إعلانات Zone 4B

[CLOSE]

إعلانات Zone 3B

[CLOSE]
أحدث الأخبار:

إعلانات Zone 2B

[CLOSE]
الرئيسية | لبنان | الخندق الغميق الحيّ المنخفـض الذي قارع الفرنسيين [1/ 3]
المصنفة ايضاً في: لبنان, لبنان من الذاكرة

الخندق الغميق الحيّ المنخفـض الذي قارع الفرنسيين [1/ 3]

آخر تحديث:
image
الكاتب:
عدد المشاهدات: 2407
قيّم هذا المقال/الخبر:
0
حجم الخط: A+ A-
نسخة صالحة للطباعة   نسخة نصية   أرسل إلى صديق
الخندق الغميق الحيّ المنخفـض الذي قارع الفرنسيين [1/ 3]
المنازل جادلت الأحداث أكثر من السكان (مروان طحطح)

لا مكان للأرواح المفقودة في «الخندق الغميق». فرغت أمكنته من أجساد البنّائين الأوائل وطيف الحرب ما زال يهبّ قليلاً على المباني المعزولة. مبانٍ وحدها قادرة على تكذيب سوليدير التي تُؤسطَر استناداً إلى فراغ. تاريخ الخندق أصدق إنباءً. ولكن لا موطئ قلب لأهله الأصليين في أزقته. في البداية كان الانتداب الفرنسي. سكان أرمن، وموارنة، وروم، وبعض من سنة وشيعة. فترة «القبضايات» امتدت بعمران خجول، واحتكاكات طفيفة، انتهت بمشاركة الحيّ العريق في أحداث «ثورة 1958». فتكت «الثورة» بالتركيبة السكانيّة، قبل أن تجهز الحرب الأهليّة على ما تبقى من المؤسسين بالضربة القاضيّة. مُذاك لم يعد مهجر واحد. ناجو الستينيات يحرسون ذاكرتهم بالبقاء. بعد 1975 تعارك «الإخوة» في الخندق وغادر آلاف المهجّرين إليه تدريجيّاً. تركوا كنيسة منسية ومنزلاً اشتراكيّاً محطماً ومستشفى فرنسيّاً صار ملعباً شعبيّاً. تركوا بيوتاً شاحبة تعج بالقصص. هنا حكاية «الخندق» من ألفها إلى يائها

أحمد محسن

يُسمى «الخندق الغميق». بالعاميّة يُقال «الخندق». فرادة المنطقة في اسمها أولاً. لا «خنادق» ــــ نظرياً ــــ في بيروت سوى هناك. رغم ذلك أضيفت مفردة «الغميق» للدلالة على هولٍ ما. أهله يقولون إنه، أي الخندق، في البدء، كان مساحةً منخفضة بين منطقة البسطة والبلد. البلد، عودٌ على بدء. وسط المدينة وما شئت من أسماء هطلت عليها. البسطة منطقة قديمة وهي، فوقا وتحتا. نجت من التحريف. الخندق حكاية أخرى. مِن الأهل من يُفرط في الحكايا فيقول إن «الخندق» كان أشبه بساقية. حاصرها العمران فهرب الماء إليها. ساقية شتويّة تلمّ مياه المدينة المتهاطلة وتحتضنها.

