إعلانات Zone 4B

[CLOSE]

إعلانات Zone 3B

[CLOSE]
أحدث الأخبار:

إعلانات Zone 2B

[CLOSE]
الرئيسية | ثقافة | رفوف المكتبات | أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان (19 حلقة كاملة)

أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان (19 حلقة كاملة)

آخر تحديث:
image
الكاتب:
عدد المشاهدات: 36408
عدد التعليقات: (1)
قيّم هذا المقال/الخبر:
3.00
حجم الخط: A+ A-
نسخة صالحة للطباعة   نسخة نصية   أرسل إلى صديق
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19
« »

 

 أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان - الفصل العاشر: بشير الجميل وكمال جنبلاط وسائر أمراء الحرب

الفصل العاشر

بشير الجميل وكمال جنبلاط وسائر أمراء الحرب

 

حقاٌ كان هناك عنصر مغامرة في كل ما قمنا به ، ولكن أليست الحياة برمتها عبارة عن مغامرة محسوبة ومتعمدة[1]؟

كمال جنبلاط

لو ما عملنا هيك كانت راحت علينا وما كان بقى اليوم لا راهبة ولا صليت ولا كاهن[2].

بشير الجميل

الكانتونات

قبل العام 1975 كانت كتيبات وزارة السيحة اللبنانية تروج للبنان (سويرا الشرق) بجمال طبيعته وثولج جباله ونشاططه اللازوردي وفنادقه وخدماته وشعبة المضياف ، ومع الحرب زالت صورة (سويسرا الشرق ) في الكتيب لتحل مكانها (سويسرا الكانتونات) إذ عادة بقوة الغيتوات أو الإمارات الصغيرة التي رسمت جغرافية لبنان قبل الحرب العالمية الأولى، وتساءل كثيرون هل الكانتونان الطائفية في لبنان هي الشأن الطبيعي أما الدولة الواحدة فهي الاستثناء؟

كان من نتائج السنوات الأولى للحرب زوال جبل كامل من أمراء حرب وزعماء سيطروا على الساحة منذ الاستقلال عام 1943 فكانت حرب 1975-1990 نذيراً بنهاية عدد كبير من هؤلاء، وخاصة أمراء الحرب التقليديين الشيعة مثال آل الأسعد وحمادة والخليل، والزعماء السنة كآل سلام وكرامي والصلح، وحتى في صفوف أمراء الحرب الموارنة، زال الصف القديم الذي مثله بيار الجميل وكميل شمعون وسليمان فرنجية.

فمن لم يمت منهم بسبب التقدم في السن، قضى في موت عنيف يليق بمستوى الحرب اللبنانية ومن الذين قضوا اغتيالاً كمال جنبلاط، الزعيم الدرزي والشخصية اللبنانية الأبرز في ربع القرن الأول بعد الاستقلال، وبشر الجميل، قائد الميليشيات المسيحية ورشيد كرامي، رئيس الوزراء وزعيم طرابلس، ورينيه معوض، رئيس الجمهورية المنتخب، وتوفي كميل شمعون وبيار الجميل وسليمان فرنيه وغادر لبنان صائب سلامة وريمون إده واختفى الإمام موسى الصدر ولم تمنع ظاهرة الكانتونات التواصل الاقتصادي بين المناطق، ذلك أن حركة الإنتاج تطلبت الوصول إلى لأسواق الداخلية بصرف النظر عن القوى على الأرض، وكان ثمة حاجة إلى مصادر تمويل من مصارف وبضائع ومواد أولية ومناطق أخرى، وكذلك الحاجة إلى استعمال البنية التحتية لاسيما المواصلات التي تربط المناطق اللبنانية والتي تربط لبنان بالخارج من مرافئ ومطار وطرق برية[3]، فكان الوضع الاقتصادي بين المناطق اللبنانية يشكل عائقاً جدياً ضد تحول الكانتونات بكياناتها الرمزية إلى دول مستقلة كما حصل خلال فترة وجيزة بعد تفكك يوغسلافيا، وعلى سبيل المثال، كانت بيروت الغربية السوق الرئيسي وربما الوحيد لمنتجات المناطق الشرقية في حين كان سكان غرب العاصمة يجدون الراحة والاستجمام في المراكز السياحية في المناطق الشرقية ويشترون حاجياتهم من المواد الصناعية من تجار (حي الدورة).

