إعلانات Zone 4B

[CLOSE]

إعلانات Zone 3B

[CLOSE]
أحدث الأخبار:

إعلانات Zone 2B

[CLOSE]
الرئيسية | ثقافة | رفوف المكتبات | الأيادي السّود (24 حلقة كاملة)
المصنفة ايضاً في: رفوف المكتبات

الأيادي السّود (24 حلقة كاملة)

آخر تحديث:
image
الكاتب:
عدد المشاهدات: 27667
قيّم هذا المقال/الخبر:
0
حجم الخط: A+ A-
نسخة صالحة للطباعة   نسخة نصية   أرسل إلى صديق

إعلانات Zone 6B

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25
« »

الأيادي السّود - مقدمة سياسية

الأيادي السّود - مقدمة سياسية (2)

 

حكاية البريستول

مع بداية الاجتياح الإسرائيلي، انتقل الرئيس سليم الحص من دارته في دوحة عرمون إلى بيروت في بناء قريبته الزوجة السابقة للنائب عثمان الدنا..

بقي مقيماً هناك، حتى تاريخ انتخاب بشير الجميل، حيث سار الناس والمسلحون وأحرقوا منازل النواب الذين لم يقاطعوا تلك الجلسة التي عُقدت في الفياضية؛ ومن بين هؤلاء الذين أحرقت منازلهم، كان ذاك البناء الذي تملكه الزوجة السابقة لعثمان الدنا، وكادت الحادثة تؤدي بحياة الرئيس الحص، الذي انتقل بعد ذلك اليوم مع زوجته إلى فندق البريستول.

يروي الرئيس الحص، أنه عندما انتقل إلى الفندق، أقام في جناح قريب من جناح آخر كان يقيم فيه السيد رفيق الحريري، وبحكم المجاورة، عرف الرئيس الحص، أن جاره كان منهمكاً في صياغات متعددة لحكومة كان يتوقع ترؤسها في مطلع العهد الجديد.

كان رفيق الحريري في تلك الأثناء، معروفاً كمغترب لبناني في المملكة السعودية، عمل لبضع سنوات هناك، ثم عاد إلى لبنان بعد اندلاع الحرب بسنتين، ثريّاَ بدأ يشتري العقارات ويقدم منحاً للطلاب الراغبين بتحصيل دراساتهم في الجامعات الغربية والأمريكية، على غرار النقطة الرابعة ومؤسسة فورد ومؤسسة أصدقاء عالميين، Friendship Int.

والأهداف متشابهة.

فذاك الشاب القادم من صيدا العربية، والذي أصبح بعد سفره إلى السعودية بسنوات قليلة من الأثرياء الكبار في العالم العربي بخاصة والعالم بعامة، كيف فطِنَ إلى دور سياسي في ظل الاجتياح الإسرائيلي للبنان الذي توج بانتخاب رئيسين أخوين ينتميان إلى حزب عريق له علاقات بإسرائيل، وكان أحد أهداف الاجتياح إيصال هذا الحزب تحديداً إلى السلطة بغية إقامة اتفاق على غرار اتفاق كامب ديفيد؟

هل تلك مصادفة من مصادفات الزمان؟

أم أن ثمة علاقة قائمة بين الحريري والأخوين الجميل، أو أن ثمة تعبيراً محاكاً منذ وقت بعيد في عواصم بعيدة في الظل، يخطط لإيصال رئيس جمهورية وحكومة منسجمة مع مقتضيات التسوية التي بدأت تحاك خيطوها بعد حرب تشرين؟!

ثم ما هو سر وتاريخ تلك العلاقة التي ظهرت فيما بعد إلى الضوء، بين المدير السابق للمخابرات العسكرية جوني عبدو، وبين رفيق الحريري، هل هي مجرد مصادفة أيضاً؟!

وأية مصادفة تحكم علاقة رجل مخابرات من طراز جوني عبدو برجل من نوع رفيق الحريري، المتحدر من عائلة فقيرة في صيدا، ليصبح مقاولاً في بلد نفطي وشريك ملك أغنى مملكة نفطية في الشرق، وحامل الجنسيتين السعودية واللبنانية؟

وهل لقاء باريس الذي يتحدث عنه عبد اللـه بو حبيب في كتابه "الضوء الأصفر" هو لقاء يتيم وعابر ووحيد؟

ثم إذا كان الحريري، كما روى الرئيس الحص، منهمكاً في جحيم الاجتياح في جناحه في فندق البريستول بصياغة مشاريع حكومات من كلّفه بهذه الصياغات؟ وما الذي جعله يتوقع مجيئه رئيساً  لهذه الحكومات؟!

ربما الذي هندس للاجتياح الإسرائيلي، ومهّد الطريق أمام وصول بشير الجميل للرئاسة، هو ذاته الذي مهد طريقاً موازية أمام الثري الصديق لرئاسة أخرى، وقد بادر يومها إلى جرف السواتر والدشم وربما لم يكن يتوقع أن العهد الجديد سيكون قصير الأمد؟!

وقد يكون للاعتداء المشترك الذي نفذته "القوات اللبنانية" والقوات الإسرائيليو على مجمع كفرفالوس شرق صيدا الذي يملكه الحريري، دلالته في هذا السياق فرغم عمليات النهب والتخريب الذي تعرض لها هذا المجمّع، فإن الحريري لم يحرك ساكناً ولم يتقدم بأي شكوى ضد مفتعلي الاعتداء.

واللافت أنه خلال عشاء خاص جرى في صيدا شاركت فيه السيدة بهية الحريري، سأل أحد الحاضرين بهية الحريري، لماذا لم يتقدم رفيق الحريري بشكوى إلى المراجع الأمنية ضد من ارتكب هذا الاعتداء، فعلى الأقل، هو يعرفهم ويعرف المسؤولين عنهم، فكان جواب بهية الحريري أن شقيقها رفيق لم يقبل أن يرفع شكوى.

وقد أخبرني هذا الشخص في ما بعد أنه جمع المعلومات كافة المتعلقة بهذا الاعتداء وزوّد رئيس تحري جريدة "السفير" بهذا لإجراء تحقيق أو ريبورتاج عن الموضوع، وبالفعل فقد جرى إعداد ريبورتاج عن الموضوع لكنه لم ينشر في الجريدة.

ويضيف الشخص الذي روى لي هذه الواقعة أنه اتصل برئيس تحرير السفير ليسأله لماذا لم ينشر الريبورتاج، فكان رده أنه عشية صدور العدد الذي كان سبنشر فيه الريبورتاج، اتصل رفيق الحريري وطلب مني سحب الريبورتاج وعدم نشره، لذا جرى سحب التحقيق من المطبعة ولم يصدر في الجريدة.

وهنا لابد من طرح السؤال التالي:

لماذا حرص الرئيس الحريري على لفلفة هذا الموضوع؟

ولماذا لم يتقدم بشكوى إلى القضاء؟ ولماذا رفض الحريري نشر ريبورتاج عن هذا الاعتداء؟ وما هو سر العلاقة بينه وبين المعتدين الذي دفعه إلى لفلفة هذا الموضوع رغم الخسائر المادية التي تكبدها؟

قد يكون الجواب عن هذه الأسئلة مرتبطاً بشكل مباشر بالعلاقة التي تجمع الحريري بعبدو وعلاقة عبدو بالقوات اللبنانية وإسرائيل؟

ماذا يقول عبد اللـه بو حبيب عن لقاء فرنسا في كتابه[1]:

لقد لبيت مع خالد خضر آغا دعوة رفيق الحريري للعشاء بمنزله في جنوب فرنسا حوالي منتصب شهر آب 1987، وكان الوقت ليلا، وحوالي 15 من حرس البيت ينتقلون من جهة إلى أخرى حاملين البنادق الأتوماتيكية بيد، ومصباحاً مضاءً باليد الأخرى، كان هؤلاء الحرس يحملون قصر الحريري المرتكز على جبل يملكه صاحب القصر في منطقة غير مأهولة، ولذلك كان الظلام يغطي الجبال المحيطة بالقصر بينما كانت أضواء القصر ومصابيح الحرس تعطي هدفاً جلياً لأي قناص في هذه الجبال والأحراش المواجهة، مما حمل خالد آغا على أن يقترح على الحريري البقاء في الظلام بعيدا عن الأضواء.

كنا نتحدق عن مسيرة الوفاق اللبناني، والتي توقفت مع رحلة الحريري للوساطة بين لبنان وسوريا في أواخر حزيران، ولم يكن ليدري بالوساطة الأمريكية المحتملة التي ستبدأ في أيلول في نيويورك عندما يجتمع شولتز بالجميل والشرع.

