إعلانات Zone 4B

[CLOSE]

إعلانات Zone 3B

[CLOSE]
أحدث الأخبار:

إعلانات Zone 2B

[CLOSE]
الرئيسية | لبنان | محطة من محطات حياة المحامي حسين ضناوي
المصنفة ايضاً في: لبنان, صدام حسين

محطة من محطات حياة المحامي حسين ضناوي

آخر تحديث:
المصدر: التمدن - بقلم المحامي حسين ضناوي
image
الكاتب:
عدد المشاهدات: 6338
قيّم هذا المقال/الخبر:
0
حجم الخط: A+ A-
نسخة صالحة للطباعة   نسخة نصية   أرسل إلى صديق

ترددت طويلاً قبل أن أخوض في هذا الحديث.. فالفارق الزمني المديد الذي يفصل بين وقائع الماضي وما تحمله من أحداث ومعاني، وهي مشحونة بطاقة عالية من العواطف والانفعالات، التي جعلت من هذه الوقائع حية في وجداني قوية في ذاكرتي وإن كنت سعيت طويلاً لكي يلفها الصمت والغموض ومحاولة التجاهل والنسيان. بين هذه الوقائع المقرفة في الماضي وبين الحاضر الذي أخط فيه هذه الأسطر، مسافة زمنية طويلة تصل إلى حوالي الخمس وخمسين سنة.

واقع اليوم أرغمني على التكلّم

إلاّ أن الدافع القائم اليوم والذي يلف عالمنا العربي، ويكبل مسيرته، بل يهدد وجوده بالتمزيق والتفتيت والهزيمة الإنسانية العميقة، هذا الواقع أرغمني على أن أتكلم وإن كنت أقر سلفاً، بأني لم أستطع أن أحدد جيداً مقدار أهمية ما سأرويه ومدى ضرورة إعلانه.. رغم أن عدداً كبيراً من الأصدقاء الذين يعرفون أجزاء من هذه الوقائع، كانوا يلحون علي بأن أكتب.. فلعل في ما أكتب فائدة أو معلومة توسع آفاق الرؤية لواقعنا العربي.

رجل لعب دوراً بالغ الخطورة

محور ما سأذكره وأرويه كان الطرف فيه رجل لعب دوراً بالغ الخطورة والأهمية التاريخية في نصف القرن الماضي.. إنه صدام حسين التكريتي.. هكذا كان اسمه، حين جرت الوقائع والأحداث التي تشكل موضوعنا.. ولن أتجاوز الحديث عن صدام حسين فقط الذي اتخذه لنفسه بعد أن أصبح حاكم العراق الأوحد.

ولا بد، لمعرفة الوقائع وفهمها، من مقدمة تمهد تمهيداً صحيحاً وموضوعياً لما سأرويه.

سنة 1959

خلال العام 1959، وكنت في ذلك الزمن البعيد، عضواً في «حزب البعث العربي الاشتراكي» في مدينة طرابلس.. وكنت في ذلك الوقت طالباً في الثانوي.. كالعديد من شباب المدينة الذين انجذبوا إلى هذا التنظيم باعتباره قائد مسيرة الأمة للحرية والتحرر والعدالة والوحدة العربية.. خاصة وأن الوحدة قد بدأت ترى مجراها الحالم والواعد، بقيام الوحدة بين مصر وسوريا وإعلان ولادة الجمهورية العربية المتحدة.

إنتفاضة 1958

كنا كحزبيين، انخرطوا في الصراع السياسي والعسكري ضد حكم الرئيس شمعون في انتفاضة 1958، ضد محاولته تجديد انتخابه وضد خياراته السياسية التي كانت تعادي المسيرة العربية القومية.

بعضنا حمل السلاح ومنهم من استشهد. وبعضنا كانت مساهمته في الشؤون الاجتماعية والسياسية والإعلامية. وأنا كنت من البعض الثاني لأنه يتناسب مع طبيعتي أولاً ولأنني أصبت برصاصتين من قناص في الجيش اللبناني.. قنصني عن بعد مئات الأمتار.. وكنت أنتقل وفي حالة الهدنة.. وبالطبع بدون سلاح لأني أصلاً لم أحمل السلاح مطلقاً..

مساهمتي في المعركة

كانت مساهمتي في المعركة، من خلال عمل الإذاعة التي أنشأها الحزب باسم صوت الشعب.. كنت أكتب تعليقات سياسية، ومسلسل إذاعي باسم «مَن الطارق؟».. عن الثورات العربية في ذلك الزمان..