لا أحد يعرف إلى أين مشت مياه الخندق. اختفت. تبخرت. غادرت إلى سماء أخرى. يعرفون اليوم هطول الأسماء على «البلد» ورسوها في الذاكرة رسواً مفروضاً. بقيت المباني... «فولكلور» الحرب الأهليّة وأثاثها. إنها مبان زاجرة في وجه سوليدير. سوليدير بوصفها عمارة طارئة. عمارة الأمر الواقع. السكان لا يعترفون بالـ«حداثة». سيتبيّن لاحقاً أنهم لا يعرفونها أيضاً. لا تعنيهم. لم تصل إليهم بعد.
ومن هنا، من تحت، في الخندق، تنظر أشباح المباني إلى مستقبل لا تريده. مقيمة في ماضٍ اسمه كاف للدلالة عليه. تنظر إلى المستقبل نظرة كهل لن يعيش ليحضره. ولا يريد أن يحضره. ورغم ذلك تتجاوز الحاضر بمسافة غير كافية للقول إن لها مستقبلاً. إنها مبانٍ زاجرة ولكنهم سيهدمونها. لن تقفز فوق 1975. إما أن تبقى عالقة في رمزيّة العام المشؤوم، على صورتها تلك، وإما أن تنام. وإن كانت لا تشبه هذا الاسم بشيء، ولا علاقة لها به، فإنها الباقية منه بعد فناء كل شيء. وُشم بها، بفعل فاعل شبه معروف، ولفظيّاً، من كل حواضر المنطقة ومكوناتها الثقافيّة، تبقى المباني أكثر الدلائل فتكاً إلى هذا الاسم المرعب. الخندق الغميق.

جغرافيا لم تمسّ

أشهر أحياء الخندق اليوم هو النبعة. صاحب أحدث الأسماء المستجدة بعد الحرب الأهليّة. حيّ عجوز يستريح بين توأميه. يحدّه بشارة الخوري شرقاً. وغرباً، على خط مواز تقريباً، شارع أحمد فارس الشدياق. جغرافيا الخندق تقريباً مقدسة.
لم تمس إلا بالمباني الضخمة التي اكتملت في الثمانينيات. المعلم الوحيد الذي تغير، منذ القرن التاسع عشر، يكمن في الطريق إلى البسطة. ثمة بقايا من شارع سوريا. كان كبيراً وما زال يصل إلى البسطة. البقية منه التهمتها سوليدير. يمكن رسم الخطوط الرئيسية المتوازية المشكّلة لخندق الغميق على النحو الآتي: خط أول يبدأ من جسر «الرينغ» ويصل إلى تقاطع بشارة الخوري. خط ثان في المنتصف صار يعرف بحي النبعة.
يبدو هذا مهملاً لجهة وسط المدينة، من كعبه، وتضج فيه الحياة بوصوله إلى البسطة. وخط ثالث، خلف حيّ النبعة تماماً، وهو شارع أحمد فارس الشدياق الذي يلامس الباشورة، على مرمى نظرة من سوليدير. في الداخل أحواش مطر والعنتبلي وشارع الزهراوي وزاروب الحراميّة. ولكنها متفرعات داخليّة في الخندق. لا تشاركه احتكاكه مع وحش وسط المدينة ولا مع البسطة المكتظة بالتاريخ.
غالبية أهل المنطقة اليوم أصلهم من ميس الجبل والخيام في مرجعيون. البقية من الجنوب أيضاً. معظمهم أتى في الثلاثينيات وانتشر بين الباشورة وزقاق البلاط والخندق الغميق. أتوا للعمل.
نزوحهم في البداية كان منطقيّاً. التدفق الرهيب كان بعد الحرب الرهيبة. ومُذاك وجد حي النبعة كبديلٍ ديموغرافي وحيد للهاربين من الجهة الأخرى وخاصة من جهة نبعة برج حمود. الحضور الشيعي الكثيف اليوم لا يحتاج إلى سؤال. الصور المتوزعة للزعيمين الشيعيين، رئيس مجلس النواب والأمين العام لحزب الله، عندما كانا شابين توضح الأمر. لا يعني ذلك أن السكان كفوا عن لصق الصور، بل يعني أنهم يرون زعماءهم بصورة فتيّة دائماً. بعض الصور حديثة اللصق. شاب أصحابها وما زالوا في صورهم شباباً. الكميّة الهائلة من الشهداء في فسيفساء الحروب الداخليّة والخارجيّة لا تلغي تميّز المنطقة عن الضاحية. على الجدران صور لشباب غادروا ولم يغيّروا وجوههم. هؤلاء لم يشبّوا. لم يشبّوا لأنهم ماتوا.
شهداء السبعينيات تعرفهم من قصات الشعر والسوالف الطويلة حتى أسفل الأذنين. والجيران لهم دور في تمييز الموقع لا الأهل وحسب. شارع سوريا يصب في وسط المدينة، وجيران الخندق في شارع إبراهيم الأحدب غالبيتهم من السنة.
ورغم أن توافد الشيعة بدأ منذ أوائل القرن الفائت، فأن معظم المالكين من طوائف أخرى. ينتظر هؤلاء أصحاب رؤوس الأموال الضخمة ليجهزوا على ما تبقى من الأبنية التي تحتضر. أبنية عاشت ضجيجاً «أرستقراطيّاً» في منتصف الخمسينيات، قبل أن يجد فيها الفارون من النبعة وبرج حمود مكاناً طبيعياً للثأر من تشريدهم. شيء من شارع سوريا قضمته سوليدير وشيء يلامس شارع أحمد فارس الشدياق. يراقب أهله صعود مقبرة الباشورة. في وجه الأخيرة تماماً «مخمر الموز». المعلم الشهير. وقربه محل الحلاقة المفتوح منذ سبعين عاماً. محلان في الواقع. أولهما لأبو بشير. الحلاق السوري القديم الذي لا يعرف كثيرون جنسيته. وثانيهما، محل أبو علي. أبو علي الحلاق. وارث المهنة عن أبيه. حلاق الحربين العالميتين. ترك الأب لابنه محلاً بسقف مرتفع، كرسي واحد، ومقبرة تنمو أمام عينيه الزرقاوين. سألنا أبو علي عن اتساع الموت في الباشورة، فضحك. قال إن الموت يرتفع ولا يتسع. كان السور الذي يحرس نيامها لا يتعدى المتر. وهذا على ذمته. لطالما شاهد البلد يتلصص على المقبرة. لكن السور ارتفع. وازدادت الطوابق في مدافن الباشورة حتى أكلت المشهد. صار عبارة عن حجارة متراصة، لم تتوقف عن الصعود إلى الله، منذ مئة عام.

