إعلانات Zone 4B

[CLOSE]

إعلانات Zone 3B

[CLOSE]
أحدث الأخبار:

إعلانات Zone 2B

[CLOSE]
الرئيسية | ثقافة | رفوف المكتبات | مرضى حكموا العالم (17 حلقة كاملة)
المصنفة ايضاً في: رفوف المكتبات

مرضى حكموا العالم (17 حلقة كاملة)

آخر تحديث:
المصدر: العنكبوت الالكتروني
image
الكاتب:
عدد المشاهدات: 59369
قيّم هذا المقال/الخبر:
4.50
حجم الخط: A+ A-
نسخة صالحة للطباعة   نسخة نصية   أرسل إلى صديق

إعلانات Zone 6B

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17
« »

مرضى حكموا العالم (رونالد ريغن)

ولد ممثلاً , ونمىَّ هذه الموهبة حتى البراعة, فامتهن التمثيل , وخاض هذا المضمار بنجاح , حتى درجة النجومية وأصبح عضواً بارزاً في المحافل الفنية والسينمائية. تخطب ودّه وتتسابق على التعاقد معه كبريات الشركات والستديوهات . وبالفعل اشترك في تمثيل العديد من الأفلام والمسلسلات التي لاقت استحسان النقاد العالميين , وإقبالاً شعبياً كثيفاً , ناهيك , عن المردود المادي الناتج عن التزاحم اللافت للأنظار , والانتظار الطويل امام شبابيك التذاكر , علماً بأن بعض أفلامه كانت تعرض بالوقت نفسه في عشرات الدور السينمائية في أرجاء الولايات الأمريكية الشائعة , كما في عواصم الدول الأوروبية والعالمية , والجدير بالذكر , أنه كان على البعض أن يشتري بطاقات بتواريخ مؤجلة لا تسمح لهم بالدخول , إلا بعد مرور عدة ايام عديدة , وهكذا ازهرت سوق سوداء , لتداول هذه التذاكر, بأثمان تفوق بعشرات الدولارات ثمنها الأصلي .

ونما ساعد رونالد ريغن على النجاح في الأدوار التي أسندت إليه , بالإضافة إلى قامته الطويلة وإطلالته اللافتة للنظر , حسن أداءه للحوار بحركات ونبرات صوته المعبرة التي تساعده كثيراً على إيصال ما يريده من أحاسيس ومشاعر إلى جمهوره, وقد وظف فيما بعد ميزاته الطبيعية وبراعته التمثيلية والخطابية لخوض غمار السياسة في بلاده , فتبؤأ سدة الرئاسة مرتين متتالييتين , وهذا أقصى ما يسمح به الدستور الأمريكي .

كما في دخوله إلى البيت الأبيض , كذلك قبل خروجه القسري منه , لم يتمكن ريغن من التخلي عن طبيعته الفطرية كممثل , فيترك الساحة ببساطة , متخلياً عن أمجاده وأدواره , بل أقحم نفسه في مستقبل بلاده , واختيار الشخص الذي يعتبره الأنسب لخلافته , وإدارة التركة والإرث من بعده.

فرمى بكامل ثقله في الميدان مجيراً إنجازاته وانتصاراته : الحقيقية منها والمزعومة إلى خليفته العتيد وذلك قبل ثلاثة أشهر من الانتخابات الرئاسية الأمريكية , عام 1988 وبالتالي , قبل اعتزاله وخروجه من البيت

الأبيض , وفي نهار الاثنين الواقع في الخامس عشر من آب , أعلن تأييده الكامل , ودون أي تحفظ, لترشيح جورج بوش , أمام المؤتمر الجمهوري العام , الذي انعقد في مدينة اورليان – الجديدة . وهذه الخطوة النادرة من نوعها شكلت عنصراً أساسياً في نجاح بوش ووصوله إلى الرئاسة . وعلينا ان نرجع ثلاثين سنة إلى الوراء , لنجد تعهداّ مماثلاّ, وتحديداً, سنة 1960 , عندما تعهد الرئيس الجنرال داويد ايزنهاور , قبل انتهاء ولايته , وامام المؤتمر الجمهوري عينه مساندة ودعم ريتشارد نيكسون في معركته الانتخابية وخلافته ولكنه في ذلك العهد , كان ايزنهاور يستعد لترك منصبه وتركته بقرف غير أسف , وكأنه يتحرر من أعمال السخرة , وهكذا دفع نيكسون الثمن , فنال (118550 )من أصل (68838879 ) صوتاً, في وجه منافسه الديمقراطي جون كينيدي.

ريغن , في مجال دعمه لترشيح خليفته بوش , قد استعمل طريقة خاصة به, تختلف أختلافاً جذرياً عن طريقة ايزنهاور في دعمه لنيكسون . فعلى طريقة نجم مسرحية , يقدم أفراد فرقته إلى الجمهور قبل الأبتداء بالتمثيل , مكرراً تقديره وأحترامه لبوش , كما قدم له الشكر والأعجاب بالأعمال التي شاركه في إنجازها خلال السنوات الثماني التي أمضاها إلى جانبه كنائب للرئيس.وبهذا كان يجيب بصورة غير مباشرة على منتقدي بوش ,إذ كانوا ينعتونه بالرجل الخفي, وبأنه لا يتمكن من أعتلاء منصته , دون الرجوع إلى مذكرة قد أعدها مسبقاً, كذلك بأنه لا يتمكن من الكلام بضع دقائق دون اقتراف عشرات الأخظاء .

من عادة الرئيس ريغن أن لا يتكلم إلا عن نفسه , لكن في هذا الأثنين الواقع في الخامس من آب , وخلافاً لعادته , لاحظ الحضور , أن ريغن لجم نفسه كخطيب مفوه, وحدّ من بلاغته , وذلك دون شك كي لا يستحق أو يغطي بوش , ويظهره بمظهر المحدود . وفي هذه الخطبة قدم للجمهور تعهدات مهمة بالنسبة إلى مقدرات بوش كذلك , ودع مؤيديه بطريقة عاطفية ذاكراً بأسف شديد السنين الطيبة التي قضاها في البيت الأبيض في حدمة بلاده والأمة الأميركية . بعد ذلك كرًس لريغن نفسه خلال خريف 1988 كلياً لمعركة انتخاب بوش , وهكذا ابتعد ومن ثم ترك السلطة بهدوء ونعومة .

ولكنه لم يترك فرصة تفوته دون تحية جمهوره ومؤيديه , وتذكيرهم بشكل مفصّل عن أحد إنجازاته وانتصاره أثناء وجوده في الحكم , مما يهز مشاعر الشعب فيصفقون له طويلاً, ويهتفون عالياً. ففي هذه الاجتماعات الحافلة , حيث يختلط الحابل بالنابل , ويجتمع العابس بالنابس , لا يهم سوى الكلمات الموسيقية والألفاظ الطنانة كما عندما يقول :لقد تحررت أفغانستان من السوفياتيين , وحل السلام بين إيران والعراق , وخيم الاسترخاء على أفريقيا الجنوبية . أما عندما يصل إلى حبه لأميركا , فيكاد يذوب من شدة هذا الحب وعلى طريقة الأطفال الأمريكين , يذكر , أن في أميركا مئتي طعمة من المثلجات المختلفة . ويقول بنقمة لا تخلو من الأسف , إنني ذاهب دون شك , ولكن بوش سيخلفني , لأنه لا يزال يوجد الكثير من الأشواك لتنظيفها , ومن الحواجز لتجاوزها ومن الخيول لامتطائها. وتابع مازحاً وللضرورة , أترك لكم عنواني ورقم هاتفي ... وجدير بالذكر أن هذا النوع من المزاح كان يثير اشمئزاز مرغريت تاتشر في كواليس لإجتماعات القمة.

