إعلانات Zone 4B

[CLOSE]

إعلانات Zone 3B

[CLOSE]
أحدث الأخبار:

إعلانات Zone 2B

[CLOSE]
الرئيسية | ثقافة | رفوف المكتبات | عرض كتاب: حرب الـ 33 يوماً على لبنان (6 حلقات كاملة)
المصنفة ايضاً في: رفوف المكتبات

عرض كتاب: حرب الـ 33 يوماً على لبنان (6 حلقات كاملة)

آخر تحديث:
المصدر: صحيفة البيان الاماراتية
image
الكاتب:
عدد المشاهدات: 15312
قيّم هذا المقال/الخبر:
0
حجم الخط: A+ A-
نسخة صالحة للطباعة   نسخة نصية   أرسل إلى صديق

إعلانات Zone 6B

1 2 3 4 5 6
»

يتناول كتاب حرب الـ33 يوماً الحرب الاسرائيلية الاخيرة على لبنان (صيف 2006). والكتاب من تأليف جلبرت أشقر وميشيل وارشفسكي، عرضه وناقشه د. محمد مخلوف، على ست حلقات نشرت في جريدة البيان الاماراتية (15/3/2007 - 22/3/2007).

 

الحلقة الأولى: ثلاثة أسباب رئيسية وراء شن إسرائيل لحرب الصيف الدامي

 

يستمد هذا الكتاب أهميته من أنه يحلل حرب ال33 يوما التي شنّتها إسرائيل على حزب الله ولبنان في الصيف الماضي، ويقدم رصدا لنتائجها بالاعتماد على السياق السياسي الاستراتيجي والتاريخي الذي قامت فيه. وهذه الحرب، كما يقدمها المؤلفان، لم تؤد إلى تحقيق الأهداف التي شنتها إسرائيل من أجلها، بل ثبتت مواقع حزب الله في الجنوب، وأعطت للبنان موقع "فيتنام" بالنسبة لإسرائيل. فضلا عن أنها ولّدت أكبر الأزمات التي واجهتها إسرائيل منذ حرب أكتوبر 1973.

مؤلفا هذا الكتاب هما جلبرت أشقر، اللبناني الأصل، والأستاذ في جامعة باريس الثانية وأحد الوجوه المعروفة في الحركة الدولية لمناهضة الحرب، وميشيل مارشفسكي، المناضل في حركة السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين منذ عام 1968 والمعروف أنه أحد "الأصوات المعارضة في إسرائيل"، وهو محرر الفصل المكرّس لإسرائيل تحت عنوان: "إسرائيل بين حربها الثانية في لبنان ومشاركتها في حرب واشنطن العالمية".

تحت عنوان "لبنان منذ البدايات حتى 12 يوليو 2006" يبدأ جلبرت أشقر بالقول إن لبنان كان منذ إعلان استقلاله عام 1943 أحد مسارح ما أسماه الباحث مالكولم كير "الحرب الباردة العربية"، وذلك في كتاب له صدر عن جامعة أكسفورد عام 1970 تحت عنوان: "الحرب الباردة العربية، عبد الناصر ومنافسوه 1958-1970".

وفي معرض الحديث عمّا يسميه "هشاشة الدولة اللبنانية"، يتعرض جلبرت أشقر لتحليل الأسس التي قامت عليها الدولة اللبنانية، داخل الحدود التي رسمتها سلطات الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان عام 1920، وحيث كان "التوازن الطائفي" هو المبدأ الذي جرى الأخذ به منذ البداية. ولا يتردد المؤلف في القول إن فرنسا "الدولة العلمانية" و"ذات النظام الجمهوري" قد فرضت في منطقة انتدابها بعد الحرب العالمية الأولى دويلات طائفية، تنفيذا للمفهوم الإمبريالي القائل "فرّق تسد". هكذا قام في لبنان نظام للاقتسام الطائفي للسلطات لا يزال مستمرا حتى اليوم.