إنتخابات حزبية داخلية

في نهاية الانتفاضة.. وبعد انتخاب الرئيس شهاب رئيساً للجمهورية وعودة الحياة السياسية والاجتماعية والأمنية إلى حالة الاستقرار والأمن، جرت انتخابات حزبية في تنظيم الحزب وكان النظام الداخلي للحزب في تلك المرحلة، أن ينتخب كل قطاع مَن يمثله في القيادة، الطلاب طالباً والعمال عاملاً، والمهني مهنياً... الخ. ورغم أن العمل عاد إلى السرية.. فقد انتخبت عن قطاع الطلاب.

قيادة الشمال

ووجدت نفسي عضواً في قيادة الحزب في الشمال.. كانت قد تألفت من د.عبدالمجيد الطيب الرافعي والمحامي المرحوم خالد العلي، وعبدالله بديع الشهال وعبدالحميد صباغ وحسين ضناوي.

مؤتمر قومي لإعادة تأسيس الحزب

في تلك السنة، تقرر عقد مؤتمر قومي ليعالج موضوع حل الحزب بعد الوحدة بين سوريا ومصر، وإعادة تأسيس الحزب وتنظيمه وقد عُقد في بيروت، في قصر د. بشير الداعوق. تقرر أن يمثل تنظيم الشمال عضوان د.عبدالمجيد الطيّب الرافعي وأنا. وهكذا وجدت نفسي عضواً في مؤتمر قومي يضم قيادات الحزب من كافة الأقطار العربية التي يوجد فيها تنظيم سياسي للحزب.

إنقسام كبير

وكان للمؤتمر أهمية بالغة الخطورة في تاريخ الحزب، إذ شهد انقساماً كبيراً بين مَن يريدون إعادة تنظيم الحزب، بعد حلّه في سوريا، وبين مَن يُصر أن يكون الحزبيون، جزءاً من المسيرة الناصرية وكان يقود هذا الاتجاه عبدالله الريماوي أحد أبرز قيادات الحزب في الأردن. ومن الطبيعي أن يكون تنظيم لبنان، مع عودة الحزب ورعايته لِما كان يتمتع به لبنان من مساحة من الحرية الواسعة نسبياً في العمل السياسي والحزبي.

وسافرت إلى القاهرة للدراسة

بعد المؤتمر بأشهر سافرت إلى القاهرة، للدراسة في «جامعة القاهرة». ومنذ وصولي إلى هناك، وجدت نفسي في خضم المعركة السياسية بين أطراف الصراع الحزبي، وكانت تُعقد مؤتمرات لشرح وقائع المؤتمر ومواقف الأطراف فيه. ولما كنت عضواً في المؤتمر، كان يطلب مني حضور المؤتمرات وشرح ما أعلمه من وقائع، والمساهمة في الدفاع عن خيار التنظيم وعودته واستقلال الحزب عن حكم الجمهورية العربية المتحدة.

مؤتمرات عاصفة

كانت المؤتمرات عاصفة وكانت تضم الحزبيين من أقصى المغرب إلى أقصى الخليج.. وكنت مشاركاً في هذه المؤتمرات مما أتاح لي، معرفة بالحزب واسعة.. وتعرفت على عدد كبير من الحزبيين.

1961 مسؤولاً عن تنظيم العراق

خلال نهاية عام 1961، كُلفت من قيادة التنظيم أن أكون مسؤولاً عن تنظيم العراق، نتيجة صراع بين الحزبيين وكانت القيادة مؤلفة من صدام التكريتي وعبدالكريم الشيخلي (الذي أصبح وزيراً لخارجية العراق ومن ثم ممثل العراق في الأمم المتحدة، وبعد ذلك وُجد مقتولاً في شقته في بغداد)، وفاتك الصافي وطه ياسين (غير طه ياسين رمضان الذي أصبح وزيراً).

وكانوا جميعاً محكومين بالإعدام لاشتراكهم في محاولة اغتيال عبدالكريم قاسم، دكتاتور العراق.

ومسؤول عن تنظيم الخليج العربي

وكذلك، وفي ذات الوقت، أُبلغت من القيادة، بقرار أن أكون مسؤولاً عن تنظيم الخليج العربي، لذات الأسباب.

وتعرفت على علي غانم

وهناك تعرفت على شخص ونشأت صداقة بيننا استمرت حتى عام 2003 كحزبي سبق أن درس في طرابلس في «كلية التربية والتعليم» إنه علي غنام. السعودي الجنسية وأصبح فيما بعد عضواً في القيادة القومية من تاريخ الثورة في العراق حتى عام 2001 حين طلب إعفاءه من المسؤولية، كان رائعاً بأخلاقه وصدقه وثقافته..

