إعلانات Zone 4B

[CLOSE]

إعلانات Zone 3B

[CLOSE]
أحدث الأخبار:

إعلانات Zone 2B

[CLOSE]
الرئيسية | ثقافة | رفوف المكتبات | الأيادي السّود (24 حلقة كاملة)
المصنفة ايضاً في: رفوف المكتبات

الأيادي السّود (24 حلقة كاملة)

آخر تحديث:
image
الكاتب:
عدد المشاهدات: 28971
قيّم هذا المقال/الخبر:
0
حجم الخط: A+ A-
نسخة صالحة للطباعة   نسخة نصية   أرسل إلى صديق
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25
« »

الأيادي السّود - مقدمة الملفات - الهاتف المتحرك والهاتف الثابت (18)

 

في الأوقات الحرجة، يردد رئيس الحكومة رفيق الحريري أمام الصحافيين حكاية صغيرة، الحكاية تقول: إن رجلاً "على قد حاله" فتح دكاناً للفول بالقرب من أحد المصارف، ومع الأيام نشأت علاقة صداقة بينه وبين أحد الزبائن، الذي طلب منه ذات مرة مبلغاً من المال، على أن يرده بعد أجل! فابتسم بائع الفول وقال للزبون: واللـه أرجو أن تعذرني فقد عقدت اتفاقاً مع مدير المصرف بأن يشتغل كل منا شغلته، فهو لا يبيع الفول ولا أنا أقرض مالا لأحد.

ويردد السيد الحريري هذه الحكاية ليستخلص عبرته: أنه لو كان من اللبنانيين اشتغل شغلته لكانت البلد بألف خير.

اعتقد أن السيد رفيق الحريري أصاب تماما، فهو فلاً لا يشتغل شغلته، إنما في غير موقع، لذا نجد أن الخير قد ازداد عنده وعند أهل الحكم والترويكا، وشحّ نهائياً عند اللبنانيين، فقد حوّل الوطن شركة مقاولات له ولشركائه في العمل التجاري أو السياسي، وحوّل العمل السياسي سمسرة، وما ينطبق عليه ينطبق على أركان السلطة الذين يتبارون والذين بمعظمهم يبدون مدراء نجباء في شركته، وليس في حكومته.

أعتقد أن السيد رفيق الحريري، إذا ما بقي طويلاً في السلطة، سيتحول كل شيء في لبنان إلى شركات خاصة، وستلغى نهائياً مؤسسات الدولة؛ فالذي يستطيع إلغاء وزارة والمجيء ببديل عنها، يستطيع أن يلغي حكومة ويصبح هو البديل.

فمن وزارة التصميم التي دُفنت، ولتي كان البديل عنها مجلس الإنماء والإعمار، إلى الشركات العقارية، وصولاً إلى الهاتف، نجد أن الخصخصة تأكل شيئاً فشيئاً المؤسسات العامة، التي كان يمكن أن تقوم بدورها، محققة إيرادات تسد العجز.ومن هذه المؤسسات وزارة الاتصالات السلكية واللاسلكية، التي كانت من أولويات مشروعه في الخصخصة؛ والتي كان قد وضع تصوراً شاملاً لكيفية خصخصتها قبل مجيئه إلى رئاسة الحكومة.

ففي 14/11/1991 كان نزار محسن دلول وهو مهندس في مجال الاتصالات يعمل في الولايات المتحدة، قد بعث برسالة عبر الفاكس إلى السيد رفيق الحريري (لم يكن وقتها قد أصبح رئيساً للحكومة) يقترح فيها خطة استراتيجية لاتباعها في مجال الاتصالات TELECOM في لبنان، على أن تقوم الشركة النروجية NORRCONSULT  بوضع تصميم لـ P.I.T ودفتر الشروط والعروض المطلوبة بكلفة 900000 دولار.

وقد تم فعلاً توقيع عقداً مع هذه الشركة في حزيران 1993 عبر مجلس الإنمار والإعمار، بقيمة 13 مليون دولار أمريكي، في حين أنه كان يوجد عرض آخر منافس، بشروط تقنية ومالية أفضل، بلغت قيمته 5و10 ملايين دولار أمريكي، تقدمت به الشركة السويدية SWED-TEL.

إن دلول وبدعم وغطاء من شريكه الحريري، هذه الشراكة المزدوجة مالياً وعائلياً إذ أن دلول متزوج من ابنه نازك الحريري من زوجها السابق وعبر تمويل من بنك البحر المتوسط، كان قد فاز بعقد بالتراضي في صيف 1992 لمدة خمس سنوات، يعطي لشركته حق وضع الخطوط الدولية، واستخدامها بين لبنان والخارج، وبيع خطوط واشتراكات للبنانيين من سنترالات خارج سنترالات الدولة.

إن هذه التسهيلات التي قدمها الحريري لنزار دلول لم تكن مصادفة، أو خدمة مجانية، بل نتيجة لشراكة قديمة، انكشفت دعوة قضائية كان قد رفعها رجل أعمال أمريكي لبناني الأصل ضد الرئيس الحريري ودلول أمام محكمة مقاطعة "فيرفاكس" في ولاية فرجينيا الأمريكية.

وقبل التطرق لتفاصيل هذه الدعوى، لابد من التوقف عن فضيحة كان قد كشفها تلفزيون الجديد N.T.V ولها دلالاتها المهمة تتعلق بمسألة تلزيم الهاتف الفلسطيني في غزة والضفة الغربية لشركة I.T.T التي يمل نزار دلول وكيلاً لها، فقد وقع رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات مع السكرتير التنفيذي لشركة I.T.T على اتفاقية لتطوير الهاتف وتجهيزه في غزة والضفة الغربية، بتدبير من شخص يدعى غبريال بانون، وهو إسرائيلي يهودي من أصل مغربي، وبيار رزق وهو مسؤول سابق في جهاز المخابرات في القوات اللبنانية؛ وقد تم توقيع هذه الاتفاقية بعد مرور بضعة أسابيع على توقيع اتفاقية "غزة – أريحا أولاً" في واشنطن وبموجب هذا الاتفاق نالت شركة I.T.T حقاً حصرياً لمدة 25 سنة لتنفيذ خطة التلزيم، إلا أنها اشترطت التمنع عن أي تصاريح صحافية أو كشف علني عنها أو عن التزامها، والسرال البديهي الذي يطرح هنا، ما هي علاقة نزار دلول باليهودي الإسرائيلي غبريال بانون؟ وببيار رزق الذي يعرف بارتباطاته بالمخابرات الإسرائيلية؟ وأين موقع رئيس الحكومة رفيق الحريري من هذه الاتفاقية، وهل هو شريك فيها كونه شريكاً لنزار دلول؟ وما العلاقة التي تربط لحريري ببيار رزق، وهل هناك علاقة بينه وبين اليهودي بانون؟ وما يؤكد هذه الفضيحة ما جاء في مقال لرئيس تحرير الصحيفة الأسبوعية المحرر بتاريخ 1-7 آب 1998 ونورد فيما يلي نص المقال كما جاء على لسان نهاد الغادري: أي بعد أكثر من سنة وبضعة أشهر من تاريخ كشف الخبر من قبل تلفزيون الجديد N.T.V وبعد أكثر من نفي صدر عن دلول والحريري.

بتاريخ 17 تموز /يوليو 1998 كنت في باريس ودعوت بعض الأصدقاء إلى عشاء في نادي فندق ريتز الذي انتسب إليه، وحين دخلت شاهدت الأخت سها عرفات التي تربطنا بها صداقة عائلية، فحييتها وحيتني، وكان لقاؤنا ودياً، وسألتني عن العائلة والأولاد.. إلخ، كانت بصحبة رجل، لم أتبين ملامحه، ولن أسأل عنه، وسيدة أخرى معها.

خلال العشاء، فوجئت بالموسيقى تعزف لحن عيد الميلاد، وقالب الكاتو الذي حمله الخدم يتجه إلى طاولة السيدة عرفات، فتذكرت أنه عيد ميلادها، ولأنني لم أكن وحدي، فقط طلبت من مدير النادي أن يحمل إليها ما تفرضه المناسبة، وأن يحييها باسمي، وقد لاحظت المدعوون وكل الذين كانوا يتناولون العشاء، أن الرجل الذي كان برفقة السيدة سها عرفات قد ثار وعربد، وكاد يحوّل الموضوع مشكلة ثم انسحب مع السيدة سها مبكراً، وقال لي مدير النادي إنه اعتبر ما فعلته قلة تهذيب لأن السيدة عرفات بصحبته لم أعلق على الموضوع، ولكنني سألته عن الرجل: فقال لي إنه بيار رزق، والسيدة الأخرى التي كانت معه هي أخته، أدركت فوراً الأبعاد الأخرى السياسية، وغيرها للموضوع، فقد سبق لـ "المحرر" أن كشف علاقة بيار رزق بمشاريع الأرض المحتلة الاقتصادية، التي يزعم أنه شريك فيها مع رجال عرفات وأهله، كذلك صلاته بجهاز الموساد الإسرائيلي.

هذه هي القصة كما وقعت، أما ما قيل أو أشيع أو نشر عن علاقة بيار رزق بسها عرفات فلا صلة له بالموضوع، كذلك لا صلة لما قيل وأشيع ونشر حول أسباب إقامة السيدة عرفات لمدة شهرين في باريس، ولا حول أسباب إقامة حفل عيد ميلادها من قبل بيار رزق في نادي الريتز، فتلك موضوعات أخرى، وشائعات وخصوصيات لا شأن لي بها، وقد حاولت في اليوم التالي الاتصال بالسيدة سها لأستوضح الأمر كله، فلم تجب، وقيل لي إنها شاركت السيد رزق استنكاره، واعتبرت نفسها ضيفته الخاصة، وإن ما فعلته أنا قد أثاره. (انتهى المقال).

وبالعودة إلى تفاصيل الدعوى التي رفعها رجل الأعمال الأمريكي اللبناني الأصل ضد الرئيس الحريري ونزار دلول أمام محكمة بيرفاكس في ولاية فرجينيا، فقد أوردت مجلة INSIGHT الأمريكية مبتاريخ 22/1/1996 ما يلي: تشهد محكمة مقاطعة فيرفاكس دعوى قضائية مثيرة أقامها رجل الأعمال الأمريكي اللبناني الأصل جان آغبيه على رئيس الحكومة اللبنانية رفيق الحريري، بداعي الإخلال بالاتفاقيات، وتقول المجلة في التحقيق الذي عنونته بـ أقلية محظوظة تفيد من ولادة جديدة لوطن تحت المظاهر المخادعة للمصالحة وإعادة الإعمار الجارية في بيروت، جاء في دعوة قضائية قدمت إلى محكمة أمريكية، أن ثمة نخبة تستولي على الاقتصاد بالتعاون الوثيق مع أطراف خارجية.

