذهب الى عاليه للاجتماع مع شيخ العقل الموالي للنائب طلال ارسلان والمعارض للنائب السابق وليد جنبلاط، غير انه ألغى زيارته في الدقائق الاخيرة بناء على معلومات بأن شيئا ما مريبا يجري التحضير له، اذ ان ما تكشّف من مداولات اجتماع المجلس الاعلى للدفاع، يشير الى خطورة ما، كانت تحضّر لمنطقة الجبل، تتمثل بعمل امني كبير يؤدي الى تداعيات دراماتيكية تطال كل لبنان.

وقد ادلى مصدر سياسي رفيع المستوى بشرح تفصيلي لما جرى في اجتماع المجلس الاعلى للدفاع وقال ان «الاهم هو ما سبق التطوّر الامني الخطير في الجبل»، ويكشف عن انه «منذ الاعلان عن جولة رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل في الجبل، بدأت تتجمّع المعطيات عن التحضير لتحركات اعتراضية على الزيارة لإفشالها وتحويلها الى احداث امنية، وانه في الساعات الثماني والاربعين التي سبقت الجولة أُبلغ الى باسيل كما الى الرؤساء الثلاثة تقارير من الاجهزة الامنية عن اجواء مريبة في الجبل واقترنت بنصائح بالغاء الجولة او تأجيلها الى وقت لاحق».

اما الاجواء التي سادت اجتماع المجلس فيوجزها المصدر بالقول «ان الذي ساد الاجتماع هو الخوف والخشية من استغلال ما حصل في الجبل، والعمل على تداعيات اكثر خطورة لأجندات وغايات اخرى، مع عدم استبعاد دخول طابور معادٍ على الخط لأخذ الامور الى نقطة اللاعودة، لان التحقيقات تتركّز على خيوط قد توصل الى ان ما حصل في قبرشمون هدفه تنفيذ اغتيال مزدوج لكل من الوزيرين باسيل والغريب، والمؤشر الى ذلك انه خلال ذهاب الوزير صالح الغريب للقاء الوزير باسيل في شملان لم يعترضه احد، وفي طريق عودته وسلوكه ذات الطريق وقع في الكمين المسلح اذ على ما يبدو كان يعتقد المسلحون انه يصطحب معه باسيل في سيارته، خصوصا وانه كان يقودها بنفسه».

ان كمينا بهذا الحجم، لو قُدّر له ان ينجح - لا سمح الله - وتحققت الغاية منه، اي قتل الوزيرين باسيل والغريب، لكان ادى الى اغراق البلد في حمام دم له اول وليس له آخر.

لقد أغاظ وليد جنبلاط التمدد العوني في الجبل، اذ انه لم يخرج بعد من عقلية الحرب باغلاق الجبل ووضع مفاتيحه في جيبه، وكأن هذا الجبل ملك ابيه، وانه ممنوع على اي كان زيارته الا بإذن منه.

والغريب ان البعض ذهب الى تبرير الكمين بوضع الملامة على الوزير باسيل قائلا «شو طالع يعمل بالجبل»، وكأن هذا البعض نسي اننا لم نعد نعيش في زمن الميليشيات والكانتونات، وانه اصبحت لدينا دولة ويحق لكل مواطن الذهاب الى حيث يشاء.

اننا لا نستطيع ان نفصل بين ما حدث في قبرشمون وبين ما يخططه الخارج للبنان، اذ انه بعد وقوع الحادث بدا التدخل الاميركي والخارجي واضحا في الشؤون اللبنانية الداخلية، وكأن هذه الدولة «العظمى»، رغم انشغالاتها الدولية المتشعبة، لم تفُتها حادثة حصلت في بلد «صغير» مثل لبنان.. ماذا يعني هذا؟

اننا نسأل: لماذا تتدخل دولة عظمى في شأن داخلي لبناني صرف، الكلمة الفصل فيه تعود للقضاء اللبناني فقط؟

ففي بيان تدخلي بالشؤون اللبنانية وبشأن حادث امني حساس وملف امني وقضائي، وبعيدا عن الاعراف الدبلوماسية، أكدت سفارة الولايات المتحدة الأميركية، «دعم الولايات المتحدة المراجعة القضائية العادلة والشفافة دون أي تدخل سياسي». وشددت، على أن «أي محاولة لاستغلال الحادث المأسوي الذي وقع في قبرشمون في 30 حزيران الماضي بهدف تعزيز أهداف سياسية، يجب أن يتم رفضها».

واضاف البيان: «لقد عبَّرت الولايات المتحدة بعبارات واضحة للسلطات اللبنانية عن توقعها أن تتعامل مع هذا الأمر بطريقة تحقق العدالة دون تأجيج نعرات طائفية ومناطقية بخلفيات سياسية».. طبعا العدالة الأميركية هنا هي ترك المجرمين المنفذين والمخططين دون محاسبة.

يذكر انه ومنذ بداية ازمة قضية قبرشمون كثر الحديث في الكواليس السياسية عن تدخل عدد من السفارت في معالجة القضية وتأمين غطاء سياسي للنائب السابق وليد جنبلاط بعدما شعر ان هناك استهدافا له بالمباشر وهذا ما لم ينفه الوزير وائل ابو فاعور في مؤتمره الصحافي الذي اكد على لقاء جنبلاط مع عدد من سفراء الدول. ويعتبر هذا البيان بمثابة الدعم القوي لوليد جنبلاط عبر اشارته الى حادثة داخلية معينة.

وعلق عضو تكتل «لبنان القوي» النائب حكمت ديب على بيان السفارة الاميركية في لبنان بشأن حادثة قبرشمون، قائلا «بيان السفارة الاميركية مستغرب ولاسيما انها تتدخل في شأن قضائي»، مشيراً إلى «اننا نعتقد أن الصورة باتت أوضح عندما تدخلت السفارة الأميركية لصالح جهة معينة في حادثة قبرشمون».

نعود ونسأل: هل من المعقول ان يتم «تدويل» حادثة لبنانية داخلية، لو لم تكن لهذه الحادثة، من الأساس، ارتباطات بالخارج وما يخطط له بالنسبة للبنان؟

ولهذا فاننا نرى ان الحراك المدسوس والزائف بدأ مع حادثة قبرشمون التي تأتي في سياق دولي، وخاصة اميركي، لافشال العهد واعادة التوتر الى الشارع، نظرا لمواقف رئيس الجمهورية من سلاح المقاومة والنازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين والنفط والغاز.

وفي سياق وضع العصي في دواليب العهدن انطلاقا من مبدأ «تصل الى الحكم ولكن لن تحكم» نستطيع ان نضع احتجاز رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري في السعودية واجباره على تلاوة بيان الاستقالة بهدف اغراق البلد بفوضى عارمة، نظرا لصعوبة بل استحالة تأليف حكومة جديدة.

وكلنا نعلم ان الحريري استمر حوالى تسعة اشهر قبل ان يستطيع تأليف حكومته.. ولا شك ان هذه الخطوة من السعودية تهدف الى ضرب عهد الرئيس العماد ميشال عون، وذلك لمواقفه التي أتينا على ذكرها سابقا.

 

مظاهرة «الشباب التقدمي»

في 13 تشرين الاول، اي قبل 4 أيام من بدء الحراك الاصيل، كان هناك حراك مختلف بأسبابه وأهدافه قامت به «منظمة الشباب التقدمي» تحت عنوان «بدنا نسمّعكن صوتنا»، تمثل بمسيرة راجلة من تقاطع الكولا وصولاً إلى ساحة الشهداء، حيث تقدمها الوزيران وائل ابو فاعور وأكرم شهيب اللذان اعترضا على كلام الوزير جبران باسيل بشأن الزيارة إلى سوريا، وتوجه الوزيران إلى التظاهرة للمشاركة فيها.

وتوحي التظاهرة الاشتراكية، التي شارك فيها منسق الأمانة العامة لقوى 14 آذار فارس سعيد، ووفد من حزب الكتائب والنائب السابق أنطوان زهرا، باحتمال تطور هذا الحراك، طالما أن الأمور في البلاد تستمر على هذا النحو.

