إعلانات Zone 4B

[CLOSE]

إعلانات Zone 3B

[CLOSE]
أحدث الأخبار:

إعلانات Zone 2B

[CLOSE]
الرئيسية | ثقافة | رفوف المكتبات | أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان (19 حلقة كاملة)

أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان (19 حلقة كاملة)

آخر تحديث:
image
الكاتب:
عدد المشاهدات: 36174
عدد التعليقات: (1)
قيّم هذا المقال/الخبر:
3.00
حجم الخط: A+ A-
نسخة صالحة للطباعة   نسخة نصية   أرسل إلى صديق
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19
« »

أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان - الفصل التاسع: خراب بيروت، الخسائر البشرية، تمويل الميليشيات

الفصل التاسع

خراب بيروت،  الخسائر البشرية، تمويل الميليشيات

 

العصر الذهبي

باستثناء الأزمات السياسية والخضّات المؤقتة والحرب القصيرة عام 1958 وأزمة إنترا عام 1966 عاش لبنان منذ الخمسينيات وحتى 1974 عصراً ذهبياً شهد نمواً مطرداً كما وصلت بيروت إلى أوجها في الانتعاش والتطور وساهمت الأزمة البترولية في بداية السبعينيات وانفجار أسعار برميل البترول أربعة أضعاف خلال أشهر قليلة مما ساهم بدخول كميات كبيرة من المال إلى لبنان. ولعب ريع النفط العربي دوراً كبيراً في توكيد الطابع الخدماتي للاقتصاد اللبناني، إذا كان مطلب العرب الرئيسي من لبنان ذا طابع استهلاكي: تأمين الخدمات السياحية والمصرفية والترفيه والتسوق وشراء العقارات الخ. فلم يكن مفهوم الدول العربية النفطية للاقتصاد أفضل من العقلية المار كنتيلية الريعية في لبنان لقد ارتفعت أسعار العقارات في بيروت يشكل مذهل في أوائل السبعينيات وبدأت ناطحات السحاب تظهر لأول مرة (برج المر، برج رزق، جفينور، هوليداي إن، الخ ) حتى  أصبحت قطعة صغيرة من الأرض في شارع الحمرا مثلاً أعلى سعراً من قطعة مماثلة على جادة الشانزيليزيه في باريس في تلك الفترة لم يكن ممكناً تفسير الغزو السياحي والريعي العربي والغربي لبيروت ومناطق الاصطياف والتزلج سوى أنه يعد لبنان بمزيد من الثروة والبحبوحة في السبعينيات والثمانينات من القرن العشرين.

ونما الاقتصاد 83 بالمئة في الفترة 1966 إلى 1973 ( أو 4و10 بالمئة سنوياً ). أما على درجات النمو فكانت عام 1972 ( وصل الناتج 9و5 مليار ل.ل. ) وعام 1974 عندما حقق لبنان أعلى ناتج قومي (14و8 مليار ل.ل.) .وبالمقابل ارتفع معدل الدخل الفردي السنوي من 1754 ل.ل. (858 دولاراً أميركياً) عام 1971 إلى 2675 ل.ل. (1300 دولار أميركي ) عام 1974.

ومن مظاهر القوة الاقتصادية لتلك الفترة كان استقرار العملة الوطنية وتقدمها على العملات الأجنبية. حيث هبط شعر صرف الدور الأميركي في سوق بيروت من ثلاث ليرات ونيف في أواخر الستينات إلى 61و2 ل.ل. عام 1973 و 33و2 ل.ل. عام 1974وصولاً إلى 20و2 ل.ل في أوائل 1975 [1]. وأدت قوة الليرة إلى قبولها كعملة صعبة وسيلة دفع دولية , فأصبحت بيروت مركزاً مالياً وتنافست المصارف الغريبة على افتتاح الفروع وإصدار ديون للشركات العالمية والدول بالعملة اللبنانية.

لاحظ زائر بيروت في أوائل السبعينيات صعود نجمها الكبير من طرق ومقاه وأسواق وفنادق ومراكز سياحية ومصارف تضاهي عواصم أوروبا وأبنية عصرية تجاور الآثار القديمة والكنائس والمساجد، تجمع سحر الشرق القديم بالحداثة الغريبة ولم يقل سكان بيروت عن مدينتهم في علمهم ولغاتهم وخبراتهم فكانوا موقع إعجاب الزوار العرب الأجانب من سياح ومستثمرين، كان اللبنانيون يتنشقون الثروة في الهواء في أوائل السبعينيات ويشعرون أن أرصفة مدينتهم مرصوفة بسبائك الذهب. وإلى جانب الانفلاش الاقتصادي الكبير أصبحت بيروت عاصمة ثقافية بما حوته من دور السينما والمسرح ونشر الكتب واللقاءات الفكرية الإقليمية والعالية يلجأ أليها كل مثقف وأديب مضطهد في العالم العربي.

والحقيقة أن الانفلاش الاقتصادي حصدت نتيجته أقلية ممسكة بالنظام السياسي الاقتصادي ولم تتوزع البحبوحة على السكان عبر ضرائب عادلة وبرامج اجتماعية، كما لم يفكر أحد بأنه يجب  تطوير المحافظات وتنويع القاعدة الاقتصادية وحتى المستثمر الأجنبي لم يتجه أو لم يوجهه أحد من التجار المحليين نحو استثمارات زراعية أو صناعية كالاستثمار في زراعات إستراتيجية في البقاع يمكن أن تحقق وثبات كبيرة في هذا القطاع كما أن الثقافة الناهضة على الرغم من منحاها العلماني وأثرها في الجيل الجديد لاسيما في المدارس والجماعات كانت نخبوية elitist بعيدة عن هموم المواطن، نسبح في بحر الثقافات الناشئة منذ المرحلة الانتدابية أو الوافدة من أوروبا وأميركا.

رافق فترة النهوض في الستينات وأوائل السبعينيات إيمان سطحي با ستحالة هزهزة بيروت وتهديد استقرارها مع أن الأزمة التي كانت تطل برأسها منذ أواخر الستينات أطاحت المدينة عام 1975 وأدت إلى انهيارها. وحتى عندما فصلت لبنان أشهر قليلة فقط عن حرب أهلية مفتوحة عام 1975 فشل المراقبون المحليون والأجانب في استشراف الأحداث وقراءة معاني التفجيرات وأحداث العنف المنعزلة منذ 1968 وحتى 1974 فكانت بالنسبة لهم (سحابات صيف عابرة) وأن أعمال العنف الإرهاب لن تستمر طويلاً. وكأن الحرب الكبرى التي استغرقت 15 عاماً قد أخذت البلاد على حين غرة بعد حفل ساهر صاخب بالمتع الكمالية الباهظة الكلفة ولكن لم يكن ثمة مفاجأة في الأمر. إذا إن التحذيرات من الانفجار الكبير تواصلت في السنوات السابقة في التقارير الأمنية والاقتصادية والسياسية وحتى رجوعاً إلى حرب 1958 وبعثة ايرفد ومحاولات الإصلاح العاثر والصدمات مع المقاومة الفلسطينية وبروز التنظيمات اللبنانية المسلحة. كانت وجهة هذا التراكم من المعلومات والتقارير واضحة لن اهتم بمتابعتها نحو انفجار اجتماعي معقد سيؤدي بالبلاد إلى الجحيم. ورغم ذلك فإن أفضل الحلول الممكنة لأي مشكلة في لبنان بنظر أمراء الحرب والتجار كان أسلوب السوق: (تركها تأخذ مجالها) ولذلك واجهوها بالصمود في مواقعهم هي موجة عاتية فعلاً ولكنها موجة ستنكسر وتنجلي ولكل مصيبة كانت هناك أنصاف حلول – أي لا حلول– فيما تواصلت جذور الأزمات تعمل بدون هوادة لتفتيت البلاد.

 انتهى عهد شارل حلو عام 1970 بخلفية تطورات خطيرة، منها صعود المنظمات المسلحة الفلسطينية وأحزاب اليسار اللبناني، يدعمها ويتبناها كمال جنبلاط، والمطالب الاجتماعية الضاغطة وتداعيات هزيمة العرب في حرب 1967 وفيما خسر موشح الشهابية إلياس سركيس بفارق صوت لصالح سليمان فرنجية اعتبر ذلك انتصار لفريق أمراء الحرب وهزيمة للشهابيين ونهجهم، آذنت هذه النتيجة بأفول تدريجي لنفوذ الشهابية حتى أن فؤاد الشهاب (توفي عام 1973) أعلن في مناسبة عزوفه عن ترشيح نفسه لرئاسة الجمهورية عام 1970 بأن الإصلاح الجذري في لبنان لم يكن ممكناً في ظل عقيلة الشعب والممارسات السياسية التقليدية[2] ولم يكن ممكناً لسليمان فرنجية ومستشاريه تحاشي الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في البلاد بدون استدراج ثورة شعبية فكلف فرجية صائب السلام في تشرين الأول/ أكتوبر 1970 لقيود (حكومة شباب) فيما بدأت حملة تطهير أجهزة الدولة من العناصر الشهابية/ بالفصل أو النقل أو المحاكمة وقضى قائد الجيش جان نجيم وهو ماروني زمن أكبر رموز الشهابية، في تحطم طائر هليكوبتر قرب الشاطئ.

وفيما رحب أمراء الحرب التجار بالتطهير ضد الشهابيين، غضبوا من نوايا وخطوات (حكومة الشباب) التي بدا أنها تسعى إلى بعض الإصلاحات في نظام الحكم وفي المالية العامة وأوجه الإنفاق الحكومي بدءاً كانت الحكومة , باستثناء صائب سلام من الخارج.

مجلس النواب والزعامات التقليدية على أساس أن الكفاءات يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار . فسمي إلياس سابا وهنري إداه وإدوار صوما وإميل البيطار وخليل أبو أحمد وغيرهم وزراء استمرت الحكومة حتى انتخابات 1972واستقالت في 10 أيلول/ سبتمبر لقد اعتذر صوما عن المشاركة واستقال غسان تويني في 20 كانون الثاني/ يناير 1971 في حين قامت حملة شعواء في وجه وزير المال إلياس سابا صاحب المرسوم 1943 الذي عارضه التجار وأسقطوه ما أدى إلى ارتفاع الأسعار واضطر اميل البيطار إلى التراجع عن مشروع الدواء واستقال في 24 كانون الأول/ ديسمبر 1971 فاستمرت مشكلة الدواء في العقود التالية بدون حل. واستقال هنري إده في 1 تشرين الأول 1971 ثم عين وزيراً للتربية فأقيل لأنه أعلن برنامج  إصلاح تربوي وإداري في وزارة التربية الوطنية وقال صائب يلام عن هنري إده إنه (مشاكس ويفتعل المشاكل) فكانت هذه الإقالة سابقة في لبنان واستقال حسن مشرفية في 18 آذار 1972. وعلى أي حال شن التقليديون هجوماً على الحكومة بأنها من (التكنوقراط) ومن (الموظفين[3]) (وتعتبر هاتان الكلمتان إهانة  في القاموس السياسي اللبناني مع أنها ليست كذلك في الدول الصناعية) لا يفقهون العمل السياسي كما يفقهه المحترفون من أمراء الحرب والزعماء.                  

واستجاب فرنجية بعد انتخابات 1972 النيابية لضغوط أمراء الحرب فكلف صائب سلام مجدداً ليرئس وزارة من التقليديين (كصبري حمادة ومجيد أرسلان وجوزوف سكاف وإدوار حنين وميشال ساسن وبيار حلو) وكان لبنان في هذه الفترة برميل بارود فجاءت عودة الفئات التقليدية بقوة تجدياً لظروف البلاد اعتبره الرأي العام والصحف محاولة لشراء الوقت وهكذا بوضع قضية الإصلاح مجدداً في الأدراج، بات أمام لبنان أقل من عامين من السلم الأهلي فحسب، وكان هذا يعني نقل المواجهة من البرلمان والحكومة إلى الشارع، إذ إن القوى المعارضة الآن اختلفت عدة وعدداً عن الخمسينات والستنيات ولم يعد مقبولاً أن تستمر الأمور بتجاهل الإصلاح وكأن شيئاً لم يحصل، كان على فرنجية والحكومة أن يوجها القوى الضاغطة التي تمتعت بعدم عارم من كمال جنبلاط الذي أصبح رأس حربة المعارضة للنظام بأقوى مما كان ضد بشارة الخوري عام 1952 وضد كميل شمعون 1985.

كان سلوك فريق أمراء الحرب والتجار محكوماً إلى حد ما بالفلسفة الاقتصادية البادئة  التي تعمل بمنطق الليبرالية المطلقة Laissez faire sausage  وسرية المصارف والمبدأ النابليوني بأن المال يعمل كل شيء، هذا إذا لم يكن المال غاية بحد ذاته، فكما في الاقتصاد كذلك في السياسة والاجتماع، كان السلوك واضحاً بأن ودعه يعمل دعه  يمر، فالأ من ليس مسؤولية جهة أو سلطة بحد ذاته بل (كل يدبر أمره) أما مسائل الاستقرار الاجتماعي وتطوير النظام  وتنمية المناطق فليس على أجندة العمل، كان الجميع مكتفياً بالاستفادة من بيروت ومرفئها ومواهب سكانها في التجارة والأعمال وتقديم الخدمات لأي جهة قادة على الدفع ونصحت هذه الفلسفة بما فيها من سيطرة على الخدمات الكسولة على حساب التصنيع والزراعة والخدمات ذات القيمة المضافة وإلى عجز تجاري دائم كانت تغطيته تتم عبر الحساب الجاري في ميزان المدفوعات بتحويلات المغتربين والرساميل الوافدة وتجارة البضائع الممنوعة لا سيما المخدرات.

كان سوء توزيع الثروة من جذور الأزمة في لبنان لما سببه من انقسام اجتماعي تسللت منه الأفكار الراديكالية التي كانت تفاجئ أصحاب الأمر في البلاد وفريق أمراء الحرب، فكانواً يعتبرون متعقبها عملاء لدول أجنبية شيوعية، وتكاثرت الأبحاث والتوصيات والتحذيرات من مغبة إلى  إهمال اللامساواة الاجتماعية التي كانت تؤدي إلى لامساواة سياسية واقتصادية، منذ الإنتداب وحتى اليوم تختف النظام الضرائبي اللبناني عن مواكبة التطورات العالمية لا سيما دول الديمقراطية التي تحترم حقوق الإنسان، فكان الأثرياء وأصحاب المداخيل المرتفعة بدفعون القليل من ضريبة الدخل في حين تفشى الفساد والمحسوبية والرشوة في الإدارة العام، لقد ارتبط موظفو الدولة بدءاً من المدير العام حتى أصغر موظف، بشكل أو بآخر بأمراء الحرب والزعماء نتيجة وساطة أو محاصصة حتى بات أي شخص في الملاك العام محسوباً ومحمياً من مرجعية معينة (مع استثناءات) ولم يحتج المراق إلى شهادة في الاقتصاد أو علم الاجتماع ليرى بأم العين الفروقات الاجتماعية والاقتصادية الصارخة بين الريف والمدينة وبين بيروت ومعظم المناطق اللبناني، وبين جبل لبنان والمحافظات الطرفية ، وبين أثرياء البلاد والأغلبية المعدمة.

