إعلانات Zone 4B

[CLOSE]

إعلانات Zone 3B

[CLOSE]
أحدث الأخبار:

إعلانات Zone 2B

[CLOSE]
الرئيسية | ثقافة | رفوف المكتبات | الأيادي السّود (24 حلقة كاملة)
المصنفة ايضاً في: رفوف المكتبات

الأيادي السّود (24 حلقة كاملة)

آخر تحديث:
image
الكاتب:
عدد المشاهدات: 28977
قيّم هذا المقال/الخبر:
0
حجم الخط: A+ A-
نسخة صالحة للطباعة   نسخة نصية   أرسل إلى صديق
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25
« »

الأيادي السّود - مقدمة الملفات - مجالس صناديق للسرقة والهدر

 

يوم شُكّل مجلس الجنوب عام 1970، بموجب قانون صدر في 2 حزيران 1970، كان يومها بمثابة هيئة طوارئ إذا صح التعبير لمعالجة آثار الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على جنوب لبنان؛ ويوم شكل مجلس الإنماء والإعمار عام 1977، كانت مهمته إعادة إعمار ما هدمته حرب السنتين؛ ثم جاءت مؤسسة شبيهة بهذين المجلسين عام 1991 وهي وزارة المهجرين التي أوكلت إليها مهمة إعادة المواطنين الذين هجرتهم الحروب إلى ديارهم.

والمهمات التي يفترض أن تقوم بها هذه المجالس، هي في جوهرها مهمات نبيلة وإنسانية؛ لكن في لبنان، وبقدرة قادر، فإن أي هيئة تقام أو تشكل من أجل غرض وطني، يصبح غرضها الأساسي هو كيفية تحولها إلى دويلات أو إمارات، لها مشيختها الخاصة ورعاياها أو أقرب إلى كنز يتقاسمه أصحاب النفوذ والمتسلطون، وهكذا نجد أن أصحاب المعالي ومشايخ نهاية القرن، يتوزعون هذه المجالس كغيرها من المؤسسات الأخرى، وفقاً لسياسة المحاصصة التي هي ركيزة الحكم في هذا العهد.

ولأنها منبع للإثراء لا ينضب، خاض المتسلطون عليها مواجهات شرسة كي تبقى خارج إطار أي رقابة من قبل المؤسسات الدستورية، ومجلس الخدمة المدنية وديوان المحاسبة وهيئة التفتيش المركزي، وعلى الرغم من المحاولات المتكررة لكي تخضع هذه المجالس لرقابة مجلس النواب، فإن سلاطين العهد استطاعوا إفشال كل هذه المحاولات مع تعزيز أكبر لصلاحياتها، بحيث أصبحت كما ذكرنا دولاً صغيرة داخل الدولة، لها صلاحيات تفوق صلاحيات مؤسسات الدولة الإجرائية والتشريعية مجتمعة.

فلا أحد يعرف ماذا يجري في أروقة هذه المجالس،

وكيف تصرف الأموال، وكم هو حجم الميزانيات، وكيف ترسم المشاريع، وكيف تنفذ، سوى قلة لا تكاد تساوي عدد أصابع اليد الواحدة، وعلى الأرجح فإن هذه اليد تخص شخصاً واحداً.

لقد قيل الكثير عن هذه المجالس وعن حجم الهدر الذي ترتكبه يومياً؛ فنادراً ما يمر يوم دون أن تنقل وسائل الإعلام خبراً، أو تصريحاً يتعلق بفضيحة هدر أو نهب داخل هذه المؤسسات، لكنها ما دامت تنجح في عدم الخضوع لأية رقابة كانت، فمن البديهي أن تمضي في هذا الإيقاع في الإسراف والسرقة، وهي البديل عن الدولة والحكومة، فمجلس الإنماء والإعمار، على سبيل المثال، هو المرجعية الوحيدة لكل مشاريع الإعمار في لبنان، ابتداء بشق طريق وصولاً إلى بناء مستشفى أو صرح ضخم كالمدينة الرياضية أو مدرسة صغيرة في أبعد قرية نائية، وعبره تمر كل مستلزمات التخطيط والتنفيذ والدراسات والإشراف والتلزيم والمراقبة والمحاسبة، فهو باختصار الحكومة الفعلية مع صلاحية أكبر من صلاحية مجلس الوزراء مجتمعاً، وهذا ما لم يحدث في أي بلد.