البدايات والانتداب

في الثلاثينيات كان الانتداب الفرنسي. وثمة تباين في هوية سكان الحي الأوائل. الإجماع الوحيد هو أن الانتداب مرّ من هنا. والحديث هنا ليس عن «تأريخ» علمي بل عن «ذاكرة» مرهقة بالأحداث. الشائع أن السكان الأصليّين كانوا من طوائف مختلفة. موارنة وأرمن وقليل من سنة وشيعة. تبادلوا العيش بلا صخب. كأنهم اشتروا بفقرهم السكوت عن طوائف بعضهم. فقد كانت البيوت من طين فقير. وكانوا مثلها، فألفوها. كانت منازل دافئة بسقوف مرتفعة. لا تخشى العواصف رغم صغرها. بيوت كهذه ما زالت حيّة في «حوش مطر». سكن الناس طين الخندق وألفوه. ضمت البيوت عائلاتٍ بأعداد كثيرة من الأبناء. الثراء كان في وادي أبو جميل، يُقال أيضاً. ولكن الحيّ الفقير كان جميلاً هو الآخر، كما وصفه الروائي سهيل إدريس في رواية «الخندق الغميق». هو الذي عاش هناك، حيث ماتت أشجار وذبحت بساتين.
الحديث عنها غير مجد. فار العمران أينما كان. ولكن حتى اليوم، تترنح بعض الأشجار بين المباني الصامدة في قلب المدينة. رمان في حديقة أبو قاسم قرب البركة في منتصف الدار. برتقال في شارع أحمد فارس الشدياق الخجول. أشجار بلا تسميات تسيّج زاروب الحراميّة ومثيلات لها نجت في شارع الزهراوي. ومثلما تحدّت البيوت العواصف، يقول أبو قاسم، المولود في الخندق، قبل سبعين عاماً، إن الناس تحدّت الانتداب. يحكي قصة المرأة التي قتلت الضابط الفرنسي: «المن... السكران». البطلة صبية حلوة. لا يعرف شكلها ولا أصلها وفصلها. طبعاً لا يعرف اسمها. يفخر برواية سمعها عنها بل يعتبر نفسه امتداداً لها. من هنا في الخندق «بدأت المقاومة». يشير بإصبعه إلى مرأب كان بستاناً... «هنا هنا تماماً». ولولا إصرار الرجل لن يصدق أحد أن هذا الباطون كان بستاناً عامراً. هناك أغوت الحلوة الضابط نهاراً واغتالته ليلاً. يضحك الراوي ببطء غير مبالٍ بقسوة القصة. الحلوة طعنت العسكري بسكين المطبخ... «هل تعرف كيف كان شكل السكين». كانت حادة لا ترحم. جار أبو قاسم أكثر فخراً. ينقل عن والده تاريخ الذين خرجوا من الخندق لمواجهة الفرنسيين. كانوا قلة، يعترف، ولكنهم كانوا صغاراً، تسلحوا برفض معنوي لوجود «الغريب». نصبوا الكمائن وقاتلوا ببنادق «الفتيلة»، التي كانت تطلق رصاصة واحدة، قبل أن يعاد «تشريجها» لتطلق أخرى. حاربوا الاستعمار بالفتيلة. بالنسبة لهؤلاء، تلخص الاستعمار بالكتيبة الفرنسيّة الموجودة قرب المستشفى الفرنسي. قوامها كانوا «السود»، يتذكر الرجل.
