إعلانات Zone 4B

[CLOSE]

إعلانات Zone 3B

[CLOSE]
أحدث الأخبار:

إعلانات Zone 2B

[CLOSE]
الرئيسية | ثقافة | رفوف المكتبات | الأيادي السّود (24 حلقة كاملة)
المصنفة ايضاً في: رفوف المكتبات

الأيادي السّود (24 حلقة كاملة)

آخر تحديث:
image
الكاتب:
عدد المشاهدات: 29082
قيّم هذا المقال/الخبر:
0
حجم الخط: A+ A-
نسخة صالحة للطباعة   نسخة نصية   أرسل إلى صديق
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25
« »

الأيادي السّود - مقدمة سياسية

 

الأيادي السّود - مقدمة سياسية (3)

 

حكاية البريستول

 

هل اندلع القتال في لبنان بشكل واسع النطاق في الرابع عشر من آذار 1989 مصادفة، أي بعد ستة أيام من ألقاء الرئيس الأسد لخطابه ذاك، وتحت عنوان "حرب التحرير" وما هي الملابسات التي أحاطت بتلك الحرب وأدت إليها؟

كان الجيش اللبناني بقيادة الحكومة التي كان يرأسها العماد ميشال عون، هو رأس الحربة في تلك الحرب؛ ولكن القوات اللبنانية التي يتزعمها سمير جعجع، لها دور فاعل تكشفت بعض جوانبه في ما بعد عندما اندلع القتال بين جيش العماد عون والقوات اللبنانية وفي المساجلات التي جرت بين العماد عون وسمير جعجع، تبين أن القوات اللبنانية هي التي بادرت إلى قصف بيروت الغربية عشوائياً، وهي التي بادرت إلى قصف القوات السورية في مناطق جبل لبنان.

كانت القوات اللبنانية على علاقة وثيقة بالمخابرات الأمريكية، وكانت تتلقّى توجيهاتها من السفارة الأمريكية؛ ولم تكن هذه هي حال العماد ميشال عون وحكومته الذي لم يكن على علاقة جيدة بالأمريكيين.

اندلع القتال ضد القوات السورية، في 14 آذار كما ذكرنا؛ واللافت أن العراق الذي كان قد خرج لتوّه من حرب الخليج الأولى مدججاً بالسلاح، قد أخذ يرسل الأعتدة العسكرية  للجيش اللبناني والقوات اللبنانية، كما كان يستقبل ممثلي القوات اللبنانية ويعدهم بالدعم، كذلك يلفت النظر الدور الذي قامت به قيادة ياسر عرفات في هذه الحرب، إذ أنها أرسلت مقاتلين وخبراء يعرفون بشكل جيد "المنطقة الغربية" لمساندة الحرب ضد السوريين، وكانت الولايات المتحدة توفّر الغطاء السياسي والمعنوي للذين يناصبون سوريا العداء، وكانت تدفع بحلفائها في الأنظمة العربية للضغط على السوريين وإحراجهم.

كان القتال في لبنان آنذاك يسبب إحراجاً وإرباكاً بالغين للسوريين، وفجأة وفي 15 أيار 1989، أعلن ملك المغرب الحسن الثاني عن الدعوة لعقد مؤتمر قمة عربية استثنائي في المغرب بين 23 و 27 أيار 1989.

كان العرب حضروا المؤتمر آنذاك، وأكثر ما لفت النظر هو حضور مصر التي كانت عضويتها في الجامعة قد جمدت، منذ التوقيع على اتفاقات كامب ديفيد، وكذلك فقد حضر الرئيس العراقي الخارج لتوه من حرب الخليج منتصراً ومؤيداً من قبل معظم الأنظمة العربية، وطوال أيام المؤتمر دأب الرئيس العراقي على شن الهجمات المتوالية على الرئيس السوري حافظ الأسد.

قلنا إنه في ذلك المؤتمر حضرت مصر لأول مرة بعد انقطاع دام عشر سنوات، من دون أن تتخلى على اتفاقات كامب ديفيد، كما كانت تشترط سوريا؛ وفي الجلسة الافتتاحية تكلم الرئيس المصري حسني مبارك، فتحدث عن النظام العالمي الجديد، وعن التحولات الكبرى التي يشهدها العالم، وتطرق إلى ضرورة إحداث تغير في نظرة العرب إلى عالمهم المتغير، وإلى إيجاد مفهوم جديد في مسألة الأمن القومي؛ وتحدث عن السلام بخاصّة، وأبرز ما قاله الرئيس مبارك في خطابه، عبارته الشهيرة آنذاك "ليست مصر هي التي تعود اليوم إلى العرب، ولكنهم العرب إلى مصر" وكانت تلك إشارة إلى ضرورة تعريب كامب ديفيد.

وبالعودة إلى نص البيان الختامي وإلى القرارات الصادرة عن المؤتمر يمكن تسجيل الملاحظات التالية:

1 ـ تفويض الملك الحسن الثاني، الذي كان له دور كبير في الإعداد للصلح المصري الإسرائيلي، السعي باسم العرب لعقد مؤتمر دولي للسلام.

2 ـ أكد المؤتمر الأسس التي قامت عليها خطة السلام التي أقرها مؤتمر القمة العربي الثاني عشر في فاس، وهي الخطوة التي عارضتها سوريا آنذاك، كما رحب بقرارات الدورة التاسعة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني، وأكد دعمه لمبادرة السلام الفلسطينية المستندة إلى الخطة المشار إليها، وهذا يعني بوضوح مباركة فصل المسار الفلسطيني عن المسار السوري في عملية التسوية.

3 ـ كانت هناك إشارة إيجابية واضحة للدور الذي يؤديه ملك الأردن حسين في ما يتعلق بموضوع التسوية، وهي سياسة لم تكن تلقى ارتياحاً لدى السوريين.

4 ـ شكل المؤتمر لجنة عربية ثلاثية، برئاسة ملك المغرب وعضوية ملك السعودية والرئيس الجزائري، من أجل العمل على وقف الحرب في لبنان، ومساعدته على انتخاب للجمهورية، وإقرار الإصلاحات الدستورية ووقف الحرب.

وباختصار، يمكن القول إنه ونتيجة للقتال الذي اندلع في 14 آذار، اضطرت سوريا إلى التنازل عن بعض ثوابت سياستها، لجهة التنازل عن الورقتين الفلسطينية والأردنية بخاصة، مع الإبقاء على نفوذ لها في لبنان، برعاية عربية شكلية، ولكن ذات مغزى والتي تمثلت بالرعاية المغربية الجزائرية السعودية.

الذين عاشوا في أتون تلك الجولة من جولات الحرب اللبنانية في صيف 1989 لم يكونوا ليصدقوا أن القتال سوف يتوقف في مدى منظور، لم يصدقوا أن قرار القمة العربية بشأن لبنان سوف يكون أكثر من مجرد حبر على ورق، ولكنهم في مطلع شهر تشرين الأول 1989 فوجئوا بالطائرات التابعة لشركة طيران الشرق الأوسط تقوم بنقل النواب اللبنانيين إلى مدينة الطائف في المملكة العربية السعودية.

