إعلانات Zone 4B

[CLOSE]

إعلانات Zone 3B

[CLOSE]
أحدث الأخبار:

إعلانات Zone 2B

[CLOSE]
الرئيسية | ثقافة | رفوف المكتبات | الأيادي السّود (24 حلقة كاملة)
المصنفة ايضاً في: رفوف المكتبات

الأيادي السّود (24 حلقة كاملة)

آخر تحديث:
image
الكاتب:
عدد المشاهدات: 27758
قيّم هذا المقال/الخبر:
0
حجم الخط: A+ A-
نسخة صالحة للطباعة   نسخة نصية   أرسل إلى صديق

إعلانات Zone 6B

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25
« »

الأيادي السّود - مقدمة الملفات

الأيادي السّود - مقدمة الملفات

مقدمة الملفات

طلب صاحب "التيتانيك" الباخرة العملاقة في بداية القرن، من القبطان أن يزيد من سرعته، كي يحطم الرقم القياسي ويصل قبل الموعد المحدد، فقد أراد أن يلعب ضد الزمن، أو ربما لكسب الشهرة، حدث هذا في بداية القرن، وأعيدت التجربة سينمائياً، في نهايته، وشاهدنا الحكاية والمأساة.

اصطدمت الباخرة بجبل جليدي وانشطرت، وغرقت في المحيط إلى الأبد، غرقت الباخرة، وبقيت الحكاية.

قد يظن بعض القادة في العالم، أن الأوطان ملك شخصي لهم، فيتصرفون على هذا الأساس، ودائماً تكون نهايتهم مأساوية، وبالتالي نهاية أوطانهم، وهذا النموذج من الناس متوافر وبحزم في عالمنا الثالث، حيث الذي في موقع السلطة، يعتقد أنه حتى وقت بعيد قادر على اللعب ضد قانون الزمن.

وأعتقد أن صورة الوطن الذي نحن ننتمي إليه، لا تختلف كثيراً عن تلك الصورة، فالصوتيات التي تحدثها القيادات، وذلك الضجيج الإعماري، ومواسم الغبار والرافعات والجرافات، تطغى بذكاء على الصوت الآخر الذي ينادي من العمق، أننا ذاهبون إلى الغرق، وما تلك الرحلة نحو المستقبل، سوى رحلة شديدة المأساوية في نهايتها.

عادةً، يستطيع من هو في موقع القيادة أن يوهم بأنه يقود شعبه ووطنه نحو المستقبل، هذا إذا أحسن فن الإيهام عبر ورشة بناء منهمكة، أو عبر تقديمات تشبه هِبَات غامضة.

ففي حال غياب الحقائق، لا يرى العامة ماذا يحدث في الورشة أو في داخلها، فهم يشاهدنها من الخارج ويصدقون، حتى إن بعضهم قد يصدق أن الفضائح التي تدور في الكواليس هي شائعات بغية النيل من حسن نية القبطان، وشغفه بالبناء وبحب الوطن.

كما أعتقد أن بناء الأوطان والدول، شيء يختلف في الجوهر وفي العمل، عما يحدث اليوم في لبنان.

فالعقلية التي تدير هذه الورشية عقلية مقاول باطني، يلتزم أو يلزم بأسماء آخرين لمصلحته؛ والمقاول عادة يدرك أن في لعبة المناقصات والالتزامات هناك من يعرف كيف يقتنص الفرص لإيجاد السبل إلى كسب غير مشروع، هذا إذا كان على مستوى التزام جسر أو ملعب مثلاً أو نفق، فكيف إذا كان الأمر على مستوى التزام وطن أو بلد؟

بهذا المعنى، يبدو أن رئيس الحكومة رفيق الحريري، يتصرف كمقاول التزم وطناً، مثلما التزم ذات يوم في بدايات مشواره نحو الثروة قصر المؤتمرات في الطائف، مكان ولادة جمهوريتنا الثانية، ودخل آنذاك في التزامات بدون مناقشة في السعودية، ولعب لعبته مع الزمن والوقت، وكسب الرهان، وسلم القصر قبل الموعد، فهل يسلم التزامه الجديد في الموعد، أو قبل الموعد، ومتى ولمن وكيف؟

تساؤلات كثيرة تراود المرء وهو يتأمل في أفق المستقبل، وينظر إلى الوراء، ليرى أن الذي يحدث هو في العمق يشبه حكاية التيتانيك التي كانت تنقل الناس من زمن إلى آخر، ومن عالم إلى آخر، ينظر إلى الوراء ليرى أن الوطن يغرق تدريجياً، ولا يظهر منه سوى ما ينجز حديثاً، وذلك يشبه سارية سفينة غريقة، بقيت تلوح فوق سطح الماء تذكر بعالم غريق.

قد يظن بعضهم أن هناك مبالغة في الصورة، وأن الوضع هو أفضل من هذه النظرة التشاؤمية، لكن إذا استعرضنا بعض الحقائق، منذ أن جاء العهد بحكومته، لأدركنا فعلاً أننا ذاهبون نحو الغرق التام.

كانت أبرز النتائج الاتجتماعية السياسية للحكومة المالية والاقتصادية، هي إفقار الناس على نحو مريع، ففي دراسة للجنة الاقتصادية الاجتماعية في الأونيسكو لغرب آسيا نشرت عام 1995، تبين أن في لبنان أكثر من مليون مواطن من أصل عدد السكان والبالغ نحو ثلاثة ملاين ونصف المليون نسمة يعيشون دون خط الفقر، وهذه حادثة استثنائية في تاريخ لبنان.

ويوم جاء القبطان الذي وعد الناس بالربيع، تحدث عن خطة نهوض شاملة، وقدم نفسه كمخلص، وصدق بعضهم، ويفترض أن يصدقوا، لأن الكثيرين من اللبنانيين، أو الغالبية الساحقة منهم، كانوا قد غرقوا في لعبة الدول التي كان هو أيضاً لاعبها الأكبر، بعد أن استطاع أمين الجميل، بعبقريته الملهمة أن يفرغ خزينة الدولة من أجل شراء ستوكات أسلحة أمريكية جربها في حرب الضاحية، وتصرف آنذاك كمسمار حربوق، حيث كان يعرف، بالفطرة اللبنانية، أنه إذا دفع ثمن تلك الأسلحة نقداً تعلو نسبة العمولة، علماً أن العالم الصناعي حين يريد أن يتخلص من بعض نفاياته، وستوكان بضاعته يدفع لمن يخرجها من أرضه، لكن الحنكة التجارية تصل أحياناً لدى البعض إلى هذا المستوى من التجلي حتى لو كان الأمر على مستوى شراء النفايات السامة، مثلا، وطمرها فوق نبع الماء الذي يشرب منه ابن المسمار صاحب الصفقة.

لقد اعتقد أن الناس الذين وعدوا بربيع مشرق قبعوا ومازالوا قابعين في شتاء كاسر ومستديم، فالرجل الذي وصف برجل الإعمار والبناء، والذين زين صورته عملياً ببعض المشاريع، استطاع إيهام الناس أن الربيع قادم حتى لو تأخر قليلاً، لكن لو طرح بعضهم السؤال البديهي التالي: ماذا يريد السيد رفيق الحريري، هل يريد بناء وطن؟ فإذا كان الجواب "نعم" فلا بد من سؤال آخر: أين مشروعه السياسي؟

من الواضح أن السيد رفيق الحريري حين بدأن يحلم بمشروع في لبنان وللبنان، لم يستطع إلا أن يرسم مخططات لشركات تدرّ ربحاً عليه وعلى شركائه من البلاد وخارجها، عرباً كانوا أو غير عرب.