وعلى محسن العيني

وفي القاهرة، كان مركز «اتحاد العمال العرب» الذي لعب دوراً سياسياً عظيم الشأن في الصراع السياسي المتفجر في المنطقة وكانت لجنة حزبية تعمل داخل قيادة الاتحاد، وكُلفت أن أمثل الحزب في هذه اللجنة، وهناك تعرفت على عضو اللجنة محسن العيني اليمني والذي أصبح رئيس وزراء اليمن وربطتني به صداقة وود.

أمين سر لتنظيم الحزب

هذه الظروف مجتمعة، سهلت لي، حين جرت انتخابات حزبية في تنظيم الطلاب العرب في الجامعات المصرية، أن أمثل تنظيم لبنان أولاً وكذلك الأخ هشام أزمرلي.. وحين عُقد مؤتمر للتنظيم وانتخبت قيادة.. تألفت من صدام التكريتي وعبدالكريم الشيخلي وعبدالقادر النيال (سوري -عاد إلى التنظيم بعد الانفصال وأصبح عضواً في المجلس الرئاسي في سوريا بعد الحركة التصحيحية التي قادها الرئيس حافظ الأسد.. وهذا المجلس، مهد للأسد أن يصبح رئيساً)، وهشام ازمرلي وأنا.. وفي اجتماع القيادة تم انتخابي أمين سر لتنظيم الحزب وبأغلبية أربعة أصوات من خمسة.

1962 إستقالة من القيادة ومن الحزب

بعد خمسة أشهر من ذلك التاريخ، أعلنت استقالتي ليس من القيادة فقط، بل ومن التنظيم الحزبي نهائياً.. ومنذ عام 1962 لم تعد لي أي علاقة أو دور تنظيمي بالحزب. لن أتكلم عن الأسباب والمبررات.. فليس هنا محل الحديث عن ذلك.

وقد تأكد موقفي من مسألة العمل الحزبي والعودة إلى التنظيم، رغم الضغوطات الضخمة التي تعرضت لها من أصدقائي، وفيهم مَن أحب وأحترم وقد صمدت هذه الصداقة رغم إصراري على رفض العودة.. كان ذلك بعد قيام الانقلاب العسكري في العراق ومن ثم في سوريا، وإعلان استلام الحزب للحكم في البلدين.

إستلام العسكر للحكم ضد مبادئي

استلام الحكم في العراق وسوريا أقنعني نهائياً بالابتعاد عن التنظيم. فقد كنت مقتنعاً بأن لا يجب مطلقاً للعسكر أن يحكموا فذلك ضد مبادئ الثورة الحقيقية وضد التعبير العميق للمجتمع العربي من أجل الحرية والعدالة الاجتماعية، ولأن العسكر قد حكموا سوريا والعراق كنت أرى أن الحزب قد انتهى وأن ثمة عسكر يحكمون والحزب تابعاً لهم.. وبالتالي فإن المبادئ قد اغتصبت وضاعت.. ولن يكون للحزب القدرة على صناعة مستقبل العرب الحقيقي.. ولا أرى نفسي في هذه الطريق.. بل أنا عاجز بعقليتي وطبيعتي أن أكون جزءاً من هذه المسيرة.

لماذا أروي هذه التجربة اليوم

لم أروِ الوقائع السابقة، لذاتها، كحقائق تاريخية، تعنيني خاصة، فهي بعض ذاتي، وجزء من تجربتي الشخصية.. قد لا يعني أحداً أو يهتم له أحد. ولهذا لم أسع يوماً مع تقلب الأحداث وتعدد الصور العامة التي قد يفكر المرء بأن يجد نفسه في إطارها.. بل في الماضي، كنت مقتنعاً بأن الصمت، هو الواجب والضامن، بأن أتجنب أي تصور أو اتهام أو تلميح، بأن ما أرويه، هو نوع من التذكير والتقرب من أهل السلطة والقوة، أملاً في منفعة أو مصلحة.. أما الآن فلا يمكن لهذه الصورة أن ترد وتتخايل في الأذهان، فمَن له أهمية، كمحور لهذه الأحداث، صار في ذمة التاريخ، وبنهاية قاسية بشعة مؤلمة.إنما رويت وقائع جرت في الماضي، التي هيأت للظروف الموضوعية لما جرى من أحداث بعد ذلك وهي الموضوع الرئيسي لحديثي.