كانت الأنظار شاخصة إلى ذلك المؤتمر وكان الكل يحاول استكشاف ما كان يجري داخل القاعات المقفلة، ولكن حتى أولئك الذين كانوا داخل القاعات، لم يكونوا يدركون بالكامل حقيقة ما كان يجري، ما هي الإصلاحات التي يجري الحوار بشأنها؟ من الذي يقترحها، وما هو مغزاها السياسي؟ ما هي حقيقة دور اللجنة العربية الثلاثية، ومن هم أولئك الذين كانوا على مقربة وثيقة من المؤتمر، يوحون ويحركون ويقررون؟

الولايات المتحدة لم تكن حاضرة بشكل علني، لكن وجودها هناك كان قويا، وسوريا أيضاً لم تكن حاضرة بشكل علني، لكن تأثيرها كان قوياً وحاسماً.

لن أتوقف كثيرا عند الوثيقة التي سميت وثيقة الوفاق الوطني، ولا عند البنود "الاصلاحية" التي تضمنتها، لكنني أسجل بشكل بالغ الإيجاز المغزى الحقيقي أو بالأحرى السياسي لهذا المؤتمر ولنتائجه وهي:

1 ـ إعادة تقسيم النفوذ الخارجي في لبنان بين الولايات المتحدة الأمريكية وسوريا بشكل رئيسي، مع الاعتراف أو التسليم بنفوذ محدود لجهات خارجية أخرى كفرنسا والسعودية وإيران وإسرائيل.

2 ـ يجري تجسيد هذا النفوذ الخارجي، من خلال الدور المعطى للطوائف السياسية في التركيبة الداخلية للسلطة، بحيث يكون المسيحيون بعامة من حصة أمريكا، ويكون الشيعة والدروز من حصة سوريا، ويتوزع السنة بين الولايات المتحدة والسعودية من جهة وسوريا منت جهة أخرى، مع غلبة واضحة للولايات المتحدة والسعودية، هذا مع تحديد حجم ودور كل طائفة سياسية في السلطة وهذا هو المغزى الحقيقي لما سمي بالاصلاحات التي وردت في وثيقة الوفاق الوطني، وجرى تكريسها في الدستور.

 

** *** *

 

لم يَكد النواب يعودون من الطائف، حتى بدأت وبسرعة الإجراءات الهادفة إلى إعادة بناء المؤسسات الدستورية، وبالرغم من المعارضة الشديدة التي أبدتها حكومة بعبدا برئاسة الجنرال عون، فإن النواب اجتمعوا في قاعدة القليعات الجوية، وانتخبوا رئيساً لمجلس النواب ونائباً للرئيس وهيئة المكتب، ثم في الجلسة نفسها انتخبوا المرحوم رينيه معوض رئيساً للجمهورية، وبعد أيام قليلة من هذا الحدث وتحديداً في 22 تشرين الثاني 1989 دوّى انفجار هائل في محلة الصنائع، أودى بحياة الرئيس معوض.

مرة أخرى وبسرعة، تمّت دعوة النواب للاجتماع في شتورة، وانتخب السيد الياس الهراوي رئيسا للجمهورية، أذكر أن اسم الهراوي كان مطروحاً بقوة بعد اغتيال رينيه معوض مباشرة، وحاول رئيس المجلس حسين الحسيني مع نفر من النواب، كنت واحداً منهم، العمل على الإتيان برئيس للجمهورية يوحي بالثقة للبنانيين، ويتمتع بمواصفات معقولة، لأن معرفتنا بالسيد الياس الهراوي كانت تجعلنا لا نحبذ هذا الخيار، ولم نكن مقتنعين بأنه يتمتع بمواصفات رجل الدولة المسؤول؛ حاولنا إقناع أكثر من نائب للترشيح لمنصب الرئاسة، وكان تركيزنا على شخص النائب بيار حلو، لكن الرجل رفض بعناد، فلم يكن هناك من خيار آخر غير الياس الهراوي.

وبسرعة ومن أجل تلافي أي مفاجآت كمثل تلك المفاجأة البشعة التي وقعت يوم 22 تشرين الثاني ومضاعفاتها المحتملة، دُعي الرئيس سليم الحص إلى شتورة بعد انتخاب الرئيس الهراوي مباشرة وتم تشكيل الحكومة الأولى على عجل.

كان معظم أعضاء الحكومة من النواب الذين شاركوا في مؤتمر الطائف، إضافة إلى اثنين هما وليد جنبلاط ونبيه بري لأسباب لا تخفى على أحد، وكانا مؤيدين لمؤتمر الطائف ونتائجه.

كان معظم أعضاء الحكومة الجديدة، من الطاقم السياسي التقليدي وشبه التقليدي، وكانت الأغلبية من غير المنتمين إلى أحزاب ميليشياوية؛ وكانت المهمة الأساسية للحكومة الجديدة، بل للسلطة الجديدة، إقرار "الإصلاحات" الطائفية التي نصت عليها وثيقة الوفاق الوطني في نصوص دستورية، والمهمة الثانية القضاء على تمرد العماد ميشال عون وحكومته.

بعد فترة قصيرة، التأم مجلس النواب في جلسة مهمة أقر فيها كل تلك التعديلات المطلوبة، ومن بين النواب الحاضرين كنت الوحيد الذي عارض تلك الإصلاحات، وبعد ذلك وفي 13 تشرين الأول 1990، قصفت طائرات سورية قصر بعبدا، واقتحمت مواقع جيش العماد عون الذي لجأ إلى السفارة الفرنسية مع أركان حكومته، ليغادر بعد ذلك بفترة لبنان إلى باريس.

على أثر عملية 13 تشرين، بدأ الإعداد لتشكيل حكومة جديدة، وكلف برئاستها الرئيس عمر كرامي، وبعد أيام قليلة، كنت في منطقة الشمال، عندما قطعت إحدى الإذاعات المحلية برامجها لتذيع أسماء الحكومة الجديدة، كانت أسماء الوزراء تنزل على رأسي مثل الصواعق، وكل الذين التقيتهم من عامة الناس في الطريق الطويل من الشمال إلى البقاع إلى بيروت، كانوا مصابين بالذهول.

لم يصدق أحد أن مثل هؤلاء يمكن أن يكونوا وزراء مسؤولين في دولة حقيقة، وأذكر أنه في إحدى الليالي اتصل بي صحافي معروف، وقال لي إن الرئيس كرامي عاتب علي لأنني لم أشارك في المشاورات، ورتب هذا الصحافي بعد ذلك بيوم، لقاء بيني وبين الرئيس كرامي في منزله في منطقة عين التينة.