وهذا ما عبر عنه كلام أبو فاعور الذي قال: «أجهزة أمنية كانت منسية تتحول اليوم إلى بوليس يلاحق الأحرار بدفع سلطوي.. نطالب الحريري أن يضع حداً لهذه الأجهزة». وتابع أبو فاعور: «نقول لرئيس الحكومة أن يمارس صلاحياته، ويضع حداً لجهاز أمن الدولة وكل الأجهزة التي تتجرأ على قمع الحريات».

اذن، لقد تذمر الحزب التقدمي عامة، وعلى رأسه، وليد جنبلاط خاصة، من ان تعود الدولة للوقوف على رجليها، واشتاق الى زمن الحرب والبلطجة، فهو يريد ان يقتل وينصب كمائن على هواه دون محاسبة ولا حتى مساءلة، ومن هنا نفهم «ثورة» وزيره أبو فاعور على هذه الاجهزة.

ولعل اكثر ما يغيظ وليد جنبلاط هو ان المتهمين بالقتل في حادثة قبرشمون ما زالوا موقوفين رغم كل الوساطات التي قام بها داخليا (مع الرئيسين بري والحريري) وخارجيا من خلال الدخول الاميركي المباشر على خـط الحادثة و «تـدويلها».. وقـد أدلى هؤلاء باعترافات خطيرة، تطال رؤوسا كبيرة.

ودلالة على ما نقول هو كلام أبو فاعور في التظاهرة نفسها «يجب أن تعلموا أنه من الآن فصاعداً ضاق ذرع اللبنانيين بكم، وآن الأوان ليقول لكم الشعب ارحلوا ارحلوا ارحلوا.. أنهاركم موحلة ولا تستحقون أن ننتظركم على ضفة النهر، ولا تستحقون أن ننتظركم على ضفة بستان صغير في قبرشمون والبساتين».

ويتوهم وليد جنبلاط انه ما زال يعيش في زمن الحرب ولهذا فانه يطالب «باسم الشعب؟ّ» الحكم بالرحيل لتخلو له الساحة واقامة كانتونه في الجبل!! الذي طالما يحن اليه.

وجنبلاط نفسه، الذي كان عميلا للنظام السوري طيلة الحرب على لبنان ويتلقى أوامره وتعليماته، مثله مثل الكثيرين، من المتصرفَين غازي كنعان ورستم غزالة، هل نسي انه بفضل النظام السوري تمكن من «تحرير؟!» الجبل من سكانه المسيحيين، وانه استولى على صندوق المهجرين، كونه دائما كان هو، او أحد أزلامه، وزيرا لهذا الصندوق، وبدل ان تكون اموال هذا الصندوق، التي قدرت بنحو 3000 مليار ليرة لبنانية، اي ما يقارب ملياري دولار، لعودة المهجَّرين نراها قد ذهبت الى جيوبه وجيوب المهجِّرين.

وهنا نسأل:

اين صُرفت هذه الأموال؟

هل صرفت للمهجِّرين أم للمهجَّرين؟

ان مبلغ ملياري دولار لهو كاف لاعمار نصف الجبل وليس منازل المهجَّرين فقط.. فأي منازل رُممت ومن عاد من هؤلاء؟

يتحدثون دائما عن مصالحة الجبل التي تمت برعاية البطريرك الراحل مار نصر الله بطرس صفير ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي في 3 آب 2001.. وهنا نسأل: هل المصالحة تكون بالكلمات والخطابات أم بالوقائع والأفعال؟

بمعنى آخر، ماذا تحقق على الارض، اي على صعيد العودة؟

كم من المهجرين المسيحيين عادوا الى منازلهم المهدمة في الجبل لترسيخ هذه المصالحة؟

اذن، اين أموال المهجرين يا حضرة الوزير جنبلاط يا مَن تحاضر عن الفساد وانت على رأس الفاسدين.

ان الوزير وليد بك جنبلاط يرى الابرة في عين غيره ولا يرى المسلّة في عينه، ولأنه هو فاسد فانه يتهم الشرفاء، الذين لم يمضِ على وجودهم في الوزارة سوى أشهر معدودة، بالفساد، متناسيا انه استلم صندوق المهجرين على مدى سنوات طويلة فسرقه ونهبه و "أكل» الاخضر واليابس، كما «أكل» قبله وبعهد، في «مسيرة» فساد وافساد بدأت مع دخوله الحياة السياسية ولمّا تنتهِ بعد.

ومن بين الذين اتهمهم بالفساد وزيرة الطاقة ندى البستاني، المشهود لها بالكفاءة والنزاهة ونظافة الكف، فأطلق عليها لقب «مدام فساد» حيث غرّد في حسابه الخاص على تويتر قائلا: «بعد دراسة الموازنة وبعد الاصلاح يبقى ان نخفف من شهوة مدام فساد التي تريد زيادة السفن الكهربائية الى 4 وتريد تركيب 3 معامل تسييل غاز بدل واحد وتتبضع من خلال معابر الفرقة الرابعة التي اقفلت نظريا.

ولا بأس هنا من ان نعدد بعض كارتيلات النفط التي للسيد جنبلاط اسهم فيها والتي تحقق ارباحا خيالية على حساب الشعب اللبناني:

1- هيبكو: شراكة بين وليد جنبلاط وآل البساتنة بحصة 10 % من مبيعات البنزين والمازوت في لبنان.

2- صيداكو: وليد جنبلاط والنائب نعمة طعمة (محسوب على جنبلاط) حصة صيداكو من الاستيراد تتجاوز 30 % من مجمل الوردات.

3- ناتغاز: ميشال فرعون وبيار هنري حلو الى جانب النائب جنبلاط وطعمة

4- غاز لبنان: لجنبلاط وابنه تيمور وطعمة الى جانب شركات أجنبية.

ان الوزيرة البستاني قامت بمناقصة علنية على الهواء مباشرة لاستيراد الدولة 10 % من حاجة السوق الداخلي للبنزين، فازت بها زد أر اينرجي، على أمل ان يتحول هذا الاستيراد الى 100%.

طبعا هذه الخطوة لم يستسِغْها وليد بك فنعتها بالفساد لأنها حرمته من بعض ارباحه مطلقا عليها لقب «مدام فساد».

ولأن التيار الوطني الحر وخاصة الوزير جبران باسيل طالب بتطبيق ما يسمى بـ «اتفاق الطائف» لناحية توزيع الوظائف مناصفة بين المسلمين والمسيحيين، ولأن زعيمه وليد جنبلاط كان انبطاحيا طيلة الاحتلال السوري للبنان فاننا نرى وائل ابو فاعور يتهم غيره، في التظاهرة نفسها، بالتوسل والسعي للرئاسة، فيما الوزير باسيل يسعى للتفاوض مع الحكومة السورية لاعادة النازحين الى بلدهم في المناطق الآمنة نظرا لما يشكلونه من عبء اقتصادي ومالي وأمني وديموغرافي على لبنان، حيث قال: «اليوم تذهبون إلى سوريا لتتوسلوا الرئاسة لأن هناك من قال لكم ان طريق الرئاسة يمر من دمشق. وآن الأوان لأن يقول لكم الشعب ارحلوا».

 

الحراك الاصلي عيوب وأخطاء

لا شك ان الحراك الأصلي محق بمطالبه وشعاراته وكلنا معه لناحية المطالب المعيشية ومكافحة الفساد ومحاكمة الفاسدين وناهبي المال العام ورفع السرية المصرفية وكل انواع الحصانات عن الوزراء والنواب والرؤساء الحاليين والسابقين وكل من تولى الشأن العام.

هذه كانت شعارات الحراك في ايامه الأولى واستبشرنا خيرا بنجاحه للانتقال بالبلد من المزرعة الى الدولة.. غير انه بعد الأسبوع الأول، دخل «عالخط» الحراك المدسوس فاختفت تقريبا كل هذه الشعارات لتحل مكانها، وخاصة بعد استقالة الحريري، شعارات «كلن يعني كلن» و «الشعب يريد اسقاط النظام» و «النازحين جوّا جوّا وباسيل برّا برّا» وما الى ذلك.