وتضيف المجلة: أنه في حين يبدو كلّ شيء ظاهرياً سلمياً ومثيراً للأمل، أثارت دعوى قضائية رفعت في الولايات المتحدة عدة تساؤلات بشأن رئاسة الحريري للحكومة، وقد بدت واشنطن موافقة على ما يقوم به منذ ثلاث سنوات، وتشير هذه الدعوى إلى أن فريقاً يقوده الحريري للاسئثار بالاقتصاد، يقوّض المصالحة الوطنية التي يزعم الحريري أنه يروجها، ويوزع هذا الفريق المغانم التجارية عليه وعلى المقربين منه وعلى جهات خارجية، بحسبما يقول سياسيون معارضون، ومن شأن هذه الدعوى أن تؤجج اتهامات المعارضة بأن الحريري يدير شؤون البلاد كأنها شركة خاصة به، مع أن إدارة كلينتون، ترى أن حكومة الحريري هي أفضل فرصة لإرسال السلام في هذا البلد الذي ستزداد أهميته الاستراتيجية بعد توقيع اتفاق السلام بين سوريا وإسرائيل.

وتوضح المجلة أن هذه التساؤلات تزامنت مع مقاضاة رجل الأعمال اللبناني الأمريكي جان آغبيه لرئيس الوزراء اللبناني، واربع شركات أخرى يسيطر عليها أمام محكمة أمريكية في فرجينيا، بتهمة فسخ اتفاق وفسخ شراكة، وتنقل المجلة عن مجامي جان آغبيه، أنه من الخطأ اعتبار هذه القضية، قضية شراكة لم يكتب لها النجاح، بل أإنها تفض ممارسات خاطئة على الصعيد التجاري، يقوم بها السياسيون الحاكمون في لبنان، بمن فيهم الحريري نفسه، كما تفضح مخاطر عمليات التفاوض والصفقات، في دولة تهدف النخبة الحاكمة فيها إلى الإثراء، والسيطرة على توزيع الأرباح الخاصة.

وتكشف المجلة أن جان آغبيه دخل فلك الحريري عام 1990 حين بدأ شريكه اللبناني نزار دلول ابن وزير الدفاع وصهر الحريري، التخطيط للحصول على عمليات لقطاع المواصلات السلكية واللاسلكية، وإنشاء شبكات الهاتف الخلوي في السعودية ومحاولة استمالة شركة الـ M.C.I الأمريكية لإنشاء محطات أرضية في لبنان وسوريا، ونقلت المجلة عن أوراق الدعوى التي قدمها جان آغبيه أنه عقد شراكة ونزار دلول لأن في الشركة مصلحة لكليهما، إذ يملك اتصالات تجارية وتقنية واسعة في الولايات المتحدة، فيما يملك دلول اتصالات واسعة في لبنان وسوريا معتمداً على مشاركته ودعمه من قبل الحريري، كما كان الشريكان قد قاما ببيع أقنعة غاز إلى السعودية خلال حرب الخليج، وصدرا دواجن إلى الخليج، وأمنّا وسائل اتصال مايكرووايف لطيران الشرق الأوسط، وكان أملهما كبيراً في الحصول على عقد الهاتف الخلوي، استعان نزار دلول بوالده وبالحريري لتأمين رأس المال، وقد توج الأمر باجتماع مع الحريري في باريس.

ويقول آغبيه إن الحريري وافق على مساعدة الشريكين في العقود التي ينويان الحصول عليها في لبنان وسوريا، شرط أن يبقيا بعيدين عن السعودية التي يظن أنها وراء معظم ثروة الحريري البالغة نحو ستة مليارات دولار، كما اشترط الحريري أيضاً لأعطائهما الدعم المالي والسياسي، أن يحصل على نصف الأرباح على أن يقتسم الشريكان الآخران النصف الآخر.

وتقول المجلة إن الحريري أعطى تعليماته لشركته في "دويلاوير" "حريري انترستس آنك" لإنشاء شركة جديدة هي الدمج العالمي للتقنيات ITI لتسهيل إتمام المشروع، وتمّ إنشاء شركة: سرفيز دفلوبمنت كورب، في بيروت، لتجنب الإحراج السياسي الناتج  عن تعاطي الحريري وآل دلول المباشر بالصفقات، وتنقل المجلة عن آغبيه أن الحريري أبلغ إليه ولشريكه بعد حين، ضرورة إدخال شركاء غير لبنانيين لتسهيل إتمام المشروع، ويوضح آغبيه أن مجلس الوزراء اللبناني أعطى الشركة عام 1992 الضوء الأخضر للبدء بالمشروع، لكن الحريري خشي أن تفتضح علاقته بشركة ITI فأمر بمحو اسمه من كل الأوراق الرسمية، ثم باع الشركة بيعاً صورياً لدلول، بمبلغ ألفي دولار، بهدف تمويه ملكيته الحقيقية للشركة دون أن تفقده السيطرة عليها، وقد نجحت الشركة في أعمالها عام 1993 ودرّت أرباحاً بقيمة ثلاثمائة ألف دولار في الشهر.

وادعى آغبيه أنه لم يحصل على قرش واحد من أصل ستة ملايين دولار كحق له في الأرباح، بحيث أنه شريك ويؤكد في دعواه القضائية أنه أقصي بأوامر مباشرة من الحريري، وأحد شركائه الخارجيين النافذين، بعدما مارس ضغطاً على دلول، واعترف آغبيه للمجلة، أنه يتعرض منذ تقديمه لدعواه القضائية، إلى ترهيب وتهديات مبطنة.

وقد تحرك الحريري بواسطة بمحاميه، طالباً رد الدعوى على أساس أنها ترتكز إلى مزاعم ملتوية واستنتاجية، ويدعي الحريري في دعواه المضادة أن ليس لآغبيه أي حصة في الأرباح، وأنه كان موظفاً في شركة ITI كمراقب، ولم تكن له حصة ضمن حصص المساهمين في الشركة، كما يدعي دلول أيضاً بحسب الأوراق المقدمة إلى المحكمة، أنه لم يكن ثمة شراكة مطلقاً بينه وبين آغبيه، وأنه لم يتفاوض معه مطلقاً على اقتسام الأرباح.

انتهى تحقيق المجلة، ولا داعي للتعليق، لأن السيد رفيق الحريري في دعواه المضادة علق بما فيه الكفاية، وأكد مرة أخرى مضمون عنوان التحقيق، وموضوع مشاركته، وإقراره بأنه شريك في شركة تحصل على التزامات في لبنان لمصلحته الخاصة.

وهنا لابدّ من التوقف عند مسألة مهمة: لماذا لم يتحرك القضاء اللبناني؟ أقله، للتقصي عن صحة تلك المعلومات وحقيقة الدعاوي التي أقيمت أمام المحاكم الأمريكية والفرنسية ضد الحريري ودلول؟ علماً أن حيثيات هذه الدعاوي تؤكد استغلال الحريري لسلطاته بهدف المنفعة الشخصية على حساب الدولة والشعب، وهذا ما يحاكم عليه القانون اللبناني صراحة.. فمتى يتحرك القضاء؟! وأين مجلس النواب ليحاسب رئيس الحكومة وزرائه على مثل هذه الأفعال؟

وتأكيداً لما أورده آغبيه في دعواه، فقد اتخذ مجلس الوزراء في تاريخ 1/4/1992 قراراً حمل الرقم 218 بالتصديق على اتفاق مع شركة MCI الأمريكية، عبر شركة لبنانية خاصة هي MCIOG منحت الشركة من خلال تلزيم خطوط دولية بطريقة التمويل الذاتي B.O.T لمدة خمس سنوات دون العودة إلى مجلس النواب لاستصدار قانون بذلك وهذا ما يعتبر مخالفاً لنص المادة 89 من الدستور اللبناني، وقد وجهت حينها كتلة الإنقاذ والتغيير سؤالاً إلى الحكومة حول هذا الموضوع، وطبعاً كان الجواب، وكالعادة، محاولة الهروب إلى الإمام ومعمعة الموضوع، وجاء في سؤال الكتلة:

"الموضوع: تلزيم خطوط دولية بطريقة التمويل الذاتي".

بالإشارة إلى جواب الحكومة عن سؤالنا، في شأن الترخيص لشركة خاصة للقيام بتركيب شبكة اتصالات ودولية في لبنان وتشغليها، نتوقف عند المعطيات الآتية:

1 ـ يتبين من محضر جلسة مجلس الوزارء المنعقدة في 1/4/1992 أن الاتفاق معقود مع شركة خاصة تسمى MCIOG أسست خصيصاً لهذه الغاية، وليس مع شركة MCI الأمريكية مباشرة كما يوحي الجواب.

2 ـ ورد في جواب الحكومة، أن المشروع لن تترتب من خلاله أية كلفة مالية مباشرة تتحملها الخزينة، وأنه في نهاية مدة العقد، أي خمس سنوات، تعود ملكية المعدات والمنشآت كاملة إلى الإدارة اللبنانية من دون مقابل، لكن الاتفاق المعقود مع الشركة اللبنانية ينص على اقتطاع حصة من أجرة المخابرة الدولية مقدارها 35و0 دولار في السنة الأولى، وتتناقص بواقع 05و0 دولار سنوياً، لتنتهي بـ 15و0 دولار في السنة الخامسة، والمعروف أن الشركة تتقاضى من المشتركين إضافة إلى ذلك، بدل اشتراك على الشبكة.

3 ـ أن ديوان المحاسبة لم يوافق على الاتفاق، فعللاً رفضه كما يأتي: بما أن غاية المشروع المعروض، تتناول قيام شركة إم. سي. أي "أوفرسيزغيتويز" MCIOG المتفرعة من شركة MCI الأمريكية، بتقديم التجهيزات اللازمة لزيادة الاتصالات الهاتفية والفاكس والتلكس، بين لبنان والعالم وتركيبها وتشغيلها وصيانتها، وأن المرفق المذكور يدخل في عداد المرافق العامة، ويتصل بمصلحة ذات منفعة عامة تتولاه سلطة عامة ذات صلاحية، هي وزارة البريد والمواصلات السلكية واللاسلكية.

وبما أن تولي أمر إنشاء هذا المرفق العام لتسيير مصلحة ذات منفعة عامة، وإدارته من قبل أشخاص طبيعيين أو معنويين من أشخاص القطاع الخاص، يستلزم صدور قانون يحدد موضوعه وأحكامه ووسائله وحدوده ومدته؛ ولهذا نصت المادة 89 من الدستور اللبناني  على ما يأتي: لا يجوز منح موارده ثروة البلاد الطبيعية أو مصلحة ذات منفعة عامة أو أي احتكار إلا بموجب قانون وإلى زمن محدود.

ولما أنه لم يتبين وجود قانون يجيز منح امتياز للشركة المقترح التعاقد معها، في القضية المبحوث فيها، لإنشاء مرفق عام تتولاه وزارة البريد والموصلات السلكية واللاسلكية وتسييره.

وبما أنه ليس لقرار مجلس الوزراء الرقم 18 المتخذ في الجلسة المنعقدة بتاريخ 1/4/1992 المتعلق بالموضوع، قوة القانون المحكي عنه، ليمنح الامتياز المشار إليه.

وبما أن الأعمال موضوع مشروع التعاقد، لا تدخل في عداد الآلات التي يمكن التعاقد رضائياً في شأنها، سندا إلى أحكام المادة 147 من قانون المحاسبة العمومية، بما فيها الحالتان المبنيتان في الفقرتين 11 و12 منها.