كان ريغن يهلع فزعاً عندما يتذكر بأنه بعد أسابيع معدودة سيسبح في الفراغ والصمت , بعد أن أمضى , ليس شهراً, بل سنوات مع القوة والسلطة , فيغرق في نفسه حتى يهدأ فيقول لنفسه: "سيكون في إمكاني دائماً, أن أدفع بوابة "دل سيالو" إسطبله الفخم الكائن في شمال سانتا برباره في كاليفورنيا حيث أستريح". وهنا ينوي تمضية بقية حياته. في إحدى جولاته الإنتخابية لدعم ولي عهدة بوش , وذلك بعد ظهر يوم الأربعاء الواقع 3 اب 1988 , وجه إليه أحد الصحفيين مستفسراً عن رأيه بمايكل دوكاكيس الملقب " بالدوق " فما كان منه إلا أن علت شفتيه ابتسامة ساخرة , ثم نزل تاركاً المنبر وهو يلقي قنبلة , إذ تمتم على مسمع من الصحفين , دعكم منه, لاأريد أن أغتاب رجلاً معاقاً. وهذه إشارة واضحة ومباشرة إلى الأشاعات التي راجت حول صحة دوكاكيس العقلية اثر مقتل شقيقه بحادث سنة 1973 , وفشله في أنتخابات حاكم لولاية ماساشوست سنة 1978 فأصيب دوكاكيس بهبوط في الأعصاب , وانزوى على نفسه مبتعداً عن المراكز العامة وبقي على هذه الحال, حتى ما قبل الافتتاح الرسمي لمعركة الإنتخابات الرئاسية , إذ , بصورة فجائية وعجائبية , نفض غبار الزمن عن نفسه . وغاص في غمار المعركة حتى أذنيه, ونال تأييداً لابأس به, لا بل مشجعاً حتى رمى ريغن قنبلته الموقوتة وتناولتها جميع الصحف والإذاعات , مع ما شاء كل صحفي ومذيع من الإضافة إليها من " مقبلات " ولما كانوا في الولايات الأميركية , لا يمزحون , ولايحابون , ورغم أنه أقسم أغلظ الأيمان نافياً أنه كان قد خضع لأي علاج نفساني أو عصبي وتحدى كل من يريد أن يثبت عكس ذلك يتقرير طبي أو شهادة طبيب . ولكن يمينه وتحدياته , بقيت دون فائدة ,إذ انفض من حوله حتى أقرب المقربين إليه وأصبح وحيداً في الساحة , ثم أبرز في مؤتمر صحفي شهادة من طبيبه الخاص تنفي نفياً قاطعاً الإشاعات التي تلوك سمعته . كذلك وزع على الصحف صوراًعن نتائج الفحوصات السنوية العامة التي أجراها قبيل معركة الأنتخابات على عادة الأميريكين , تؤكد سلامته وتمتعه بصحة عقلية وجسدية ممتازة , مما حمل رونالد ريغن على التراجع معتذراً ما قاله بأنه لم يكن سوى مزحة , ولم يكن من المستحسن أن يقول ذلك .

إنها غلطة ...حقاً الأقرب إلى الحقيقة , مكر واحتيال هكذا أصبح رونالد ريغن معنياً بكثير من كبريات الصحف, إذ أنه يعرف جيداً أكثر من غيره , بأن صحة الرئيس في السلطة , كذلك صحة المرشحين لهذا المركز , في أميركا , كما, في جميع الدول الراقية, هي من شؤون الدولة المهمة , خصوصاً أنه خطيب مفوه, يملك قوة الإقناع , ومع هذه المواهب لايُسمح أن يتجاهل قوة الكلمة , خصوصاً أن هذه المزايا, أوصلته إلى أعلى المراتب . لكن , لدى وصوله إلى البيت الأبيض , لم ير عظماء العالم القديم في هذا الحدث سوى نجاح ممثل سابق , نشأ وتربى في مدرسة هوليود للجمال وفن الجاذبية , إذ لم يكن يهمهم سوى مظهر . وقد كان جميلاً في حينه, وقد قوُم هذا الحدث في أوروبا على أنه اختراق لايصدق وغير معقول .

لم يندهش لهذا الحدث أحد من الأمريكين . وأقصى ما علق البعض على ذلك بقوله: إنه راعي بقر سابق , عرف كيف يتسلق الدرج بمهارة . والكثير من المواطنين المنحدرين من الطبقة البورجوازية , كما من أهالي الريف البعيد , صوتوا بكثافة لمصلحته سنة1980 ومن ثم سنة 1984 وما زالوا حتى الآن يتحسرون عليه وعلى اعتكافه وابتعاده عن المسرح السياسي , كما أن صورته المجسمة لا تزال تزين صدور الصالونات في العديد من البيوتات من مختلف المستويات مع رسوم لنكولن , روزفلت وغيرهم من العظماء والأبطال الأمريكيين . لاغرابة في ذلك ؛إذ طالما أعجب الأمريكيون بالمغامرين وأصحاب الصرعات . وفي المقابل لا يأبهون مطلقاً لمن يطلقون عليهم تسمية "أنصاف الرابحين" الذين يولدون وفي أفواههم ملاعق من ذهب , على مثال جون كيندي والذين لا يبذلون الكثير من الجهود للتوصل إلى النجاح والمراكز العالية .

بالنسبة لريغن , فقد بدأ حياته السياسية من أسفل الدرج ثم انطلق صعوداً بتؤدة وانتظام , من هضبة إلى هضبة , حتى القمة , حيث تربع مستريحاً في البيت الأبيض, مركز السلطة والقرار في العالم . وهكذا صنّف بين الأبطال الذين أججوا مشاعر الأمريكيين , ودخلوا إلى قلوبهم بأحداث وتصرفات لا تمحى من ذكرياتهم وتاريخهم, وأصبحوا مدعاة اعتزازهم وتفاخرهم.

سنة 1980 أختير رونالد ريغن لرئاسة الجمهورية الأمريكية وكان قد تعهد بأنه سيمحو الإذلال الذي أصيب به الولايات المتحدة في عهد (جيمي كارتر) حيث في طهران , "أحرق جنود الله العلم ذا النجوم , العلم الأمريكي , واحتجزوا ممثل واشنطن وجميع أفراد السفارة الأمريكية كرهائن فبانتخابهم لريغن , لم ينتخبوا فقط, رجلاً خارقاً(سوبرمان) في ثياب أنيقة , وطلة مهيبة يوحي بالقوة والرجولة ؛ إنما أنتخبوه أيضاً , ابن أحد تجار الأحذية في "تمبيكو" من ولاية "ألينوى", والتلميذ المرموق المنحدر من أصل أيرلندي , الشعب الذي يحمل في خلاياه ودمائه , العناد وكبر الرأس والتلميذ , الذي يحمل دبلوماً في الاقتصاد والعلاقات العامة , وهو ابن الثانية والعشرين من العمر وقد انتسب الى جامعة إيريكا Eureka . والسبّاح المنقذ إلى جانب كونه الأجهر صوتاً, والأكثر صراخاً في المدارج , والصحفيّ الرياضيّ.

وختاماً ممثل الأربعينات والخمسينات الناجح والناطق بالأعمال باسم شركة جنرال الكتريك . ثم اقتحم حاكمية ولاية كاليفورنيا , وخطيب الحزب الجمهوري وكاتب إفتتاحيات صحفية , وقد نال إعجاب الشعب الأمريكي لأسباب عديدة غير ماذكرنا. منها أنه يجد لذة خاصة بتقطيعه الحطب لمدفأته وفي امتطاء حصانه , وأن يشاهد في منزله , على الفيديو , صورته في الأقطار الأميركية البعيدة , كما لا يجد غضاضة في التصريح بأنه يكره ركوب الطائرة كالكثير من الشعب الأمريكي , وأنه شغوف بأكل المعكرونة بالجبن , وبأنه يروي الحكايات السخيفة التي لا معنى لها , ولا يمنع بأن تكون بعض الأحيان , واقعية .

رونالد ريغن وصوت الطبل

يتمتع ريغن بصوت جهوري دافئ , له رنة محببة وهو يعرف كيف يستعمله . فلكل حديث , بل كل مقطع نغمة معينة وبهذا يتقرب من كل أنواع البشر , ولا سيما الطبقات الشعبية . فهو خجول مع الخجولين ومتصلب مع المتصلبين ومتسلط مع المتسلطين . وقد عقد صلات الصداقة مع أصحاب السلطة والمراكز كذلك مع المثقفين الذين تعاقبوا تباعاً على المكتب البيضاوي الشهير . وقد أستنبط أخصامه ومنافسوه سخرية يتناقلونها فيما بينهم وهي أن صوته يشبه صوت الطبل , ربما كان ذلك صحيحاً, بعض الشيئ ولكن من القياس الكبير .

كذلك كان ريغن أكبر الرؤوساء الأميركيين سناً. كان في التاسعة والستين وتسعة أشهر يوم أنتخابه , في الرابع من تشرين الثاني سنة 1980 , وكان في الثالثة والسبعين وتسعة أشهر يوم أُعيد انتخابه سنة 1984.

منذ سنة 1789 , السنة الأولى من عهد الرئيس جورج واشنطن , تعاقب على سدة الرئاسةالأميركية 38 رجل دولة , قبل وصول ريغن إليها وتمركزه في البيت الأبيض طيلة ثمانية أعوام . وخمسة عشر من مجموعهم تمكن , مثل ريغن من إعادة أنتخابه مرتين . أما السادس عشر والذي نال قصب السبق فهو الرئيس فرانكلين روزفلت , الذي أنتخب أربع مرات متتالية أقام منها أكثر بقليل من أثنتي عشر سنة في البيت الأبيض , وفارق الحياة وهو في الثالثة والستين من العمر . أما بقية الرؤوساء الذين حكموا الولايات المتحدة الأميركية فكان سبعة منهم لم يصلوا بعد إلى سن الخمسين سنة , وثلاثة وعشرون لم يبلغوا الستين سنة , وسبعة أقل من خمسة وستين سنة , أما الجنرال وليام هاريسون , فكان في الثامنة والستين من عمره عند أنتخابه سنة 1841 , ولكنه لم يتمتع طويلاً بهذا المركز , إذ عاجله الموت في الشهر التالي لاستلامه الحكم.