فهو لم يفكّر في لبنان وطناً أو دولة، بل فكّر فيه مكاناً للاستثمار، وهكذا فعل في مبادرات عديدة عبر شركة أوجيه، وعبر مجلس الإنمار والإعمار، وعبر رفضه لقيام مؤسسة رسمية كوزارة التخطيط والتصميم، وإصراره الدائم على تشريع شركات تقوم بمهمة الإعمار وتعيين موظفيه في مفاصل الدولة.

ويروي إيلي سالم في كتابه "الخيارات الصعبة[1]" أن السيد رفيق الحريري يوم زار الرئيس أمين الجميل في قصر بعبدا عام 1983، كانت ترافقه شاحنة تحمل مجسماً لمشروعه في بناء الوسط التجاري ويقول سالم: لقد فوجئنا جميعاً حين أفرغ عماله حمولة الشاحنة وانشأوا في إحدى قاعات القصر نموذجاً لوسط بيروت الجديد كما يتمناه، لا بل كما يحلم به، وما لم يقل سالم أن الحريري جاء حينها بمشروع آخر، وهو ردم ساحل المتن المسمى الآن مشروع جوزيف خوري، وفاوض الرئيس أمين الجميل على المشروع وعلى الأسعار.

يتابع سالم في كتابه:

وحين عرض السيد رفيق الحريري مشروعه آنذاك على رجل فيه شيء أصيل من صفات المقاول أو السمسار، لم أعرف ماذا دار بينهما من حوار، لكن يفترض أن يكون الرئيس الجميل قد سأله عن نسبة العمولة فيما لو وافق على تنفيذ ذاك المشروع.

وكان قبل ذلك، أن حمل مشروعاً آخر لتوسيع مرفأ صيدا وتحسين واجهتها البحرية، فقد كانت همومه بهذا المستوى، أو يفترض أن تكون بهذا المستوى؛ ولم تزل على هذا النحو حتى بعد أن أصبح رئيسا للحكومة، وصار بإمكانه كرئيس سلطة تنفيذية رسم مخططاتها في مكان بعيد عن الوطن وعن مفهوم الوطن، وهكذا استطاع تمرير مشروع قانون الشركة العقارية للوسط التجاري واستطاع ترسيخ مجلس الإنماء والإعمار بديلاً من وزارة التصميم والتخطيط، بل بديلاً عن الحكومة مجتمعة، كما استطاع إنشاء شركات خاصة كثيرة بديلاً من مؤسسات الدولة، كمؤسسة أليسار وأوجيرو، وسوليدير، سوف نستعرض هذه الشركات في فصل آخر.

في 13 تموز 1992، وقبل أن يصبح السيد رفيق الحريري رئيساً للحكومة، ألقى خطابه في الاحتفال الجامعي آنذاك، في الجامعة الأمريكية، اعتبر حينها بمثابة بيان وزاري.

ومما قاله في ذلك الخطاب: قضيتي هي الإعمار والبناء والتنمية، وسأدافع عن هذه القضية دفاعي عن لبنان ودوره ومستقبله، كل خطأ ممكن أن يغتفر إلا أن يبقى لبنان كما هو أسيرالخراب.. إن مقياس الوطنية هو العطاء والبناء وإزالة آثار الحرب عن اللبنانيين ومناطقهم، وإذا كانت هناك مهمة لرفيق الحريري في لبنان، فهي هذه المهمة.

هنا يكمن دور القادرين في بناء أوطانهم، وهنا تكمن مسؤولية الثروة في إعادة إنتاج المستقبل، وفي تفاعل المقتدرين مع مجتمعاتهم، فأي معنى للاقتدار إذا بقي المقتدرون يتفرجون على دمار بلادهم من الخارج، أو يبكون على الأطلال في الداخل؟ وأي معنى للاقتدار إن لم يسع أصحابه إلى ترجمته على الأرض، مفسحين المجال أمام مختلف قطاعات المجتمع للمشاركة في عملية البناء الكبرى للبنان عموما، ولبيروت خصوصاً، ولإعطاء هذه العملية ما تستحقه من جهد وطني، تتضافر فيه طاقات الدولة اللبنانية من مختلف الكفاءات والاختصاصات.

وفي مكان آخر يقول السيد رفيق الحريري: إن بصماتنا على التراث، هي جزء من تراثنا في حماية هذا الجانب من تاريخنا الوطني والثقافي والإنساني، هذا ما فعلناه في بيروت، وما فعلناه في صيدا، وهذا ما نتطوع له في العاصمة من جديد، وفي أي مكان من لبنان ولن تثنينا عن ذلك محاولات تتخذ من مسألة التراث متراساً للهجوم على قضية الإعمار، إن حماية آثار بيروت وتراثها العريق هي أمانة في ضمائر المعنيين بإعادة بنائها، وهي في أولويات اهتماماتنا، كما كانت منذ العام 1983 حين بادرنا إلى نفض غبار الحرب عن الوجه التاريخي للعاصمة.

لا أعتقد أن الثري بحاجة إلى طن، إنه يحاجة إلى مكان يستثمر فيه، وهذه المقولة نسبية وليست مطلقة، لكن الأثرياء دائماً يغادرون أوطانهم بحقائبهم حين يشعرون بخطر على ثرواتهم ومصالحهم، ويعودون في زمن السلم مجدداً ليستثمروا أموالهم في مشاريع البناء، وغالباً ما يكون خطابهم جاهزاً وعلى نحو تبشيري، والناس دائما تعتقد أن صاحب الثروة هو المنقذ، لأن صاحب الثروة قبل أن يطل بمشاريعه الإعمارية، والتي هي في جوهرها استثمارية، يمهد لذلك بهبات تقديمات، تتكشف أهدافها فيما بعد، وتكون نوعاً من الديون الذي تكون فائدتها أكبر بكثير من فائدة القرض الذي يوازيها من مؤسسة مصرفية، وتكون الصمت والموافقة على أي قرار أو ترتيب، حتى لو نال ذلك من الكرامات الشخصية.

فالكل يذكر تلك التي تسمى مساعدات ومنحاً، والكل يعرف ما قام به السيد رفيق الحريري من تمويل بعض الميليشيات، كما يروي السيد إيلي حبيقة في مذكراته، أو السيد وليد جنبلاط أو غيرهما في أحادث صحفية.

ألا يستحق هذا الأمر، مجرّد التساؤل عن هدف هذا الكرم النادر من رجل ثري والكل يعرف كيف تكونت تلك الثروة بهذه السرعة، وفي ظروف ترتيبات ومشاريع حلول في المنطقة.

وما كان ذاك الخطاب البيان في تموز عام 1992، في الجامعة الأمريكية، سوى الجواب عن هذه التساؤلات، ثم وبعد أشهر قليلة من ذاك التاريخ، أصبح السيد رفيق الحريري رئيساً للحكومة حاملاً مخططات لمشاريع وشركانت ذكرنا بعضها وسوف نأتي لاحقاً على ذكر بعضها الآخر، وكلّها تؤكد طموحه، ليس في بناء الوطن كما ورد في خطابه وفي بياناته الوزارية، بل في بناء امبراطوريته التي تجسدت أولاً في الشركة العقارية سوليدير، وكانت أولى مهام تلك الشركة، إزالة ذاكرة بيروت وتاريخها، أي عكس ما ورد في خطابه في الجامعة الأمريكية، والشاهد على ذلك تلك الآثار التي جرفت كلياً وأزيلت معالمها نهائياً.