حوار رحلة الأقصر وأسوان والسدّ العالي

كان ذلك في شباط عام 1963، كنا في رحلة نظمتها «كلية الحقوق» في «جامعة القاهرة» لطلابها، إلى الأقصر وأسوان ومشروع السد العالي، كجزء من نشاطها التقليدي في ذلك الزمان وكتعريف الطلاب بالدرجة الأولى بمشروع السد العالي العظيم.

اشتركت أنا وزميلي وصديق العمر الأستاذ محمد حسين ديب، وكنا معاً في السنة الرابعة في «كلية الحقوق»، ننتظر التخرج بعد عدة أشهر.

ودخل صدام التكريتي إلى القطار

في القطار السريع، في محطة القاهرة، وقبل أن ينطلق القطار دخل إلى المقطورة صدام التكريتي، ومعه زميل عراقي.. وهما أيضاً طالبان في الكلية.

رحلة في الفكر والأحلام

وبسبب الصداقة التي تربطنا سوية، انضم إلينا على المقاعد المجاورة.. وهكذا بدأت رحلة أخرى، في أحشاء الرحلة الرسمية المرسومة، رحلة في الفكر والأحلام، وتفسير معاني الأحداث، وكل ذلك كان مهماً، وازدادت أهمية، ما جرى من أحداث في اللاحق، كانت الرحلة مناسبة لتعميق العلاقة بيننا فهي لا تحسب بالأيام بل بالساعات. فقد استمرت مع الساعات ليلاً ونهاراً ولمدة أسبوعين كاملين، كانت الحوارات والمناقشات طبيعية، محكومة بجوهر الصلة بيننا.. فهو كان مسؤولاً بارزاً في تنظيم الحزب في نشاطه بين الطلاب العرب. ولأني كنت ما كنت، فقد حكم الماضي القريب ساعات الرحلة الطويلة والمهمة بالنسبة لي.. وهنا لا بد أن أذكر حقيقة بالغة الأهمية.. عن طبيعة العلاقات الحزبية.

في تلك المرحلة كانت التنظيمات الحزبية لدى كافة الأحزاب في تلك الحقبة التاريخية، كانت تعاقب أي عضو يتخلى عن التنظيم بالعداء والعزل، وتشويه السمعة.. وكان هذا الأسلوب يتبع للحد من تأثير العضو التارك لالتزامه خشية أن يؤثر على الآخرين.. وغالباً ما يُعلن أنه قد طُرد وليس مستقيلاً. وللحقيقة التي أثرت علي كثيراً وحكمت تصرفاتي اللاحقة، إن قيادة الحزب في القاهرة وفي لبنان، لم يتعاملا معي بالمنطق المذكور. بل جرى التعامل معي بالاحترام والحرص على الصداقة والود. وعلى هذه الأرضية، لم يكن موقف صدام التكريتي مني سلبياً وأنا بالطبع لم يكن لدي أي مبرر لأي قطيعة، خاصة وأن صداقة عميقة استمرت لسنين بيننا.

في القطار وقبل أن ينطلق انتبهت أن صداماً قد اشترى عدة صحف، «الأهرام» و«الأخبار» و«الجمهورية» الصادرة في ذلك اليوم. فقلت ضاحكاً، لماذا الجرائد الثلاثة، تكفي واحدة.. فلا فرق بينها، أذكر أنه أجابني: أريد أن أطلع عليها جميعاً لعل ثمة خبر تحمله يفيدني. وتابع يقول: إن المظاهرات الشعبية التي سيقودها الحزب في بغداد ستنطلق. وإذا استمرت قوية ثلاثة أيام ستبدأ الحركة الانقلابية العسكرية ضد الديكتاتور عبدالكريم قاسم. وأن الحزب سيكون وراء الحركة الانقلابية.

وكان مفهوماً علة انشغاله بأمر الأحداث في بغداد. فهو محكوم بالإعدام من نظام قاسم بعد محاولة اغتياله التي اشترك فيها صدام وأصيب أثناءها برصاصة.

وقلت له أنا لا أؤمن بالإنقلاب العسكري

خلال الحوار والدردشة التي استمرت، مع انطلاقة القطار السريع في ريف مصر نحو الأقصر وأسوان.. أذكر أنني قلت: أنا لا أؤمن بالانقلاب العسكري، ولا أرى منه نتيجة، وسألته: العراق يعتمد اقتصادياً على النفط إلى حد كبير والنفط العراقي محكوم من «شركة نفط العراق» (أي بي سي) الإنجليزية، وبالتالي فهذه الشركة تحكم موازنة العراق.. فأي انقلاب هذا يمكن أن يقوم «في ظل شركة الآي بي سي» وأن يكون انقلاباً وطنياً وثورياً ولديه القدرة والقوة على التغيير وصنع المستقبل الحر الذي نتصوره كمستقبل منشود للأمة؟.