شكلت حوادث أيار/ مايو 1973 نموذجاً لما ستكون عليه الحرب فيما بعد، فبعد سنوات من الاشتباكات المتقطعة، انفتح الوضع الأمني على مصراعيه بين الجيش اللبناني والفلسطينيين بين 3 و18 أيار/ مايو 1973 ما عطل السياحة العربية والأجنبية وأدى إلى خسائر فادحة في قطاعات الخدمات وإنتشرت المعارك التي بدأت حول المخيمات إلى أحياء مدنية لبنانية وسقطت قذائف على مدرج مطار بيروت فأقفل أمام الملاحة الجوية، وعندما استعمل الجيش اللبناني الطائرات الحربية في المعارك بدا لبنان على أبواب حرب أهلية ذلك أن أطرافاً لبنانية عديدة كان متعاطفة مع الفلسطينيين اعتبرت عمل الجيش اللبناني مؤامرة ضد القضية الفلسطينية كما رغب بعض اللبنانيين في القتال  إلى جانب المقاومة الفلسطينية وخرج مسلحون إلى شوارع طرابلس  وصيدا في تحد سافر للسلطة، في ذلك الشهر أقفلت سورية الحدود مع لبنان احتجاجاً على المعارك، متهم السلطة في لبنان بالتأمر على الشعب الفلسطيني وبلغت كلفة هذا الإغلاق 150 مليون ل.ل خسرها أصحاب الأعمال اللبنانيون الذين فسدت بضائهم الغذائية أو اضطروا إلى بيعها في الأسواق اللبنانية بأسعار بخسة، كما أن السفن المحملة بالبضائع إلى الدول العربية أفرغت حمولتها في مرفأ بيروت وبقيت البضائع في المستودعات بسبب إغلاق الحدود مع سورية، وبقي الكثير من العمال السوريين في أماكن إقامتهم في سورية فتعطلت حركة البناء والنشاطات الزراعية.

كانت أجواء لبنان عام 1974 شديدة التشابك: نمو اقتصادي عشوائي وغير مدروس ومظاهر بحبوحة خادعة  ولا مبالاة رسمية تجاه المحافظات الطرفية، نقمة اجتماعية خطرة ضد الاستقطاب الطبقي، ثم انقسام طائفي حاد في صفوف أمراء الحرب ومعارك متزايدة بين الجيش والفلسطينيين، في تلك الفترة كانت الصحف تتحدث عن مواجهات شبه يومية أو أسبوعية بين المقاومة الفلسطينية وإسرائيل في جنوب لبنان، فكان هذا الوضع المتفجر يقابل بهز الكتف من المسئولين بأن كل شئ يكون على ما يرام، وحتى عند اندلاع المعارك في نيسان/ ابريل 1975 ولغاية أيلول/ سبتمبر من العام نفسه كان قيادة البلاد السياسية والاقتصادية تنصرف وكأن كل هذه الصعوبات هي مسائل مؤقتة، والحقيقة المؤلة كان أن تراكمات الوضع كان بحاجة إلى شرارة لتشعل برميل البارود المحتقن.

 

أمراء الحرب عشية النزاع

رسمت أجواء أوائل السبعينات الصراع المستمر بين أمراء الحرب بما هو سلسلة من الحروب الباردة تارة والمواجهات العسكرية العنيفة تارة أخرى، فمن ناحية كان كمال جنبلاط وحيداً دون كافة فريق أمراء الحرب والزعماء ولكنه كان مدعوماً من التنظيمات الفلسطينية وقوى لبنانية يسارية مستقلة اعتبر هامشية في النظام السياسي اللبناني فعطل جنبلاط بهذا الاستقطاب أي دور كان يمكن أن يلعب أمراء الحرب  والزعماء المسلمون السنة والشيعة، ومن ناحية أخرى التف أمراء الحرب الموارنة في واحد للدفاع عن رئيس الجمهورية الماروني وعن النظام اللبناني، تدعمهم قيادة الجيش اللبناني.

ومع انتشار ظاهرة التسلح في سائر المناطق، ونزولاً عند الضغط الشعبي، خاصة بعد أحداث العنف بأسوأ العواقب بين الجيش اللبناني والفلسطينيين، دعا سليمان فرنجية إلى خلوة وطنية في قصر بيت الدين، المقر الصيفي لرئيس الجمهورية، في نهاية أيار/مايو 1973 وكان من المقرر أن تدرس الخلوة الإصلاحات المطلوبة للبلاد ومسألة السلاح الفلسطيني والميلشيات التي بدأت تطل على الساحة بقوة، فجاءت مقررات الخلوة سطحية لا تعكس التحديات التي يواجهها لبنان على كافة الأصعدة، فلمواجهة خطر الميلشيات دعا اللقاء إلى التجنيد الإجباري وتغير قانون الانتخابي، وطبعاً لم يحصل أي شيء من هذا ، أما في مسألة الميلشيات فكان معروفاً أن فرنجية، رئيس الجمهورية الأمين على الدستور والنظام العام والذي رأس الخلة كان يحتضن ميلشيا خاصة بزغرتا هي ( لواء المردة ) التي كانت تتدرب على السلاح بعهدة ابنه طوني في نفس الوقت.

بدأت الحرب عام 1975 بين أحزاب الحركة الوطنية التي قادها كمال جنبلاط ، مدعومة من المقاومة الفلسطينية وخاصة من حركة فتح بقيادة ياسر عرفات، من جهة بمواجهة أمراء الحرب الموارنة الذين دافعوا عن الدولة اللبنانية ومصالحها، الذين يقودون جماعات مسلحة مسيحية تدعمها بعض فصائل الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، من جهة أخرى وكان أمراء الحرب والزعماء المسلمون والمسيحيون (صائب سلام وكامل الأسعد وبياء الجميل وكيل شمعون وسليمان فرنجية، إلخ) مناهضين لكمال جنبلاط والقوى التي رعها (راجع الفصل العاشر).

ظهرت أثناء الحرب عشرات القوى المسلحة بأسماء متنوعة ، وسنقتصر في هذا الفصل على تسمية (الميليشيا المسيحية) للإشارة إلى تكتل أحزاب الكتائب والأحرار والمجموعات التي حاربت معها وتسمية (ميليشيا  التحالف الفلسطيني) للإشارة إلى الأحزاب اللبنانية المنضوية في الحركة الوطنية التي قادها كمال جنبلاط وإلى التنظيمات الفلسطينية التي قادها ياسر عرفات.

 

الوسط التجاري

 في نيسان/ أبريل 1975 وبسبب الاستعدادات المسبقة للقتال لدى الطرفين، نشبت الحرب فوراً ولم يستغرق الأمر سوى بضع ساعات حتى ارتسمت خطوط التماس بين المناطق، وابتداء من ربيع 1976 بات خطوط المواجه العسكرية متاريس ثابتة بين بيروت غربية وبيروت شرقية ولم تتغير هذه الخطوط حتى نهاية الحرب المفتوحة عام 1990. وفيما سنعرض لواقع الكانتونات وصراعات أمراء الحرب في الفصل العاشر سنخصص هذا الفصل لعرض نتائج المواجهات من خراب لبيروت وضواحيها ولمصادر تمويل الميلشيات ولخسائر لبنان البشرية من ضحايا القتل والهجرة.

أدت الحرب إلى شل الاقتصاد وخراب جوهرية بيروت[4] خلال فترة دامت 19 شهرا أصبح عنوانها (حرب السنتين) بدأ الدمار الفعلي للاقتصاد اللبناني في قلب بيروت التجاري إذ كان وسط المدنية نقطة وسطية بين مناطق ذات أغلبية مسيحية ومناطق ذات أغلبية إسلامية. وقدرت خسائر الوسط بمليار و500 مليون دولار أميركي[5] في بداية الحرب كان الوسط التجاري وحي الفنادق بيد الميلشيا المسيحية ولكن لم يسلم الأمر تماماَ إذ كانت المنطقتان هدفا لأعمال القنص نهارا، فيما راحت (المليشيا المسيحية) تقوم بتلغيم المؤسسات التجارية ليلا بعد التأكد من هوية أصحابها المذهبية.

وقامت ميلشيا قوى التحالف بتفجير مخازن ومؤسسات يملكها مسيحيون في مناطق غرب المدنية بدأت الحرب اللبنانية في الساعة السادسة والنصف من مساء 13 نيسان /ابريل1975 واستمرت جولتها الأولى أربعة أيام،وهدأ الوضع يوم 17نيسان/ابريل بعد مصرع  وجرح 350 شخصا. وربما خيل للبعض أن الأمر انتهى عند هذا الحد، ولكن هذه الجولة كانت الأولى من حرب ستستغرق عشرات الجولات وتستهلك عشرات الاتفاقات لوقف إطلاق النار وستستمر 16 عاما[6]، وفيما نوفقت المارك طلية أشهر ربيع وصيف 1975، استمرت أعمال العنف من خطف وقتل وتفجير.

أما الجولة الثانية فقد بدأت في ليل 17 أيلول /سبتمبر 1975 للسيطرة على الوسط التجاري استمرت هذه الجولة عشرة أسابيع حتى كانون الأول /ديسمبر. باشرت المليشيا المسيحية الجولة بهجوم ساحق عبر ساحة الشهداء باتجاه الأسواق الشعبية حيث معظم أصحاب المخازن والبسط من المسلمين كـ (سوق سرسق) للملبوسات والأقمشة و(سوق النورية) الذي ضم سوق اللحوم والأسماك وسوق الخضار والفاكهة وشارع المعرض (نسبة إلى معرض أوروزدي باك التركي قبل المكان قبل الحرب العالمية الأولى).

واتجه الهجوم أيضا من شارع الجميزة نحو شارع الأمير بشير للسيطرة على (مجمع اللعازرية) التجاري وردت ميليشيا قوى التحالف بهجوم على (سوق الطويلة) المتخصص ببضائع الكماليات والملابس الأوربية الفاخرة،والذي يمتلك معظم متاجره مسيحيون استعمل الطرفان الأسلحة الفردية والمدفعية والمتفجرات فأصيبت الأبنية التجارية بالقذائف واشتعلت فيها الحرائق خاصة في الشوارع المزدحمة بالأسواق والبضائع وأصيب مجمع اللعازرية الذي تملكه شركة انترا بدمار كبير وشبت فيه الحرائق. وأقيمت الحواجز الطيارة في الوسط التجاري وفي الشوارع والأحياء المجاورة، حيث جرت الإعدامات الفورية حسب الهوية المذهبية بشكل يومي ((307حوادث خطف في يوم 1تشرين الأول /أكتوبر فقط). ويوم السبت 6كانون الأول/ديسمبر وقعت مجزرة في الوسط التجاري راح ضحيتها 300 شخص من المسلمي، .فكان المواطنون يجبرون على مغادرة سياراتهم ويقتلون فور التأكد من مذاهبهم. أو يخرجون من مكاتبهم ومتاجرهم لنفس الهدف. وفاقم من هذه الأفعال الخطأ الشنيع الذي ارتكبته الدولة اللبنانية بأن ضمنت بطاقة الهوية معلومات عن الدين والمذهب، ما سهل للمقاتلين من الطرفين اتخاذ قرارات إعدام فورية.

وداهم المسلحون مبنى كهرباء لبنان في نفس اليوم يطلبون رئيس الشركة فؤاد البزري، وهو مسلم سني من صيدا، بغيه قتله. لكن عدداً من الموظفين المسيحيين وقفوا سدا دون تحقيق ذلك إلى أن وصل أعضاء من المكتب السياسي لحزب الكتائب اللبنانية فأخرجوه سالما.و كانت الميليشيات من الطرفين تنهب مستودعات البضائع والمتاجر في وضح النهار، دليلا على غياب الدولة الكامل عن الأحداث، حتى استغرب الرأي العام لماذا عمدت الميليشيات إلى تدمير وسط بيروت الذي يمتلكه مسيحيون ومسلمون على السواء ويتعاش منه عشرات آلاف اللبنانيين ويعتبر نقطة الالتقاء الرئيسية لكل اللبنانيين. لقد دفع تدمير الوسط التجاري بعد نهبه أصحاب الأعمال الى مناطق ذات هوية طائفية صرف، ومهد لإطلاق فكرة (استحالة التعايش).

بعد الأشهر الأولى من 1975 لم تعد قوى الأمن والجيش تتدخل ما ترك المجال واسعا للسرقة والسطو المسلح، إلى درجة أن هذه الأعمال المنافية للقانون تعممت في مناطق بعيدة عن ساحات المواجهة وهادئة نسبيا. تذكر جاين مقدسي، زوجة الاقتصادي سمير مقدسي، أن عناصر الغوغاء من مدنيين ومسلحين هاجموا مجمع (سوبر ماركت سبينس) غرب بيروت المتخصص بالبضائع الاستهلاكية المستوردة خاصة من بريطانيا فكان هؤلاء يأتون ويذهبون بسياراتهم، وعلى الأقدام، يحملون البضائع المنهوبة من مأكولات وحاجيات منزلية وأدوات مطبخ.ومنهم رجل ملأ سيارته بصناديق معلبات وعاد إلى منزله ليكتشف أن محتويات المعلبات كانت طعاما للقطط،كان تعليقه فلسفيا-ليس أنه اقترف جريمة سرقة بل (أنه لا يصدق كيف تجرؤ على بيع أكل القطط فيما الشعب اللبناني يشكو من الفقر والجوع(.

 

 

ولم يكن شخص أخر أكثر حظا، إذ انه ملأ سيارته بصناديق الطعام ودخل إلى المتجر ليأتي بالمزيد ولكن شخصا أخر اغتنم الفرصة وسرق السيارة بما فيها وعاد صاحب السيارة وهو يصرخ بأنه (لم يعد ممكنا الوثوق بأحد في هذا البلد[7]) لقد أصبح منظر وسط بيروت، بعد أشهر من القتال، وكأنه مأخوذ من مدن بولندا بعد الغزو النازي وقد ملأت الأبنية المهدمة والحطام ساحة شهداء لبنان وساعة الزهور الناطقة وأصيب تمثال الساحة،رمز الحرية، برصاص متقاتلين. وأصبحت هياكل الأوتوبيسات العامة المحترقة جزءا من متاريس الحرب اللبنانية. وأصاب الدمار والخراب سوق الذهب والأسواق القديمة التي تحتفل بها مدن الشرق كدمشق وحلب وطرابلس وصيدا. وفي الفترة الممتدة من أيلول/سبتمبر1975 وحتى آذار 1976 التهمت الحرائق والقذائف دور السينما والمسارح والمصارف والمتاجر وسوق الذهب والأسواق الداخلية.

وفي حين كانت معظم دور السينما الجديدة بعيدة عن الوسط، في حي لحمرا التجاري غرب بيروت كانت دور الوسط التجاري عريقة ومعروفة لكل الأجيال والطبقات كسينما الأمبير والريفولي والكابيتول وبيبلوس ولوغران تياتروستي بالاس. وقد اختفت هذه الدور نهائيا بعد تدميرها.

 

حي الفنادق

كان حي الفنادق الشهير على واجهة بيروت البحرية هدفا أخر لحرب خراب بيروت لقد توقع المستثمرون أن يكون العام 1975 أفضل للسياحة والزوار من العام 1974 خاصة أن مشاريع كثيرة قد بدأت لبناء فنادق ضخمة بمئات الغرف. وفعلا نشأت في الأشهر الأولى من 1975 أبينة فخمة وجميلة في حي الفنادق مثل أوتيل هوليداي ان يجاوره مركز سان شارلو فندق هيلتون ونورماندي، أعطيت بيروت مسحة مدنية غربية فخمة.