وفي العام 1977 استحدث مجلس تابع للحكومة مهمته إعادة إعمار ما هدمته الحرب، وهو مجلس الإنماء والإعمار، كان السيد رفيق الحريري آنذاك ينتقل بين لبنان والسعودية وبلدان أخرى، وفي حقيبته عدة مشاريع وتصورات لإمبراطوريته المالية، وقد وجد في ذلك المجلس المستحدث مدخلاً مناسباً لطرح أفكاره، بما يتمتع به ذاك المجلس من صلاحيات واسعة غير خاضعة لأي رقابة، وبما أنه هو المقاول الناجح، صاحب المشاريع والمجسمات الجاهزة، كان من البديهي أن يعرف الطريق للوصول إلى رئاسة مجلس الإنماء والإعمار، وهكذا حدث، فقد استطاع المجيء بالفضل شلق إلى هذا الموقع، عبر علاقاته ونفوذه المالي، داخل السلطة وخارجها.

بعد الطائف، وفي عهد حكومتي سليم الحص وعمر كرامي، طرح مشروع قانون إنشاء وزارة للتصميم والتخطيط، مهمتها القيام بدراسات مشاريع إنمائية وإعمارية، تشرف عليها وتراقب تنفيذها، كي لا يبقى مجلس الإنماء والإعمار إدارة غير خاضعة لأي رقابة من الجهات المختصة، كديوان المحاسبة ومجلس الخدمة المدنية والتفتيش المركزي ومجلس النواب.

ومما يرويه الرئيس حسين الحسيني في هذا الشأن قوله: إن الرئيس الحريري كان من أشد المعارضين لإنشاء وزارة التخطيط والتصميم العام، ومن أشد المعارضين لتقليص صلاحيات الإنمار والإعمار، وبرزت معارضته هذه بداية مع الرئيس سليم الحص، واحتدت أكثر عندما أراد الرئيس سليم الحص إنشاء مجلس تخطيط، كي لا توكل مهمات التخطيط والإشراف والتنفيذ إلى مؤسسة واحدة، وشن آنذاك السيد رفيق الحريري حملة واسعة على الرئيس الحص، ويروي الرئيس الحسيني أنه يوم أصدر مجلس النواب القانون رقم 5/89 الذي أرجع لمجلس النواب صلاحيات الإنفاق العام، التي كانت منوطة بمجلس الإنماء والإعمار، واسترجع حق الإقراض والاقتراض والتسليف، وحق إعطاء كفالة الدولة المالية، لم يعد هناك من معنى لوجود مجلس الإنماء والإعمار دستورياً.

والقانون الذي أُقِرَّ عام 1976 صدر عام 1979، أي أنه بقي لمدة ثلاث سنوات نائماً في أدراج القصر الجمهوري، وهنا يمكننا التساؤل: هل هناك من صلى بين ذاك المجسم الذي حمله السيد رفيق الحريري إلى قصر بعبدا عام 1983، وبين تأخير إصدار هذا القانون؟ يأتي الجواب جلياً وواضحاً بعد أن تسلم السيد رفيق الحريري رئاسة الحكومة، حيث أصبح مجلس الإنماء والإعمار هو الحكومة الفعلية، بعد أن أحكم سيطرته الكاملة عليه وعززه وأعطاه صلاحيات إضافية، مخالفاً بذلك أحكام القانون 5/ 89، وبهذا المعنى أصبح السيد رفيق الحريري رئيساً للحكومتين، الحكومة الرسمية، وحكومة تنفيذ المشاريع الخاصة وهي مجلس الإنماء والإعمار، التي تقوم بمهمات الحكومة الفعلية.

فإذا كان مجلس الإنماء والإعمار في السبعينيات مدخلاً نحو السلطة فإن رئاسة الحكومة في التسعينيات أصبحت مداخل تفضي إلى العديد من المواقع داخل السلطة وعلى أطرافها، حيث استطاع السيد رفيق الحريري أن يحكم قبضته على المرافق الحيوية في القطاعات كافة.

فسيطر على القرار المالي من خلال موقعه في رئاسة الحكومة، واحتفظ بحقيبة المالية، وعين المالي فؤاد السنيورة وزير دولة لشؤون وزارة المال؛ وأتى بمستشار له وحامل حافظة توظيفاته في "الميريب لينش" رياض سلامة، حاكماً على مصرف لبنان، ومحمد بعاصيري رئيساً لهيئة الرقابة على المصارف، وشلّ عمل المجلس النيابي وهيئات الرقابة والمحاسبة المركزية، وغيّب دور مجلس الوزراء الذي ذهبت صلاحياته الفعلية إلى مجلس الإنماء والإعمار، وأنشأ العشرات من الشركات العقارية الوهمية التي لَزَّمها مشاريع الإعمار، وخصخص إدارات عامة ولزّمها إلى شركات تابعة له ولشركائه، ووضع يده على ملكيات الدولة العامة ومشاريع البلديات، إلى ما هنالك من ممارسات أخرى سنأتي على ذكرها في الفصول اللاحقة من هذا الكتاب.

أما الأخطر فهو الضغوط والتدخلات التي يمارسها على القضاء اللبناني، من خلال محاميه الخاص بهيج طبارة الذي سلمه حقيبة وزارة العدل، وسعى من خلاله لوضع يده على السلطة القضائية، وهذا ما دفع بمجلس القضاء الأعلى إلى إصدار بيان شديد اللهجة وصفته وسائل الإعلام بالبيان الثوري، انتقد فيه الواقع الذي يعيشه الجسم القضائي، داعياً إلى وقف التدخل في السلطة القضائية.

ونورد في ما يلي مقتطفات من هذا البيان لأهميته.

يقول البيان: إنه في اجتماعه المنعقد بتاريخ 19/2/ 1998 وبمناسبة كثيرة التداول في الشأن القضائي في الآونة الأخيرة، سواء عبر وسائل الإعلام أو عن طريق منابر أخرى، أو لدى الرأي العام، رأي مجلس القضاء الأعلى أنه لابد من إعلان ما يأتي:

1 ـ يحرص المجلس حرصاً شديداً على أن يقوم قضاة لبنان بواجباتهم على الوجه الأكمل، وبالتالي أن يتصدوا في إطار اختصاصاتهم لكل القضايا المرفوعة أمامهم، وذلك بفعل المسؤوليات الجسام الملقاة عليهم، وبدافع ضميرهم ومن مقتضيات الروح المناقبية المتأصلة فيهم.

وهو يرى في هذا الخط أنهم لم يتوانوا، ولن يتوانوا، عن تحمل الأعباء مهما ثقلت، وأن صدور مئة ألف حكم وقرار عن المحاكم سنوياً، أي بمعدل مائتين وخمسة وسبعين يومياً، يؤكد دورهم الأساسي في استتباب الأمن والاستقرار الاجتماعي والسلم الأهلي.

2 ـ يستحث المجلس القضاة جميعاً، على بذل المزيد من الجهود والتضحيات لتعزيز دورهم الرامي إلى إشاعة العدالة بين الناس، وإلى إضفاء المزيد من النقاء على صورة السلطة القضائية.

3 ـ يرى المجلس أن الحفاظ على سلامة العمل القضائي، ليس من مسؤولية القضاة فحسب بل هو مسؤولية المجتمع أيضاً بشرائحه جميعا، وهذا الأمر يستتبع سلامة في التعاطي مع السلطة القضائية، واجتذاباً لكل ما يسيء إلى مسارها الهادئ والمنيع، وعلى الأخص امتناعاً عن التدخل في الموضوع القضائي، كلما كان هذا التدخل رامياً إلى محاولة زعزعة الثقة بالقضاء باعتباره سلطة مستقلة، أو إلى محاولة زعزعة القضاة كونهم مستقلين في أداء وظائفهم، وفي اتخاذ القرارات المتلائمة مع قناعاتهم.