رونالد ريغن " العجوز"

احتل رونالد ريغن , البيت الأبيض , واسترخى في المكتب البيضاوي الشهير , في الرابع من تشرين الثاني سنة 1980 وله من العمر تسعة وستون سنة وتسعة أشهر تماماً, وفي انتخابه للمرة الثانية سنة 1984 , كان قد بلغ الثالثة والسبعين وتسعة أشهر , مما يعني , خصوصاً في نظر الشعب الأمريكي , أنه يوم أنتخب للمرة الأولى , كان ريغن شيخاً أما عندما أنتخب للمرة الثانية , فقد أصبح شيخاً عجوزاً , عرفت معه الولايات الأمريكية المتحدة , النظام السياسي , الذي عانت واشتكت منه بعض الشعوب , والذي كان موضع سخرية وتهكم الأمريكيين , وخصوصاً حكم الأتحاد السوفياتي . فقد كان له القسط الأوفر من النكات والأوصاف القبيحة . حتى الصحف الأميركية لم تتورع عن نشر الصور الكاريكاتورية لرجالات الحكم في الأتحاد السوفياتي , أقلها , "نيكيتا خوتشوف " بهيئة دب هرم , يدب متوكأ على عصاتين . وأقل ما قاله الأمريكيون في هذا المجال : إن الشعب السوفياتي المسكين يرزح تحت حكم الشيوخ . هذا في البلاد ذات الأنظمة الجمهورية الديمقراطية . أما في البلاد الملكية , فعلى العكس تماماً , إذ كلما تقدم المليك بالعمر , زاد حبه وأحترامه من قبل الشعب , لإيمانهم بأن السنين تزيد الرجال حكمةً ورصانة , فتبعدهم عن الرعونة والتهور , فلا يزجون ببلادهم وشعوبهم في ما لا تحمد عقباه , ولا تعرف نتائجه . وقد أعطى بعض المفكرين والكتاب أمثالاً صارخة على ذلك لا تقبل الجدل , وأقربها تاريخياً , السعيدا الذكر , هتلر وموسوليني , فعندما اغتصب هتلر الحكم في ألمانيا , سنة 1933 , كان في الرابعة والأربعين من عمره , أما زميله وحليفه موسوليني فكان في الثامنة والثلاثين , يوم نصب نفسه دكتاتوراً على إيطاليا . ومن ثم زجّا العالم في أتون حرب ضروس , زلزلت الأرض وأحرقت شعوب العالم وخلّفت من الخراب والدمار ما لا يعوض , ولا يقدر بثمن . كما أنها حصدت أكثر من أربعين مليون قتيل . ومثلهم من المعاقين والمشوهين ومئآت الملايين من البؤساء من المشردين : وكل ذلك دوّن في حساب الزعيمين الكبيرين , كما أن في التاريخ أمثالاً كثيرة , تثبت أن العنف , والظلم , والتصدي , لايصدر إلا من الرجال في مقتبل أعمارهم وأوج رجولتهم وليس من الشيوخ والحكماء وأصحاب الروية والتبصر . وأخيراً , فإن التاريخ لاينسى الأمبراطور إيفان الرابع الذي لُقب فيما بعد بالرهيب إذ جعل الرعب يسيطر على روسيا وسائر أرجاء أمبراطوريته الشاسعة وهو في الواحد والثلاثين من العمر .

لم ينفرد هتلر وموسوليني وإيفان الرهيب وغيرهم ممن مر ذكرهم معنا , في إشعال الحروب , مقتحمين بلاد العالم , مدفوعين بشهواتهم الهستيرية في التوسع , والتسلط على البلاد والشعوب , والأستئثار بخيراتها وإنجازاتها , غير آبهين بالخراب والمار , اللذين يتسببون بهما , والبؤس والشقاء اللذين يخلفونهما وراء جحافلهم ناهيك , عن ألوف القتلى والجرحى والمشردين , إن في صفوفهم أو في صفوف البلاد التي يقتحمونها , فإن كتب التاريخ تضيق بذكرهم , وسرد نتائج غزواتهم وفتوحاتهم . وجميع هؤلاء القادة كانوا بين الثلاثينيات و الأربعينات من عمرهم .

 

ريغن وتأثير العمر على تصرفاته

في المقابل , ثمة قاعدة ثابتة , لاتقبل الجدل , وتعنينا جمعياً دون أي استثناء ولا مهرب منها لأحد:" عندما يكبر الإنسان في العمر يضعف" فإن مرور السنين , وهروب الزمن , يسهمان اسهاماً سلبياً حتمياً , على تركيبة الجسم البشري , إذ يتآكل هذا الجسم , وينال منه الوهن , بجميع أعضائه وأجهزته ومنها الدماغ .وهذه الظاهرة تصيب عظماء العالم , كما تصيب صعاليكه . فتصيب في من تصيبه, ممن توصلوا إلى القناعة وابتلاع ما يردده على مسامعهم بعض الأطباء المراهنين الذين يحيطون بهم , ويلعقون من صحونهم , بأن رحيق العظمة يحصنهم , ويغمسهم , كما يغمس الفولاذ, فيزيدهم قوة وصلابة ويمنع عنهم الصدأ والتآكل "إذا صح التعبير".

إن تسلم رونالد ريغن السلطة العليا , وبالتالي , زمام البلاد والعباد , وهو في خريف العمر , مخاطرة بحد ذاتها تتعرض لها الولايات المتحدة , وإن الشعب الأمريكي يشترك في المسؤولية والنتائج المحتملة من جراء الخلل السياسي والإداري , الناتج عن المتاعب الصحية التي يعاني منها الرئيس , خصوصاً إذا تفاقمت , وهذا , أمر طبيعي بالنسبة , إلى المسنين .

خلال الحملة الانتخابية التي أوصلت ريغن إلى البيت الأبيض للمرة الأولى , سنة 1980 , لاحظ بعض المراقبين , اللذين لا يؤخذون بالعاطفة , ولا يتأثرون , بهالة البطولة والتحدي , التي ينسجها جماعة ريغن من حوله , تصلباً في رأيه وغطرسة في تصرفاته تجاه المنتخبين , عكس ما هو مفترض , في مثل هذا الظرف , من اللطف والليونة , وبعد أن ربح المعركة واستقر في البيت , ودون الرجوع إلى الملفات , ودراسة الوثائق , اقترف خطيئة لا تغتفر , إذ أنها تمس مباشرة سياسة أميركا الخارجية , المتعلقة , بالعلاقات الأمريكية مع الصين الشيوعية , والتي كان سلفه , الرئيس نيكسون , قد قام بجهود مضنية , وحوارات طويلة حتى رسّخ جذورها وأذاب الجليد المتراكم بين الدولتين منذ عشرات سنين .

لقد اقترح ريغن , دونما سبب أو مناسبة , بصورة علنية , إعادة العلاقات , بأسرع ما يمكن , بين الولايات المتحدة , والصين الوطنية , مما جعل سلطات الصين الشيوعية تحتج بشدة غضب . وفي صباح اليوم التالي , بعد إطلاعه على العناوين الكبيرة , في الصفحات الألولى من الجرائد , رجع الى رشده , و في محاولة يائسة لإصلاح ما افسد , لم يجد من وسيلة , سوى توجيه اللوم الى الصحفيين و المعلقين مدعياً , بأنهم اساؤوا فهم و ترجمة أقواله , و هذه التمثيليات شائعة الحصول في المجالات السياسية لكن المستغرب أن ريغن و بين مساعديه الشاهدين على غلطه , رفض بشكل قاطع إمكان وقوعه بالخطأ . و ليست هذه الحادثة , وحيدة من نوعها بل كانت تتكرر بشكل كثيف . و قد عزا بعض المراقبين هذه الحالة , الى إختلال في المزاج , يصاب به المسنون من وقت لآخر .