كان معي في هذا اللقاء صديق مشترك بيني وبين الرئيس كرامي هو الأستاذ سايد فرنجية، جلسنا في إحدى الغرف الجانبية، وبادرني الرئيس كرامي بالسؤال: ما رأيك في هذه التشكيلة؟ قلت: هل حقيقة تريد رأيي؟

أضفت يا دولة الرئيس والدك رحمه اللـه ترأس إحدى الحكومات الأقصر عمراً في تاريخ لبنان السياسي ولكنه خرج كبيرا، وشقيقك رشيد رحمه اللـه أيضاً ترأس معظم حكومات ما بعد الاستقلال في لبنان، وخرج كبيرا، فهل يحتاج بيتكم بعد إلى لقب دولة الرئيس؟ لو سالت أي أم في لبنان، من الذي قتل ابنها؟ أو أي مواطن في لبنان من الذي هجّره ودمّر بيته؟ لأشار إلى واحد أو أكثر من وزرائك. ما هذه الحكومة؟

حكومة الميليشيات؟ هل تريد بعد رأيي فيها؟ قال الرئيس كرامي: هذه التشكيلة عرضت علي قبل ثلاثة أشهر ورفضتها، سألته ولماذا تقبلها الآن؟ قال إنها الظروف، وكان يشير بذلك إلى القوى الخارجية صاحبة النفوذ، أجبت ولكن هذه "الظروف" لا أقبلها من جهتي، وأرى ضرورة عدم الانصياع لها من أجل هذا البلد، ومن أجل هذا الشعب.

أثناء الحديث مع الرئيس كرامي، دخل ثلاثة ضباط سوريين كبار كنت أعرف واحداً منهم، كرر طرح السؤال نفسه الذي طرحه الرئيس كرامي، وأجبته الجواب نفسه. فسألني وكيف نحل الميليشيات إذا نحن لم ندخل هؤلاء في الدولة؟ لم أقتنع طبعاً بهذه الحجة وقلت: ولكنكم بهذا تذوبون الدولة في الميليشيات، وهذا بالضبط ما حصل.

الحكومة الثانية، أي حكومة الرئيس كرامي، كان معظمها من رجال الميليشيات، كانت لها مهمة وحيدة، وهي جعل قادة الميليشيات الطائفية طاقم السلطة في لبنان، وإبعاد كل الآخرين.

في عهد هذه الحكومة أدخل رجال الميليشيات إلى أجهزة الدولة وإدارتها وفي عهدها تم تعيين عدد من النواب في المراكز التي كانت قد شغرت بوفاة أعضاء في مجلس النواب، وإضافة تسعة آخرين ليصبح عدد أعضاء المجلس 108 نواب، معظمهم الذين جرى تعيينهم كانوا أيضاً من رجال الميليشيات، بعد ذلك بدأت أشعر بمدى تدهور مستوى مجلس النواب والحياة النيابية في لبنان عما كان عله في السابق.

إضافة إلى ما سبق فقد عمدت الحكومة تلك إلى تعيين عدد من جماعة السيد رفيق الحريري وأصدقائه في مراكز بالغة الحساسية في الإدارة وفي مؤسسات الدولة الحساسة، أذكر منهم بشكل خاص رئاسة مجلس الإنماء والإعمار التي أسندت إلى أحد الموظفين التابعين للسيد رفيق الحريري وهو الفضل شلق، وتعيين السيد ميشال الخوري حاكماً لمصرف لبنان بدلاً من الدكتور إدمون نعيم، ومحمد بعاصيري رئيساً لهيئة الرقابة على المصارف، وفي عهد هذه الحكومة أيضاً تم إقرار أحد أخطر القوانين في تاريخ لبنان وهو القانون رقم 117/ 91 أي قانون الشركة العقارية.

بعد ذلك مباشرة، وخصوصاً بعد تعيين السيد ميشال الخوري حاكماً للبنك المركزي بدأن نلمس لعبة خبيثة للتأثير على سعر صرف العملة الوطنية من أجل إسقاط حكومة الرئيس كرامي في الشارع، وبعد تدهور الوضعين الاقتصادي والمعيشي، كان ذلك من أجل رفع معاناة المواطنين إلى مدى خطير، تمهيداً لمجيء المنقذ رفيق الحريري.

كان المشاركون في تلك المؤامرة ثلاثة: رئيس الجمهورية الياس الهراوي، وحاكم مصرف لبنان ميشال الخوري وبالطبع رفيق الحريري.

في أحد أيام شهر نيسان، في نصفه الثاني على ما أذكر، كنت في زيارة لأحد الأصدقاء في البنك المركزي، وهناك التقيت بثلاثة أشخاص أعرفهم من قبل، وهم من كبار الموظفين في البنك، ومن المشهود لهم بالخبرة والعلم، كان الحديث يدور حول الأوضاع المالية، وحول التصريح الذي كان قد أدلى به الحاكم السيد ميشال الخوري حول انكفاء البنك المركزي عن التدخل في سوق القطع، من أجل ضبط سعر صرف العملة الوطنية، كانت الآراء متّفقة على أن هناك مؤامرة غرضها سياسي وأداتها مالية، ولكن هذه المؤامرة سوف تؤدي إلى خراب مالي واقتصادي كبير في لبنان.

خرجت من هناك وتشاورت مع بعض الأصدقاء، نصحني أحدهم، وليته لم يفعل، بأن أذهب إلى دمشق وأقابل نائب الرئيس السيد عبد الحليم خدام للتنبيه إلى خطورة ما يجري، ولكن للأسف وتحت وطأة الخوف من مغبة ما يدبر وما يمكن أن يصيب لبنان من جرائه على غير صعيد، مالياً واقتصادياً واجتماعيا وسياسياً، عرضت أمام السيد خدام وقلت: حبذا لو تستقيل هذه الحكومة اليوم حتى لا تسقط غداً، وحبذا لو يتم تشكيل حكومة من رجال نزيهين، أي من غير رجال الميليشيات، يتمتعونت بثقة الشعب اللبناني، وعلى مستوى عال من العلم والكفاءة، بحيث تبادر الحكومة الجديدة إلى اتخاذ إجراءات مالية ونقدية تنقذ لبنان من الوضع الذي يتخبط فيه، ومن الهاوية التي يُدفع إليها، وعرضت هذه الإجراءات بإسهاب.

فأجابني السيد خدام بالحرف: حكومة كرامي باقية إلى آخر العهد، ولا يستطيع أحد أن يمسها.

لم أقتنع بهذا الجواب، وعدت إلى بيروت، ولم أكن مطمئناً، وبدأ تداعي الأحداث والتدهور المتسارع في سعر صرف العملية الوطنية، وصولاً إلى 6 أيار.

لقد كشفت وقائع ذلك اليوم، أن عملية ما كانت قد دبرت في الخفاء، مستغلة النقمة الشعبية الناتجة عن الأوضاع المعيشية، وكانت بعض الأجهزة في الدولة، يحركها القصر الجمهوري، تشارك في الإعداد لذلك اليوم، وكان السيد رفيق الحريري وبواسطة أموال دفعها إلى جهات نقابية وإعلامية يعمل من أجل 6 أيار.

