إعلانات Zone 4B

[CLOSE]

إعلانات Zone 3B

[CLOSE]
أحدث الأخبار:

إعلانات Zone 2B

[CLOSE]
الرئيسية | ثقافة | رفوف المكتبات | الأيادي السّود (24 حلقة كاملة)
المصنفة ايضاً في: رفوف المكتبات

الأيادي السّود (24 حلقة كاملة)

آخر تحديث:
image
الكاتب:
عدد المشاهدات: 27733
قيّم هذا المقال/الخبر:
0
حجم الخط: A+ A-
نسخة صالحة للطباعة   نسخة نصية   أرسل إلى صديق

إعلانات Zone 6B

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25
« »

الأيادي السّود - مقدمة سياسية

الأيادي السّود - مقدمة سياسية (1)

ذات يوم من شهر آذار 1989، نشرت إحدى الصحف الأمريكية رسماً "كاريكاتورياً" لتمثال من الثلج يعتمر خوذة عسكرية ويحمل بندقية حربية، يذوب تحب شمس متوهجة وبدا إلى جانبه الرئيس الأمريكي جورج بوش على شيء من القلق، يرفع فوق تمثال الثلج في محاولة للتخفيف من سرعة الذوبان.

تحت هذا الرسم كتبت الأسئلة التالية:

الحرب الباردة!

ألم تكن أبدية؟

ماذا نفعل الآن؟

أعتقد لو استبدلنا بصورة الرئيس الأمريكي صورة واحد من حكامنا، لكان الجواب عن تلك الأسئلة مستحيلا والمستقبل شديد الغموض! وبالتالي لأخذ المعنى بُعداً أكثر سخرية.

في هذا الكتاب لا نريد التحدث مباشرة عن السياسة الأمريكية، نريد سرد حكاية، أو فصل من حكاية عهد بُعيد اتفاق الطائف، لكن كما هو جلي ومؤسف في آن، أن الذي يصوغ حكايتنا، وبخاصة المأساوية منها، هو وكيل نجيب عن تلك السياسة التي تتعامل مع الأوطان التي ننتمي إليها، كفروع ناشطة لشركة استثمار مركزية، وتحظى دائماً بحكام مدهشي الولاء لها يديرون شؤون تلك الفروع على النحو الذي يؤبّد صورتهم كمخلّصين نادري الوجود..

لقد شهدت المنطقة العربية بعد الحرب العالمية الثانية صراعات داخلية متشبعة في ظل تحولات كبرى في الصراع الدولي الجديد حول المنطقة ناتجة عن تبدل موازين القوى الدولية الذي فرضته نتائج هذه الحرب، وتمثلت أهم اتجاهات هذا الصراع في:

ـ أزمة شرعية النظام وشرعية الكيان في كل بلد، هذه الأزمة التي لم توجد حلول لها حتى الآن، مما عكس ولا يزال حالة من الاضطراب تعيشها الدول العربية حالياً.

ـ شعار وحدة الأمة العربية، الذي رفعته الأحزاب القومية، بدا الأقرب إلى منطق الناس، وهذا ما أدى إلى نمو هذه الأحزاب وانتشارها بسرعة في تلك الفترة، مما زاد في تعمق أزمة شرعية الكيانات والأنظمة القطرية القائمة.

ـ قيام دولة إسرائيل في فلسطين، وعم قدرة النظام العربي على المجابهة واستعادة الحقوق العربية التي اغتصبها هذا الكيان الناشئ، بمساعدة القوى الاستعمارية القديمة والجديدة.

ـ التحولات الاجتماعية التي شهدها عدد كبير من البلدان العربية، ما سمح بنمو شرائح من الطبقة الوسطى بدأت تنازع العائلات التقليدية على شرعية سلطتها، أضف إلى ذلك تنامي الدعوة إلى الاستقلال الوطني، والتي كانت تشكل جزءاً من حال عالمية في مواجهة الاستعمار التقليدي.

وإذا كانت هذه الصراعات الداخلية قد أدت إلى نشوء حال من الاضطراب وعدم الاستقرار داخل هذه الأنظمة والكيانات، فإن الصراع الدولي حول المنطقة قد ساهم في تعميق حال اللاستقرار هذه، وكان هذا الصراع يسير في اتجاهين:

الأول: الصراع بين الاستعمار الجديد الذي تقوده الولايات المتحدة, وبين قوى الاستعمار التقليدي في المنطقة أي بريطانيا وفرنسا اللتين خرجتا من الحرب العالمية الثانية مثخنتين بالجراح.

الثاني: صراع دولي جديد على مستوى العالم، بين المعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفياتي والمعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.

وكان أمراً طبيعيّاًَ ألا تبقى المنطقة العربية بمعزل عنه.