لذلك كان الحريري يشدد على أنه لم يكون هناك وفاق بعهد الجميل وأن الأحوال الاقتصادية ستتدهور، وقد يصل لبنان إلى آخر العام منتهياً، ولذلك ستكون نهاية الجميل تعيسة، ودار هذا الحديث:

بو حبيب: ما العمل؟

الحريري: أحسن أن يستقيل الجميل، وأنا أعوّض عليه بثلاثين مليون دولار.

بو حبيب: من الصعب جداً على ابن الجميل أن يستقيل..

الحريري "مقاطعاً": الاستقالة أشرف من الإقالة أو العزل، إنني أؤكد لك أن الجميل لن يكمل عهده.

بو حبيب: ومن الرئيس؟

الحريري: جوني عبده فخامة الرئيس، ورفيق الحريري دولة الرئيس.

بو حبيب: يعني الاستقالة قبل ستة أشهر، مثل ما صار بين فرنجية وسركيس؟

الحريري: البلاد لن تبقى لغاية ذلك الموعد.. الاستقالة اليوم، ويصار إلى انتخاب جوني، ومن ثم استلامه مباشرة.

بو حبيب: كيف نحافظ على زعامة الجميل؟

الحريري: جوني ليس بسركيس الذي حافظ على زعامة كميل شمعون وبيار الجميل، جوني سيصبح الزعيم المسيحي.

بو حبيب: "مازحاً" وأنت الزعيم المسلم الأوحد.

خالد آغا: يا جماعة لا تختلفوا، ماذا عن السوري، وهو الناخب الأول. خاصة إذا استقال الجميل، هل يوافق السوري على جوني؟

الحريري: إنتوا جيبوا استقالة الجميل وأنا عليي أن أجيب فهد بن عبد العزيز على الشام، ليقنع حافظ الأسد بجوني.

خالد آغا: اسمح لي أن أقول لك بأنك مش فاهم الملك فهد ولا الرئيس الأسد.

الحريري: أؤكد لكم إذا استلمت أنا وجوني الحكم، سيكلفني إخراج السوري من لبنلن وإلغاء الميليشيات، 500 مليون دولار.

كان الاتفاق أن يحضر جوني عبدو العشاء في "سان مكسيم" لكنه اعتذر وبقي في داره، وفي اليوم التالي اتصل عبدو بخالد آغا، ليسأله عن سهرة الأمس، فكان جواب خالد آغا صريحاً وجارحاً، ومندداً بغطرسة رفيق الحريري.

وما لبث أن اتصل الحريري بنا بعد أن تكلم معه جوني عبدو، مدعياً بأننا أسأنا فهمه، ثم قصد "سان تروبيه" بسيارته وتحاورنا لمدة ساعتين؛ قال لنا الحريري أثنائها، بأننا جميعاً فريق واحد وسنكمل العمل معاً لآخر الطريق.

(انتهى كلام بو حبيب).

ولعله من المفيد أيضاً، أن نذكر ما قاله القائم بالأعمال اللبناني في تركيا في ذلك الوقت.

يقول إنه خلال حفل كوكتيل أقامته وزارة الخارجية التركية، توجه إليه القائم بالأعمال السعودي وبحضور سفير أمريكا سائلاً:

هناك شيخ يدعى رفيق الحريري هل تعرفه؟

فأجابه القائم بالأعمال اللبناني، لا أعرفه، فرد القائم بالأعمال السعودي قائلاً: احفظ هذا الاسم جيداً لأنه سيكون له دور في السياسة اللبنانية مستقبلا.

في ذلك الوقت، ربما لم يكن القائم بالأعمال اللبناني في تركيا على اطلاع بنشاط الشيه رفيق الحريري في لبنان، ولا بالمساعدات التي كان يقدمها للميليشيات المتقالته.

نذكر منها القوات اللبنانية، الحزب الاشتراكي، وحركة أمل التي أطلق عناصرها النار على مؤسسة الحريري مقابل مفرق عين التينه عام 1985 يوم تأخر السيد رفيق الحريري فيدفع ما يتوجب عليه للحركة.

كان الحريري يعرف دوره تماما، ولم يكن كذلك لما أفصح في قصره في سان مكسيم، عما يدور في خاطره أما خالد خضر آغا والسفير عبد اللـه بو حبيب الذي يروي عنه في كتابه "الضوء الأصفر" صفحة 177 قائلاً:

كان الحريري يفتش دائماً عن حليف في المناطق الشرقية حيث انتقل به جوني عبدو من الجميل إلى صيغة عام 1985، وبعد خروج حبيقة، فتح له جوني عبدو "طاقة" مع الجنرال عون، بتزويده بمعونة للجيش يتسلمها عون شهريا، ومقادرها نصف مليون دولار، وضعها بتصرف لجنة من الضباط لتوزيعها على المحتاجين من العسكر.

كان يرسل الشك بواسطة الحقيبة الديبوماسية لسفارة لبنان في سويسرا إلى رئيس الجمهورية الذي كان يسلمها إلى قائد الجيش، وفتح عبدو للحريري "باباً" مع القوات اللبنانية بواسطة زاهي البستاني صديق جوني عبدو، والذي أصبح يتنقل بين باريس وبيروت للتنسيق.

 

** ** **

 

احتلت بيروت، ذهبت المقاومة إلى تونس، انتخب رئيسان شقيقان، واحد اغتيل، والآخر اغتال ما تبقى من وطن.

في تلك الآونة رفضت سوريا سحب قواتها من لبنان عبر المفاوضات الناشطة،على الرغم من الخسائر العسكرية التي منيت بها،وباالتالي فهية لم تقبل بسحب ماتبقى من القوات الفلسطينية،في المناطق التي بقيت خاضعة لسيطرة الجيش السوري.

وفي تلك الأونة أيضا عملت سورية على جمع قوى المعارضة في جبهة سميت أنذاك جبهة الاتحاد الوطني، وكانت تضم الرئيسين سلميان فرنحية ورشيد كرامي واالسيد وليد جنبلاط والأحزاب والقوى الوطنية، وكان ذالك بمثابة الإعلان عن رفضها للأهداف السياسية للعدوان الإسرائيلي، وعن استعدادها لمحاربته وإجهاض نتائجه، بما هو ممكن ومتاح.

في تاريخ 10 تشرين الثاني 1982 توفي ليونيد بريجنيف، وتولى بعده زعامة الحزب والدولة يوري أندروبوف عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفياتي ورئيس جهاز المخابرات.

كان أندروبوف رجل قويا وصلبا، بادر منذ اليوم الأول على توليه زعامة الدولة إلى تنشيط فعالية السياسة الخارجية الأمريكية الناشطة في عصر رجل اليمين رونالد ريغان.

قبل انتخاب أندروبوف، وعلى أثر الاجتياح الإسرائيلي للبنان،كانت سوريا تعيد قراءة حساباتها وتقويمها في ظل التردد الذي أظهرته القيادة السوفياتية في عصر برجينيف، وكان هناك جدل داخل القيادة السورية حول السياسة التي يفترض أن تنتهجها الدولة في علاقاتها بالقوى العظمى، وفي موقفها من موضوع الصراع في الشرق الأوسط.

وكما يروي باتريك سيل في كتابه عن حافظ الأسد[2]، يقول سيل: ان في القيادة السورية وجهتي نظر واحدة تدعو الى الانفتاح على الولايات المتحدة الامريكية والاستجابة في مشرعها الخاص بمسألة الشرق الأوسط، وهذه الوجهة كانت تدعو أيضا الى الانسحاب من لبنان، وهذا يعيني فك ارتباط مع الاتحاد السوفياتي، ووجهة نظر ثانية يمثلها فريق

آخر في القيادة السورية، تدعو الى الانتظار والترقب والدرس والاعداد لمواجهة كل الاحتمالات.

قد يكون موقف بريجينيف، ومجيئ الرجل القوي أندرو بوف الى القيادة، أمرا دعما الوجهة الثانية وأكدها، ولا سيما بعد اللقاء الأول الذي عقد في موسكو بين الرئسين أندرو بوف والأسد، والذي توج على الفور وارسال الأسلحة المتطورة الى سوريا، وبينها الطائرات الحديثة، وصواريخ سام خمسة المضادة للطائرات والبعيدة المدى.

في تلك الأثناء، بدأت المواجهة تأخذ بعدا آخر بين القوات السورية المساندة لقوات المعارضة في لبنان، وبين الأسطول الأمريكي الذي تدخل مباشرة في ساحة المعركة، واهتزت العاصمة على دوي مدافع البوارج، وفي طليعتها (نيوجرسي) التي أخذت على عاطقها قصف مواقع الجيش السوري في الجبال.