اجتاحت المظاهرات بيروت وعدداً كبيراً من المناطق اللبنانية وبعضها وصل إلى بيت الرئيس كرامي الذي لا يبعد أكثر من مائة متر عن القصر الجمهوري المؤقت، الذي كان يقين فيه رئيس الجمهورية، ولم تتدخل القوى الأمنية إلا بعد أن كاد المتظاهرون يقتحمون بيت رئيس الحكومة، صحيح أن النقمة بذاتها كانت قائمة بين أوساط الشعب اللبناني، ولكن عملية 6 ايار كانت برمتها مدبّرة.

وبعد ذلك تكشّف الكثير من الحقائق، ومنها أن السيد رفيق الحريري لعب الدور الأكبر عملية المضاربة في تلك الفترة، وقد حقق ربحاً صافياً خلال الشهرين اللذين سبقا 6 أيار وفي التاريخ عينه كما سيأتي شرحه فلي هذا الكتاب، يناهز الـ 400 مليون دولار.

على أثر سقوط حكومة الرئيس كرامي، كلّف الرئيس رشيد الصلح بتشكيل الحكومة التي لم تكن لها أية مهمة باستثناء واحدة، وهي الإشراف على إجراء الانتخابات النيابية، وكان عناصر هذه الحكومة هم من الطاقم نفسه الذي استولد من رحم الميليشيات ليتبوأ مراكز المسؤولية في الدولة.

لن أعود هنا إلى كيفية وضع قانون الانتخابات الجديدة، الذي فصّل على النتائج المطلوبة سلفاً، وقد خضنا معركة يائسة في مجلس النواب، ضد إقرار هذا القانون، وكنت والنائب الدكتور ألبير مخيبر أشد المعارضين له.

إن الانتخابات النيابية التي جرت في العام 1992، وبموجب القانون المذكور، حققت ما كان مطلوباً منها إلى مدى بعيد، ألا وهو تكريس الطاقم السياسي الجديد، والذي هو خليط من نوعين من الرجال ينضوون تحت عناوين: ميليشيات السلاح وميليشيات رأس المال.

في هذه الانتخابات ظهر بشكل أوضح دور السيد رفيق الحريري، الذي دفع مالاً كثيراً لترشيح عدد من أتباعه على اللوائح المعلّبة والمضمونة في غير منطقة من مناطق لبنان، وقد خضت تلك المعركة في بيروت ويمكنني من خلال مشاركتي في تلك المعركة وما كشفته لي الأيام بعد ذلك، يمكنني أن أعطي نموذجاً كيفية تدخل السيد الحريري في تلك الانتخابات.

في آخر أيام شهر رمضان المبارك، اتصل بي الرئيس سليم، وقال: أريد أن نجلس معاً ثمة أمور يجب أن نتحدث فيها.

في ذلك اليوم كانت ندوة العمل الوطني قد دعت إلى إفطار ألقى فيه الرئيس الحص خطابا، وسألني بعد أن فرغ من إلقاء كلمته ما رأيك؟ قلتله: مليح..

سألني متى نلتقي؟ أجبته: بعد العيد مباشرة إن شاء اللـه.

بعد أيام اجتمعت والرئيس الحص في مكتبه، فبادرني الرئيس الحص بالقول: ربما تجري انتخابات نيابية خلال شهرين أو ثلاثة، في هذه الحالة لابد لنا من خوض المعركة، أنت أول إنسان أفاتحه في هذا الموضوع واريد أن نتحالف سوية في هذه الانتخابات.

وكانت تربطني بالرئيس الحص علاقات مودة فأجبته: بالطبع يجب أن نخوض المعركة، ولكن لنتفق أولاً على المبادئ والأسس التي يمكن أن نخوض المعركة على أساسها معاً.

لقد طال الحديث حول هذه المسألة كثيرا، وكنا متفاهمين، ويمكن تلخيص النتائج التي توصلنا إليها في تلك الجلسة على الشكل التالي:

أولاً: إن أخطر ما نواجهه في الحاضر والمستقبل، هو مصادرة الحياة السياسية في لبنان بالكامل من قبل السلطة والذين يدعمونها.

ثانياً: إن تركيبة هذه السلطة من حيث نوعية رجالها باتت واضحة ومعروفة، وهذا الاتجاه سوف يتعزز في المستقبل، بما يكرس سيطرة ميليشيات السلاح وميليشيات رأس المال على السلطة وعلى الحياة السياسية في لبنان، وإلغاء كل البدائل الأخرى.

ثالثاً: نحن لا نستطيع في هذه الظروف أن نشكل سلطة جديدة وملائمة تنهض بلبنان الوطن والمجتمع8 من الحال التي أوصلته إليها الحرب، وذلك بسبب التدخلات الخارجية والانقسامات الداخلية، لذلك فإن الدور الذي يجب أن نقوم به هو أن نقدم من خلال الانتخابات نموذجاً للنخبة البديلة التي يمكن في المستقبل أن تقود الوطن وتبني الدولة وتنهض بالمجتمع، وذلك من خلال معركة بيروت، وما تستطيعه بالتحالف مع آخرين في كل لبنان، فإن اللائحة يجب أن نشكلها في بيروت، يجب أن تكون من عناصر مثقفة نظيفة غير طائفية، لا تنتمي لا إلى الإقطاع السياسي ولا إلى الميليشيات.

رابعاً: واتفقنا من حيث المبدأ على أن نشكل لائحة كاملة في بيروت، وأن نساعد على تشكيل "ميني لوائح" بحسب تعبير الرئيس الحص، في مناطق أخرى من لبنان.

بعد ذلك بدأت ألمس تغييرات عند الرئيس الحص، إلى أن اتصل بي في أحد الأيام، وفوجئت به في الاجتماع يقول لي ما رأيك بتمام "سلام" لن أسرد هنا كل الحكاية ولكن وباختصار، عارضت انضمام السيد تمام سلام إلى اللائحة.

استغرق الأمر عدة جلسات أصرّيت فيها على موقفي وأصر هو على موقفه، عندئذ قلت للرئيس: نحن في هذا مختلفان فليعمل كل واحد منا بحسب قناعاته من دون خلاف، ونتعاون حيث يمكننا التعاون، هذا ما اتفقنا عليه، وانصرفت، وبدأت أسعى إلى تشكيل لائحة يمكن أن تتكامل مع لائمة الرئيس الحص المفترضة، إلى أن أعلن السيد تمام سلام، وبعد تصريح أدلى به والده الرئيس صائب سلام من جنيف، عدم مشاركته في الانتخابات.

كان موعد الانتخابات قد اقترب كثيرا، وبمبادرة من صديق مشترك، التقيت والرئيس الحص، واتفقنا على خوض المعركة معاً، وكان يصر على ألا تكون اللائحة مكتملة، لم أفهم آنذاك لماذا هذا الإصرار.