وكانت هذه المنطقة تحت سيطرة الميليشيا المسيحية التي امتد نفوذها إلى عمق غرب بيروت ابتداء من المرفأ والزيتونة إلى عين المريسة وتواجدت في أحياء القنطاري والصنائع وكليمنصو وأقامت حواجز طيارة في ساحة كنيسة الوردية في حي الحمراء وفي كورنيش المنارة والروشة. وكانت تنظيمات ميليشيا قوى التحالف قد اتفقت على اجتياح الفنادق وإزاحة الميليشيا المسيحية، بدأت المعارك في هذه المنطقة في تشرين الأول/ أكتوبر1975، وفي ليلة 25 منه هاجمت ميليشيا التحالف حي القنطاري الأرستقراطي. والقنطاري كان حيا سكنيا هادئا تقيم به عائلات ثرية ويضم قصر هنري فرعون وقصر رئيس الجمهورية القديم (اشتراه الرئيس رفيق الحريري فيما بعد وأصبح أستوديو لـ"تلفزيون المستقبل") أو تعرض هذا الحي لنهب منظم وتخريب وتدمير في وضح النهار. وبات شأنا عادياً رؤية الشاحنات العسكرية وسيارات الاندروفر التابعة لميليشيا التحالف محملة بالشمعدانات الثمينة والسجاد الفاخر والمفروشات والمجوهرات للمنفعة الشخصية للنافذين في الجماعات المسلحة ولتغطية أعمال النهب والسطو، قام المقاتلون بحرق الأبنية والمنازل. وإذ فرغت الأبنية والمتاجر والمنازل من مفروشاتها وبضائعها وأشيائها المنقولة، بدأ اللصوص من الجماعات المسلحة في سرقة بلاط المنازل والأبواب والنوافذ والأدوات الصحية وأي شي يمكن نزعه من معادن وأخشاب وغيرها. وأدت عملية القنطاري إلى وصول قوى التحالف اللبناني الفلسطيني إلى الشارع الرئيسي المطل على برج المر وفندق الهوليداي إن.

بعد (مجزرة السبت الأسود) في السادس من كانون الأول/ديسمبر1975، كان الوضع في البلاد يمهد للجولة الثالثة. إذ انسحب كمال جنبلاط وحلفاؤه اللبنانيين من (لجنة الحوار الوطني) حتى يتم جلب مرتكبي المجزرة إلى المحاكمة. وبانهيار الحوار،قامت الميليشيا المسيحية في اليوم التالي بتعزيز مواقعها في منطقة الفنادق، واتخذت مواقع داخل فندق الهوليداي إن وفي الواجهة البحرية، وفي الثامن من كانون الأول/ديسمبر، بدأت ميليشيا التحالف هجوما على منطقة الفنادق. بدأ الهجوم من ناحية حي البحر على فندقي فينيسيا وسان جورج وفنادق صغرى كالVendomeوpalm beach لتطويق ميليشيا الكتائب المتمركزة في الهوليداي إن وحي الزيتونة. حتى ذلك العام كان فينيسيا وسان جورج الفندقين الأكثر عراقة وقدما في تاريخ  لبنان الحديث، وكانا موضع إشادة كتب أجنبية وكتب الإرشاد السياحي، واختيرا دوما لتصوير الأفلام العربية والأجنبية[8]. وكانا الموقعين لإقامة الدبلوماسيين والوزراء العرب والأجانب وعملاء أجهزة المخابرات من كل الدول، حيث كانت الحانة في كل فندق نقطة لقاء رئيسية لأي زائر مهم لبيروت.

تمكنت ميليشيا التحالف من احتلال السان جورج وإشعال فينيسيا خلال يوم واحد واستمر القتال أسبوعا ثم أعلنت هدنةيوم 15 كانون الأول/ديسمبر 1975 ولم يكن الوضع الميداني لصالح القوى المهاجمة إذ كان يفصل فينيسيا والقنطاري عن بقية منطقة الفنادق مساحة واسعة من الفضاء الرحب الذي سيطر عليه قناصة الميليشيا المسيحية ولم يكن مصير هذه الفنادق أفضل من مصير القنطاري أو الوسط التجاري إذ تركت العصابات المسلحة فينيسيا والسان جورج والفنادق الأخرى في وضع مزر من حيث الدمار والخراب والنهب الكامل. وأشارت وكالات الأنباء الغربية إلى أن ما يحدث لبيروت هو حقد همجي وكابوس لا يصدق، خاصة لما عناه الفندقان للزوار الأجانب، ونقل مراسل وكالة أنباء غربية عن لسان أحد المقاتلين: (نحن نقاتل من أجل الحضارة الغربية).

استمرت المعارك في بيروت ومناطق لبنانية أخرى، في حين تجمدت خطوط المواجهة في منطقة الفنادق مرحليا. وفي آذار/ 1976 فيما كانت المليشيا المسيحية تستعد للمواجهات قادمة أحضرت ميليشيا التحالف الفلسطيني اللبناني أسلحة ومعدات أكبر من السابق بعدد أكبر من المقاتلين .وكان بدء انقسام الجيش اللبناني وتصعيد الموقف السياسي في البلاد يؤذن باندلاع الاشتباكات مجددا في المنطقة الفنادق.ركزت قوى التحالف على فندق الهوليداي إن استراتيجي  وكان للفلسطينيين ولـ (حركة المرابطون) ذات الأغلبية السنية في بيروت بقيادة إبراهيم قليلات الدور الأكبر في معركة (الهوليداي إن) وشارك أحمد جبريل رئيس الجبهة الشعبية القيادة العامة شخصيا في المعارك ولكن الميليشيات المسيحية كانت محصنة تماما في مواقعها في الفنادق الكبرى فقامت بهجوم مضاد بـ29 دبابة حضرت عبر شارع باب إدريس ومركز ستاركو.

واستمرت المواجهات الدموية العنيفة عشرة أيام فسقط عشرات القتلى وجرح المئات من الجانبين واشتعلت الحرائق بدون أي تدخل من خدمة الإطفاء أو الدفاع  المدني هذه المرةو بعد سقوط الهوليداي إن بأيدي ميليشيا التحالف سقطت مواقع أخرى منها مجمع الستاركو وفندق النور ماندي وأوتيل هيلتون الذي (لم يكن قد افتتح بعد) ثم دار قتال من مبنى إلى مبنى ومن بيت إلى بيت ما حدث دمارا رهيبا في المنشات المدنية في تلك المنطقة وشكل ضربة قاضية للقطاع السياحي اللبناني.

لعدة أسابيع شوهدت مجموعات مسلحة من جميع الأطراف تغادر منطقة الفنادق بسيارات وشاحنات محملة بالبضائع من المتاجر والمنازل من ملبوسات ومجوهرات وكماليات لقد نهب رجال الميلشيات مجمع ستاركو التجاري بمخازنه الفريدة ومحلات البوتيك المخصصة ثم أحرقوه ليخفوا عملهم، وأجهزوا على محتويات الفنادق، ليس من المفروشات والتجهيزات فحسب، بل بتعريتها تماما من النوافذ والأبواب والديكور والأدوات الصحية.

لقد نظر الرأي العام إلى معركة الفنادق بأنها (حرب الحرامية) (أي اللصوص باللهجة الدراجة) كما لقب زهير محسن زعيم منظمة الصاعقة الفلسطينية التابعة لسورية بـ (زهير عجمي) نسبة إلى السجاد العجمي الفاخر الذي سرقه أعضاء هذه المنظمة، إضافة إلى أعمال نهب لا تعد قاموا بها، وسنأتي على ذكر بعضها لاحقا.

أسفرت معركة الفنادق عن تدمير منشات فندقية تشكل 40 بالمائة من مجموع السياحة الجيدة في لبنان أو ما مجموعه 2461 غرفة[9]  كان المشهد بعد المعركة كارثيا، فمن برج المر والقنطاري والكورنيش غرباً وحتى الوسط التجاري شرقاً بدت المباني مدمرة محروقة، خرقتها قذائف المدفعية والدبابات وتركت تتدهور بسكينة تحت أمطار غزيرة من فصل شتاء 1976 وملأ الركام والسيارات المحروقة الطرقات وبدت المنطقة مغطاة بغيمة دخان أسود تتخللها ألسنة اللهب، كيلو متر بعد كيلو متر من المنشآت والمخازن تعرضت للنهب والخراب من السان جورج وحتى ساحة الشهداء في وسط المدينة.

 

مرفأ بيروت

لم ينج مرفأ بيروت من وقع الحرب التي أحاطت به، ذلك انه يقع على حافة الوسط التجاري البحرية وأصبح عرضة لمحاولات السيطرة، والتهديد بالعنف، حتى العام 1974 كان مرفأ بيروت هو الأكبر في الشرق الأوسط يستقيل  أربع آلاف سفينة في السنة تنقل أكثر من خمسة ملايين طن من البضائع من جميع أنحاء العالم، وإلى كل دول الشرق الأوسط في حركة ترانزيت مربحة للغية، إضافة إلى 200 ألف مسافر.

أسفرت معركة الفنادق عن تراجع الميلشيا المسيحية على مساحات شاسعة من بيروت وتقدم ميلشيا التحالف حتى أطراف المرفأ والسيطرة على ساحة النجمة حيث يقع البرلمان والشوارع التجارية والأسواق التجارية التي تدمرت في الجولة السابقة وسوق الطويلة، حتى أن مسلحي (المرابطون) استطاعوا التقدم في الطرف البحري من ساحة الشهداء باتجاه بيت الكتائب المركزي في الصيفي فتصدت لهم منظمة الصاعقة الفلسطينية التابعة لسورية.

في آذار/ مارس 1976 تراجعت الميلشيات المسيحية إلى مواقع محصنة شمال ساحة الشهداء للدفاع عن المناطق المسيحية وكانت خطوط الجبهة في العاصمة وضواحيها تمتد من وسط بيروت حتى بلدة الكحالة جنوب العاصمة وهو خط يبدأ في الوسط التجاري حتى معبر مبنى السويديكو وهو مدخل الأشرفية ونقطة حربية ساخنة، ومن هناك يتواصل خط التماس مروراً بـ (ستاد دي شايلا) وميدان سباق الخيل في جنوب المدينة، ثم الخط الفاصل لجبهة الشياح – عين الرمانة إلى أحياء صفير والمعلم والليلكي وسان تريز وكلية العلوم، بقي هذا الخط على حاله خلال 15 سنة من الحرب وقسم بيروت عملياً إلى غرب بأغلبية مسلمة وأقلية مسيحية وشرق بأغلبية ساحقة مسيحية.

في 8 نيسان / أبريل 1976 ابتدأت معركة السيطرة على مرفأ بيروت وكأن طرفي الحرب كانا في سباق لنهب وتدمير رمز آخر من رموز الاقتصاد اللبناني، فكانت النتيجة نهب بضائع من مخازن المرفأ بقيمة مليار دولار وحرق منشآت ومعدات وبضائع أخرى بقيمة مماثلة[10]، لقد تصاعدت أعمدة الدخان وألسنة اللهب من مستودعات المرفأ في سماء المدينة وباتت تشاهد بأم العين من مسافة بعيدة في حين استمرت المعارك حول المرفأ لمدة شهر، كما قامت ميليشيا التحالف بمحاولة جديدة لنزع المرفأ من الميليشيا المسيحية في 4 أيار/ مايو 1976 في وقت تحولت فيه الحرب إلى مواجهات إستراتيجية بأسلحة ميدانية بسبب انهيار الجيش ودخول معداته الميدان ومشاركة جيش التحرير الفلسطيني والصاعقة وحركة فتح بشكل سافر فبداً استعمال صواريخ غراد من مخازن حركة فتح ومدفعية هاوتزر من مخازن الجيش اللبناني وأسلحة أخرى من للمرة الأولى في الحرب ليلة 29 -30 أيار/ مايو لقصف المرفأ ومحيطه.

كانت الخسائر المباشرة لضرب المرفأ ونهبه أقل من الأثر البعيد المدى الذي أحدثه إقفال أهم نقطة حيوية للتجارة اللبنانية، حيث توقف مرور البضائع ونشاط الترانزيت الإقليمي وانتشرت بعد ذلك المرافئ الميليشياوية وتقلصت إلى درك خطير واردات الدولة من الرسوم الجمركية، لقد انتفعت المرافئ غير الشريعة على الساحل اللبناني ما عطل فاعلية ونشاط مرفأ بيروت، كما أن سورية عمدت إلى تطوير وتوسيع مرفأ طرطوس للعب دور أكبر في حركة البضائع في المنطقة العربية، ولم تكن هذه المعركة نهاية المصائب للمرفأ بل بقي عرضة للابتزاز والقصف المدفعي في سنوات الحرب، وتعرضت مخازنه للتخريب مراراً.

 

مطار بيروت الدولي

 وصلت يد الحرب إلى مطار بيروت الدولي جنوب العاصمة، فبعد أن وصل عدد المسافرين عبر المطار 3و2 مليون شخص عام 1974 وحجم البضائع 146 ألف طن، تدهورت الأرقام إلى الحضيض وأقفل المطار لفترات طويلة في حرب الستين، أما عام 1977 الذي شهد هدوءاً نسبياً فلقد ارتفع عدد المسافرين إلى 5و1 مليون شخص وحجم البضائع إلى 65 ألف طن، ولكن المستوى المحقق عام 1974 لم يسترجعه لبنان طيلة 25 عاماً بعد ذلك.

في العام 1974 كان الشركة الوطنية (طيران الشرق الأوسط الميدل إيست) تخطط لفتح خطوط جديدة إلى أميركا الشمالية ابتداء من أوائل 1975 وظل ذلك مجرد أمنية، وأثناء الحرب تعرض المطار للقصف عشرات المرات، وبآلاف القذائف، فتدمر أجزاء مدرجه ومبانيه وأقفل لفترات طويلة بلغ بعضها عاماً كاملاً.

ومع تدهور وضع مطار بيورت، واجهت الشركتان الوطنيتان، طيران الشرق الأوسط وشركة طيران عبر المتوسط صعوبات فادحة، لقد تعرضت شركة طيران الشرق الأوسط لخسائر فادحة في الفترة 1975 – 1980 حيث أظهر تقرير صادر عن الشركة عام 1981 أن الخسائر السنوية بلغت 22 مليون دولار في عام 1975 و 1976 و 6 ملايين دولار كل عام بعد ذلك.

ورغم التخريب والتدهور الذي عانى منه المطار خلال الفترة 1975 -1980 إلا أن هذه السنوات كانت أفضل نسبياً من عقد الثمانينات، حيث عمت الفوضى الشاملة لبنان وتدهور الوضع الأمني إلى الحضيض، في حزيران/ يونيو 1982 أثناء الغزو الإسرائيلي للبنان، كان المطار مسرحاً لمعركة رئيسية عندما حول الجيش الإسرائيلي استعمال المطار كطريق بديلة لدخول بيروت بعدما واجه مقاومة شديدة لبنانية- فلسطينية عند مثلث خدلة جنوب المطار وأسفرت هذه المعركة عن إلحاق ضرر وخراب واسع في المدارج والمنشآت حيث جرت معركة بالدبابات على المدرج الثاني، وشهد لبنان سلسلة عمليات خطف للأجانب والطائرات المدنية في الثمانينيات، إذ بعد العام 1983 لم يعد أحر يريد أن يسافر عبر مطار بيروت عدا عدد قليل من الزوار والصحفيين ومواطنين لبنانيين عائدين من المغتربات والدول العربية.