أكد صدام ما قلت ولكن...

أكّد صدام صدق معلوماتي عن الواقع الاقتصادي في العراق وعن حقيقة دور شركة النفط وتأثيرها المسيطر، ولكنه استطرد بأن الحراك الشعبي والعسكري قادر في العراق على تعطيل تأثير «شركة الآي بي سي». ويمكن بالتالي أن يؤسس لنظام وطني قادر على العمل الوطني. وأسهب في الحديث عن التنظيم الحزبي في العراق وعن صلابة أعضائه ومناضليه وعن صرامة آليات العمل فيه وعلى وطنية أعضائه واندفاعهم في المعركة ضد الدكتاتور قاسم. وأيضاً ضد أي تأثير استعماري قد يحول دون انطلاقة المسيرة الوطنية الكبرى التي لا تُحرر العراق فقط بل ستعمل على النظام الثوري التحرري العربي..

هذا جوهر الحوار الذي جرى في ذلك اليوم. ولم يتوقف الحديث، فهو مأخوذ بما سيحدث في العراق.. أن إنطلاقة المظاهرات هي المؤشر على اندلاع الحركة الانقلابية وعلى الغد العظيم للعراق والوطن العربي.

كان حينه طالباً في «الحقوق»

كان صدام التكريتي في تلك السنة، طالباً في السنة الثانية في «كلية الحقوق» في «جامعة القاهرة»، فهو بعد محاولة اغتيال قاسم وإصابته ومن ثم هربه خارج العراق إلى سوريا أولاً ثم إلى القاهرة.. اضطر أن يدرس التوجيهية (الشهادة الثانوية المصرية) ومن ثم الانتساب إلى كلية الحقوق.

طباعه

كان هادئ الطباع، جاداً، لا تظهر الانفعالات على وجهه، لطيف جداً ومهذباً، يحترم الآخرين ويحرص جداً في تعامله معهم، يميل إلى الصمت وقلة الكلام، ولا يهوى الدردشة والمزاح، كان يميل إلى التغني بصوت خافت بأغاني عراقية بدوية، وكان يدندن لنفسه، كانت لديه قناعة راسخة، أن ثمة دوراً مرسوماً له وعليه أن يلعبه إنه قدره، كان يحس أنه قائد ومسؤول، وكان مشغولاً بهذا القدر وراغباً به. وكانت هذه القناعة مبررة، فهو كان طالباً في الثانوي حين أقدم مع رفاق له على محاولة اغتيال عبدالكريم قاسم. والطاقة المعنوية التي تتوقد في داخله، فتجد أن من حقه ومن واجبه أن يقدم على عمل كبير ولو كان في إقدامه خطر، أن يفقد حياته ثمناً لقناعته وإيمانه.

أتعرف يا حسين بماذا أفكر؟

في يوم آخر، وكان القطار السريع، يخترق أرض مصر على ضفاف النيل، كان صدام ينظر إلى الخضار الذي يلبس الأرض بهاء وجمالاً، يريح الناظر إليه ويملأه بسكون لذيذ.. قال: أتعرف يا حسين بماذا أفكر الآن؟ ودون أن ينتظر جوابي، وأحسب أنه لم يكن يحتاج إلى الجواب.. تابع حديثه، أترى جمال الزرع الأخضر الرائع، نحن محرومون في العراق من هذا المنظر ومن الثروة الزراعية، إن ضفاف دجلة والفرات، في أغلبها لا تعرف الزرع والخضار إن أرض العراق مالحة، لأنها مهملة، نحن العراقيين قبائل، حتى الآن ما زال النظام القبلي يتحكم بنا والقبلي لا يمارس الزراعة، بل يحتقرها ويحتقر مَن يمارسها يحس أنه من العار أن يكون المرء مزارعاً ولهذا يفتقر العراق بالإجمال إلى الزراعة، بكافة أنواعها.

لو نقلنا مليوني فلاح مصري إلى العراق

ما أفكر فيه الآن، لو نقلنا مليونين أو أكثر من الفلاحين المصريين إلى العراق فالفلاح المصري يعمل بصبر وجلد وهو مزارع بتاريخه الطويل.. وعلى أن يكون مهمة هؤلاء في العراق، إصلاح أرض العراق وإعدادها للزراعة ونشر الحقول الخضراء في العراق.. إن الفلاح المصري بعمله في العراق يمكن أن يجذب بعض العراقيين إلى الزراعة، فتتغير البيئة الاجتماعية في العراق.. يبذر الفلاح المصري، مع زرعه، بذور تحول اجتماعي كبير في العراق.