قلت كانت الأيام القليلة التي تفصلنا عن يوم الانتخابات تمر بسرعة، واللائحة لم تكن قد تشكلت بعد؛ وأخبرني الرئيس الحص أنه زار بلودان بدعوة من السيد خدام، وكان ذلك قبل الانتخابات بيومين أو ثلاثة أيام.

لم تكن الأيام القليلة المتبقية تتيح أي إمكانية للمجادلة في الأسماء، فتقررت اللائحة وكانت تضم عن المسلمين السنة ثلاثة: الرئيس الحص والسيد محمد قباني الذي أصرّ عليه الرئيس الحص على الرغم من اعتراضات واسعة من قبل ندوة العمل الوطني، والدكتور أسامة فاخوري الذي رشحته أنا، وعن الشيعة محمد يوسف بيضون، وعن الكاثوليك المرحوم جوزيف مغيزيل، وعن الأرثوذكس نجاح واكيم، وعن الدروز عصام نعمان، وقررنا دعم الدكتور أسمر أسمر الذي ترشح منفردا ودعمته لائحتنا.

وفي أحد الأيام هبط علينا من الغيب اسم، لم أكن قد سمعت به من قبل، هو اسم السيد روبير دباس، وكان يؤيده بقوة، على ما أذكر اثنان: الرئيس الحص ومحمد يوسف بيضون، سألت ومن يكون هذا الرجل قالا: إنه رجل أعمال من عائلة أرثوذكسية في الأشرفية.

سألت: ولماذا تقترحانه الآن؟ وكنت أسأل بنية سليمة.

قال الرئيس الحص: تمثيل الشرقية في اللائحة ضعيف، أو هو معدوم، ومن الأفضل أن نطل على الشرقية باسم من المنطقة.

وبكل بساطة وحسن نية قلت: لا بأس فليكن.

فازت اللائحة كلها، ما عدا السيد دباس، وكان لهذا الفوز صدى طيّب في بيروت وفي كل لبنان، وفي مختلف أوساط الشعب اللبناني، وكان قد انضم إلى اللائحة نائبان آخران هما عبد الرحيم مراد ورياض الصراف.

 

*** **** **

 

في الحقيقة لم أكن أعرف آنذاك أن السيد رفيق الحريري سرّب إلى اللائحة عددا من المرشّحين المرتبطين به، وفي الوقت عينه رشح الحريري على اللائحة المنافسة عدداً من أتباعه بحيث يضمن فوز جماعته على هذه اللائحة أو تلك، وقد تبين لي فيما بعد أن الحريري لعب اللبعبة نفسها في دوائر انتخابية أخرى.

كان الشعب اللبناني يعبر عن سخطه على اللوائح المعلّبة التي فرضت عليه في مختلف المناطق، وكان ينظر إلى لائحتنا على أنها تشكل نموذجاً للنخبة البديلة عن الميليشيات، والتي يجب أن تتولى المسؤولية في لبنان، لم يكن الشعب اللبناني يعرف ولا أنا أعرف أن لائحتنا أيضاً معلّبة، ولكن العلاف كان برّاقاً، ولم يعكس حقيقة ما بداخل هذه العلبة، كما كشفت لي الوقائع بعد ذلك.

قلت اتفقنا قبل الانتخابات على أن نكون نحن طليعة المعارضة لأنه لم تكن لدينا أوهام حول طبيعة الحكم، رجالاً وطاقماً سياسيّاً أشرت إليه، وإذ في إحدى الليالي، وعندما كنت أعقد لقاء في مكان ما في بيروت، اتصل بي ابني جمال، ليقول إن الرئيس الحص طلبك بإلحاح، ويريدك أن تتصل به، كانت الساعة حوالي التاسعة مساءً، أو بعد ذلك بقليل.

كان أعضاء الكتلة قد اتفقوا على ترشيح الرئيس الحص لرئاسة الحكومة، على الرغم من معرفتنا بأنه لن يكون هو رئيس الحكومة القادمة، ولكن هذا القرار كان نوعاً من تسجيل موقف؛ كما تفقنا على ترشيح السيد محمد يوسف بيضون لرئاسة مجلس النواب، كتأكيد رفضنا وعدم انصياعنا لأية إيحاءات أو رغبات أو قرارات تأتي من أي جهة أتت.

اتصلت بالرئيس الحص فقال لي: نجاح نحن نعقد اجتماعاً طارئاً ويجب أن تحضر، ذهبت إلى اللقاء وكان الجميع هناك ما عدا الدكتور رياض الصراف، بعد فترة من الصمت، كانت النظرات فيها توحي بأشياء غامضة، قال لي الرئيس الحص، هناك متغير مهم حصل ويجب أن نعيد النظر في موقفنا.

سألته: وما هو هذا المتغير؟

قال: نزل رفيق الحريري..

سألته مبتسماً: إلى أين نزل؟

قال: هو المرشح لرئاسة الحكومة الجديدة.

سألت: يعني؟

قال: نحن لا نستطيع إلا أن نسمي رفيق الحريري في الاستشارات مع رئيس الجمهورية.

سألته: لماذا لا نستطيع؟

قال: ولو الحريري..

وكررت يعني؟

ثم أعدت التذكير بكل الأسس والمبادئ التي اتفقنا عليها، أعدت التذكير بالبرنامج الذي طرحته، بالنقاط الأساسية، لبرنامجنا الانتخابي الذي طرحنا على الناس، وقلت كيف نتخلى عن كل هذا وأمام الناس، فقط لأنه رفيق..

وما هي مؤهلاته؟ وطلبت منهم أن يذكروا لي مؤهلات ومشروع رفيق الحريري، لا الرئيس ولا الآخرون نطقوا بأي كلمة..

قلت هل لديه مؤهلات غير أنه ثري؟!

هل هذه مواصفات الرئيس الناجح، وسألت الحص: هل أنت ثري؟ ولكن كل هذا النقاش لم يغير شيئا، وبدأت منذ تلك اللحظة أحس أننا لا نختلف عن غيرنا في شيء، فقراراتنا تأتي أيضاً من طريق "الوحي".

لم نتفق في تلك الجلسة، وكنت أمام خيارين إما أن أترك الكتلة وكان ذلك طبيعياً ومنطقياً، وإما أن أقبل بحل وسط هو أن أعلن موقفي المخالف لإجماع الكتلة، ولا أسمي رفيق الحريري، وخوفاً من الصدمة التي يشكلها للرأي العام خروجي من الكتلة بما كان يوحي بانقسام من أول يوم، فضلت الخيار الثاني الذي ندمت عليه في ما بعد.

في اليوم التالي، قال لي الرئيس الحص: لا بأس نسمّي رفيق الحريري ولكن  لا نشارك في الحكومة، ثم بدأت ألمس ضغوطاً على الرئيس الحص داخل الكتلة لكي نشارك، وأخذ الرئيس الحص يتأثر بتلك الضغوط، فاشترط أن تتمثل الكتلة بثلاثة ثم باثنين، وعندما وافق على أن تتمثل الكتلة بواحد كان جواب الرئيس الحريري الرفض.