ومن المفيد ذكره أن مجلس الوزراء يخضع شاء أو أبى لرقابة مجلس النواب، حتى لو كانت رقابة شكلية، لكن هذا المجلس فحتى من حيث الشكل لا يخضع لأي سلطة خارج سلطته الذاتية، التي هي عملياً سلطة رئيس الحكومة رفيق الحريري فقط، وليس لأي سلطة رئيس حكومة آخر سابقاً كان أم لاحقاً، وهذا ما تؤكده الخطة الإعمارية التي عرفت بخطة العام ألفين أو الخطة العشرية أو خطة النهوض الاقتصادي، والتي وضعها مجلس الإنماء والإعمار عام 1991 أي في عهد حكومة الرئيس عمر كرامي، والتي كانت أي تلك الخطة، بإشراف مباشر من الحريري قبل أن يكون رئيساً للحكومة.

فكل مشاريع الإعمار والتنمية التي لحظتها هذه الخطة والتي تطال نواحي التنموية كافة، في كامل لبنان، هي من وضع مجلس الإنماء والإعمار، وليس لأي حكومة أو وزير أو مؤسسة أخرى دور أو حتى علم بها، وأبعد من ذلك وأخطره هو أن هذا المجلس يقوم حتى بمفاوضات الاقتراض والاستدانة من الخارج بهذا المعنى، يمكن أن نفهم لماذا عمل السيد رفيق الحريري من خلال نفوذه في عهدي حكومتي الرئيس سليم الحص وعمر كرامي، على إجهاض قرار إنشاء وزارة للتخطيط والتصميم العام وإلغاء مجلس الإنماء والإعمار، أو الحد من صلاحياته وحصرها في مجال التنفيذ فقط.

وبهذا المعنى أيضاً يمكن أن نفهم جيداً اهتمام الحريري بهذا المجلس منذ نشوئه في العام 1977، ومع ازدياد دور الحريري في اللعبة السياسية في لبنان منذ أواسط الثمانينيات، توسعت أحلامه بحيث لم يعد مجلس الإنماء والإعمار هو الهدف الوحيد، بل أصبح واحداً من الأهداف التي في مقدمتها الوصول إلى رئاسة الحكومة، الموقع الذي يخوله الانقضاض على مجلس الإنماء والإعمار ومجالس أخرى، وهذا ما حدث عملياً.

فقبل وصوله إلى رئاسة الحكومة، أوصل إلى رئاسة مجلس الإنماء والإعمار موظفاً لديه هو الفضل شلق، المعروف بولائه له، ليمهد الطريق في تحويل هذا المجلس إلى حكومة بديلة تكون جاهزة لحظة وصوله إلى موضع رئاسة الحكومة، وهذا ما نتبينه من خلال المشاريع التي قام بها مجلس الإنماء والإعمار، والتي تطال مرافق الحياة كافة، وفيما لو استعرضناها واحدة واحدة لوجدنا أنه لا يمكن أن يتم أي إنجاز، صغيراً كان أم كبيراً إلا عبر هذا المجلس، من البنى التحتية والكهرباء والماء والمستشفيات والمدارس والملاعب والمطار والأنفاق والأتوسترادات والزراعة والصناعة والهاتف، فهم يقوم بعمل الوزارات جميعاً بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى حد لم تعد تجد فيه مبرراً لوجود هذه الوزارات التي يشبه وجودها شاهد الزور هذا إذا شهدت.

وباختصار أيضاً، إن هذا المجلس يشبه السر، على الرغم من فضائح الهدر فيه، فلا أحد يعرف كم عدد العاملين فيه ولا كم الرواتب التي يتقاضونها ولا كيف تتم التوظيفات ولا الميزانيات التي تصرف على الدراسات، ولا الميزانيات التي تصرف على التنفيذ، فأمواله هي مجموع أموال موازنات الوزارات والبلديات باستثناء ما يعتمد منها للرواتب والأجور لموظفي هذه الوزارات وبعض النثريات الأخرى، ولأنه على هذا النحو من الدسامة، كان دائماً من الأمور التي تشغل بال الحريري وتحمله على التفكير في كيفية إبقائه خاضعاً لسيطرته، فمثلاً خلال العام 1995 حين بدأ الحديث عن الاستحقاق الرئاسي، كانت ولاية مجلس إدارة الإنماء والإعمار قد أشرفت على الانتهاء (كانون الثاني 1996) وتخوفاً من حدوث مفاجأة غير متوقعة في لعبة الانتخابات الرئاسية وما ينتج عنها من تشكيل حكومات عاجل الحريري وعالج الأمر بذكاء كي يبقى المجلس خاضعاً لسيطرته، كيف تم ذلك؟