ويرى المجلس أن من وجوه مسؤولية المجتمع والسلطة في الإطار ذاته، القبول بنتائج الأحكام والقرارات المبرمة بروح المسؤولية والثقة والرضوخ لها وتنفيذها في حمى القانون، فالسلطة القضائية هي الملاذ الأخير لكل من انتهك حقه، فالكل إليها يحتكمون وفي ذلك مبرر لتميزها.

4 ـ يهيب المجلس بالمسؤولين عموماً، وبوسائل الإعلام خصوصاً ألا يفسحوا في المجال للتطرق إلى الشأن القضائي بطريقة بعيدة عن الموضوعية المطلقة.

5 ـ يشدد المجلس على أنه سيضاعف الجهود المبذولة في اتجاه تطوير أوضاع القضاة المادية والمعنوية، إذ ليس من الإنصاف في شيء أن يمنع القليل عمّن يعطي الكثير، وأن ينشغل وجدان القاضي بالهموم المادية البديهية، في حين توكل إليه أخطر المهمات، وقد اتخذ المجلس القرارات المناسبة بهذا الصدد، وكلف أعضاءه الدائمين متابعة تنفيذ القرارات مع المسؤولين.

ويؤكد المجلس في هذه المناسبة، على فهمه وتفهمه لمطالب قضاة لبنان وهو لم ولن يتوانى عن التعبير عمّا يختلج في نفوسهم من شعور بالغين يتحملونه بصمت وكبر ليس لسبب إلا لحرصهم على سلامة المؤسسة وحقوق المواطنين الذين تصدر الأحكام باسمهم.

6 ـ يود المجلس التذكير بأن القضاء هو سلطة تضمنها المادة العشرون من الدستور، وبأن موقع السلطة القضائية ومناعتها وكرامتها وكرامة القضاة، هي من الأركان الثابتة في كل أمان اجتماعي.

7 ـ وأخيرا أن تضطر السلطة القضائية إلى إصدار هذا البيان، وهي التي لا تتكلم عادة إلا عبر القرار والحكم، فهذا أمر يدعو إلى التفكير والتأمل.

كان بيان مجلس القضاء الأعلى صرخة في واد، حيث لم يرف جفنٌ لأهل الحكم ولم يثر فيهم هذا البيان أي تساؤل أو تأمل أو تفكير، كأنه صادر عن هيئة بعيدة عن الوطن أو عن مجلس في مكان وزمان آخرين.

ونتيجة لتمادي أهل الحكم وأصحاب النفوذ في التدخل اضطر عددٌ من القضاة للاستقالة، كي لا يصبح وضعهم كشاهد زور في قضايا إنسانية ومصيرية ووطنية؛ لذا فضل بعضهم المنزل كعزلة، أو العودة إلى ممارسة المحاماة للابتعاد عن دائرة الضغط والتجاذبات السياسية والطائفية والمذهبية.

ومن الذين دفعوا ثمن نزاهتهم، كان القاضي الدكتور أسامة العجوز والقاضي وائل طبارة، اللذان فضلا الاستقالة، على أن يكون ثمن ترقيتهما بيغع ضميريهما.

إن ملف القضاء ملف خطير ومتشعب، لذلك سنكتفي بما ورد في هذا الجزء من الكتاب، على أن نتطرق بشكل تفصيلي في الجزء الثاني لكل الملف القضائي ولكل المحاولات التي قام بها الرئيس الحريري لوضع يده على هذه السلطة التي تعتبر صمام الأمان الأول والأخير لبقاء الدولة والوطن.

 

 

السيطرة على المؤسسات

 

كانت معادلة السيد رفيق الحريري، لكي يحكم سيطرته على الوطن تقوم على الأسس التالية:

1 ـ نشر الفساد.

2  ـ شلّ مؤسسات الدولة، وإفلاس الخزينة.

3 ـ تطويق المعارضة، وإسكات أصواتها.

4 ـ السيطرة على وسائل الإعلام وشطب الصوت المعارض.

5 ـ شق الجسم النقابي.

وقبل مجيئه إلى السلطة وبعد مجيئه، بدأ العمل على هذه الصُّعد جميعاً، ليضمن نجاح مشروعه في استملاك الوطن وإقامة البديل عنه، امبراطورية خاصة.

 

شل مؤسسات الدولة

لم يكن العمل عى تحقيق هذه المعادلة صعباً أو مستحيلاً بالنسبة لإلى رفيق الحريري، كرجل مال ووكيل مشروع للاعبين كبار.

فمن الطبيعي أن يمهد لوصوله من خلال وصول لاعبين صغار إلى مواقع في المؤسسات، يحضرون له المناخ الملائم، ويؤسسون للمشروع الذي يحمله.

من أولى خطواته في هذا المجال، تلك التي تمثلت في الانتخابات النيابية عام 1992، حيث عمل في كواليسه على إيصال أكبر عدد ممكن من أتباعه إلى الندوة النيابية، وتم ذلك عبر تسخير مؤسساته وتمويل الحملات الانتخابية لهؤلاء، وقد نجح آنذاك في إيصال عدد لا بأس به إلى المجلس، لكنه لم يكن العدد الكافي لتأمين الأرجحية له.

في خريف 1992 تولى للمرة الأولى رئاسة الحكومة وبدأ العمل على تدعيم موقعه داخل مجلس النواب، وعلى خط موازٍ، ولضمان استمراريته واستمرارية مشروعه، عرف كيف يستغل بدعة ترويكا الحكم إلى أقصى الحدود، وهكذا نجح هو وشريكاه الرئيسان الهراوي وبري في اختصار مؤسسات السلطة بأشخاصهم، وبذلك شلّ عمل ودور المجلس النيابي ومجلس الوزراء، وأصبح أي قرار أو قانون مرتبطاً بمدى توافق ترويكا الحكم، بغض النظر عن موقف مجلس النواب والوزراء تجاه ذلك، وباختصار، أصبحت إدارات الدولة ومؤسساتها جميعاً موزعة بين أعضاء هذه الترويكا، حيث أصبح بالإمكان تقاسم الحصص والمغانم، التي على أساسها تسير أعمال الدولة أو لا تسير.

إذاً نجحت الترويكا بدايةً، في شل عمل المجلس النيابي؛ والأمثلة على ذلك لا تكاد تحصى، ويذكر اللبنانيون جميعاً تلك الجلسات العاصفة التي كانت تنقل مباشرة على الهواء، والتي طالما ظنوا قبيل انتهائها، أنها ستطيح الحكومة ورئيسها؛ لكنهم سرعان ما يدركون أنهم لمرة جديدة أمام "المسرحية" عينها التي يتوزع بطولتها ثلاثي الترويكا عبر بعض الكومبرس في المجلس. وتنتهي دائماً بالمصادقة: صُدق... صُدق.. صُدق ولا أحد يعرف من هو الذي رفع يده ومن هو الذي رفع الاثنتين.

لكن لابد من الإشارة هنا، إلى أن بعض الاعتراضات والمداخلات الدقيقة والموضوعية من قبل بعض النواب، كانت تنجح في إفشال تمرير بعض المشاريع الفاضحة، وبالتالي كانت في ذلك تدافع عن دور المجلس النيابي.

لم ترق للرئيس الحريري هذه الحركة الاعتراضية داخل مجلس النواب، رغم تقاسمه وشريكيه في الترويكا ولاءات غالبية أعضاء المجلس، ولتلافي إمكانية اتساع هذه الحركة وتأثيرها داخل المجلس، لجأ إلى بدعة طلب صلاحيات استثنائية بحجة تسريع العمل، وعدم الوقوع في روتين مُهل الدراسة والتعديلات والمصادقة على المشاريع داخل المجلس النيابي.