وبما أنه يقتضي والحال ما ذكر، عدم الموافقة على المشروع المبحوث فيه لهذه الجهة.

4 ـ يشير جواب الحكومة، إلى الحاجة الملحة إلى منع أعمال التعدي والقرصنة على الشبكات.

في ضوء هذه المعطيات نعود فنسأل الحكومة:

أولاً: لماذا أقدمت الحكومة على خرق أحكام المادة 89 معدلة من الدستور، رغم رأي ديوان المحاسبة؟

ثانياً: وبمعزل عن الناحية الدستورية والقانونية، نطرح الأسئلة الآتية:

أ ـ أما كان في إمكان الحكومة، عقد اتفاق مع الشركة الأمريكية MCI مباشرة، بدل توسيط شركة لبنانية، توفيراً لكلفة الوساطة على الخزينة؟

ب ـ باعتبار أن الشركة الوسيطة تسترد قيمة توظيفاتها ونفقاتها من المكلف اللبناني، من خلال المبالغ المقتطعة من أجرة كل مخابرة، هل أجرت الإدارة اللبنانية المختصة، دراسة اقتصادية لتبرير مقدار ما يترتب على الشركة كل سنة، وعلى امتداد خمس سنوات؟ ألا ترى الحكومة أن مثل هذه الدراسة ضرورية، للتثبت من أن مصلحة الخزينة كما مصلحة المكلف مصونة؟ وهل يجوز أن تتقاضى الشركة الوكيلة في لبنان، مبلغاً مقطوعاً عن وصل الاشتراك على الشبكة الدولية.

ج ـ هل اتخذت الحكومة كل الإجراءات اللازمة، لمنع كل أشكال القرصنة على الشبكات الداخلية والخطوط الدولية؟

نرجو من الحكومة الإجابة ضمن المهلة القانونية "انتهى سؤال الكتلة".

وفي العودة إلى عملية تلزيم الهاتف الخليوي في لبنان، أجاز مجلس النواب للحكومة في 13 ايار 1993 إنشاء شبكة للهاتف الخلوي، تغطي كامل الأراضي اللبنانية.

بعد حوالي شهر من هذا التاريخ تقدمت فرانس تلكوم انترناسيونال وتلكوم فنلندا بعرضين لتنفيذ هذه الشبكة، وبعد عملية استدراج عروض صورية من قبل مجلس الإنماء والإعمار، رسا الالتزام على هاتين الشركتين، والجدير ذكره هو أن شركة ثالثة هي ERICSON & ITALIAN TELECOM مدعومة من الرئيس بري، شاركت في استدراج العروض، لكنها عادت وانسحبت من العملية، نتيجة صفقة تمت بين الرئيس بري والحريري.

في 14 /9/1994 تم تأسيس الشركة اللبنانية للاتصالات، التي يملكها ميسرة خليل سكر المدير العام، ومالك ميسرة سكر وعارف محي الدين الحص، برأسمال قدره 170 مليون ليرة لبنانية.

وفي 10/4/1994 تم تسجيل شركة أخرى، وهي شركة ليبانسيل يملكها نديم نايف الفغالي، معين أمين جابر، نجيب دياب، ومديرها زياد دلول ومحاميها نبيل الفغالي، وهو محامي الشركة اللبنانية للاتصالات، أي محام واحد لشركتين متنافستين!! وهذا يعني أن المرجع واحد والمالك واحد واللاعبين كثر.

في 14/11/1994 تم تأسيس شركة مشتركة بين تلكوم الفنلندية والشركة اللبنانية للاتصالات، باسم شركة ليبانسيل تحت رقم 67741 المحدودة المسؤولية، ويمثلها ميسرة سكر، شركة المباني- لبنان ويمثلها نعمة طعمة أو رزق رزق، شركة ليبانيز كوميونيكيشن هولدنغ يمثلها رزق رزق أو نعمة طعمة، المهندس حسين الرفاعي، محاميها كارلوس أبو جودة، ورأسمالها 50 مليار ليرة.

في 23 /8/1994 تم تأسيس شركة مساهمة لبنانية باسم F.T.M.L يملكها صلاح أبو رعد، محمد نجيب ميقاتي، طه ميقاتي وشركة F.T.M.L.S.A يمثلها بريجيت بورغوان، ميشال بيرتينتيو، آلان مالو بيرتي، بيل فضول وندى تيان المحامي.

وفيما لو تحققنا، من عملية التشابك في هذه الشركات، ومن ولاءات أصحابها والمساهمين فيها، لعرفنا حينها، لماذا رسا الالتزام على الشركتين الفنلندية والفرنسية.

يقضي الاتفاق الموقع بين وزارة الاتصالات عبر مجلس الإنماء والإعمار، وهاتين الشركتين، والذي تبلغ مدته عشر سنوات، بأن تدفع الشركتان في السنوات الثماني الأولى من العقد 20% من المردود العام للدولة اللبنانية، و40% في السنتين المتبقيتين، مقابل أن يحق لها اعتماد عدد غير محدد من الخطوط.

وهكذا نكتشف أن هذه الشركات بدأت عملها بحوالي 30 ألف خط، وبعد ثلاث سنوات أصبح عدد الخطوط 500 ألف خط، وقد بدات هذه الشركات منذ السنة الأولى تحقق أ رباحاً طائلة، وذلك نتيجة الخلل الفادح في شركات الهاتف العادية، التي حتى وقت بعيد ستبقى تعاني من نقص ومماطلة في التأهيل، ومد الشبكات في العديد من المناطق اللبنانية.

وفي هذا السياق يقول الخبير اشرف سنو، في تقرير أعده حول نظام الخلوي قبل إجراء التلزيم للشركتين، إن هذا النظام في لبنان ملائم وعملي، ويعتبر مساعداً لشبكة الهاتف المحلية، لكن لا يمكن أن يحلّ! مكانه، ويعمل كحل لمشاكل هذه الشبكة المشلولة، ويؤكد التقرير أن نظام الخلوي في لبنان ليس ملائماً من ناحية التمويل فحسب، بل هو مربح جداً منذ السنة الأولى لإنجازه.

ويضيف أن نظاماً كهذا في الولايات المتحدة الأمريكية أو معظم بلدان العالم لا يعود بالربح قبل السنة الرابعة من إنجازه، ويخلص التقرير إلى الاستنتاج، أن مفاوضات الوزارة مع الشركتين يجب أن تؤدي إلى اختصار مدة الـ B.O.T وليس إلى إبقائها كما كان مقترحاً.

ونورد في ما يلي جدولاً تقريبياً عن كلفة شركتي الهاتف الخلوي، وأرباحهما في خلال ثلاث سنوات من بدء العمل، وذلك بالدولار الأمريكي.

وفي علم الاقتصاد، يقال إنه ولتحقيق هذا الحجم من الربح، لابدّ من أن يفوق حجم الاستثمار مبلغ أربعمائة مليار دولار، لكن ما حصل مع هاتين الشركتين، أنهما لم تستثمرا فلساً واحداً من رأسمالهما،وأن كل المبالغ التي صرفتاها في الإنشاءات والتجهيزات، جاءت من الاشتراكات التي جمعتاها من الراغبين بامتلاك الهواتف الخلوية، وذلك قبل بدئها بالعمل.

إذاً، فأموال الاستثمار هي أموال المشتركين، وإذا كانت الشركتان لم تتكلفا شيئا على إنشاء محطات الهاتف الخلوي في لبنان، فالسؤال المطروح هل كانت الدولة عاجزة عن القيام بمشروع مربح كهذا المشروع، يدر ملايين الدولارات كما برهنا، دون أن تتكلف شيئاً من أموال الخزينة التي حرمت من أكثر من نصف مليار دولار، كأرباح من الهاتف الخلوي، والتي ذهبت، أي هذه الأرباح إلى جيوب الحريري وشركائه.

 

 

 

سنة أولى

سنة ثانية

سنة ثالثة

اشتراكات البث

30000

60000

90000

إيرادات الاشتراك

 

 

 

رسم الاشتراك

500

 

 

رسم الصيانة

300

300

300

كلفة استخدام الخط لإجراء مخابرات

720

720

720

إيرادات الوقت الهوائي من المخابرات

 

 

 

من خط عادي غير خلوي

270

(4) 297

297

معطيات الإرسال

 

(!)

(!)

المخابرات الدولية

36

36

48

فاكس

 

 

6

إجمالي الإيرادات

1826

1359

1377

إجمالي المصاريف

1580

80

80

ارباح الاشتراك

246

1279

1297

إجمالي الأرباح السنوية بالدولار

12300000

76740000

77820000

 

(1): افتراض 4 مخابرات في اليوم 10 دقائق كل مخابرة، الدقيقة 5 سنتات/ 360 يوماًُ في العام.

(2): افتراض 3 مخابرات في اليوم 5 دقائق كل مخابرة، الدقيقة 5 سنتات /360 يوماً في العام.

(3) معدل 3 دولارات في الشهر لكل الاشتراكات.

(4) 10% زيادة لتغطية أفضل.

(5) 30% حسم للإضافات على المعدات.

إن أرباح السنة الثالثة احتسبت على أساس 90 ألف خط، وجاء الربح الصافي بقيمة 77820000 دولار أمريكي، وإن عدد المشتركين فاق النصف مليون مشترك، وبذلك فإن نسبة الارباح المحققة التي ترتفع سنوياً ابتداء من السنة الثالثة تفوق الاربعمائة مليون دولار أمريكي.

ولو افترضنا أن الشركتين تديران النظام في لبنان، وكل واحدة تقدم خحدمات لـ 30 ألف مشترك، فإن المصاريف التأسيسية لكل شركة شهرياً تبلغ:

 

الرقم

الوظيفة

الكمية

البدل للوحدة

دولار أمريكي

1

مدير عام

1

6000

6000

2

مساعد مدير

5

40000

20000

3

مهندسون وتقنيون

15

1500

22000

4

إدارة

20

750

1500

5

تسويق (إعلانات)

 

 

10000

6

إيجار

 

 

30000

7

مؤسسات ذات منفعة عامة- كهرباء

 

 

20000

8

تصليحات

 

 

20000

9

خدمات هندسية

 

 

10000

10

سفر

 

 

10000

11

تأمين

 

 

1000

12

قانون سياسي

 

 

3000

المجموع -- --- --- --- 167000

متفرقات -- --- --- --- 33000

المجموع شهرياً -- --- --- --- 20000

إجمالي المصاريف لكل مشترك خلال عام 2400000/30000 = 80$

إن عدد الاشتراكات التي سجلتها شركتا الهاتف الخلوي في لبنان، تخطى الأرقام المقدرة ليصل إلى ما يفوق الثلاثمائة ألف اشتراك في السنة الثالثة لعملهما، ما انعكس مضاعفة في مداخيل هاتين الشركتين وأرباحهما؟، فيما لا يذهب إلى الدولة إلا النزر القليل، أي 20% من هذه الإيرادات، وهي تذهب بمعظمها لتنظيف الموجة التي يبث عليها الخلوي من التشويش.