كان المؤشر الأول على فعاليةالدعم السوفياتي لسوريا في هذه المواجهة، حين أغار سرب من الطيران الأمريكي على مواقع الجيش السوري في ضهور الشوير، وتصدت له الصورايخ وأسقطت طائرتين...

كانت تلك الحادثة، مؤشرا الى عودة النشاط الى السياية السورية في لبنان،وفي تلك الأونة أيضا، تنامت بشكل ملحوظ عمليات المقاومة الوطنية اللبنانية للاحتلال من جهة، والقوات المتعددة الجنسيات، من جهة ثانية، وجاء الدرس القاسي لتلك القوات في صبيحة يوم الأحد 23 تشرين الأول 1983 حيث وقع انفجاران متتاليان: الأول في مقر المارينز في مطار بيروت، والثاني في مقر الفرنسيين في محيط بئر حسين، أديا الى مقتل أكثر من ثلاثمائة جندي في أقل من خمسة دقائق.

هذه الحادثة جاءت بعد الدرس الموجع الذي تمثل في تفجير السفارة الأمريكية في عين المريسة،في نيسان من العام 1982؟

كانت تلك الأحداث تتواتر بشكل تصاعدي، في الوقت الذي كان فيه وزير الخارجية الأمريركية جورج شولتز يرعى المفاوضات التي كانت تجري بين الجانبين اللبناني والاسرئيلي على دوي مدافع الأساطيل.

لا شك أنه أمر مثر للتساؤل والأسف، ففيما لو تأمل المرء في تلك الصورة يجد أنه يوم كان هناك من يذهب بكل الوطن الى الاستسلام، كان هناك أيضا من يدافع بما تبقى لديه عنه.

وأسفرت المفاوضات التي يرعاها جورج شولنز عن توقيع اتفاق 17 أيار، أذكر أنذاك أن السوريينكانز ينظرون بعين الريبة الى تلك المفاوضات، وعندما حملها وزير الخارجية ايلي سالم الى دمشق ليعرضها على المسؤلين هناك، اكتفى شخصياً بعرض الأفكار التي تتضمنتها الاتفاقية، وعندما سأله السيد عبد الحليم خدام عن نصوصها، أخرجها من حقيبته وراح يتلو بنودها، فطلب منه السيد خدام أن يقرأها بنفسه؛ وحين أخذها من يد إيلي سالم طلب فوراً من السكرتاريا أن تسحب عنها نسخة، واكتفى بهذا الأمر، بالطبع ارتبك إيلي سالم ولم يعد يعرف ماذا يفعل.

بعد توقيع الاتفاقية، أعلنت جبهة الاتحاد الوطني معارضتها الشديدة للاتفاقية، لكن السوريين على ما أذكر لم يبذلوا أي جهد في أوساط النواب لإقناعهم في عدم إقرارها.

في النهاية، كانت واحداً من اثنين من الذين عارضوا، وامتنع ثلاثة عن التصويت.

لا أعرف لماذا جرت الأمور على ذلك النحو، على الرغم من أن الأجواء التي سبقت انعقاد جلسة التصويت كانت توحي بأن ثمة أملاً ما يحول دون إقرارها، وكنت قد سعيت لهذا الغرض مع عدد من الزملاء، والتقيت بداية ناظم القادري الذي أبدى استعداده للاتصال بالزملاء.

بدأنا لقاءاتنا في منزل الأستاذ ناظم القادري، شارك في اللقاء الأول حوالي 18 نائباً وبعد يومين ارتفع عدد الحضور إلى 23 نائباً، وكانت النقاشات تدور حول صيغة رفض الاتفاقية ومعارضتها؛ فكان هناك من يطرح التغيب عن الجلسة وهناك من يطرح الإعلان بالرفض خلال انعقادها، ثم بعد أيام قليلة، بدأ الارتباك يتجلى أكثر في المواقف، وبدأ عدد المشاركين في تلك اللقاءات بالانحسار تدريجياً، الأمر الذي حال دون انعقاد اللقاء الأخير، أي قبل جلسة التصويت بيوم واحد.

في تلك الأثناء علمت أن ضباطاً من المخابرات نشطوا في اتصالاتهم من أجل الضغط على النواب بوسائل مختلفة كي لا يعارضوا الاتفاقية، وعلى رأس هؤلاء كان زاهي البستاني الذي تولى شخصياً عملية الاتصال بالنواب المسيحيين، بينما تولى نبيه فرحات عملية الاتصال بالنواب المسلمين.

أذكر أنني قبل انعقاد الجلسة بيوم واحد، ذهبت إلى منزل الرئيس صائب سلام في محاولة أخيرة لإقناعه بالانضمام إلى صفوف المعارضين، ولاسيما أنني كنت قد سمعت من بعض الزملاء إبان اجتماعاتنا الماراتونية، أنهم قد يصوتون ضد الاتفاق في حال انضمام الرئيس سلام إلى جبهتهم، لم ألفح بثنيه عن موقفه، وبالفعل فقد صوت إلى جانب الاتفاقية.

أدركت بعد ذلك أن الأمور تسير في المسار المطلوب وعقدت الجلسة في حزيران، وتغيّب عدد قليل، وحين عرضت الاتفاقية على التصويت، عارضتها وزاهر الخطيب، طوامتنع عن ذلك كل من حسين الحسيني وألبير منصور ورشيد الصلح.

في ذلك الوقت، كانت رحى المعارك لا تزال تدور في جبل لبنان في مواجهات عنيفة بين الحزب الاشتراكي وحلفائه، وبعض الفصائل الفلسطينية يدعمهم الجيش السوري، هذا من جهة، ومن جهة ثانية كانت القوات اللبنانية والجيش اللبناني تدعمها مدفعية القوات الأمريكية في محيط المطار وبوارجها المنتشرة قبالة الشاطئ..

وأسفرت تلك المعارك عن سيطرة قوات الحزب الاشتراكي على مناطق الشوف وعالية، ونتج عن ذلك مآس ومذابح وعمليات تهجير جماعية.

في صبيحة يوم 6 شباط 1984 حدثت انتفاضة مسلحة في بيروت وضاحيتها الجنوبية، وانقسم آنذاك الجيش اللبناني، ثم تم إجلاء القوات الموالية لحكم آل الجميل عن تلك المناطق.

شكلت تلك الانتفاضة التي صارت تعرف بانتفاضة 6 شباط عملية تحول كبيرة، حيث أدت إلى القضاء على النتائج السياسية التي توختها إسرائيل والولايات المتحدة بعد عدوان السادس من حزيران 1982.

أدى ذلك التطور في العمليات العسكرية بدءاً بعمليات المقاومة واختيار القدرات العسكرية الجديدة لدى الجيش السوري بعد اسقاطه طائرتين أمريكيتين، وبعد تفجير مقري القوات المتعددة الجنسيات، إلى تحول في المسار الذي بدأ مع الاجتياح، والذي كان يهدف من جملة ما يهدف، إلى توقيع اتفاقية سلام بين لبنان وإسرائيل، الأمر الذي يهدد الخاصرة السورية.

ربما أدركت الولايات المتحدة في ذلك الحين، مدى الخسارات التي يمكن أن تلحق بها، بعدما ظهر جلياً الحزم السوفياتي في دخوله على المعادلة في عهد أندربوف، وأعتقد أن المؤشرات كانت كافية الدلالة على ذلك.

لكن للأسف لم يدم أندروبوف طويلاً على رأس القيادة السوفياتية فلقد توفي في التاسع من شباط عام 1984 جاء بعده تشيرنينكو لمدة سنة واحدة، أيضاً لم تكتب له الحياة لمدة أطول..

وبعد وفاته بحوالي أربع ساعات أعلن انتخاب "النجم" غورباتشوف وكان ذلك في 11 آذار 1985، وهنا تجدر الإشارة إلى أنه مازالت قصة موت أندربوف غامضة، بمقدار ما تجلت لاحقاً عمليات مجيء غورباتشوف إلى زعامة الاتحاد السوفياتي، والجدير ذكره أن غورباتشوف هو خارج إطار جيل ثورة اكتوبر، وحين تولى مهامه في زعامة الدولة كان في حدود الرابعة والخمسين من عمره.

 

** ** **

 

بعد انتخاب غورباتشوف، قام الرئيس السوري حافظ الأسد بزيارة إلى موسكو، من أجل استكشاف وقراءة التوجهات التي تحملها الزعامة السوفياتية الجديدة، ولاسيما أن غورباتشوف لم يكن معروفاً كثيراً لدى العرب، في حين –وكما ظهر فيما بعد- أنه معروف إلى مدى بعيد في الدوائر السياسية الغربية.