بدأ أفراد فريق الحريري في الكتلة يظهرون، وكانوا يعملون على محاولة تطويقي والتأثير علي بواسطة الرئيس الحص، من أجل تخفيف حدة موقفي، وكان الرئيس الحص يخشى من انفراط عقد الكتلة وهي لا تزال في بداياتها الأولى، وأذكر أنه في اليوم الذي سبق الجلسة الأولى لمناقشة البيان الوزاري التأمت الكتلة في اجتماع عقد في مكتب الرئيس الحص، وكان أول المتكلمين المرحوم الأستاذ جوزيف مغيزيل الذي قال: لنتفق في هذه الجلسة على تنسيق هذا القول، خصوصاً وأنني كنت قد علمت أن اجتماعات تعقد بين جوزيف مغيزيل وعبد الرحيم كراد ومحمد قباني وعصام نعمان من أجل التأثير على موقف الرئيس الحص وعلى موقف الكتلة.

وكان الغرض من الاقتراح الذي طرحه الأستاذ مغيزيل، والذي كان قد اتفق عليه في لقاء الأربعة هو محاصرتي والتأثير على موقفي، رددت على كلام الأستاذ مغيزيل: وهل اتفقنا على الموقف حتى نتفق على الكلمات؟

أجاب الأستاذ مغيزيل: ليش مش متفقين على منح الثقة.

سألته متفق مع مين؟

قال: الرئيس الحص في حدثه مع السيدة وردة في إذاعة صوت لبنان، قال إننا سوف نمنح الثقة.

أجبته: وهل السيدة وردة هي كتلة الإنقاذ والتغيير.

فقال الرئيس الحص: طيب نناقش الموقف.

الذين انبروا بحماسة فائقة لتأييد الرئيس الحريري كانوا ثلاثة، كشفت لي الأيام بعد ذلك أنه كانت لهم علاقات مالية بالسيد الحريري، الثلاثة كانوا محمد قباني، وعبد الرحيم مراد، وجوزيف مغيزيل، وكانت حججهم تتلخص بما يلي:

الحجة الأولى: هي الرجل جديد فلنجربه؛ والثانية: هي أن رفيق عنده إمكانات مالية كبيرة، أما الحجة الثالثة: وكانت الأثر مدعاة للسخرية، وجاءت على لسان الأستاذ محمد قباني، عندما نظر إليّ وقال: يا أخي رفيق أنا أحبه، فقلت له ضاحكاً، أما أنا فأكرهه.

سألني: لماذا تكرهه..

قلت: لسببين: الأول لأنك تحبه أنت، والثاني: قلت: يا محمد أنا أشفق على النساء اللواتي يبعن عواطفهن لقاء مال، وأحتقر الرجال الذين يبيعون مواقفهم لقاء مال، وأكره الذين يشترون عواطف النساء ومواقف الرجل بالمال.

لم أكن قد أدليت برأيي بعد، فطلب الرئيس الحص من الدكتور رياض الصراف الإدلاء برأيه، قال الدكتور رياض: بعد أن يتكلم نجاح.

أجبته لا، لن أتكلم فقال لي بصدق وبجرأة، والرجل على خلق رفيع واستقامة ونبل: يا أخي صحيح جديد فلنجربه، قلت له سوف أرد لكن سبقني الرئيس الحص إلى الكلام فقال أتكلم قبلك ثم تتكلم أنت لأنك تحمل رأياً مخالفاً.

قال أنا رجل محرج، أشعر بالإحراج، لأنني إذا عارضت سوف يقول الناس إنني محسود من رفيق الحريري.

بعد ذلك تكلمت، لم أذكر بالمبادئ والأسس التي اتفقنا عليها، ولكنني تحدثت بالضبط عن رفيق الحريري، وعن رجال الحكومة من جماعة الميليشيات من جهة، ومن المستخدمين لدى السيد الحريري من جهة أخرى.

قلت أولا: إن منح الثقة أو حجبها لا يتوقف على شخص فلان أو فلان، ولكن على كل تركيبة وبرنامجها، فهل نتحدث عن التركيبة، قالوا: لا عن رفيق.

أضفت إذا كنا نحن ضد الحرب فكيف نؤيد هذا الذي كان يمول الحرب، وذكرت لهم وقائع واعترافات كثيرة، وقلت إذا كنا نحن ضد الفساد فكيف نؤيد أحد أبرز عناوين الفساد والإفساد، وتحدثت ببعض التفاصيل وبالأسماء عن الرشاوي التي يدفعها الرئيس الحريري لرجال في السلطة وفي الإدارة وآخرين.

تحدثت عن العلاقة بين رفيق الحريري وجوني عبدو وزاهي البستاني، والتي تعود إلى العام 1978 وعن علامات الاستفهام الخطيرة التي تحيط بالرجل، ونظرت إلى الدكتور رياض الصراف، وكنت أقصد بكلامي الأستاذ جوزيف مغيزيل، وقلت: هل إن الرجل جديد نجرّبه أم إنه قديم نعرفه؟

ثم أخذت أضيف وقائع يعرفها الكثيرون، ويعرفها معظمهم أولئك الذين كانوا في الكتلة، وإذا بالدكتور رياض الصراف يضرب بقوة على الطاولة، وينظر إلى الرئيس الحص ويسأله: هل إن ما يقوله نجاح صحيح أم غير صحيح؟

لم يجب الحص في المرة الأولى، فسأله الدكتور رياض مرة جديدة وبإلحاح: أريدك أن تجيبني الآن هل إن هذا الكلام صحيح أم غير صحيح؟

فرد الحص: للأسف هذا الكلام صحيح، بل إنه جزء من الحقيقة.

فقال الدكتور رياض الصراف: يا دولة الرئيس لا تؤاخذني، قالها بأسى وبشيء من الحدة، إذا كان هذا الكلام صحيحاً ونحن نمنح الثقة للحكومة فهذه التي نحن فيها ليست كتلة وإنما..

لقد تبين لي فيما بعد، أن بعض من جيء بهم إلى لائحتنا إنما كان ذلك بفعل السيد رفيق الحريري، كذلك فقد عرفت الهوية الحقيقة للسيد روبير دباس الذي أسقط في آخر يومين على اللائحة، وعندما سألت الرئيس الحص والآخرين عن الرجل قالوا فقط إنه رجل أعمال، ونطل من خلاله على المنطقة الشرقية.

لم تكن المسألة مسألة المنطقة الشرقية، وإنما كانت الحريري، وعرفت أيضا، أن السيد الحريري كان قد دعم وصول ترشيح آخرين منافسين على اللائحة الثانية، فيكون الفائزون هنا أو هناك من جماعته، وهذا ما فعله في منطقة من لبنان والأمثلة كثيرة.