 

** ** **

لقد أجج قيام الكيان الصهيوني حال الكره العربي للغرب، فجاء الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر ليحوّل هذا الكره فعلاً سياسيّاً، عندما عقد مع الكتلة الشرقية صفقة الأسلحة التشيكية، بذلك الصراع من أجل إخراج مصر والمنطقة العربية من تحت السيطرة الغربية، هذا المنحى عاد فأكد نفسه من خلال:

1 ـ الدعوة إلى الوحدة العربية في مواجهة سياسة الأحلاف التي كان يسعى الغرب إلى إطلاقها في المنطقة.

2 ـ التحرر الاقتصادي عبر تأميم المصالح الأجنبية في المنطقة، وذلك كشرط للتحرر السياسي من سيطرة الغرب.

3 ـ تحرير البنية الاجتماعية من التشوهات التي سببتها التبعية للاستعمار، والعمل على إزالة الفوارق بين الطبقات.

4 ـ توثيق العلاقة بقوى التحرر الوطني في بلدان المستعمرات القديمة (العالم الثالث)، وإنشاء كتلة الحياد الإيجابي وعدم الانحياز، وفي هذا السياق جاء الانفتاح على الاتحاد السوفياتي وتوثيق العلاقة معه.

في هذا الوقت كان الشرق الأوسط يمثل إحدى الساحات الأكثر حرارة في الحرب الباردة بين الشرق والغرب، وكانت إسرائيل تمثل رأس حربة الغرب في هذا الصراع الذي بلغ ذروته آنذاك، في العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، ثم بعد ذلك في حرب حزيران عام 1967، وفي المقابل كانت مصر تشكل الركيزة الأساسية في هذه المواجهة.

 

** *** **

 

شهد مطلع الستينيات تحولاً في منحى الصراع بين الغرب الرأسمالي والشرق الاشتراكي، فقد كان امتلاك الاتحاد السوفياتي للقوة النووية وتفوقه في مجال الصواريخ البعيدة المدى، قد جعل الولايات المتحدة تدرك استحالة المواجهة العسكرية المباشرة معه، فتحولت من تصادم مباشر إلى خوض صراعات جانبية ومعارك محدودة ضده في مختلف مناطق العالم.

وجاءت هذه المواجهة لمصلحة حركات التحرر الوطني المعادية للأمريكيين التي حققت انتصارات كبرى، في تلك الفترة، في دول العالم الثالث على امتداد القارات الثلاث، افريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.

واستوقفت هذه الانتصارات التي وصلت إلى أوجها في أواسط السينيات، أي في مرحلة حكم الرئيس جون كينيدي، الولايات المتحدة ودفعتها إلى إعادة التفكير في طريقة إدارتها للصراع الدولي، وفي كيفية ضرب حركات التحرر الوطني، واستعادة الدول التي خرجت من تحت سيطرتها، والذي ساعدها في تحقيق ذلك، تلك التبدلات التي شهدها الاتحاد السوفياتي في ذلك الوقت، والتي تمثلت بسقوط نيكيتا خروتشوف ومجيء قيادة جديدة إلى السلطة على رأسها ليونيد بريجينيف، تحمل قناعات مختلفة أدت إلى تخلي الاتحاد السوفياتي عن فكرة الثورة العالمية والاكتفاء بتأمين وتدعيم المظلة النووية للحماية الذاتية.

وهذا ما سهل للولايات المتحدة شن هجوم واسع على حركات التحرر الوطنية لاستعادة المواقع التي خسرتها، فكان من نتائج هذا الهجوم سقوط سوكارنو في اندونيسيا، ونيكروما في غانا وأحمد بن بلا في الجرائر، وسقوط الوحدة بين مصر وسوريا عام 1961، ومقتل لوممبا في الكونغو، وتمثلت ذروة هذه الهجمة في حرب الـ 1967 التي خاضتها إسرائيل ضد الدول العربية، بدعم مباشر من الولايات المتحدة والتي كان من أهدافها إسقاط عبد الناصر، ولكن على الرغم من الهزيمة العسكرية، فإن جمال عبد الناصر لم يسقط، وبدل أن يعيد تحسين علاقاته مع الولايات المتحدة، اتجه نحو تعميق علاقاته مع الاتحاد السوفياتي والابتعاد أكثر عن الولايات المتحدة.

 

** ** **

 

عرف عام 1970 بعالم التحولات الكبرى في المنطقة العربية، لكن أبرز هذه التحولات تمثلت بحادثين كبيرين هما:

الأول: وفاة جمال عبد الناصر واندلاع شرارة الصراع على السلطة في مصر، الذي انتهى إلى سيطرة أنور السادات بشكل كامل، وبداية التحول في موقع مصر باتجاه الولايات المتحدة الأمريكية، والابتعاد عن الاتحاد السوفياتي (طرد الخبراء السوفيات من مصر).

