إعلانات Zone 2B

الرئيسية | ثقافة | رفوف المكتبات | مرضى حكموا العالم (17 حلقة كاملة)

مرضى حكموا العالم (17 حلقة كاملة)

آخر تحديث:
المصدر: العنكبوت الالكتروني
الكاتب:
عدد المشاهدات: 22508
قيّم هذا المقال/الخبر:
0
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة نسخة نصية نسخة نصية إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
« 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17
مرضى حكموا العالم مرضى حكموا العالم

مرضى حكموا العالم (نيكولاي شاوشيكسو NICOLAE CEAUSESCU)

 

هل سيكون شهر تشرين الأول 1988 شهرا قاسيا بالنسبة الى ماتبفى من مصير"نيكولاي شاوشيسكو" رئيس الجمهورية الرومانية؟

يوم الثلاثاء 4 تشرين الأول، دعي نيكولاي الى الكرملن، حيث نصحه ميكائيل غورباتشوف، بالتخفيف من غلوائه وتليين موقفه بالنسبة إلى "كارولي غروز" رئيس هنغاريا، المتعلق بمصير الأقلية الهنغارية الموجودة في رومانيا، كما أن غورباتشوف، في نفس المقابلة نصح القائد الروماني بإعادة النظر في مخططه الجريء الذي يقضي بنقل ملايين السكان من محيطهم، وإعادة خريطة البلاد.

وتعبيراً عن سخطه، لم يكلف غورباتشوف نفسه عناء استقبال ضيفه الكبير على المطار كما يقضي البروتكول في مثل هذه المناسبات، وكانت هذه إشارة واضحة إلى البرودة بين الرئيسين، ولدى عودته إلى بووخارست فوجئ ساوشيسكو بنتيجة صديقه وسنده الوفي في اللجنة المركزية الشيوعية السوفياتية وإعفائه من مهماته مع غيره من رجالات الدولة، ولم يبق أمامهم سوى قضاء إجازاتهم الغير المحدودة على ضفاف البحر الأسود.

خريف ساخن، دون شك، بالنسبة غلى شاوشيسكو الذي أصبح شبه معزول، فالجميع يعرف بأن سياسة الانفتاح التي قررها غورباتشوف هي التي شجعت المعارضة على الظهور، وهذا ما لا يرضي الحكم في رومانيا وهذا ما عبر عنه شاشسكو بكل وضوح: من غير المعقول أن يتمكن أي حزب ثوري بالتصريح للمؤسسات الاقتصادية والصناعية وغيرها بإدارة شؤونها بنفسها.

ففي الوقت الذي دعي شاشيسكو إلى موسكو لإعطائه التعليمات بإعطاء المزيد من الحريات الديمقراطية وإشراك أكبر عدد ممكن من المواطنين في إدارة القضايا العامة، كان غورباتشوف يسعى إلى تقوية سلطته في الاتحاد السوفياتي، وقد لاحظ المراقبون ذلك سواء في موسكو أو في بوخارست، إن هذه التعليمات لن تنفع لأن شاوشيسكو فور عودته إلى بلاده قال بإنه قد حول رومانيا في هذا الاتجاه منذ عشرين سنة، مما يعني أنه غير قابل للنصح والتغيير، وهذا التشبث يوحي بوضوح أنه يعاني من متاعب صحية.

لم يكن شاوشيسكو يعاني من داء السكري المتقدم منذ سنين عديدة فقط، بل كان يعاني أيضاً من السرطان في البروستات وكانت قد أجريت له جراحة في هذا المجال في موسكو.

وعلى أثرها كان عليه أن يحمل ميلا لمدى الحياة، كما أصيب بنشاف في أوعية دماغه الدموية، مما أفقده النطق لبعض الوقت، وعدم القدرة على التفكير السليم والتعبير عن أفكارهوعواطفه.