مع رفيق الحريري اكتمل عقد الطغمة السياسية الجديدة التي سلطت على البلاد، ومعه بدأ عهد جديد فمن هو هذا الرجل؟

 

** *** ***

 

ليس من السهل علي أن أحيط بكل الدقائق والتفاصيل المتعلقة بهذا الرجل، لأن الكثير من الخفايا لا تزال في الملفات السرية لأجهزة المخابرات التي كان لها شأن كبير في تفجير الحرب اللبنانية وإدارتها، وفي ضبط كل إيقاعاتها، وفي تويجه هذه الحرب نحو غايات وأهداف لا تتعلق فقط بلبنان بل تتجاوزه إلى موضوع المنطقة وما يسمى السلام في الشرق الأوسط.

ومن أكبر المآسي التي يعيشها لبنان، وكذلك بلدان كثيرة في هذا العالم "العالم الثالث" هو أن السياسة فيها تدار في كواليس أجهزة المخابرات التي تصنع رجالاً وترسم لهم وظائف وأدواراً، ولكن على الرغم من ذلك، فإن ثمة وقائع باتت معروفة، وثمة أسئلة أيضاً لا تتحمل الإجابات عنها الكثير من اللبس. من هو الرجل؟

شاب من صيدا من عائلة متوسطة بل أقرب إلى الفقيرة، لم يبلغ التعليم مرتبة تؤهله للكثير، فقط سنة أولى جامعية، غادر بعدها الجامعة إلى ميدان العمل في المملكة العربية السعودية، في تلك الصحراء القاسية.

في أول شبابه تعاطف مع حركة القوميين العرب، وبقي في مرتبة متواضعة إلى أن سافر إلى السعودية شابا في مقتبل العمريسعى وراء الرزق، الحياة هناك قاسية، عمل لفترة ليست بقصيرة محاسباً بأجر لا يكاد يكفي صاحبه إلا لما يبقيه على رمق الحياة، غاب هناك فقط سبع سنوات أو ثمان ليظهر فجأة في لبنان، في بدايات الحرب أو على وجه التحديد عام 1977- 1978.

في أوائل العام 1978 بدأ اسم الحريري يظهر في سماء لبنان، كان ذلك خلال الحرب الذي كانت مشتعلة، وتحديداً في مرحلة بداية انهيار "الهدنة" التي رافقت أول عهد الرئيس الياس سركيس، عامل إقليمي مهم طرأ في تلك الفترة، أدى إلى انهيار تلك الهدنة، ما هو؟

في 19 تشرين الثاني 1977، طار الرئيس المصري السابق أنور السادات إلى القدس، صحيح أن تلك الخطوة لم تأت من فراغ، ولكن التمهيد لها جدّياً قد بدأ عشية حرب تشرين التحريرية 1973، والدور أدّاه السيد هنري يسنجر وزير الخارجية الأمريكية آنذاك، ولكن على الرغم من ذلك، فإن زيارة السادات شكلت نقطة جديدة ومهمة في التحولات التي كانت تشهدها المنطقة.

تلك الخطوة عارضتها بقيادة سوريا التي كانت طرفاً في المعادلة اللبنانية، كما عارضتها أيضاً منظمة التحرير الفلسطينية التي كانت بدورها طرفاً في تلك المعادلة، ذلك الرفض السوري للزيارة أدى إلى تجديد الحرب في لبنان، إذ انطلقت الولايات المتحدة ومعها إسرائيل، من خلال قوى محلية للضغط على سوريا عن طريق تدمير الهدنة الهشة المشار إليها، وتجديد الحرب.

فبعد زيارة السادات تلك، والموقف السوري الفلسطيني الرافض، بدأت الجبهة اللبنانية بشن هجوم سياسي على الحكومة التي كانت قائمة، والتي كانت بتركيبتها تعكس توازنات تلك الهدنة.

في 9 شباط 1978، أطلقت قوة من الجيش اللبناني بقيادة الضابط سمير الأشقر، النار على وفد نيابي سوري كان عائدا من زيارة له إلى بيروت، لإجراء محادثات مع مجحلس النواب اللبناني، وتم احتجاز أعضاء الوفد في ثكنة الفياضية لساعات، قبل أن يتم الإفراج عنهم.

وبعد ذلك مباشرة اندلعت نيران القتال ضد القوات السورية في المنطقة الممتدة من بيروت إلى جسر المدفون، وما كان يمكن للقتال أن يندلع بهذه السرعة، وعلى هذا المدى من الاتساع، لو كان حادث الفياضية مجرد خطأ أو حادثاً فردياً، أي لو لم يكن الأمر مدبراً، اشتعل القتال في كل مكان، وعادت الحرب بشراسة أكبر.

في 14 آذار اجتاحت إسرائيل الجنوب في العملية التي سميت عملية "الليطاني" اجتمع مجلس الأمن وأصدر القرار رقم 425 الذي دعا إسرائيل إلى الانسحاب الفوري وغير المشروط من لبنان، لم تتمثل إسرائيل، لأن الولايات المتحدة الأمريكية كانت تدعمها في رفضها لتنفيذ قرار مجلسا لأمن، وبعد ذلك أقدمت القوات اللبنانية على اغتيال طوني فرنجية في قصر والده رئيس الجمهورية السابق سليمان فرنجية، لأنه ووالده رفضا سياسة حلفائهما في "الجبهة اللبنانية" بخاصة الكتائب والوطنيين الأحرار، حيث تكشفت في ذلك الوقت العلاقة الوثيقة بين أركان الجبهة اللبنانية وإسرائيل.

في ذلك الوقت، بدأ يبرز اسم بشير الجميل قائد القوات اللبنانية كقوة عسكرية وسياسية في لبنان، وإلى جانبه اسماه آخران هما زاهي البستاني أقوة مساعدي بشير الجميل، والمسؤول عن العلاقة بين بشير والإسرائيليين وجوني عبدو الرئيس السابق للمخابرات في الجيش اللبناني، الذي تولى عملية الربط بين بشير الجميل ورئيس الجمهورية السابق الياس سركيس، تمهيداً للإيتان ببشير الجميل رئيساً للجمهورية.

وتكشفت في ما بعد المعلومات عن زيارات متكررة قام بها جوني عبدو إلى إسرائيل، ولاسيما في مرحلة الإعداد لغزو لبنان، حيث تفيد معلومات موثوقة أن عبدو زار إسرائيل خمس مرات في الفترة ما بين شباط 1982 وحزيران 1982، كما أن لقاءات عدة حصلت في بيت جوني عبدو ضمت أرييل شارون ومسؤولين إسرائيليين آخرين من جهة، وضمت أيضاً أركاناً في الجبهة اللبنانية، إضافة إلى مسؤولين كبار في السلطة وفي الجيش.