يروي الصحافي المصري محمد حسنين هيكل:

إن الرئيس الأسد أدرك ومن خلال هذا اللقاء الأول مع غورباتشوف أن تحولاً كبيراً سوف يطرأ على السياسة الخارجية للاتحاد السوفياتي، وإن القيادة الجديدة تطمح إلى تغييرات كبيرة في الداخل، وفي علاقتها بالعالم، وبخاصة مع الولايات المتحدة.

هذه التوجهات الجديدة ظهرت بشكل واضح في الكتاب الذي وضعه غورباتشوف "ألبروستريكا" والذي لاقى رواجاً كبيراً في العالم، ويقول هيكل أيضاً إن الرئيس السوري لدى عودته آنذاك من موسكو، بدأ على الفور برسم سياسته في ضوء التحول الكبير الذي لمسه هناك.

وكما ذكرنا ستبقاً وعلى أثر زيارة أنور السادات إلى القدس، كان الرئيس الأسد قد رفع شعار "تحقيق التوازن الاستراتيجي بين العرب وإسرائيل" وعمل على تحقيق هذا التوازن في محاولات عديدة، منها توطيد العلاقة بين موسكو ودمشق خلال الزيارة التي وقع خلالها اتفاقية صداقة وتعاون في عهد بريجينيف، والتي بقيت محدودة ولم تعط نتائجها المتوخاة ولاسيما خلال الاجتياح الإسرائيلي، لكن في زيارته الأخيرة في عهد غورباتشوف، وبعد أن تم ذاك التحول الذي كسر ما كان قائماً في عهد الرجل الصلب أندروبوف، قرر الانفتاح أكثر على الولايات المتحدة من خلال بوابة أوروبا بغية تقوية موقع سورية في مفاوضات محتملة، ومن خلال إمساكه بثلاث ورقات إقليمية الأردن، المقاومة الفلسطينية ولبنان، وهذا ما كان الرهان عليه.

في منتصف أيار 1985 قام وزير الخارجية الأمريكية جورج شولتز بجولة في المنطقة شملت أربع دول كانت على التوالي: إسرائيل، الأردن، السعودية، مصر، وفي ختام تلك الجولة عقد الوزير الأمريكي مؤتمراً صحافياً في القاهرة قال فيه:

إن الولايات المتحدة الأمريكية قد بدأ العمل من أجل تحقيق السلام الشامل في منقطة الشرق الأوسط، واستدرك في سياق المؤتمر قائلا: لكن يجب أن يكون معلوماً أن السلام الشامل لا يعني بالضرورة تحقيقة دفعة واحدة، أما دور سوريا في هذه العملية فيأتي في آخر المطاف.

بالطبع إن تلك الجولة التي قام بها شولتز، وذلك التصريح، ما كانت ليجيئا على تلك الصرامة والعجالة، فيما لو كانت الأمور على شيء من التوازن السابق، يوم بلغت المواجهة حد الاشتباك المباشر وهذا ما حصل.

ثم إن العلاقة كانت قد بلغت غاية السوء بين دمشق والولايات المتحدة مع بداية الاجتياح الإسرائيلي وازدادت سوءا في تلك المواجهة والتطورات التي أدت إلى مقتل العديد من القوات الأمريكية؛ وبما أن الولايات المتحدة قد أخذت على عاتقها منذ وقت بعيد دور "الجندرمة" في العالم الثالث، كانت قد وضعت سوريا على لائحة الدول الإرهابية في تشرين الثاني 1986، وهذا مؤشر واضح الدلالة على أن عقابا أشد تلوح به، كما فعلت مع دول أخرى.

كانت سوريا في ضوء التبدلات التي حصلت في عهد غورباتشوف قد قرأت ملياً موازين القوى، وكما يقول إيلي سالم في كتابه "الخيارات الصعبة[3]" لقد بدأت توجه الإشارات للولايات المتحدة معربة عن استعداد ممكن للتعاون معها في شأن لبنان والمشاكل الإقليمية، وكان ذلك في ربيع العام 1987.

يقول إيلي سالم ص 465: لقد كان شولتز مصمماً على عقد مؤتمر للسلام في الشرق الأوسط، وكان يريد تحقيق نجاح ما قبل الانتخابات الأمريكية عام 1988.

وكانت الاستجابة الأمريكية للإشارات السورية قد جاءت عبر إيفاد مندوب الولايات المتحدة لدى مجلس الأمن إلى دمشق، حيث أجرى هناك مفاوضات مع عدد من المسؤولين السوريين ومع الرئيس الأسد، حاملاً إليه رسالة من الرئيس الأمريكي ريغان، ومضمون هذه الرسالة تكشف جانباً منه، تعليقات الصحف السورية على كلام كان قد أدلى به السيد ريتشارد مورفي، مساعد وزير الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأوسط أمام الكونغرس، وفي هذا المجال قال: إن الإدارة الأمريكية تحاول استكشاف قواعد محتملة لتوسيع الحوار مع سوريا.. وأضاف: إن سوريا سوف تظل حاليا على قائمة الإرهاب وإن العقوبات التي فرضت عليها في تشرين الثاني 1986 سوف تظل سارية المفعول، لكن الإذاعة والصحف السورية ردت على كلام مورفي، بأن هذا الكلام يتناقض مع مضمون الرسالة التي بعثها الرئيس رونالد ريغان، عبر مبعوثه الخاص فارنون وورتلز، الذي زار سوريا مؤخرا.

بدأت زيارة وورتلز إلى دمشق تعطي نتائجها بسرعة، فقد أقدمت السلطات السورية بعد تلك الزيارة، على إقفال مكاتب حركة فتح المجلس الثوري في دمشق، وطردت أعضاء الحركة خارج سوريا، وهذا ما كان أشار إليه ريتشارد مورفي في ندوة صحفية دولية، وقد ربط بين هذا الموقف الإيجابي من قبل سوريا والمساعي الأمريكية لحل أزمة الشرق الأوسط.

إذ أكد دعم حكومته لأي تحرك يقوم به الأطراف المعنيون، لأن لهم وحدهم الحق في ذلك، إذ ينبغي عدم رفض أي حل من الخارج، لا من جانب الأمم المتحدة ولا من جانب القوى الكبرى، واعتبر أن المشاركة الفلسطينية في المؤتمر الدولي لابد من أن تتم من خلال وفد أردني مشترك، وذلك أن واشنطن وموسكو تتبادلان وجهات النظر وتتشاوران في وسائل تحريك العملية السلمية من طريق المفاوضات، وأعرب عن احترام حكومته وتقديرها لجهود الملك حسين، ملمحاً إلى أن موقف سوريا لا يزال موضع بحث.

في الوقت نفسه في مقابلة في جريدة السفير 7 آب 1987، رد مورفي على سؤال حول سياسة بلاده إزاء لبنان فقال: إن أمريكا تدعم وحدة لبنان وسيادته وتقدمه؛ وقفز فوراً للحديث عن زيارة فارنون، وورتلز إلى دمشق في أوائل حزيران فقال: كانت الخطوة بتوجيه من الرئيس ريغان عبر إجراءات معينة اتخذتها الحكومة السورية، بما فيها إغلاق مكاتب تنظيم أبو نضال، وهو أحد أكثر المنظمات الإرهابية قسوة في أي مكان في العالم.

لقد أرسل الرئيس ريغان الجنرال وورتلز للقيام بمراجعة شاملة لمجموعة من المسائل الثنائية والإقليمية مع الرئيس الأسد، وكانت الزيارة جيدة وصريحة جداً، بحيب قام الطرفاتن بطرح مواقفهما، وأضاف مورفي، نحن ننتظر قدماً بخطوات إضافية لتطبيع الحوار بين واشنطن ودمشق، الذي توقف عندما سحبنا سفيرنا في تشرين الثاني الماضي من العام 1986، وهناك خطوات إضافية قيد البحث الآن، حول كيفية تطبيع الحوار، وأعتقد أن الرغبة بذلك موجودة لدى الطرفين، ولا أستطيع التنبؤ بتأثير ذلك على العلاقات السورية اللبنانية..!!