وهذه الحالة أصيب بها العديد من زعماء الدول، ومنهم الرئيس "أيزنهاوز" رئيس الولايات الأمريكية المتحدة، كذلك أصيب شاوشيسكو بمرض البارانويا وهو مجموعة من الاضطرابات تترجم بنوع من التكبر والحذر والمغالاة، إلى جانب اتخاذ القرارات الخاطئة، كذلك تولد لدى صاحبها انفعالات عدوانية، تترجم من وقت لآخر بثورات من الغضب الجنوني لأتفه الأسباب، كما أفقد بوخارست ماء وجهها بانتحاله أعمال البارون هوسمان الأدبية، ولم يكتف بكل هذا، بل أصدر أوامره بتدمير سبعة آلاف قرية ودسكرة مبعثرة في طول البلاد وعرضها، وكدس أصحابها وجميعهم من المزارعين في خمسمائة وثمانية وخمسين مجمع للتصنيع الزراعي.

عندما احتفل شاوشيسكو بميلاده السبعين في 26 كانون الثاني 1988 وصلته عشرات الآلاف من التهاني ومن بينها ثلاث برقيات من ملكة بريطانيا وملك بلجيكا ومن ملك السويد، هذا حسب زعمه، إذ سرعان ما صدر عن هذه الدوائر الملكية تكذيبات رسمية قاطعة نشرت في جميع صحف العالم، مع بعض التلميحات بأن ذلك لا يعقل، إذ أن الملكة اليزابت والملك "بودوان" كذلك الملك شارل السادس غوستاف هم من ذوي الدماء الزرقاء، مثل الملك السابق ميشال رومانيا، الذي تخلى عن العرش في 31 كانون الأول سنة 1947 وباختراعه لهذه البرقيات أعطى شاوشيسكو الدليل القاطع على انفصام الشخصية لاعتقاده لأنه الوريث الشرعي للتاج الروماني وبأنه من مصف الملوك والأمراء.

وذلك بالرغم من أسطورة حياته التي كانت تدرس في المدارس الرومانية والتي تروي بأنه عندما كان في الحادية عشرة من العمر، ألحق واخوته الخمسة كعمال متدربين في صناعة الأحذية، وهذا ما فرضه عليهم الفقر المدقع.

كانوا يقيمون في قرية "سكورنيشتي" في منطقة "بيتستي" وليس بعيداً عنهم "كائستي" حيث تقيم عائلة "بروسكو" التي تشبههم بالفقر والإملاق، وكان لهم ابنه من نفس العمر تدعى إيلينا كانت تبيع حبوب دوار الشمس في السوق المحلية، والتي أصبح زوجة نيقولاي فيما بعد، وأنجبت له ثلاثة أولاد "فالنتين" و" زوي" و"نيكو" شاركته الحكم بكل معنى الكلمة وأصبحت أميرة عندما اعتلى السدة دون أي مبالغة في الوصف، إذ أصبحت تصرفاتها دونها تصرفات أي من أميرات البيوت المالكة.

كانت المملكة الرومانية سنة 1929 ما تزال بلد الرخاء والبحبوحة في أوروبا الوسطى فأصبحت عرضة لمختلف أنواع التغييرات، بعد أن تنازل مليكها "كارول الثاني" عن عرشه ليلحق بعشيقته المغامرة "إيلان لوبسكو" إلى باريس وكان ابنه في السابعة من عمره عندما أصبح ميشال الأول ملك رومانيا.

ومن الطبيعي كان تحت وصاية مجلس النواب، الذي كان على رأسه فاشيستي متعصب: كورنليو زلييا كودرنو، لقد اخترع نظاماً شرفياً دعاه: كتيبة رئيس الملائكة ميخائيل، كما كان يدعى أيضا الحرس الحديدي يلبس أفراده القمصان الخضر ويتجولون ليلاً في مقاطعات "مولدافيا: و"بسرابيا" و"ترانسيلفانيا" و"بوكوفينيا" لطرد اليهود خارج البلاد إذ كانوا بزعمهم سبب كل ما يصيب الناس من الشر، كل ذلك بتغاض، لا بل بتشجيع سري من قبل وزارة الداخلية، ومن قبل مالكسا صاحب مصانع الصلب والحديد التي كانت تسمى في حينه "مصانع كروب الرومانية" وذلك تشبيهاً بمصانع كروب الألمانية الشهيرة، وكان مالكسا من أقرب أصدقاء القصر الملكي.