لكنه لم ينجح في نيل صلاحيات استثنائية مطلقة، إلا أن ما حققه من صلاحيات، أفسح له المجال لتمرير العديد من المشاريع دون العودة إلى مجلس النواب، ولاستكمال حركته الالتفافية على المجلس، لجأ إلى تنفيذ مشاريعه عبر المؤسسات العامة والمجالس والصناديق التي لا تخضع لأي رقابة من مجلس النواب، أو هيئات الرقابة والمحاسبة، وذلك لإفشال أي محاولة من قبل بعض النواب، لإخضاع أعمال هذه المجالس لرقابة المجلس النيابي، وهيئة التفتيش، وديون المحاسبة.

 

الحكومة

 

أما بالنسبة لمجلس الوزراء، والذي لم يتسنّ للمواطنين أن يشاهدوا جلساته على الشاشة، فهي في الواقع لم تختلف عن جلسات المجلس النيابي، إن كان من حيث تقاسم حقائبه بين أعضاء الترويكا أو من حيث قراراته ومراسيمه ومشاريعه، فهي أيضاً تخضع لنغمة صُدق... صُدق.. صُدق ويخرج وزير الإعلام منفرداً على الشاشات، ليعلن قرارات الحكومة التي تبدو دائماً، ناتجة عن توافق أو عدم توافق أو عدم توافق بين أبطال الترويكا الثلاثة.

لكن المثير للضحك وللمرارة في آن، هو أن كثيراً ما يطل بعد اجتماع للحكومة، رئيسها أو وزير الإعلام، ليعلن عن قرارات لم يتم التداول بها داخل الجلسة ولا خارجها، ويتفاجأ بعض الوزراء بصدور هذه القرارات، وبعدها يتفاجأ المواطن بعد تسربها إلى وسائل الإعلام، والمفيد هنا أن نورد واحداً من أمثلة كثيرة، لكنه ذو دلالة كبيرة، هو أنه ذات يوم أعلن عن قرارات جلسة تضمنت قراراً بالترخيص لتلفزيون الـ M.B.C السعودي، علماً أن هذا القرار لم يتم بحثه خلال الجلسة وأكد ذلك أكثر من ثمانية وزراء، بعدما افتضح.

في الواقع لم تكن هناك حكومة بالمعنى الدقيق للكلمة، هناك شخص واحد يختصرها عبر توزيع حقائبها الأساسية عليه، وعلى مستشارين له، وعلى شركاء له في المشاريع، وهو طبعاً السيد رفيق الحريري، الذي يتولى رئاسة الحكومة، ووزارة المالية ووزارة الاتصالات، ويتولى محاميه بهيج طبارة حقيبة حساسة وهي وزارة العدل، وسوف نأتي لاحقاً على ذر ما يجري داخلها، أما وزارة الدفاع فيتولى حقيبتها السيد محسن دلول، الذي تربطه بالرئيس الحريري علاقات مصاهرة إضافة إلى مشاريع مشتركة أخرى، لعلّ أبرزها شركات الهاتف الخلوي، والوزارة الحساسة الأخرى وزارة الداخلية، أيضاً للحريري مونة كبيرة على حاملها السيد المر، من موقع الشراكة في مجموعة من المشاريع أبرزها مشروع تطوير ساحل المتن الشمالي، كذلك وزارة الإعلام التي حرص على أن تكون دائماً من نصيب أحد الموالين له، بعد خروج "المناكف" ميشال سماحة، ليحل محله فريد مكاري، الذي عمل موظفاً لدى الحريري لسنوات عديدة في المملكة العربية السعودية، وبعده باسم السبع الذي ترك جريدة السفير، ليلتحق بفريق الحريري موظف براتب شهري، ثم انتقلت وظيفته وتمت ترقيته لكفاءته العالية في خدمة رئيسه ليصبح نائبا ووزيرا للإعلام ويبقى موظف يتفانا بخدمة رئيسه الحريري، على حساب الحريات والوطن، وكل هذا لقاء أتعاب تدفع من رئيسه، وأيضا وزارة النقل التي يتولاها السيد عمر مسقاوي ووزارة الموارد المائية والكهربائية التي للرئيس الحريري أفضال كبيرة على وزيرها ألخ.

يتبن لنا، من خلال هذا التوزيع للحقائب، أن الأساس منها والذي يسهم في انجاز مشروعه يتولاه شخصياً أو عبر أتباعه، أما بقية الحقائب فيتقاسمها شريكان في الترويكا، وله أيضاً فيها باع أو حصة أو مونة، وذلك لتداخل مصالح الثلاثة في الصفقات وتوزيع النغانم والتلزيمات.

 

ولأن الحريري ربما لم يطمئن الى استمرارية مثل هذه الحكومة ولا إلى شريكين متقلبي المزاج في الترويكا، تجمعه بهيما فقط مصلحة الصفقة فقد ركز وضعه نهائياً بحكومة بديلة وفاعلة وعملية، ولها كامل الصلاحيات، وهي مجلس الإنماء والأعمار الذي يسيطر عليه بشكل كامل.

ولأن الرئيسين الآخرين بري والهراوي هما أيضاً غير مطمئنين الى استمرارية التوفيق وتوزيع الغنائم، فربما جرى العمل على تثبيت الشراكة عبر تقاسم الإدارات العامة في تعين مدراء عامين بشكل يؤمن لهما نفوذاً داخل هذه الإدارات، فجاءت التعيينات الإدارية في أيار1993 مخالفة لأي معايير وإجراءات إدارية سوى تلك الخاضعة لمعايير تقاسم الحصص من هنا جرت التعيينات بدون استشارات مجلس الخدمة المدنية، ومعظم الذين عينوا كانوا من خارج الملاك ولم تختلف التعيينات التي جرت في الأعوام اللاحقة، فجاءت على القاعدة نفسها ولو استعرضنا أسماء الذين أصبحوا في هذه الادارات لوجدنا أن الكفائة الوحيدة التي تخولهم لهذه المناصب، انما هي مدى ولائهم لأصحاب النعمة والسلطة مع بعض الاستثناءات النادرة جداً.

 

هيئات الرقابة والمحاسبة

عندما أقر المشترع اللبناني إنشاء هيئات: التفتيش المركزي، ومجلس الخدمة المدنية، وديوان المحاسبة، وغيرها من هيئات الرقابة؛ كان يسعى من خلال ذلك إلى نوع من التكامل مع المجلس النيابي، في مراقبة وضبط وتصويب عمل السلطة التنفيذية في إدارتها لشؤون البلاد، وإلى منع احتمال حدوث أي خلل أو استغلال للمواقع، من أجل المصلحة الشخصية والتنفيعات، وما شابه ذلك من انحرافات في أداء المسؤولين.

من الطبيعي أن تشكل هذه الهيئات والمجالس حجر عثرة أمام مشروع الحريري، لو سُمح لها أن تؤدي دورها؛ لذلك مثلما عمل على إبطال وشل دور المجلس النيابي، كان لابدّ له من القفز فوق هذه الهيئات، وإفراغها من مضمونها عبر تهشيمها وعدم إشراكها في الرأي، وقد نجح في ذلك بمساهمة ومساعدة شريكيه اللذين التقت مصالحهما الشخصية معه في تعطيب دور هذه المجالس.