الشلة الكاليفورنية المسنة

" قديما قيل : الناس على دين ملوكهم " مما لفت أنظار المراقبين , أن الفريق المحيط بالرئيس ريغن , و الذي سمي في حينه " الشلة الكاليفورنية" و كان قد لحق به إلى البيت الأبيض , يتألف في أكثريته , من رجال مسنين يجايلون رئيسهم . فوليام كاسي المحامي النيويوركي الثري , الذي يعتبره ريغن " أخاه في السلاح " رغم أنه لا ينتمي إلى " العائلة الغربية " كان في السابعة و الستين من عمره عندما قاد المعركة الإنتخابية الرئاسية " بفعالية " لمصلحة ريغن . ثم إعتنق بشكل تام أفكاره , و تبنى طريقته في كل ما يتعلق بالدفاع , و الأمن القومي و الإقتصاد . و على سبيل المكافأة , أسند إليه ريغن , مديرية وكالة الإستخبارات الأمريكية CIA . و بهذا أصبح من أقوى رجالات الولايات المتحدة , مما سمح له باستعماله لهذه المؤسسة الهائلة على هواه , أن ينتهج سياسة خارجية خاصة به . و من طريف الصدف أن كاسي يعاني كرئيسه نفس الهموم و المصاعب الصحية .فقد أصيب الإثنان في نفس الوقت بالسرطان , أصيب ريغن أولاً بسرطان بسيط في البروستات , أما كاسي فكانت إصابته أخطر , إذ أصيب بتورم سرطاني في الدماغ . و لابد لهذا الخبيث , في نموه و تمدده الصامت من أن يولد لدى المريض هماً و غماً و شعورا بالإحباط , مما يؤثر سلبا على تصرفاته و قراراته , دون أدنى شك . إن معركة ريغن الإنتخابية الأولى , ولّدت ردات فعل معتدلة و مختلفة , باختلاف الفئات و المصالح . فالموظفون أعلنوا العداوة علناً , إذ أن ريغن كان قد أعلن في برنامجه الإنتخابي , تخفيض مصاريف الدولة بنسبة كبيرة , مما يعني الإستغناء عن خدمات الألوف من الموظفين . اما تصريحاته باعتماد الليبرالية التامة والغير المشروطة لكل ما يتعلق بلاقتصاد والاستثمار , فقد ولدت شعوراً بالحذر . لكن الشعور بالراحة والسعادة , ققد عم الاكثرية الساحقة من الشعب الأميركي , عندما اعلن عن تعهده بتخفيض الضرائب عن كاهل الشعب وخصوصاً الطيقات المتوسطة وما دونها , والسير على خطى الرئيس الأسبق فرنكلين روزفلت , وإجراء تغيير جذري في الحكم . وكثيراً ما كان يردد في خطبه صفة كان قد اعتنقها وسيطرت عليه حتى الوسواس :" العائلة , العمل , الحرية , السلام , احترام القريب " مما اثار سخرية الديمقراطيين . إلا انها اعطت ثمارها , وفاز ريغن في الانتخابات .

 

عظمة الاحتفال بتنصيب ريغن

خلافاً للبساطة والوضاعة للحفل الذي تمّ به تنصيب الرئيس جيمي كارتر، فإن افتتاح عهد ريغن، كان الأضخم والأبهى، والأكثر كلفة، في التاريخ الأمريكي في هذا المجال، إذ دعي إليه، كل من هبّ ودبّ من المغنين والفرق الموسيقية، كما ضمّ، رجال السياسة والمال والأعمال وحشداً ضخماً من الملوك والرؤساء، مما حوله إلى عيد كبير.

لكن البهجرحة والسخاء تحوّلا إلى جو من الذهول والوجوم، إثر حادث مريع، وذلك بعد أسابيع قليلة من حفل التنصيب تعرّض له الرئيس كان يودي بحياته، وكان له تأثير سيء على الهالة التي أحيط بها العهد والرئيس الجديد.

وفيما يلي تفصيل الحادث كما رواه دنيز ماك أرثى أحد الحراس الملحقين بالبيت الأبيض: في يوم الاثنين الواقع في الثلاثين من آذار سنة 1981، ولدى خروجه من "الهيلتون" في واشنطن، بعد إلقائه إحدى خطبه الطنانة، وفيما هو يحي الجماهير الغفيرة المتراصة على الأرصفة وقد تهيّأ للصعود، إلى سيارة الكاديلاك الليموزين، المصفحة، المتوقفة بالقرب من المدخل، والتي خلافاً للعادة تفتح أبوابها إلى الخلف، وهي فريدة من نوعها بين سيارات الرئاسة، وهذه الخاصة الفريدة باعتقاد المحققين هي التي أنقذت حياة الرئيس عندما أطلق باتجاهه أحد المهووسين، خلال ثلاثة ثوان، ستة عيارات نارية أصابته إحداها بصدره إصابة طفيفة، قبل أن يقذف به أحد الحرّاس إلى داخل السيارة، فارتطمت بقية القذائف بأبواب السيارة التي كانت بمثابة درع واقية، بعد أن حصدت إحداها جيمس برادي، المتكلم الرسمي باسم البيت الأبيض وقد أصيب إصابة مباشرة في رأسه.

عندما انتهره "ماك آرثي" لم يبد القاتل، أي مقاومة أو محاولة للهرب، إذ ألقى بسلاحه إلى الأرض بهدوء كما طلب منه، وارتسمت على محيّاه ابتسامة بلهاء، فألقي القبض عليه ببساطة مستسلماً كشاة قرعاء، وسيق إلى التحقيق، فإذا به شاب في مقتبل العمر، يتمتع بصمة جيدة حسن الهندام، جميل الصورة، يضع نظارات طبية، يتسم وجهه بالطيبة والبراءة، ويدعى جون هانكلي، وقد أصيب المحققون بالدهشة والحيرة، إذ أن سجله العدلي نظيف لا يحتوي على أية سابقة أو جنحة، ولم يسبق له أن اعتقل أو حقق معه.

كما أن اسمه غير مدرج في لوائح الشرطة، التي تحتوي على أربعين ألف من المهووسين والمصابين بالانفصام، ومختلف أنواع الأمراض النفسية، الذين ربما شكلوا خطراً على سلامة الآخرين الموضوعين تحت المراقبة المكثفة، من قبل مختلف الدوائر الأمنية بسبب ميولهم العدائية والإجرامية.

وعندما أخضع للفحوصات الدقيقة، تبيّن أن "هانكلي" هذا مثال صارخ لعدم الاتزان، وبفعلته هذه دخل هذا العالم "عالم الإجرام" من أوسع الأبواب وأعلاها، ولدى سؤاله عن الأسباب التي دفعته إلى اغتيال الرئيس، أفاد ببساطة وصراحة، أنه أقدم على جريمته، تقليداً لبطل فيلم، "سائق التكسي" للمثل "مارتن سكورسس" الذي عُرض سنة 1976، وقد وقع اختيار الرئيس بالذات هدفاً له، ليضمن لنفسه التوافق في البطولة على ما قام به الممثل في عمله السينمائي، وبهذا يحظى بالممثلة الجميلة "جودي فوستر".

بعد إخضاع جون هانكلي، لفحوصات دقيقة مكثفة والتأكد من حالته المرضية العقلية المتقدمة، واعتباره طمن أخطر المصابين عقلياً، زج به، حيث يجب أن يكون منذ أمد بعيد، في مستشفى القديسة إليزابيت، بواشنطن، حيث لم يجد لنفسه، سلوى يمضي بها أوقاته، سوى مكاتبة أمثاله، من المختلين المجرمين، بمثابرة وإلحاح تلفت الأنظار.

ومن هؤلاء شارل مانس الذي قتل الممثلة الشهيرة شارون تات وستة أشخاص غيرها كذلك وجه العديد من الرسائل إلى لينيت فروم الذي حاول اغتيال الرئيس "جيرالد فورد" سنة 1975 ولم يفوته مكاتبة المجرم الشهير "تيودور بوندي" الذي نال قصب السبق في عدد الضحايا إذ حَفِلَ سجلّه بستة وثلاثين جريمة قتل فقط لا غير في فلوريدا.

أما من جهة جيمس برادي الناطق باسم البيت الأبيض والذي أصيب يوم محاولة قتل الرئيس ريغن، فقد بقي معاقاً، مدى الحياة بالرغم من العناية الفائقة الذي بذلها أشهر الأخصائيين والجراحين الذي احتشدوا حوله، ولم يتمكن من استعادة قواه الجسدية والعقلية إذ كان قد أصيب بجرح بليغ في رئته اليسرى ونزيف داخلي غزير في القفص الصدري، كما أن رئيسه ريغن يحمل أثر جرح كبير في صدره، مما يشكل ذكرى اليمنى لا تُنسى لذلك الحادث الأليم، الذي يشهد ببراعة الجراحين الأمريكيين وتدخّلهم الفعال.

عندما تماثل ريغن سريعاً للشفاء، وأثناء نقاهته تلقى عشرات الآلاف من البرقيات، ومئات ألوف الرسائل تستنكر الاعتداء وتتمنى له الشفاء العاجل، مما يدل على تعاظم شعبيته وتعلّق الجماهير بشخصه إثر الحادث، والجدير بالذكر أن ذلك انعكس إيجابياً على الاقتصاد الأمريكي بشكل مدهش، مما جعل الدولار يقفز قفزات كبيرة في أسواق البورصة العالمية، وقد كافأ الأمريكيون رئيسهم على طريقتهم، فزعموا أنه يتمتع بالبركة والفال الحسن.