وإذا ما أضفنا الخدمات التي تقدمها هاتان الشركتان، لتبين أن الأرباح التي تجنيانها سنوياً تتخطى النصف مليار دولار، وإذا قمنا بعملية حسابية بسيطة لوجدنا: أن عدد المشتركين وصل عام 1998 إلى 500 ألف مشترك، وإذا احتسبنا الخدمات الإضافية لهؤلاء المشتركين نحصل على الجدول التالي:

مكالمة في الانتظار                     1 دولار

بدل جوال                                      10    

فاتورة مفصلة                                   4

اشتراك شهري                                  25

تقجيم المكالمة                                  2

تسجيل رقم المتصل                            6

عدم ظهور الرقم على هاتف المتصل به        20

المجموع                                         68

إن مجموع 68 دولاراً هو الكلفة الشهرية للخدمات الإضافية التي تقدم للمشترك، وإذا ما افترضنا أن 250 ألف مشترك سيستفيدون من هذه الخدمات، نحصل على الرقم التالي: 68× 250 ألف = 20 مليون دولار شهريا، وفي السنة يصل المبلغ إلى:

20 مليون × 12 = 240 مليون دولار سنوياً.

والنصف الآخر يدفع فقط رسم الاشتراك والبالغ 25 دولار شهريا أي:

25 × 250000 = 6250000 مليار دولار شهريا.

1276250000 = 75000000 مليون دولار سنوياً.

240 + 75 = 315 مليون دولار.

وإذا ما أضفنا إلى هذا الرقم بدلات المكالمات الهاتفية، والتي تشكل أضعافاً مضاعفة من هذه المبالغ لتخطى هذا الرقم المليار دولار سنوياً، وهي ستذهب بالطبع إلى جيوب رئيس الحكومة وشريكه وزير الدفاع محسن دلول، وشركائه الآخرين.

فعلى سبيل المثال، بلغت الأرباح المعلنة من قبلهم وبدون رقيب أو حسيب، التي جنتها شركتا الخلوي في خلال العام 1996 حوالي 260 مليون دولار، بينما لم تتجاوز حصة الدولة الـ 23 مليون دولار خلال العام عينه، إضافة إلى الأرباح التي تحققت خلال عامي 94و 95؛ وهذا أمر كان يجب أن يطرح وبشكل ملح، ضرورة أن تضع الدولة يدها على الهاتف الخلوي عبر تأسيس شركة مختلطة تساهم الدولة فيها بنسبة مئوية معينة، وتطرح باقي الأسهم في السوق المحلية، أمام المواطنين والمؤسسات المحلية.

وقد تكون التجربة التي تخوضها دولة الكويت مثلاً مفيدة جداً للاقتداء بها في لبنان، فقد أسست الحكومة الكويتية في العام 1997 شركة رأسمالها 30 مليون دينار كويتي (حوالي مائة مليون دولار) تساهمفيها الحكومة بنسبة 25 في المائة على أن يطرح 75 في المائة من أسهمها للاكتتاب العام وفي ذلك خطوة لكسر احتكار شركة الهواتف المتنقلة (الخلوي).

وقد يكون من المفيد أيضاً في هذا المجال، التمثل بالتجربة التي خاضتها مصر في مجال الخلوي، ففي العام 1996 أدخلت الحكومة المصرية الهاتف الخلوي إلى الأسواق، وبعد أشهر من ذلك، أعلنت عن عزمها على تخصيص قطاع الاتصالات، والسماح للقطاع الخاص المصري والأجنبي بالاستثمار، وإنهاء احتكار الحكومة، لتقديم الخدمات الهاتفية في مصر.

وفي أعقاب ذلك، قاومت هيئة الاتصالات المصرية بطرح 30% من أسهم الشركة المصرية لخدمات الهاتف النقال المملوكة من الدولة، في اكتتاب عام على الجمهور، وتم بيع 18 مليون سهم، وبعد نجاحها في هذه الخطوة، أعلنت الحكومة المصرية عن إجراء مناقصة عالمية لاختيار إحدى الشركات أو المجموعات الاستثمارية لإنشاء شبكة ثانية للهاتف الخلوي في مصر، بنتيجة هذه المناقصة، رسا الالتزام على شركة (مصرفون) التي تضم شركات عالمية، بعدما تقدمت بعرض قدره ما يقارب 525000000 مليون دولار للفوز بحق تركيب وتشغيل الشبكة الثانية للهاتف النقال لمدة 15 عاماً.

وكان منافس "مصرفون" في تلك الصفقة شركة "موبينيل" التي يقل عرضها عن عرض الأولى بحوالي 135 مليون دولار.

وحتى تحقق الحكومة المصرية مزيداً من المكاسب، أدخلت شركة "موبينيل" مساهمة في الشبكة الأولى للهاتف الخلوي بعد أن رفعت عرضها بحدود المائة مليون دولار، وحصلت الشركة على نسبة 68% من أسهم الشركة الأولى للهاتف الخلوي التي يشترك فيها نحو 83 ألف مشترك، وبذلك حققت الحكومة المصرية دخلاً يبلغ نحو مليار و350 مليون دولار.

وفي مقارنة بسيطة بين وضع الهاتف الخلوي في مصر وفي لبنان، نجد أنه في مصر تم تخصيص جزئي للهاتف الخلوي بينما كانت الخصخصة في لبنان كلية، وفي مصر جرى التخصيص على أساس مناقصة عالمية، جنت من خلالها الدولة ما يزيد على المليار و350 مليون دولار، في وقت تم تلزيم الهاتف الخلوي في لبنان مجانا، وفي مصر حددت الاشتراكات بعدد معين، أما في لبنان فقامت الشركات بتوسيع شبكاتها، وزيادة عدد مكشتركيها بأرقام كبيرة، دون أن تستفيد الدولة من نسب مئوية في هذه الزيادات.

وفي المغرب طرحت الحكومة المغربية أواخر عام 1998 مناقصة مفتوحة بين الشركات المتخصصة لإنشاء شبكة ثانية للهخاتف الخلوي النقال وتنافست نحو عشر شركات عملاقة على المناقصة تتقدمها شركة "فرانس تلكوم" و"تليفونيكا" الإسبانية و"دويشه تيلكوم" و"بريتش تيلكوم" و"الثريا" الإماراتية و"أريكسون" السويدية و"موتورولا" الأمريكية وغيرها.

وتوقعت الحكومة المغربية دخلاً من إنشاء شبكة ثانية للهاتف الخلوي يراوح ما بين الـ 400 مليون والـ 500 مليون دولار للعام 1999 مع العلم أن شركة اتصالات المغرب (ماروك تيلكوم) التي أنشأت الشبكة الأولى للهاتف الخلوي، أعلنت أنها حققت أرباحاً صافية عام 1998 تقدر بنحو مائة مليون دولار، وإن عدد المشتركين في شبكتها سيرتفع من 114 ألف مشترك عام 98 إلى 164 ألف مشترك عام 1999، وتستعد الشركة لخفض أسعار خدمات الهاتف النقال بنسب تراوح ما بين الـ 9 والـ 25 في المائة كما ستخفض رسوم الإشتراك من 600 درهم إلى 450 درهماً والتعرفة الشهرية من 200 إلى 150 درهماً وأسعار المكالمات الداخلية والدولية.

تجربة أخرى قد يكون من المفيد أن نشير إليها، وهي تجربة الهاتف الخلوي في دولة قطر، حيث أعلنت الحكومة القطرية عن تخصيص 40% من المؤسسة القطرية العامة للاتصالات، وطرحت هذه الأسهم على الجمهور القطري، عبر بورصة الدوحة وذلك لسد عجز الخزينة البالغ ثلاثة مليارات ريال لموازنة 98 -99.

ما يهمنا هنا، هو المقارنة ما بين ما يجري في لبنان وقطر، فهذا القطاع الذي يتفق كل المحللين الاقتصاديين على أنه منجم ذهب، ورغم العجز الكبير في الموازنة القطرية، إلا أن الحكومة لم تطرح سوى 40% من أسهم هذا القطاع للبيع، واحتفظت بـ 60% منه لإدراكها أهمية هذا المنجم وخطورة التفريط به، أما في لبنان، فالحكومة لا تملك سهماً واحداً في شركتي الخلوي؛ وقد قطر طرحت الأسهم على الجمهور القطري، أما في لبنان فقد ذهبت أسهم هذه الشركات إلى الرئيس الحريري وشركائه والمقربين منه؛ ويكفي إعادة تأكيد ما يقوله الخبراء، من هذا القطاع منجم ذهب، لتبيان حجم السرقة التي يقوم بها الحريري وشركائه، من خلال هذا القطاع فقط.

وبدل أن تسعى الحكومة إلى تقليص مدة العقد، مع الشركتين لإفادة خزينة الدولة، من الأرباح الطائلة التي يجنيها الهاتف الخلوي، الذي وصفه رئيس مجلس النواب نبيه بري بأنه نهر من الواردات، كلفت الحكومة المدير العام للصيانة والاستثمار في وزارة الاتصالات عبد المنعم يوسف، المقرب من الحريري، بمفاوضة الشركتين أي "فرانس تيليكوم" و"ليبانسيل" اللتين يملك النسبة الأكبر من أسهمها الرئيس الحريري، لتمديد مدة العقد إلى خمسين سنة، ورفع حجم الاشتراكات مجدداً، وطبعاً دون أن يكون هناك أي مردود إضافي لخزينة الدولة، إذن، فالحريري يفاوض الحريري لمصلحة الحريري.

وليس الاتهام أو اللوم اللذان وجهتهما شركتا الهاتف الخلوي إلى وزارة الاتصالات لرفضها رفع سقف الـ 250 ألف خط لكل منهما، سوى ذريعة للسماح لهاتين الشركتين برفع سقفيهما دون أن يتكفلا مقابل ذلك بدفع أي عائدات للدولة.

أما ذروة التحايل للتهرب من دفع أي عائدات للدولة فكانت في بدعة إصدار بطاقات "كليك" و"بروميار" والتي يعد بعشرات الألوف، فحصة الدولة هنا أقل بكثير، لأنه لا يوجد اشتراك على هذه البطاقات.

ورغم مناشدة الحكومة من قبل قوى كثيرة، وخبراء اقتصاديين لتقصير مدة العقد مع الشركتين، فإنها أرسلت إلى مجلس النواب مشروع قانون لتمديد عقد B.O.T مع شركتي الخلوي إلى 50 سنة.

إذا كانت فضائح الهاتف الخلوي MOBILE "ثابتة" وأكيدة، ففضائح الهاتف "الثابت" ثابتة "ونقالة" فقد أصبحت على كل لسان، وهي كثيرة وخطيرة، وأخطرها فضيحة تلزيم إعادة تأهيل شبكة الهاتف في لبنان، على شركة يراس مجلس إدارتها رئيس إسرائيلي سابق، وهو حاييم هيرتزوغ.

لقد كشف هذه الفضيحة تلفزيون الجديد N.T.V من خلال سلسلة من التحقيقات التي كان قد قام بها، والتي كان قد عرضها خلال نشرات أخباره قبل أن تقفله السلطة.