وإشارة إلى المنحر الذي بلغ غياب الدولة اللبناني، فإن المليشيات القريبة من المطار أو المطلة عليه فرضت نفوذها على ظروف عمله وتشغيله، وحظي بعض الميلشيات بأحقية دخول الأماكن المحظورة في المطار في زمن السلم لغير الموظفين أو لعناصر الأمن العام، كما أن المسلحين دخلوا المدرج بآلياتهم، وشهد عام 1985 عدداً من عمليات خطف الطائرات منها خطف طائرة أميركية تابعة لشركة twa tarns world  airlines  حيث حطت الطائرة في المطار الخاضع للفوضى وأخرج الخاطفون ركابها ونقلوهم إلى ضاحية بيروت الجنوبية ووقعت عملية خطف طائرة أردنية تم تفجيرها على المدرج فقامت جماعة أخرى بخطف طائرة تابعة لشركة طيران الشرق الأوسط اللبنانية احتجاجاً على عملية الطائرة الأردنية وأصبحت مسألة خطف الطائرات أسلوباً للتعبير عن الاحتجاج، وفي حادثة أخرى، قام موظف في المطار بخطف طائرة تابعة لطيران الشرق الأوسط إلى قبرص للاحتجاج على أجور الموظفين المتدنية، وكان مسلحون يدخلون مدارج المطار بسيارات اللاندروفر لاستقبال رفاقهم العائدين على متن طائرات وصلت إلى المطار حتى لا يصرفوا الوقت في شكليات دخول لبنان من ختم الأمن العام وصلاحية وثائق السفر، وكانت صور شخصيات لبنانية كالرئيس السوري حافظ الأسد ملصقة على جدران مبنى المطار وليس شخصيات لبنانية كرئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة مثلاً، هذه الأحداث المؤسفة ساهمت في عزلة لبنان، إذا بعد حادثة خطف طائرة twa طلبت الحكومة الأميركية من شركات الطيران العالمية مقاطعة مطار بيروت، ولم يرفع الحظر الأميركي حتى العام 1998 عندما حففت واشنطن من قيود سفر الأميركيين إلى لبنان دون أن يتضمن ذلك عودة شركات الطيران الأميركية  إلى بيروت.

 

المناطق الصناعية وحزام البؤس

في أوائل السبعينات وفيما كان معظم بيروت وقرى وبلدات جبل لبنان يماثل أوروبا الغربية في العمران والنظافة والتطور، ازدحم حزم البؤس الذي لف العاصمة بالفقراء من مواطنين لبنانيين أغلبهم من المسلمين، ما منح بعداً اجتماعياً لشكوى استغلها البعض كحملة دعائية للحقن ضد (الغبن الذي لحق المسلمين جراء دولة الامتيازات المارونية) كما ضم الحزام عددا من المخيمات الفلسطينية الكبرى المدججة بالسلاح والتي شكلت دولة ضمن دولة.

في العام 1974 بدت الضواحي التي طوقت بيروت من الشمال والشرق والجنوب وكأنها امتداد لمدينة كلكوتا في الهند، رمز الفقر المدني في العالم، فكان وجود الحزام البائس يعمق الشرخ الاجتماعي، بين اللبنانين، يشاهد سكانه يومياً بيروت الناهضة بأحيائها الجديدة والعريقة والثرية بمظاهر الـ chic والموضة في أوائل السبعينات ويتحسرون على خدمات وبضائع متوفرة  لغيرهم لم ينالوها، ولا بشق الأنفس، لقد بلغ عدد الأحياء 20 حياً ومخيماً في حزام بؤس شكل نصف دائرة حول بيروت بدءاً من الشمال وانتهاء بالضاحية الجنوبية، وهي: ضبية وحارة الغورانة والمسلخ والرنتينا والنبعة وكامب طراد وتل الزعتر وجسر الباشا وبرج البراجنة صبرا وشاتيلا ومار الياس وجيوب فقير في الشياح والغبيري وحارة حريك وحي السلم والأوزاعي، وبينما عجت المقاهي بلبنانيين يرتدون الملابس الحديثة والمرتفعة الثمن يتحدثون عن آخر رحلة قاموا بها إلى باريس أو عن سفرتهم القادمة إلى لندن، ويناقشون أخر كتاب اللجان بول سارتر وأخر فيلم لفديريكو فلليني، كان مئات الألوف من مواطنيهم في أكواخ البؤس يعالجون مسألة الحصول على خبزهم اليومي، وكان الفقر والأمية من عوامل ازدياد الازدحام السكاني في الضواحي حيث كانت  عائلات من 12 عضواً تقيم في غرفتين بدون تجهيزات صحية أو كهرباء أو مياه شفة.

ورغم أن النمو الاقتصادي فاق النمو السكني في العقد الذي سبق الحرب، إلا أن المعدلات كان تخفي سوء توزيع الدخل، ما دأدى إلى مشاكل اجتماعية بالغة التعقيد[11]، فكان أمراء الحرب والتجار، من مواقعهم الخاصة أو في المنصب الرسمي، يروجون لصورة وردية عن لبنان حيث يمكنك السباحة في البحر المتوسط صباحاً والتزلج على السفوح الثلجية بعد الظهر، وهي صورة بقيت مجهولة وغريبة عن قسم كبير من السكان ذوي الدخل المحدود ، لقد وصل تكثف السلطة والمال في لبنان في الستينيات وأوائل السبعينيات إلى مستويات جعلت سكان لبنان الطرفي وضواحي البؤس حول بيروت، في حالة إحباط اقتصادي ونقمة عارمة ضد قوى الأمر الواقع.

لقد رأى أمراء الحرب والتجار أن استمرار حزام البؤس ضروري بسبب دوره الهام في رفد الاقتصاد اللبناني بالنسبة الأكبر من اليد العاملة الرخيصة في الزراعة والصناعة والخدمات، وباستثناء العمال السوريين والفلسطينيين، بلغ حجم القوى العاملة في لبنان 450 ألفاً عام 1966 و650 ألفاً عام 1974 في حين ازداد عدد العمال السوريين والفلسطينيين من 150 ألفاً إلى 300 ألف في نفس المرحلة (أنظر الجدول 7 الملحق الإحصائي) وتوزعت نسبة القوى العاملة على القطاعات الإنتاجية كما يلي:

25 بالمائة في الزراعة و15 بالمائة في الصناعة و60 بـ المائة في الخدمات وبحكم حاجة المناطق الصناعية إلى اليد العاملة الرخيصة كان تواجدها الجغرافي في وسط الأحياء والمخيمات تطوراً طبيعياً منذ الخمسينات وخاصة في المكلس والدكوانة وجسر الباشا وتل الزعتر، وكان قرار الميليشيات المسيحية بتطهير هذه المناطق من الفلسطينيين والمسلمين سبباً في دمار المنشآت الصناعية.

دفع سكان حزام البؤس ثم الحرب التي ابتدأت عام 1975 إذ كان شبابه بسبب نقمتهم يلتحقون، بنسب أعلى بكثير من فئات المجتمع الأخرى، بالمجموعات العسكرية المسيحية والإسلامية والفلسطينية، فأصبحوا وقود الحرب الحي، كما تعرضت هذه الأحياء لحروب إبادة أدت إلى اختفاء معظمها وجرفها إلى الأبد وإلى قتل وجرح عشرات الألوف من سكان هذه المناطق من فلسطينيين ولبنانيين، مسلمين ومسيحيين، تجدر الإشارة إلى أن الجولة الأولى من حرب السنتين بدأت في الضواحي بحادثة عين الرمانة، وهناك توافق على التاريخ (التاريخ الرسمي) للحرب اللبنانية وهو 13 نيسان/ أبريل 1975 عندما فتح مسلحون من حزب الكتائب النار على باص وقتلوا 27 من ركابه معظمهم من الفلسطينيين وذلك رداً على مقتل كتائبيين باكراً ذلك اليوم، وما إن انتشر خبر حادثة عين الرمانة حتى شب قتال دام 4 أيام في بيروت وطرابلس وصيدا، وكان رد الفلسطينيين على حادثة عين الرمانة مباشراً، إذ في مساء ذلك اليوم أطلقوا مئات القذائف من مواقع داخل مخيم تل الزعتر على حي الدكوانة ذي الأغلبية المسيحية ما أدى مصرع 40 شخصاً وشمل القتال تل الزعتر والدكوانة وفرن الشباك والشيح وعين الرمانة ، وفيما انتهت الجولة الأولى خلال أيام، أبقت الميليشيا المسيحية الطوق على تل الزعتر وحافظ المسلحون من جميع الأطراف على مواقعهم.

إنهار الوضع السياسي بعد استقالة حكومة رشيد الصلح الموالي لكمال جنبلاط في 23 أيار/ مايو 1975  فبدأت الجولة الثانية في الحرب في اليوم التالي انطلاقاً من تل الزعتر بالذات ثم لحقتها هدنة طويلة استمرت حتى أيلول/ سبتمبر في 11 كانون الأول / ديسمبر هاجم 1200 مقاتل من الميليشيا المسيحية مواقع يسيطر عليها الحزب السوري القومي الاجتماعي في جل الديب شمال بيروت فحققت نصراً سريعاً وفي 16 من نفس الشهر هاج 500 عنصر من نفس الميليشيا حي سبنيه في الضواحي الجنوبية التي كانت تحت سيطرة الحزب التقدمي الاشتراكي، وفي معركتي جبل الديب وسبينه تم تهجير السكان ومعظمهم من الشيعة ، كما قامت الميليشيا المسيحية باستعراض الأسرى من المسلمين في الشوارع شرق بيروت ، وردت قوى التالف الفلسطيني اللبناني بالهجوم على كفر شيما جنوب بيروت وحاولت الوصول إلى الحازمية وفرن الشباك عبر الكحالة.

في 4 كانون الثاني/ يناير 1976 منعت المليشيا المسيحية شاحنات التموين من دخل تل الزعتر وأحكمت الطوق على المخيم، فقامت قوى التحالف بمحولة غير ناجحة لاقتحام حي (حرج تابت) لنجدة تل الزعتر يوم 8 كانون الثاني/ يناير، وفي الربع عشر من الشهر سقط مخيم ضبيه الصغير في ضاحية بيروت الشمالية الذي قطنته عائلات مسيحية فلسطينية التزمت جانب الحياد في الحرب فقتلت الميليشيا المسيحية الكثيرين من سكان المخيم وفر من بقى حياً، ودفع هذا التقهقر في وضع مخيمات شرق بيروت حركة فتح، كبرى التنظيمات الفلسطينية وبدعم جنبلاط وحلفائه، وكان ميليشيا المسيحية مطوقة في ضواحي العاصمة، حيث امتددت بأغلبية إسلامية لبانية وفلسطينية من الكرنتنا والمسلخ (27 ألف نسمة) شمالاً بالتبعة (50 ألف نسمة) وتل الزعتر (40 ألف نسمة) وجسر الباشا ورغم ان هذه المناطق لم تكن متصلة جرافياً، إلا أنها كان تهدد بوقوع الجزء الشرقي من العاصمة بأيدي ميليشيا التحالف اللبناني الفلسطيني، وزاد الوضع سوءاً جماعات مسلحة في حي المسلخ والكرنتينا قامت باحتلال الجسرين الوحيدين اللذين يربطان بيروت بشمال البلاد عبر نهبر بيوت ما قطع آخر طريق مفتوح بين الأشرفية ومناطق بيروت المسيحية والعمق المسيحي، فصعدت الميليشيا المسيحية هجوما على أحياء المسلخ والكرنتينا المجاورين للمرفأ والمنعزلين عن حي النبعة واشتراك في المعارك 3000 مقاتل من الميلييشيا المسيحية ، ولم تصمد الكرنتينا طويلا إذ سقت خلال عشرة أيام وهجر من تبقى من سكانها على قيد الحية نحو غرب العاصمة، في حين استمرت الاشتباكات في الأزقة والحواري لتصفية جيوب المقاومة التي أبداها مقاتلو الحي من المسلمين، واحتلت مشاهد معركة الكرنتينا والمسلخ صفحات الجرائد الأولى في أنحاء العالم، فصدمت الرأي العام  العالمي مناظر الجثث المحترقة بالعشرات، والأبنية التي تأكلها النيرات يتجول بيها المسلحون ومنظر المدنين من سكان الحي يقفون في صفوف وأيديهم فوق رؤوسهم يديرون وجهوهم إلى الجدران[12].

من ناحيتها كانت ميليشيا التحالف تحاصر بلدتي الدامور والجية المارونيتين منذ 13 كانون الثاني/ يناير 1976 جنوب بيروت تمهيداً لمهاجمتها، فتدخلت طائرات الجيش للبناني بعد ثلاثة أيام وأغارت على مواقع لميليشيا التحالف في خلدة وعرمون جنوب بيروت وقتلت 35 شخصاً. ولدى سقوط الكرنتيانا قامت ميليشيا التحالف بهجوم غاضب على الدامور والجية يوم 20 كانون الأول/ يناير ووقعت مجزرة دموية أسفرت عن مصرع 500 من السكان المسيحيين المدنيين منهم أعضاء في أحزاب يسارية منضوية في الحركة الوطنية التي قادها كمال جنبلاط فكان موسم القتل مذهبياً محضاً كمثيله في الكرنتينا ثم عمل المهاجمون على نهب الدامور بيتاً بيتاَ، يساعدهم في ذلك مدنيون أتوا من القرى المجاورة ومن بيروت وصيدا، ولعدة أيام  عرضت مفروشات منازل الدامور والحاجيات الخاصة وبالبضاعة المنهوبة على أرصفة بيروت الغربية للبيع، وتعرضت السعديات لمصير مماثل في حين نهب قصر شمعون وأحرق، وغادر 5000 من أهل الدامور والجية بحراً إلى شرق وشمال فلجأ إلى الأديرة والمدارس وأقام بعضهم في منازل هجر منها المسلمون.

في 13 أيار/ مايو 1976 اتخذت حرب السيطرة على ضواحي بيروت بعداً خطيراً، إذ إن ميليشيا التحالف وقد بات اسمها ( القوات المشتركة ) بعد انضمام جيش لبنان العربي المنشق عن الجيش اللبناني بقيادة الرائد أحمد الخطيب بدأت حملة واسعة لالتفاف على ما تبق تحت سيطرة الميليشيا المسيحية، وكانت القوات المشتركة معادية لسورية تطالبها بسحب قواتها من لبنان، وتقوم في نفس الوقت بهجوم عسكري الجبل لالتفاف على كسروان وعمق المناطق المارونية، وأمام احتمال انهيار الصمود المسيحي، قررت سورية في 31 أيار/ مايو 1976 التدخل العسكري الواسع لدعم نظام رئيس الجمهورية سليمان فرنجية ووقف التقدم الميداني لميلشيا التحالف، وفي يوم واحد دخل لبنان 6000 جندي سوري إنضموا إلى آلاف آخرين سبقوهم في الأشهر السابقة وألفي جندي من لواء حطين الفلسطيني و7000 مقاتل من منظمة الصاعقة الموالية لسورية والتنظيمات اللبنانية الموالية لسورية، وكان التدخل السوري الواسع في لبنان نقطة تحول هخامة في الحرب وضعت نهاية لانتصارات ميليشيا التحالف الفلسطيني اللبناني المتتالية خلال فترة آذار/ مارس – حزيران/ يونيو 1976 ورجحت كافة الميليشيا التي استعادة المبادرة.

في 3 حزيران/ يونيو احتلت الدبابات السورية مثلث خلدة جنوب العاصمة فارضة الحصار على المناطق الغربية التي تسيطر عليها القوات المشتركة ، رغم أن اليوم السابق شهد لقاء بين قائد الميليشيا المسيحية بشير الجميل، وكمال جنبلاط في منزل الأخير غرب بيروت فقد أسفر التحرك السوري عن إحكام الطوق على الشطر الغربي من العاصمة، ثم دخل لبنان 6000جندي سوري إضافي فأصبح حجم القوة التي حشدتها سورية، وحلفاؤها في لبنان يفوق بكثير ذلك الذي تمتعت به الميليشيا التحالف، وكان هذه الميليشيا قد فرضت حصارً على بلدة زحلة المسيحية في البقاع كرة على حصار تل الزعتر في بداية 1976ماخلق توازن رعب يذكر أن مصير زحلة مرتبط بمصير المخيمات والأحياء والإسلامية شرق بيروت.