لقد كان على الحراك الاصيل والأصلي، للحفاظ على نظافة وقدسية مطالبه، الخروج الى الاعلام، منذ الأيام الأولى، والتبرؤ من الحراك الدخيل وفضحه، خاصة بعد ان قام هذا الاخير بقطع الطرقات واحتجاز حرية الآخرين بمنعهم من التنقل والحركة حتى ان البعض تعرض لعناصر من الجيش والقوى الامنية بالشتائم والكلمات النابية..

وليل الاحد 15 كانون الاول، اي عشية الاستشارات النيابية الملزمة، جرت مواجهات حادة بين قوى الأمن الداخلي وبعض الحراكيين المندسين الذين رشقوا هذه القوى بالحجارة فردت الاخيرة باطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع لتفريقهم وفتح الطريق الى ساحة النجمة حيث سقطت في هذه المواجهات 27 اصابة في صفوف قوى الامن الداخلي بينها ضابطان، اضافة الى عشرات الاصابات في صفوف المندسين حيث نقل 15 جريحا الى المستشفيات، فيما عولج الباقون ميدانيا.. (هذه كانت الحصيلة حتى كتابة هذه السطور، واننا نتخوف من ان تذهب الامور الى نقطة تصبح معها العودة صعبة وشبه مستحيلة).

ونشير هنا الى ان بعض الحراكيين المندسين قاموا برشق قوى الامن بقنابل الغاز المسيل للدموع كما كان لدى بعضهم اسلحة فردية.. فكيف حصلوا عليها؟!

كما ان الجيش اضطر الى تشكيل حاجز بشري امام غاضبين اتوا من الخندق الغميق للاشتباك مع متظاهرين بعضهم حضروا من الطائفة السنية من طرابلس نتيجة تسرب شريط فيديو لأحدهم يسكن خارج البلاد يشتم زعماء الشيعة -قبل ان يعود ويعتذر مدعيا انه كان تحت تأثير ما - ولولا هذا التدخل، لربما تطور الامر الى فتنة شيعية - سنية.

اننا نقترح على الحراك الأصيل الانسحاب من الطرقات وبعض الساحات والتوجه الى الدوائر والادارات الرسمية والقضاء بكل متفرعاته وذلك لتعرية الحراك الدخيل والمدسوس من جهة وتجنيب البلاد حربا أهلية او فتنة طائفية يعمل لها البعض ويراهن عليها الخارج من حهة اخرى.

فهل بقطع الطرقات يضغط على الدولة والزعماء أم على الشعب؟

وهل بكسر هيبة الجيش وقوى الامن تتحقق الاهداف؟

اننا نرى ان على الجيش والقوى الأمنية الضرب بيد من حديد واعتقال هؤلاء المدسوسين والتحقيق معهم لمعرفة من يقف وراءهم.. وحسنا فعلت قوى الامن بتوقيف المدعو ربيع الزين.

فكما تكفل القوانين والمواثيق الدولية حرية التظاهر فانها تكفل حرية التنقل ايضا.

فهل تحقيق المطالب يكون بقطع بعض «الحراكيين» الطرق على اخوانهم الذين تجمعهم بهم المعاناة المعيشية والحياتية نفسها؟ أم بمحاصرة قصور الزعماء المتهمين بالفساد ونهب المال العام وعدم السماح لهم بالخروج منها الا الى المحاكم؟

والغريب ان بعض الحراكيين هؤلاء كانوا يملكون سيارات رينج روفر يزيد ثمنها على 30 ألف دولار.. ونحن شاهدنا ذلك عبر شاشات التلفزة.

وهنا نسأل: من المتضرر من قطع الطرق.. الشعب ام الزعماء؟ من ليس لديه ليأكل ام من يعاني من التخمة؟

واذا كانوا يتهمون المصارف والادارات العامة بالمشاركة في ايصال البلد الى ما وصل اليه، فقد كان عليهم ان يقوموا باعتصامات رمزية امامها لا باغلاقها لشل الحركة وايقاف الدورة الاقتصادية في البلد.

اذا كان الحراك كله نظيفا وغير مدعوم ومدفوع، فمن يفسر لنا احضار ما يقارب 15 ألف مظلة ومعطف واق للمطر كلها حمراء اللون خلال 15 دقيقة على هطول الامطار.

حقيقة فقد اختلط الحابل بالنابل اذ كيف يكون الحراك لمحاربة الفساد، واحد رموزه وهو وليد جنبلاط يقول بعد استشهاد علاء ابو فخر «اتخذت القرار بالانضمام رسمياً إلى الحراك الشعبي»؟

وحسنا فعلت احدى الناشطات البارزات في الحراك وهي السيدة نعمت بدر الدين عندما اجابت على سؤال لمراسلة الـ «أو تي في» ريما حمدان، وقالت: ان وليد جنبلاط حرامي وهو امير الفساد والحرب في لبنان، والحريري مش افضل منّو وانا مسؤولة عن كلامي.

وكيف يقوم محتجون بفتح الطريق في المدينة الرياضية لوليد جنبلاط وحوله العديد من علامات الاستفهام؟

هذا الحراك الدخيل عن اي ثورة يتكلم؟

لقد ركبت بعض الاحزاب موجة الحراك فحرفته عن وجهته السليمة حيث أعلن المسؤول في العلاقات الخارجية في حزب القوات اللبنانية نديم شمّاس، خلال مقابلة مع قناة الحدث، أن القوّات اللبنانية هي خلف الثورة، قائلًا: «نحن لا نُنكِرُ وقوفنا خلف الثورة، فنحن نَتبَعُ صوت الشعب، ونحنُ جزءٌ منهُ.. القوّات تَعمَد الى إقفال الطرقات، لإسقاط الحكومة، ومحاسبة الفاسدين» وهذا هو اول اعتراف لقيادي قواتي مما اثار الكثير من الجدل على مواقع التواصل الإجتماعي بين الناشطين.. وحسنا فعلت القوات عندما تبرأت من اقواله حيث أوضحت الدائرة الإعلامية في «القوات اللبنانية»، بأنّ «المواقف التي أطلقها السيد نديم شماس في إطلالته على محطة «الحدث» منذ حوالي الثلاثة أسابيع لا تعكس موقف الحزب الرسمي من الثورة».

وأشارت في بيان، الى أنّ شمّاس «أساء التعبير بفعل حماسه المفرط، كما ان نديم لا يعبِّر في موقعه ضمن عضوية جهاز العلاقات الخارجية عن موقف القوات الرسمي الذي تمّ التعبير عنه بشكل واضح ومرارًا وتكرارًا بأنّ المبادرة في كل ما يتصل بالتظاهر والأرض والثورة هي بيد الثوار فقط لا غير وليست القوات اللبنانية التي تقف في الصفوف الخلفية وكجزء لا يتجزأ من وجع الناس».

ولفت البيان، الى أن الحزب «اتخذ إجراءات حزبية مسلكية بحق شماس انطلاقًا من الخطأ الذي ارتكبه».

وكذلك قام الاشتراكيون بقطع الطرق في خلدة والمناطق التي يسيطرون عليها، مما دفع بـ «طلعت ريحتـكن» و «حزب سبعة» الى القول: الإشتراكي والقوات والكتائب قطعوا الطرقات.. الأحزاب تطـمـح لقـطـف ثـمار حراكـنـا... «الأحزاب بــرّا... كـلّـن يعـني كـلـّن» وان «جنبلاط احد رموز الفساد».

 

الحريري والحراك

لقد كان الرئيس الحريري منزعجا من مطالبة الرئيس عون والوزير باسيل بتطبيق الطائف لجهة المناصفة في الوظائف العامة والسياسات الخارجية، وخاصة بعد اعلان الوزير باسيل عزمه على زيارة سورية، ولذلك فبعد حوالى 11 يوما على بدء الحراك وبدون تنسيق مع رئيس الجمهورية، قدم الرئيس سعد الحريري استقالة حكومته للرئيس عون.

وبعد تقديم الاستقالة ارتفعت وتيرة الاحتجاجات للمطالبة بانتخابات نيابية مبكرة و «كلن يعني كلن» و «الشعب يريد اسقاط النظام."