وكانت مهمة كودريانو الذي مر ذكره، تقضي بنشر الفساد في البلقان والاستيلاء على السلطة بالطرق السلمية، وعند الضرورة بالقوة، كما أنه في ألمانيا، كانت تجري تحركات مماثلة، ولكن بشكل أوسع وأعنف وعلى رأسها هتلر السعيد الذكر، للوصول إلى السلطة اغتصاباً.

أما الماركسيون الرومان فكانوا ضد هذه التصرفات التعسفية، ولكن دون التفكير بالوصول إلى الحكم، أما الملك كارول، وبعد أن تخلص من عشيقته في باريس، فقد عاد إلى عرشه.

سنة 1933 وبعد نجاخ هتلر المذهل، ساءت الأحوال في رومانيا التي كانت حتى تلك الساعة، تعتمد بشكل كبير على ألمانيا، إذ كانت تبيعها أكثر منتوجاتها من البترول والقمح والذرة، وتستورد منها المواد الصناعية التي كانت بأمس الحاجة إليها.

وفي هذه الأثناء كانت رومانيا غارقة في التشنجات التي تقوم بها منظمة الحرس الحديدي، فألهمت الفتى الصغير على الالتحاق بالشبيبة الشيوعية، وهكذا سنة 1936 أصبح نيقولاي شاوشيسكو في الثامنة عشرة من عمره، عندما انتسب إلى الحزب الشيوعي الروماني.

في انتخابات 1937، نال كورنيليو كودريانو، اثنين وسبعين نائباً، وأصبح جيشه يناهز المائتي ألف من المنتسبين، مما استرعى انتباه رئيس الوزراء أرمان كالينسكو وأثار مخاوفه من هذه القوة المتنامية، فاعتقله وزج به في السجن، خصوصاً بعد أن أطلق لزبانيته الحرية المطلقة دون رادع، فكانوا يستعملون سكاكينهم ومسدساتهم في كل المناسبات، وقد حكم على كورنيليو، بالسجن لمدة ستة أشهر، مما لم يرض رئيس الوزراء فأحاله إلى محاكمة ثانية بتهمة التجسس لمصلحة ألمانيا الهتلرية في هذه المرة، فحكم عليه بعشر سنوات من الأشغال الشاقة في مناجم الملح، مما يوازي الحكم بالإعدام.

لأن كورنيليو مصاب بالسل، ولم يكن من حرسه الحديدي سوى إطلاق عنان الإرهاب والتخريب، ففجروا مصانع الغاز وأحرقوا حقول النفط، كما عمدوا إلى إلقاء القنابل في المسارح والمقاهي، فعيل صبر الملك "كارول" وأوعز بخنق كورديانو في زنزانته، فتصاعدت المواجهات الدموية.

وكان أول الضحايا رئيس الوزراء كالينسكو إذ اغتيل في بوخارست، وفي حملة انتقامية أعدم الملك كارول ستة آلاف رجل من الحرس الحديدي، في ثلاثين وجبة،مما حمل من بقي منهم إلى الالتفاف حول من هو أسوأ من كورديانو" وهو "هريا سيما" أستاذ معهد، نازي متعصب، توصل بالإرهاب خلال سنتين إلى ما لم يتوصل إليه سلفه بالطرق المشروعة، فتقاسم الحكم الذي توصل إليه، مع المرشال "أيون انتطونسكو" الذي كان يلقب بالكلب الأحمر بالنظر إلى لون شعره وميله إلى ضرب أعدائه في الظهر، وكان أن أجبر الملك كارول في هذه المرة على التخلي عن العرش في السادس من أيلول سنة 1940 فخلفه على العرش ابنه اليافع ميشال، وفي هذه المرة أصبح الشيوعيون هدف الحرس الحديدي بالإضافة إلى اليهود، فلجأوا إلى المقاومة السرية، ومن بينهم نيكولاي شاوشيسكو.