ولكن الغزو السوري الواسع رفع الحصار عن زحلة وخفف الضغط عن الميليشيا المسيحية فبادرت هذه الأخيرة إلى اقتحام ما تبقى من مناطق إسلامية لبنانية وفلسطينية محصنة من شرقي وشمال بيروت والتي أصبحت جزراً معزولة في محيط تسيطر عليها الميليشيات المسيحية تمام (النبعة وتل الزعتر وجسر الباشا) وكان مخيم جسر الباشا أسهل الأهداف بعدد سكان لا يزيد عن2000 شخص تفصله عن تل الزعتر منطقة المكلس الصناعية فسقط جسر الباشا بعد ساعات من بدء الهجوم يوم 28 حزيران/ يونيو.

أما مخيم تل الزعبر الذي كان محاصراً منذ كانون الأول/ يناير، أي منذ119 يوماً ، فقد صمد لمدة 52 يوماً إضافية أما هجوم كبير استعملت فيه المدافع البيرة والدبابات بشكل كثيف خاصة وأن مساحته لم تتجاوز بضعة ملاعب كرة قدم، بدأت معركة تل الزعتر يوم 22 حزيران/ يونيو في وقت كان ميلشيا التحالف تخوض حرباً شعراء ضد الجيش السوري وحلفائه الفلسطينيين واللبنانيين في الجبل وصيدا، وحاولت ميليشيا التحالف نجدة تل الزعتر المخيم، ولم يكتب لهذه المحاولات لهذه المحاولات النجاح خاصة أن المدفعية السورية اشتركت في معركة تل الزعتر، وحاول الفلسطينيون التوسط مع الرئيس السوري حافظ الأسد في 20 تموز يوليو لإنهاء معركة تل الزعتر دول الوصول إلى نتيجة.

وكانت معركة مماثلة تدور في حي النبعة ذات الأغلبية الشيعية والذي يقع شمال تل الزعتر، وبعد 50 يوماً من الحصار والمعارك وبدون ماء أو كهرباء أو غذاء توسط الأمام موسى الصدر، رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، وكامل الأسد رئيس مجلس النواب اللبناني، لدخول مسالم الميليشيا المسيحية إلى النبعة وذلك يوم 6 آب/ أغسطس، ولكن القوى التي كانت تقاتل في النبعة لم تعر هذا التوسط والاتفاق اهتماماً إذ كان معظمها موالياً للحركة الوطنية وليس للجماعات الموالية لسورية فاستمرت في دفاع يائس لعدة أيام حتى انهارت المنطقة في العاشر من نفس الشهر وتعرض سكان المنطقة للتهجير القسري ، فيما قام أفراد الميليشيا المسيحية بنهب المنازل والمتاجر، ما أدى إلى اشتباكات بين بعض المهاجمين أنفسهم وتعرض مخيم كامب طراد لأن سكانه الأرمن قدموا المساعدة لسكان النبعة ، جيرانهم منذ  أكثر من 50 سنة.

وبسقوط النبعة فقد تل الزعتر سند الأقوى شرقي بيروت وبات العقل الوحيد الذي صمد طويلاً في وجه الميليشيا المسيحية، وبعد سبعة أساببيع من الحصار والقصف والمعارك وغياب الماء والكهرباء والطعام، وصل عدد القتلى والجرحى داخل المخيم إلى الآلاف وعانى معظم الباقين من أمراض متعددة وتفشت الغرغرينا حتى في الأشخاص الذين تعرضوا لإصابات طفيفة جراء فقدان الإسعافات الأولية، ولم يطل صمود تل الزعر كثيراً بعد سقوط حي النبعة إ دخلته الميليشيا المسيحية في 12 آب/ أغسطس.

وبعد أيام من سقوط تل الزعتر أعلنت هدنة في بيروت سمت لشاحنات (قوات الأمن العربية) نقل ما تبقى من سكان المخيم الذي تعرض لكارثة بشرية مجزرة بحق 3000 مدني لبناني وفسطيني، وتحدثت التقارير عن تهجير 5000 ألاف شخص ممن بقوا في تل الزعتر و30 ألفاً من النبعة، وكانت طوابير الشاحنات عبر طريق المتحف في أواسط آب/ أغسطس تحضر مئات المهجرين الذين بدوا شبه بشر حيث تداعت أجسادهم من الجوع والمرض والعطش والإصابات بالرصاص والشظايا في حين غطت أجسادهم أمراض جلدية مختلفة، كما وصل مئات الأشخاص من المهجرين الفقراء سيراً على الأقدام يرتدون أسمالاً باليد سوداء اللون بعد ذلك الصيف، وقد اتخذت المجازر المضادة بين ميليشيا التحالف والميليشيا المسيحية منحى بشعاً يذكر بتلك الجرائم ضد الإنسانية التي مورست إبتان الحرب العالمية الثانية، استمرت الحرب 15 سنة أخرى وقد تعمقت الجراح النفسية لدى جميع الأطراف إلى مستويات ليس من السهل علاجها.

 

مناطق الاصطياف

 فيما كانت حرب تخريب بيروت وضواحيها وقتل السكان المدنيون متواصلة، بدأت معركة مناطق الاصطياف، لقد كانت بداية السبعينات عصراً ذهبياً فعلياً لمناطق الجبل التي كانت قبلة المصطافين العرب، وخاصة أثرياء الخليج، وفيما اقتصرت الحرب عام 1975 على بيروت وضواحيها، بدأت في 17 آذار/ مارس 1976 مناوشات في الجبل شرق وجنوب العاصمة ما لبث أن تطورت إلى حرب مفتوحة وفيما اقتصرت المعارك في البداية على المتن وأعالي كسروان وخاصة في عينطورة وترشيش وعيون السيمان غطت المرحلة الثاني من تشرين الأول/ أكتوبر 1976 مساحات شاسعة طالت عواصم الاصطياف الجبلي، عاليه وبحمدون وصرفر وغيرها، إذ في خريف 1976 كان الجيش السوري يفرض سيطرته سهل البقاع فقرر الرئيس السوري حافظ الأسد التقدم باتجاه مناطق الجبل ضد مواقع "القوات المشتركة" ودارت اشتباكات دامية بين السوريين والفلسطينيين، وخاصة في مثلث صوفر -بحمدون عاليه وأصاب الدمار عدداً من الفنادق في بحمدون فيما أحدثت معركة دامية في صوفر دماراً هائلاً، وزاد التوغل السوري من حدة  المواجهات ومن نوعية الأسلحة وعدد المقاتلين فكانت معركة الجبل إحدى تجليات أحداث لبنان أحداث لبنان بما هي حرب إقليمية شاركت فيها أطراف محلية وخارجية من لبنانيون وسوريين وفلسطينيين وإسرائيليين.

وفيما حقق السوريين انتصاراً على الفلسطينيين وحلفائهم اللبنانيين في مناطق الجبل عام 1976 كان المستقبل يخبئ لتلك المناطق أخباراً سوداء ن فلقد تتالت المصائب على مدن الاصطياف من اجتياح إسرائيلي عم 1982 وحرب مارونية درزية في الفترة 1983-1985 وقصف من البوارج الأميركية عام 1983 وقدرت نسبة الدمار إلى المؤسسات السياحية في مناطق الجبل حتى 1984 بـ 79 بالمائة في بحمدون و94 بالمائة من عاليه و 87 بالمائة بشكل عام في سائر مواقع الاصطياف الرئيسية[13]، وكان مصاب عاليه فادحاً إذ إنها كانت مركزاً سياحياً في غاية الأهمية قبل الحرب يعج بآلاف الزوار في أيام الصيف يقصدون المطاعم والمسارح والمهرجانات الفنية فأصبحت مدينة أشباح يعممها الخراب الشامل في أواسط الثمانينيات يرى زائرها بقايا أفيشات وبوسترات ملونة تعلن عن نجوم الغناء العرب كوردة الجزائرية وفريد الأطرش وعبد الحليم حافظ، وبقايا جدران مهدمو وزجاج محطم وهياكل سوداء أكلتها الحرائق، وكان الضرر الذي لحق الجزء الجنوبي من عاليه فادحاً إذ تعرض بين أيلول/ سبتمبر وكانون الأول/ ديسمبر 1983 لقصف من البوارج الأميركية المرابطة أما ساحل بيروت وخاصة سفينة (نيو جيرسي) العملاقة التي كانت ترد على تحرشات قوى مسلحة كانت تقصف وتقنص من مواقعها الجبل ضد الجنوب الأميركيين المعسكرين قرب مطار بيروت.

أما بلدة بحمدون التي كانت مركزاً للفنادق والمطاعم ولعدد كبير من الفيلات والقصور والمنازل التي بناها أثرياء العرب واللبنانيين فقد أصبحت مسرحاً لمواجهة دامية بين الجيش السوري والقوات المشتركة عام 1976 ما أدى إلى دمار المباني والمنشآت والمنازل كما تعرضت البلدة لخراب أكبر عام 1982 إذ أثناء الغزو الإسرائيلي، حاولت الدبابات السورية في الجمهور، المشرفة على بيروت من جهة ومن عين دارة من جهة أخرى التصدي للإسرائيليين بدون نجاح فوقع خط صوفر –بحمدون- عاليه بأيدي الجيش الإسرائيلي، وأثناء الغزو الإسرائيلي اغتنمت الميليشيا المسيحية دخول الإسرائيلي وحققت مكاسب عسكرية على الأرض، فدخلت منطقتي عاليه والشوف اللتين كانتا حتى ذلك الوقت تحت سيطرة الميليشيا الدرزية وحلفائها، وكانت خطوة الميليشيا المسيحية  غير حكيمة لم يصغ قادتها إلى نصائح البطريرك الماروني بطرس خريش بعدم دخول مناطق الدروز لأن ذلك يهدد التعايش الدرزي المسيحي في الجبل، أما ميليشيا الدروز التي لزمت الحياد أثناء الغزو الإسرائيلي في حزيران/ يونيو 1982 فقد فاجأت الميليشيا المسيحية بثباتها وتصديها بقيادة وليد جنبلاط، نجل كمال جنبلاط الذي اغتيل عام 1977 وكانت نتيجة هذا التطور سلسة من المجازر المتبادلة بحق المدنيين والمسيحيين والدروز في مناطق الجبل.

وأدى الانسحاب الإسرائيلي من الجبل في أيلول/ سبتمبر 1983 إلى انتشار الفوضى بشكل واسع وحلول شريعة الغاب، ما فسح المجال أما معركة حاسمة بين الطرفين إذ استعد الدروز وحلفاؤهم بقوة عسكرية بلغت 3000 مقاتل هاجموا قطاع صوفر -بحمدون- عاليه لطرد الميليشيا المسيحية فكانت هذه المواجهة شديدة العنف خاصة أن الميليشيا المسيحية أرادت أن تحافظ على موقعها لقد بدت هذه المناطق قاعاً صفصفاً بمشاهد الأبنية المحترقة والمدمرة فيما قدر عدد القتلى من الميليشيا المسيحية بـ 700 شخص في حين تعرضت دير القمر أكبر بلدة مارونية في الشوف لحصار فرضته ميليشيا الدروز.

وفيما دفعت مؤسسات الاصطياف الشهيرة، ثمن الحرب وخاصة بسبب مجاورتها للطريق الدولي، سلمت مراكز الاصطياف أخرى بعيدة عن خطوط المواجهة من الأذى، كفندق برنتانيا في بعبدا وفندق البستان في بيت مري وفنادق ومطاعم ومقاه وكازينوهات على الساحل خاصة في جونية طبرجا والبوار، ولكن الوقع الاقتصادي من حين تقلص عدد الرواد كان شدي الوطأة أما في بيوت فلم تسلم المؤسسات السياحية البعيدة عن خطة التماس، حيث تعرض لقصف مدفعي وكان ضحية للتقاتل الداخلي بين المسلحين أو احتلها المهجرون  وقادة الميليشيات إضافة إلى هبوط الحركة الاقتصادية بسبب الوضع العام في البلاد ففي جنوب بيروت كان ثمة عدد من المؤسسات السياحية التي تؤجر شاليها للسياح منها (السان سيمون) والسان ميشال وأخرى في خلدة والأوزاعي، فاصحبت مأوى للمهجرين المسلمين من المسلخ والكرنتينا والنبعة، فيما احتل الشاليهات الفاخرة عناصر بارزة من التنظيمات الفلسطينية أما معظم المهجرون من  تل الزعتر فقد احتلو منازل أخلاها مهجرو بلدة الدامور من المسيحين حتى بلغ عدد المهجري المسلمين في الدامور 12 ألفاً.

وامتدت الحرب ضد القطاع السياحي شمالاً، ففي طرابلس حيث انتهى العمل في الاستراحة الحكومية عام 1975 وتم افتتاحها لتنشيط السياحة في العاصمة الثانية، قامت جماعات مسلحة بعد أيام من الافتتاح باجتيحها ونهب محتوياتها وأصبحت قاعدة عسكرية لإحدى التنظيمات المحلية، كما تم افتتاح استراحة أصغر في بلدة العريضة شمال طرابلس في نفس الفترة، ولكن هذه الاستراحة لم تعمل أكثر من يوم واد قبل تعرضها لمصير مشابه.

كان وقع الحرب على القطاع السياحي في السنوات الأولى كوراثياً، إذ انخفض دخل هذا القطاع من مليار و 500 مليون ل.ل عام 1974 (أي حوالي 500 مليار دولار) إلى 700 مليون ل.ل عام 1975 وإلى 250 مليون ل.ل عام 1976 ولقد تحسن الوضع قليلاً في السنوات التالية ولكن الدخل لم يزيد عن 400 مليون ليرة سنوياً وحتى مع ظهور مؤسسات جديدة في المناطق العبيدة عن ميدان القتال فإن لبنان لم يستعد أبداً زخم القطاع السياحي الذي حققه عام 1974 لقد انخفض عدد غرف الفنادق في بيروت من 6400 عام 1974 إلى 4000 عام 1977 كما انخفض عدد النزلاء من 650 ألفاً عام 1974 إلى 100 ألف كمعدل وسطي في سنوات الحرب، وانخفضت نسبة تأجير الغرب الشاغرة من 4و69 بالمائة عام 1974 إلى 3و22 بالمائة عام 1977 في حين فقدت نسبة 71 بالمائة من اليد العاملة السياحية وظائفتها ما أضطر الكثيرون إلى مغادرة البلاد أو الانضمام إلى جحافل العاطلين عن العمل أو إلى الميليشيات لقاء مرتب شهري كما أن 60 بالمائة من الشقق المفروشة تعرضت لاحتلال الميليشيات لإسكان قادتها في حين غلب على أمر الكثيرين من أصحاب المؤسسات مما اضطرهم لتسديد خوات "ضرائب حرب" للنافذين في الميليشيات، واستغلت بعض المؤسسات لأهداف غير شريفة كمراكز للدعارة والمقامرة وتجارة المخدرات حيث عادت الأرباح إلى الميليشيات.