في الفترة التي ظهرت فيها وبقوة أسماء هؤلاء الثلاثة بشير الجميل وزاهي البستاني وجوني عبدو، ظهر في مكان آخر اسم رجل لم يكن قد سمع به اللبنانيون من قبل هو رفيق الحريري، هل كان الأمر مجرد مصادفة أم ماذا؟

الحريري، فاعل خير، هذا ما قالواه، يملك ثروة أسطورية يعمل على تأمين منح دراسية للطلاب الذين يريدون متابعة تحصيلهم العلمي، الحريري بدأ يقيم علاقات مع رجالات الدولة وأقطاب السياسة، على هذا النحو ظهر اسم رفيق الحريري في البداية.

أسئلة كثيرة يمكن أن نطرحها في هذا المجال، كيف استطاع الشاب خلال فترة لا تزيد على السنتين، وهو لا يملك من مؤهلات العلم والاختصاص، ولا من مؤهلات النسب، ما يجعله يخترق مجاهل السعودية ليصبح خلال سنتين أو ثلاث، من أصحاب المليارات، فكيف تسنى له ذلك إذا؟!

ما الذي ولّد هذا الرابط بين الشاب الصيداوي المتعاطف مع حركة القوميين العرب، والذي هاجر إلى السعودية وهو في مقتبل العمر برئيس المخابرات في الجيش اللبناني جوني عبدو وبزاهي البستاني؟ لم تكن العلاقة معروفة آنذاك، ولكنها ظهرت بعد ذلك، وقد تحدثت عنها بعض الكتابات المتناثرة والمنقوصة، وعلى سبيل المثال كتاب "الضوء الأصفر" للسفير عبد اللـه بو حبيب.

بعد أن أتمت إسرائيل اجتياحها للبنان في العام 1982، وقبل أن تحتل الشطر الغربي من العاصمة، ظهرت فجأة جرافات رفيق الحريري "أوجيه لبنان) لتنزيل كل السوتر والدشم والتحصينات، من حول الشطر الغربي من العاصمة، الذي كان دخوله من قبل إسرائيل أمراً مكلفاً باهظ الكلفة، من الذي أوعز للحريري بأن يقوم بهذا العمل؟

بعد أن احتلت إسرائيل بيروت، وفرضت انتخاب بشير الجميل رئيساً للجمهورية، كان رفيق الحريري يقيم في أحد أجنحة أوتيل البريستول، يخطط لتشكيل الحكومة التي سيرأسها، ما الذي جعل ذلك الرجل يفكر في أنه سوف يكون رئيس حكومة العهد الجديد؟

أمّا لماذا يكلف الحريري بتشكيل الحكومة آنذاك، فالسبب واضح وقد أشرنا إليه سابقاً، إذ أن النتائج السياسية للغزو لم تتحقق كاملة كما أسلفنا القول.

إذن، يمكننا أن نستنتج أن الذين هيأوا رفيق الحريري، لم يريدوا أن يغامروا به في مرحلة لم تكن النتائج السياسية فيها ثابتة ومضمونة، وقبل أن نستطرد أكثر، نرى من الضروري الإشارة إلى بدايات الانهيار النقدي في لبنان، والذي لعبت فيه المضاربات المالية دوراً كبيراً، وكان رفيق الحريري هو اللاعب الأكبر في هذه المضاربات.

غاب الحريري عن الساحة بعد العام 1982، ولكنه عاد ليظهر مجدداً في العام 1985- 1986 على صورة موفد سعودي، يرافق الأمير بندر بن سلطان، لماذا في هذا العام بالذات؟ لنعد قليلاً إلى الوراء، لنراجع حديثنا عن تلك الفترة، أي التحول في السياسة الدولية للاتحاد السوفياتي، بعد صعود غورباتشوف، وما ترك ذلك من أثر على موقف سوريا من موضوع التسوية مع إسرائيل.

ثم تأتي الأيام لتكشف وقائع خطيرة جداً لم تكن معروفة آنذاك، منها على سبيل المثال، أن ذلك الرجل، المحسن الكبير، فاعل الخير المهتم بتعليم الشباب الذي يريد أن يساعد في عملية إعادة إعمار لبنان.. إلخ، كان يعطي الأموال الطائلة للميليشيات المتحاربة، هذا ما أقرّ به عدد غير قليل من قادة الميليشيات ولم يتمكن الحريري زمن النفي ولو مرة واحدة، فماذا يعني ذلك؟ وتأتي الأيام أيضاً لتكشف أن عدداً من الحروب التدميرية التي وقعت، كانت بتوجيه وبتمويل من قبل رفيق الحريري، أذكر على سبيل المثال حقيقة بات الجميع يعرفها، وهي أن معارك تدمير وسط بيروت قد موّلها رفيق الحريري.

وتكشف الأيام أيضا، أن مراسيم عديدة صدرت لتعديل نظام مجلس الإنماء والإعمار، الذي صار دولة ضمن الدولة؛ هذه المراسيم كان وراءها رفيق الحريري، ورشاوي رفيق الحريري.

هل تكفي هذه المقدمات للإشارة إلى حقيقة الرجل ودوره، وإلى حقيقة الطبقة التي استولت على السلطة في لبنان، وعلى هذا التحالف بين ميليشيات السلاح على تعددها، ورأس مالها المشبوه الذي يشكل الحريري العنوان الأبرز فيه؟

ربما يحتاج الأمر إلى استعراض بعض ما فعله الحريري، من موقع السلطة لتدمير الدولة في لبنان: مؤسساتها الدستورية، الدستور، القانون، مؤسساتها الإدارية، الاقتصادية، المالية العامة، المجتمع، كل هذا سوف نأتي على ذكره في الفصول التالية.

انتهت المقدمة السياسية

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25
« »
المصادر او الهوامش

معلومات النشر:

اعداد: العنكبوت الالكترونية

عنوان الكتاب: الأيادي السّود

تأليف: نجاح واكيم

الناشر: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر - بيروت

تاريخ النشر: 1998

إشترك في خلاصة التعليقات عدد التعليقات: (0 منشور)

المجموع: | عرض:

إكتب تعليق

البريد الالكتروني يبقى سرّي و لا ينشر
  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

- التعليقات الواردة من القراء هي مسؤولية أصحابها ولا تعبر عن رأي إدارة الموقع بالضرورة
- تتم مراجعة تعليقاتكم قبل نشرها عن طريق إدارة الموقع

- (سياسة نشر التعليقات)

تابعونا

  1. دول خليجية تحذر رعاياها من السفر إلى لبنان (5.00)

  2. وفاة "ملكة الديسكو" دونا سمر عن 63 عاماً (5.00)

  3. معارض صيني ضرير بمطار بكين متوجهاً لنيويورك (5.00)

  4. الاكتئاب لدي المراهقين .. له إشارات يجب الانتباه لها (5.00)

  5. صحف العالم: أمريكا "تعاقب" باكستان بعدد سنوات سجن أفريدي (5.00)

  6. فيلم منتظر يكشف تفاصيل اغتيال بن لادن (5.00)

  7. أستراليا: التيار الوطني الحر في سيدني ينعي فقيده المفكر و المناضل والاعلامي المخضرم الأستاذ بطرس عنداري (5.00)

  8. الرحيل المفاجئ (5.00)