مليونا مصري بحاجة لهم العراق، إنها ضرورة اجتماعية واقتصادية لمصلحة العراق، ولمصلحة المصريين أيضاً، فإننا نسهم في حلّ مشكلة البطالة في مصر ونسهم في معالجة الفقر فيها وما الفرق بين العراق ومصر، جميعنا عرب، ويجب أن نفكر بأفق قومي لا إقليمي. وأذكر أنه أسهب طويلاً في الحديث حول هذه الفكرة وكأنه يحاول بلورتها في ذهنه، فهي تكتسب أبعاداً جديدة خلال الحديث.. أكثر.. كان يتكلم وكأنه في حوار مع نفسه، فأنا لم أشارك كثيراً في المناقشة، كان يطرح الفكرة ويناقشها، يرفض بعضها ويردد البعض الآخر.. كانت الطريق طويلة، وإلحاح الفكرة عليه، ملأت زمن الطريق، فلم يعد يُحَسّ به.

ونفذ حلمه هذا عندما أصبح حاكماً

وبالفعل.. حين أصبح حاكماً في العراق، قام بتنفيذ هذا الحلم وشجع المصريين على الانتقال إلى العراق لإصلاح الأراضي والمجتمع، وانتقل أكثر من مليوني فلاح مصري إلى العراق.. وكانت تجربة ضخمة وخطيرة ومؤلمة في النتيجة. ولا محل هنا لمناقشتها.

تستحق الدرس وإن كانت تستحق لأسباب عديدة دراستها ومعرفة آلياتها وأعماقها.. لأهمية ذلك في الرؤية القومية للعلاقات بين الأقطار والشعوب.

كنا نتمشى عند النيل وعلّق صدام وأجبت

أذكر، في أحد الأيام.. وعند الغروب.. وكنا في أسوان، وأمام «فندق سافوي».. خرجنا معاً لنمشي عند نهر النيل المقابل للفندق.. وقفنا نتأمل الصورة.. النهر الهادئ وكانت المياه وكأنها لا تتحرك، وكانت الشمس تشحب محمرة.. على صفحة المياه وتضمحل تمهيداً للغياب.

علّق صدام.. إنه منظر رائع. صمت.. وأجبت بعد قليل.. تصدق.. أنني لا أميل إلى هذا المنظر.. إنه هادئ وجامد أكثر مما ينبغي. أحب المنظر المتحرك. أتعرف ما الفرق بيننا؟ أنا ابن البحر تعودت أن أراه متحركاً دائماً أحياناً غاضباً هذا المنظر يأسرني.. وأميل له.. أما أنت ، ابن النهر.. الثقافة النهرية.. تميل إلى الهدوء.. إن المنظر المتجمد تقريباً.. لا تحب الحركة.. ثقافة الشعوب النهرية هكذا. وانطلقنا للحديث عن الثقافات والتعددية والقومية ووحدة الأمة..

بين آثار الأقصر وأسوان

في الأقصر وأسوان، تجولنا بين الآثار الفرعونية الضخمة والعريقة والتي كانت تنطق بما كان للشعب المصري من حضارة وتقدم وصبر وجلد في بناء هذه الآثار.. وإن كنا في ذلك الوقت، وخاصة بالنسبة لي، كنت أرى في الآثار إرادة الحاكم وطغيان السلطة وجبروتها، أكثر من إدراكي وانشغالي بما تحمله من معالم التقدم والعمران.. وأذكر، ونحن ننتقل من موقع إلى آخر، ومن معلم حضاري إلى آخر، لا نعلق على هذه الآثار بشيء.. وأظن أن صدام مثلي لم يكن مشغولاً بالآثار العمرانية، كالهياكل والقصور والقبور بالدرجة الأولى التي كانت الشغل الشاغل للمصري القديم..

كانت الآثار خارج إهتمامه

كان ينظر إلى الآثار، وكأنها خارج اهتمامه وشغله.. وأظن ولا أدري إذا كانت معلوماتي صحيحة لم تشغل صدام حين وصل إلى السلطة والحكم، بالبناء والتشييد، بقدر ما انشغل بأمور أخرى. تتعلق بالمجتمع والعلاقات بين الحاكم والمحكومين وبالقضايا السياسية والنهضة العلمية.