الثاني: طرد قيادة الثورة الفلسطينية من الأردن في أيلول عام 1970، مع ما يعنيه هذا الطرد من اقتلاع لهذه القيادة من الوسط الفلسطيني وتحريرها من جماهيرها.

وإذا كان الصراع في الأردن، والذي لم تكن إسرائيل والولايات المتحدة بعيدتين عنه، قد أدى إلى إخراج القيادة الفلسطينية من الأردن، فإن هذه القيادة وجدت في لبنان أرضية، تمثلت بتعاطف الشعبين اللبناني والفلسطيني معها، لاستكمال نضالها المسلح، الذي تواصل إلى أن تم اقتلاع قيادة المنظمة من لبنان، على أثر عدوان 1982.

هذه التحولات التي بدأت في مطلع السبعينيات، تأكد منحها بشكل كامل وحاسم على أثر حرب الـ 1973 من خلال تفرد الولايات المتحدة الأمريكية بعيداً عن مجلس الأمن الدولي في رعاية الصراع في المنطقة، والذي أدى إلى وجود اختلال في ميزان القوى في النظام الإقليمي الذي تتداخل فيه العوامل الدولية، وهو ما جعل مناخ التفجير في لبنان أكثر ملاءمة وخصوصاً مع وجود هذا الثقل (أي الثورة الفلسطينية) فوق أكتاف النظام الهش القائم في لبنان.

لذلك يمكن القول إن المرحلة الواقعة بين حرب تشرين 1973 وبين عام 1979 تاريخ توقيع اتفاقيات كامب ديفيد، هي التي قلبت المعادلة وأسست لحروب جانبية لاحقة نعيش نتائجها المأساوية عند نهاية هذا القرن.

بعد حرب تشرين، نشطت السياسة الأمريكية بشكل كثيف في المنقطة عبر جولات كيسنجر المكوكية من أجل إيجاد تسوية للصراع العربي الإسرائيلي تتلاءم والطموح الأمريكي، وبدا واضحاً آنذاك أن الغاية الأساسية من تلك الجولات، هي العمل على إخراج مصر من دائرة الصراع، وتشكيل حلف، سمي بـ (حلف الاجماع الاستراتيجي) كان من المفترض أن يضم، شاه إيران وإسرائيل والسعودية والمغرب وزائير إضافة إلى مصر.

ومع تجلي رغبة السادات في الذهاب إلى الخيار الأمريكي في فك اشتباك مع إسرائيل، بدأ الخلل يتضح يوماً بعد يوم في النظام العربي العام، وأول نتائج هذا الخلل، كانت الحرب الأهلية في لبنان، كمكان لابد له من أن يتأثر بأي تحول في المنطقة، لهشاشة بنيته وتركيبته الطوائفية المتعددة الولاءات للخارج.

بدأت مؤشرات الحرب مع أولى جولات كيسنجر، وجاءت حادثة بواسطة عين الرمانة في نيسان 1975 لتشكل بداية حرب طاحنة لم تنته فصولاً مع خروج المقاومة الفلسطينية بعد اجتياح عام 1982، بل اتخذت أشكالاً مختلفة حتى جاء الطائف لينهيها في الشكل دون أن يلغي أسبابها، وربما كان هذا الاتفاق وطريقة تطبيقه، هذا إذا طُبّق، يشبه إلى حد بعيد تلك المظلة التي تحاول حماية تمثلا الثلج من الذوبان، والتي قد تؤجل ذوبانه لوقت محدد لكنها لا تستطيع أن تؤبده تحت شمس متوهجة.

إذا كانت رغبة السادات بعد حرب تشرين، في فك اشتباك مع إسرائيل قد ساهمت في حرب السنتين، فذهابه اللاحق إلى كامب ديفيد عام 1979 أسس لاجتياح لبنان واحتلال بيروت، أول عاصمة عربية بعد القدس، ولخروج المقاومة الفلسطينية عبر البحر إلى تونس، بعيداً عن دمشق وبر الشام، وبعيداً عن قواعدها الشعبية في لبنان.

 

** ** **

 

الحجر الأساس هو الذي رفضه البناؤون..

يمكن تشبيه مصر بحجر أساس انتزع من جدار كان ممكناً في مناعته، لقد استطاعت الإدارة الأمريكية أن تنتزع هذا الحجر من جدار راح يتداعى فيما بعد ليكشف عن عري المشهد وهشاشة التحصين، وكلّ المحاولات التي جرت لتفادي انفراط عقد الجدار قبل كامب ديفيد، وما تبقى منه بعد ذهاب السادات إلى القدس، لم تفلح في تحقيق غايتها، وبقيت كلها في حدود التمني والرغبة..