حتى ان شريحة كبيرة من الذين كانوا يعتبرون ان لبنان عرف صفقات السرقة ونهب المال العام من بابها الواسع مع دخول الحريرية السياسية الى الحكم منذ بداية تسعينات القرن الماضي وان الرئيس الحريري احد رموز الفساد، فانه ما أن قدم الحريري استقالته حتى راحت هذه الشريحة من الطائفة السنية الكريمة تقطع الطرق في اماكن وجودها مطالبة باعادة الحريري الى رئاسة الحكومة.

اننا نسأل: كيف يكون الحراك قد وحّد اللبنانيين، كما يدعون، وها هو ينقسم على نفسه عند أول منطف عابر؟

كيف يكون الحراك عابرا للطوائف وها قد عدنا الى الاصطفاف الطائفي من خلال وقوف كل طائفة الى جانب زعيمها؟

فهل الزواج المدني بالنصوص فقط ام انه تجب ازالته من النفوس قبل النصوص، والا فانه يبقى شعارات وحبرا على ورق؟

وفي اي خانة يضع الحراك كلام السيد سمير الخطيب - الذي حظي بدعم الحريري للترشح لرئاسة الحكومة - بعد زيارته دار الفتوى بأن المفتي عبد اللطيف دريان والقيادات السنية يدعمون الحريري لرئاسة الحكومة، فقام الخطيب بسحب ترشيحه.

وهنا نسأل: هل انتقلت صلاحية تكليف وتسمية شخص ما، لتأليف الحكومة من رئيس الجمهورية الى «مفتي الجمهورية»؟

وهل استكثروا على رئيس الجمهورية هذه الصلاحية التي تركها له «الطائف»؟

فالرئيس الحريري دخل «لعبة» الدلع بعد ان رأى ان الرئيس عون وحزب الله وحركة أمل يريدونه لرئاسة الحكومة، وإلا فشخصية يقترحها هو، وازداد دلعه أكثر بعد ان رأى الشارع السني لا يريد غيره لرئاسة الحكومة.. فأخذ يتصرف من منطلق «انا ولا احد» و "عيني فيه وتفوه عليه» فهو يريد العودة لرئاسة الحكومة شرط ان تكون صرف تكنوقراط وان يكون هو السياسي الوحيد فيها، فيما الأفرقاء الآخرون من رئيس الجمهورية والتيار الوطني الحر الى حزب الله وحركة امل يريدون حكومة تكنوسياسية، لأن حكومة التكنوقراط لن يكون لها اي غطاء سياسي ولذلك فانها لا تستطيع ان تتخذ قرارات مصيرية، ثم ان حزب لله يعتبر حكومة التكنوقراط، التي تطالب بها الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية، موجهة ضده وضد سلاحه.

ومع ان اجتماع باريس الذي ضم مسؤولين كبارا من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا اقتنع بحكومة ربعها سياسي وثلاثة ارباعها تكنوقراط غير ان الحريري بقي يمارس سياسة الدلع والابتزاز ايضا.. فما ان يقترح بنفسه اسما حتى يعود ويحرقه، كما حصل مع محمد الصفدي وبهيج طبارة وسمير الخطيب، غير انه وقف عاجزا أمام حسان دياب.

والاغرب من ذلك ان الحريري لم يستقل فقط من رئاسة الحكومة بل استقال ايضا من مسؤولياته كرئيس لحكومة تصريف الاعمال، وذلك لاغراق البلد في مزيد من الشلل.

وهنا الا يحق لنا وضع اكثر من علامة استفهام حول هذا التصرف؟

هل الحريري يعاني من ضغط أجندات خارجية لا يستطيع تنفيذها في حال قبوله ترؤس الحكومة المقبلة؟

لماذا هذه الاستقالة المفاجئة؟ ولماذا نزل انصاره الى الشارع بعدها وبدأوا بقطع الطرقات؟

لماذا يترك منصب رئاسة الحكومة «لا معلّق ولا مطلّق» وفي الوقت نفسه يستقيل من مسؤولياته كرئيس حكومة تصريف أعمال، بما في ذلك من ضرر اقتصادي كبير على المواطنين؟

لماذا يقترح اسماء لترؤس الحكومة وما يلبث ان يسحب دعمه لها ويعمد الى حرقها..

هل هذه خطة مدروسة من قبله لتقطيع الوقت أم ماذا؟ لماذا؟ ولماذا؟ ولماذا؟

لقد اراد الحريري ان يستأثر وحده بالسلطة من خلال ممارسة لعبة الضغط والابتزاز.. فاليوم يقترح اسما لرئاسة الحكومة ولا يلبث ان يحرقه كما جرى مع الأسماء الثلاثة الاوَل.. وعبثا نجحت محاولات اقناعه بحكومة تكنوسياسية الا انه بقي متمسكا بحكومة تكنوقراط.. ولذلك فانه «رسب» في الاستشارات الملزمة التي حصلت يوم الاثنين في 16 كانون الاول لعدم حصوله على العدد الكافي لتأليف حكومة - وذلك بسبب عدم تسمية التيار الوطني الحر له، اضافة الى غير التيار طبعا - يكون هو السياسي الوحيد فيها.

لقد اراد الحريري استغلال الضغوط الخارجية والشارع والوضع الاقتصادي والمعيشي المأزوم فضغط باتجاه الغاء غيره من السياسيين وتحقيق مقولة «أنا ولا أحد» فهو يريد ان يكون وحده «الديك» على مجموعة «دجاجات» (وزراء تكنوقراط).. غير ان مبتغاه لم يتحقق.

نحن نعرف ان الحكومات في كل بلاد العالم ليس من الضروري ان يكون الوزراء فيها تكنوقراطيين، انما القائمون على اداراتهم من مدراء عامين وغيرهم يجب ان يكونوا كذلك، غير ان الحريري اصر على حكومة تكتوقراط بالكامل واطال عمر الازمة فأدخلنا في دهاليز خطيرة وانفاق مظلمة ما زالت امكانية الخروج منها ممكنة، شرط التحلي بالوعي والمسؤولية و«عدم وحاولة الغاء الآخر».

نحن نعرف الضغوط الخارجية التي يتعرض لها الحريري ولكن مصلحة الوطن والوحدة الداخلية واشراك كافة المكونات في عملية الانقاذ - طبعا من خلال شخصيات نظيفة وتشريعات ترفع الحصانات عن الفاسدين مهما علا شأنهم - لها الاولوية.

هل يعتقد الحريري ان باستطاعته «غسل يديه من دم هذا الصدّيق» الذي اسمه لبنان، والحريرية السياسية هي المسؤولة عما وصل اليه الوضع من تردّ وانهيار.

 

الحراك الاصلي وخطاب رئيس الجمهورية

اننا نرى ان مطالب الحراك الاصلي والاصيل (وليس حراك فليسقط النظام وكلن يعني كلن والنازحين جوّا وجبران برّا) هي نفسها مطالب رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الذي ما لبث منذ عودته الى لبنان عام 2005 يطالب بمكافحة الفساد واستعادة الاموال المنهوبة ومحاكمة الفاسدين وغير ذلك.

ولعل ما حدّ من فعالية الحراك هو افتقاده للتنظيم وعدم تمكنه من الاتفاق على ممثلين ينطقون باسمه ويفاوضون من موقع قوة وذلك بذريعة ان عدم اختيار ناطقين باسمه يجعله اكثر ديناميكية، دون ان يشرح لنا كيفية ذلك.

وعلى الحراك ان يدرك ان اي تغيير، حتى يُكتب له النجاح وتحقيق اهدافه، لا بد له ان يمر عبر المؤسسات الدستورية وخاصة مجلس النواب..