كما هو معروف تاريخياً انضمت رومانيا إلى الحلف الثلاثي الذي يضم منذ سنة 1940 ألمانيا وإيطاليا واليابان المعروفة في حينه، بدول المحور، فهاجمت الاتحاد السوفياتي سنة 194 في نفس الوقت مع جيوش الرايخ الثالث وتوغلت معه في الأراضي المتاخمة لها، حتى عادت فجرفتها القوات الروسية سنة 1944 وحولتها إلى جمهورية رومانيا الشعبية بعد استقالة ميشال الأول، فاستلم زمام الأمر فيها، المناضل الوطني الشيوعي الأول: جورج جوركيو-دج.

أما وزارة الخارجية فقد أسندت إلى السيدة أنا بوكر، التي ولدت في روبنسون وهي ابنة عامل بسيط في كنيس يهودي في بوخارست، وأرملة أحد التروتسكيين، الذي اختفى في أحد معتقلات سيبيريا، وكانت تحلم بإزاحة شاوشيسكو، وقد أصبح أحد أعضاء اللجنة المركزية للعمال الرومان سنة 1952 وكان قد لفت أنظار موسكو بنشاطه وحزمه بطرد أعداء الثورة إلى خارج البلاد كما حصل من التهجير الكثيف في كافة مخازن وبرادات الاتحاد السوفياني في أوروبا وهي: المانيا الشرقية، بولونيا، تشكوسلوفاكيا، بالإضافة إلى رومانيا وهنغاريا وبلغاري. فالموجة الأولى من التهجير تمت على أيدي الحرس الحديدي وأنصال المرشال "أنطونيسكو" ثم تبعتها جماهير الأحرار التي تضم البورجوازيين،, وأصحاب الأراضي إلى جانب أصحاب المهن الحرة والصناعيين.

أما الموجة الثانية فكانت تتألف من الملكيين الذين تبعوا ملكهم "ميشال".

وفي سنة 1947 كان الهرب الفردي من هنغاريا ويوغسلافيا أما في رومانيا فقد أصبح اليهود بنالون تأشيرات الدخول إلى فلسطين ومن ثم إسرائيل، بالمئات دون عناء يذكر، وخلال سنة 1951 رحل من رومانيا إلى إسرائيل 170 ألف يهودي وبعد سنة استفاد من هذه التسهيلات 23 ألف مهاجر أما العدد النهائي للهاربين فغير معروف وعدد المساجين يربو على 800000 سجين، مات من بينهم 200000 في المعتقلات وفي مخيمات العمل المبعثرة في دلتا الدانوب، وذلك في عمليه تطهير هادئة، وعند شاوشيسكو الخبر الصحيح.

حتى 1958 بقي شاوشيسكو نائباً سعيداً إذ كانت رومانيا قد ضمدت جراحها بعد حرب خاسرة وسنتين من الجفاف المرعب استنزف كل مخزوناتها، وقد عرف السكان معنى المجاعة، ومن هنا استطاع المهيمنون وضع اليد على المناجم والبنوك وكذلك الزراعة ومن ثم خجلت الجيوش السوفياتية عن الأراضي الرومانية، ولاحظ شاوشيسكو أن "جورجيو-دج" ونظامه يضمران.

أخذت الصناعة الرومانية تنفض عن نفسها غبار الكسل، فأخذ النهار يبدأ باكراً في الساعة السابعة يبدأ العمل في المصانع والمكاتب و48 ساعة من العمل أسبوعياً وفي مدينة بلويستي ارتفعت أجور العمال ارتفاعاً ملحوظاً بسبب وجود البترول في هذه المدينة، وأصبحت دور السينما والمسارح تضيق بروادها وفي هذه الأثناء كان شاوشيسكو يراقب الأحوال عن كثب، ويحيك المكائد ضد المسؤولين، ولكن بمنتهى الحذر، إذ من اكتشف أمره لا رحمة له ولا شفقة، فكل منهم مشحوذ المخالب مسنون الأنياب، وهنا لعب القدر دوره فجرت الرياح بما لا تشتهي سفن شاوشيسكو إذ انتقل جورجيو- دج إلى رحمة ربه وهذا ما كان ينتظره شاوشيسكو بفارغ الصبر، وبأي طريقة كانت.