ومن تلك المحاولات، كانت قمة بغداد التي انعقدت قبيل توقيع السادات على اتفاقات كامب ديفيد النهائي..

لكن قطار كامب ديفيد قد أقلع، ولم تفلح تلك القمة في ثني الرئيس المصر عن الصعود إلى "المقطورة" المخصصة له بإتقان أمريكي مُغرٍ نسبة لرجل من طراز السادات، ظنّ أن رحلته ستنتهي على درجة عالية من السعادة، حتى إنه رفض استقبال البعثة الموفدة إليه من المؤتمر برئاسة الحكومة اللبنانية آنذاك، سليم الحص، وكانت تحمل إليه رسالة تتضمن بنود الإجراءات التي ستتخذ بحقه في حال عدم تجاوبه مع الرغبة العربية؛ منها تجميد عضوية مصر في الجامعة، ونقل مقرها من القاهرة إلى مكان آخر، ومقاطعة النظام و... كلّ هذا لم يلغ، حتى لم يؤجل إقلاع القطار في العام 1979..

وبالطبع كانت رحلة السادات مأساوية في مستواها الخاص، ونتائجها دراماتيكية على الصعيد العربي واللبناني تحديداً.

لقد اغتيل السادات بعد وقت، لكنّ الاتفاق بقي على قيد الحياة، وفعلت نتائجه فعلها في مسار الأحداث والتحولات.

على أثر كامب ديفيد، حاول الرئيس السوري حافظ الأسد ترميم التصدع وسدّ الفراغ، والعمل على (تحقيق التوازن الاستراتيجي بين العرب وإسرائيل).

كانت بغداد التي شهدت انعقاد القمة، هي المتاح والممكن، كقوة تعوض خسارة مصر، وهكذا حدث تحول في مسار العلاقة بين النظاميين البعثيين، أدى إلى عقد ميثاق سوري عراقي عرف "بالميثاق القومي" يقوم على أسس ثلاثة:

1 ـ جمع طاقات سوريا والعراق في حلف واحد، يشكل ركيزة لتضامن عربي أوسع..

2 ـ العمل على تحقيق هذا التضامن لمنع امتداد "كامب ديفيد" إلى دول عربية أخرى.

3 ـ تمتين العلاقة مع الاتحاد السوفياتي مصدر التسليح الرئيسي لسوريا.

كان ذلك الميثاق يشبه الحلم.. إذ أنه لم يعمر طويلاً في الواقع، ربما عرفت الإدارة الأمريكية كيف تجهض هذا الميثاق بالسرعة غير المتوقعة، فبعد أشهر قليلة على إعلان ذاك الميثاق، أعلن في بغداد أن ثمة مؤامرة تهدف إلى الإطاحة بالنظام العراقي، وزعم أن وراء تلك المؤامرة النظام السوري تحديداً..

في ذلك التاريخ افتتح صدام حسين، الذي كان نائباً للرئيس أحمد حسن البكر، صفحة جديدة بإعدام عدد كبير من رفاقه البعثيين، وعمل على إقصاء الرئيس البكر ليتولى شخصياً السلطة كاملة في البلاد.

لم يكن آنذاك من مصلحة أي طرف معارض لاتفاقية كامب ديفيد حدوث مؤامرة كهذه، ولاسيما سوريا التي كانت تسعى عبر "الميثاق" إلى محاصرة كامب ديفيد ومنع قطاره من بلوغ محطات أخرى.

إذاً لم يكن ذلك الذي حدث إلا ضربا من ضروب تجليات السياسة الخارجية الأمريكية، والتفسير الأقرب إلى المنطق والعقل، هو أنّ صدام حسين الرجل القوي في النظام العراقي، عمل على نسف الميثاق وفك التحالف مع سوريا.

وكانت طهران في أواخر العام 1979 تعيش نشوة انتصار ثورتها بقيادة آية اللـه الخميني ضد نظام الشاه الموالي لأمريكا، وأولى الإنجازات التي حققتها طهران في سياستها الخارجية، تمثلت في طرد أعضاء السفارة الإسرائيلية وإقامة سفارة "لدولة" فلسطين في المبنى نفسه، وفي إعلان عدائها التام لأمريكا وانحيازها إلى جانب العرب في نضالهم ضد الاحتلال الصهيوني وهذا يعني، أن ثمة علاقة جديدة ستتوطد بينها وبين سوريا بحكم موقعها في الصراع العربي الإسرائيلي، ما قد يؤدي إلى معادلة تعيد التوازن في لعبة الصراع، وبخاصة إذا بقيت بغداد على الميثاق، لقد سقطت تلك الرهانات مع صعود صدام حسين الذي حرك بعد ذلك بوقت قصير آلته العسكرية إلى الحدود مع إيران ليبدأ حرباً طاحنة استدامت حوالي ثمانية سنوات.