وقد كرّس "الميثاق الوطني" اللبناني، الذي قامت الدولة اللبنانية المستقلّة على أساسه، التوزيع الطائفي للسلطات والمناصب. وينقل المؤلف عن الصحافي اللبناني جورج نقّاش قوله في افتتاحية له كتبها بتاريخ 10 مارس 1949 بصحيفة "لوريان" إن الميثاق الوطني اللبناني يقيم لبنان على قاعدة "القبول بتخل مزدوج". فمن جهة يتخلّى المسيحيون عن الحماية الفرنسية، ومن جهة ثانية يتخلّى المسلمون عن مطلب الوحدة مع سوريا والإقرار بلبنان ذي سيادة وبانتماء لعروبة "غير محددة المعالم".

وفي عام 1958، واجه الميثاق الوطني اللبناني أول تحد له مع نشوب أول حرب أهلية في لبنان المستقل. ويرى الكاتب أن تلك الحرب نجمت عن "التصادم" بين التوجه الناصري الداعي لتوحيد الأمة العربية مع بداية توحد سوريا ومصر في تلك السنة وبين الرفض القوي لمثل هذا المنظور من قبل قسم من اللبنانيين وخاصة المسيحيين، وحيث كان الرئيس اللبناني آنذاك كميل شمعون يدعم حلف بغداد ويبحث عن إدماج البلاد في المشروع الاستراتيجي الانجليزي ـ الأميركي في منطقة الشرق الأوسط.

كان ذلك النزاع الأهلي اللبناني قصير الأمد، وقد استدعى تدخل جنود المارينز الأميركيين في يوليو من السنة نفسها، وانتهى الأمر بالوصول إلى مصالحة دفعت اللواء فؤاد شهاب إلى سدة الرئاسة. لكن تلك المصالحة التي استمرت عدة سنوات "انفجرت" مع نشوب حرب 5 يونيو 1967 التي شنتها إسرائيل. ذلك أنه على الرغم من عدم اشتراك لبنان بها مباشرة، فقد تحمّل نتائجها، لاسيما وأنه البلد العربي الذي يستقبل، إلى جانب الأردن، أكبر عدد من اللاجئين الفلسطينيين منذ عام 1948.

ويرى المؤلف أن النزعة الفلسطينية التي برزت بعد حرب 1967، والتي رفدتها نزعة لدى فريق من اللبنانيين أنهت التوازن الهش الذي تميّزت به فترة حكم الرئيس فؤاد شهاب، بينما اندفع فريق آخر من اللبنانيين -المسيحيين بأغلبيتهم ـ للارتماء في أحضان واشنطن.

وازدادت في تلك الفترة حدّة التوترات الاجتماعية في لبنان، ذلك أن ثمرات النمو الاقتصادي السريع الذي عرفته سنوات الخمسينات والستينات لم يتم توزيعها بشكل متكافئ بين مناطق لبنان وطوائفه. وفي الوقت الذي شهدت بيروت والمناطق المحيطة ازدهارا كبيرا، وأصبحت عقدة مواصلات وتجارة وتمويلات مهمة بالنسبة للشرق الأوسط كله، فإن المناطق المحيطية، الشيعية خاصة، لم تنل سوى النذر اليسير من ذلك النمو الاقتصادي الكبير.

وهنا يفتح المؤلف قوسين كي يشير إلى معدّل نمو آخر "معكوس" على الصعيد الديموغرافي، إذ أن الأكثر فقرا كانوا هم الأكثر "إنجابا"؛ وأصبح الشيعة هم الأكثر عددا في لبنان اعتبارا من سنوات السبعينات. واستجدت في مثل ذلك السياق ظاهرة الهجرة الريفية نحو المدن، مما أدّى إلى تضخم كبير في المدن وخاصة بيروت، التي أصبحت تضم نصف سكان لبنان.

 

الجذور البعيدة

في مثل ذلك السياق انفجرت في عام 1975 حرب أهلية لبنانية، يصفها المؤلف بأنها: "كانت أيضاً حرباً إقليمية ودولية على الأرض اللبنانية". إن سوريا التي كانت قد دعمت أولا التحالف الذي أقامته قوى اليسار اللبناني مع منظمة التحرير الفلسطينية أرسلت جيشها في عام 1976 من أجل نجدة قوى اليمين المسيحي بمباركة واشنطن و"ضوء أخضر" إسرائيلي. وهذا ما يفسّره جلبرت أشقر بالقول إن دمشق كانت تطمح إلى أن تنال كمكافأة على ذلك خدمة مصالحها في تسوية للصراع العربي-الإسرائيلي.