عندما عُين الفضل شلق وزيراً للاتصالات السلكية واللاسلكية كان عليه حكماً أن يقدم استقالته من رئاسة مجلس الإنماء والإعمار، وبما أن مدة الولاية في هذا المجلس خمس سنوات، وقد أشرفت على الانتهاء، اقتنص الحريري هذه الفرصة وطلب من أعضاء مجس الإدارة الثلاثة المتفرغين والسبعة غير المتفرغين أن يقدموا استقالاتهم مع استقالة الوزير شلق، على أن يعاد تعيينهم بمرسوم جديد يصدره مجلس الوزراء لولاية جديدة، وهكذا حصل واستبدل بشلق المهندس نبيل الجسر المعروف أيضاً بولائه للحريري، وجدّد لأعضاء المجلس الثلاثة وهم بطرس أنطوان لبكي وإبراهيم محمد مهدي شمس الدين ونهاد جورج بارودي لمدة خمس سنوات تنتهي في حزيران عام 2000، كما جددت ولاية الأعضاء السبعة غير المتفرغين لمدة ثلاث سنوات جديدة وهم: جورج سماحة، وليد تقي الدين، جورج مارون، علي دندش، يحيى السنكري، عماد شاتيلا، وندرة أبو خاطر.

في هذا السياق، لابد من الإشارة إلى أن الرئيس بري، حين وجد أن هذا المجلس أصبح بديلاً عن الحكومة ووزارات الخدمات، سعى إلى حصة له في هذا المجلس الدسم كما ذكرنا سابقاً، لكن هذا يفترض شكلاً من المساومة والمقايضة على قضية ما؛ وبما أن القضية الساخنة آنذاك كانت متمثلة بملف الإعلام والترخيص لقانون الجديد N.T.V فمن البديهي أن تتم المساومة على هذا الملف، وكانت المقايضة على النحو التالي: أن يعين الحريري ياسر بري، وهو شقيق الرئيس بري، نائباً لرئيس مجلس الإنماء والإعمار، مقابل تغاضي الرئيس بري عن إدراج اقتراح قانون معجل مكرر تقدم به عدد من النواب لتعديل قانون الإعلام على جدول أعمال مجلس النواب، وهذا ما حصل بالفعل، فعيّين ياسر بري نائباً لرئيس مجلس الإنماء والإعمار، وطار الاقتراح عن جدول أعمال مجلس النواب.

ولتمرير هذه الحيلة فتح بازار المكاسب ما بين الحريري وبري كما هي الحال في كل الأمور، وركبت صفقة مشابهة لمجلس إدارة مجلس الجنوب، الذي كانت ولايته ستنتهي أيضاً في مطلع شباط 1996، فعمد أعضاء مجلس الإدارة الثلاثة وهم الرئيس حسن يوسف، ونائب الرئيس جان مخايل والعضو شفيق الترك إلى تقديم استقالة جماعية، مثلما فعل زملاؤهم في مجلس الإنماء والإعمار، على أن يعاد تعيينهم بمرسوم يجدد لهم الولاية؛ وهكذا حصل، إلا أن الرئيس حسن يوسف الذي قدم استقالته بسبب إعلان ترشيحه للنيابة، استبدل به موالياً آخر للرئيس بري، هو السيد قبلان قبلان المسؤول في حركة أمل.

لا تختلف كثيراً حكاية مجلس الجنوب عن حكاية مجلس الإنماء والإعمار، إن كان على مستوى الهدر أو النهب أو السرقة؛ إلا أن صلاحيات هذا المجلس أقل شأنا من المجلس الآخر رغم خضوعه،ضمن إطار سياسة تقاسم الحصص، لسلطة رئيس مجلس النواب فعلياً؛ لكن رائحة الفضائح في هذا المجلس تفوق حجماً، إلى حدٍ أصبح يعرف بمجلس الجيوب التي تخص المقربين من رئيس المجلس ومن حركة أمل، وليس المتضررين فعلياً من العدوان الإسرائيلي.