أول زيارة إلى بغداد 1973

أذكر جيداً عام 1973 حين قمت للمرة الأولى بالزيارة إلى بغداد.. التقينا في «فندق بغداد» الكاتب المصري اليساري المشهور ورئيس تحرير «مجلة الطليعة» المهمة جداً، لطفي الخولي وكنت برفقة الأستاذ المرحوم نخلة مطران الذي كان عضواً في قيادة «الحزب الشيوعي اللبناني» ثم ترك الحزب وأنشأ مع قيادات أخرى «تنظيم الشيوعيين اللبنانيين». وكانت تربط لطفي الخولي بنخلة مطران صداقة عميقة ورفقة متداخلة الأبعاد..

لطفي الخولي: هل سيُترَك يعمل؟

أخبرنا لطفي الخولي في تلك الجلسة، أنه عائد من اجتماع مع نائب الرئيس (صدام) دام خمس ساعات - وأن الحديث قد تشعب.. وأن أحلام صدام كبيرة ومشاريعه ضخمة. إذا تُرك يعمل خلال خمس سنوات سيتغير العراق ليصبح القاعدة الأولى للثورة العربية، وقال.. هل سَيُتْرَكْ؟!!

هدف الكلية إطلاعنا على السد العالي

كان من أهداف إدارة «كلية الحقوق» في «جامعة القاهرة» حين نظمت الرحلة إلى الأقصر وأسوان أن يشاهد طلاب الجامعة مشروع السد العالي. كان المشروع في بداياته في تلك المرحلة.. وفي زيارتنا للمشروع، دخلنا في الأنفاق التي تُحفر.. كان عرض النفق لا يقل عن مئة متر.. وهو شبيه بالنفق الذي حُفر في الجبل تحت «دير النورية» في الطريق القديمة وكذلك في الأوتستراد بين بيروت وطرابلس ... ولكن النفق كان صغيراً وبسيطاً بجانب النفق الهائل الذي كان يُحفر في الجبل حيث ستمر مياه النيل في داخله.

كان النفق الضخم، هو أحد عيون الممرات المائية للسد. والذي أخبرنا د.فتحي والي، وكان أستاذنا في كلية الحقوق في السنة الرابعة.. قال إن هذا النفق هو واحد من ستة وستشق وصلات بين هذه الأنفاق بحيث تؤمن اندفاعه مياه النيل الهائلة وهي تخرج من بحيرة السد إلى المجرى القديم للنهر العظيم..

أذكر أنني كنت منفعلاً جداً ومأخوذاً بهذا العمل الجبار وصرَّحت بذلك، قلت كم كنت أتمنى أن أكون مهندساً وأعمل في هذا المشروع الهائل.. نحن نتكلم الكلمات والحقوق أما هنا فيصنعون المجد والتاريخ..

علق الأستاذ د. فتحي والي معقباً على كلماتي: يمكن للإنسان في أي مكان أن يصنع عملاً كبيراً يحتدم التقدم.. لا تنسى أن الحقوق هي ضمانات.. مع ما تراه أمامك لا تستهين بعلم القانون، هو الركيزة والضمانة لحياة الشعوب. مضمون هذا القول لم يفارقني في حياتي.. أذكر أن صدام كان واقفاً معي حين جرى الحديث.. كان يهز رأسه مؤيداً قول د. والي ولم يعلق ولكن صورته ما زالت في ذاكرتي حتى الآن..

عدنا إلى القاهرة وشاع خبر الإنقلاب في العراق والتقينا بعد عشر سنوات

يوم عدنا إلى القاهرة، بعد انتهاء الرحلة الجامعية، وبعد وصولنا بساعات، شاعت أخبار الانقلاب في العراق ضد حكم عبدالكريم قاسم.. لم ألتقِ صدام في القاهرة بعد هذا اليوم. ولكنه في اليوم الثاني أرسل لي علبتين من تمر العراق من السفارة العراقية في القاهرة.. ولم ألتقِ به إلاّ بعد عشر سنوات وكنت مع وفد لبناني لزيارة بغداد. كان يرسل لي دائماً سلامات مع الصديق الدائم والعزيز جداً علي د.عبدالمجيد الرافعي عضو القيادة القومية في بغداد.. ومع ذلك لم أذهب إلى بغداد إلا بعد عشر سنوات وهناك، عقد نائب الرئيس آنذاك صدام لقاء مع الوفد اللبناني وطلب الوفد مني أن أتكلم باسمه في مجلس الشعب، وعندما اقتربت من المنبر، قال «إسمحوا لي أن أضم حسين فمنذ عشر سنوات لم نلتقِ».

بعد هذا اللقاء لم نلتقِ مجدداً، فأنا في تكويني وعقلي أدرك أني لا أستطيع أن أكون جزءاً من تلك المسيرة.. ولهذا كنت مقتنعاً بالابتعاد.