ازدهرت التنمية المنطقية بعد التقسيم الفعلي للبلاد في أواخر السبعينات، كما عمد أمراء الحرب الشيعة والموارنة والدروز إلى تعزيز كانتوناتهم بإيفاد بعثات إلى الدول العربية والأجنبية، بحثاً عن المال والدعم المادي والمعنوي، وخاصة من الجاليات اللبنانية في الخليج العربي وغرب أفريقيا والأميركيتين وأوستراليا، كما وجهت دعوات إلى اثرياء المغتربين للاستثمار في الكانتونات وخلق فرص عمل وتنشيط الحركة الاقتصادية وجنى المقاولون ثروة من الطلب الكثيف على المساكن بسبب التهجير وإقبال المغتربين على شراء الشقق في لبنان فظهرت مشاريع عمرانية في الكانتونات، وازدهرت السياحة الداخلية حيث ظهرت منشآت جديدة وبغياب الدولة احتاج النشاط الاقتصادي الكانتوني إلى حماية وأمن لكي يستمر، فكانت المؤسسات السياحية والاقتصادية تدفع أموالاً للميليشيات وتستخدم أجهزة توليد الطاقة الكهربائة وتشتري كميات المياه خاصة في ظل الانقطاع شبه المتواصل للماء والكهرباء.وارتفع عدد وكالات السفر في لبنان من 180عام 1974الى أكثر من 300 عام 1981 بسبب هجره مئات آلاف اللبنانيين في تلك الفترة وحاجتهم الى وسائل السفر. وازدهرت مرافئ الكانتونات التي باتت تستورد كل شي من سيارات وكحول ومواد سامة وتصدّر كل شيء من خبز ومحروقات وحشيش ومخدرات (راجع الفصل 11). وسيطرت الميليشيات جزئيا على المرافئ الشرعية في بيروت وصيدا وصور وطرابلس وجونية فخسرت الدولة إيرادات الجمارك (راجع الجدول 3 في الملحق الإحصائي)، وتقلّصت عائداتها إلى جزء يسير مما كانت عليه سابقاً رغم أن الحركة التجارية ازدادت في بعض سنوات الحرب. ولتوسيع قاعدة نفوذهم وتحصيل المزيد من المال، فرض أمراء الحرب "الضرائب" وأقاموا حواجز ماليه عند المعابر الرئيسية التي تربط الكانتونات. فأصبحت هذه المعابر حدوداً جمركيه بين دويلات الأمر الواقع.

في أواسط الثمانينات تطوّرت الهيكلية المالية لسلطة أمراء الحرب في كل كانتون، امتد التحصيل الضرائبي إلى التبادلات العقارية والتجارية والى عمليات الاستيراد والتصدير وكل ما يتحرّك وله معنى اقتصادي تقريباً، فكانت وثائق تحويل ملكية من شخص إلى شخص تحتاج إلى تصديق دوائر الميليشيا مقابل رسم، ووجب على أصحاب المصالح الاقتصادية دفع مبالغ شهرية لدعم المجهود الحربي لميليشيات الكانتونات وأقامت الميليشيات شبكة خدمات اجتماعية وإدارات مدنية.

لم يكن نشوء الكانتونات مفاجئاْ للمراقبين، إذ إنّ حدودها ارتسمت إلى حدّ بعيد نتيجة حروب لبنان في القرن التاسع عشر ففي حرب لبنان 1958كان  واضحاً أنّ معظم سكان غرب بيروت هم من المسلمين فيما كانت أغلبية سكان شرق بيروت من المسيحيين وأنّ المدن الساحلية (طرابلس وصيدا وصور) كانت بغالبية مسلمة وأن كسروان ماروني والكورة أرثوذوكسية والجنوب بأغلبية شيعية، الخ.