كثيرة هي الحوادث التي تؤكد أن أموال هذا المجلس تهدر في غير موضعها، وكثر هم الذين تضرروا فعلياً من العدوات الإسرائيلي، وعملياً يعوض على غيرهم من مقربين وموالين ومستلزمين، كل هذا يتم بمعرفة رئيس الحكومة وبتغطية منه، وذلك ليؤمن لنفسه تغطية لأعماله ولمكاسبه ولمخالفاته من الرئيس بري والأمثلة على ذلك كثيرة:

نذكر منها أن قرية ميدون في البقاع الغربي، يوم دمرتها إسرائيل تدميراً كاملا، وذهب آنذاك رئيس مجلس الجنوب حسن يوسف، ووضع حجر الأساس بعد جرف الردم؛ كان ذلك عام 1994 وحتى تاريخ صدور هذا الكتاب، كل ما أعيد إعماره في قرية ميدون هو حجر الأساس، ربما ظن السيد حسن يوسف أن إعماره يقتصر فقط على وضع حجر الأساس، لذلك أحن وضعه مثلما أحسن وضع المليون ونصف المليون في جيبه وفي جيوب مقربيه، هذه واحدة من مساهمات حسن يوسف، التي تكرارها أدت إلى تدخل النيابة العامة التمييزية، التي طلبت من النيابة العامة المالية، فتح تحقيق حول إخبار ورد إليها، أن رئيس مجلس الجنوب السابق حسن يوسف وبعض الموظفين متورطون في قضية هدر أموال عائدة إلى المجلس، طبعاً لم يتم الحقيق، أو أنه تم بطريقة ملتوية بحيث لم يتهم أحد، ولم يُحَلّ أحد إلى المحاكمة، ولكن قد يكون السبب الفعي وراء استقالة حسن يوسف، والمجيء بقبلان قبلان، الذي يبدو أنه لم يتغير شيء ف عهده، لأن مسلسل قرية ميدون مستمر في مكان آخر في الجنوب والبقاع الغربي، وكانت أبرز حلقات هذا المسلسل هي عدوان نيسان 1996، الذي كانت نتائجه مؤلمة مأساوية على الجنوب والوطن كله، كانت فرصة دنيئة للذين استفادوا من هذه المأساة في تحويل المساعدات إلى جيوبهم، والكل يذكر على شاشات التلفزة، مئات المتضررين والمشردين الذين حرموا من حقهم في التعويضات، التي ذهبت كما ذهب ملايين ميدون.

وهنا يصح قول: مصائب قومٍ عند قومٍ فوائد.

لكن ليس بهذا المقدار من السرقة والنهب الذي نشهده في هذا العهد، أعتقد أن المتاجرين بالمآسي هم نادرو الوجود في العالم نسبة لعددهم المتوافر في هذا الوطن، وربما كان هناك من لا يعرف أن عدوان نيسان والمآسي التي نتجت عنه، أصبحا سلعة لتفاوض والكسب والنهب، لشدة تناتش الحصص علناً، ودون أي حياء أو خشية أو خوف.

عندما تتحدث عن الجنوب وكيف تتم المتاجرة بأبنائه والسرقة على حسابه، لابد من التوقف عند الهيئة العليا للإغاثة، التي أزكمت روائح الفضائح والصفقات التي مررت من خلالها أنوف المتضررين، فهذه الهيئة التي أنشئت عام 1977بهدف مساعدة المتضررين مع الاعتداءات الإسرائيلية ومن الحرب الأهلية، لم تأخذ شكل المؤسسة العامة ولم تكتسب صفة الشخصية المعنوية المستقلة؛ وبالتالي ليس لها الاستقلالية المالية.

وعندما جاء الرئيس الحريري إلى رئاسة الحكومة وجد في هذه الهيئة كنزاً لا يقدر بثمن، فأدخل عليها تعديلات وألحقها به مباشرة، وجاء بوزرائه المقربين وعينهم أعضاء فيها، وبدأ يمرر من خلالها العديد من المشاريع والصفقات لحسابه وحساب شركائه.