فاقتحم طريقه نحو العرش، أما الطريقة الفضلى التي أعطت ثمارها في جميع الأنظمة الشيوعية، تقضي بالسيطرة أولاً على اللجنة المركزية، وهذا ما قام به تلميذ صانع الأحذية السابق بمهارة وفعالية، فوصل إلى حيث يشتهي وأصدر دستوراً جديداً للبلاد، وأصبحت رومانيا جمهورية اشتراكية تحت إدارة شاوشيسكو وأحد المهرجين شيفو ستوتكا، ولكن المفرط فهو يستفيق باكراً ولا يترك مكتبه إلا في ساعة متأخرة كان يختارها بنفسه ويغيرها من يوم إلى آخر، وكان لا يسير في نفس الطريق، مرتين على التوالي ويصحبه دائماً شرذمة كبيرة من الحرس المدججين بالسلاح، وهم على استعداد تام لإطلاق النار حتى على خيالهم، كما عرف بدقته في جميع الحقول إلى درجة الهوس.

لم يرث شاوشيسكو عن سلفه سوى ما كان يدعى الشيوعية الوطنية وهذه إحدى المظاهر الاستقلالية عن الجبار السوفياتي ومعاندته عند اللزوم، وعمل على أن تكون علاقات رومانيا الخارجية مع جميع الدول على أساس المساواة في الحقوق والاحترام المتبادل والاستقلال الوطني وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي من الشعوب، وقد كان يقول: لا لستالين، ولا لخرتشوف، ولكن في الحقيقة كان ينفذ النظرية الشيوعية بدقة وحرص، ولا يختلف مع الزعماء السوفيات إلات في ما يحتويه كأسه، فهم يغبون الفودكا أما هو فيرتشف التسويكا بالرغم من أن شاوشيسكو أبقى على السجون والمعتقلات إلا أنه حاول التمويه بالنسبة إلى المعارضة والمعترضين، وعلى سنة الأخ الأكبر الاتحاد السوفياتي كان كل غير مرغوب في آرائه يتهم بمرض عقلي فيدفن حيا في إحدى المستشفيات –السجون حيث يبقى تحت المعالجة مدى الحياة، وهذا ما أكده الدكتور إيون فيانو رئيس قسم الأمراض العقلية في كلية الطب في بوخارست الذي تمكن من الفرار إلى باريس في 21 تموز سنة 1977 ومما قاله: إن الطريقة المتبعة في مؤسسة سربسكي في موسكو، أدخلت سراً إلى رومانيا، وهذه الطريقة تقضي بالقضاء على المعارضين تدريجياً بواسطة العقاقير والأدوية، تحت ستار المعالجة.

وقد فرض قانون لتقنين على جميع المواد الاستهلاكية والغذائية، وخصوصاً بالنسبة لما اعتبره من الكماليات، وما لم يشمله قانون التقنين هو الخبز والخمور الرخيصة التي كانت في متناول حتى أفقر الطبقات، وذلك لجعل الشعب الروماني مخموراً، فلا وقت لديه للتململ والمعارضة، ولكن الكراهية والحقد على شاوشيسكو ونظامه الجائر كانت تكوي صدور المواطنين.

كل هذا إلى جانب كبت الحريات على جميع الصعد، ومن جملتها الحريات الدينية، وفي هذا المجال تحضرني حادثة جرت معي شخصيا، أرويها بكل صدق وأمانة: في أول زيارة لي لرومانيا في أيلول سنة 1973 طلبت من منظمة السياحة الوطنية في بوخارست مترجماً يرافقني ويساعدني في تنقلاتي، فكان لي ذلك، وهو شاب يافع يتقن الفرنسية، وتلميذ في السنة الرابعة طب، في جامعة بوخارست، ويدعى دان، ويتحدر من عائلة بورجوازية صادرت السلطات الشيوعية أملاكها، ومن جملتها قصر منيف في أرقى شارع بوخارست.