وقد استند التلفزيون إلى معلو مات أوردتها مجلة FINANCIAL –TIMES في عددها الصار بتاريخ 2/5/1995.

تقول المجلة إن شركة CABLE AND WIRELESS البريطانية للاتصالات الهاتفية، دفعت مبلغاً قدره 63 مليون جنيه، أي 102 مليون دولار، لقاء حصة تساوي 01و7 في المائة من شركة BEZEQ للاتصالات المملوكة من قبل الدولة الإسرائيلية، والتي يجري نقل أسهمها إلى القطاع الخاص.

وتضيف المجلة إن الشركة المذكورة: حصلت على عقد بقيمة خمسة ملايين دولار للإشراف على إعادة تأهيل شركة الهاتف في لبنان، وفي عدد آخر للمجلة صدر في تاريخ 20/6/1995 ورد أن حاييم خيرتزوغ رئيس دولة إسرائل السابق هو عضو مجلس إدارة شركة CABLE AND WIRELESS وهو في الوقت عينه ممثلها في مجلس إدارة شركة BEZEQ الإسرائيلية.

وفي عتدد آخر أكدت المجلة المذكورة أن شركة CABLE AND WIRELESS رفعت حصتها في الشركة الإسرائيلية إلى 10% وألقت الضوء على دور شركة MERRILL LYNCH في هذه العملية إشارة إلى أن هذه الشركة تولت عملية تسويق سندات الخزينة اللبنانية إلى العملة الأجنبية.

في نشرة TELECOM MARKETS الصادرة عن مجلة FINANCIAL –TIMES أن شركة CABLE AND WIRELESSتعتقد أن ستكون في موقع قوي لنيل حصة في مؤسسة الاتصالات السلكية واللاسلكية المملوكة من قبل الدولة اللبنانية، بسبب نجاحها في كسب عقد لمدة ثلاث سنوات من أجل الإشراف على إعادة تأهيل شبكة الاتصالالت في لبنان، وتعتقد الشركة أن عمللاية الخصخصة في لبنان هي على روزنامة الحكومة، وتأمل في نيل حصة من عملية الخصخصة الموعودة.

بعد أن كشف تلفزيون الجديد عن هذه الفضيحة، توجهت بسؤال إلى الحكومة عن مسألة تلزيمها مشروع الهاتف لشركة تتعامل مع إسرائيل، فكان رد الحكومة أنها استفسرت من مكتب مقاطعة الشركات المتعاملة مع إسرائيل الذي أبلغها أن CABLE AND WIRELESS ليست على اللائحة السوداء، وعندما طرح هذا الموضوع أمام لجنة الإعلام والبريد والاتصالات السلكية واللاسلكية في مجلس النواب، صدرت توصية عن هذه اللجنة، بفسخ العقد مع الشركة المذكورة، وبعد وقت طويل من المماطلة، أعلنت الحكومة أنها أوقفت التعاون مع هذه الشركة، إلا أنه تبين أن مؤسسة "أوجيرو" الملتزمة بأعمال التنفيذ لا تزال تتعامل معها.

ولم يكتف الحريري بهذا المقدار من امتلاك الخلوي، بل ذهب إلى أبعد من ذلك، حين قرر أن يكون شريكاً في شركة ICO وهي للخدمات الخلوية الفردية الدولية عبر الأقمار الصناعية، ويوم طرحت هذه الشركة الدولية أسهماً للبيع، شاركت بعض الدول العربية بشراء أسهم لا تتعدى قيمتها المليون دولار، كما ساهما إسرائيل في شراء حصة في هذه الشركة.

أما شراكة الحريري فقد جاءت عبر وزارة الاتصالات بمبلغ قيمته 78 مليون دولار، وقدج قام بهذه العملية دون علم الحكومة، ودون علم مجلس النواب، وفي بداية الصفقة دفع نسبة 35% من القيمة الإجمالية، لكن وبعد مضي وقت، وعند استحخقاق المبالغ المتوجبة، ولسبب عجز الخزينة، لم يتمكن الحريري من تسديد ما يتوجب عليه، فنفذت الشركة البنود الجزائية من العقد، وأضافت إليه فوائد التأخير، وبعد أن دفع من مال الخزينة قيمة الفوائد والجزاءات، بقي مترتباً من ديون، مبلغ 53 مليون دولار، وأمام تعذر الدفع بسبب عجز الخزينة، وخوفاً من أن يفتضح هذا الأمر أمام الرأي العام، اضطر للجوء إلى السماسرة الدوليين لبيع حصة الدولة في هذه الشركة.

لكن لم يعرف بعد ذلك، إذا كانت هذه الأسهم قد بيعت، وبأية أسعار وما المصير الذي آلت إليه تلك الأسهم؟ إن مستندات هذه القضية الفضيحة محفوظة بتفاصيلها، وسيتم عرضها أما القضاء، أو مجلس النواب في الوقت للمناسب، حين يبدأ وقت الحساب الجدي، وترفع الضغوط السياسية، وتصبح المحاسبة ممكنة.

قد لا تكون هذه الصفقة الأولى التي يمررها رئيس الحكومة، لكن السؤال يبقى دائماً الأول، كيف يستطيع رئيس الحكومة أن يتصرف بالمال العام، دون العودة إلى الحكومة وإلى مجلس النواب وإلى المؤسسات والهيئات المختصة؟

ثم كيف خرجت هذه الأموال من الخزينة دون علم أحد؟ أما السؤال الثالث، فهو كيف يشارك الحريري، مواطناً كان أو رئيس حكومة مستخدماً أموال الخزينة اللبنانية، في شركة تملك أسهماً فيها دولة عدوة؟ كل هذه الأسئلة تنتظر أحداً يجيب عنها؛ لكن قد يخطر فوراً على البال أن حرص الحريري على أن يكون هو وزيراً للاتصالات، أحد أسباب هذه الصفقة، إضافة إلى ما يملك في شبكات الاتصال.

5/11/1994 كشف تلفزيون الجديد N.T.V  معلومات بشأن طريقة توزيع الالتزامات والتعهدات في إدارة الدولة، وكيف ترسو هذه الالتزامات على شركات تابعة لأركان الحكم والمقربين منهم.

فالمعروف أن ثلاثة أطراف تتابع التلزيم والتفيذ والمراقبة في كل التزام ينفذ لصالح الدولة اللبنانية، أو أي من إدارتها الرسمية؛ وهذه الأطراف هي: الشركة الملتزمة، المراقب الذي يتابع التنفيذ وفق العقد الموقع، والدولة عبر الإدارة الرسمية المعنية بالالتزام.

وبما أن الهاتف والبريد هما في أولويات برنامج الحريري في مشروع خصخصة المؤسسات العامة، فقد كان من الطبيعي أن يحكم سيطرته أولاً على وزارة البريد والاتصالات السلكية واللاسلكية، تمهيداً لخصخصة قطاعات فجاء بالمهندس محمد الغزيري، الذي تربطه به علاقاة جيدة، وزيراً للاتصالات في حكومته الأولى التي لزمت الهاتف الخلوي إلى شركات خاصة وبدأت التمهيد لخصخصة البريد والهاتف الرسمي، وترافقت هذه الخطوة مع تعيين مدير عام للوزارة، ومدراء عامين للقطاعات مقربين منه أو موظفين لديه، ثم الإمساك بقرار مؤسسة أوجيرو، وتكليفها بالتنفيذ والإشراف على التزامات التوصيلات خارج السنترالات للهاتف، وإدخال موظفي المؤسسة في ملاك الوزارة.

وتجدر الإشارة هنا إلى المفاوضات على تلزيم الهاتف الخلوي كانت تجري دون معرفة الغزيري، ودون مشاركته وبشكل مباشر بين الرئيس الحريري والشركتين الفنلندية والفرنسية، وبالطبع فإن التفاوض كان يتم على أساس زيادة مكاسب الحريري وشركائه، على حساب الدولة ومصالحها، وعندما تم التوصل إلى اتفاق حول البنود كافة، كانت مهمة الغزيري تنحصر في التوقيع على العقد، دون أن يعرف هذا المسكين حجم الجرم الذي ارتكبه، في توقيعه على هذا العقد.

وعندما أكمل الغزيري مهماته، استغنى رئيس الحكومة عن خدماته لدى تشكيل حكومته الثانية، وعينه رئيساً لبلدية بيروت، فيما جاء برئيس مجلس الإنماء والإعمار المقرب منه الفضل شلق ويعنه وزيراً للاتصالات، ليستكمل الخطوات العمليةلتخصيص قطاعات البريد والهاتف؛ إلا أن الخلاف وقع بين الحريري بهذه الحقيبة لنفسه، إضافة إلى حقيبة وزارة المال ورئاسة الحكومة بالطبع.

لكن لابد هنا من التوقف قليلاً للحديث عن شركة فرانس تيليكوم فأحد المساهمين الأساسيين في هذه الشركة هي شركة فرانس تيليكوم أنترناشيونال، التي نجهل أسماء المساهمين فيها، وقد حاولنا عدة مرات الحصول على صورة للسجل التجاري لهذه الشركة، كونها مساهمة في إحدى الشركات العاملة في لبنان، وبالتالي يجب أن يكون لها سجل تجاري.

لكننا ورغام كل مساعينا، فإننا لم نستطع الحصول على أي معلومات حول هذه الشركة، أو أسماء المساوهمين فيها؛ كما تبين لنا، أنه لا يوجد سجل لهذه الشركة في لبنان، فكيف تسمح الحكومة بأن تعمل شركة أجنبية على أراضيها وهي مجهولة الهوية، وغير معروفة أسماء المساهمين فيها، ومن يؤكد أن ليس لإسرائيل يد في هذه الشركة؟ علماً أن فرانس تلكوم هي ليست فرانس تلكوم انترناسيونال ولا ندري دهاء الحريري على ماذا تفتق بمثل هذا الاحتيال في إدخال معلومات خاطئة في عقول الناس مفادها أن هذه الشركة هي عينها الشركة الحكومية الفرنسية، سنتابع هذا التحقيق وسنقوم بنشر الحقيقة كاملة وعرضها أمام الرأي وأمام القضاء في الجزء الثاني من هذا الكتاب، لكن لابد هنا من التساؤل هلما تمّ هو خطأ عربي في السجل التجاري أم تواطؤ أم أن هناك ضغوطاً مورست على مدير السجل لارتكاب مثل هذه الأخطاء لمصلحة الحريري.

 

كيف تم توزيع التلزيمات؟

جرى استدراج للعروض لتلزيم أعمال التمديدات الهاتفية، بإشراف المدير العام بالتكليف للاستثمار والصيانة في وزارة الاتصالات زهير النقيب، المقرب من رئيس الحكومة وشقيق يوسف النقيب الذي عمل مع الحريري في السعودية، ثم عين مديراً لشركة أوجيرو، أما عملية المفاوضة مع الشركات، فقد تولاها يوسف شقير، وهو مستشار لدى الحريري، وبذلك يكون ثالوث تلزيمات أعمال الهاتف بيد رئيس الحكومة، وتالياً يكون هو المفاوض الحقيقي، وصاحب القرار، وبالطبع المستفيد الأكبر.