فمثلا اذا تم الاتفاق على حكومة تكنوقراط او تكنوسياسية، او اية حكومة اخرى فعليها ان تأخذ وشرعيتها من مجلس النواب، كما انه اذا ارادوا انتخابات نيابية مبكرة فان هذا لا يكون الا من خلال مجلس النواب.. واذا ارادوا اقرار قوانين مكافحة الفساد واستعادة الاموال المنهوبة ورفع السرية المصرفية ورفع الحصانات عن السياسيين وموظفي الفئة الاولى من مدراء عامين وغيرها من القوانين، فان هذا لا يكون الا من خلال مجلس النواب، ومن هنا جاء في رسالة الرئيس عون الى اللبنانيين في 24 تشرين الأول، اي بعد سبعة أيام على بدء الحراك «النظام لا يتغير في الساحات، حددوا مطالبكم» وهنا نسأل: كيف يطالبون بكل هذا ويتظاهرون، في الوقت نفسه، امام مجلس النواب ويعطلون انعقاده وعلى جدول اعماله مشاريع القوانين التي يطالبون باقرارها؟

ان مطالب الحراك هي نفسها مطالب رئيس الجمهورية الذي يعمل ويسعى منذ تسلمه سدة الرئاسة لتحقيقها، غير ان ما يحول دون ذلك هو ان اتفاق الطائف انتزع من الرئاسة الأولى كل الصلاحيات التنفيذية لتصبح منصبا تشريفيا، لا اكثر ولا اقل.. حتى ان أي وزير يوقع قرارا ويرسله لرئيس الجمهورية فاذا وقعه الرئيس خلال اسبوعين أم لم يوقعه يعتبر نافذا!!

وما يجعل للرئاسة الاولى بعض الهيبة والمكانة اليوم هي قوة الرئيس وشخصيته وقاعدته الشعبية وكتلته النيابية.. فهل هناك دولة في العالم تحكم برؤوس ثلاث؟؟ نعم هذا ما صدّره لنا اتفاق الطائف.

وقد رأى فخامة الرئيس العماد ميشال عون في هذا الحراك خير معين وسند وبارقة أمل لتحقيق ما طالب ويطالب به قبل وصوله الى الرئاسة وبعده، لذلك دعاهم الى الحوار عاقدا عليهم الأمل بقوله في الرسالة ذاتها «أنا أنتظركم للحوار».

وأكد فخامته، في رسالة وجهها الى اللبنانيين في 24 تشرين الأول، على «ان الشعب اللبناني هو شعب حي، قادر على الانتفاض والتغيير وايصال صوته.. ولكن الطائفية حطمتنا، ونخرنا الفساد حتى العظم، وقد تركنا من اوصل البلد الى الهاوية بدون محاسبة».

وإذ اعتبر أن «الذهنية الطائفية التي حكمت البلد هي اساس مشاكله»، لفت الى ان طموحه «كان ولا يزال، التخلص من هذه الذهنية للوصول الى دولة مدنية».

وشدد الرئيس عون على «ضرورة استعادة الأموال المنهوبة»، مشيرا الى انه تقدم بقانون لاستعادتها، وقال: «كل من سرق المال العام يجب ان يحاسب، لكن من المهم ان لا تدافع طائفته عنه بشكل اعمى»، داعيا الى كشف كل حسابات المسؤولين لكي يحاسب عليها القضاء».

وإذ أشار الرئيس عون الى «وجود مجموعة من اقتراحات القوانين في مجلس النواب متعلقة بإنشاء محكمة خاصة بجرائم سرقة المال العام، وباسترداد الدولة للأموال المنهوبة، وبرفع السرية المصرفية عن الرؤساء والوزراء والنواب وموظفي الفئة الاولى الحاليين والسابقين، وبرفع الحصانات عن الوزراء والنواب الحاليين والسابقين وكل من يتعاطى المال العام»، دعا الناس الى «رفع اصواتهم ومطالبة النواب بالتصويت عليها، حتى يصبح كل المسؤولين عرضة للمساءلة والمحاسبة القانونية».

وأكد رئيس الجمهورية أنه «بات من الضرورة اعادة النظر بالواقع الحكومي الحالي، كي تتمكن السلطة التنفيذية من متابعة مسؤولياتها، وطبعا من خلال الاصول الدستورية المعمول بها». ودعا اللبنانيين جميعا «كي يكونوا المراقبين لتنفيذ الاصلاحات»، وقال: «الساحات مفتوحة دائما أمامكم، في حال حصل أي تأخير او مماطلة. وأنا من موقعي، سأكون الضمانة وسأبذل جهدي لتحقيق الاصلاح».

ولفت الرئيس عون الى ان «تغيير النظام لا يتم في الساحات بل من خلال المؤسسات الدستورية»، مؤكدا «للمعتصمين والمتظاهرين انه على استعداد للقاء ممثلين عنهم للاستماع الى مطالبهم، وفتح حوار بناء يوصل الى نتيجة عملية وتحديد الخيارات التي توصلنا الى افضل النتائج».

اما رسالة الرئيس في 1 تشرين الثاني، فمما جاء فيها:

التزمنا بمكافحة الفساد والقضاء على الارهاب وخلاياه النائمة واقرار قانون انتخابي جديد.

اجرينا سلسلة تعيينات في مؤسسات الدولة والجيش والاجهزة الامنية والقضاء وعودة المالية العامة لكنف الدستور وقانون المحاسبة العمومية.

اصدرنا 3 موازنات بعد 12 عاما على انقطاعها، واحالة موازنة 2020 الى المجلس النيابي ضمن المهلة الدستورية لاول مرة منذ زمن وبنسبة ضئيلة من العجز ودون زيادة ضرائب.

رفضنا التسويات على الحسابات المالية بحيث اعيد تكوينها منذ العام 1993 الى اليوم واحيلت الى ديوان المحاسبة للتدقيق قضائيا بصحتها.

حملنا ازمة النازحين السوريين الى المنابر العربية والدولية.

أكدنا على المضي في الحرب على الفساد «مهما كان الطريق شاقا»

أتوجه للبنانيين بالضغط على النواب لاقرار القوانين التالية : «انشاء محكمة خاصة بالجرائم الواقعة على المال العام، انشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، استرداد الاموال المنهوبة، رفع الحصانات والسرية المصرفية عن المسؤولين الحاليين والسابقين وكل من يتعاطى المال العام».

الاصرار أن يكون البند الأول من جدول أعمال الجلسة الأولى للحكومة إقرار مراسيم استخراج النفط والغاز، وبالفعل سيبدأ الحفر خلال شهرين. (في منتصف كانون الثاني 2020)

في الإدارة فساد، في السياسة فساد، في المال العام فساد، وفي بعض المجتمع فساد أيضا، ومهما يكن الطريق شاقا فإنني مصمم على المضي فيه.

أتعهد بمتابعة الحرب على الفساد عن طريق التشريع اللازم والقضاء العادل والنزيه.

وفي مظاهرة الدعم والتأييد للرئيس عون، الى قصر بعبدا، التي شارك فيها عشرات الآلاف من أنصاره، تعهد رئيس الجمهورية بمحاربة الفساد وتحسين الاقتصاد وبناء دولة مدنية.

كما دعا عون اللبنانيين إلى الوحدة قائلا: «أدعو الجميع إلى الاتحاد»، رافضا أن تكون هناك «ساحة ضد ساحة وتظاهرة ضد تظاهرة».

وأضاف «رسمنا خارطة طريق مؤلفة من ثلاث نقاط: الفساد والاقتصاد والدولة المدنية». ودعا إلى توحيد الساحات فقال «نحتاج إلى جهدكم، إلى ساحة مؤلفة منكم ومن الذين يتظاهرون للدفاع عن حقوقكم».

من خلال هذه الخطابات نستشف ان الرئيس العماد ميشال هو في طليعة المتظاهرين الثائرين على الفساد، غير ان انعدام صلاحياته، من جهة والأخطبوط السياسي والديني الممسك بكل مفاصل الدولة من جهة اخرى، حالا دون تحقيق ما يؤمن وينادي به.. فكل فاسد يسرق وينهب متكلا على طائفته لتأمين الحماية له، فمثلا عندما تم الحديث عن ان هناك اكثر من 10 مليارات دولار مفقودة من الخزينة، ودون ان تتم تسمية أحد، انبرى الرئيس السنيورة لعقد مؤتمر صحافي لتبرئة نفسه..