وأظهرت حرب1958 أيضاً أنّ نفوذ الدروز بقيادة كمال جنبلاط تركّز في الشوف وعاليه، في حين كانت المناطق ذات الأغلبية المارونية تدين بالولاء للرئيس السابق كميل شمعون، وفيما استمرّت زعامة جنبلاط للدروز في السبعينات بدا أنّ لواء الموارنة بات يتحوّل إلى آل الجميّل وقادة ميليشيات حزب الكتائب، ولم يكن للشيعة أي ملامح كانتون في السبعينات، رغم وضوح وجودهم الجغرافي في شمال البقاع وجنوب لبنان وضاحية بيروت، ذلك أنّ أمراء الحرب التقليديين في صفوف الشيعة غاب صوتهم وارتفع صوت جيل جديد انتسب إلى الأحزاب اليسارية والعلمانية، كما تراجع نفوذ زعماء الساحل السنّة ليظهر قادة ميليشيات جدد بتوجهات قومية وعربية "بيروت الغربية" و"بيروت الشؤقية" كانت بيروت ساحة الحرب الرئيسية حيث انقسمت إلى شرق وغرب، وفي رقعة المدينة الضيقة، شكّلت بيروت الغربية مساحة 80 بالمئة من بيروت الإدارية، في حين غطّت بيروت الشرقية، بما فيها "حي الأشرفية" 20 بالمئةمن المساحة الإدارية يسكنها مسيحيون بشكل رئيسي، وكانت بيروت الغربية مختلطة دينياً حيث قطنها السنة والشيعة الدروز ونسبة هامة من المسيحيين وخاصة من الروم الأرئوذوكس.

بل الحرب كانت بيروت الشرقية (بحدود البلدية) عبارة عن أحياء سكنية هادئة،ولكن بعد 1975 ونتيجة أعمال التهجير السكاني ودمار الوسط التجاري، ازدحمت كما ازدحم غربها فتوسّعت إلى المناطق المتاخمة لها كسن الفيل والدورة، ولم تقل مؤسسات الدولة في شرق بيروت أهمية مثل شركة كهرباء لبنان وشركة المياه ووزارة الخارجية والمديرية العامة للأمن العام.كما أنّ تجهيزات البنية التحتية للمناطق الشرقية كانت أفضل بكثير من المناطق الغربية، حيث سيطرت الميليشيا المسيحية على أجزاء من مرفأ بيروت ومرفأ جونية ومراكز الاتصالات الهاتفية ومستودعات المحروقات.

وكان النمو الاقتصادي لشرق بيروت وشمالها أكثر صحة وعمقاً من مناطق غرب العاصمة وجنوبهلز حيث امتد العمران والازدهار من الأشرفية إلى جونية شمالاً، فكان ما يسمى "المناطق الشرقية" هو في الحقيقة منطقة جغرافية واسعة امتدت من خطوط التماس في الوسط التجاري مروراْ بالأشرفية والصيفي والجميزة والمرفأ وسن الفيل والدورة وساحل المتن الشمالي وصولاً إلى الذوق والكسليك وجونيه وكلها مناطق واقعة شمال العاصمة بحدودها الإدارية، لشرقها.

لقد توسّعت بيروت في كل اتجاه في سنوات الحرب، مبتلعة أحياء وقرى قليلة السكان والعمران والنشاط سابقاً فغاب حزام البؤس الذي سبق الحرب لتظهر أربع ضواح بغلبة طائفة في كل منها، طوّقت العاصمة، هي:

ـ الضاحية الشيعية أو "الضاحية الجنوبية" (يقتصر استعمال كلمة"الضاحية"في لبنان على الضاحية الشيعية) وتضم هذه الضاحية أحياء الشياح والغبيري وحي السلّم وبئر حسن والأزاعي والمعلّم وحارة حريك.

2 ـ والضاحية الدرزية (جنوب الضاحية الشيعية) وتبدأ من مثلث خلدة وتضم خلدة والشويفات وعرمون، مرتبطة بالجبل الدرزي في الشوف.