أولى تجليات توافق ترويكا في تهميش دور هذه المجالس، كانت عام 1993 في التعيينات الإدارية التي تمت على مبدأ تقاسم الحصص، وليس على مبدأ الكفاءة والنزاهة كما سلف الذكر، وطبعاً جرت تلك التعيينات وما لحقها من مثيلاتها في السنوات التالي، دون العودة إلى مجلس الخدمة المدنية، الذي يفترض أن يبدي رأيه في ملفات المرشحين وهذا ما أدى إلى فتح ابا البازارات داخل الوزارات، حيث أصبح كل وزير يوظف على هواه داخل وزارته، دون العودة إلى مجلس الخدمة المدنية، والمثل الصارخ على ذلك، هو ما جرى في وزارة الموارد المائية والكهربائية التي اعتمد وزيرها مبدأ تعيين موظفين بالتكليف، خلافاً لتعميم مجلس الخدمة المدنية الرقم 11 الصادر بتاريخ 12/ 10/ 1995 والذي دعا المؤسسات العامة والإدارات والبلديات المشمولة بصلاحيته، إلى إلغاء حالات التكليف النافذة لديها، والإقلاع عنها في المستقبل، تحت طائلة الملاحقة المسلكية، وذلك لمخالفتها أحكام المادة 49 من نظام الموظفين، واللجوء إلى اعتماد التعيين بالأصالة أو التعيين بالوكالة، وتفعيل حالات الإنابة عند الاقتضاء.

ورغم هذا التعميم، فإن الوزير حبيقة أصرّ على المضيّ في إجراءاته وقراراته؛ الأمر الذي دفع بمجلس الخدمة المدنية إلى رفع هذه القضية إلى مجلس الوزراء، لكن مجلس الوزراء قرر، خلافاً لأي توقع توجيه دعوة صريحة إلى الإدارات والمؤسسات العامة والبلديات للاستمرار في التكليف وعصيان قرارات مجلس الخدمة المدنية، وهذا أمرٌ قد لا يحصل في أي دولة تدّعي المدنية واحترام القوانين.

هذا المثال نموذج لحالة من عشرات الحالات المماثلة التي تحدث في كل مؤسسات الدولة وإذا عدنا إلى التقارير والتعاميم الصادرة عن مجلس الخدمة المدنية لما استطعنا إحصاء المخالفات والإنحرافات التي عددتها، وقد حمل تقرير من هذه التقارير صدر في أواخر حزيران 1995 تحذيراً واضحاً من مغبة الاستمرار في خرق القواعد والقوانين بالتوظيفات، ويقول التقرير: آن الأوان لكي نقلع عن عمليات خرق المبادئ العامة للتوظيف والقواعد العامة التي ترعى عملية التوظيف منذ العام 1959 والتي تركز على المباريات باعتبار أنها الضامن الوحيد لأعمال قواعد الجدارة والاستحقاق، إن هذا الخرق المتوالي للدستور من جهة ولقواعد التوظيف العامة من جهة ثانية سيؤدي، إذا استمرّ للإساءة إلى الوظيفة العامة وبالتالي إلى تعطيل دورها كلياً.

نكتفي بمضمون هذا التقرير، وبما أوردناه من نماذج، لنبين مقدار الخروقات والتجاوزات التي تحصل في هذا المجال.

 

ديوان المحاسبة

قد تساوي تقارير ديوان المحاسبة التي تبين كمية الهدر والسرقات، إذا جُمِعت في مجلدات، عدد الكتب في المكتبة الوطنية قبل أن تُسرق خلال الحرب.

لقد عُطل دور هذا الديوان نهائياً منذ العام 1994 بعد تقريره الشهير وكأنه في ذلك، أي الحريري، أبطل شهادة شاهد قبل ارتكابه الجريمة، ففي بلد يُعاد بناؤه وإعماره، بعد سنوات حرب طاحنة، من الطبيعي أن ترصد له مبالغ ضخمة من أجل إعماره، ومن الطبيعي إذاً أن تنشط الهمم لإزاحة الشاهد من الطريق والذي يفترض أن يكون له الدور الأساسي في عملية مراقبة كيفية صرف هذه الأموال وتوظيفها.

لذلك، ومنذ اللحظة الأولى، تم تهميش دور هذا الشاهد الذي هو ديوان المحاسبة كي لا يبقى رقيباً يحاسب من تهافتوا على التلزيمات والصفقات والتي عبرها تتاح السرقات ويُشَرّع النهب للمال العام.

وفيما لو استعرضنا التقارير الصادرة عن ديوان المحاسبة لتبين لنا بوضوح كيف يتم تهميش دور هذا الديوان من خلال التلزيمات التي كانت تحصل بمنأى عن رأيه والتي لا يتم إبلاغه بها، إلا بعد أشهر من تاريخ توقيع العقود وبدء التنفيذ، وفي بعض الحالات يتم إبلاغه بعد إنجاز المشروع نهائياً، بحيث لا يعود لرأيه أي معنى لو أراد إبداء ملاحظاته.

وفي حالات نادرة تعرض عليه مشاريع تلزيمات قبل استدراج العروض عليها لاستطلاع رأيه، ولكن رغم أن هذه الحالات هي حالات نادرة، فإن التلزيمات تجري دون الأخذ بالرأي الذي يبديه، وكأن ذلك كمثل رفع العتب والضحك على اللحى، كما يقال.

وفي معظم الأحيان تكون هذه التلزيمات قد تمت سراً وبالتراضي خلال مهلة درسه للمشروع، لتصبح تلك "اللعبة" من الأحداث النادرة التي تشبه نوادر جحا.

في تقريريه السنويين اللذين رفعهما عامي 1993 و 1994 حذر ديوان المحاسبة المسؤولين من المضي في سياسة التلزيمات بالتراضي، وكشف تقرير الصفقات العمومية خلال العام 1993 بمجمل الإدارات والمؤسسات العامة والبلديات الخاضعة لرقابة الديوان بلغت نحو 1269 معاملة: 528 معاملة اعتمدت فيها طريقة التلزيم بموجب المناقصة العمومية أو استدراج العروض و741 معاملة لجأت من خلالها الهيئات المذكورة إلى طريقة الاتفاق بالتراضي، بحيث أن نسبة الاتفاقات بالتراضي في صورة عامة إلى مجمل عقود تنفيذ الصفقات العمومية من حيث العدد تقارب الـ 58%.

ويشير التقرير إلى أن مجموع ما أنفق على الصفقات العمومية الخاضعة للرقابة المسبقة للديوان، قد بلغ خلال العام 1993 نحو 331 مليار ليرة لبنانية منها 245 ملياراً تعود إلى الاتفاقات بالتراضي، والبقية ومقدارها 86 ملياراً، تتعلق بالصفقات الجارية بواسطة التلزيم بالمناقصة العمومية، أو استدراج العروض.

ويؤكد التقرير، أن هذه الأرقام تُظهر الممارسة العملية لدى هيئات القطاع العام الخاضعة للرقابة المسبقة للديوان، تنطوي على خروج عن المعادلة التي بربط القاعدة بالاستثناء، وفي شكل يقلب هذه المعادلة بحيث أضحى اللجوء إلى الاتفاق بالتراضي، الذي هو طريقة استثنائية، عملاً عادياً، وأصبح اعتماد طروقة التلزيم التي تعتبر القاعدة في تنفيذ الصفقات العمومية هو الاستثناء.

وفَجّر تقرير مشترك لأجهزة الرقابة، فضيحة أثناء مناقشة لجنة المال والموازنة في المجلس النيابي لمشروع العام 1997، حيث بيّن هذا التقرير، هدر مبالغ كبيرة، غير مبررة مقارنة مع موازنة 1996.

ومن الأمثلة التي أوردها: أن الحكومة ترصد في موازنتها 247 مليون ليرة بدل أسمدة وبذور وشتول لحديقتي القصر الجمهوري وقصر الحكومة، أي ما يساوي 3و0% من مجموع نفقات الموازنة وموزعة على الشكل التالي: 142 مليون ليرة لحديقة القصر الجمهوري و105 ملايين ليرة لحديقة مجلس الوزراء مشيراً إلى أن المبالغ ارتفعت مائة في المائة بين عامي 1996 و1998.