لماذا؟

لأن «اللي فيه مسلّة تحت باطو بتنعرو»، وقد أمّن له سماحة المفتي عبد اللطيف دريان الغطاء الديني قائلا «السنيورة خط أحمر» كما اجتمع رؤساء الحكومة السابقون للدفاع عن السنيورة، وفي هذا الاطار قال الرئيس عون «كل من سرق المال العام يجب ان يحاسب والمهم الا تحميه طائفته»..

وهنا نسأل: هل من سرق سرق باسمه أم باسم طائفته؟

هل وزع السارق قسما على المسروقات على ابناء طائفته الفقراء أم وضعها كلها في حساباته المصرفية؟

وهل يرضى ابناء طائفته بذلك وهم يعانون من الفقر والحرمان؟

ان مطالب الحراك هي نفسها مطالب الرئيس ميشال عون، فلماذا لا يتوجه موفدون من الحراك النظيف الى القصر الجمهوري لمقابلة رئيس الجمهورية والبحث معه في السبل الآيلة لتحقيق مطالبهم عبر المؤسسات الدستورية، خصوصا وان الرئيس وعدهم قائلا «أنا من موقعي، سأكون الضمانة وسأبذل جهدي لتحقيق الاصلاح..» وكذلك «انا انتظركم».. فهل يريدون ضمانة أكبر وسندا أقوى من رئاسة الجمهورية؟

غير ان دعوات رئيس الجمهورية للحوار لم يتم تلقفها والتعامل معها على النحو المطلوب لمحاسبة الفاسدين واستعادة الاموال المنهوبة ورفع السرية المصرفية ورفع الحصانة عن السياسيين وموظفي الفئة الأولى.. لماذا؟ لأن الحراك المدسوس، لو قدم له «لبن العصفور» - بالاذن من الرئيس نبيه بري - فهو سيرفضه لحسابات سياسية وطائفية واجندات مشبوهة.

وفي خطابه أمام عشرات الألوف من انصاره أمام قصر بعبدا دعا الرئيس عون «الجميع الى الاتحاد»، رافضا ان تكون هناك ساحة ضد ساحة وتظاهرة ضد تظاهرة».

وللاسف فان ما حذر منه حصل، وهذا ما شهدناه في جسر الرينغ ومنطقة الكولا حيث وقع اشكال بين مجموعات حزبية مؤيدة لحركة أمل وحزب الله والمتظاهرين تخلله اطلاق نار كثيف في المنطقة، وسادت حال من التوتر وسُجّل انتشار كثيف للقوى الأمنية.

وكذلك في الاشرفية ومنطقة الجميزة ومبنى موقف العازرية في وسط بيروت الذي كانت له الحصة الكبرى في تكسير وتخريب الخيم، وفي ساحة خليل مطران في بعلبك بين مؤيدين لحركة امل وحزب الله من جهة والمتظاهرين من جهة اخرى، وما حصل في بكفيا بيت انصار للتيار الوطني الحر والكتائب، اضافة الى إصابة 21 شخصاً نتيجة التدافع بين المتظاهرين والجيش اللبناني في طرابلس حيث أعلن الجيش في بيان انه «إثر قيام عدد من الأشخاص بالاعتداء على مكتب التيار الوطني الحر وأحد فروع المصارف، أوقفت دورية من الجيش في منطقة الجميزات - طرابلس أربعة أشخاص، وقد عمد أحد الشبّان إلى إلقاء قنبلة يدوية على عناصر الجيش دون أن تنفجر، كما أصيب جندي جراء رشقه بالحجارة من قبل أحد المتظاهرين وتمّ ضبط دراجتين ناريتين»..

حقيقة، اننا نتخوف من ان يكون الآتي أعظم!!

وفي هذا الاطار نبّه مصدر أمني رفيع المستوى، عبر صحيفة «الجمهورية»، إلى «خطورة المشهد الّذي حصل على الرينغ»، لافتًا إلى «أنّنا سبق وحذّرنا السياسيّين من أنّ البديل عن الدولة سيكون هؤلاء المتظاهرون، وسينزل بوجههم متظاهرون آخرون يَعتبرون أنفسهم كذلك انّهم الدولة، ولن يكون باستطاعة الجيش اللبناني والقوى الأمنية سوى الفصل بينهم وتشكيل خطوط تماس بين الشارعين، وهو ما يمكن أن يأخذ بنا إلى البلاء الأعظم، لأنّه بالنسبة إلى العسكريين فهُم كلّهم لبنانيّون وأي انحياز ستكون عواقبه وخيمة»

وكشف المصدر الأمنى أنّه «خلال الاجتماعات الأمنيّة الّتي حصلت، كان البحث في هذا السيناريو يتقدّم على ما عداه، باعتباره الأخطر لأنّ الاحتقان سيولّد الانفجار، وقطع الطرقات سينتهي بصدامات». وأكّد أنّ «التعاطي العسكري والأمني سيكون مغايرًا في المرحلة المقبلة، وانّ سياسة الضرب بيد من حديد هي عنوان المرحلة، بعدما شوهد الشارع ينزلق نحو المحظور». وركّز على أنّه «من هنا، إنّ القرار قد اتُخذ بشكل صارم بعدم السماح بقطع الطرقات من الآن فصاعدًا، وسيكون الجيش حاسمًا في هذا المجال».

 

ملاحظات وتساؤلات ومآخذ

سلاح حزب الله

منذ بدء الحراك ركزت الحملات الاميركية على حزب الله وسلاحه، كما تهجم بعض الحراك على سلاح حزب الله، والغريب ان أحدا لم يأتِ على ذكر السلاح الفلسطيني في المخيمات لا من قريب أو بعيد.

ومع مطالبتنا بألا يكون أي سلاح على الارض اللبنانية سوى سلاح الجيش والقوى الأمنية الشرعية، الا اننا نسأل ونتساءل:

ألم يكن السلاح الفلسطيني سببا رئيسيا من أسباب اندلاع الحرب على لبنان؟

ألم يقضّ هذا السلاح، المتفلت والخارج عن الدولة، مضاجع الجنوبيين ويذيقهم الأمرّين مما دفع بالكثير منهم، وخاصة الشيعة، الى نثر الأرز على جيش الاحتلال الاسرائيلي عام 1982، لأنهم رأوا فيه خشبة خلاص من البلطجة الفلسطينية؟

ألم تكن العمليات الفلسطينية ضد اسرائيل انطلاقا من الأراضي اللبنانية أحد اسباب الاجتياح؟

اذن، ماذا جلب لنا هذا السلاح غير الاجتياحات الاسرائيلية والحرب على لبنان، خاصة بعد ان اجاز ما يسمى بـ «اتفاق القاهرة» للفلسطينيين حمل السلاح داخل الدولة، لتصبح هنالك دويلات متفلتة وغير منضبطة وبؤر أمنية داخل الدولة؟

اما سلاح المقاومة اللبنانية فهل تم استعماله في الداخل؟

ألم تدفع المقاومة دما لاخراج هذا الاحتلال؟

ألم تدفع دما لدحر ارهابيي «داعش» و «النصرة» في جبال عرسال، طبعا بالتعاون مع الجيش اللبناني البطل؟

اننا نسأل: ماذا كان سيحصل لو تمكنت جحافل الارهابيين من إحداث خرق في جبال عرسال واستطاعت الوصول الى مخيمات النازحين التي يتغلغل فيها عشرات ألوف الارهابيين المؤيدين لداعش والنصرة؟

ماذا كان سيحل بالمسيحيين خاصة وسائر الاقليات عامة حتى بأهل السنة المعتدلين؟

هل كان أمامهم غير الذبح بالسكين او بحد السيف، وقد رأينا نماذج من ذلك في سورية والعراق وكل المناطق التي اجتاحها الارهابيون؟

ان سلاح حزب الله هو سلاح لبناني واليد التي تحمله يد لبنانية دافعت على لبنان ضد اسرائيل والارهاب.. ومع اننا لا ننكر ان له ارتباطات خارجية واقليمية قد تنعكس ضررا وسلبا على لبنان.. ولكن فليقل لنا أحد ماذا أفاد السلاح الفلسطيني لبنان واللبنانيين منذ تهجير الفلسطينيين «مؤقتا» الى لبنان حتى اليوم؟