بنتيجة استدراجات العروض لأعمال التمديدات في الهاتف، رست التلزيمات على ثلاث شركات أجنبية هي "الكاتيل" و"أريكسون" و"سيمنز" وكان شرط تلزيمها هو تلزيم جزء من مشاريعها إلى شركات يملكها الحريري أو مقربون منه، وعلى سبيل المثال، فقد قامت شركة أريكسون بتلزيم شركة الحسام وهي شركة مسجلة في السعودية، باسم نجل الرئيس الحريري، تتولى أعمال الإنشاءات التي بلغت قيمتها حوالي 70 مليون دولار، وقامت هذه الشركة، أي شركة الحسام بتلزيم هذه الأعمال إلى الشركة العربية للأعمال المدنية، التي يرأس مجس إدارتها عبد اللطيف الشماع مستشار الحريري، ومدير عدد من شركاته.

وتجدر الإشارة هنا، إلى أن قيمة التلزيمات الهاتفية بلغت 430 مليون دولار أمريكي، إلا أن التأخير غير المبرر في بدء التنفيذ رغم رغم دفع 20% من قيمة الالتزامات إلى الشركات، أدى إلى زيادة الكلفة على الدولة، بعد أن طالبت الشركات الملتزمة بمضاعفة المبالغ لإنجاز أعمالها في الوقت المحدد؛ وهو ما أدى إلى ارتفاع نسبة أرباح الشركات المحلية، التي التزمت التنفيذ، كما أدى إلى ارتفاع قيمة العقد الاستشاري، الموقّع مع شركة نوركوتسالنت من 13 مليون دولار إلى 26 مليون دولار.

بعدما تسلم الفضل شلق حقيبة وزارة الاتصالات أجرت الوزارة في 17 -9-1996 استقصاء أسعار لمشروع توسيع الشبكات الهاتفية في مختلف المناطق اللبنانية، استكمالاً لمشروع المليون ونصف مليون خط الذي كان قد تم إقراره، وبلغت قيمة تلزيمات المرحلة الثانية من هذا المشروع O.S.P-2 104 ملايين و484 ألف دولار، وقد رست التلزيمات على مجموعة من الشركات بشكل استنسابي، بحيث أن بعض الشركات التي تقدمت بأفضل الأسعار تم استبعادها، أو تلزيمها منطقة واحدة، فيما أعطيت المناطق الأخرى، لشركات تقدمت بأسعار أعلى من أسعارها، ونعطي مثالاً على ذلك أن شركة الطرق الحديثة  MODERN ROAS تقدمت بأفضل ثلاثة عروض لالتزام مشاريع توسيع الشبكة في الشمال والبقاع وجبل لبنان، وبأسعار هي 22 مليوناً و982 ألفاً و49 دولاراً لمنطقة الشمال، و17 مليوناً و741 ألفاً و733 دولاراً لمنطقة بعلبك، و15 مليوناً و393 ألفاً و 86 دولاراً لمشروع جبل لبنان؛ إلا أن الوزارة طلبت من الشركة أن تختار مشروعاً واحداً للتنفيذ، دون أن تتأكد ما إذا كان بإمكانية هذه الشركة التنفيذ في أكثر من منطقة في وقت واحد.

وقررت الشركة التزام مشروع البقاع بقيمة 17 مليون و741 ألف دولار، أما مشروع توسيع شبطة الشمال فتم تلزيمه لشركة الإنشاءات العربية بسعر قدره 24 مليوناً و900 ألف دولار علماً أن عرض الشركة الأولى بلغ نحو 9و22 مليون دولار.

وفي جبل لبنان رسا قسم من الالتزامات على شركة معوض وإده بسعر 17 مليوناً و148 ألف دولار، في حين أن عرض الشركة الأوىل كان 3و15 مليون دولار؛ علماً بأن شركة معوض عينها، كانت قد تقدمت بعرض للجنة استقصاء الأسعار قدره 16 مليوناً و436 ألف دولار.

أما القسم الثاني فقد رسا على شركة زاخم للهندسة والمقاولات بسعرؤ بلغ نحو 25 مليوناً و931 الف دولار أمريكي وتم تلزيم منطقة الجنوب للشركة العربية للأعمال المدنية، التي يرأسها عبد اللطيف الشماع المدير المالي للحريري، بسعر بلغ نحو 18 مليوناً و765 الف دولار.

إن هذه الوقائع والارقام تعطي صورة واضحة عن حجم الهدر والسرقات التي ترافق عمليات التلزيم في مشروع إعادة الإعمار على حساب خزينة الدولة والمكلّف اللبناني، ودائماً لحساب الحريري وشركائه.

وفضائح تلزيمات الهاتف، كما غيرها من التلزيمات لم تنته فصولاً عند هذه الحدود، بل تعدتها لتبيّن مدى استهتار الحكومة بصرف أموال الخزينة والمكلف اللبناني، وذلك بعدما كشفت عدة وسائل إعلام عربية وأجنبية، أن مجموعة من الشركات التي تنفذ تلزيمات أعمال في لبنان، تواجه فضائح مالية كبيرة في دولها الأم، ويمثل مسؤولوها أمام المحاكم بتهم الرشاوي والغش والسرقة، وفي هذا السياق، نشرت جريدة الحياة في عددها الصادر بتاريخ 16/3/1995 تقريراً يكشف حقيقة شركة الكاتيل، التي ختولى تأهيل  قسم من شبكة الهاتف في لبنان، وذكرت الصحيفة أن القضاء الفرنسي باشر التحقيق مع المدير العام لمجموعة الكاتيل، بتهمة الاختلاس، ولو تمكنا من الحصول على وقائع قبل نشر كتابنا هذا، لوجدنا فيها أسماء بعض المسؤولين هنا.

وقد بلغت قيمة العقود الموقعة بين الحكومة اللبنانية وهذه الشركة 7و130 مليون دولار أمريكي، وتتضمن إنشاء وتأهيل شبكات محلية لما يقارب 225 ألف خط، إلى جانب إنشاء وتأهيل اتصالات رقيمة سلكية ولاسلكية، بواسطة كابل الألياف البصرية والموجات الميكروية، مع تطوير الاتصالات الدولية، وإنشاء 35 مبنى جديداً وترميم 35 مبنى قائماً.

واللافت أن مثل هذه المشاريع، كان يتولى مجلس الإنماء والإعمار طرح مناقصتها وتلزيمها فلماذا عادت إلى كنف وزارة البريد والمواصلات، ولم يحدث ذلك بالنسبة لوزارات أخرى، خصوصاً وزارة الأشغال؟

الجواب واضح وهو أن هذه الخطوة تأتي في إطار الإجراءات الهادفةإلى خصخصة الهاتف في لبنان، والتي بدأت بتكليف شركة أوجيرو (وهي هيئة إدارة واستثمار وتجهيزات شركة راديو أوريان السابقة التي كانت مهمتها إعداد فواتير الهاتف فقط) القيام بتنفيذ أعمال التوصيلات اللازمة لشبكة الهاتف، العائدة لوزارة الاتصالات السلكية واللاسلكية، بذريعة أن ذلك يوفر على المبالغ التي كانت ستتكبدها فيما لو تعاقدت مع الشركات الخاصة، وقد صدر هذا التكليف بمرسوم عن مجلس الوزراء حمل الرقم 5613 بتاريخ 5/9/1994.

وبما أن يوسف النقيب كان موظفاً لدى الحريري في السعودية، ومشرفاً على إصدار فواتير لطباعة القرآن الكريم، الذي يطبع في مطابع يشرف عليها الحريري لحساب الديوان الملكي؛ فكانت مواهب يوسف النقيب تتجلة في إصدار الفواتير المزورة، لأن حجم الأرباح هنا، أصبح يفوق حجم أرباح إصدار الفواتير في السعودية؛ وهكذا يكون النقيب قد كوفئ على مواهبه ونجاحاته، وجاء ليكمل مهمته في لبنان من خلال أوجيرو.

كان رئيس الحكومة رفيق الحريري، وخارج مضمون هذا المرسوم، قد منح شركة أوجيرو صلاحيات ومهمات أوسع، ومنها القيام بأعمال الصيانة لحساب وزارة الاتصالات السلكية واللاسلكية؛ وتم توقيع عقد بهذا المعنى بين الوزارة وأوجيرو لمدة خمس سنوات كما وقعت شركة أوجيرو، وبإيعاز من الحريري، عقداً في شهر ايار 1996 مع شركة كايبل أندوايرلس للصيانة والأعمال الاستشارية.

وبخلاف قرار مجلس الوزراء بوقف التوظيف في المؤسسات العامة وإدارات الدولة، قامت شركة أوجيرو بتوظيف أعداد كبيرة تخطت حدود الألفي شخص، بينهم نحو مائتين موالين للرئيس بري وبرواتب مرتفعة قياساً برواتب موظفي الإدارات الرسمية، دون أن تخضع هذه العملية لرقابة مجلس الخدمة المدنية وشروطه، ولا لرقابة ديوان المحاسبة من ناحية الإنفاق، ولا لرقابة المجلس النيابي في ما يتعلق بموازنتها وأوجه نشاطها، ولاشك في أن ما من أحد من المسؤولين، باستثناء رئيس الحكومة، يعرف ما عدد موظفي أوجيرو، وحجم الأموال التي تنفق عليها، وما هو مصدرها.

ولابد من إشارةإلى أن مجلس إدارة أوجيرو يتألف من: يوسف النقيب رئيساً ومديراً عاماً، غابي خوري نائباً للرئيس ووائل حمدان عضواً.

ولاستكمال الخطوات التمهيدية لخصخصة قطاع الهاتف، رفعت الوزارة قيمة الاشتركات الشهرية للهاتف من ثمانية آلاف ليرة إلى 20 الف ليرة أي 13 دولاراً (عن قيمة الاشتراك الشهري للهاتف في بريطانيا تراوح ما بين 7 و 10 دولارات كما رفعت قيمة التخابر المحلي والدولي إلى أكثر من الضعفين.

وبنتيجة هذه الزيادات ارتفعت قيمة إيرادات الهاتف، وبلغت عام 1996 أكثر من ثلاثمائة مليون دولار، وعام 1997 أكثر من أربعمائة مليون دولار، بعد هذه الخطوة وضعت وزارة الاتصالات مشروع قانون لخصخصة الهاتف، وإنشاء شركة مختلطة تكون مسؤولة عن الهاتف في لبنان، أطلق عليها اسم TELECOM LIBAN والتي عبرها سيضع الحريري يده على الهاتف في لبنان، كما فعل بالهاتف الخلوي.

وأثارت تلزيمات وزارة الاتصالات، والهدر الحاصل فيها، والتعامل مع شركات لها علاقة بإسرائيل، ومشروع خصخصة القطاع، معارضة كبيرة من قبل عدد من النواب داخل المجلس النيابي، ومن قبل خبراء واختصاصيين بالقضايا الاقتصادية، وبرزت خلال السجالات حول هذا الموضوع، فضيحة جديدة طغت على باقي الفضائح، وهي فضيحة التنصّت على الهاتف العادي والخلوي، من قبل مسؤولين كبار.