 

تمويل الميليشيات وتسليحها

 خلال سنوات من بداية الحرب هوى لبنان من (عصره الذهبي) ووضعه المتطور نسبياً فأصبح دولة فقيرة هامشه مدمرة واقتصاد منهار ومؤسسات لا تعمل، ومناطق صناعية وسياحية وتجاري فقدت وجدودها الفيزيائي وزهرة شباب الشعب اللبناني من المثقفين والمتعلمين وأصحاب الكفاءات ممن سلكوا طريق الهجرة أو وقعوا ضحايا القتل والتهجير هزم الوطن إذا وربح أمراء الحرب، زعماء الميليشيات إذ عدا عن الخراب الذي ألحقته بلبنان وشعبه واقتصاده جنت الميليشيات أرباحاً ومداخيل هائلة من نشاطات ومصادر متنوعة في سنوات الحرب الست عشرة (1975- 1990) بلغت خسائر الحرب على مستوى لبنان (خراب وناتج فائت) 75 إلى مائة مليار دولار أميركي[14] في حين وصلت مداخل الميليشيات إلى 40 مليار دولار[15]، في الوقع لا يمكن تصور أي جريمة في التاريخ لم ترتكبها الميليشيات في زمن الحرب: قرصنة وقتل ولصوصية وهب وعصابات سرقة وخطف وتزوير وتههريب واحتلال وتجارة مخدرات وشهن مواد سامة إلخ، ورغم أن الرأي العام للبناني اعتبقد أن الميليشيات تحت شعارات وتسميات مختلفة كانت تثري أعضائها وقيادتها على حساب الشعب، إلا أن النهب والخوات لم يشكل أكثير واحد بالمائة من مداخيل المليشيات أكثر من ثلثي مداخيل الميليشيات أي 5و27 مليار دولار جاءت من تجارة المخدرات وتحويلات الحكومات العربي والأجنبية ونشاطات مختلفة أما نهب الأملاك الخاصة والرسمية وفرض الخوات على المؤسسات الخاصة كالمصارف فقد حقق 12 بالمائة من دخل الميليشيا، إله الحرب مخلوق شره لا يشبع وخوض الحرب مسألة مكلفة في الفترة من 1973 إلى 1990 استوردت الميليشيات المختلفة ما قيمته 16 مليار دولار من أسلحة ومعدات، لقد أطلقت ملايين الرصاصات والصورايخ ومختلف المتفجرات خلال هذه الفترة وكل طلقة ثم دفع ثمنها بالعملة الصعبة.

وبعد 1975 كلما أمعن لبنان غرقاً في الحرب، كانت الأطراف تستعمل أسلحة أشد فتكاً وأكبر حجماً.

ـ الأسلحة الخفيفة: استعملت الميلشيات أسلحة فردية في حرب السنتين تراوحت بين أسلحة الصيد والمسدسات الفردية إلى الأسلحة الأوتوماتيكية ك Kalashnikov  (أو بالتعبير الدارج: الكليشين) وال fai والـ 16 m وكانت بندقية 16 m منتشرة بين كل الأطراف بكميات كبيرة سرقت من مخازن الجيش اللبناني بعد انهياره عام 1976 كما كان أطراف الحروب مزودة برشاشات كبيرة من نوع دكتريوف عيار 7و12 ملم ومعروفة باسم (دوشكا) كانت تركب على سيارات لاندروفر تجول شوارع بيروت ويمسك هذه الرشاشات مقاتل وكأنه في رياضة التزلج على المياه، وظهرت أسلحة أخرى تحمل على الكتف كا rpg-2 فوه 82 ملم  والـــrpg-7 فوهة 100 ملم تحمل على صواريخ عيار 40 ملم وكانت شديدة الفعالية ضد المصفحات كما استعمل أطراف الحرب مدافع متعددة الطلقات من وbeaufors  عيار 40 ملم، Hispanic من عيار 20 ملم تركب على الشاحنات وتوجه ضد متاريس أكياس الرمل[16].

ـ الأسلحة الثقيلة: في سنوات الحرب الأولى استعمل الطرفان مدافع هاون غير مرتدة من عيارات 60و 80 و 120 ملم، واقتصر استعمال المدافع غير المرتدع من عيارات 82و107 ملم الروسية الصنع على الفلسطينيين وحلفائهم اللبنانيين وهي مضادة للدروع ومن نوع RPAK B-10  إضافة إلى مدافع كاتيوشا الروسية BM-14 من عيار 140 ملم مع مدى يبلغ 9 كلم واستلمت الميليشيا المسيحية مدفعية غير مرتدة هاون من عيار 81 ملم و106 ملم و122 ملم و130 ملم، وأثناء عام 1976 أخرجت حركة فتح من ترسانتها النية صواريخ GRADوهي من نوع (سوبر كاتيوشا) بمدى يبلغ 15 كلم، كما استقدمت صواريخ BM-21  التي فاجأت سكان بيروت لدى استعملها لأول مرة بسبب صوتها المهول لدى إطلاقها، وبعد انهيار الجيش اللبناني وقعت بين أيدي المتقاتلين أسلحة ومعدات متنوعة تراوحت بين ملالات مزوة بمدفع من عيار 40 ملم ودبابات AMX-13ودبابات شيرمان وسوبر شيرمان وناقلات جدد من وPanahard  و m-13 واستعمل المتقاتلون مدافع هاوتزر 155 ملم الأميركية ومدفعية عيار 160 ملم وأضيفت إلى ترسانات الحرب مدافع ميدانية من عيار 175 ملم كما وقع في أيدي الميليشيات كميات كبرى من أسحله المدفعية من عيار 105 وهاوتزر عيار 155ملم ومدافع قديمة روسية الصنع من عيار 57 ملم و122[17] لم ودرج الثمانينات استعمال مدافع ذات طلقات ضخمة.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه الأسلحة كانت توجه إلى أهداف في أماكن مكتظة بالساكن المدنيين وداخل المدن والقرى ولم يلعب سلاح الطيران دوراً في الحرب (باستثناء ما استخدمه الجيش الإسرائيلي والسوري اللذان استعملا سلاح الجو خاصة عام 1982) فلقد خرجت المقاتلات الجوية التابعة للجيش اللبناني باكراً من الحرب، وباستثناء طلعات محدودة في معركتين وفي عمليات استطلاع فإن عدد الطائرات المحدودة (هوكر هنتر وميراج) أوقف في مطار رياق في البقاع الذي وقع في أيدي فصيل (طلائع جيش لبنان العربي) المنشق عن الجيش اللبناني والموالي لسورية.

من الذي كان يسدد ثمن كل هذا السلاح الذي استعمل في حرب لبنان في حين كان اقتصاده منهاراً منذ العام 1976؟

في العام 1989 العام قبل الأخير من المواجهات المسلحة، وفي وقت بلغ الحد الأدني للأجور 75 دولاراً بالشهر والفقر يحيق بنسبة كبرى من الشعب اللبناني، كان أسعار بعض أنواع الذخيرة كالتالي:

خرطوشة عيار 240 ملم بـ 9500 دولار، خرطوشة عيار 160ملم بـ 1500 دولار وعيار 155 ملم بـ 1300 دولار، و 130 ملم بـ 700 دولار، و 122 ملم بـ 300 دولار[18]، أما طلقة رصاص السلاح الفردي  فلقد هبط سعرها من نصف دولار عام 1976 إلى 30 سنتاً عام 1989 لقد أصبحت بيروت بيروت سوقاً حرة للتجارة بكل أنواع الأسحلة ومن الشرق والغرب، لقد أصحبت الأسلحة الفردية متداولة بين الناس وتباع على الأرصفة إلى جانب السجائر والويسكي المهرب.

وخارج الإطار العام للمواجهات العسكرية، كانت عناصر الميليشيات تستعمل أسلحتها الفردية في مناسبات مختلفة في تشرين الثاني/ نوفمبر 1984 قدرت قيمة الأسلحة والذخائر والمعدات التي استهلكت في مواجهة بين ميليشيا حركة أمل الشعبية وميليشيا الحزب التقدمي الاشتراكي الدرزية[19] بحوالي 27  مليون دولار أمريكي، أما في آخر عام 1985 فقد قدرت قيمة الذخائر التي أطلقت ابتهاجاً بعيد رأس السنة في سائر المناطق اللبنانية ب 5 ملايين دولار، أما المعارك التي نشبت في المناطق المسيحية شرقي وشمالي بيروت عام 1990 بين الميليشيا المسيحية والجيش اللبناني بقيادة ميشال عون فقد أحدثت 5و1 مليار دولا خسائر اقتصادية وعسكرية.

لقد أتت معظم شحنات السلاح من دول الشرق الأوسط وبعضها تم شراؤه مباشرة من دول أوربا الشرقية والغربية والولايات المتحدة، حتى أن نفس الدول والشركات والوكلاء كانوا يبيعون نفس أنواع الأسلحة لعدة أفرقاء في حرب لبنان. لقد استلمت التنظيمات الفلسطينية وحلفاؤها اللبنانيون أسلحة من عدة دول عربية ومن دول المعسكر الاشتراكي في أوروبا، في حين كانت المليشيات المسيحية تعتمد على مصادر متعددة وكانت أكثر تدقيقا فيما تختاره من أسلحة ومعدات. فجاءت أسلحتها من دول أوروبية شيوعية وغربية ومن أفراد يمثلون شركات ومن وكالات حكومية غربية تسوق لأسلحة من إنتاج مصانع بلادها.

تسليح أطراف الحرب تم على عدة مراحل إضافة إلى المصدرين الرئيسيين: حركة فتح الفلسطينية والجيش اللبناني بعد انشقاقه، كانت جماعات لبنانية متعددة تقتني السلاح ومعظمه ما تبقى من حرب 1958، وكان معظم أمراء الحرب وزعماء المدن يحتفظون بأزلام مسلحين للحماية الشخصية وللوازم الزعامة .وحتى في العام 1969 كان حزب الكتائب يتمتع بقوة عسكرية محدودة مجهزة بأسلحة فردية من طراز أم16 الأميركية وأم58 التشيكية وغيرها[20].

بدأت عملية تسليح وتدريب ميليشيا الكتائب بشكل واسع في أواخر الستينات وأوائل السبعينات وأثناء الحرب استعملت ميليشيا الكتائب أموالا من مصادر مختلفة، كالتبرعات التي جمعتها الرهبانيات من لبنان وحول العالم، والتي قدمها رجال أعمال لبنانيون في المغتربات وجماعات متعاطفة مع الطرف المسيحي في الحرب وتحويلات من حكومات أجنبية، وكذلك من مدخول الحوض الخامس في مرفأ بيروت ومصادر أخرى مذكورة في الجدول أدناه. ويشير الخبير البريطاني  أنتوني سمبسون إلى شراء الكتائب أسلحة ثقيلة بمبلغ 100 مليون دولار جاءت من عوائد نهب مصارف ومؤسسات تجارية في الوسط التجاري[21].

لقد باعت الدول الشيوعية في أوربا الشرقية مباشرة أسلحة للميليشيا المسيحية التي كان قادتها يصرحون كل يوم أنهم كانوا يحاربون مؤامرة اليسار الدولي الشيوعي على لبنان، ومن تلك المشتريات وصول باخرة من بلغاريا الشيوعية في أيلول /سبتمبر 1975 الى مرفأ جونيه تنقل أسلحة ومعدات بقيمة 10 ملايين دولار أميركي عبر وكالة تابعة للحكومة البلغارية تدعى TEXLMكما استولت الميليشيات المسيحية على أسلحة من مخازن وثكنات الجيش اللبناني بعد انقسامه. ولقد كان انقسام الجيش عام 1976 السبب المباشر لظهور أسلحة ثقيلة ومعدات ميدانية في أيدي الميليشيا المسيحية وميليشيا التحالف على السواء.

ومن ناحية أخرى استلمت حركة فتح الفلسطينية والمنظمات الفلسطينية الأخرى وتنظيمات الحركة الوطنية بقيادة كمال جنبلاط أسلحتها من دول أوروبا الشرقية، حيث وصلت الشحنات عبر دول عربية متعاطفة مع هذا الطرف.كما اشترى الفلسطينيون واليسار اللبناني أسلحة من السوق المفتوحة الثانوية وليس مباشرة من مصانع أو دول وكانت هذه الأسلحة تصل عبر دمشق قبل القطيعة والخصام بين سورية ومنظمة التحرير الفلسطينية عام 1976 ولكنها بعد ذلك بدأت تشحن إلى مرافئ صيدا وصور. لقد كانت التنظيمات الفلسطينية أكثر تنظيما وتسليحا واستعدادا من أي طرف لبناني، باستثناء ميليشيا الكتائب.كما كان الفلسطينيون يديرون مصانع تنتج بعض الأسلحة في مخيماتهم حول بيروت. وطلية فترة حرب السنتين لم يستعمل الفلسطينيون الأجزاء يسيرا من ترسانتهم. ولكن كلما اتجهت الحرب اللبنانية نحو صراع إقليمي يشمل سورية وإسرائيل، كانت التنظيمات الفلسطينية تخرج أسلحة إضافية من مستودعاتها بما فيها من دبابات روسية من طراز تـ54 وتـ62 وصواريخ سام مضادة للطائرات ومعدات قصف صاروخي متعدد.كما كان في صفوف الفلسطينيين طيارون تدربوا على قيادة مقاتلات ميغ الروسية في اليمن الجنوبي.

بعد الانتصارات التي حققتها ميليشيا التحالف الفلسطيني اللبناني في ربيع 1976 قررت المليشيا المسيحية اقتناء أسلحة أكثر تطورا وفعالية. وأرسلت لهذه الغاية بعثات إلى لندن وباريس وطهران (سبق ذلك سقوط نظام الشاه عام1979) وواشنطن والى دول عربية محافظة في الخليج والى الملكة العربية السعودية ومصر. وكان الهدف إجراء عمليات شراء أسلحة بكميات ونوعيات تضاهي تلك التي بحوزة الفلسطينيين. ولكن معظم المال المتوفر لهذه الغاية، بما فيه تبرعات الدول المتعاطفة والأفراد والجماعات داخل لبنان وخارجه والأسلحة المصادرة من ثكنات الجيش، لم يكن كافيا لمواجهة احتمال سقوط المناطق المسيحية بأيدي المليشيا المواجهة. في تلك المرحلة أعلن كميل شمعون أنه (مستعد للتعامل مع الشيطان) للصمود والدفاع عن المناطق المسيحية.[22] وفي أيار/مايو1976 بدأت إسرائيل شحن كميات من الأسلحة التي استولت عليها من مواجهاتها مع الدول العربية في حروب سابقة إلى المليشيات المسيحية عبر نقاط متعددة منها مجمع (الأكوامارينا) قرب جونيه. وتواصلت الشحنات حيث أفرغت السفن الإسرائيلية أسلحة روسية منوعة من دوشكا وقذائف مدفعية ودبابات شيرمان أميركية من النوع الذي يقتنيه الجيش الإسرائيلي، ولم يكن قد حصل عليه الجيش اللبناني بعد[23].كان هدف الإسرائيليين منع منظمة التحرير الفلسطينية، العدو المشترك من الهيمنة على لبنان وقيام حكومة يسارية بقيادة كمال جنبلاط.

لقد غرقت بيروت بالسلاح، ليس فقط لأسباب الحرب بل لازدهار السوق الثانوية لتجارة الجملة والمفرق. وبدل التفاح والموز على عربات البائعين، التقطت عدسات المصورين الأجانب منظر باعة يضعون أمامهم صناديق أو طاولات تعرض أسلحة فردية وقنابل. وجلب هذا السوق وكلاء شركات أجنبية تريد أن تستفيد من الأموال المخصصة لشراء الأسلحة. لقد استطاع وكيل شركات ألمانية يدعى (غونتر لاينهاوزر) من تحقيق صفقات ناجحة بقيمة 300طن من الأسلحة لأطراف الصراع في لبنان وتمكن من بيع معدات وشاحنات عسكرية في صفقة واحدة من نفس الشركة الألمانية وزعت على حركة فتح والمليشيا المسيحية ما اظهر شطارة (ليفنتيه) في التعاون على تخفيض السعر حتى بين طرفين متحاربين.كما أن تاجر السلاح سركيس صوغانيان، ومركزه نيويورك، كان يزور بيروت مرارا ممثلا عدة شركات سلاح أميركية بما فيها شركة كولت الشهيرة بمسدساتها إلى درجة أنه عقد مؤتمرا صحافيا لترويج بضاعته دعت إليه السفارة الأميركية في بيروت[24].