فلماذا هذا السكوت التام عن هذا السلاح اللا لبناني والذي يشكل مصدر تهديد للبنان وأمنه وشعبه؟

الا يدخل هذا السكوت ضمن الموافقة على «صفقة القرن التراشنيرية» التي تقضي بتوطين الفلسطينيين في بلدان انتشارهم واعطائهم حق المواطنة الكاملة ونسيان شيء اسمه فلسطين؟

ثم لنفترض جدلا ان اسرائيل وقعت معاهدة عدم اعتداء على لبنان، برا وجوا وبحرا، مياها وغازا ونفطا - وهذا من سابع المستحيلات طبعا - فكيف نطلب من حزب الله تسليم سلاحه ومخازن المخيمات الفلسطينية تعج بكافة انواع الاسلحة التي ذاق منها الجنوبيون خاصة واللبنانيون عامة ما ذاقوا قبل وجود حزب الله وسلاحه؟

ألم يبدأ الحراك بعد اعلان الرئيس عون في الجمعية العامة للأمم المتحدة رفض لبنان بشكل مطلق بقاء النازحين السوريين في لبنان وتوطين الفلسطينيين فيه؟

ألم تبدأ الحرب الاقتصادية على لبنان قبل عودة الرئس عون من نيويورك الى لبنان التي تمثلت بخلق «أزمة الدولار» التي ما زال اللبنانيون يعيشونها حتى كتابة هذه السطور والتي أفقرتهم وجوعتهم ودفعت البلد الى شفير الافلاس؟ بل ألم تبدأ قبل ذلك مع تصفية بنك جمـّال؟

النازحون السوريون

واذا كنا لم نسمع ايا من «الحراكيين» او المتظاهرين يتناول السلاح الفلسطيني بشعار او هتاف نظرا لما يشكله من خطر على لبنان، كذلك لم نسمع أحدا منهم يأتي على ذكر مشكلة النزوح السوري الى لبنان.. «عفوا» لقد ذُكرت كلمة نازحين من خلال بعض اليافطات التي رفعها متظاهرون - قسم كبير منهم نازحون سوريون- في طرابلس وبعض المناطق السنية والتي كتب عليها «جبران برا برا.. النازح جوا جوا».

يعاني لبنان من وجود اكثر من مليون ونصف المليون نازح على أرضه بكل ما يشكله ذلك من أعباء اقتصادية ومالية وأمنية وخدماتية وبنى تحتية على الدولة اللبنانية، واذا اضفنا اليهم ما يقارب 600 ألف لاجئ فلسطيني فيصبح عدد هؤلاء ثلث سكان لبنان.

وللأسف فاننا لم نسمع ولم نرَ سوى رئيس الجمهورية والوزير باسيل خاصة، والتيار الوطني الحر عامة، يطالبون بضرورة ايجاد حل لمشكلة النزوح السوري التي حملها الرئيس عون الى اعلى منبر عالمي وأثارها وما زال يثيرها في كل لقاءاته مع المسؤولين الاميركيين والاوروبيين، وكذلك الامر بالنسبة لوزير الخارجية جبران باسيل.

وهنا نسأل:

هل أزمة النزوح السوري تلقي بظلها على فئة من اللبنانيين دون اخرى أم انها تطال الجميع دون استثناء»

إذن، لماذا هذا السكوت شبه التام من قبل باقي المسؤولين عن هذه الأزمة؟

أكثر من ذلك لماذا التهجم على باسيل في اليوم التالي على قوله انه سيزور سورية للبحث مع المسؤولين هناك في مسألة اعادة النازحين السوريين، في التظاهرة التي نظمتها منظمة الشباب التقدمي اعتراضا على هذه الزيارة، حيث قال فيها الوزير ابو فاعور: «اليوم تذهبون إلى سوريا لتتوسلوا الرئاسة لأن هناك من قال لكم ان طريق الرئاسة يمر من دمشق».

واذا كان البعض يريد ايجاد حل لمشكلة النازحين من خلال الضغط على الامم المتحدة، فهل نسي هذا البعض ان الامم المتحدة والمنظمات والجمعيات التابعة لها تدفع للنازحين للبقاء في لبنان، فكيف يطلبون منها المساعدة لاعادتهم؟

لا شك ان الولايات المتحدة تريد ابقاء ازمة النازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين دون حل لاستعمالها ورقة ضغط على لبنان ريثما تنضج الحلول/ المؤامرات التي تعدها للمنطقة.

من هنا نفهم لماذا «النازح جوا وجبران برا»، ولكن ما لا نفهمه وترتسم حوله اكثر من علامة استفهام هو لماذا عدم رفع اي يافطات او اطلاق شعارات، من قبل الحراك، تطالب بعودة النازحين الى بلادهم التي صارت اراضيها آمنة بنسبة 90 في المئة، بل اكثر أمنا من لبنان؟

ثم أليس الازمة الاقتصادية تعود، بقسم كبير منها الى اعباء النازحين المالية والاقتصادية والامنية، فلماذا تجاهل وجودهم في لبنان؟

 

خدمة المؤامرة الاميركية

في الاسبوع الاول كان الحراك عفويا مطلبيا نابعا من وجع المواطنين غير انه بعد دخول الاحزاب فيه حولوه عن وجهته الاساسية الى وجهة أخرى مشبوهة، كما اسلفنا القول.. فبعد ان جرى قطع الطرقات لم يندد الحراك الأصلي بهذه التصرفات ولم يتبرأ منها الا متأخرا وكان عليه فضح قطاع الطرق منذ البداية وتعريتهم امام الرأي العام.

كما ان الحراك بتظاهره امام البنك المركزي والمصارف ودوائر الدولة واداراتها وجّه ضربات موجعة للاقتصاد اللبناني حيث اعطى المصارف عذرا لاغلاق ابوابها مما اثر سلبا على السيولة بالدولار في السوق فأغلقت مئات الشركات ابوابها وصرفت آلاف الموظفين أو، في أحسن الاحوال، اعطتهم نصف او ربع أجورهم، فقد كان على الحراك ان يقف وقفة رمزية امام المصارف وتركها تواصل عملها، حتى ان قطاع السياحة شهد قبل 17 تشرين الاول حجوزات فاقت الـ 6 في المئة عن العام السابق وبعد بدء الحراك تدنت بحدود 84 في المئة. وقد صبّت كل هذه التصرفات في خدمة المؤامرة الاقتصادية على لبنان.

 

مطلوب رأس باسيل

بعد الأيام العشرة الأولى نسي قسم كبير الحراك شعاراته المطلبية بكل ما يتعلق بالفساد ليركز على الوزير جبران باسيل، حيث حاول هذا القسم تحميل فساد ونهب عمرهما 27 سنة للوزير جبران باسيل في حين ان الاخير في ذلك الوقت لم يكن بعد يتعاطى السياسية، لا من قريب ولا من بعيد، فعمد الى توجيه الاتهامات والشتائم ضد الوزير باسيل حتى ان هتاف أو أغنية «هيلا هيلا هو جبران باسيل....» كادت ان تحل محل النشيد الوطني لكثرة ما تم تردادها سواء في التظاهرات او في وسائل التواصل الاجتماعي.

من السهل اتهام الآخرين بالفساد ولكن لا يمكن اثبات ذلك الا بالادلة، ولأن الوزير باسيل يثق بنظافته رفع دعوى قضائية ضد جو معلوف ورامي زين الدين على خلفية الطعن في نزاهته واتهامه بالفساد واستغلال موقعه وجمع ثروة كبيرة مزعومة وربحها حيث أصدرت محكمة المطبوعات في جبل لبنان برئاسة القاضي ايلي الحلو بتاريخ 21 آذار 2019 قرارها في دعوى القدح والذم والتشهير المقدمة أمامها من قبل الوزير جبران باسيل، والمتعلقة بإحدى حلقات برنامج «هوا الحرية» الذي يقدمه الإعلامي جو معلوف.. حيث قضى القرار بادانة المدعى عليهما جوزف معلوف ورامي زين الدين وتعويض المدعي عن الاضرار بمبلغ عشرة ملايين ليرة لبنانية ونشر خلاصة القرار في اول حلقة تبث بعد صدوره.