ففي 15/9/1995 نشرت جريدة النهار تحقيقاً بعنوان "أنباء عن جهاز تنصت اشترته الدولة بملايين الدولارات" تناولت فيه موضوع التنصت على الهاتف الخلوي.

وفي 16/3/1997 كشف رئيس الحكومة السابق الدكتور سليم الحص، أن جهازاً للتنصت على المخابرات الهاتفية الخلوية تم تركيبه في شباط 1997، لتكتمل بذلك عملية التنصت على المخابرات الهاتفية، أما مهندس الاتصالات النائب سمير عون، فقد أكد في حديث للنهار بتاريخ 17/3/1997 أن ثمة إمكانات للتنصت على الخلوي من خلال جهاز متطور، يفك رموز المخابرات عبر الكمبيوتر وقد نقلت الجريدة عينها عن خبير تقني آخر، أن الدولة وحدها يمكن أن تتنصت على أجهزة G.S.M الخلوية، وأنه لم يسمح بدخول الخلوي إلى لبنان، إلا بعد أن تم شراء جهاز التنصت.

كما نشرت جريدة الكفاح العربي في عددها الصادر بتاريخ 11/6/1997، معلومات تسمها رئيس مجلس النواب

 

نبيه بري حول عملية التنصت، وقالت إن بري وقبل ساعات من انعقاد جلسة سرية للجان النيابة المشتركة؟، خصصت لبحث موضوع التنصت على الهاتف العادي والخلوي، بحضور رؤساء الأجهزة المعنية ورؤساء شركات الهاتف الخلوي، تسلم تقريراً مفصلاً من أحد السياسيين، تناول معلومات مفصلة عن الجهات التي تقوم بالتنصت، ويؤكد التقرير، أنه ليس صحيحاً ما قيل حول عدم تدخل جهة رسمية حكومية رفيعة (الحريري) بهذا الأمر، بل إن ما اشتكته هذه الجهة من خضوعها أيضاً للتنصت ليس سوى معلومات غير دقيقة، عن وجود تنصت على الهاتف العادي لهذه المرجعية، وأكدت المعلومات، أن الحريري أوعز تحديداً إلى شركة أوجيروا لتركيب أجهزة متطورة للقيام بعمليات تنصت على الهاتف الخلوي لعدد من الشخصيات البارزة، وأضافت صحيفة الكفاح العربي، استناداً إلى هذه المعلومات، أن لا صحة للأنباء التي أفادت عن قطع خطوط الاتصال والتعاون بين شركة كايبل أند وايرلس العالمية والمعروفة بارتباطها مع إسرائيل، وأن تعاوناً وثيقاً يقوم بين شركة أوجيرو وهذه الشركة، للتنسيق حول تركيب الأجهزة والمعدات.

إلا أن موضوع التنصت تمت لفلفته، من خلال تشكيل لجنة برلمانية للتحقيق في الموضوع، رغم أن هذه اللجنة اعترفت بعد التحقيقات التي أجرتها، بوجود تنصت على الهاتف العادي، ولم تستطع إثبات عدم وجود تنصت على الهاتف الخلوي.

لكن الحقيقة التي لم تكشفها اللجنة، هي أن الحريري، وفي خلال لقاء جمعه بالرئيس كلينتون، كان قد وعده بأن يزوده بأشرطة تنصت، وعلى هذا الأساس اشترى الحريري جهاز تنصت حدياً جداً بنظام ديجتل، بلغ ثمنه 8 ملايين دولار، وتم نقله إلى لبنان بواسطة طائرة الحريري الخاصة، وطبعاً للحريري أهدافه الخاصة في عملية التنصت هذه، لكن الأخطر أن أشرطة التنصت تذهب وبشكل يومي إلى الولايات المتحدة، كما وعد الحريري كلينتون ومن يمنع أن تصل هذه الأشرطة إلى إسرائيل؟

 

خصخصة البريد

تمهيداً لخصخصة قطاع البريد والتي طرحت قبل خصخصة الهاتف؟، ألغى وزير الاتصالات السلكية واللاسلكية السابق الفضل شلق، اللجنة المكلفة منم مجلس الإنماء والإعمار بإجراء العروض والتلزيمات على قطاعي البريد والهاتف، وأحال العروض إلى وزارة الاتصالات السلكية واللاسلكية، وذلك بإيعاز من رئيس الحكومة، تمهيداً لاستملاكه الوزارة، وترافق هذا الإجراء مع زيادة تعرفة البريد والرسوم على الطرود والمنشورات؛ وكلفت شركة ألمانية، بوضع دراسة ودفتر شروط مناسب، لخصخصة البريد، وقد كلفت هذه الدراسة 435 مليون ليرة لبنانية.

وبذلك رسمت حكومة الحريري الطريق لخصخصة قطاع البريد، وقامت بنشر إعلان عن تلزيم البريد إلى القطاع الخاص، بموجب عدة شروط أبرزها:

1 ـ جمع وفرز البريد وتوزيعه مع خدمات البريد السريع، وخدمة الشبابيك، والحوالات البريدية، وخدمة الطرود والفاكس.

2 ـ تقوم الشركة التي سترسو عليها المناقصة بإعادة تأهيل البريد، مقابل حق الاستثمار لفترة زمنية معينة، يتم الاتفاق عليها والطبع فإن التلزيم لم يطرح في مناقصة عالمية معروفة، والسبب معروف، وهو لكي يبقى الحريري ممسكاً مباشرة، بزمام مفاوضات التلزيم، وذلك حفاظاً على مكاسبه ومكاسب شركائه.

وتقدم عدد من شركات البريد الأجنبية بعروض، وتقدمت شركة هولندية متخصصة وهي واحدة من الشركات القلائل التي تملك خبرة في هذا المجال، خصوصاً أن هولندا هي البلد الوحيد التي لديها خبرة في خصخصة البريد، وقد تمت إزاحة هذه الشركة من المناقصة؟، ليتسنى للرئيس الحريري وكما في التلزيمات الأخرى كافة، استباحة أموال الخزيمة لخدمة مصالحه الشخصية، ولوضع يده على هذا القطاع عبر الشركات التي سيتم تأسيسها في لبنان، بالمشاركة مع الكنديين لتنفيذ الالتزامات، والتي ستكون السيطرة فيها مالياً واقتصادياً وسياسياً للرئيس الحريري، وبذلك حصرت المنافسة بينم شركتين مدعومتين من أهل السلطة، وهما الشركة الفرنسية المدعوة من الرئيس الحريري، والشركة الكندية المدعومة من الفضل شلق بسبب علاقة صهره حسن البواب بهذه الشركة، والتي قامت عبر صداقة بينه وبين  أستاذ يدعى نسيب الحسيني يعمل في إحدى الجامعات الكندية.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن الخلاف بين الحريري والفضل شلق الذي تحدثنا عنه سابقاً، كان من أحد أسبابه أيضاً قضية تلزيم البريد، وهو الخلاف الذي على خروج شلق من الوزارة ليتسلم الحريري شخصياً هذه الحقيبة.

بعد أن انحصر التنافس على التزام البريد بين هاتين الشركتين، طلبت وزارة الاتصالات، عبر مجلس الإنماء والإعمار، من إدارتي الشركتين تجديد كفالتيهما المصرفية، فتقدمت الشركة الكندية بكفالة جديدة، بينما عزفت الشركة الفرنسية عن ذلك، متذرعة بأنها أعادت حساباتها فوجدت أن التزام البريد بالشروط القائمة لا يتناسب مع وضعها.

أما السبب الحقيقي لذلك، فهو تحول الرئيس الحريري إلى دعم الشركة الكندية، نتيجة لمصلحة استجدت، وبالتالي كان إصدار الكفالة وسحبها من الشركة الفرنسية أمراً يعود للحريري، وبهذا أصبح التلزيم مقتصراً على شركة واحدة بدون منافس، وهذا طبعاً مخالف لأبسط قواعد التلزيمات ويعرض التعاقد للإلغاء في ما لو مارس مجلس النواب مسؤولياته بالمراقبة وذلك بانتظار عهد جديد يفعّل القضاء ويرفع عنه كابوس الضغوط السياسية ليتمكن من أن يُحاسب ويُحاكم ويُعاقِب.

وبذلك رسا عقد التلزيم على شركتين كنديتين، وتم توقيع العقد في القصر الحكومي يوم الأربعاء 23 تموز 1998، وإضافة إلى ذلك، فدق أصاب الحريري عصفوراً آخر بهذا الحجر، فمن خلال تلزيمه للبريد إلى شركات كندية أعاد ترطيب الأجواء بينه وبين الوزير السابق الفضل شلق، التي كانت أحد أسباب توتيرها قضية خصخصة البريد.

وينص عقد التلزيم على أن تؤسس الشركتان الكنديتان شركة لبنانية لتنفيذ التزمها، وبالطبع فإن المساهم الأكبر بهذه الشركة سيكون الرئيس الحريري وخصواً أن كل ذلك سيتم عن طريق بنك البحر المتوسط الذي يملكه.

كما ينص العقد، على أن تتولى الشركتان الكنديتان خلال مدة العقد البالغة 12 سنة، والقابلة للتجديد لثلاث سنوات أخرى، مهمة تأمين الخدمات البريدية التي تتضمن نقل البريد وتجميعه وتوزيعه، وخدمة الشبابيك، بما فيها الحوالات، وخدمة الطرود البريدية، وخدمة البريد السريع، وخدمة الفاكس، وخدمة الهواة في كل الأراضي اللبنانية، مع احتمال زيادة هذه المكاتب مستقبلاً وفق إقبال المواطنين على الإفادة من هذه الخدمات، وتتعهد الشركة أيضاً بحد أدنى من الاستثمار يبلغ 50 مليون دولار أمريكي فيما تتوقع أن تبلغ قيمة الاستثمار نحو 92 مليون دولار، تؤمن الشركة من خلاله تجهيز مركز الفرز الرئيسي في مطار بيروت، وتجهيز مراكز الفرز الأخرى والمكاتب البريدية، واستخدام آليات نقل وتنفيذ الرمز البريدي، وتركيب علب بريدية في كل المناطق.

كما تتولى مهمة تأمين مكاتب بريد تابعة للمديرية العامة راهناً، وتتعهد الشركة تدريب جميع العاملين في المدريرية العامة للبريد على أن تدفع لهم خلال التدريب رواتبهم مع زيادة 20% وبعد انتهاء فترة التدريب يتم تثبيت المؤهلين منهم في الشركة، ومقابل ذلك تحصل خزينة الدولة على نسبة مئوية من المبيعات، تراوح ما بين 5% في السنة الأولى و40% في السنة الثانية عشرة، بينما تعتمد الشركة مكاتب الوزارة المنتشرة على الأراضي اللبنانية كمقرات لها بعد ترميمها وتجهيزها، بالإضافة إلى اعتمادها التعرفة البريدية المعمول بها راهناً في السنتين الأولى والثانية من العقد، ومن ثم تتابع توصيات اتحاد البريد العالمي، مع مراعاة متطلبات السوق المحلية.