ويشير المؤلف إلى أن ذلك التفاهم السوري ـ الأميركي قد تحطّم بعد عام واحد فقط، مع تبدل كبير في المواقف بإسرائيل مع وصول حزب الليكود إلى السلطة، وتبعت ذلك قطيعة في الصف العربي من جراء بحث الرئيس المصري الراحل أنور السادات عن إجراء مفاوضات سلام منفصلة مع الحكومة الإسرائيلية الجديدة.وفي مثل ذلك السياق قامت إسرائيل بعملية "الليطاني" عام 1978 حيث اجتاحت قسماً من جنوب لبنان. لقد انسحبت القوات الإسرائيلية بعد عدة أسابيع من وصول القوات التابعة للأمم المتحدة.

وفي أبريل 1982 اكتمل جلاء القوات الإسرائيلية عن صحراء سيناء تنفيذا لاتفاقية السلام المصري ـ الإسرائيلي الموقعة عام 1979، ورأت عندها حكومة مناحيم بيجن ووزير دفاعها آرييل شارون أن الوقت قد حان لتسوية الحسابات مع منظمة التحرير الفلسطينية. وفي 6 يونيو 1982 قامت إسرائيل بهجوم واسع بدعوى حماية إسرائيل من الصواريخ والتوغلات الفلسطينية. مع أن الفلسطينيين كانوا قد أوقفوا ذلك قبل عدة أشهر.

لقد وصل الإسرائيليون عام 1982 إلى العاصمة اللبنانية بيروت وحاصروها عدة أسابيع، وانتهى الأمر برحيل المقاتلين الفلسطينيين عبر البحر لتحدث بعد فترة وجيزة مجازر اللاجئين الذين ظلوا من دون أية حماية في مخيمي صبرا وشاتيلا، وتحت أنظار الإسرائيليين وإشرافهم. وقد بقي الاحتلال الإسرائيلي للجنوب مستمرا 18 سنة. وكانت المعركة ضد ذلك الاحتلال السبب الأول في تأسيس حزب الله والمصدر الرئيسي للشرعية الشعبية الكبيرة التي نجح في الحصول عليها.

وكانت الحرب الأهلية اللبنانية التي انطلقت عام 1975 قد عرفت توقفها لمرّة أولى في خريف عام 1976 إثر التفاهم السوري ـ الأميركي وحسب مقررات قمة الرياض في أكتوبر من تلك السنة، لكنها عادت للاشتعال من جديد بعد قطيعة ذلك التفاهم للتوقف نهائيا عام 1990 بعد اتفاق الطائف لعام 1989.

وهنا يشير المؤلف إلى أن اجتياح العراق للكويت واختيار الرئيس السوري حافظ الأسد الانضمام إلى التحالف الذي قادته واشنطن ضد بغداد، أدّيا إلى الضوء الأخضر من الأمم المتحدة لوضع حد نهائي للتمرد الذي قاده آنذاك الجنرال ميشيل عون تحت عنون: "تحرير لبنان" ضد القوات السورية منذ عام 1989. لكن بعد عدة أشهر من نهاية رئاسة أمين الجميّل وتسليمه السلطة للجنرال، وجد هذا الأخير نفسه معزولا تماما، واضطر لاختيار المنفى في فرنسا بحيث لم يعد إلى لبنان إلا بعد رحيل القوات السورية عنه في عام 2005.

وفي عام 1990 انتهت خمس عشرة سنة من الحرب الأهلية مما سمح بإقامة وضع جديد في لبنان على قاعدة اتفاق الطائف، الذي نص كما يشير المؤلف، على إعادة التوازن في التقسيم الطائفي للسلطات بحيث جرى توزيع مقاعد مجلس النواب بالتساوي بين المسيحيين والمسلمين بدلا من إعطاء أغلبية 6 من 11 للمسيحيين اعتبارا من الاستقلال عام 1943.

وفي الوقت نفسه تعززت سلطات رئيس الحكومة، الذي أصبح منتخبا من قبل البرلمان، على حساب رئيس الجمهورية المسيحي الماروني. وقد أدى هذا، حسب رأي المؤلف، إلى وضع رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري في قلب المشهد السياسي اللبناني خلال سنوات التسعينات. وقد حدث ذلك بالاتفاق مع السوريين وبوجود جيشهم وأجهزتهم السرية، ولم يكن هناك من يطالب برحيلهم آنذاك، إذ كان من المطلوب إعادة بناء الدولة اللبنانية وكانت بحاجة مؤقتا (لجيش برسم الإعارة).