3 ـ والضاحية الأرمنية (شرق الأشرفية وتضم شارع آراكس/برج حمود وكامب طراد القديم وحي النهر (نسبة الى نهر بيروت) وبعض النبعة، وتسيطر عليها الأحزاب الأرمنية التي رغبت بالمحافظة على الحياد في الحرب والضاحية المسيحية وهي منطقة واسعة تبدأ جنوباً عند كفرشيما مروراً بالحدث وسان تيري وعين الرمانة ثم شرقاْ بالمكلّس وجسر الباشا والدكوانة وسد البوشة والروضة وسن الفيل، ثم شمالاً الى الدورة وجل الديب.

هذه التقسيمات تبيّن الى حد ما التطهير الديني الذي خضعت له العاصمة وضواحيها في سنوات الحرب ويستمرّ اليوم كنتيجة ديمقراطية دائمة قضت على تجربة التعايش الذي طبع لبنان قبل الحرب، في الثمانينات تضاءل عدد المناطق المختلطة دينياً، ولكن الشرخ الجغرافي الأهم الذي قسّم لبنان هو ذلك الذي امتد على مسافة 50 كلم الوسط التجاري وحتى المتن الأعلى.

وهكذا تم التطهير المذهبي: في حرب السنتن هجّرت الميليشيا المسيحية 250 ألف لبناني وفلسطيني من مناطق شرق وشمال بيروت، وهجّرت الميليشيات اليسارية والإسلاميون أعداداً مماثلة من الموارنة بلغت 300 ألف من  الشوف وعاليه ومن مناطق جنوب بيروت تمتد من الدامور إلى شرق صيدا. فأنهى هذا التطهير اختلاطاً استغرق مئات السنين ليصبح أمراْ واقعياْ بني على أساسه كيان لبنان عام 1920.

منذ العام 1976سيطرت الميليشيا المسيحية على المناطق الشرقية/ الشمالية، فيما غرقت بيروت الغربية في فوضى طيلة سنوات الحرب، تنوّع قوى الأمر في بيروت الغربية وتقلّبها المتكرّر من يد ال يد،لك يعن أنّ بيروت الشرقية كانت بحال أفضل. فقد كانت الضواحي الشرقية مسرح حرب مدمّرة في 1976 حيث واجهت الميليشيا المسيحية التنظيمات الفلسطينية والميليشيات اللبنانية الإسلامية واليسارية.

وفي الفترة 1977-1980 وقعت حرب"وحدة البندقية المسيحية".وبعد عام 1982،باتت حرب النفوذ مفتوحة في الكانتون المسيحي ولم يتم رأب الصدع في المناطق الشرقية طيلة السنوات التالية،بل استمرّ بوسائل أخرى بعد الحرب وحتى بداية القرن الحادي والعشرين.

من دروس الحروب والمواجهات الكانتونية أنّ التطهير المذهبي القسري لم يكن كافياْ لإنهاء الصراع في لبنان ولا أطروحات الفدرالية التقسيم.وذلك  أنّ العنف الداخلي ومعارك النفوذ كانا الظاهرة الأكثر ثباتا في كانتونات المذهب الواحد وكانت الحياة تتواصل داخل كل كانتون حيث أسّس أمراء الحرب إدارات محليّة بدرجات متفاوتة (سبقتهم إليها المخيمات الفلسطينية منذ1971) وشبه جهاز حكومي يدير شؤون الدويلة بعض الكانتونات كان امتدادا لتلك التي ازدهرت في القرن التاسع عشر، يقودها أمير حرب يقيم في قصر تاريخي أو في بلدة معروفة (آل جنبلاط في المختارة وآل فرنجية في إهدان) وبعضها الآخر كان تحت سلطة ميليشيات مستجدة خارج الإطار التقليدي (الشريط الحدودي ومدينة صيدا).

وخلال فترة وجيزة أصبح للكانتونات مراكزها التجارية ومرفئها ومحطاتها التلفزيونية وإذاعاتها والعديد من مظاهر الدولة كقوى عسكرية وأجهزة أمن ومخابرات ومكاتب لمراجعة المواطنين.لقد أصبحت المعابر البرية والبحرية إلى الكانتون المسيحي شبه جمارك تحصّل الرسوم وبرزت فكرة بناء مطار في "حالات" شمال بيروت بمساعدة رجل الأعمال روجيه تمرز (راجع الفصل13). وخلال سنوات برزت وسائل إعلامية لدى الميليشيا المسيحية منها إذاعة "صوت لبنان" وتلفزيون "الشركة اللبنانية للإرسال"LBC التي أصبحت الأكثر شهرة في لبنان والشرق الأوسط.