ويورد التقرير أن الإدارات الرسمية تدفع من أموال المكلف اللبناني، أي المواطن 895 مليون ليرة نفقات للمستشارين أي ما يوازي 21و1% من مجموع نفقات الموازنة العامة.

كما أشار إلى أن النفقات المرصودة للدراسات، والتي يبلغ مجموعها ملياراً ومائتين وخمسين مليون ليرة، موزعة على الإحصاء المركزي ووزارتي الموارد المائية والكهربائية والسياحية وتشكل 7و1% من نفقات الموازنة، وبذلك تشكل الدراسات والاستشارات التي يقدمها المستشارون نحو 3% من مجموع نفقات الموازنة العامة.

ولفت التفتيش المالي، إلى فوارق كبيرة ونفقات كثيرة في أبواب من الموازنة غير مبررة؛ فمثلاً ارتفعت بدلات الأتعاب في وزارة المالية من 644 مليون ليرة عام 1996 إلى 806 ملايين عام 1998، كما ارتفعت تعويضات الأعمال الإضافية من 400 مليون ليرة إلى مليار ليرة في موازنة 1998.

وفي موازنة الزراعة، لفت التقرير إلى علامة استفهام كبيرة، وهي تخصيص مبلغ 480 مليون ليرة كمساهمة لمجلس الصيد البري متسائلا: لماذا هذا الاعتماد في ظل سياسة حماية البيئة بمنع الصيد البري.

وطرح التقرير أيضاً علامات استفهام حول اعتمادات الجزء الثاني من موازنة وزارة الموارد المائية والكهربائية، التي تنفذ بالتراضي، ومن دون تفصيل للمشاريع في متن الموازنة.

وقد تضمن التقرير السنوي لهيئة التفتيش المركزي للعام 1995 ملاحظات خطيرة عن أوضاع الإدارة العامة، ومؤسساتها، وسير العمل فيها وأشار إلى صعوبات كبيرة فرضتها ظروف معينة واجهته في عمله، وأن بعض إدارات القطاع العام ومؤسساته العامة مازالت تفتقر إلى تحديد واضح لأوضاعها القانونية والتنظيمية، على الرغم من أهمية هذه المرافق على الصعيدين الاقتصادي والمالي، وأورد على سبيل المثال أوضاع شركات ومؤسسات كمصافي النفط في كل من الزهراني وطرابلس وأوجيرو والريجي، وإدارة واستثمار مرفأ بيروت التي تعمل بمنأى عن أية رقابة.

وكشف هذا التقرير عن هيمنة مستشاري الوزارات وبعض القيادات الإدارية على الموظفين التنفيذيين، مشيراً إلى أن ذلك أصبح ظاهرة خطيرة تنعكس سلباً على سير العمل الإداري، وتساهم إلى حد بعيد بقيام هؤلاء الموظفين بأعمال نتيجة للضغوط التي تمارس عليهم وتضعهم في موضع المساءلة، في الوقت الذي يكون فيه المستشارون والمعاونون خارج هذا الإطار.

ويشير التقرير إلى وجود إدارات ومؤسسات ذات طابع عام، لا تزال تعمل خارج رقابة التفتيش المركزي، وذلك رغم تضخم أرقام موازناتها السنوية، التي أصبحت تقدر بمليارات الليرات اللبنانية، ومن هذه الإدارات مجلس الإنماء والإعمار، إدارة واستثمار مرفأ بيروت، أوجيرو، مصافي النفط، إدارة حصر التبغ والتنباك.

إن هذا العرض الموجز لبعض تقارير هيئات الرقابة والتفتيش وديوان المحاسبة، يؤكد أمراً واحداً، هو أن هناك إصراراً وتعمداً على تهميش دور هذه الهيئات، وتعمداً لتعطيل دورها بهدف إبقاء المال العام عرضة للنهب والسرقة، وبهدف إطلاق يد المسؤولين بالتصرف بمقدرات البلاد دون رقيب أو حسيب، ولو لم يكن الأمر على هذا النحو، لكان يكفي تقرير واحد من هذه التقارير للإطاحة بالسلطة التنفيذية مجتمعة، في بلدٍ يعتمد الحد الأدنى من الديموقراطية والشفافية.

 

الإصلاح الإداري

قد تكون هذه القصة التي سنرويها في هذه السطور دليلاً شديد البلاغة على حال الفساد والعشوائية والفوضى والخراب داخل إدارات الدولة، والقصة كما رواها أحد الوزراء، تقول: إنه في إحدى جلسات مجلس الوزراء التي انعقدت في أواخر تشرين الأول من العام 1996، والتي تم خلالها تعيين مدراء عامين، كان كل وزير يرشح اسماً يخصه لمنصب مدير عام، وقد طرح أحدهم الاسم الحقيقي جورج ش. وبعد صدور المرسوم تبين أن ش. هو لقب وأما الاسم الحقيقي في الهوية هو جورج ز. وعبثاً حاول الوزير العام المعين إقناع المعنيين في مجلس الخدمة المدنية بأن جورج هو الشخص المعين بمعزل عن الخلط بين الكنية واللقب، لكن مجلس الخدمة المدنية أصر على أن المرسوم صادر باسم جورج ش. ولابد من حضور حامل هذا الاسم، أو تصحيح المرسوم بمرسوم آخر.

بالطبع كان الأمر محرجاً بالنسبة للوزير الذي حاول تجنب طرح الموضوع مجدداً داخل المجلس، لكنه اضطر لعرض الموضوع أخيرا، بعنوان "تصحيح بعض الأخطاء المطبعية".

هذه الحادثة وغيرها الكثير، تلخص حال الخراب التي تعيشها مؤسسات الدولة.

وبالطبع فإن هذا الموضوع الإداري المهترئ له جذور تمتد إلى ما قبل الحرب الأهلية، وقد أسهمت بالإجهاز عليه وباهترائه لذلك كان من العناوين الأساسية في مؤتمر الطائف التي نصت إحدى موادها على إجراء إصلاح إداري يسهم في نهوض الدولة.

وقد استحدثت من أجل هذه الغاية وزارة جديدة للإصلاح الإداري عام عملها في الإطار النظري، لأن الطبقة الحاكمة لا يمكن أن تحقق أمراً مناقضاً لهدفها، فكيف لطبقة فاسدة أن تقوم بإصلاح وضع فاسد؟ ثم إن الشعار الذي طرحه الحريري منذ مجيئه بأن الدولة هي تاجر فاشل، أيضاً يؤكد رغبته باستمرار حال الاهتراء، ولقد أسهم في ذلك عملياً عبر إنشائه إدارة موازية وإدخال موظفين تابعين له إلى المؤسسات، بغاية تخريب الوضع الإداري، وذلك من أجل إثبات صحة شعاره، ومن أجل تخصيص المرافق المنتجة في الدولة.

وهكذا فعل على صعيدين، تمثل الأول باحتواء موظفين في الإدارات الرسمية عبر منحهم مخصصات إضافية، وبإدخال موظفين جدد تابعين له، وتمثل الثاني بإنشاء مؤسسات بديلة تابعة له، وهذا يعني أنه أنشأ إدارة موازية على حساب إصلاح الإدارة الرسمية.