أما ما لم يذكر في العقد فهو أن الحكومة الكندية ليس لها علاقة بهذا العقد لأن قطاع البريد في كندا، هو في الأصل غير مخصص، وإن الشركتين اللتين التزمتا قطاع البريد هما شركتان مختلطتان، أصحابهما كنديون ولبنانيون، وعند التدقيق في سجلاتهما يتبين أنهما لا تختلفان كثيراً عن عشرات الشركات العقارية التي أسسها الرئيس الحريري في لبنان، وإن بأسماء مساهمين غير أولئك المساهمين في الشركات العقارية، ولكن مرجعيتهم واحدة وهذا ما سنأتي على ذكره لاحقاً.

وبموجب العقد الموقع أسست للشركتين الملتزمتين شركة لبنانية لتنفيذ الاتفاق باسم LIBAN POST S.A.L. سجلت في الدائرة العقارية في بعبدا تحت الرقم 63718 أما المساهمون في هذه الشركة فهم: نسيب سمير الحسيني، رئيس مجلس إدارة ومدير عام، غالب حلمي محمصاني، خالد محمد سعيد شهاب، المحامي أديب يوسف طعمة، فيليب لامار، شارل أندريه لاروش، جوناثان تيالور، PROFAC – BRK HOLDING –PROFAC SLI HOLDING القنطرة هولدينغ.

أما المساهمون في شركة PROFAC SLI HOLDING والمسجلة في بيروت تحت الرقم 865 فهم:

شارك أندره لاروش (كندي) وهو رئيس مجلس الإدارة والمدير العام للشركة، بولا أسعد سعادة (لبنانية) وسيم سامي قازان (لبناني).

والمساهمون في شركة PROFAC – BRK HOLDING المسجلة في بيروت تحت الرقم 866 فهم: جوناثان تايلور (كندي) وهو رئيس مجلس الإدارة والمدير العام للشركة، بولا أسعد سعادة (لبنانية)، وسيم سامي قازان.

والمساهمون في شركة القنطرة هولدينغ والمسجلة تحت رقم 867 فهم: نسيب سمير الحسيني رئيس مجلس الإدارة والمدير العام روني سمير الحسيني وسمير نسيب الحسيني وبذلك يتبين أن مرجعية هذه الشركات واحدة والمالك الأساسي واحد وبذلك يكون الملزم والملتزم واحداً والبائع والشاري واحداً، أما الخاسر الأكبر فهو الشعب اللبناني وخزينة الدولة.

وأثارت قضية خصخصة البريد، قبل تلزيمها وبعده العديد من التساؤلات والشكوك، خصوصاً بعد أن تم كشف النقاب في فرنسا، عن تقرير سري حول استعمال الخدمات البريدية في عمليات تبييض الأموال، والاختلاسات على مختلف أنواعها، وإذا كانت مثل هذه الفضائح يمكن أن تحصل في دولة مثل فرنسا تتمتع فيها أجهزة المراقبة والمحاسبة بصلاحيات واسعة، فكيف سيكون الوضع في بلد مثل لبنان يعشعش الفساد في إدارته، نتيجة سياسية تقاسم الحصص والمنافع بين أركان السلطة، ومعطلة أو مغيبة فيه كل هيئات الرقابة ومؤسساتها؟ ويهيمن على السلطة فيه شخص واحد حامل مشروع إفلاس الوطن والسيطرة على مرافقه لتجييرها إلى الجهة صاحبة مشروع الحريري لعام 2000.

 

تلزيمات.. وشركات مشبوهة

كنا قد أشرنا في ملف الهاتف، إلى التلزيمات التي عهد بها شركة الكاتيل الفرنسية التي كان مديرها العام وعدد من مسؤوليها أمام المحاكم الفرنسية، بتهم الرشاوي والاختلاس، إلى جانب هذه الشركة يوجد الكثير من مثيلاتها التي كشف عنها تلفزيون الجديد N.T.V في سلسلة تقارير بثها عبر شاشته قبل أن يمنع من هذه الشركات، شركة بويغ الفرنسية التي عهدت إليها سوليدير تلزيم مشروع تنفيذ أشغال الواجهة البحرية لوسط مدينة بيروت، بعد أن تم تلزيم هذه الشركة تنفيذ وصلات من الأوتستراد العربي.

في ذلك الوقت كشفت مجلة POINT الفرنسية أن مسؤولين كباراً في هذه الشركة بحاكمون أمام المحاكم الفرنسية، بتهم التزوير والرشوة، وأن الشركة قامت بتقديم عروض وهمية وفواتير للحصول على مشاريع كبرى في فرنسا؛ وأن شركة بويغ كانت تقدم عروضاً وهمية؟، بأسماء شركات وهيمة، ثم تقدم عرضها بحيث يبدو العرض الأفضل، وبذلك تفوز بالالتزامات، وروت المجلة عن تورط مدير عام هذه الشركة، بدفع عمولات للحصول على موقع الأفضلية في المناقصات، وقد اعتقل اندريه بويغ الذي تربطه صداقة حميمة بالرئيس الحريري بتهم الاحتيال، كما قدم إلى المحاكمة بتهم مماثلة، مدير عام بويغ تلكوم، باتريك لولو وأمين الخزينة فيليب رينو.

ومن الأمثلة الأخرى، أن هناك معهداً يملكه ولي العهد البريطاني الأمير تشارلز ويدعي معهد أمي رويلز للعمارة والتصميم المدني، ويتمتع هذا المعهد بحسبما روت الصنداي تايمز بأسوأ سمعة في بريطانيا وتصف الصحيفة المعهد في عددها الصادر بتاريخ 24/8/1997 بأنه: مهانة يعيشها أمير ويلز، بفعل الفوضى التي يغرق فيها، وهو مؤسسة تشتري الطلاب بمنح وهبات تصل قيمتها إلى 125 ألف جنيه استرليني سنوياً، وتجعلهم يسمون أنفسهم مهندسين، وأن المشاريع الهندسية التي يصممها هؤلاء الطلاب سخسفة وفجة، وبلا حياة، وعملهم مرسوم بصورة رديئة وفاضحة وباعثة على اليأس.

رغم هذه السمعة السيئة للغاية، فإن الرئيس الحريري استقدم وفداً من هذا المعهد، يضم 21 طالباً وطالبة، وذلك إثر لقاء جرى في لندن بين النائبة بهية الحريري والأمير تشارلز وكلف هؤلاء الطلاب بوضع تصورات ودراسات هندسية لعدة مناطق من المدن اللبنانية، بينها حي الزيتيني في صيدا القديمة، التي وضع لها هؤلاء الطلاب 26 تصميماً، إضافة إلى تصاميم أخرى تشمل إعادة ترتيب مناطق الجميزة، الأشرفية، الباشورة، زقاق البلاط، وعين المريسة.

وقد علق على هذا الموضوع نقيب المهندسين عام 1997 ببيان اعتبر فيه أن الاستعانة بمؤسسة الأمير تشارلز التي تملك الجزء القليل من المؤهلات والموصفات والإمكانات الفنية المطلوبة، للقيام بدراسة شاملة للتشعبات المعقدة لموضوع كهذا، تطغى عليها صفة الارتجال، مما يؤدي إلى نتائج ناقصة ومبتورة لنتائج عمل استقصائها.

هذا بعض من نماذج عديدة لعمليات تلزيم شركات تعمم وتعوّم نفسها، على حساب المصلحة الوطنية، ولا صفة تمنحها حق التنفيذ، سوى أن أصحابها شركاء لأركان الحكم، ينفذون مشاريعهم بعيداً عن أية رقابة أو محاسبة، معتدين على القانون وعلى الوطن، وبذلك أيضاً يتم حرمان الشركات الوطنية الأخرى من هذه التلزيمات.

هذه الشركات التي تتحمل أعباء ومصاريف داخلية كبيرة ولديها عدد كبير من الموظفين، أصبحت بفعل سياسة المحاصصة، وتقاسم المغانم بين المسؤلين وشركائهم على شفير الإفلاس والتوقف والإقفال، فكل أموال الإعمال وإعادة البناء تذهب إلى جيوب أركان الحكم وشركائهم، وإلى عدد كبير من الشركات الأجنبية التي لهؤلاء مصالح فيها، علماً أن الشركات اللبنانية كان لها دور كبير في إنماء وإعمار العديد من دول الخليج العربي وافريقيا حتى الأمريكيتين.

وبالطبع فإن الأضرار لم تقتصر فقط على هذه الشركات، بل أدت وتؤدي إلى أضرار أخرى أكبر بكثير تصيب الوطن؛ ولعل أهمها هجرة الأدمغة والأيدي العاملة اللبنانية إلى الخارج، بعد أن أقفلت في وجهها سوق العمل في لبنان، وإذا كانت محطات الهجرة اللبنانية السابقة، تعود في أسبابها إلى الحروب التي لعل أبرزها حرب 1860 والمجاعة التي انتشرت في العام 1926 بعد الحرب العالمية الأولى، والحرب العالمية الثانية، والحرب الأهلية؛ فالهجرة اليوم تعود لأسباب أخرى.

وهنا تطرح علامات استفهام كبيرة، ومنها لماذا يتم التدمير المنظم للقطاعات الصناعية والزراعية والاقتصادية الأخرى في لبنان؟ ولماذا يتم دفع الأدمغة واليد العاملة إلى الهجرة؟ وما علاقة ذلك بالمشروع الإسرائيلي حول الشرق أوسطية الجديدة الذي طرح أمام مؤتمر الدار البيضاء عام 1994؟ وهل السياسة المتبعة الحالية في لبنان هي التنفيذ العملي لهذا المشروع؟.

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25
« »
المصادر او الهوامش

معلومات النشر:

اعداد: العنكبوت الالكترونية

عنوان الكتاب: الأيادي السّود

تأليف: نجاح واكيم

الناشر: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر - بيروت

تاريخ النشر: 1998

إشترك في خلاصة التعليقات عدد التعليقات: (0 منشور)

المجموع: | عرض:

إكتب تعليق

البريد الالكتروني يبقى سرّي و لا ينشر
  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

- التعليقات الواردة من القراء هي مسؤولية أصحابها ولا تعبر عن رأي إدارة الموقع بالضرورة
- تتم مراجعة تعليقاتكم قبل نشرها عن طريق إدارة الموقع

- (سياسة نشر التعليقات)

تابعونا

  1. دول خليجية تحذر رعاياها من السفر إلى لبنان (5.00)

  2. وفاة "ملكة الديسكو" دونا سمر عن 63 عاماً (5.00)

  3. معارض صيني ضرير بمطار بكين متوجهاً لنيويورك (5.00)

  4. الاكتئاب لدي المراهقين .. له إشارات يجب الانتباه لها (5.00)

  5. صحف العالم: أمريكا "تعاقب" باكستان بعدد سنوات سجن أفريدي (5.00)

  6. فيلم منتظر يكشف تفاصيل اغتيال بن لادن (5.00)

  7. أستراليا: التيار الوطني الحر في سيدني ينعي فقيده المفكر و المناضل والاعلامي المخضرم الأستاذ بطرس عنداري (5.00)

  8. الرحيل المفاجئ (5.00)