 

كمال جنبلاط

كان أكثر نفوذا في "الجمهورية اللبنانية" بعد الاستقلال عام 1943،من جدّه بشير جنبلاط في "إمارة جبل لبنان" في أوائل القرن التاسع عشر (راجع الفصل الثاني) وإن قضى الرجلان اغتيالا طيلة عمله السياسي، وخاصة منذ أواسط الأربعينات مرورا بالخمسينات والستينات، أبقى كمال جنبلاط الزعامات المارونية والزعامات التقليدية في الطوائف الأخرى على أعصاب مشدودة بهجوماته الكلامية فكان كامل الطاقم السياسي اللبناني يأخذ حذره من الزعيم الدرزي، وفي حالة دفاع عن النفس تجاه انتقاداته اللاذعة.وفي بداية الحرب كان رئيس الحكومة السني رشيد الصلح يسير في فلك الأطروحات الجنبلاطية وينسّق خطواته مع كمال جنبلاط.

حتى ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية الزئبقي، لم يستطع التملّص من هالة كمال جنبلاط وشخصيته  في العام 1976 أقنع جنبلاط عرفات بمحاربة النظام السوري ومنع  تقدّم الجيش السوري عند بلدة صوفر في الجبل، فيما كان عرفات يعمل ما بوسعه للاتفاق مع الرئيس السوري حافظ الأسد.كما أنعه بضرورة مساعدة مخيم "تل الزعتر" الفلسطيني  الذي كانت تحاصره الميليشيا المسيحية في نفس العام، فيما كان عرفات يعتبر"تل الزعتر" معتقل الجبهة الفلسطينية الرافضة ولا يخضع لـ"حركة فتح" التي يرأسها[4]. ورغم ذلك عمل بمشيئة جنبلاط وأمر بهجوم على"المونت فردي"لتخفيف الضغط على"تل الزعتر".

أمّا الرئيس السوري حافظ الأسد، والذي أشاد بذكائه ودهائه وزير الخارجية الأمريكي هنري كاسنجر وظهرت مؤلفات عن أسلوبه في الحكم والمفاوضة حتى الأسد كانت له جولات حامية مع جنبلاط وفي إحدى هذه المواجهات في ربيع 1976 في دمشق، وجد الأسد في جنبلاط ندّا صعبا أطول صبرا منه على الجدل إذ استغرق لقاؤهما ثماني ساعات ولم ترفّ عين جنبلاط أو ينصح لكلام الرئيس السوري. وكان الأسد يطلب من جنبلاط دعم  المبادرة السورية لوقف القتال في بيروت ولكن جنبلاط رفض وأكّد أنّه لن يسمح لـ"حزب البعث" السوري أن يحكم لبنان.

وحتى الرئيس المصري أنور السادات لقي درساً من كمال جنبلاط، رغم أنّ صداقة قديمة جمعتهما عبر مشاركتهما في عدّة مؤتمرات عربية ودولية. إذ إنّ جنبلاط وأخذ يطالب السادات بإرسال قوات مصرية لترجيح الميزان ضد التوغّل العسكري السوري في الأراضي اللبنانية عام 1976. وكان السادات على خصام مع الرئيس السوري حافظ الأسد، فألقى خطابا حول لبنان وأطلق صيحته الشهيرة "ارفعوا أيديكم عن لبنان".

وكان كمال جنبلاط يأمل أن يعلن السادات تدخّلا عسكريا مصريا يقلب الأوضاع ولكن هذا لم يحصل بل لجأ السادات إلى السياسة وناشد في خطابه بيار الجميّل وكميل شمعون وسليمان فرنجية التعاون لإنهاء الحرب.