ومن مآثره في هذا المجال بدعة إعطاء سلفات خزينة بمليارات الليرات لهذه المؤسسة، رغم عدم قانونية هذا الإجراء؛ فالهيئة ليست مؤسسة عامة، وقانوناً فإن السلفات تمنح لوزارة الشؤون الاجتماعية التي بدورها تحول جزءاً من هذه السلفات إلى الهيئة، فضلاً عن أن هذه الهيئة هي مؤسسة غير منتجة فكيف إذن ستقوم بتسديد هذه السلفات؟

ومن الأمثلة أيضاً على مآثر رفيق الحريري في هذا المجال، أن المساعدات المالية التي كانت تأتي للهيئة كان الرئيس الحريري يحوّلها إلى حسابه الخاص في أحد بنوكه، وكان يصرف مساعدات منها إلى بعض الوزارات، بموجحب شيكات شخصية يوقّعها باسمه ومثال على ذلك ما حصل مع وزير الزراعة السابق عادل قرطاس إثر الكارثة الزراعية التي ضربت على المزارعين حينها، عندما طلب وزير الزراعة من الهيئة العليا للإغاثة أن تعوّض على المزارعين المنكوبين، فما كان من الرئيس الحريري إلا أن سلمه شيكاً من حسابه الخاص بقيمة 11 مليون ليرة، محرراً باسم قرطاس، شخصيا، الذي قام بدوره ووضعه في حسابه الخاص.

وهكذا حدث أيضاً خلال عدوان نيسان على جنوب لبنان وبعده فقد وضع الحريري المساعدات التي أرسلت إلى الهيئة، والتي تقدر بمئات ملايين الدولارات، في حسابه الخاص.

ومثال آخر، لقد حول الرئيس الحريري مبلغ 14 مليون و500 ألف دولار من الهيئة العليا للإغاثة إلى رصيد المدينة الرياضية، لإتمام الأعمال الإنشائية فيها، رغم أن إعادة إعمار المدينة الرياضية لا يدخل في إطار مهام الهيئة العليا للإغاثة، التي تتركز مهامها على إغاثة المتضررين من الاعتداءات الإسرائيلية.

كما أن الرئيس الحريري صرف ملايين الدولارات من حساب هذه الهيئة، على إعادة ترميم وبناء السرايا الكبير.

وفي هذا السياق كان الرئيس الحسيني قد تقدم بسؤال للحكومة حول قيمة الهبات والسلفات التي تسلمتها الهيئة العليا للإغاثة منذ آب 1993 وحتى حزيران 1996، وحول كيفية غنفاقها ومن هي الجهات التي استفادت منها، فجاء رد الحكومة ليبين الفضائح في توزيع هذه الهبات والمساعدات، فحسب المستندات التي قدمتها الحكومة، رداً على سؤال الرئيس الحسيني، نذكر الآتي:

ـ تم صرف مبلغ 721 ألف دولار و 418 مليون ليرة لحساب وزارة الداخلية، ومن بين الأسباب التبريرية لصرف هذا المبلغ: أشغال داخل ثكنات الأمن الداخلي.

ـ 41 ألف دولار أمريكي لحساب وزارة العدل، ثم مولد كهربائي لتأمين الإنارة الفورية لقصر العدل.

ـ 562 ألف دولار أمريكي و33 مليون ليرة لبنانية لحساب وزارة البيئة من أجل أعمال توضيب وإتلاف المواد السامة في الخارج.

ـ 233 ألف دولار و 165 مليون ليرة، بمثابة أجور مستشارين ومهندسين ومدققي حسابات وأجور خبراء بالكوارث والنفايات السادة.

ـ 16 ألف دولار و 111 مليون ليرة ثمن طابعات وآلات تصوير وجهاز كمبيوتر ونفقات إدارية ومكتبية.

ـ 4 مليارات و127 مليون ليرة للهيئة المشتركة لمدينة بيروت، من أجل إصلاح المجاري والطرقات والصرف الصحي؟

لا أعتقد أن هناك أي صلة بين أعمال الإغاثة وإعانة المواطنين المتضررين من الاعتداءات الإسرائيلية، وبين طرق صرف هذه الأموال، ولعل المبالغ التي ورد ذكرها أعلاه وغيرها الكثير من المبالغ التي صرفتها الهيئة العليا للإغاثة، تؤكد ما ذكرناه سابقاً أن الرئيس الحريري وشركاءه وجدوا فعلاً في هذه الهيئة كنزاً لا يقدر بثمن.

بين مجلس الإنماء والإعمار ومجلس الجنوب، والهيئة العليا للإغاثة، مؤسسة رابعة هي صندوق المهجرين، صندوق يشبه صندوق الفرجة، عبره تشاهد كيف تمر مشاهد النهب.