أشارت والده دان إليه بعيون مغرورقة بالدموع قائلة: هذا بيتي الذي أخرجوني منه، بعد أن قتلوا زوجي فرموني في الشاعر أنا وأطفالي في ليلة مثلجة، ونحن بثياب النوم فقط شبه عراة، وقد توطدت عرى الصداقة بيني وبين هذه العائلة الكريمة.

وفي صبيحة يوم أحد طلبت من دان أو غيره من أفراد العائلة مرافقتي إلى إحدى الكنائس لاكتشاف مدى حرية العبادة في تلك البلاد.

وعند طلبي هذا وجم الجميع وتغيرت ملامحهم، وأخذوا يتهامسون بالرومانية التي كنت أجهلها في ذلك الحين، بالرغم من أنهم يتقنون الفرنسية ويحرصون على التكلم بها أثناء وجودي تأدباً، وهذا ما يشهد على أصالتهم، إذ أن اللغة الفرنسية كانت لغة الصالونات والعائلات الكريمة قبل الحرب والنظام الشيوعي يوم كانت رومانيا تدعى شقيقة فرنسا الصغرى، ولدى إلحاحي على معرفة سبب وجومهم وتهامسهم أجابتني الوالدة الوقور بكل حياء وخفر، كأنها تعتذر عن ذنب لم تقترفه فقالت: كل منا يتمنى الذهاب إلى الكنيسة التي حرمنا منها منذ سنين عديدة، ولكن ذلك غير ممكن بالنسبة إلينا، إذ أن الوشاة والمراقبين كثر أمام دور العبادة، فمن يرتدها ينله أذى بيلغ، خصوصاً إذا كان موظفاً أو تلميذاً، فعلى الأقل يطرد من عمله أو مدرسته، إن الكنيسة بمثابة فخ أو مصيدة للشعب الروماني المغلوب على أمره.

وهكذا بالنسبة إلى التعسف واستغلال موارد الدولة ومظاهر الأبهة والعمة فحدث ولا حرج، وفي هذا المجال كان لا يتورع عن إرساله كلب حراسته طالدوبرمان في نزهة بالسيارة الرئاسية محاطاً بالعديد من رجال أمن الدولة الأشاوس، كما حملته مخاوفه على إحاطة نفسه بفرقة كاملة من أشوس الرجال، وقد دربوا على أحدث وأسرع وسائل القمع والقتل.

أما في مجال الاستئثار بالحكم فقد جعل من عائلته مالكة، دونها البوبون، ورمانوف وهو هنلز فزوجه إيلينا بائعة بذور دوار الشمس سابقاً لم تكتف بوزارة الزراعة، بل أسندت إليها أربع عشرة مهمة رسمية أيضا، كما أن أشقاءه وأشقاء زوجته، أسندت إليهم مناصب حكومية هامة.

كذلك أحد أولاده نيكو وله من العمر 38 سنة كمان وزيراً للشباب، وكان يعتبر ولي عهد والده وخليفته على عرش آبائه وأجداده، وهنا لابد من ذكر إنجازاته ومآثره على صعيد الشباب، وبشكل خاص على الشابات الجميلات، كان يقوم بزيارته تفقدية للكليات والجامعات، وأثناء ذلك يختار أجمل الطالبات ويدعوها إلى السهرة والعشاء.