ليس بالضرورة أن يكون قصده عنصريّاً ولكنه أراد أن يكون دقيقاً: «الفرنسيون جبناء فقد احتموا بالأفارقة». لم ينس الفرنسيون الملعب ونزلوا فيه عندما عادت «القوات المتعددة الجنسيات» إلى لبنان في 1982. ولكن على الأرجح الجيل الأخير والذي قبله، ربما يكون طوى فعلاً صفحة القتال مع الفرنسيين، كما طوى الركام آثار الاطباء المشهورين. تحول المستشفى إلى ملعب شعبي لكرة القدم. فوق أنقاض المستشفى يركل الأولاد ذكريات أجدادهم.
يذكر أبو حسين حراجلي الذي سكن الخندق 66 عاماً تفاصيل تحتاج إلى معلقات لشرحها. في ما يخص الفرنسيين، تحديداً، سمع أبو حسين عن قبضايات بيروت وجايلهم.
المتمردون الأوائل بشواربهم المفتولة وعبوسهم الدائم. ينقل قصة هؤلاء الذين رفضوا التعامل مع الفرنسيين أثناء الانتداب. كانوا قبضايات. يقول الكلمة بقسوة. يقصدها. أبو حسين كريم في الوصف: «كانوا على صورة الناس آنذاك». يعني أنه كانت لهم تقاليد وطقوس. ومن تقاليدهم رفض الاحتلال. يتذكر قصة قتل «مدير الداخليّة» الذي تعامل مع الفرنسيين. يتضح بعد البحث أن المدير كان أسعد خورشيد. اسم غير مألوف اليوم. اغتيل على مدخل المستشفى الفرنسي بعدما أطلق «قبضايان» النار عليه.
والذاكرة ليست وقفاً على الشعب، فأول رئيس للجمهوريّة اللبنانيّة «مرّ» على الخندق. يروي بشارة الخوري في كتابه «حقائق لبنانيّة» تفاصيل اجتماعه مع الجنرال كاترو. المفوض السامي الشهير.
نقل «العسكر الفرنساوي» الشيخ بشارة من قلعة راشيا الى بيروت في ١٨ تشرين الثاني ١٩٤٣. آنذاك، أخبره الجنرال قرار اطلاق سراحه، شرط إقالة حكومة رياض الصلح. على ذمة الخوري، ديغول رأى في ذلك حفاظاً على «كرامة فرنسا الحرّة». رفض الخوري. وغادر الخندق الغميق، حيث عقد الاجتماع، إلى راشيا مجدداً.
برأي كثيرين، قد يفسر هذا الاجتماع تسمية التقاطع الحيوي في العاصمة: بشارة الخوري، الذي يُحكى أنه سكن هناك. ولكن مهلاً. على الأرجح التقاطع هو الآخر مقطوع من شجرة. شجرة الخندق.
وكما هي حال أهله، سيكون الخندق كريماً بالأحداث بعد الانتداب. يُجمع المسنون في المنطقة على أنه كان حيّاً نموذجيّاً حتى حقبة يخشون ذكرها. وإذا ما سئلوا أين السكان الأصليون بدا الأمر وكأن أحداً لقنهم الإجابة. إجابة تبدأ بمفردة واحدة: «كان». وغالباً ما يتابعون: «السكان من أحلى عالم، قضاة، وأرمن، وتجار».
مجدداً، أين السكان الأصليون. أبو حسين وأبو قاسم وأبو علي الحلاق والجميع لا يفهمون لماذا لا يعود هؤلاء إلى منازلهم المتروكة. ربما لأن منازلهم جادلت الأحداث أكثر منهم. شهدت أكثر من أهلها على التحولات اللاحقة منذ «ثورة 1958» وحتى اليوم. التحول الأبرز كان في الحرب. هل من يساجل في ذلك؟
إذا لفظ أحد سكان الخندق عبارة «الخمسة وسبعين» تضاءل صوته كأنه يستحي.