وكذلك ربح دعوى رفعها الوزير باسيل ضد الوزير السابق اشرف ريفي، حيث أدان قرار المحكمة ريفي بجرائم القدح والذم والتحقير وبحبسه ثلاثة أشهر وتغريمه مبلغ عشرة ملايين ليرة لبنانية وانزال هذه العقوبة تخفيفا بالغرامة مليوني ليرة، والزامه بالتعويض بمبلغ ١٥ مليون ليرة للمدعي، بعدما عجز عن إبراز أي مستند او دليل يثبت الفساد المزعوم لباسيل.

كما صرح مارش هيغنيس رئيس الغرفة السياسية بالبيت الابيض لصحيفة «واشنطن بوست» حيث قال «جبران باسيل يتمتع بحنكة سياسية وذكاء خارق ويعرف متى يدخل ومن أين يخرج من اي معادلة.. الرجل، الذي لم يوجد حتى الآن اي اثبات على تورطه بأي منظومة فساد، نظيف الكف وذنبه الوحيد انه تحدى سياستنا وعارض مشروعنا لكيفية دمج النازحين السوريين والفلسطينيين بالمجتمع اللبناني وقرر فتح الباب المغلق على النظام السوري».

وعلينا الا نستند الى اي مسؤول أميركي لنبرئ هذا السياسي او ذاك، بل على الحراك ان يبدأ بجمع الادلة والاثباتات ضد اي مسؤول يشك بفساده، سواء كان باسيل او غيره، وتقديمها بمثابة إخبار للقضاء، اذ ان اطلاق الاتهامات جزافا، حتى ضد الفاسدين الحقيقيين، لا يوصل الى اية نتيجة.

 

عدم التنظيم

لعل من العيوب والمآخذ الكبيرة على الحراك هو افتقاره الى التنظيم فبعد «فورة غضب» الفترة الاولى كان على الحراك ان يعمل على تنظيم نفسه والاستعداد للتفاوض والضغط لتحقيق أهدافه وذلك من خلال اختيار أشخاص يفاوضون باسمه، مع البقاء في الساحات طبعا.. فعلى الحراك ان يدرك انه لا يستطيع تحقيق اي شيء الا من خلال المؤسسات الدستورية، سواء بالنسبة لمكافحة الفساد او استعادة الاموال المنهوبة التي لا تتم الا عبر رفع السرية المصرفية وكذلك كافة انواع الحصانات عن كل من تعاطى ويتعاطى الشأنين السياسي والاداري في الدولة.. كان على الحراك ان يتلقف مبادرة رئيس الجمهورية واختيار وفد منه لمقابلته والتنسيق مع فخامته، خصوصا وان مطالب الفريقين هي نفسها الى حد بعيد.. كان عليه ان يدرك ان هذه أقصر الطرق وأسلمها لتحقيق اهدافه.

غير ان ادعاء الحراك ان عدم اختياره ناطقين باسمه يجعله اكثر ديناميكية فهو ادعاء لا يجعله يحقق النتيجة المرجوة، فالبقاء في الشارع لمجرد البقاء في الشارع أفقر البلد وشل المؤسسات ولم يؤثر حتى الآن على السياسيين المتهمين بالفساد والنهب فـ «الحراك في واد والسياسيون في واد آخر».. فعلى الحراك ان يركز تحركاته حول قصور السياسيين الفاسدين وعدم السماح لهم بالخروج منها الا الى القضاء.

 

الاصلاح يبدأ بتنظيف القضاء

كان على الحراك ان يدرك انه لا مجال لتحقيق اي شيء من مطالبه الا من خلال المؤسسات الدستورية، كما قلنا، وخاصة القضاء.. فالقضاء النظيف، النزيه وغير المسيّس هو الاساس لبناء دولة نظيفة، شفافة ومسؤولة، من هنا فعلى الحراك أن يبدأ بالعمل الجاد بالضغط لتنظيف القضاء وهذا لن يتم الا من خلال السلطتين التنفيذية والتشريعية.. فالقضاء النزيه وغير الخاضع للضغوطات السياسية بامكانه اصدار أحكام نزيهة.. فهل يمكن لقاض مسيس اصدار حكم «نزيه» ضد سياسي فاسد؟ بالطبع لا.

لقد أعلن رئيس الجمهورية إحالة 18 ملف فساد للمراجع المختصة، تتضمن ارتكابات مالية وهدرا وتزويرا وتبييض أموال، إضافة إلى صفقات مشبوهة تمّ وقفها، وإهمال في العمل والترويج لأدوية مزورة وعقود مصالحة مشبوهة، موضحا أن التحقيق سوف يشمل جميع المسؤولين الذين تناوبوا على هذه الإدارات والمؤسسات العامة والمصالح المستقلة، من مختلف المستويات، ولذا فانه ينبغي على الحراك الضغط باتجاه التحقيق في هذه الملفات والبت فيها.

لقد حاد بعض الحراك عن مطالبه الاساسية فرفع شعار المثلية وعمل على احياء «مشروع ليلى» دون ان ننسى «خيمة» التطبيع مع اسرائيل.. فهل بهذا يتم الاصلاح؟

على الحراك ان ينظم صفوفه ويعرف ما يريد ويضع «مشاريع» بديلة لما يطالب بتغييره يُقنع بها الآخرين ليصبح حراكا تغييريا فاعلا ومنتجا.

ان على الحراك الأصلي الا ينتهي دوره بدخوله الحكم، مثلا، بل ان يبقى جاهزا للمحاسبة والمراقبة وان يكون بمثابة «محكمة الشعب» التي هي أعلى من أي محكمة أخرى.

اننا نقترح ان يقوم الحراك بالضغط باتجاه الاستغناء عن خدمات القضاة المسيّسين والفاسدين ودفع بدل مرتباتهم للجنة تحقيق دولية، يطلق عليها مثلا «المفوضية المستقلة لمكافحة الفساد والرشوة» تكون مهمتها التحقيق في الجرائم التي تمس الامن القومي ماليا واقتصاديا وأمنيا وان يُمنع عليها الاتصال بأي مسؤول سياسي ، والافضل ان يكون مقرها خارج لبنان كقبرص مثلا.. وان يترك للقضاء اللبناني الحكم بالجرائم الفردية مثل أعمال القتل والسرقة والاغتصاب وما شابة ذلك.

لماذا مفوضية تحقيق دولية؟ لأن الشعب فقد الثقة بالقضاء اللبناني (وراح الصالح بعزا الطالح) مع الاعتراف بنزاهة ونظافة بعضهم.

فهل يكون هذا الحراك محطة عابرة في حياة الوطن أم تاريخا فاصلا بين لبنانين.. لبنان المزرعة ولبنان الدولة؟

السنوات المقبلة كفيلة بالاجابة..

 

إشترك في خلاصة التعليقات عدد التعليقات: (0 منشور)

المجموع: | عرض:

إكتب تعليق

البريد الالكتروني يبقى سرّي و لا ينشر
  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

- التعليقات الواردة من القراء هي مسؤولية أصحابها ولا تعبر عن رأي إدارة الموقع بالضرورة
- تتم مراجعة تعليقاتكم قبل نشرها عن طريق إدارة الموقع

- (سياسة نشر التعليقات)

تابعونا

أحدث الأخبار - لبنان

  1. دول خليجية تحذر رعاياها من السفر إلى لبنان (5.00)

  2. وفاة "ملكة الديسكو" دونا سمر عن 63 عاماً (5.00)

  3. معارض صيني ضرير بمطار بكين متوجهاً لنيويورك (5.00)

  4. الاكتئاب لدي المراهقين .. له إشارات يجب الانتباه لها (5.00)

  5. صحف العالم: أمريكا "تعاقب" باكستان بعدد سنوات سجن أفريدي (5.00)

  6. فيلم منتظر يكشف تفاصيل اغتيال بن لادن (5.00)

  7. أستراليا: التيار الوطني الحر في سيدني ينعي فقيده المفكر و المناضل والاعلامي المخضرم الأستاذ بطرس عنداري (5.00)

  8. الرحيل المفاجئ (5.00)