لا أحد يستطيع التشكيك أن طرفاً غير أجهزة الولايات المتحدة، قد يستطيع تدبير ذلك السيناريو المأساوي، وإذا كان من شريك فبالتأكيد الشريك الثاني هو "أنظمة النفط" وهناك معلومات تفيد أن الرئيس العراقي صدام حسين كان قد عقد اجتماعاً سرياً في مبنى السفارة الأمريكية في عمان، قبل إعلانه الحرب بأيام، مع مستشار الأمن القومي الأمريكي الذي ضمن له المساندة.

وهنا، من البديهي أن يستنتج المرء الذي شجع صدام حسين على شن حرب ضد إيران هو الذي صنع له صيغة الانقلاب على رفاقه البعثيين وعلى الرئيس البكر وعلى الميثاق، وبالتالي هو الذي رسم لبغداد الفخ الأخير في رمال عاصفة الصحراء..

وعلى الرغم من كلّ هذه التحولات الدراماتيكية ولمواجهة اتفاقيات كامب ديفيد وكيفية الصمود في تلك العاصفة التي راحت تعرّي المنطقة وتفقدها مقومات المواجهة، قام الرئيس السوري حافظ الأسد، بزيارته إلى موسكو في 8 تشرين الأول 1980، ووقع اتفاقية صداقة وتعاون مع الاتحاد السوفياتي.

في ذلك الحين كانت تلوح في الأفق بوادر عملية عسكرية إسرائيلية ضد لبنان، كمحطة ثانية أمام قطار كامب ديفيد.

وهكذا في صباح يوم جمعة في الرابع من حزيران عام 1982، غطت سماء الجنوب وبيروت سحب من الدخان بعد أن شنّ الطيران الإسرائيلي غارات مدمرة واسعة النطاق، ممهداً لذلك الاجتياح الذي بدأ في فجر يوم الأحد في السادس من حزيران ووصل إلى مشارف بيروت بعد حوالي خمسة أيام، بعد قتالٍ ضارٍ شاركت فيه القوات السورية والفلسطينية والوطنية، لتبدأ مرحلة حصار العاصمة وما تبعها من مآس..

وكانت أهداف الاجتياح الإسرائيلي واضحة:

أولاً: إخراج البنية الأساسية لمنظمة التحرير الفلسطينية، بعد تدمير طاقاتها العسكرية، وإبعادها عن تخوم الجغرافيا السورية وتأثيراتها، وكذلك عن قواعدها الشعبية في لبنان.

ثانيا: توجيه ضربة عسكرية للجيش السوري، الذي كان متمركزاً في الجبل والبقاع بصورة خاصة.

ثالثاً: إلحاق لبنان بكامب ديفيد.

رابعاً: انتخاب رئيس جمهورية يكون مهيئاً ومستعداً لتنفيذ هذه الغاية، فكان بشير الجميل.

لا يستطيع أحد ممن عايش تلك المرحلة أن ينسى حكاية الاجتياح، وبالتالي لا يمكن أن ينسى وجوهاً وأسماءً ساهمت وخططت لتلك المأساة، وأخرى حصدت النتائج.

من الذين برزت أسماؤهم في تلك المرحلة السوداء، ذاك اللبناني الأصيل، الناشط استثنائياً، فيليب حبيب، الذي استمات في سبيل إيصال الشيخ بشير الجميل إلى رئاسة البلاد، عبر سعيه الدؤوب لدى النواب لإقناعهم بتلك "الشخصية التاريخية" بالطبع لم يقتصر نشاط هذا المبعوث على المستوى اللبناني فحسب، بل تجلى بشكل ملحوظ في مفاوضاته مع الفلسطينيين من أجل ترتيب خروجهم بحراً إلى تونس.

وفي هذا السياق قد يفيد التذكير بالسيد جوني عبدو، الذي يُروى عنه أنه أحد مهندسي الاجتياح، هذه الشخصية العسكرية اللبنانية الغامضة في انتمائها ومصدرها، هي أيضاً أدت الدور البارز في إقامة علاقة وطيدة بين الرئيس الياس سركيس وبشير الجميل يوم كان قائداً "للقوات اللبنانية".