(غداً الحلقة الثانية: التحولات الديموغرافيّة الكبرى)


منزل جنبلاط

قلة تعرف أن للحزب التقدمي الاشتراكي مركزاً ــــ منزلاً في «الخندق الغميق». الشائع أن الوزير وليد جنبلاط سكن خلال الحرب بيت أبيه بمنطقة المصيطبة القديمة قرب «فرن الحطب». صار المنزل معلماً في المنطقة المذكورة أما في الخندق فلم يصبح المركز الاشتراكي شيئاً، رغم أن كمال جنبلاط سكنه لفترة.. المنزل مات في 1976 والزعيم مات في 1977. يذكر مهدي النعنوع، ساكن المنطقة، أن الاشتراكيين غادروا مركز زعيمهم قبل اغتياله بسنة تقريباً، ولم يعودوا إليه. سكنه مهجرون من الجنوب وغادروه في منتصف العقد الفائت إلى الضاحية. غير أن الوزير جنبلاط عاد قبل بضع سنوات. لا يذكر النعنوع ولا بائع السمانة القريب في أي سنة بالضبط عاد جنبلاط الابن، ولكنهما متأكدان أنهما رأياه. جاء كعادته بلا مرافقة ضخمة، ووقف يتأمل في المبنى، من دون أن يصعد. بعدها بعامين، جاء الوزير غازي العريضي، والاشتراكي الآخر القريب من جنبلاط، بهيج أبو حمزة، وجالا في الحيّ. يقول أهل الحيّ إنهما سألا «عن أوراق المنزل»، الذي هُجر الطابقان العلويان من ساكنيهما الجنوبيين. أول عائلة كانت «عائلة أم حيدر» التي غادرت منذ فترة، وثاني عائلة كانت لمهجر كان في «حركة أمل» .الصعود إلى المنزل مغامرة. يحتاج إلى تسلق السور والاستعانة بسلالم طويلة. في الداخل أصيبت الأدراج التي تفصل بين الطوابق باهتراء فظيع جراء «اختفاء» البلاط. في الطابق الثاني ذهب السقف أيضاً. أما في الطابق الأول، فلا تزال الثريا القديمة تتدلى من السقف البعيد غير مبالية بالأحداث. الشبابيك المطرزة لا تطل إلا على الخندق الغميق.