ومن صفقات صوغانيان 3000 مسدس مطلية بالchrome يستعمل للوجاهة والبرستيج.كما حضر تاجر السلاح الدولي هوبرت جوليان الى بيروت عارضا خدماته. ويخصص أنتوني سمبسون قسما من كتابةBazaar Arms  لنشاط كميل شمعون في تجارة السلاح. وحتى الجيوش المتواجدة على الأراضي اللبنانية استفادت من سوق السلاح، فكان عناصر الجيشين السوري والإسرائيلي زبائن دائمين وأحيانا تجار أسلحة، وذكر روبرت فيسك أن أكثر من 4000 قطعة سلاح سرقت من مخازن الجيش الإسرائيلي باعها الجنود الإسرائيليون بالمفرق في صيدا وبيروت لأفراد لبنانين وفلسطينيين وسوريين بعد الاجتياح.[25]

قدرت قيمة مشتريات السلاح لإذكاء وقود الحرب اللبنانية بمليار دولار أميركي سنويا. استعملت منظمة التحرير الفلسطينية ما لديها من ودائع في مصارف بيروت وتحويلات الحكومات العربية لبناء ترسانتها المتفوقة. في حين بلغت قيمة مشتريات المليشيا المسيحية 250 مليون دولار سنويا ولقد حدد أنتوني سمبسون مشتريات حزب الكتائب ب600 مليون دولار أميركي في الفترة 1974-1976 أكد منها جنبلاط مبلغ 250 مليون دولار صرفتها الكتائب لشراء أسلحة في السوق المفتوحة من مصادر أوربية قبل 1975[26].

أما أحزاب اليسار اللبناني والتنظيمات الأخرى فقد حصلت على أسلحتها من حركة فتح ومن العراق بشكل رئيسي ومن لبيبا، كما حصلت على أموال عبر تحويلات من هذه الدول بمبالغ تتراوح بين 15 مليون دولار شهريا. وبعد سقوط الشاه وقيام الجمهورية الإسلامية قدمت إيران مساعدات مالية كبيرة لحزب اللـه الذي بدأ يبرز على الساحة اللبنانية في الثمانيات بمعدل مائة مليون دولار منذ 1985 وحتى 1991، ثم تضاعف المبلغ الى200 مليون دولار ابتداء من 1992 لتمويل نشاط المقاومة المتصاعد ضد الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان.

يظهر الجدول أدناه تفاصيل خسائر لبنان من بينة تحتية ونهب وناتج فائت، وكذلك مداخيل المليشيات. ففي عدة سنوات أثناء الحرب كانت مداخيل المليشيات تفوق الناتج القومي اللبناني ما عمق ظاهرة الاقتصاد الريعي بأبشع مظاهره. لقد بلغت قيمة الخسائر لحرب السنتين 302 ملياردولار أميركي، بما فيها 600 مليون دولار خسائر القطاع العام و650 مليون دولار خسائر القطاع الصناعي و430 ملـيون دولار لقطاعات الخدمات، وما تبقى من المـبلغ كان خسائر القطـاعات الأخرى والأمـلاك الخاصـة[27]..

ويقدر لبكي وأبو رجيلي الخسائر نتيجة الغزو الإسرائيلي عام 1982 بـ 8و1 مليار دولار أميركي في بيروت وجبل لبنان والجنوب، منها 77 مليون دولار دمار في المؤسسات التعليمة و70 مليون دولار في المستشفيات و88 مليون دولار منشات صناعية و50 مليون دولار منشآت زراعية و72 مليون دولار منشآت كهربائية و 30 مليون دولار دمار في مطار بيروت و825 مليون دولار تدمير وتخريب وتصديع أملاك خاصة من منازل وما شابه و465 مليون دولار دماء لمؤسسات التجارية والاقتصادية[28]..

 

[29]

 

في جدول شامل وضعه سمير مقدسي[30] معتمداً على مراجع مختلفة عن الموارد المالية للميليشيات أثناء الحرب تبينت الأرقام التالية:

ـ تجارة السلام بــــ 400 مليون دولار سنوياً وأرباح هذه التجارة 150 مليون دولار سنوياً أو 4و20 مليار دولار خلال 16 سنة.

ـ خسرت الدولة اللبناني من انتشار مرافئ الميليشيات على الساحل اللبناني رسوم استيراد وتصدير بغلت 18 مليون دولاراً سنوياً وكان مدخول الميليشيات من إفراغ وشحن الحمولات عبر مرافئها الخاصة 5 ملايين دولار سنوياً، ومجموع مداخيل الميليشيات من كافة المرافئ لفترة 1975- 1990 1و2 مليار دولار

ـ سرقة المنازل والمؤسسات التجارية والعامة بقيمة ملياري دولار خلال 16 سنة.

ـ عائدات تجارة المخدرات: 850 مليون دولار سنوياً، أو 7و12 مليار خلال الفترة 1975-1990 وأرباح من تجارة المخدرات 7و1 مليار إلى 2 مليار دولار خلال هذه الفترة.

ـ أرباح من استغلال غياب الدولة للقيام بنشاطات ممنوعة: 50 مليون دولار سنوياً أو 800 مليون دولار خلال الحرب، وتتضمن تزييف العملة والغش في البضائع الاستهلاكية لغياب الرقابة والاتجار  بالسلع الغذائية والأدوية التي انتهت صلاحيتها.

ـ بيع المحروقات والحبوب المدعومة للخارج بقيمة 60 مليون دولار سنوياً أو مليار دولا خلال سنوات الحرب.

ـ خوات وإتاوات على الأفراد والمؤسسات: 200 مليون دولار سنوياً ، أو 2و3 مليار دولار خلال سنوات الحرب.

ـ تحويلات وأموال دعم من الخارج: 10 مليون دولار خلال 16 سنة وهو الرقم الذي ذكرته صحيفة النهار[31]، ولكن جورج قرم يقدر المساعدات المالية الخارجية لأفر قاء النزاع خلال 16 عاغماً بــ30 مليار دولار أي ضعف ما جمعوه من نشاطاتهم المختلفة محلياً[32]، وربما كان الرقم الصحيح أقرب إلى قرم إذ أن مقدسي ذكر أن مساعدات ليبيا للفلسطينيين وحلفائها اللبنانيين قدرت بـ 50 مليوت دولار شهرياً فغي في فترة ما قبل 1982 ما يفوق 4 مليارات دولار خلال سبع سنوات، وبشير مقدسي إلى مصدر أخر هو تدفق المال السياسي السنوي الذي بلغ 7و2 مليار دولا قبل 1982.

ـ نهب مرفأ بيوت والوسط التجاري ومصادرة أملاك وبضائع ، ما مجموعه 6 مليارات دولار خلال 16 سنة.

ـ فدية وخوات: 500 مليون دولار خلال 16 سنة.

ـ إتاوات على المصارف في أعوام 1982-1983:  250 مليون دولار وبشير مقدسي إلى أنه هذه الإتاوات تتعلق بنسبة كبيرة بمصر في

 Trust bank first Phoenician bank and capital   وكذلك بالبنك البريطاني للشرق الأوسط.

ـ نهب ثكنات ومخازن الجيش ، ويذكر مقدسي أن القيمة ليست معروفة ولكن الجيش احتاج إلى أكثر من 800 مليون دولار في عهد إميل  الجميل لإعادة التجهيز.

فيكون مجموع مداخيل الميليشيات من المصادر المختلفلة حسب جدل مقدسي حوالي 30- 35  مليار دولار مقارنة بــ40 مليار دولار المبين في الجدول أعلاه، وجميع الأرقام المتداولة هي تقديرية جمعها باحثون في أوقات مختلفة وضمن معطيات مختلفة، ولكنها تظهر أن مجموع ماجنته الميليشيات يفوق 30 مليار دولار على الأقل ويشير مقدسي إلى دراسة جورج قرم[33] التي قدرت ما جنته الميليشيات بحوالي 15 مليار دولار عدا المساعدات من الخارج، ويشير إلى التقرير الذي نشرته صحيفة النهر ويقدر عائدات (الاقتصاد الأسود ) الموازي للميليشيات ب 5و14 مليار دولار[34].

وذكر مقدسي أن ميزانية منظمة التحرير الفلسطينية كانت توازي ميزانية الدولة اللبنانية وأن الميليشيات المختلفة كان تملك ما يكفي من الموارد لتمويل نشاطها العسكري والمدني في حين كان أمراء الحرب يراكمون ثرواتهم الخاصة، وقدر مقدسي الكلفة الوسيطة المباشرة للحرب بحوالي 13 مليار دولار[35].

ولم يكن تحديد ملامح اقتصاد الحرب وطغيان الاقتصار الريعي مقتصراً على الدراسات التي ظهرت في التسعينات من القرن العشرين كما فصلنا أعلاه بل كان هذا التشخيص باكراً إذ نشرت صحيفة الموند ديبلوماتيك تقريراً عام 1979 بعنوان (من أين يعتاش اللبنانيون[36]) حدد المصادر الريعية التي ساعدت الاقتصاد اللبناني على الاستمرار وهي تحويلات العمال اللبنانيين في الخليج والمغتربين في المهاجر، وأموال الدعم التي تلقاها أطراف الحرب من الخارج ومن الحكومات العربية والأجنبية، ومصادر التمويل الذاتي عن طريق النهب والتهريب والأعمال الميليشوية الأخرى، كما تبين عبد اللـه عطية أن نسبة الريع rentier economy  في الاقتصار اللبناني (أرباح وفوائد وعائد عقارات، ألخ مما يعرف بالمال الكسول) قد ارتفعت من 25 بالمائة عام 1974 إلى 47 بالمائة عام 1980[37].

 

تجارة المخدرات

بلغت قيمة صادرات المخدرات أثناء سنوات المخدرات مليارات الدولارات، فكان المنتجون اللبنانيون يحققون حجم مبيعات بلغ 500 مليون دولار سنوياً من 1976 إلى 1990 في حين بلغ سعر السوق المفرق لهذه المنتجات 5و2 مليار دولار سنوياً في نفس الفترة واقتسمت عائدات تجارة المخدرات الميليشيات والقوى العسكرية والجيوش المختلفة العاملة على الأرض اللبنانية وأمراء الحرب والتجار من أصحب العلاقة، ولقد تطورت تجارة المخدرات، من لبنان وعبره حتى أصبحت شبكة التوزيع تضمن توصيل الطلبات إلى جميع أنحاء العالم، ووحدت هذه التجارة من كان في مواقع معادية على جبهات الحرب اللبناني فكانت الشحنات تغادر لبنان عبر مرافئ شرعية وغير شرعية على طول الساحل اللبناني أو براً عبر سورية، وبعد ذلك إلى قبرص ومصر وتركيا وإسرائيل، ومن هذه الدول إلى سائر الاتجاهات ولقد حلفت السبعينات والثمانينات بأنباء اعتقال لبنانيين في أمكنة مختلفة من العام بحوزته كميات كبيرة من الهيرويين والمخدرات الأخرى بكميات بلغت عشرات ملايين الدولارات.

كان موقف لبنان الرسمي ، حتى في سنوات الحرب، معارضاً لهذه الصناعة التي تصدر الموت والمرض، في حين كان سمعة لبنان تزداد سوءاً، وكان وادي البقار وخاصة في جزئه الشمالي يعتبر من أفقر المناطق اللبنانية ومن أشدها تعرضاً للإهمال الرسمي طيلة المرحلة الاستقلالية فكان ازدهار صناعة المخدات وزراعة الحشيش في مناطقه النائية أو البعيدة عن العاصمة مظهراً من مظاهر ضعف السلطة المركزية ويعكس رد فعل المواطنين على الإهمال.

ولكن في العام 1974 تجرأت الحكومة على اجتياح سهول الزراعة الممنوعة في شمال البقاع فواجهت القوى الشرعية جماعات مسلحة تتمتع بدعم أمراء الحرب في بعلبك والهرمل، واستطاعت الدول إتلاف هذه المزروعات والإعلان عن برنامج زراعات بديلة لمساعدة الناس، وهدفت الحكومة إلى تنمية منتجات تحمل قيمة تجارية فشجعت زراعة دوار الشمس لإنتاج الزيت النباتي ووعدت بشراء المحصول وتسويقه، ولكن الحملة العسكرية والبرنامج البديل لم يتمكنا من وضع حد لهذه الصناعة التي عادت بقوة بعد أشهر  مستفيدة من تقلص سلطة الدولة وعدم تجرؤ وزارة أخرى  على شن المزيد من الحملات، ولقد لاحظ زوار تلك المنطقة في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات أن ثمة ازدهار يداً يظهر ومظاهر بحبوحة في بناء المنازل الفخمة واقتناء السيارات الفارهة والكماليات وفي افتتاح المؤسسات التجارية، كما أن عدد المدارس ومؤسسات الطبابة والتسوق كان إلى ازدياد .

وحتى قبل الحرب عام 1975 كان من الصعب تقليص وتقويض تجارة المخدرات والزراعات الممنوعة خاصة إذا لم يرافق ذلك دعم دولي وجهد مبذول من جانب الدول التي تشكل سوقاً لنتناج اللبناني ورغم العودة النسبية لمظاهر الدولة اللبنانية عام 1991 وحصولها على الدعم الدولي، لاسيما الأميركي، فإن هذه الصناعة عادت إلى سابق نشاطها في أواخر التسعينات عندما رأى المزارعون والناشطون في هذه الصناعة أن وعود المساعدات المالية والتعويضات لم تتحقق باستثناء منح بعض الأبقار والمساعدات هنا وهناك، وهي مساعدات عانت أيضاً من المحاصصة والفساد في وزارة الزراعة التي كانت مثل غيرها من والوزرات خاضعة لمشيئة أمراء الحرب ومنذ العام 2001 عادت التقارير عن صناعة المخدرات البنانية تظهر في الصحف الغربية ويشكو منها المسؤولين في الدول الأخرى، فكان إشارة متجددة عن تقلص سلطة الدول اللبنانية في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

 

الخسائر البشرية

لم يكن فيضان الأسلحة في الساحة اللبنانية للاستعراض والنفوذ فحسب بل لقتل البشر، كانت خسائر لبنان البشرية خلال 16 سنة من الحرب كبيرة للغاية، مع بداية الحرب بلغ عدد سكان لبنان 3 ملايين نسمة في السبعينات، قتلت الحرب منهم 150 ألفاً، 60 بالمائة منهم في فترة 1975 إلى 1982، عام الغزو الإسرائيلي للبناني، وهناك تقارير عن أن عدد القتلى رما وصل إلى 180 ألفاً[38]، وكانت المواجهات الرئيسية بين الميليشيا المسيحية وميليشيا التحالف أقل كلفة من حيث الخسائر البشرية من الحروب الداخلية التي دارت في الكانتونات في السنوات اللاحقة إذ خلال حرب السنتين لم يزد عدد القتلى عن 15 ألفاً والجرحى 13 ألفاً[39] وأسفر الغزو الإسرائيلي عن 20 ألف قتيل في السبعينات والثمانينيات دارت حروب عدة لا تحسب في سياق حرب أهلية بين مسيحيين ومسلمين، منها حروب النفوذ في المناطق المسيحية وحروب السيطرة على طرابلس وحرب الخطة بالشارع الشيعي بين حركة أمل وحزب اللـه.

وفيما بلغت نسبة الذين كانوا دون العشرين من مجموع القتلى خلال16 عاما ً من الحرب 60 بالمائة كان عدد الأطفال دون سن الخامسة عشر الذين قتلوا في الحرب 40 ألفاً[40]، كما ذكرت الأونيسكو أن 90 بالمائة من الأطفال الذين ماتوا في الحرب اللبنانية كانوا ضحايا القصف والغارات ، في حين تعرض 50 ألف طفل بغي حياً لتشويهات دائمة وأصبحوا من المعوقين[41]، وقدرت نسبة القتلى من أعضاء الميليشيات الذين شاركوا في القتال ب 5 إلى 10 بالمائة من مجموع ضحايا الحرب، ما يعني أن الأغلبية الساحقة كانت من المدنيين ، لقد بلغ عدد المقاتلين في الميليشيات اللبناني المختلفة في نهاية عقد الثمانينات 32 ألف عنصر (راجع الجدول رقم 15 في الملحق الإحصائي) حين كانت التنظيمات الفلسطينية تضم 12 ألفاً مقاتل  إضافة إلى جيش التحرير الفلسطيني الذي حضر جنوده من سورية ومصر للمشاركة في الحرب اللبنانية بأمر من حكومتين البلدين.