 

الإطار يتحطم

مع نشوب حرب العراق "الثانية" عام2003، تحطّم من جديد الإطار الذي ساد في لبنان منذ نهاية الحرب الأهلية. واختار بشار الأسد موقفا مناهضا تماما للغزو الأميركي للعراق، وعزز في الوقت نفسه تحالفه مع طهران، مما عجّل بالقطيعة مع الأميركيين. وفي تلك الفترة بالتحديد، كما يشير المؤلف، دخل رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري في نزاع مع رئيس الجمهورية اللبنانية اميل لحود، لاسيما وأنه كانت تلوح في الأفق إرادة دمشق بالتمديد له في الرئاسة عام 2004.

بعد أن أطاحت الولايات المتحدة بنظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، وجّهت أنظارها نحو إيران، الدولة الأخرى التي كان الرئيس جورج دبليو بوش قد صنّفها في عداد دول "محور الشر" بعد اجتياح أفغانستان. ويتم التأكيد في هذا السياق على أن النظام الإيراني قد أصبح بالنسبة لواشنطن، بعد الاجتياح الأميركي للعراق، العدو الذي تنبغي الإطاحة به؛ وقد أصبح هذا الهدف بين أولوياتها من أجل إحكام السيطرة على العراق أولا، ثم من أجل استكمال الهيمنة الأميركية في منطقة الشرق الأوسط ثانيا.

وذلك من خلال المنظور الذي كانت ترى فيه أن العقبة الرئيسية لفرض سيطرتها الإقليمية تتمثل في القوس الذي تتزعمه طهران، ويمتد حتى حماس في فلسطين مرورا بالقوى الشيعية في العراق ودمشق وحزب الله في لبنان. وضمن هذا السياق عملت الولايات المتحدة وفرنسا على استصدار القرار رقم 1559 من الأمم المتحدة في سبتمبر 2004 والقاضي بسحب القوات السورية من لبنان و"حل ونزع سلاح جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية". وهذا كان يعني في الواقع نزع سلاح حزب الله وسلاح مخيمات اللاجئين الفلسطينيين حيث توجد منظمات مسلّحة موالية لسوريا.

ولا يتردد جلبرت أشقر في وصف القرار 1559 أنه يشكل بنفس الوقت "خرقا فاضحا لميثاق الأمم المتحدة ومشرّبا بالنفاق". وذلك على أساس أنه قد جرى تبنّيه رغما عن الحكومة اللبنانية، وتأكيده على التمسك بسيادة لبنان في الوقت الذي يتدخل بشؤونه الداخلية متجاوزا بذلك المادة 2/7 من ميثاق الأمم المتحدة التي تمنع أي تدخل في "الشؤون التي تعود أساسا للسلطة الوطنية للدول". ويضيف المؤلف: "ينبغي التمتع بقدر كبير من السذاجة من أجل التصديق للحظة واحدة أن الدول ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن تتمسك بضمان سيادة أية دولة غيرها". وهذا ما يتم التدليل عليه بالإشارة إلى أنه جرى اتخاذ هذا القرار عام 2004 وليس قبل ذلك، وأنه يندرج بوضوح في إطار عمل الولايات المتحدة ضد طهران وحلفائها. وبعد أفغانستان والعراق أصبح هؤلاء يمثلون هدف المرحلة الثالثة من الهجوم الذي أطلقته إدارة الرئيس بوش في منظور "الشرق الأوسط الكبير".

وتتم الإشارة في هذا السياق إلى التعاون "الكامل والنشيط" الذي أبدته فرنسا حيال لبنان، على عكس موقفها حيال الحرب ضد العراق. ففي الحالة العراقية كانت هناك مصالح متعارضة بين واشنطن وباريس حول البترول. وكانت فرنسا قد قامت بمنعطف كبير فيما يخص سياستها في الشرق الأوسط بعد أن قررت إسرائيل في سنوات الستينات المنصرمة شراء أسلحتها من الولايات المتحدة وليس من فرنسا. وفي ذلك السياق جاءت تصريحات الجنرال ديجول بعد حرب يونيو- 1967 والتي أثارت ضجة كبيرة في الأوساط اليهودية التي اعتبرتها "معادية للسامية".