وفي مجال آخر، قال مورفي إن المسؤول في وزارة الخارجية تشارلز هيل، سيصل إسرائيل، وسيناقش مجموعة من القضايا، بما فيها المؤتمر الدولي، وتابع في هذا المجال قائلا: يهمنا تنظيم المؤتمر الدولي بطريقة مقبولة من جميع الأطراف، تؤدي إلى مفاوضات مباشرة، على ألا يكون لهذا المؤتمر صلاحية الفيتو أو فرض إرادته على الأطراف المعنية؛ وقال: إن مباحثاته الأخيرة حول الشرق الأوسط مع نظيره السوفياتي فلاديمير بولياكوف، كانت صريحة ومهمة، وإن بولياكوف عاد إلى موسكو محملاً بأفكار نأمل استيعابها ومناقشتها، خلال لقاء وزيري الخارجية جورج شولتز وإدوارد شفارندزه.

منذ أن بدأت الولايات المتحدة، عملية الإعداد للتسوية الشاملة في الشرق الأوسط، (راجع حديث جورج شولتز في مطار القاهرة، أيار 1985) بدأت تعمل على إعداد المسرح الإقليمي والدولي لهذه العملية على الأسس التالية:

1 ـ أن تكون الولايات المتحدة الأمريكية وحدها عملياً المرجعية الصالحة لهذه العملية.

2 ـ تجزئة الحل، يما يضمن غلبة إسرائيل في أي مفاوضات ثنائية، وإضعاف القوة الأساسية في الصراع، وهي سوريا.

أما الرؤية السورية، فكانت تقوم بالمقابل على ما يلي:

1 ـ عقد مؤتمر دولي بمشاركة القوى العظمى الدائمة العضوية في مجلس الأمن، مع الاعتراف بدور متميز للولايات المتحدة.

2 ـ أن يتمثل العرب، تحديداً سوريا ولبنان والأردن وفلسطين، بوفدٍ موحد، طبعاً تقوده سوريا.

في منتصف شهر تشرين الأول 1987، قام وزير الخارجية جورج شولتز بجولة في المنطقة، يرافقه ريتشارد مورفي مستشار وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط، حيث قام بزيارة لإسرائيل ومصر والسعودية والأردن، ولكنه استثنى من جولته سوريا، وكانت حجته في ذلك "أن اجتماعه بالرئيس الأسد لم يزل سابقاً لأوانه، لأن مثل هذا الاجتماع يجب أن يهيأ له مسبقاً، لكي تكون بعض النتائج الإيجابية مضمونة[4].

لذلك توجه ريتشارد مورفي وحده إلى دمشق، حيث التقى الرئيس الأسد، الذي قال لمورفي: إن الجميّل والولايات المتحدة هما اللذان نسفا الاتفاق الثلاثي.

لقد جاءت زيارة شولتز، قبل ثلاثة أسابيع تقريبا من انعقاد القمة العربية الطارئة في عمان، وخلال زيارته أمضى شولتز خمس ساعات في مصر وأربع ساعات في السعودية، ولكنه أمضى ثلاثة أيام في إسرائيل، وبعدها زار موسكو، وفي طريقه أمضى بضعة ساعات في لندن، حيث التقى الملك الأردني حسين، الذي كان يقوم بزيارة خاصة إلى بريطانيا.

من الواضح أن شولتز لم تكن لديه مشكلات كبيرة من مصر والأردن والسعودية في ما يتعلق بموضوع التسوية، ولكنه كان يواجه بعض المشكلات في إسرائيل، مع حكومة الليكود بزعامة اسحق شامير.

وكانت ردة الفعل السوري التنديد بزيارة شولتز، وهذا ما عكسته الصحف السورية قبل الجولة وبعدها، فقد قالت صحيفة الثورة قبل الزيارة "إن جولة شولتز في عدد من دول المنطقة، لا يمكن أن يكون غرضها، خدمة أهداف السلام، لأنه لا أحد في المنطقة أو في العالم يستطيع أن يصدق أن أمريكا يمكن أن تغير موقفها من إسرائيل بين ليلة وضحاها، أو أنها يمكن أن تقنع قادة العدو بالعدول عن رفضهم المطلق للمؤتمر الدولي الخاص بالسلام بالشرق الأوسط".

ومضت الصحيفة تقول إن شولتز القادم إلى المنطقة لا يحمل في جعبته أي جديد، اللـهم سوى محاولة جديدة للضغط على العرب والحصول منهم على تنازلات تلبي متطلبات سياسة بلاده الخارجية[5].

 وفي إسرائيل ركز شولتز على المفاوضات الثنائية، وقال إن موسكو لم تمتلك الأهلية بعد للمشاركة في مؤتمر دولي للسلام، وأشار إلى أحد شروط تحقق هذه الأهلية عندما طالب بحرية هجرة اليهود السوفيات، وقال إن الأشهر الثلاثة المقبلة ستكون مهمة جداً جداً بالنسبة إلى اليهود السوفيات.

في هذا الوقت وعلى أثر زيارة مورفي إلى دمشق، حيث أستمع من نائب الرئيس عبد الحليم خدام إلى مواقف سوريا من موضوع التسوية في الشرق الأوسط ولبنان، استأنفت الصحف السورية هجومها على جولة شولتز التي كما قال صحيفة الثورة السورية، أكدت مجدداً الموقف الأمريكي الرافض لعقد المؤتمر الدولي، والمختبئ وراء الرفض الإسرائيلي لهذا المؤتمر.

 

** * * **

 

في هذا الوقت، كان أمين الجميّل ينتظر نتائج زيارة مورفي إلى دمشق، ولما أدرك أن الزيارة لم تفتح أمامه باب الحوار مع العاصمة السورية، أقدم بحركة ذات دلالة على القيام بزيارة إلى مصر والخليج قبل انعقاد قمة عمّان.

وكانت ذريعة سوريا لعدم الحوار مع الجميّل في ذلك الوقت، موقفه من دعم القوات اللبنانية التي انقلبت على الاتفاق الثلاثي، وعدم كشفه عن قتله رشيد كرامي.

كان الإعداد لمؤتمر القمة العربية في عمّان قد بلغ نهايته، واستطاعت سوريا أن تمنع حضور مصر المؤتمر، على الرغم من الضغط الذي مارسته عدة دول عربية، ومن بينها الأردن صاحبة الدعوة..

وقد بلغ الأمر بالوفد السوري أن أصدر بياناً صيغ بلهجة تحذيرية، وجاء فيه أن تعليق عضوية مصر في الجامعة العربية، لم يكن يتعلق بالرئيس الراحل أنور السادات، ولكنه يتعلق بموقف النظام المصري من اتفاقيات كامب ديفيد.

كان الملك حسين توّاقاً إلى تحقيق النجاح في المؤتمر، ولما أدرك عدم قدرته على إقناع سوريا بالموافقة على حضور مصر، سعى إلى تحقيق مصالحة بين الرئيسين الأسد وصدام حسين من جهة، وإلى عقد لقاء بين الرئيسين اللبناني والسوري من جهة ثانية.

لم يكن الرئيس الأسد مهتماً بالاجتماع إلى الجميل، لذلك حثّ رئيس الورزاء سليم الحص على ترؤس الوفد اللبناني، ورد الحص على ذلك، فقال: الرئيس الجميل ذاهب إلى القمة فماذا أفعل؟

فإما أن أجلس في حضنه أو أن يجلس هو في حضني، فانفجر الأسد ضاحكاً واتفق مع الحص بألا يذهب رئيس الوزراء إلى عمان، بل أن يرسل مذكرة إلى القمة يعلن فيها الموقف اللبناني، من جهة نظر المعارضة، وبسبب مقاطعة الرئاسة لم يقبل أي مسلم أن ينضم إلى وفد الرئيس الجميل.

ويوم السبت 7 تشرين الثاني، وصل الوفد الرسمي مؤلفاً من الرئيس وغسان التويني وإيلي سالم، وبعد ظهر ذلك النهر، كان افتتاح القمة[6].

يضيف إيلي سالم في كتابه، وعلى الرغم من إخفاقنا في ترتيب لقاء بين الرئيسين الجميل والأسد أثناء انعقاد القمة، فقد قال لي الشرع:

إن هناك عملية جديدة قد بدأت بين سوريا وأمريكا، وإن سوريا مسرورة لذلك، لم يكن الشرع يريد تدخل الملك حسين أو أي قائد عربي آخر، في المسعى الأمريكي السوري[7].

وفي هذا المجال يروي عبد اللـه بو حبيب في كتابه الضوء الأصفر: قال الشرع لسالم، يوم انتهاء المؤتمر: إن التدخل الأردني ليس ضرورياً، لأن الولايات المتحدة تقوم بالوساطة التي تتمنى سوريا أن تستمر، ويضيف بو حبيب في مكان من كتابه: إن الأمريكيين اغتبطوا لملاحظة الشرع[8].