وإذ أكّد السادات أنّه "منح القادة الثلاثة ثقته ووصفهم بأنهم من سلالة عربية عريقة وأنّه يفهم حاجاتهم ليعيشوا بعزّة وكرامة كعرب أقحاح في بلدهم"، أهمل ذكر ريمون إدّه، وهو قطب ماروني هام في تلك الفترة وعلى علاقة بكمال جنبلاط. وكان جنبلاط متجها الى مصر  للقاء السادات فطلب منه ريمون إدّه نقل رسالة طريفة إلى السادات "قل للرئيس السادات إن العميد ريمون إده سينزل نهار الجمعة إلى الجامع العمري الكبير في بيروت ويقتل ستة أو سبعة من المسلمين لعله يصبح سليل عائلة عربية عريقة أيضا[5]" وفي اللقاء مع السادات في الإسكندرية، شرح جنبلاط الموقف في لبنان وكان السادات يتحدّث باعتلاء، فتضايق كمال جنبلاط من هذا الأسلوب وقال للسادات:

"بيسلّم عليك العميد ريمون إدّه"، وأبلغه رسالة إدّه. فضحك السادات وقال: "دمه خفيف والله! ده العميد لسّه عميد بسّ، ما رقيتوه لسّه؟" فانتفض كمال جنبلاط وقال للسادات: "أنا لا أمزح أنا عم احكي جدّ، أنت مين أذناك تصنّف الزعماء في لبنان، مين سمح لك تحكي هذا عربي وهذا مش عربي، مين قال لك هذا يقبل يكون عربي؟ فهذا موضوع محلي عندنا نحن اللي بتعرف بعضنا ونحن كذا".

فانتفض حسني مبارك،و كان حينها نائبا للرئيس وكان يدوّن محضر اللقاء. ولكن السادات عالج الأمر وقال لجنبلاط: "أنا ما باقصدش كده أنا بقصد بنحاول نطوق  الوضع في لبنان[6].

كانت شهرة جنبلاط أبعد من لبنان، حيث كانت علاقاته وثيقة بالدول العربية وبشخصيات عالمية ونال "جائزة لينين للسلام" من الاتحاد السوفيتي وكان في تلك الفترة الشخصية اللبنانية الوحيدة المعروفة في معظم أنحاء العالم (كما أصبح رفيق الحريري كذلك في التسعينات) ولكن صيغة نظام الحكم في لبنان كانت تحدّ من قدرات جنبلاط الإصلاحية حتى اتهمه خصومه بأنّه يواصل الحرب ويريد إلغاء الطائفية لأنّه يريد أن يصبح رئيسا للجمهورية.

استقطب جنبلاط الدعم الفلسطيني واستوعب تشكيلات اليسار والفئات الراديكالية والشخصيات المستقلة، ما عطّل وسلب دور أمراء الحرب والزعماء المسلمين من سنّة وشيعة، الذين مالوا إلى دعم النظام القائم وهاجموا جنبلاط، وخاصة بعدما بدأت حرب 1975.

شهدت سيرة جنبلاط من 1950 الى 1974 سلسلة من التحالفات الفاشلة مع أمراء حرب موارنة وآخرين  في محاولة الإصلاح النظام السياسي والاقتصادي. ولكنّه في أواخر الستّينات غيّر إستراتيجيته من محاولة الإصلاح من داخل التركيبة التقليدية الى مواجهة حاسمة عبر خلق تكتّل معارض من قوى اليسار اللبناني والمقاومة الفلسطينية وعدد من الشخصيات الإصلاحية التي لم تتمتع بوزن سياسي أو اقتصادي تقليدي.

وبرز انفصاله عن أمراء الحرب الآخرين في انتخابات 1950 البرلمانية إذ أنّ القادة الموازنة انتظموا في حلف ثلاثي (بيار الجمّيل وكميل شمعون وريمون إدّه) لخوض الانتخابات بـ Platform مناوئ لليسار والقومية العربية ومحذرا من خطر المقاومة الفلسطينية على وجود لبنان وسيادته، ما أكسبهم دعم الولايات المتحدة والدول الأوروبية. ولم تخل حملة الحلف الثلاثي الانتخابات من خطاب تهويل طائفي تقليدي وإثارة خوف المسيحين، يومها علّق كمال جنبلاط أنّ اليافطات الانتخابية في كسروان أعطت انطباعا وكأنّ جمال عبد الناصر يترشّح ضد العذراء مريم وهذا النوع من الحملات الانتخابية سيوصلنا إلى قبرص ثانية حيث سيحارب المسلمون والمسيحيون بعضهم البعض في لبنان كما يحارب الآن الأتراك واليونانيون بعضهم البعض في جزيرة قبرص[7].