وفي بداية العام 1993، جرت صفقة التعيينات الإدارية الأولى بعد الطائف، والتي كانت عبارة عن فضيحة كبرى كشفت إداعاءت ترويكا الحكم، إذ أن هذه التعيينات جاءت لترسيخ سياسة تقاسم الحصص والمغانم بين أعضاء الترويكا، ولم تخضع لأي شرط آخر متعلق بالكفاءة والنزاهة، ولا لأي اعتبار قانوني أو عملي، وقد حرص الحريري أثناء تلك التعيينات على أن تكون إدارات الخدمات من نصيبه، ومثال على ذلك: فقد عين في مؤسسة كهرباء لبنان مارون الأسمر رئيساً لمجلس الإدارة، وهيب عيتاني مديراً عاما، وانطوان اندراوس رئيساً لمجلس إدارة الصندوق الوطني للمهجرين، وعبد الحميد ناصر نائباً للرئيس، ورياض طبارة رئيساً لمجلس إدارة المحفوظات الوطنية "عين سفيرا فيما بعد في واشنطن" وربيع عماش رئيساً لمجلس إدارة مصلحة سكك الحديد، وعبد اللـه شلهوب عضوا، وفرض على حاكمية مصرف لبنان المركزي الاستقالة، وعين حاكمية جديدة تابعة له برئاسة رياض سلامة، وعين سعد خالد مديراً للتنظيم المدني، ونور الدين الغزيري رئيساً لمجلس المشاريع الكبرى لمدينة بيروت، إضافة إلى الأعضاء؛ وعين محمد فواز رئيساً لمجلس إدارة المشاريع الإنشائية، وهيام ملاط رئيساً لصندوق الضمان الاجتماعي، وعمر حلبلب رئيساً لمجلس إدارة المؤسسة الوطنية لضمان الاستثمارات وخليل النقيب عضوا، وبعدها عين نقولا سابا محافظاً لمدينة بيروت، وسهيل يموت محافظاً لجبل لبنان ونبيل الجسر رئيساً لمجلس الإنماء والإعمار بدلاً من الفضل شلق الذي عين وزيراً، كما أنشأ المؤسسة العامة لتشجيع الاستثمارات، وعين يوسف شقير رئيساً لمجلس إدارتها، وعين يوسف النقيب مديراً لمؤسسة أوجيرو، بعد أن منحها صلاحيات خاصة، كما عين عبد المنعم يوسف مديراً عاماً للصيانة والاستثمار والمواصلات السلكية واللاسلكية.

وفي المقابل أعطيت بعض الإدارات العامة للرئيس بري، مثل مدير عام الإعلام محمد عبيد، ومدير عام المغتربين هيثم جمعة، ورئيس مجلس الجنوب حسن يوسف، وكان للرئيس الهراوي أيضاً حصة في هذا التقاسم، مثل: محافظ الشمال خليل الهندي، ومحافظ البقاع فريرد قرم، ومدير عام وزارة النفط، ومدير عام الأمن العام ريمون روفايل إلخ.

وهكذا أحكم سيطرته على الإدارات الرسمية كافة، عبر مدراء عامين ورؤساء في مجالس الإدارة سهلوا بدورهم توظيفات الموالين والمستلزمين، وفي الوقت عينه حاولوا إيهام الرأي العام، أنهم يقومون بعملية إصلاح إداري عبر التطهير الإداري الذي طاول مئات الموظفين بشكل عشوائي، حتى أن بعض الذين شملهم قرار التطهير، كانوا قد انتقلوا إلى رحمة ربهم منذ سنوات.

أما الفضيحة الكبرى في هذه المسرحية فهي أن معظم هؤلاء قد عادوا إلى وظيفتهم بقرارات قضائية من مجلس شورى الدولة لعدم وجود أدلى على الاتهامات الموجهة إليهم؛ وهذا ما يثبت عشوائية القرارات التي كان الهدف منها أولاً إيهام الرأي العام بالإصلاح وثانياً: إدخال موظفين من الأتباع والأزلام إلى المؤسسات من أجل السيطرة عليها، وثالثاً: دفع أوضاع هذه الإدارات نحو المزيد من الفساد والاهتراء، لتبرير قيام مؤسسات موازية يعهد إليها القيام بأعمال الإدارات العامة الأصلية، وقد أنشئت حوالي 11 مؤسسة من هذا القبيل، مضافة غلى مؤسسات قديمة وربطت جميعاً برئاسة مجلس الوزراء، عبر مراسيم صدرت عن مجلس الوزراء، وجاء بموظفين ومستشارين له، وعينهم على رأس هذه المؤسسات، وبهذه العملية تمكن من السيطرة على كل مرافق الدولة وإدارتها العامة بعيداً عن مجلس الوزراء مجتمعاً، وبعيداً عن رقابة المجلس النيابي وهيئات الرقابة، بعد أن أفشل محاولات إخضاع هذه المؤسسات لرقابة مجلس النواب.

ومن المفيد تعداد بعض هذه المؤسسات المنشأة أساساً، والمضافة والني تقوم بعمل الدولة.

أولى هذه المؤسسات والتي أصبحت بديلاً عن الوزارات والإدارات الرسمية هي:

1 ـ مجلس الإنماء والإعمار.

2 ـ مجلس تنفيذ المشاريع الكبرى لمدينة بيروت.

3 ـ مجلس تنفيذ المشاريع الإنشائية.

4 ـ المؤسسة الوطنية لضمان الودائع.

5 ـ الصندوق المركزي للمهجرين.

6 ـ مؤسسة أوجيرو.

7 ـ المؤسسة الوطنية لضمان الاستثمارات.

8 ـ مصلحة استثمار مرفأ صيدا.

9 ـ المؤسسة العامة لتشجيع الاستثمارات.

10 ـ المؤسسة العامة للمشاريع الاستثمارية في حرم مطار بيروت.

11 ـ مؤسسة ترتيب منطقة الضاحية الجنوبية الغربية لمدينة بيروت "اليسار"؟

12 ـ مصلحة سكك الحديد والنقل المشترك.

13 ـ مصرف لبنان.

14 ـ مصلحة كهرباء لبنان.

هذا العرض الموجز عن وضع الإدارة يؤكد أمراً أساسياً، هو أن هذه السلطة منذ قيامها تعمل على تخريب الوطن وتعمير مشاريعها وتعمل على هدم المؤسسة العامة، وقيام مؤسسة خاصة، وهي فاسدة بامتياز عالٍ، فرافع الشعار القائل بأن الدولة تاجر فاشل، كان هدفه دائماً إثبات ذلك عملياً، لكي يصبح المقاول والتاجر الناجح هو البديل وهذا ما حدث بالفعل


[1] إيلي سالم "الخيارات الصعبة" ص 211.

 

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25
« »
المصادر او الهوامش

معلومات النشر:

اعداد: العنكبوت الالكترونية

عنوان الكتاب: الأيادي السّود

تأليف: نجاح واكيم

الناشر: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر - بيروت

تاريخ النشر: 1998

إشترك في خلاصة التعليقات عدد التعليقات: (0 منشور)

المجموع: | عرض:

إكتب تعليق

البريد الالكتروني يبقى سرّي و لا ينشر
  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

- التعليقات الواردة من القراء هي مسؤولية أصحابها ولا تعبر عن رأي إدارة الموقع بالضرورة
- تتم مراجعة تعليقاتكم قبل نشرها عن طريق إدارة الموقع

- (سياسة نشر التعليقات)

تابعونا

  1. دول خليجية تحذر رعاياها من السفر إلى لبنان (5.00)

  2. وفاة "ملكة الديسكو" دونا سمر عن 63 عاماً (5.00)

  3. معارض صيني ضرير بمطار بكين متوجهاً لنيويورك (5.00)

  4. الاكتئاب لدي المراهقين .. له إشارات يجب الانتباه لها (5.00)

  5. صحف العالم: أمريكا "تعاقب" باكستان بعدد سنوات سجن أفريدي (5.00)

  6. فيلم منتظر يكشف تفاصيل اغتيال بن لادن (5.00)

  7. أستراليا: التيار الوطني الحر في سيدني ينعي فقيده المفكر و المناضل والاعلامي المخضرم الأستاذ بطرس عنداري (5.00)

  8. الرحيل المفاجئ (5.00)