لقد أنشئت وزارة المهجرين عام 1991، وأنشئ صندوق المهجرين لإيجاد حل لواحدة من أبرز المشكلات الاجتماعية التي نتجت عن الحرب، وهي كيفية عودة 135 ألف عائلة إلى بيوتهم التي دُمرت أو أحرقت، وهجروا منها، تبدو هذه المشكلة على المستوى الإنساني، ملحة في إيجاد حل لها، لكن السياسة والمال والصفقات لا تعير هذا المستوى اهتماماً كبيراً، إلا بمقدار مردوده المباشر على أصحاب المال والسلطة.

سياسياً كلف الوزير جنبلاط ليشرف على عودة هؤلاء، ليقوم بدوره في هذا المجال، ومالياً كلّف الحريري نفسه عبر أحد أعوانه السيد أنطوان أندراوس كرئيس لصندوق المهجرين مرجعه الحريري، وهو تابع لرئيس الحكومة.

ولتبيان حجم النهب والهدر الذي شهده هذا الصندوق العجيب، يكفي أن نعود إلى ما تناقلته وسائل الإعلام من اتهامات متبادلة بين الرئيس الحريري والوزير جنبلاط، وفي هذا السياق وفي مقالٍ كتبه نقولا ناصيف نشر ف جريدة النهار في عددها الجمعة 10 تموز 1998 والمفيد ذكره أن الرئيس الحريري يملك من أسهم هذه الجريدة حوالي 46% قال ناصيف نقلاً عن مصادر مطلعة: إن المبالغ الضخمة التي أقرها مجلس النواب لتمويل عودة المهجرين منذ العام 1992 والمقدرة بنحو 800 مليون دولار أنفقت على تعويضات عودة مهجري الجبل، وعلى خطط أخرى غير ذات صلة بعمل وزارة شؤون المهجرين، فاضحى الصندوق المركزي للمهجرين ينفق استناداً إلى لوائح الوزارة وقيودها، واستناداً إلى لوائح وقيود أخرى مصدرها الصندوق نفسه، وأحياناً رئيس الحكومة، وفي مرات كثيرة من دون معرفة الوزارة.

ويشير ناصيف نقلاً عن هذه المصادر إلى أن الأموال ذهب بعضها إلى سوليدير وإلى إخلاءات بالجملة لتنفيذ جسور وأنفاق وأوتوسترادات في بيروت، بمبالغ خيالية استفاد منها أنصار حزب اللـه وحركة أمل وعائلات سنة بيروتية، وإلى استملاكات المدينة الرياضية، وغلى إنجاز البنى التحتية للقرى المهجرة، وذهب قسم آخر من تلك المبالغ إلى مشاريع للشمال، وقسم وافر آخر إلى تمويل معركة بعض المرشحين في انتخابات دائرة عاليه صيف 1996 –"انطوان اندراوس"- بغية ضمان نجاحه بأفضل استقطاب للناخبين، من خلال العامل المالي، كما يشير ناصيف إلى أن قسماً آخر من أموال الصندوق ذهب أيضاً وأيضاً إلى الانتخابات البلدية والاختيارية عام 1998.

وفي هذا السياق أيضا، كشفت أوساط الحزب الاشتراكي عن فضائح لها صلة بتخصيص مليارات الليرات من أموال الصندوق المركزي للمهجرين، لتمويل بعض الإخلاءات في شوارع بيروت دفعت بدل استملاك إضافي لعقارات سبق أن قبض أصحابها حقوقهم المالية في الماضي، خصوصاً تلك التي استملكت لصالح مشروعي وصلة كاراكاس التنوخيين ومتفرعاتها في شارع الكويت، ووصلة ساقية الجنزير عين التينة، وهي عقارات تملكها عائلات بيروتية، ومعظمهم آل شهاب- عيتاني، الداعوق، مهندي، مبشر، الظريف، المصري، القرق، كنعان، النابلسي، فرشوخ، وغيرهم.

وأشارت المعلومات إلى صرف هذه المليارات جاء عشية الانتخابات البلدية والاختيارية في بيروت، وبدون علم وزارة المهجرين أو موافقتها، وأبرز العقارات التي شملتها عمليات التعويض والاستملاك تحت شعار الإخلاء هي:

ـ العقار 1178 بلغت كلفته 57,995,000

ـ العقار 1228 بلغت كلفته 3,752,13000 ل.ل.

ـ العقار 647 بلغت كلفته 1,351,411000 ل.ل.