 

رغم نجاته وريغن، يحمل آثارها النفسيّة:

من المعروف جيداً، والمتفق عليه بين الأطباء، وعلماء النفس أنه، ولو نجا الإنسان من حادث مريع، كمحاولة اغتيال أو سقوط طائرة، أو بعد احتجازه كرهينة فمن المستحيل أن يخرج كما كان تماماً قبل تعرضه لتجربة كهذه، كما لا يمكن أحدٌ أن يدخل إلى المطحنة دون أن يعلق بثيابه بعض الغبار، هكذا لابدّ أن يحمل من ينجو من حادث مريع، آثاره طويلاً مهما، حاول تناسيه، ومن المؤكد أنه يحتاج لمساعدة نفسية ولمدة طويلة لكي يتمكن من تخطي هواجسه واستعادة توازنه وإعطاء معنى لحياته والرصانة لتصرفاته، علماً بأنه لم ينل أحد الرؤساء ممن مرروا في تجارب مماثلة، أية مساعدة، وأنها غير معروفة في أوروبا.

فتأكيداً لهذا المبدأ المعروف؛ صرّح رجل الأمن الذي ساهم بفعاليّة، في نجاة ريغن من محاولة الاغتيال التي تعرّض لها، دنيز ماك كارثي قائلاً بأن ريغن ومنذ تاريخ اغتياله أمام فندق "الهيلتون" سنة 1981 حتى نهاية أيامه في البيت الأبيض، لم يجرؤ على القيام بخطوة واحدة في الشارع بحريّة كسابق عهده.

وتحوّل فجأة، وخلال سبع سنوات، إلى شخص يستحيل الوصول إليه، ولم يعد يشاهد إطلاقاً في واشنطن أو على مقربة من الاستراحات الرئاسيّة العديدة، إلا على شاشات التلفزيون، أو خلال تنقلاته الرسمية، ومحمياً بحائط من مئات الأجسام البشرية تحجبه حتى عن الأنظار، وقد توصّل به الحذر والحيطة إلى ارتداء معطف مدرّع في أكثر الأحيان، مما يعني أنه ما زال بالحادث الذي تعرض له رغم أنه يبذل جهداً للتظاهر بعدم المبالاة كما أنه أصب رؤساء العالم إصغاءً، إلى جهاز أمنه، ناهيك زوجته نانسي، التي لم يعد لها من مطلب، سوى زيادة جهاز حمايته.

 

رونالد ريغن يمرض منذ السنة الأولى من عهده:

إن النشرات الطبية الدورية، الصادرة عن البيت الأبيض، التي كانت تعلن أن الرئيس يتمتع بصحة ممتازة وهو في أحسن حالاته، كانت من وقت لآخر مزوّرة، تخفي عن الشعب الأمريكي بعض الحقائق مما يكون قد أصيب أو ما مصاب به ساعة نشر البلاغ، الذي ينوه به بسلامة وحيوية الرئيس، وبالحقيقة كانت إصابات بسيطه يصاب بها، من وقت لآخر كل من تجاوز سناً معينة.

لكنّه سنة 1982، أصيب بالتهاب حاد في المجاري البولية، مما استدعى دخوله على المستشفى، ولم يكن من الممكن إخفاء ذلك، وقد عولج حينئذ بالمضادات الحيوية، فخفّت حدته لبعض الوقت، قم عاد إلى حدثته، فتكثفت المعاجلة، حتى شفي الرئيس تماماً بعدئذ أجريت له فحوصات متقدمة مخبرية، وإشعاعية، فتأكد للفريق الطبي المعالج سلامة الكليتين، والمبولة، ومن ثم بعد برهة من الزمن، ليست بطويلة، أصيب ريغن، بحساسية مزعجة مقلقة للراحة، مما فرض استعمال مواد مضادة للتحسس وتعاطيه عيارات قوية بصورة شبه دائمة، مسببة للنعاس، مما يفسر إغفاءه الغير المنتظر والمتكرر، حيثما كان وفي أي وقت من الأوقات، ليلاً ونهاراً وخصوصاً أثناء المناقشات التي تجري بينه وبين عدد قليل من كبار رجالات إدارته، كما أنه في وقت لاحق، فقد حاسة السمع أو على الأقل، بنسبة كبيرة مما كان يزعجه ويعكر مزاجه، هذا إلى جانب العديد من المشاكل والعوارض الصحية، التي تعزى عادة إلى التقدم في العمر.

وفي أوائل الربيع سنة 1984، لم يلفت أنظار أحد من الناس دخول السيد نيل ريغن، وهو الشقيق الأكبر بسنتين للرئيس رونالد ريغن، والبالغ خمسة وسبعون سنة، في حينه؛ في الواقع، لم تكن مدة استشفائه طويلة، إذ كان يشكو من بعض الآلام والإزعاجات في أمعائه، ولدى إجراء الفحوصات اللازمة.

تبيّن للأطباء وجود العديد من البؤر الصغيرة، التي على وشك التحوّل إلى تقرّحات هذا، ما عدا واحدة منها كانت، فعلاً قد تحولت إلى خلايا سرطانية خبيثة متقدمة، وفي هذه الحالة، كان لابد من استئصال النصف الأيمن من المصران الغليظ ولما كان شقيقاً للرئيس فقد نال الكثير من العناية والانتباه، ولما كان هذا المرض يعتبر خطيراً جداً فقد أجريت حوله دراسات عميقة، فاعتبره العديد من أطباء الأمراض الداخلية، إلى جانب علماء الأمراض السرطانية "مرضاً عائليا" يصيب العديد من أفراد العائلة الواحدة، مما أيقظ الحذر عنه الرئيس والمحيطين به، وفي هذا المجال ما يدعو إلى الشك والتساؤل، لماذا؟ في الثامن عشر من أيار سنة 1984: أعلن رسمياً من البيت الأبيض للشعب الأمريكي، بأن الرئيس رونالد ريغن، قد أجرى الفحوصات الصحية السنوية المعتادة "فوجد متمعاً بصحة جسدية ممتازة، وفريدة من نوعها" كذبة معلّبة برمّتها!

ومما يثبت بالفعل، أنها كذبة سرعان ما افتضح أمرها أن في نفس الشهر، أيار وعوضاً عن القيام بالجولة التفقدية لأرجاء البلاد والولايات المتحدة الأمريكية، التي كان قد أعلن عنها مسبقاً، فقد كانت جولته قصيرة جداً، إذ أنها لم تتعد المستشفى العسكري حيث أخضع لعملية جراحية، قيل عنها في حينه أنها بسيطة، ولكنّها في الحقيقة كانت نفس الجراحة التي أجريت لشقيقه، من قبله بمدة قصيرة، فاستئصل للرئيس، ورم بقطر أربع مليمترات، متواجد في الطرف السفلي في المصران الغليظ مما لفت الأنظار إلى حالة الرئيس فاستدعى إجراء ما يلزم من الفحوصات الجدّية ومن ثم إجراء الجراحة، وجود بعض الدماء في خروجه.

بعد خمسة عشر شهراً من ذلك، كنّا نعرف في حينه عن وجود عارضين بسيطين، لكن النزف الدموي الصغير كان قد توقف، وهذا ما أدهش الأطباء، أما بالنسبة لي، فأعتقد بأن سببه حساسية خارجية، وأنتم تفهمون ما أعني، وهنا كان يوحي لهم بأن الأمر يتعلق "بالبواسير" وعلى كل، ومهما كان الأمر، فقد استأصلوا ورماً صغيراً جداً، واسـتدرج قائلا: وقد ثبت أنه سـليم جداً بعد فحصه الميكروسوكبي.

أما الأمر الثاني فهي جراحة صغيرة لا معنى لها، كل ما قاله ريغن لا يتعدى كونه نوعاً من التمويه الساذج، هذا على الأقل بنظر العارفين بخفايا الأمور إذ، أن يخلط الرئيس بين نزيف البواسير المعروف بآلامه، ومشوحات دموية خفيفة في الخروج، أمر لا يصدّق، فمن الممكن أن يكون الأطباء، قد نصحوه بنظام غذائي معين، وذلك لإبعاد أي إمكانية للوقوع في خطأ ترجمة الفحوصات المخبرية المزمعين على إجرائها.

أما اعترافه باستصئال ورم صغير واحد وترك الثاني للتأكد من نوعيته بعض الفحص، خصوصاً بعد أن استئصل لأخيه، وقبله ببضعة أيام ورماً مماثلاً تبين بأنه سرطاني خبيث، فهذا الأمر، لا يعقل، وبعيد عن التصديق، إذ من المعروف والمفروض أن يُستأصل الجراح كل ما يراه ويشك بأمره، بعد أن يفتح جوف المريض وذلك على سبيل الوقاية واستباق تفاقم الأمور، وخصوصاً إذا كان تورماً، وبناء على الوقائع المتعلقة بريغن.