 في 7 شباط 1988، قام ريتشاد مروفي بزيارة إلى دمشق، حاملاً رسالة من الرئيس الأمريكي رونالد ريغان إلى الرئيس حافظ الأسد، وفي اللقاءات التي عقدها في العاصمة السورية مع نائب الرئيس عبد الحليم خدام ووزير الخارجية فاروق الشرع، كان الطرفان الأمريكي والسوري يحاولان استكشاف مواقف بعضهما بعضاً من موضوع التسوية في الشرق الأوسط ولبنان؛ وكان مورفي يمهد لجولة جديدة يقوم بها جورج شولتز في المنطقة تشمل هذه المرة سوريا ولبنان، وبين 24 شباط و4 آذار قدم شولتز إلى المنطقة حيث اجتمع بالقادة الإسرائيليين والأردنيين والمصريين والسوريين بغية الإعداد لعملية السلام في الشرق الأوسط[9].

في دمشق التقى شولتز بالرئيس الأسد حيث أكّد مرجعية القرارين 242 و338 من خلال دولي للسلام وأكد في ختام زيارته لدمشق "مصالح حيوية ومشروعة لسوريا في لبنان" إلا أن نقاطاً كثيرة ظلت غامضة بالنسبة للسوريين تتعلق بكيفية التمثيل العربي في المؤتمر الدولي لجهة الارتباط بين سوريا من ناحية والأردن والفلسطينيين من ناحية ثانية.

ولأن شولتز لم يحمل إجابات شافية عن هذه المسألة، فإن دمشق لم تبدِ ترحيباً حاراً بنتائجها.

ويلاحظ من جهة أخرى، أن منظمة التحرير الفلسطينية شنت هجوماً على جولة شولتز، لأنه كان يوحي باحتمال طرح قيادة فلسطينية بديلة من منظمة التحرير تمثل فلسطيني الأرض المحتلة.

في هذه الأثناء، كانت المحاولات الأمريكية على خط بيروت دمشق تواكب جولة جورج شولتز من خلال السفيرة إبريل غلاسبي، وفي ختام جولة شولتز، قدمت واشنطن بواسطة وزير خارجيتها في 4 آذار 1988 خطة مكتوبة، سمتها تل أبيب وثيقة، وسمتها دمشق رسالة من الرئيس الأمريكي، وكانت قد سلمت لكل من الأردن ومصر وإسرائيل وسوريا، وطلبت واشنطن إجابات عنها خلال عشرة أيام.

المصادر الإسرائيلية قالت إن الخطة الأمريكية تقترح عقد مفاوضات مباشرة في لجان ثنائية بين إسرائيل ووفد أردني فلسطيني من جهة، وبين إسرائيل وسوريا من جهة وبين إسرائيل ولبنان.

جبران كورية المتحدث باسم الرئاسة السورية قال إن شولتز شرح مضمون الرسالة إلى الرئيس الأسد وخلال النقاش، أبدى الرئيس الأسد عدة ملاحظات على الرسالة، أما شولتز فقد قال عن الخطة إنها اقتراح طموح يدعو إلى مفاوضات بين إسرائيل ووفد أردني فلسطيني، وبين إسرائيل وسوريا حول مرتفعات الجولان المحتلة[10].

الرد السوري على الخطة الأمريكية جاء بشكل غير مباشر في خطاب للرئيس الأسد بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لثورة 8 آذار، في هذا الخطاب قال الرئيس الأسد: إن سوريا التي دعمت لبنان في مقاومته ضد العدو الإسرائيلي وأوقفت الحرب الأهلية، رفضت كل محاولات تحييدها أو إخراجها من معركة التصدي للغزو الإسرائيلي العام 82. ثم قال مخاطباً الأخوة في الأرض المحتلة: لا يخدعنكم ما تسمعونه عن السلام، فإسرائيل ليست من دعاته، لا أريد أن أناقش المشاريع التي تطرح، لكن أوجز أقول إنها نفسها، الروح نفسها والجو نفسه، وإن اختلفت الكلمات، تلك المشاريع التي طرحت منذ سنين عديدة، لا جديد في الأمر، المهم أن الحرب مستمرة، المهم أن تظل كذلك، نمارسها مرة بالبنادق ومرة بالحجارة، مرة بتظاهرة شعبية، ومرة بصراع عسكري شامل..

وفي 23 آذار 1988 صرح وزير الخارجية فاروق الشرع: إن سوريا سوف ترد على اقتراحات جورج شولتز خطياً، ومضى يقول إن شولتز خلال جولته قال: إنه سيلوي ذراع شامير إذا لم يقبل خطته، والنتيجة أن شامير لوى ذراع شولتز عندما زار واشنطن، وكمكافأة له على عناده قدمت له الولايات المتحدة طائرات إضافية، وتم تعزيز التعاون الإستراتيجي بين أمريكا وإسرائيل.

بالفعل قدمت سوريا إجابتها عن الخطة الأمريكية، ولكن على شكل أسئلة، وهذا ما سوف يعيد إدخال لبنان في دوامة خطيرة، بعد أشهر عندما يجيء أوان الاستحقاق الرئاسي.

يقول إيلي سالم في كتابه الخيارات الصعبة: إن الأمريكيين والسوريين، اتفقوا على العودة في أيلول، وبعد انتخاب الرئيس اللبناني الجديد، إلى متابعة عملية الإصلاح من حيث كانوا قد وصلوا، وقد عمد، بوب أوكلي المعاون في البيت الأبيض، إلى تحديد الموقف الأمريكي بعبارات قاسية واضحة.

قال لي إن الاهتمام في الولايات المتحدة قد تحول، وهو الآن موجه نحو مؤتمر دولي بخصوص الشرق الأوسط ونزع التسليح النووي، والحرب الواقية الإسرائيلية، والانتخابات الرئاسية الأمريكية وهي الأهم.

لبنان لم يعد قضية كبيرة، وليس في واشنطن من يعتقد أن لبنان بلد محوري لنجاح السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط أو فشلها، لقد اعترفت الولايات المتحدة بوجود سوريا في لبنان ونفوذها فيه، وهي تريد لهذا النفوذ أن يكون إيجابياً لصالح لبنان، وستلجأ أمريكا في الوقت الحاضر إلى علاقتها الطيبة مع سوريا للوصول إلى اتفاق على مرشح للانتخابات الرئاسية اللبنانية.

 

*** ** **

 

يقول عبد اللـه بو حبيب في كتابه الضوء الأصفر ص 134:

بدأ العام 1988 بتغيير جذري في سياسة واشنطن الشرق أوسطية لقد أجبرت الانتفاضة الفلسطينية جورج شولتز على إعادة تركيز اهتمامه لحل النزاع العربي الإسرائيلي، فقام في مطلع العالم بتحرك ملحوظ.. وضع لبنان كان لا يزال غامضاً في السياسة الأمريكية.

في الفترة ما بين 7- 10 حزيران 1988 وتحت ضغط تصاعد الانتفاضة في الأرض المحتلة، عقد في مدينة الجزائر مؤتمر قمة عربية، كان الموقف الفلسطيني في المؤتمر والذي عبر عنه فاروق القدومي مندوب منظمة التحرير، هو المطالبة بحق الفلسطينيين في أن يتخذوا قرارهم المستقل المتعلق بقضيتهم، لكن وزير خارجية سوريا فاروق الشرع، ردّ عليه بما يلي:

إن سوريا من ناحية تاريخية، تعتبر المسألة الفلسطينية مهمة بالنسبة لها.

ولقد دونت موقف الشرع  كما يلي:

إن سوريا هي الدولة العربية الطليعية في الدفاع عن الحقوق القومية للعرب، وعن حقوق الفلسطينيين بصورة خاصة، إن القضية الفلسطينية ذات أهمية خاصة لسوريا، لأن الشعب الفلسطيني، والشعب السوري، شعب واحد.

ومن الطبيعي لذلك أن يكون لسوريا: اهتمام بالقضية الفلسطينية، مختلف كلياً عن اهتمامات الدول الأخرى، التاريخ يتكلم عن بلاد الشام، وهذه البلاد تتألف من سوريا، والأردن، وفلسطين، ولبنان، منذ زمن الأمويين، كانت بلاد الشام وحدة واحدة سياسياً، وكانت دمشق قلبها النابض.. هذا هو التاريخ، ونحن لا نخترعه، ولقد ظل الأمر كذلك حتى قسمت اتفاقية سايكس –بيكو بلاد الشام إلى دول مختلفة، ولكن اتفاقية سايكس- بيكو لم تغير الحقيقة، وهي أن الشعب الذي يقطن هذه المناطق الأربع شعب واحد، وهو من حيث الجوهر، وحدة سياسية.