ـ العقار 661 بلغت كلفته 426,167000 ل.ل.

ـ العقار 664 بلغت كلفته 29,000,000 ل.ل.

ـ العقار 665 بلغت كلفته 357,219,000 ل.ل.

ـ العقار 666 بلغت كلفته 247,000,000 ل.ل.

ـ العقار 1717 بلغت كلفته 54,077,000 ل.ل.

هذا بالإضافة إلى سلسلة من العقارات الأخرى، بحيث أن المبالغ الإجمالية لاستملاك وصلة كراكاس قد بلغت 3,569,617,000 ل.ل ووصلة ساقية الجنزير عين التينة 9,704,600 ل.ل أي ما مجموعة (4,540,000,000) أربعة مليارات وخمسمائة وأربعون مليون ليرة لبنانية.

هذه نماذج من فضائح كثيرة ومشابهة وعديدة، ولا يمكن التفصيل عنها في سياق كتاب واحد لكنها تكفي لتدل على الهدر والنهب باسم المهجرين، وقد علق الرئيس الحص على هذا الموضوع قائلاً: إن من يتابع وقائع السجال المؤسف الذي دار بين الحكومة وأحد وزرائه عبر وسائل الإعلام، يخرج باستنتاج وحيد، هو أن الهدر المرتكب تحت غطاء عودة المهجرين كان كبيراً جداً، ولا يعلم حجمه إلا اللـه والراسخون في العلم من أهل السلطة، وقد دعا الرئيس الحص النيابة العامة المالية إلى التحرك للتحقيق في هذا الملف.

بالتأكيد لا أحد سوف يحقق في أي ملف ما دام هذا العهد بأركانه ورؤسائه موجودين بالحكم، وإذا ما حقق فسوف يخرج المتهم بريئاً، وتبقى هذه المجالس والمؤسسات التي أخذ على عاتقها الإعمار والإنماء والمهجرين والجنوب، أوكاراً للسرقة؛ تتاجر بالمآسي وبأرزاق الناس، وتهدر المال العام دون أي صوتٍ يعلو فوق صوتها، لأنها بحكم نشأتها وتكوينها، كانت قد تمت لغاية السرقة والإثراء غير المشروع، وبشكل تبقى خاضعة لسلاطين العهد وسلطتهم.

ويبقى السؤال أين دور مجالس الرقابة ومجلس النواب والقضاء والنيابات العامة، التي هي مفوضة من الشعب اللبناني والمؤتمنة على مصالحه وحياته وحريته وأمواله؟ أين هي من كلّ هذه الفضائح التي تزداد يوماً بعد يوم، وتملأ أخبارها صفحات الجرائد وبعض وسائل الإعلام الأخرى؟ ولماذا لا تقوم بدورها وتصون ما ائتمنت عليه؟؟ هل هي في غفلة؟؟ أم هي في إجازة؟؟

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25
« »
المصادر او الهوامش

معلومات النشر:

اعداد: العنكبوت الالكترونية

عنوان الكتاب: الأيادي السّود

تأليف: نجاح واكيم

الناشر: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر - بيروت

تاريخ النشر: 1998

إشترك في خلاصة التعليقات عدد التعليقات: (0 منشور)

المجموع: | عرض:

إكتب تعليق

البريد الالكتروني يبقى سرّي و لا ينشر
  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

- التعليقات الواردة من القراء هي مسؤولية أصحابها ولا تعبر عن رأي إدارة الموقع بالضرورة
- تتم مراجعة تعليقاتكم قبل نشرها عن طريق إدارة الموقع

- (سياسة نشر التعليقات)

تابعونا

  1. دول خليجية تحذر رعاياها من السفر إلى لبنان (5.00)

  2. وفاة "ملكة الديسكو" دونا سمر عن 63 عاماً (5.00)

  3. معارض صيني ضرير بمطار بكين متوجهاً لنيويورك (5.00)

  4. الاكتئاب لدي المراهقين .. له إشارات يجب الانتباه لها (5.00)

  5. صحف العالم: أمريكا "تعاقب" باكستان بعدد سنوات سجن أفريدي (5.00)

  6. فيلم منتظر يكشف تفاصيل اغتيال بن لادن (5.00)

  7. أستراليا: التيار الوطني الحر في سيدني ينعي فقيده المفكر و المناضل والاعلامي المخضرم الأستاذ بطرس عنداري (5.00)

  8. الرحيل المفاجئ (5.00)