وفي هذا المجال، صرّح أحد علماء التنظير الباطني النيويوركيين، المطلعين على الحقيقة، مؤكداً بأن فحصاً راديوغرافيا قد أجري لريغن وبأنه من غير المعقول، أن يغيب عن الأنظار، ورم موجود في الأمعاء ومنذ أمد بعيد وتساءل قائلاً: ألم تجر له عملية جراحية خلال تموز سنة 1985؟

من المؤكد أن ريغن قد أصدر أمره بالتزام الصمت وتأخير إجراء العملية وبالتأكيد بعد استشارة وتقدير العديد من الأخصائيين، إذ يترتب على هذا التأخير ترتيب أمور خطيرة ومهمة جداً بالنسبة للرئيس، ولم يكن أمامه خيار ثان، حتى لو كان في هذا التأخير خطة على حياته إذ ربما كان إعلان الأمر، وأجراء العملية في حينه يسبب فشله في الانتخابات لولايته الثانية.

لإتمام هذه الرواية، كان لابدّ من طبيب، له من الشجاعة ما يكفي لموافقة الرئيس على تأخير العلاج إلى ما بعد إجراء الانتخابات الرئاسية التي كان يحضرها لولايته الثانية، كما كان على هذا إقناع زملائه، متحملاً وحده المسؤولية، فلم يكن سوى الدكتور "دانيال روج" صديق العائلة وطبيب الرئيس الخاص، الذي اختارته السيدة نانسي.

 

علاقة الزوجين المميزة:

تجمع بين رونالد ونانسي علاقة، لا بل تعلقاً مميزاً ومؤثراً، إذ كانت نانسي لا تدعوه سوى حبيبي "روني"، أما هي فكانت بالنسبة له أمه العزيزة، كما أن العطف والحنان الذي يجمعهما منذ سنة 1952، لم يفتر إطلاقاً وما زال الرئيس يردد قائلاً: ان الزواج هو غرفة دافئة جداً، يدخلها الإنسان عندما يشعر ببرد قارس، كما أنه لا يتورّع عن التصريح، بأنه يشعر بالهلع والقلق عندما لا تكون نانسي إلى جانبه، فهي محور حياته.

ومن جهتها تقول نانسي: إن حياتي لم تبدأ فعلاً، إلا بعد لقائه، وليس من المهم بالنسبة إليهما، فتور علاقتهما بولديهما باتريسيا ورونالد جونير "الصغير" اللذين يعيشان حياة غير مستقرة وينعتان والديهما بالبرودة والمحاسبة ومما لاشك به أن المركز المرموق الذي يتبوأه رونالد، والامتيازات التي يحصلان عليها رسخت علاقة الزوجين، وقد حصّنت المصاعب الجسدية التي أصيب بها الرئيس هذه العلاقة، فهي تسهر عليه بيقظة وحنان كما يسهر الذئب على صغاره، وهذه المخلوقة الهشة النحيلة، تتحول إلى لبوة كاسرة، لا تتورع عن شيء إذا شعرت بأن ثمة خطر يحيق بحبيبها.

وبشهادة الكثيرين فإن الرئيس يتصرف بليونة وانكسار عندما تكون نانسي إلى جانبه ويترك لها مهمة الصد والتحدي، وهذا ما يجهله الرأي العام الأمريكي، فهي التي تعيد نفخة عند اللزوم، وقد لاحظ الصحفيون وفي مناسبات عديدة أنها كانت تسر إليه بالجواب المناسب، إذا لاحظت ارتباكه في مواجهة سؤال محرج، من البديهي، أن تجعل من نفسها المرجع المسؤول عن سلامته وصحته، فهي التي تختار الأطباء وتباحث في العلاج، وتعوّل كثيراً على قيافته ومظهره فتنتقي ألبسته وتولي عناية فائقة عقدة الرقبة والحذاء، إذ كثيراً ما رددت أن الحذاء الجيّد وربطة الرقبة الجميلة تنمّ عن شخصية الرجل وأهميته.

منذ بعض الوقت، أسندت مراقبة صحة الزعماء إلى أطباء عسكريين، وبناء على طلب الكونغرس، حيث أعادوا إلى الذاكرة، موت الرئيس فرانكلين روزفلت وهو في الحكم، كما عدد بعض الأعضاء المشاكل التي حدثت من جراء مرض بعض الرؤساء أو موتهم؛ كما أن الأطباء العسكريين عادة لا يتأثرون كغيرهم بمن يحيط بالرئيس من أهل وأصدقاء، ويسايرونهم في إخفاء أو تخفيف خطورة الإصابة أو العلة، إنما يرفعون تقاريرهم على لجنة مراقبة عليا، يشرحون فيها حالة الرئيس الحاكم دون محاباة أو تستر.

أما بالنسبة إلى الرئيسة السيدة نانسي، فلم تأبه لهذا الأمر، ولم تتقيد به ولو لمرة واحدة، فكانت تستدعي إلى البيت الأبيض طبيباً مدنياً عند الحاجة، شرط أن يكون من الذين يدورون في فلك عمها زوج أمها الدكتور "لويال ديفيس: وهو جراح كبير، واسع الثراء، من شيكاغو، كان قد تزوج من أمها "المهجورة من زوجها الأول" في اليوم التالي لولادة نانسي، فتربت في كنفه محاطة بعطفه وحنانه جنباً إلى جنب مع ابنه ريشار، وهو أيضاً من زواج سابق ومن هنا كانت علاقة ودية مع العديد من زملاء عمها، وتلامذته ومعاونيه الذين أصبح بعضهم من مشاهير أطباء الولايات المتحدة، وفي سنة 1981 اختارت نانسي من بينهم الدكتور "دانيال روج" وهو جراح أعصاب واسع الصيت، عريض الشهرة.

كل الدلائل، تشير بوضوح وتحمل على الاعتقاد بأن الدكتور "روج" على تفاهم ممتاز مع الرئيس ريغن، مما يشهد على ذلك تصرفاته في البيت الأبيض وتنقلاته العلنية مع الرئيس؛ فهو لا يلتزم حدود مهمته الطبية التي تقضي بمراقبته، والسهر على صحة الزعيم الكبير، فهو بتأثير السيدة النشيطة نانسي يراقب بانتباه شديد، تصرفات الرئيس وقراراته، ولكن اهتمامه كان ينصب على تغطية الرئيس، أكثر منه على مصلحة البلاد.

كان الدكتور "روج" على علم، منذ أمد بعيد، أن ريغن مقتنع تماماً، بانتزاع ولاية ثانية، وبالتالي ترشيح نفسه لانتخابات تشرين الثاني سنة 1984، ولهذا السبب، لم يكن على عجلة من أمره في ايار تلك السنة، عندما اكتشفوا ما يعاني منه الرئيس في أحشائه، بل على العكس، لم يكتف بالسكوت، بل بذل جهداً كبيراً لإقناع زملائه الأطباء بتجاهل الأمر، والتزام الصمت المطبق، والانتظار حتى مطلع السنة التالية 1985، مما يعني انتظار نتائج الانتخابات وعملية التسلم الرسمية وبهذا يكون كل شيء قد انتهى، ولم يعد أي مجال للإزعاج في ما يتعلق بصحة الرئيس، ومعالجة أمعائه.

وبانتظار ذلك شددت الرقابة الصحية في البيت الأبيض، ولكن بشكل سري جداً، إذ أن أي إشاعة تتعلق باحتمال وجود مصاعب في أحشاء الرئيس المرشح، فكيف لو أعلن صراحة باكتشاف ورم خبيث؟ فلو حصل ذلك لتبخرت بسرعة، أحلام البيت الأبيض، وبالتالي أحلام نانسي وزوجها والبطانة.

وفي هذا المجال أوضح المؤرخون أن نصائح وتوصيات أهم وأشهر الأخصائيين، الذين يدعون لمعاينة الرئيس، غير ملزمة، وليس لها أي تأثير على قرارات طبيب الرئيس الخاص، خصوصاً إذا كان هذا الطبيب مقتنعاً بأن عمله هذا للمحافظة على إتمام ونجاح مهمة سياسيّة لمصلحة البلد.

وقد جرى ذلك للعديد من الرؤساء الأمريكيين، وبقي ذلك سراً مغلقاً ضمن مخادعهم، فالرئيس ويلسون أصيب بفالج نصفي، أما الرئيس هاردنغ، فقد أصيب بذبحة قلبية، كما أن روزفلت أصيب بانسداد جزئي بالوريد الدماغي، وكندي كان يخفي ما يدعى بمرض أديسون، وقد استئصلت له بعض الخلايا السرطانية من حباله الصوتية، وللتمويه تم ذلك، في الوقت نفسه، الذي أجريت له عملية بسيطة في المرارة، كان قد أعلن عن موعد إجرائها مسبقاً.