ولقد كانت اتفاقية سايكس- بيكو الانتهاك التاريخي الأكبر لهذه الحقيقة، إنها مسؤولية أهل بلاد الشام أن ينهوا هذا الانتهاك، وأن يستعيدوا للشعب الذي يشكل بلاد الشام استقلاله ووحدته، إننا لا نريد أن نتدخل في الأنظمة السياسية القائمة في بلاد الشام حاليا، لكنه حق لنا، وواجب علينا، أن نقول إن القرارات التي تؤثر على أهل بلاد الشام لا يمكن اتخاذها بدون اعتبار موقف دمشق، وهي قلب هذه المنطقة.

وإذا كانت الانتفاضة حدثاً هاماً، وكانت للفلسطينيين حقوق، فإنهم لا يستطيعون التوصل إلى تسوية لها تأثيرها على المستقبل السياسي للفلسطينيين، بدون مشاركة دمشق الفعلية، هذا هو موقفنا، هذه هي إيديولوجيتنا، هذا هو ما نؤمن به، مثل هذا الموقف قد لا يسر بعض أصدقائنا في هذا الاجتماع، لكنه واجب علي أن أوضح موقفنا كي لا يكون هنالك أي سوء تفاهم.. مستقبل فلسطين، كمستقبل الجولان، كمستقبل جنوب لبنان، ينبغي تقريره معاً، لأن جميع هذه القضايا تشكل أجزاء من قضية بلاد الشام الرئيسية[11].

لقد فسر هذا الخطاب معارضة الرئيس الأسد لاتفاقيات كامب ديفيد، واتفاقية الانسحاب الإسرائيلي في 17 أيار 1983 والخطوات الحالية التي تتخذها الولايات المتحدة في عملية السلام.

مرة أخرى أخفقت محاولاتنا في الجزائر لبحث الإصلاحات مع الرئيس الأسد، ولتشكيل الحكومة الجديدة والانتخابات الرئاسية، الواقع أن الجميل والأسد اجتمعا، لكن الرئيس الأسد لم يسمح للمناقشات أن تجاوز الناحيتين الشخصية والعامة، فجاء ذلك دليلاً آخر على أنه كان يتطلع إلى العهد الذي يلي عهد الجميل، وطلب الرئيس تعاون الرئيس تعاون الرئيس الأسد لتشكيل حكومة جديدة، مما أثار دهشة الأسد، سأله: ولماذا تريد حكومة جديدة؟ فرد الجّميل: لأن الحكومة القائمة قاطعتني[12]. (انتهى كلام سالم).

لا ندري بالضبط، ماذا كان الرد السوري على الخطة التي حملها جورج شولتز في آذار 1988، والتي صيغت على شكل أسئلة كما قال فاروق الشرع، ولكن من المؤكد أن هذه الأسئلة الردود كانت تتناول دور سوريا في عملية التسوية، وموقع كل من لبنان والأردن ومنظمة التحرير، ومدى ارتباط هذه بالدور السوري، هذا ما عبر عنه الرئيس الأسد في خطابه في 8 آذار تلميحاً.

وهذا أيضاً ما أفصح عنه وزير الخارجية السوري فاروق الشرع في رده على فاروق القدومي في قمة الجزائر، ولقد أثبتت التطورات اللاحقة أن الولايات المتحدة لم تكن راضية قط عن الموقف السوري الذي انعكس على لبنان في تلك الفترة، وأدى إلى فشل انتخابات رئاسة الجمهورية.

 

** *** * **

 

في 17 تموز 1988، ذهب الرئيس السابق سليمان فرنجية يرافقه نجله روبير إلى دمشق حيث التقى هناك الرئيس حافظ الأسد ونائبه عبد الحليم خدام، كان الرئيس فرنجية يحاول استكشاف موقف دمشق من انتخابات الرئاسة ومدى إمكانية تأييدها له في الانتخابات، دمشق التي كانت تبدي دائماً تعاطفاً مع الرئيس فرنجية تريّثت، ولم تعط كلمة حاسمة في الموضوع آنذاك.

لقد كانت دمشق تنتظر الرد الأمريكي على الأسئلة الخطية التي قدمتها إلى واشنطن، وكان موعد الانتخابات الرئاسية يقترب بسرعة، وكان الكل ينتظر، وفي 5 آب وصل مورفي إلى بيروت، ومن ثم إلى دمشق، في بيروت تحدث مورفي "عن ضرورة انتخاب رئيس توافقي معتدل" وذلك قبل أن يلتقي حافظ الأسد نهار السبت في 6 آب، يحظى بقبول كل الأطراف، وبعد زيارته لدمشق، ردت دمشق على كلام مورفي بواسطة حلفائها؛ فنهار الأربعاء في 10-8- 1988 وبعد انتهاء زيارة مورفي لدمشق، صرح رئيس مجلس النواب السيد حسين الحسيني، بأن الكلام عن الرئيس التوافقي ظاهره إيجابي وباطنه سلبي.

وكان الحديث في الأوساط السياسية عن ترشيح الرئيس سليمان فرنجية من الشيء المؤكد، ونهار الخميس في 11 آب 1988، نزل سمير جعجع قائد القوات اللبنانية إلى بيروت، واستنفر جماعته في الوقت الذي كان الرئيس أمين الجميل يعقد اجتماعاً في وزارة الدفاع، حضره قائد الجيش ميشال عون.

ملابسات تلك المرحلة، يلقي عليها بعض الضوء سفير لبنان في واشنطن آنذاك عبد اللـه بو حبيب في كتابه الضوء الأصفر يقول:

اجتمعت مع مورفي في 15 آب بعد عودته من جولته الشرق أوسطية، عند وصولي إلى مبنى الخارجية الأمريكية استقبلني أحد مساعديه، وأنذرني أنه وصلت لمورفي معلومات تشير إلى أن أجهزة الأمن اللبنانية تعمل لمنع النواب من حضور جلسة انتخاب الرئيس في 18 آب، ونفيت ذلك بقوة، لأنني كنت أعلم أن توزيع العمل بشأن الانتخابات، يعطي هذه المهمة لأجهزة أمن القوات اللبنانية[13].

نهار الجمعة في 12 آب، ذهب الرئيس السابق سليمان فرنجية مرة أخرى إلى دمشق، وعاد من هناك ليعلم ترشيحه رسمياً لانتخابات الرئاسة، وبدأت الإعداد بقوة، لجلسة الخميس في 18 آب 1988، كانت القوات اللبنانية وأجهزة الأمن الرسمية في حال استنفار لمنع اكتمال النصاب، تدعمهم في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية، وكان الفريق الآخر، وتدعمه سوريا، يعمل على تأمين حضور أكبر عدد ممكن من النواب؛ وطرحت مرة أخرى مسألة النصاب القانوني على غرار ما جرى في العالم 1982 في معركة انتخاب الرئاسة آنذاك.

أذكر أنني التقيت في تلك الفترة، عدداً من قيادات الحركة الوطنية، في منزل السيد عاصم قانصو، وكان واضحا أنهم يعملون وبتكليف سوري على تأمين النصاب، فقد كانوا يحصون النواب "المضمونين" وعندما وصلت إلى هناك سألوني عن رأيي في الأمر، فقلت: إن الجلسة لن تعقد، فاستنكر هؤلاء كلامي، وسأني أحدهم لماذا؟ لنفترض أن أمريكا تريد إجراء انتخابات ولكن سوريا تعارض هل تجري الانتخابات؟ أجاب بـ "لا" وقلت بالمقابل إذا أرادت سوريا إجراء الانتخابات في حين أن الولايات المتحدة ترفض ذلك؟

هل تحدث الانتخابات؟ وأجبت بـ "لا".

يوم الأربعاء وكنت قد أبلغت أن السيدين روبير فرنجية وعبد اللـه الراسي قد ذهبا إلى بيتي ولم يجداني، فتوجهت إلى فندق البريستول حيث كان الرئيس فرنجية ومعاونوه يديرون المعركة من هناك؛ التقيت الراسي وفرنجية بحضور الوزير الدكتور الياس سابا، وقلت لهما إنني أنصح بتأجيل الجلسة لأن النصاب لن يؤمن..

هذا القول قبولاً لدى السيدين فرنجية والراسي، ولكن الدكتور الياس سابا أبدى تأييده لصحة هذا التقدير.