وخلال سنوات السبعينات أصبح العراق هو الشريك التجاري والسياسي المتميز لفرنسا في الشرق الأوسط. ووصل الأمر بباريس، في ذلك السياق، إلى أنها "اقتطعت" عدداً من طائرات "سوبر ايتاندار" كي "تعيرها" للعراق أثناء حربها ضد إيران. بل يتم التأكيد على أن "العلاقات المتميزة" للعراق مع فرنسا قد استمرت بعد حرب الخليج الأولى عام 1991 رغم مشاركة فرنسا في الائتلاف العسكري الدولي الذي قادته واشنطن. وهذا ما بدا من خلال الصفقات والامتيازات البترولية التي أعطاها العراق لشركات فرنسية، وروسية أيضا، مما كان وراء محاولة الدولتين المعنيتين العمل من أجل رفع الحصار المضروب على بغداد. ويبدو أن الأسباب نفسها هي التي كانت وراء معارضة باريس وموسكو للحرب الثانية التي قادتها واشنطن ولندن ضد العراق عام 2003. وبعد الاحتلال الأميركي لبغداد وإنهاء الامتيازات التي حظيت بها الشركات الفرنسية، اتجهت أولويات فرنسا نحو شريك تجاري كبير في المنطقة، هو المملكة العربية السعودية، أي نحو الشريك القديم والرئيسي للولايات المتحدة.

ويرى المؤلف أن هذا يترجم إلى حد كبير التقارب في لبنان عام 2004 وأن "الصداقة الحميمة" بين الرئيس الفرنسي جاك شيراك ورئيس الوزراء اللبناني آنذاك رفيق الحريري قد تعززت في ذلك السياق. ثم إن القرار 1559 الصادر عن مجلس الأمن الدولي كان الثمرة الأولى لمثل هذا التقارب.

 

بعد الرحيل

غادرت القوات السورية لبنان عام 2005، ولكن رحيلها لا يعود، حسب التحليلات المقدّمة، للقرار 1559 الذي لم تقبله سوريا وكانت تلقى دعم الحكومة اللبنانية آنذاك. ولكن يتم التأكيد على أن الإسراع بالانسحاب السوري يعود للتعبئة الجماهيرية الكبيرة التي أعقبت اغتيال رفيق الحريري بتاريخ 14 فبراير 2005، ومما أوجد في لبنان وضعا لا يمكن لسوريا السيطرة عليه.

في الوقت نفسه برزت توترات سياسية وطائفية من جديد في لبنان بعد سنوات من الهدوء، إنما بصورة جديدة. وتمّت ترجمة تلك التوترات في مظاهرتين جماهيريتين شهدهما مارس 2005. كانت الأولى بتاريخ 8 منه وضمّت بشكل أساسي القوى الشيعية لحزب الله وحركة أمل وكذلك بعض القوى الموالية لسوريا لدى الطوائف الأخرى. وجرت المظاهرة الثانية بتاريخ 14 مارس 2005 بدعوة من تحالف ضم قوى الأغلبية في الطوائف المسيحية والسنية والدرزية وبقيادة سعد الحريري. هكذا بدا لبنان منقسما بين معسكرين متكافئين إلى حد كبير.

تضاءل التوتر كثيرا إثر الانتخابات التشريعية خلال مايو-يونيو 2005 بعد رحيل القوات السورية. وكانت تلك الانتخابات قد شهدت قيام ائتلاف كبير ضم قوى التحالف المعادي لسوريا، والذي أصبح يُعرف باسم 14 مارس- وكذلك كتلة القوى الشيعية المتمثلة في حزب الله وحركة أمل. وجرى استبعاد القوى المؤيدة لسوريا غير الشيعية والجنرال ميشيل عون، رغم أن أنصاره كانوا قد لعبوا آنذاك دورا أساسيا في التعبئة المناهضة لسوريا. وقد احتج عون بشدة على تنظيم الانتخابات بناء على قانون انتخابي جرت صياغته عام 2000، أي في ظل الوجود السوري، وكان يرمي إلى تقليص تمثيل التيار العوني إلى أدنى حد ممكن.