على مدى المعركة الانتخابية الرئاسية سنة 1984 والمواجهة الشرسة بين الرئيس ريغن، وخصمه الديمقراطي العنيد "ولتر مانديل" الذي يبلغ الستة والخمسين من العمر، لم يتمكن ريغن على الرغم من مساعدة الدكتور "روج" له، من إخفاء تعبه، عن عيون الشعب الأمريكي، وكان هذا التعب الشديد، بنظر الجميع، يعود إلى تقدمه بالعمر والشيخوخة إذ أنه قد أكمل الثالثة والسبعين، وكان الدكتور روج والعديد من الأطباء يدركون أن القلق والهم باتا يسيطران على العجوز الرابح.

فخلال المواجهة الأولى المتلفزة، بين الخصمين التي جرت خلال تشرين الأول، خيب ريغن آمال مؤيديه، وأفزعهم بما بدا عليه من انحطاط في الهمة والنشاط، وفي بعض اللحظات كان يبدو زائغ البصر فارغ النظرات، عدا عن الأخاديد العميقة التي تكسو وجهه المترهل، وكان محاضرته، مبهمة خالية من الحماس والمثالية، إذ خلط في تقويم الانجازات وأرقامها مكرراً الكلام، ومن حسن حظه لم تدم لأكثر من ساعة ونصف، كانت بالنسبة لريغن عذاباً أليماً، كما أن خصمه مونديل لم يكن أحسن حالاً منه إذ أنه من النوع المسحوق، الذي يخسر المعركة سلفاً قبل بدايتها، وهكذا غرق.

لدى سؤال مونديل، عن سير وقائع المواجهة مع ريغن أجاب بما أيده فيه العديد من علماء النفس: لم يزعجني ريغن بجهله لبعض الأمور؛ لكن ما أزعجني وأثار سخطي أنه على استعداد للتأكي

على ما يدعي معرفته رغم عدم صحته، إلى جانب ذلك فقد لاحظ علماء النفس فقدان الذاكرة عند ريغن واختلاط الأمر عليه فيما يتعلق بالتواريخ والأرقام، وبالنسبة لهؤلاء العلماء، فإن ذلك من علامات الكبر والشيخوخة.

خلال المبارزة العلنية الثانية بين المرشحين، التي جرت بعد عشرة أيام من الأولى، استعاد ريغن بعض ملاطفة الشعب الأمريكي له، إذ قال لمونديل وابتسامة ساخرة تعلو شفتيه: يتكلمون كثيراً عن أعمارنا لذلك، عليّ أن أطمئنك وأعدك بأنني لن أستغل حداثتك وعدم خبرتك فأحرجك أمام الجماهير بأمور سياسية تجهلها ولم يسبق لك فيها أية تجربة لا من قريب ولا من بعيد، مما جعل مؤيديه ينفجرون من الضحك.

أما الدكتور "روج" فقد أصبح موضع انتقاد وملامة الكثيرين من خبراء السياسة وحتى زملائه الأطباء، وتحت هذا الضغط الكثيف، ترك "روج" ريغن وغادر البيت الأبيض في أوائل 1985 مما جعل "نانسي" تستدعي أخصائياً بالمجاري البولية، على وشك التقاعد، وهو الدكتور "ت. بورتون سميث" الذي كان قد عالج زوجها، يوم كان حاكما لولاية كاليفورنيا فأصبح على عاتق الطبيب الجديد التقرير واعتماد التاريخ لإجراء جراحة الكولون، التي أصبحت ملحة، قبل أن تنتقل الخلايا الخبيثة إلى أماكن أخرى من جسم الرئيس.

وقد أختير لإجراء الجراحة، فريق الدكتور "روزنبرج" في الثالث عشر من تموز 1985، وقد أجريت العملية، في مستشفى "بتسدا" التابع للبحرية الأمريكية، القريبة، من واشنطن.

وقبل المباشرة بالعملية كان لابد من القيام بالتحضيرات الضرورية التي تقتضي إفراغ الكولون وتعقيمه وحقنه بالمضادات الحيوية، وذلك على سبيل الوقاية المبدئية، خوفاً من التلويث، ولدى وصولهم إلى ورم، وجدوا أنه قد تمدد وأصبح بطول سبعة سنتمترات ومن الدرجة .ب. أي الدرجة الثانية حسب تقويم الدكتور كيلبرت ديوك، رئيس مستشفى الأمراض السرطانية في لندن، وقد طالت العملية لمدة أربع ساعات كاملة استئصل خلالها عدا عن الورم المطلوب، والكولون اليمني كله وستين سنتمتراً من الأمعاء الغليظة.

وفيما بعد، أكد كبير الأطباء، أن الخلايا السرطانية لم تطاول الأنسجة القريبة من الإصابة، وأن الكبد والرئتين نظيفة وبعيدة عن أي شبهات.

لكن مراقبة ضحايا السرطان واجب مبدئي وأساسي، ولا يسمح بالتهاون والإهمال، ولم يتأخر الوقت طويلاً، حتى سمعنا أن الرئيس ريغن، الذي عانى من تدخل جراحي طويل وخطر تعيّن عليه الدخول إلى المستشفى مرتين متتاليتين، ولكن لمدد قصيرة: الأولى في 30 تموز 1985، والثانية في العاشر من تشرين الأول، إذ اكتشفت لديه خلايا سرطانية على أنفه، فاقتلعت بسرعة وقد عُزي ذلك، إلى كثرة تعرضه للشمس، مما استدعى منعه على ذلك نهائياً.

 

ريغن تحت المراقبة الصحية:

بعد أن كان على الرئيس ريغن أن يخضع لثلاث جراحات لاستئصال أورام سرطانية وجدت في أماكن مختلفة من جسده، وضع تحت الرقابة الصحية الدائمة، واستدعي إجراء فحوصات دقيقة مرة كل ستة أشهر على الأقل، وقد أجري له هذا الفحص للمرة الأولى في السادس عشر من كانون الثاني 1986، فاكتشف لديه، ثلاثة أورام سرطانية في الأمعاء، فاقتلعت فوراً.

والفحص الثاني أجري في أيار سنة 1986 فاكتشف له كما في المرة الأولى ورمين خبيثين، استئصلا بسرعة، من هنا يبدو جلياً أن الأورام السرطانية في الأمعاء، تبقى الهم الأكبر، والشغل الشاغل عند الناجين من الإصابة الأولى كأنه سيف القدر المسلط على أعناقهم.

بعد برهة من الزمن، سرت إشاعة مفادها أن حرباً غير معلنة، وعرض عضلات، بدأت فصوله بين الكونغرس والزوجين الرئاسيين فيما يتعلق بطبيب ريغن الشخصي الجديد، وأن الطبيب الجديد، المقرب جداً من الرئيس يطمس المعلومات، ويخفي الحقائق المتعلقة بصحته، كما فعل سلفه الدكتور "روج" وعندها، لم يتردد الدكتور "بورتون سميث" فتحدى، بشكل علني الكونغرس، وهي السلطة العليا في البلاد، وقد دامت هذه المواجهة ردحاً غير قصير من الزمن وجد الطبيب نفسه في نهايتها، على إخلاء الساحة في شتاء 1986 مدعياً إنقاذ الماء الوجه، بأن ثمة أموراً عائلية مهمة، تستدعيه فولى الأدبار عائداً إلى كاليفورنيا.

بالعودة إلى السيدة نانسي، وقد قلمت أظافرها، كظمت غيظها، وابتلعت هزيمتها، مستسلمة للقاعدة التي تقضي بانتداب الطبيب من قبل الكونغرس وإلحاقه بخدمة الرئيس، فوقع الاختيار، على الطبيب الكولونيل "جون .أ. هوتون ج. ر" في السادسة والخمسين من العمر، وهو جراح مجرّب، أختير من بين نخبة الأطباء العسكريين ولم يكد يلتحق بوظيفته الجديدة، حتى أخضع الرئيس للفحص الروتيني الشامل المعتاد، في مشفى "بتسدا" حيث اكتشف أر بعة أورام جديدة في أحشاء ريغن، وعند الانتهاء من اقتلاعها، أجريت له عملية جراحية في البروستات، وذلك استناداً إلى فحوصات تعود إلى شهر آب 1986.

وقد تم ذلك في الرابع من كانون الثاني 1987 وهذا النوع من الأورام التي بأكثرها غير خبيثة، تنمو، وتتضخم عند المسنين، وتعرقل عملية البول مما يقتضي استعمال مشرط الجراح.

 

 نانسي تستنجد بشقيقها:

بعد أن استقال الدكتور سميث، أو عمليّا، أجبر على الاستقالة، وجدت الأمريكية الأولى، نانسي ريغن، نفسها وحيدة في الساحة، فاستنجدت بالدكتور ريشار ديفيس نصف شقيقها ورجته بأن ينتخب (لروني) فريقاً طبياً مدنياً، موقع اختياره على الدكتور ديفير أوتز، السويسري الأصل وهو رئيس فرع الجهاز البولي في "مايو كلنيك" CLINIQUE الشهيرة في روشستر.