وفي اليوم التالي، منعت القوات اللبنانية وحواجز الجيش وأجهزة الأمن بعض النواب من حضور الجلسة، ولكن معظم الذين تغيّبوا، إنّما فعلوا ذلك بفعل الضغط السياسي، وصلنا إلى مجلس النواب، وعندما سألني أحد الصحافيين إذا كنت تعرضت لأي ضغط لكي أحضر الجلسة؟ فقلت له بأنني سأنتخب ريمون إده، وكان واضحاً إلى ماذا كنت أرمي.

لم يكتمل النصاب، بالطبع، فقد حضر إلى المجلس 39 نائباً، آنذاك وكان لابد لرئيس المجلس بعد طول انتظار من الإعلان عن إرجاء الجلسة إلى موعد لم يحدد، وفي 19 آب أي في اليوم التالي لجلسة الانتخاب الفاشلة، وجه السيد عبد الحليم خدام دعوات إلى النواب الذين حضروا الجلسة، للاجتماع به وشرح الملابسات التي سبقت ورافقت الجلسة.

أذكر أنني التقيته في 20 آب 1988، وشرح لي السيد خدام ما جرى في اللقاء بينه وبين السيد مورفي قال:

جاء مورفي ليبحث موضوع الانتخابات الرئاسية في لبنان، وما بلغته المفاوضات بشأن الإصلاحات الداخلية، لكن كنا ننتظر من مورفي إجابات على الأسئلة التي كنا قد وجهناها إلى إدارته بشأن الخطة التي حملها جورج شولتز في آذار 1988، لم يتحدث مورفي عن هذا الأمر عندما التقيته، فقلت ربما يريد أن يبلغ الإجابة مباشرة إلى الرئيس الأسد، لكنه في اللقاء الذي جرى مع الرئيس الأسد يوم السبت في 6 آب والذي دام 5 ساعات، لم يقل السيد مورفي شيئاً حول الأسئلة المذكورة، عدت والتقيت به مرة أخرى وصارحته بشأن الأسئلة.

أجابني مورفي: إنه لا يحمل أي تعليمات من إدارته بشأنها، سألته متى ستعود إلى واشنطن، فقال يوم الثلاثاء في 9 آب، سألته، ومتى يمكن أن تجيب عن هذه الأسئلة، قال يوم الخميس على ما أعتقد، ولكن الرد الأمريكي لم يصل في الموعد المذكور ولا نهار الجمعة، ونهار السبت اتصلنا بالرئيس فرنجية ودعوناه إلى دمشق، حيث أبلغنا تأييدنا لترشيحه..

بعد جلسة 15، عرفت أن إحدى السيارات المعدة للتصوير والنقل التلفزيوني والتابعة للـ L.B.C التي كانت تابعة للقوات، كانت مفخخة بالديناميت كاحتياط أخير في حال اكتمال النصاب لتفجير المكان.

كانت ولاية أمين الجميل تقترب من نهايتها بسرعة، وكان البحث عن مخرج ينقذ لبنان من أزمة الفراغ الدستوري، يصطدم بعقبات، أساسها يعود إلى عدم التفاهم السوري الأمريكي حول موضوع التسوية في الشرق الأوسط، وفي الأيام الأخيرة التي سبقت انتهاء الولاية، كاد مورفي ليحاول إيجاد مخرج ما..

التفاصيل هنا ليست مهمة، تم التوافق على ترشيح السيد مخايل الضاهر، ولكن من دون حماس لا أمريكي ولا سوري للأمر، لأن جوهر الأزمة بين الطرفين كان لا يزال يراوح مكانه؛ كان واضحاً مرة أخرى أن الجلسة لن تعقد بسبب معارضة أفرقاء المنطقة الشرقية والجيش للأمر.

وتشكيل حكومة انتقالية برئاسة ماروني، اصطدم برفض أفرقاء المنطقة الغربية، وفي الساعات الأخيرة من ليل 23 أيلول كلف الجميل ميشال عون تشكيل الحكومة الانتقالية، وكان أعضاؤها هم أعضاء المجلس العسكري، المسلمون منهم رفضوا تعيينهم وزراء، وبدأت رحلة الحكومتين واحدة في الغربية برئاسة سليم الحص وواحدة في الشرقية برئاسة ميشال عون.

كانت الانتخابات الأمريكية في خريف 1988 قد عادت بالجمهوريين إلى السلطة، عندما فاز بالرئاسة جورج بوش الذي كان نائباً لرونالد ريغان، وكان من الطبيعي أن تكون الفترة التي تلت الانتخاب فترة ترقب على جبهة الشرق الأوسط، مع العلم أن عودة الجمهوريين كانت تنبئ باستمرار السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، وفي آذار 1989 وبمناسبة الذكرى الـ 26 للثورة البعثية في سوريا، ألقى الرئيس حافظ الأسد خطاباً بالغ الأهمية، أكد فيه الثوابت التي كان يتمسك بها لجهة موقف سوريا من موضوع المؤتمر الدولي والتسوية، وأهم ما ركز عليه الرئيس السوري في خطابه ما يلي:

أولاً: إن سوريا قالت لا لكامب ديفيد وتمكنت من محاصرة هذا النهج، وهي سوف تقول لا لكل ما يشبه كامب ديفيد. وقد كان يشير في هذا إلى رفضه لكل محاولات التسوية المنفردة التي كانت بوادرها تلوح على الجبهتين الفلسطينية والأردنية، وأضاف: أن لا حل يمكن أن يمر من وراء ظهر سوريا.

ثانياً: عرض الرئيس السوري لتوجهات قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، التي كانت تسعى إلى تسوية بمعزل عن سوريا، وسأل منظمة التحرير عن مضمون ميثاقها.

ثالثاً: انتقد الرئيس الأسد، تلميحاً توجهات النظام الأردني في ما يتعلق بمشروعات التسوية المطروحة.

رابعاً: أكد ضرورة تحقيق الإصلاح في لبنان، ووقف الحرب، وعروبة لبنان والروابط التاريخية التي تشده إلى سوريا، كما تحدث عن الدور الذي قامت به سوريا لمساعدة لبنان.

خامساً: أكد الرئيس صيغة المؤتمر الدولي، وضرورة تضامن العرب وعدم تفرقهم حيال مشروعات التسوية.

 

** ** **


[1] الضوء الأصفر 175- 176- 177.

[2] كتاب الأسد، الصادر عن شركة المطبوعات، بيروت.

[3] إيلي سالم، لاالخيارات الصعبة ص: 463- 464، والصادر عن شركة المطبوعات للتوزيع والنشر عام 1993.

[4] إيلي سالم، الخيارات الصعبة ص 474- 475، والصادر عن شركة المطبوعات للتوزيع والنشر.

[5] الثورة 15 – 10-87.

[6] إيلي سالم، الخيارات الصعبة ص 476.

[7] إيلي سالم، الخيارات الصعبة ص 478.

[8] عبد اللـه بو حبيب، الضوء الأصفر ص 131.

[9] إيلي سالم، الخيارات الصعبة، ص 487.

[10] راجع جريدة السفير، 5 آذار 88.

[11] إيلي سالم، الخيارات الصعبة، ص 497.

[12] إيلي سالم، الخيارات الصعبة ص 497.

[13] الضوء الأصفر، ص 153- 154.

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25
« »
المصادر او الهوامش

معلومات النشر:

اعداد: العنكبوت الالكترونية

عنوان الكتاب: الأيادي السّود

تأليف: نجاح واكيم

الناشر: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر - بيروت

تاريخ النشر: 1998

إشترك في خلاصة التعليقات عدد التعليقات: (0 منشور)

المجموع: | عرض:

إكتب تعليق

البريد الالكتروني يبقى سرّي و لا ينشر
  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

- التعليقات الواردة من القراء هي مسؤولية أصحابها ولا تعبر عن رأي إدارة الموقع بالضرورة
- تتم مراجعة تعليقاتكم قبل نشرها عن طريق إدارة الموقع

- (سياسة نشر التعليقات)

تابعونا

  1. دول خليجية تحذر رعاياها من السفر إلى لبنان (5.00)

  2. وفاة "ملكة الديسكو" دونا سمر عن 63 عاماً (5.00)

  3. معارض صيني ضرير بمطار بكين متوجهاً لنيويورك (5.00)

  4. الاكتئاب لدي المراهقين .. له إشارات يجب الانتباه لها (5.00)

  5. صحف العالم: أمريكا "تعاقب" باكستان بعدد سنوات سجن أفريدي (5.00)

  6. فيلم منتظر يكشف تفاصيل اغتيال بن لادن (5.00)

  7. أستراليا: التيار الوطني الحر في سيدني ينعي فقيده المفكر و المناضل والاعلامي المخضرم الأستاذ بطرس عنداري (5.00)

  8. الرحيل المفاجئ (5.00)