لكن بعد عدة أشهر من تلك الانتخابات، وأمام الدهشة العامة، تفاهم الجنرال عون مع مجموع القوى المؤيدة لسوريا بما في ذلك القوى الشيعية، وأعلن معارضته لعزل الرئيس اميل لحود، الذي كان قد جرى التمديد له بدعم السوريين، وشرح الجنرال عون الأمر بالقول إنه بعد رحيل الجيش السوري عن لبنان لم تعد له أية خصومة كبيرة مع سوريا وأخذ عندها بالمطالبة بإقامة علاقات ودية مع الجار السوري. وفي 6 فبراير 2006 قام بتوقيع اتفاقية تفاهم سياسي مع حزب الله. وكان ذلك الاتفاق بداية تحالف وثيق بين عون وحزب الله وما أصبح عاملا أساسيا في السياسة اللبنانية خلال الفترة اللاحقة.

ويرى المؤلف في هذا التحالف نوعا من "الزواج العقلاني" القائم على حسابات سياسية. بالنسبة للجنرال ميشيل عون الذي يتطلع إلى رئاسة الجمهورية يشكّل التحالف مع القوى الشيعية بالإضافة في شعبيته لدى الوسط الماروني ورقة رابحة من أجل تحقيق طموحه. أما معارضته لتنحية اميل لحود عن سدة الرئاسة فتعود إلى واقع أن الأغلبية البرلمانية الناتجة عن الانتخابات التشريعية لعام 2005 لن تختاره كي يخلفه، ذلك أن البرلمان هو الذي يقوم بانتخاب رئيس الجمهورية، حسب الدستور اللبناني. لذلك يطالب عون أولا بسن قانون انتخابي، وهذا ما يتضمنه اتفاقه مع حزب الله، كما يطالب بإجراء انتخابات تشريعية جديدة.

أمّا حسابات حزب الله الذي يواجه ضغوطا متزايدة من أغلبية حكومة تتماشى مع الضغط الأميركي والفرنسي الرامي إلى نزع سلاحه تطبيقا للقانون 1559، فتقوم على إمكانية مجابهة مثل هذا الضغط وإفشال مساعي الحكومة عبر التحالف مع الجنرال عون. ثم إن مثل هذا التحالف يجعل القوى الشيعية غير معزولة في مواجهة الكتلة المناهضة لسوريا وإيران في مختلف الطوائف.

كما أن التحالف يشكل عنصرا في تشجيع قوى الأقلية المعارضة لائتلاف 14 مارس- داخل بقية الطوائف. هكذا يبدو هناك شرخ داخل الطائفة المارونية، التي تحتل المرتبة الثانية في لبنان عدديا بعد الشيعة، بين أنصار عون وحلفاء سعد الحريري وواشنطن، ومن بين هؤلاء الأنصار سمير جعجع الأكثر تورطا بين "سادة الحرب" في المجازر التي جرت أثناء الحرب الأهلية اللبنانية.

وتتم الإشارة في هذا السياق إلى أن ائتلاف 14 مارس- قد حاول تشجيع بروز قوة شيعية داخله، كما حاول زرع الخلافات بين حزب الله وحركة أمل. لكن هذه المساعي لم تلق أي نجاح، لاسيما وأن حركة أمل حريصة على عدم حدوث أية قطيعة مع حزب الله، وذلك خشية تهميشها على الأقل.

 

الهجوم الإسرائيلي المزدوج

أثارت مجريات الأحداث التي عرفها لبنان بعد فترة من اغتيال رفيق الحريري إحساسا كبيرا بالإحباط لدى واشنطن، بعد الآمال التي عقدتها على التعبئة التي أعقبت الاغتيال مباشرة. لقد تأملت إدارة بوش أن تؤدي تلك التعبئة ورحيل القوات السورية عن لبنان إلى دفع حلفائها لفك الارتباط مع حزب الله. لكن ظهر بوضوح أن ميزان القوى الجديد لم يكن يسمح لحلفاء واشنطن بالدخول في مجابهة مع هذا الحزب. كما لم يكن ضعف الجيش اللبناني يسمح له باستخدام القوة ضد حزب الله مما كان قد يؤدي إلى تفجره كما حدث في ربيع عام 1976 أثناء المرحلة الأولى من الحرب الأهلية اللبنانية التي استمرت 15 سنة.