في الحقيقة من يعرف حكاية جوني عبدو، هويته، مصدره، وكيف دخل السلك العسكري، وهو من جنسية غير لبنانية، بُعيد تجنيسه بعام واحد؛ وكيف دخل إسرائيل، وكيف خرج، وكيف أقام صداقات مع أطراف مختلفة كالشيخ رفيق الحريري، من يعرف هذا الرجل، أو يعرف عنه هذه المعلومات فقط، لا يستغرب أن يكون مهندساً للاجتياح، وناشطاً في سبيل إيصال بشير الجميل إلى سدة الرئاسة، كشخصية مهيأة لهذا الهدف، وبعد اغتيال بشير استكمل مسعاه كي يكون "أمين" هو الرجاء الأخير.

يُروى عن جوني عبدو أنه خلال الحرب الأهلية كان له شبكة، من بين أعضائها السيد نهاد المشنوق مستشار الحريري الإعلامي، تزوده بشكل دوري تحتوي على معلومات عن قيادات في الثورة الفلسطينية وفي الحركة الوطنية، وعن التحركات العسكرية التابعة لهذه القوى، كما كان له شبكة أخرى داخل المنظمات الفلسطينية وفي الحركة الوطنية، وعن التحركات العسكرية التابعة لهذه القوى، كما كان له شبكة أخرى داخل المنظمات الفلسطينية تزوده بمعلومات دورية عن سوريا.

ويقول الوزير وليد جنبلاط عن دور جوني عبدو في التمهيد للاجتياح الإسرائيلي، إن شيمون بيريز، كشف له عندما فاجأه بزيارة إلى المختارة خلال الاجتياح، أن جوني عبدو زار إسرائيل أربع مرات ما بين شباط وايار من العالم 1982، حاملاً معه خرائط تبيّن الأمكنة التي يجب أن يتموضع فيها الجيش الإسرائيلي عند اجتياحه للبنان.

وفي هذا السياق، يُروى عن لسان الصحافي الراحل ميشيل أبو جودة أنه في الفترة ما بين شباط وحزيران 1982، عُقدت ستة اجتماعات في قصر بعبدا تحت عنوان تهيئة الجو السياسي والأمني والنفسي للاجتياح الإسرائيلي، وشارك في هذه الاجتماعات كل من: الرئيس الياس سركيس، جوني عبدو، فؤاد بطرس، وفاروق أبي اللمع؛ كما شارك في الاجتماع الأول قائد الجيش آنذاك فيكتور خوري الذي رفض أن يكون الجيش طرفاً في تهيئة المناخ للاجتياح.

ويروى أيضاً، أن الرئيس الياس سركيس وجوني عبدو وفيليب حبيب والسفير الأمريكي في لبنان آنذاك، قد قاموا بترتيب الزيارة التي قام بها بشير الجميل إلى السعودية قبل انتخابه رئيساً للجمهورية بحوالي أسبوعين؛ ويُحكى هنا عن دور مهم لرفيق الحريري في المساهمة بترتيب هذه الزيارة بالتنسيق مع جوني عبدو.

أما عن علاقة جوني عبدو بالسيد رفيق الحريري، فيعود الفضل فيها إلى السيد سيمون قسيس الذي جمعها في لقاء تزامن ولقاء آخر تم في القصر الجمهورية بين الرئيس سركيس والحريري والسيدة فيفيان دباس زوجة روبير دباس شريك الحريري في التعهدات الكهربائية الممتدة على جميع الأراضي اللبنانية، وكذلك شريكه في أمور عديدة أخرى داخل لبنان وخارجه، وكذلك كان بين عامي 1978- 1979.

ومنذ ذلك الحين توطدت العلاقة بين رفيق الحريري وجوني عبدو الذي كان يقوم بتسهيل بعض الأعمال واللقاءات لرفيق الحريري في لبنان حتى حدود العام 1983، وعندما عيّن جوني عبدو سفيراً في "بيرن" ثم في باريس، أصبح يعمل بشكل علني مع الحريري.

وللدلالة على أبعاد هذه العلاقة نذكر ما رواه السيد وليد جنبلاط في أوساط خاصة، أواخر العام 1982 أن رفيق الحريري طلب من السيد جنبلاط شخصياً أن يساعد في تسويق اسم جوني عبدو لدى المسؤولين السوريين؛ وسوف نتبين لاحقاً دقة هذه المعلومات من خلال ما يرويه السفير عبد اللـه بو حبيب في كتابه "الضوء الأصفر[1]" وقد استمرت هذه المحاولات حتى عشية انتخاب الرئيس الياس الهراوي.

أذكر في يوم ما أيام حصار بيروت، أنني التقيت صُدفة في شارع الكومودور أحد الضباط السوريين، استوقفني وأخرج من جيبه ورقة تحمل أسماء وهواتف عدد كبير من النواب، وقال أريد الاتصال بهؤلاء لثنيهم عن حضور جلسة انتخاب رئيس الجمهورية، كانت تلك إحدى المحاولات السورية لإحباط نتائج الاجتياح..