وهكذا في الرابع من كانون الثاني، بادر فريق الهجوم العائد إلى هذه المؤسسة الطبية الشهيرة منتقلاً إلى مستشفى "بنسيدا" لمعالجة ريغن، وكان الفريق يتألف، عدا عن الدكتور "ديفيد أوتز" من الدكتور جورج فارو" كبير عهده في علم الأمراض، و"بول ديديه" و "ر.س رتك" تجمي علم التبنيج، والدكتور الجراح "أوليفر بهرس" ذي الأصابع العجائبية، و"رندلف بهرس" رئيس قسم المجاري البولية في مستشفى القديس بولس.

كذلك حفاظاً على شرف، جهاز طب البحرية الأمريكية استنفر الدكتور "هيتون" من جهته، أكبر ما عنده من العلماء والأطباء، فوضع نفسه على رأسهم في غمار المعركة، معركة استئصال "أهم بروستات في العالم" أو ليس هو بروستات أكبر رجل في العالم؟ وفي هذه الغرفة، غرفة العمليات المزدحمة كازدحام حافلات المترو النيويوركي، في الساعات الصباحية، تم استئصال بروستات ريغن، وتحت تأثير بنج موضعي بطريقة شبه عجائبية.

ولم تنته هموم ومصاعب الرئيس ريغن، فصولاً مع المرض والطب، ففي الواحد والثلاثين من تموز 1986 عاد إلى مستشفى "بتسيدا" كما في المرات السابقة، اكتشف على أنفه خلايا سرطانية خبيثة مما استدعي اقتلاعها على يد الدكتور الجراح الجلدي "فيليب برييولو" في مستشفى "كورنل" في نيويورك.

وفي السابع عشر من تشرين الأول، السنة ذاتها (رفعاً للعتب) دخلت السيدة نانسي، بدورها إلى قسم الجراحة في مستشفى "بتسيدا" تشكو من سرطان غددي، اكتشف، أثناء فحص روتيني، يوم الخميس في 22 تشرين الأول 1987، مما أوجب استئصال ثديها الأيسر.

وفي هذا المجال، لابد لنا من القول، بأنه لو تعرض أي رجل غير ريغن، لأقل بكثير مما تعرض له الرئيس البالغ السادسة والسبعين من العمر، لترك عمله مفضلاً التقاعد والبعد عن المسؤولية علماً بأن ريغن، ليس من ذوي الأعصاب الفولاذية، فعلى الرغم من كل ذلك بقي غير آبه، سوى بما يتعلق به مباشرة أو "بالماما" السيدة، ويظهر أنه من الممكن تحمل الكثير للبقاء في قمة الهرم وقد حدث ذلك مع العديد من أسلافه.

في أوائل آذار 1987 وقد ظهر على ريغن الانكسار والتمزق النفساني، متأثراً بهمومة الصحية، وأصبح هدفاً للانتقاد والاغتياب، بسبب الفضائح السياسية المتلاحقة التي اتسمت بها ولايته الثانية، وهنا لم يكن من أخيه "نيل" ومن المفروض، أن يكون أعرف الناس بأخيه الرئيس، إلا أن أعطى معلومات لافتة للأنظار، عن طبيعة أخيه، لصحيفة المواطن التي تصدر بمدينة سان دييكو في كاليفورنيا فقال: إن رونالد مطلقاً، إلا ما يريد أن ينساه، وذلك عكس ما يؤكده أخصامه، فهو ما زال يمسك بقوة أعنة حكومته، فإذا ترك بعض الأمور تجري، فمن المؤكد أن هذا ما يريده وإنني أؤكد لكم، أنني منذ الآن قلقاً بما سيتعين عليّ مستقبلاً دفعه من الفواتير، من جراء عدم اهتمام رونالد بما يجري في واشنطن، مما يوجب عليه قضم أظافره وخصوصاً بما يتعلق بالقضية الإيرانية.

بالعودة إلى هذه القضية التي أطلق عليها في حينها، "الإيران كات" أي الفضيحة الإيرانية "L'IRANGATE" فإن هذه الفضيحة ستبقى ملتصقة ومرادفة لاسم هذا الرئيس، كما أن فضيحة "وتركايت" "WATERGATE" ما زالت مسجلة في خانة الرئيس نيكسون، فإذا رجعنا تاريخ العالم عن قرب لوجدنا، أن القليل من الرؤساء يتركون وراءهم تركـة تلفت الأنظار وتستدعي التوقف عندها..

فخلال خمسة وعشرين سنة من التاريخ الأمريكي قد ينسى الأمريكيون كل ما يتعلق بحكم نيكسون، وريغن، ما عدا، "الوتركايت" "والإيران كايت" فالأولى أي "ألوتركايت" كانت برأي المعلقين والمراقبين، فضيحة أخلاقية لا تغتفر ولا يهضمها الأمريكيون بسهولة، وهكذا كان فأجبر نيكسون على التنحي عن الحكم وإخلاء الساحة، وإن استنكاره لما قام به أنصاره والذين ضبطوا متلبسين بالجريمة، وأيديهم مدسوسة في جراب غيرهم يعبثون بأرشيف القيادة العليا للحزب الديموقراطي المنافس لهم، على العكس قد أغرقه.

أما "الإيران كايت" فتتعلق بمسائل أخلاقية من نوع آخر، وقد أدانها الرأي العام الأمريكي بشدة معتبراً أنها لا تقل بشاعة عن سابقتها، فثلاثة من أنظف وأشرف المحققين المعلقين: جون توور، برانت شاوكروفت وأدمون موسكي، قالوا إنه تصرف بازاري استفاد من ثلاثة من الجواسيس الأغبياء.

وقد اكتشف أمرهم، ورفعت الأقنعة عن وجوههم، وفيما يختص بالرئيس ريغن صرحوا أن ذلك تقصير في الواجب المهني، من قبل هذا الرئيس المطفي الذي لا يعرف شيئاً ولا يتذكر شيئاً ولا يحكم أحداً الغائب، ففي الولايات المتحدة ليس الرئيس من يحمل العلم الوطني فقط، بل يحمل مهام رئاسة الدولة ورئاسة الوزارة، مما يعني، أن عليه أن يحكم ويدير شؤون البلاد، ويقبض لقاء ذلك، علماً بأنه في هذا الجزء من العالم الحر، لا يتورعون عن التعبير عن مشاعرهم عندما يغضبون، ولا يمضغون كلماتهم خصوصاً عندما يوجهون الكلام إلى الكبار.

المصدر: العنكبوت الالكتروني
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17
« »
المصادر او الهوامش

معلومات النشر:

اعداد: العنكبوت الالكتروني

عنوان الكتاب: مرضى حكموا العالم

اقتباس وترجمة: رشاد جميل فيّاض

الناشر: دار جروس برس طرابلس - لبنان

تاريخ النشر:1994

 

المراجع

1 – BERNARD JEAN: IE SANF DES HOMMES ED’ BUCHET-CHstel PARIS 1981.

2 – PIERRE ACCOCCE: CES NOUVEAUX MALADES, ED’ STOCK PARIS 1989.

3 – CARTWRIGT: CES MALADIES QUI ONT CHANGE I’HISTOIR ED’ ELSEVIER PARIS 1974.

4 – TREUE WILHELM: IES HOMMES CELEBRES ET LEURS MEDECINS, ED’ BUCHET CHSTEL, PARIS 1958.

إشترك في خلاصة التعليقات عدد التعليقات: (0 منشور)

المجموع: | عرض:

إكتب تعليق

البريد الالكتروني يبقى سرّي و لا ينشر
  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

- التعليقات الواردة من القراء هي مسؤولية أصحابها ولا تعبر عن رأي إدارة الموقع بالضرورة
- تتم مراجعة تعليقاتكم قبل نشرها عن طريق إدارة الموقع

- (سياسة نشر التعليقات)

تابعونا

  1. دول خليجية تحذر رعاياها من السفر إلى لبنان (5.00)

  2. وفاة "ملكة الديسكو" دونا سمر عن 63 عاماً (5.00)

  3. معارض صيني ضرير بمطار بكين متوجهاً لنيويورك (5.00)

  4. الاكتئاب لدي المراهقين .. له إشارات يجب الانتباه لها (5.00)

  5. صحف العالم: أمريكا "تعاقب" باكستان بعدد سنوات سجن أفريدي (5.00)

  6. فيلم منتظر يكشف تفاصيل اغتيال بن لادن (5.00)

  7. أستراليا: التيار الوطني الحر في سيدني ينعي فقيده المفكر و المناضل والاعلامي المخضرم الأستاذ بطرس عنداري (5.00)

  8. الرحيل المفاجئ (5.00)