لماذا أكتب الآن؟

لماذا أكتب الآن ما أكتب؟! كثير من الأصدقاء ألحّوا علي بالكتابة.. وكنت أتردد. هل أكتب لأقول أنني كنت على صداقة مع صدام حسين.. يقيناً لم يكن يوماً هذا أحد همومي، ولم أرضَ يوماً أن أستفيد من هذه العلاقة. رضيت أن أكتب.. لأقول بعض الكلمات.. أن في أمتنا رجالاً وقادة ومفكرين، الظروف قد قهرتهم.. أقول.. صدام التكريتي.. الصديق.. كان ضحية وكان في ذات الوقت مستبداً. ان البنية الاجتماعية والثقافية والسياسية كانت أقوى من الإرادات الطيبة الحالمة.. ليس هناك أبيض ناصعاً ولا أسود مطلقاً.. الإنسان يعيش وهو ابن ظروفه.. كان صدام صادقاً في حلمه. كان ودوداً وخلوقاً.. فكيف استطاع أن يصبح مستبداً؟!

القيادة والمسؤولية والواجب

لا أستطيع أن أقول بطلاً، لديَّ يقين أن مَن يتصدى للقيادة والسلطة وحكم الشعوب.. لا يطلب منه أن يكون مسؤوليته مسؤولية عناية.. بل مسؤوليته مسؤولية نتيجة.. الطبيب والمحامي مثلاً مسؤوليتهما مسؤولية عناية، واجبه أن يؤدي أقصى ما لديه من عناية وليس مسؤولاً عن النتيجة.. أما الحاكم، فمسؤوليته مسؤولية نتيجة، أي عليه أن يعمل ويضمن نهضة بلده وقوته وعدالته وصحته وتطوّره.. ولا يقبل مطلقاً القول أن الآخرين منعوه من ذلك.. عليه أن يحقق مصلحة الشعب أو يترك.. فالحكم في العراق العظيم انتهى بعراق ممزق مشتت محتل ومقهور. نعم نحن ضد القوى العالمية المتآمرة المدمرة.. والمعادية للشعوب. ولكن الحاكم مسؤول لأنه خلق الظروف الموضوعية لنجاح المؤامرة، فكل ما بُني تهدم. لأن الحقوق قد ضاعت وبضياعها ضاع المجتمع والتاريخ والوطن.

علينا خلق بنية إجتماعية وطنية

أرى أن ما يجب أن يشغلنا ليس ما فعل القائد والزعيم للأعداء، بل أن نعمل بصدق لخلق بنية اجتماعية وطنية، هي الضمانة لبناء وتقدم الشعوب.

علينا أن نبني المجتمع بعلاقات موضوعية صحية عادلة.. وبذلك تثمر أعمال القادة الكبار وتبقى. علينا أن نقلب الفكر النقدي العلمي الذي يدرك قوانين الاجتماعي وأسس بناء الحضارات والشعوب وضمان المصير الوطني والقومي.


الصور: من الأعلى صدام حسين و حسين ضناوي في الاقصر عام 1963... صدام حسين مع استاذه، عميد كلية الحقوق في جامعة القاهرة، د. فتحي والي عام 1963.... صدام حسين و حسين ضناوي في الاقصر عام 1963

 

المصدر: التمدن - بقلم المحامي حسين ضناوي

إشترك في خلاصة التعليقات عدد التعليقات: (0 منشور)

المجموع: | عرض:

إكتب تعليق

البريد الالكتروني يبقى سرّي و لا ينشر
  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

- التعليقات الواردة من القراء هي مسؤولية أصحابها ولا تعبر عن رأي إدارة الموقع بالضرورة
- تتم مراجعة تعليقاتكم قبل نشرها عن طريق إدارة الموقع

- (سياسة نشر التعليقات)

تابعونا

أحدث الأخبار - لبنان

  1. دول خليجية تحذر رعاياها من السفر إلى لبنان (5.00)

  2. وفاة "ملكة الديسكو" دونا سمر عن 63 عاماً (5.00)

  3. معارض صيني ضرير بمطار بكين متوجهاً لنيويورك (5.00)

  4. الاكتئاب لدي المراهقين .. له إشارات يجب الانتباه لها (5.00)

  5. صحف العالم: أمريكا "تعاقب" باكستان بعدد سنوات سجن أفريدي (5.00)

  6. فيلم منتظر يكشف تفاصيل اغتيال بن لادن (5.00)

  7. أستراليا: التيار الوطني الحر في سيدني ينعي فقيده المفكر و المناضل والاعلامي المخضرم الأستاذ بطرس عنداري (5.00)

  8. الرحيل المفاجئ (5.00)