وهناك الكثير من المحاولات التي جرت آنذاك ولم تصل إلى نتيجة.

كانت الأمور تسير عكس كل رغباتنا، فالثقل الأمريكي الإسرائيلي، كان أقوى من أي محاولة، وبدأ يحقق أهداف الاجتياح واحداً تلو الآخر، وهكذا وصل بشير الجميل إلى سدة الرئاسة، عبر جلسة عقدت في ثكنة الفياضية.

 

** ** **

 

قبل انتخاب بشير الجميل، كان منزل الرئيس صائب سلام مقراً لاجتماعات متواصلة، كنا نعقدها نحن النواب والوزراء المقيمون في الشطر الغربي من العاصمة، وكان يحضرها على الدوام تقي الدين الصلح ورشيد الصلح وسليم الحص.

كانت الغاية الأساسية من تلك اللقاءات اليومية منع وصول بشير الجميل إلى الرئاسة، وبالطبع فقد كانت محاولات فاشلة.. انتخب الجميل، واستمرت لقاءاتنا لغاية تهدف إلى عدم الاعتراف بشرعية الانتخاب لكنها بدأت تنحسر ويتقلص عدد المشاركين فيها، بعدما بدأ بعضنا يدعو إلى الاعتراف بشرعية الجميل، وكان في الطليعة الرئيس صائب سلام، ورفض بعضنا الآخر الاعتراف بشرعيته، وكان ثلاثة وسليم الحص ومالك سلام؛ وأنا وبالطبع كان هناك من هو في حيرة من أمره، ولا يستطيع اتخاذ موقف.

وبعدما رجحت كفة الفريق الذي يدعو للاعتراف بشرعية الانتخاب، تشجيع الرئيس صائب سلام وعقد أول اجتماع له مع بشير الجميل يوم السبت 11 أيلول من العام 1982.

توالت اجتماعاتنا نحن الثلاثة في منزل مالك سلام، وارتأينا أن نسعى لنضم إلى التيار الرافض قطبين أساسيين في السياسة اللبنانية، هما الرئيسان سليمان فرنجية ورشيد كرامي.

وهكذا حدث..

لم يكن الاتصال آنذاك بالرئيس فرنجية وكرامي من الأمور السهلة في ظل السيطرة الإسرائيلية والقواتية، فتسللت سراً إلى دمشق ومنها إلى إهدن، حيث استقبلني الرئيس فرنجية بحفاوة، وأخبرته عن بيروت وعما كان يحدث، وطلبت منه تأييداً ومؤازرة لموقفنا، فأبدى استعداده بشكل مطلق كذلك كان موقف الرئيس كرامي على الحماسة عينها.

عُدت إلى دمشق، بانتظار السيارة التي ستعيدني إلى الشطر الغربي من بيروت، وبسبب المعابر آنذاك وما كانت تشهده تأخرت لمدة يومين..

في نهار 14 أيلول 1982، عبرت بي السيارة من دمشق إلى زحلة ثم إلى ضهور الشوير، وتابعنا باتجاه سن الفيل، وقبل أن نبلغ كورنيش النهر بقليل، سمعنا دوي انفجار عميق، فتابعنا سيرنا على شيء من الترقب، وحين بلغت بنا السيارة كورنيش النهر، شاهدت في المرآة سيارة عسكرية بدت كأنها تطاردنا طلبت من السائق أن يتابع سيره وأن لا يدعها تتجاوزنا، وأمسكت بمسدسي.

كانت السيارة تحاول تجاوزنا وسائقها مطلقاً العنان لبوقها، لكنه عبثاً حاول.. إلى أن وصلنا إلى مقربة من العدلية، فانحرفت السيارة التي ظننتها تطاردنا إلى اليسار وتابعنا نحو بيروت..

أخذت نفساً، بعدما اتضح لي أن لي غايتها خلافاً لما توقعته، ثم فتحت جهاز الراديو الذي قطع برامجه ليعلن نبأً عن وقوع انفجار كبير في مبنى تابع لحزب الكتائب في الأشرفية، حيث كان الرئيس المنتخب بشير الجميل وعدد من قيادات القوات اللبنانية يعقدون اجتماعاً.. وأضاف النبأ أن عدداً كبيرا سقط بين قتيل وجريح وانهار المبنى.

في تلك اللحظة أدركت أن الدوي البعيد الذي سمعناه قبل دقائق وكنا لا نزال عند مستديرة الحايك، هو دوي ذاك الانفجار الذي أودى بحياة بشير الجميل وعدد من قيادات القوات اللبنانية يعقدون اجتماعاً..