وفي إحدى زياراته لمدينة ياشي الجامعية، لفتت أنظاره صبية بارعة الجمال، ولما كان لا يحب الوحدة، أرسل إليها كعادته كبير قواده الميامين فرفضت بكبرياء وشمم، إذ كانت تعرف مسبقاً ما ينتظرها من كرم و.. حسن ضيافة، ولما ألحح عليها ولجأ إلى الوعيد والتهديد، أسمعته كلاماً لاذعاً إن بالنسبة إليه أو بالنسبة إلى سيده المضياف فما كان من وزير الشباب والثقافة والرياضة وإلى آخره.. إلا أن انتظرها خارج الجامعة بسيارته الضخمة المصفحة، ولدى خروجها اقتحم الرصيف، فدهسها وجعل من جسدها أشلاء منثورة، فسقطت شهيدة العفة والشرف، وقد أصبحت هذه الحادثة حديث الخاصة والعامة، ولكن من فم إلى أذن دون أن تجرؤ الصحف المحلية على ذكرها ولا غرابة فهي تحت رقابة الدولة، أما الصحف في البلاد الغربية فقد طلبت وزمرت في حينه، ولكن ما هم الدانوب من نقيق الضفادع؟. مثل روماني.

ومن هنا وبعد تصاعد الإجراءات التعسفية، وارتفاع أسعار المواد الرئيسية، عمت الفوضى في المصانع والمؤسسات، فكثرت الاضرابات والاعتصامات في جميع المدن الرومانية وعلى الطريقة البولونية التي تقضي بأن يجلس العمال في مراكز عملهم ولكن مكتوفي الأيدي.

وفي تلك الأيام كان الشعب الروماني ولاسيما المثقفين منهم، يراقبون التغيرات الجسدية لدى شاوشيسكو فقد ضمر جسمه بشكل يلفت الأنظار وذلك نتيجة مرض السكري وتفاقمه لديه، وأصبح يعاني من متاعب في الأوعية الدموية وفي مجاريه البولية وعادت إلى الظهور بعض الأورام السرطانية في البروستات، مما يعني أنها لم تستأصل جذرياً، عندما أجريت له الجراحة في موسكو، وأصبح يتجنب الظهور على شاشة التلفزيون، وإذا ظهر فمتستراً برفاقه.

وفي حزيران 1988 وخلال إحدى المحاضرات توقف عن الكلام وغاب عن القاعة، لأكثر من عشرين دقيقة، وقد بدل ثيابه، وهذه الإشارة لم تخف عن السوفياتيين، فتأكدوا أن حالته لا يحسد عليها، ومن هنا وعلى سبيل المواساة أنعم عليه في منتصف أيار 1988 بوشاح لينين قلده إياه صديقه أندريه غروميكو الذي لم يعد بعدها عضواً في المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفياتي، ولا أي شيء آخر، وكأن مظاهر التكريم في الأنظمة الشيوعية هي دعوة إلى التخلي عن المركز، وإخلاء المكان لسواه من الطامحين، أو ليس بكل دوره في الحياة؟؟!!

انتهى


 

المصدر: العنكبوت الالكتروني

إعلانات Zone 6B

« 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17

إشترك في خلاصة التعليقات عدد التعليقات: (0 منشور)

المجموع: | عرض:

إكتب تعليق

البريد الالكتروني يبقى سرّي و لا ينشر

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha

- التعليقات الواردة من القراء هي مسؤولية أصحابها ولا تعبر عن رأي إدارة الموقع بالضرورة
- تتم مراجعة تعليقاتكم قبل نشرها عن طريق إدارة الموقع

- (سياسة نشر التعليقات)

إعلانات Zone 3B

  1. دول خليجية تحذر رعاياها من السفر إلى لبنان (5.00)

  2. وفاة "ملكة الديسكو" دونا سمر عن 63 عاماً (5.00)

  3. معارض صيني ضرير بمطار بكين متوجهاً لنيويورك (5.00)

  4. الاكتئاب لدي المراهقين .. له إشارات يجب الانتباه لها (5.00)

  5. صحف العالم: أمريكا "تعاقب" باكستان بعدد سنوات سجن أفريدي (5.00)

  6. فيلم منتظر يكشف تفاصيل اغتيال بن لادن (5.00)

  7. أستراليا: التيار الوطني الحر في سيدني ينعي فقيده المفكر و المناضل والاعلامي المخضرم الأستاذ بطرس عنداري (5.00)

  8. الرحيل المفاجئ (5.00)

إعلانات Zone 4B

النشرة البريدية