غادر لبنان في السنوات الأولى للحرب حوالي 960 ألف مواطن بحثاً عن الأمان، منهم 400 ألف عام 1975و 300 ألف عام 1976 و260 ألفا من 1977 إلى 1982 ولقد عاد نصف هؤلاء ولكن الهجرة استمرت في السنين اللاحقة وحتى بعد انتهاء الحرب[42]، أدت الهجرة إلى إفراغ لبنان من قسم كبير من سكانه وإلى خسارة كبرى في اليد العاملة الماهرة، ففي عام 1974 بلغ حجم القوى العاملة اللبنانية 600 ألف شخص انحدر إلى 426 ألفا عام 1979.

غادر لبنان 1975 حوالي مائة ألف عامل يمثلون 13 بالمائة من إجمالي القوى العاملة وبحلول العام 1980 بلغ عدد العمال الذين هاجروا لبنان 220 ألفا وهكذا في السنوات الثماني الأولى من الحرب خسر لبنان 30 بالمائة من اليد العاملة الماهرة في قطاع البناء و 50 بالمائة في الصناعة ونسباً كبيرة في قطاعات أخرى حتى أصبح صعباَ على أصحاب العمل العثور على عمال ومهارات لمصالحهم، إذ كان هناك نقص فادح في النجارين وشؤون الميكانيك والكهربائيين ومشغلي الآليات الصناعية وعمال الصيدلة وغيرها من الكفاءات وتمكن عدد كبير من أصحاب المهارات اللبناني العثور على فرص عمل في دول الخليج العربي والعراق وليبيا بأجور مغرية ومنافع وخدمات لم تتوفر في لبنان وحتى 1990 كانت الخسارة الصافية للبنان من الهجرة حوالي 900 ألف شخص وعلى سيبل المقارنة، فيما تضاعف عدد سكان بلدان كان مساوية للبنان في أوائل السبعينات كالأردن وليبيا، بغي لبنان يراوح حول الثلاثة ملاين نسمة في التسعينات.

ومن أهوال الحرب أيضا (التطهير الطائفي) حيث قلصت المعارك من الاختلاط الديني في المناطق اللبنانية لتخلق كانتونات بألوان مذهبية محددة في السنوات السبع الأولى للحرب تهجر قسرياً 600 ألف شخص أو 20 بالمائة من السكان وخاصة من مناطق حزام البؤس المحيط ببيروت والمخيمات الفلسطينية شرق بيروت والدامور ، والكورة ، والمتن ، وبعض مناطق جنوب لبنان والبقاع الغربي، في حين أدت المعارك بين الميليشيا المسيحية والجيش السوري عام 1978 وقصف السوريين للمناطق الشرقية إلى تهجير  عشرات الألوف من المواطنين في الفترة بين تموز/ يوليو وتشرين الثاني/ نوفمبر 1978، فكان عدد الذين هجرتهم الحرب عام 1987أكثر من  أولئك الذين هجروا في حرب السنتين أما الغزو الإسرائيلي عام 1982 فقد هجر 250 أف مواطن خلال ثلاثة أسابيع كانوا يصلون على مناطق غرب بيوت وضاحيتها الجنوبية بمعدل 20 ألفا في اليوم[43].

وثمة جرائم أخرى ارتكبت بحق المدنيين هي انتشار عمليات الخطف ، لقد قدر عدد ضحايا الخطف من لبنانين وفلسطينيين، ورما قضوا قتلاً على يد خاطفهم بـ 17 ألف شخص[44] وتعتبر هذه المسألة دراسة بحد ذاتها لأنواع الأهوال التي جلبتها الجماعات المسلحة وأمراء الحرب اللبنانيون والفلسطينيون على المجتمع المدن ي وكانت الصحف تنشر تقارير شبه يومية عن اكتشاف جثث في مناطق مختلفة من لبنان في صناديق سيارات مهجورة وأحراش وفي أبنية مهدمة وفي حطام الوسط التجاري، وفي معظم الأحيان كانت الصور المرافقة للتقرير الطبية تكشف أساليب التعذيب والقتل البشعة التي ارتكب بحق هؤلاء في حرب الجبل بين الموارنة والدروز عام 1983 عرض التلفزيون الكندي منظر مسلحين يتقاذفون بأرجلهم جماجم بشرية في ما بدا وكأنه كرة قدم، فلا عجب أن غادر لبنان ثلث أهله بسبب الرعب الهائل الذي أصاب الناس من هذه الحرب البشعة وتراكم الجثث بعشرات الآلاف في المدافن والمستشفيات.

إن مستوى البربرية والانحطاط البهيمي الذي اتصف به المقاتلون من لبنانين وفلسطينيين وسوريين وإسرائيليين لم يلفت الرأي العام العالمي، أو العربي بالدرجة الأولى، وبحثه للتدخل الفوري لإنقاذها هذا البلد الصغير والمبكي أنه بعد عشر سنوات من اشتعال الحرب، أي بعد 1985 كان مصير نصف درزية من الرهائن الغربيين (فرنسيين وأميركيين وبريطاني) شاغل العالم والناس في كل مكان وعلى ما نشيتات الصحف العالمية ، يتقدم نشرات الأخبار في الولايات المتحدة وأوروبا، حتى أن كتبا عدة صدرت عن مذكرات هؤلاء الرهائن بعد تحريرهم، مع فصول كثيرة عن معاناتهم النفسية فيالاسر وكان الجمع المشترك لهذه المذكرات الفهم السطحي لمأساة لبنان، ومع الأسف كانت التفسيرات السطحية لأسباب الخطف مقبولة تماماً للرأي العام الأميركي المتعاطف، وفي الحقيقة كان اختطاف الرهائن الغربيين جزءاً من أعمال الخطف في لبنان التي طالت آلاف الأشخاص ونتيجة للعبة الأمم المتحدة التي استمرت طويلاً على الساحلة اللبنانية، كان أمراء الحرب والزعماء والتجار على استعداد دائم  ليكونوا شركاء فيها، وإن ما جرى للبنان جاء في مسلسل مستمر منذ الاستقلال والصراع العربي الإسرائيلي والوجود الفلسطيني المسلح وغياب العدالة الاجتماعية في لبنان والنفوذ الإيراني منذ 1979 والمسعة السوري للسيطرة على مقدرات لبنان، لقد كان أي طرف أجنبي أو عربي أو محلي في الحرب اللبنانية أكان لبنانياً أو إسرائيلياً أو سورياً أو فلسطينياً يقول إنه يحاب من أجل المصلحة اللبنانية العليا أو لإنقاذ الفلسطينيين أو لإنقاذ المسيحيين أو لإنقاذ المسلمين.

 

[1] BULLETIN TRIMESTRIEL DE BANQUE DE LIBAN, 1971-75

[2] باسم الجسر، فؤاد شهاب ص 137.

[3] في 2005 عقد جميل السيد، مدير عام الأمن العام اللبناني، مؤتمراً صحافياً هاجم فيه زعماء البلاد لضلوعهم في الفساد وسوء استعمال السلطة، وفي مقابلة تلفزيونية ولدى سؤال ألبير منصور، نائل ووزير سابق، عن رأيه في ما قال السيد كان جواب منصور كلاسيكياً في القانوس اللبناني: لا أرد على موظف.

[4] كمال حمدان، الأزمة اللبنانية الطوائف الدينية الطبقات الاجتماعية والهوية الوطنية، دار الفارابي 1998.

[5] GEORGES CORM, MILITIA HEGEMONY AND THE REESTABLISHMENT OF THE STATE’. IN DEIRDRE COLLINGS EDITOR, PEACE FOR LEBANON ? FROM WAR TO RECONSTRUCTION, BOULDER , LYNNE RINNER 1994 PP. 216-218.

[6] توصل أطراف الحرب إلى 55 اتفاقاً لوقف النار خلال حرب السنتين.

[7] JEAN MAKDISI, BEIRUT FRAGMENTS, NEW YORK PERSEA BOOKS, 1990.

[8] SAID ABU RISH, BEIRUT SPY- THE STORY OF THE ST GEORGE HOTEL, LONDON, BLOOMSBURY, 1990.

[9] محمد ماضي، انعكاسات الحرب اللبنانية على قطاع السياحة ونظرة مستقبلية – بحث اقتصادي واجتماعي، بيروت دار النهار للنشر 1981 ص 49- 70.

[10] GEORGES CORM, OP, CIT., P.3.

[11] سليم نصر وكلود دوبار، الطبقات الاجتماعية في لبنان 1977.

[12] JOSEPH CHAMI, JOURS DE MISERE- 1975 1976, BEYROUTH, ARAB PRINTING PRESS, 1977 PP. 374- 375, PP. 100-113.

[13] محمد ماضي، انعكاسات الحرب اللبنانية على قطاع السياحة ص 49-70.

[14] RAFIK HARIRI, STATESMANSHIP IN GOVERNMENT, BEIRUT, COST OF WAR AND CHALLENGES OF PEACE 1999.

[15] GEORGE CORM, OP CIT, AND CAHIERS DE I’ ORIENT LE CHANTIER LIBANAIS, NUMBER 32-33 PARIS CENTRE D’EDTUDES ET DE REFLEXION SUR LE PROCHE ORIENT ‘CEROP’ IV, 1993 AND 1994.

[16] JOSEPH CHAMI JOURS DE MISERE 1975 – 1976 P 380.

[17] JOSEPH CHAMI, IBID, P. 380.

[18] جريدة الديار، 9 أيار/ مايو 1989 ذكرتها جين مقدسي، سبقت الإشارة، ص 230-231.

[19] استقطب الحزب التقدمي الاشتراكي عناصر غير درزية خاصة من المسلمين الأكراد في فترة تقلص فيها، بل غاب، الظهور المسلح لتنظيم المرابطون ذي الأغلبية السنية.

[20] ANTHONY SIMPSON THE ARMS BAZZAR- FROM LEBANON TO LOUCKEED, NEW YORK, BANTAM BOOKS, 1978, P.19.

[21] THE INTENATIONAL HERALD TRIBUNE, 29 NOVEMBER 1976, QUOTED IN A. SIMPSON, THE ARMS BAZAAR.

[22] وهي عبارة استعارها شمعون من أدبيات الإنكيز وقالها ونستون تشرشل رئيس الحكومة البريطانية من موقع وطني عندما كانت بلاده تتصدى لهتلر.

[23] JOSEPH FITCHETT, THE OBSERVER, 18 GULY1976, QUOTED IN SIMPSON, P. 24.

[24] SIMPSON, P.P 13-24.

[25] ROBERT FISK, PITY THE NATION- THER ABUDCTION OF LEBANON, OXFORD UNIVERSITY PRESS 1991.

[26] J0UMBLATT. I SPEAK FOR LEBANON.

[27] غسان العياش أزمة المالية العامة في لبنان 1982-1992، بيروت، دار النهار، 1997، ص 37.

[28] BOUTROS LABAKI ET KHALIL AABOURJEILI, BILAN DES GUERRES DU LIBAN 1975- 1990 PARIS L’HARMATTAN, 1993.

[29] ضمت مصادر التمويل الأخرى التهريب والتجارة بالضائع المهربة والمواد الصناعية السامة والاستيلاء على المساعدات الإنسانية الخارجية والقرصنة والتصرف بأملاك الدولة ومحتويات تجهيزاتها وأملاك الجيش اللبناني، وسرقة تحف وثروات وطنية وجدت طريقها إلى أوروبا وأماكن أخرى.

[30] سمير المقدسي، العبرة من تجربة لبنان –بين الاقتصاد والتنمية بيروت، دار النهار، 2004 ص 133.

[31] 15 تشرين الأول/ أكتوبر 1990.

[32] سمير مقدسي ص 77.

[33] GEORGES CORM, IBID, PP. 216-218.

[34] النهار، 15 تشرين الأول/ أكتوبر 1990 ص 8.

[35] سمير مقدسي، المصدر نفسه ص 76-77.

[36] DE, QUOI VIVENT LES LIBANAIS LE MONDE DIPLOMATIQUE, OCTOBRE 1979.

[37] عبد اللـة عطية الاقتصاد الرهينة، مجلة الاقتصاد والعمل، بيروت أيار/ مايو 1980.

[38] غسان العياش، أزمة المالية العامة في لبنان ص 37.

[39] غسان العياش، المصدر نفسه.

[40] LE MONDE 4 APRIL 1990.

[41] UNESCO, INTERNATIONAL PEACE RESEARCH INSTITUTE, CONFERENCE PAECE DEVELOPMENT IN LEBANON, PARIS 11-13 APRIL, 1990.

[42] غسان العياش، أزمة المالية العامة في لبنان ص 39.

[43] TABITHA PETRAN, THE STRUGGLE OVER LEBANON, NEW YORK, MONTHLY REVIEW PRESS, 1987. PP. 228-229.

[44] سمير المقدسي، العبرة من تجربة لبنان ص 68.

 

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19
« »
المصادر او الهوامش

معلومات النشر:

اعداد: العنكبوت الالكتروني

عنوان الكتاب: أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان

تأليف: كمال ديب

الناشر: دار النهار للنشر

تاريخ النشر: 01/02/2007

إشترك في خلاصة التعليقات عدد التعليقات: (1 منشور)

avatar
joe bloe
الثلاثاء, 10 كانون الثاني / يناير 2017, 07:45:PM
يسمح لنا الأخ وليد جنبلاط بالنسبية اذا أراد ان ينمو البلد ويتطور. جورج واشنطن وابراهام لينكلن كانوا اباء الحضارة الأميركية ولن نرى أحدا من احفادهم يتزعمون فئة في الحكومة الأميركية. نريد دم جديد يحكم البلد, ولا دور للآقطاعية. نرجو من الكل ان يفهموا ذلك. استفردوا بالبلد فامتصوا دماء شعبه. لا يجب ان يكون أي شخص فقير اذا كان يوجد إدارة حسنة للمال العام. فما ذنبهم؟ أخاف عليكم من كثرة ذكائكم.
المجموع: 1 | عرض: 1 - 1

إكتب تعليق

البريد الالكتروني يبقى سرّي و لا ينشر
  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

- التعليقات الواردة من القراء هي مسؤولية أصحابها ولا تعبر عن رأي إدارة الموقع بالضرورة
- تتم مراجعة تعليقاتكم قبل نشرها عن طريق إدارة الموقع

- (سياسة نشر التعليقات)

تابعونا

  1. دول خليجية تحذر رعاياها من السفر إلى لبنان (5.00)

  2. وفاة "ملكة الديسكو" دونا سمر عن 63 عاماً (5.00)

  3. معارض صيني ضرير بمطار بكين متوجهاً لنيويورك (5.00)

  4. الاكتئاب لدي المراهقين .. له إشارات يجب الانتباه لها (5.00)

  5. صحف العالم: أمريكا "تعاقب" باكستان بعدد سنوات سجن أفريدي (5.00)

  6. فيلم منتظر يكشف تفاصيل اغتيال بن لادن (5.00)

  7. أستراليا: التيار الوطني الحر في سيدني ينعي فقيده المفكر و المناضل والاعلامي المخضرم الأستاذ بطرس عنداري (5.00)

  8. الرحيل المفاجئ (5.00)