النتيجة التي فرضت نفسها من ذلك الوضع هي ضرورة حدوث تدخل خارجي يغيّر موازين القوى في لبنان. وبسبب تورط الولايات المتحدة في العراق وعدم امتلاك فرنسا إمكانيات القيام بذلك فإن مهمة تغيير المعطيات في لبنان ألقيت على عاتق إسرائيل والتي وجدت بذلك فرصة جديدة كي تبيّن فائدتها بالنسبة للمرامي الإقليمية لواشنطن مع خدمة مصالحها هي في الوقت نفسه.

ثم ومنذ إرغام إسرائيل على الانسحاب من لبنان عام 2000، كانت تنتظر فرصة الأخذ بالثأر وتعيد مصداقية ردعها التي تدهورت بسبب ما عرفته في لبنان، على الأقل أمام المقاومة الشعبية.وفي يناير 2006 فازت حماس بالانتخابات التشريعية الفلسطينية وما كان من واشنطن سوى أن عبأت حلفاءها الغربيين من أجل محاصرة الحكومة الفلسطينية الجديدة وقطع المساعدات عنها.

وسعت في الوقت نفسه لدى "شركائها الفلسطينيين" من أجل عدم إقامة ائتلاف مع حماس باسم أية مصلحة وطنية عليا. ومع تعاظم تضييق الخناق على الفلسطينيين اتجه حقد السكان، وكذلك حقد الرأي العام العربي، ضد "الخانقين" وليس ضد أولئك الذين حصلوا على الأغلبية البرلمانية بواسطة صناديق الاقتراع. وفي 25 يونيو 2006 قام مقاتلون فلسطينيون بخطف جندي إسرائيلي ردا على عمليات الخطف المتكررة التي قام الجيش الإسرائيلي لفلسطينيين. وهذا ما ردت عليه إسرائيل بهجوم كبير على غزة عمّدته باسم "أمطار الصيف".

وكانت ترمي في الواقع إلى توجيه ضربة كبيرة لحماس وفي الوقت نفسه منع محمود عباس من الذهاب إلى مدى أبعد في تعاونه معها عبر أخذ السكان الفلسطينيين كرهائن والتضييق عليهم أكثر. هكذا خطفت أيضا 21 نائبا فلسطينيا لحرمان حماس من أغلبيتها البرلمانية. في مثل هذا السياق جرى الهجوم الإسرائيلي على لبنان يوم 12 يوليو 2006. وكان الهدف واضحاً في الهجومين، على غزة ولبنان، وهو توجيه ضربة لعدو لواشنطن ولإسرائيل ودعوة حلفاء واشنطن المحليين لتسوية الحسابات معه.

المصدر: صحيفة البيان الاماراتية
1 2 3 4 5 6
»

إشترك في خلاصة التعليقات عدد التعليقات: (0 منشور)

المجموع: | عرض:

إكتب تعليق

البريد الالكتروني يبقى سرّي و لا ينشر
  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

- التعليقات الواردة من القراء هي مسؤولية أصحابها ولا تعبر عن رأي إدارة الموقع بالضرورة
- تتم مراجعة تعليقاتكم قبل نشرها عن طريق إدارة الموقع

- (سياسة نشر التعليقات)

تابعونا

  1. دول خليجية تحذر رعاياها من السفر إلى لبنان (5.00)

  2. وفاة "ملكة الديسكو" دونا سمر عن 63 عاماً (5.00)

  3. معارض صيني ضرير بمطار بكين متوجهاً لنيويورك (5.00)

  4. الاكتئاب لدي المراهقين .. له إشارات يجب الانتباه لها (5.00)

  5. صحف العالم: أمريكا "تعاقب" باكستان بعدد سنوات سجن أفريدي (5.00)

  6. فيلم منتظر يكشف تفاصيل اغتيال بن لادن (5.00)

  7. أستراليا: التيار الوطني الحر في سيدني ينعي فقيده المفكر و المناضل والاعلامي المخضرم الأستاذ بطرس عنداري (5.00)

  8. الرحيل المفاجئ (5.00)