«قلب يسوع» كان في الخندق

ليس هناك بين أهل الخندق الغميق اليوم من يذكر تاريخ بناء «المستشفى الفرنسي». أكثر من ذلك، فإن الجيل الأخير من سكان المنطقة، يسمي «البورة» التي يلعب فيها شبان كرة القدم بباحة «المستشفى الفرنسي»، من دون أن يكون رأى في حياته أثراً لهذا المستشفى أو عاينه طبيب فيه. ولكن من أصحاب الذاكرة، من يسرد أسماء «كبار الأطباء في البلد» الذين تعاقبوا على «مستشقى قلب يسوع» في الخندق الغميق. إذاً، المستشفى الشهير في الحازميّة، والذي انتقل خلال الثمانينيات إلى هناك، كان في الأساس «المستشفى الفرنسي» في الخندق الغميق. مرّ عليه أطباء أسماؤهم طيبة الذكر في المنطقة، كإلياس الخوري، وإلياس بعقليني، والدكتور غريغوريان، الأرمني الذي ما زال مقيماً في زقاق البلاط. في هذا المستشفى «الراقي» خضعت للعلاج شخصيات ذات ثقل كرشيد كرامي وعبد الله اليافي. وقربه أيضاً، على ذمة أحد المسؤولين الحزبيين في المنطقة، التقى «الرئيسان أمين الجميّل ونبيه بري» ذات مرة.
وفي سجلات مختار الباشورة، يتضح أن مستشفى قلب يسوع شيّد في 1862، وعرفه الناس مُذاك باسم «المستشفى الفرنسي».
يعتقد الرجل أن اضافة بعض الأبنية إليه أدت إلى نشوء البسطة. البسطة الحافلة بالأحداث خرجت هي الأخرى من أرحام الخندق المتفرعة. أما منطقة الباشورة، فيجزم الجميع أنها الأقدم لناحية الوجود السكاني فيها، مرجحين أن يعود ذلك إلى العهد العباسي. اشتهرت بوجود المقبرة الإسلامية منذ نشأتها وحتى اليوم. تاريخيّاً، شيّد ضريح قبر الوالي وحوض ماء فيها، ومن هنا جاءت تسمية المنطقة المجاورة: «حوض الولاية».

المصدر: صحيفة الاخبار اللبنانية

إشترك في خلاصة التعليقات عدد التعليقات: (0 منشور)

المجموع: | عرض:

إكتب تعليق

البريد الالكتروني يبقى سرّي و لا ينشر
  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

- التعليقات الواردة من القراء هي مسؤولية أصحابها ولا تعبر عن رأي إدارة الموقع بالضرورة
- تتم مراجعة تعليقاتكم قبل نشرها عن طريق إدارة الموقع

- (سياسة نشر التعليقات)

تابعونا

أحدث الأخبار - لبنان

  1. دول خليجية تحذر رعاياها من السفر إلى لبنان (5.00)

  2. وفاة "ملكة الديسكو" دونا سمر عن 63 عاماً (5.00)

  3. معارض صيني ضرير بمطار بكين متوجهاً لنيويورك (5.00)

  4. الاكتئاب لدي المراهقين .. له إشارات يجب الانتباه لها (5.00)

  5. صحف العالم: أمريكا "تعاقب" باكستان بعدد سنوات سجن أفريدي (5.00)

  6. فيلم منتظر يكشف تفاصيل اغتيال بن لادن (5.00)

  7. أستراليا: التيار الوطني الحر في سيدني ينعي فقيده المفكر و المناضل والاعلامي المخضرم الأستاذ بطرس عنداري (5.00)

  8. الرحيل المفاجئ (5.00)