وأضاف النبأ: إن عدداً كبيراً سقط بين قتيل وجرلايح وانهار المبنى في تلك اللحظة أدرت أن الدوي البعيد الذي سمعناه قبل دقائق وكنا لا نزال عند مستديرة الحايك، هو دوي الانفجار الذي أودى بحياة بشير الجميل وعددٍ من قياديي القوات..

 

** ** **

 

بُعيد انتخاب بشير الجميل بأيام، قامت جرافات شركة "أوجيه" التي يملكها السيد رفيق الحريري، بجرف الدشم والسواتر الترابية التي أقامها المدافعون عن بيروت في وجه هجوم إسرائيلي محتمل لاحتلال الشطر الغربي من العاصمة المحاصرة لا أعرف لماذا أخذت تلك الشركة على عاتقها جرف تلك الدشم والسواتر؟!!

ثم من كلفها بهذه المهمة المستعجلة؟!

هل كانت تسهل الطريق لحكومة سيرأسها صاحب تلك الجرافات آنذاك؟!

وهل كان هو المقيم في البريستول (وللبريستول حكاية سنأتي على سردها بعد قليل) – رئيس الحكومة في عهد بشير الجميل؟

ربما!!

الأعلم بهذا الشأن هو العراب "المهندس" جوني عبدو؟!!

بعد إزالة السواتر والدشم من على مداخل الشطر الغربي من العاصمة، قُتل بشير الجميل، وفي بحر اليوم التالي، استفاقت بيروت على أصوات الطائرات التي تحلق على علوّ منخفض، ومع بزوغ الضوء، بدأ الزحف الإسرائيلي تجاه بيروت من البر والبحر حيث أنزلت البوارج الإسرائيلية وحدات كومندوس ودبابات ومدرعات، واحتلت بيروت، العاصمة الأولى، بعد سقوط فلسطين.

في تلك الأيام، وفي ليلة من ليالي بيروت، نفذت القوات اللبنانية الجريمة التاريخية في مخيمي صبرا وشاتيلا حيث قامت بعملية قتل وذبح جماعية بحق أكثر من ألف فلسطيني ولبناني عزّل، معظمهم من العجائز والنساء والأطفال الذين لم يجدوا من يدافع عنهم، بعد رحيل المقاومة في البحر..

وفي ظلّ حالة الرعب والشائعات التي بدأت تعيشها بيروت، وبعد أن أصبحت وحيدة، تحاول قلة الدفاع عنها بآخر ما تبقى من أمل وحلم، جرت الدعوة في هذا المناخ المأساوي والمخيف إلى انتخاب شقيق الرئيس الذي قتل، كمحاولة ثانية ونهائية لدفع لبنان نحو مقصورته في قطار كامب ديفيد.

وانتخب أمين الجميل رئيساً بدل أخيه بأغلبية ساحقة، ووجدت في صندوق الاقتراع أوراق بيض، كنت صاحب واحدة منها.

 

** ** ***

 


[1] صادر عن شركة المطبوعات للتوزيع والنشر في بيروت عام 1991.

 

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25
« »
المصادر او الهوامش

معلومات النشر:

اعداد: العنكبوت الالكترونية

عنوان الكتاب: الأيادي السّود

تأليف: نجاح واكيم

الناشر: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر - بيروت

تاريخ النشر: 1998

إشترك في خلاصة التعليقات عدد التعليقات: (0 منشور)

المجموع: | عرض:

إكتب تعليق

البريد الالكتروني يبقى سرّي و لا ينشر
  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

- التعليقات الواردة من القراء هي مسؤولية أصحابها ولا تعبر عن رأي إدارة الموقع بالضرورة
- تتم مراجعة تعليقاتكم قبل نشرها عن طريق إدارة الموقع

- (سياسة نشر التعليقات)

تابعونا

  1. دول خليجية تحذر رعاياها من السفر إلى لبنان (5.00)

  2. وفاة "ملكة الديسكو" دونا سمر عن 63 عاماً (5.00)

  3. معارض صيني ضرير بمطار بكين متوجهاً لنيويورك (5.00)

  4. الاكتئاب لدي المراهقين .. له إشارات يجب الانتباه لها (5.00)

  5. صحف العالم: أمريكا "تعاقب" باكستان بعدد سنوات سجن أفريدي (5.00)

  6. فيلم منتظر يكشف تفاصيل اغتيال بن لادن (5.00)

  7. أستراليا: التيار الوطني الحر في سيدني ينعي فقيده المفكر و المناضل والاعلامي المخضرم الأستاذ بطرس عنداري (5.00)

  8. الرحيل المفاجئ (5.00)