 

فضيحة غارة المطار

كان الرأي العام المسلم في لبنان والرأي العام في الدول العربية يريان أن السلطة في لبنان تستعمل الجيش اللبناني بشكل متزايد لضرب المقاومة الفلسطينية وقمع قوى المعارضة، ولا تتحمّل مسؤوليات مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية المتزايدة على لبنان. ففي 28 كانون الأول/ديسمبر 1968 أغارت إسرائيل على مطار بيروت ردّاْ على عملية فدائية لـ "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" ضد طائرة إسرائيلية في آثينا،وأظهرت التحقيقات أنّ ثمّة تقصيراً فادحاً -ان لم يكن تساهل- من ناحية قيادة الجيش في  هذه الحاثة التي خلت تماما من عنصر المفاجأة.لقد صّرحت الحومة الإسرائيلية فور حصول العملية الفدائية في آثينا يوم 26 كانون الأول/ديسمبر أنّها "تنوي الردّ في لبنان"، كما أنّ وزير المواصلات اللبناني آنذاك ريمون إدّه صرّح قبل يوم من الغارة أنّ "مطار بيروت سيكون هو الهدف الإسرائيلي" واستعدادا لذلك أصدر قائد الجيش العماد إميل البستاني أوامره صباح 28كانون الأول/ ديسمبر لكافة الضباط والعسكريين أن يكونوا على أهبة (الاستعداد تحسبا) من اعتداء إسرائيلي وخاصة على  مطار بيروت.[8]

في الساعة التاسعة وعشر دقائق من مساء نفس اليوم أنتصل برج مراقبة المطار بـ"قاعدة أمن المطار"يبلغها عن هبوط قوات إسرائيلية على المدرج.فلم تتحرّك القاعدة لصد الهجوم بل اكتفى المسئول بالاتصال بمكتب العميد الركن إسكندر غانم قائد موقع بيروت في الجيش اللبناني حيث لم يتواجد غانم أو أي ضابط ذي شأن لمواجهة هجوم إسرائيل في طور التنفيذ الآن في مطار بيروت.وفي التاسعة والنصف علم قائد الجيش البستاني أنّ الإسرائيليين يدمّرون 13 طائرة مدنية هي كامل أسطول طائرات شركة "الميدل ايست" الوطنية ويخرّجون واجهة مبنى المطار.

فاتّصل بقائد موقع بيروت إسكندر غانم الذي شرح له"أنّ الجيش بدأ التحرّك ولكن طريق المطار مقطوع". في تلك الأثناء كان الإسرائيليون قد انتهوا من تنفيذ عمليتهم مخلّفين خرابا ودمارا دون أي تدخل لبناني.

وأظهرت التحقيقات في جلسة مغلقة للجنة الدفاع النيابية برئاسة فؤاد لحود أنّ اسكندر غانم قد خالف الأوامر وأنّه منح العسكريين المتواجدين في القيادة تصريح عطلة رغم الوضع الطارئ، ولدى معرفة الرئيس شارل الحلو بتفاصيل هذا التحقيق طلب تسليمه الملف لمطالعته قبل اتخاذ قرار، ثم أبقاه في أدراج مكتبه ولم يعده إلى الجنة البرلمانية حتى وصل إسكندر غانم إل سنّ التقاعد القانونية في تموز/يوليو 1969  ما عطّل أي عمل تأديبي بحقه[9].

لقد أدرك الرأي العام أنّ غارة المطار قد أنهت خرافة "الحياد" في الصراع العربي الإسرائيلي، ولكن الدولة اللبنانية بتكيتها ومؤسساتها كانت عاجزة عن التوصل إلى سياسة موحدة لمواجهة هذا التحدّي.

فمن ناحية دعم مسلمو لبنان الفلسطينيين بدون حدود على أسس قومية عربية، وقدسية القضية الفلسطينية ومن ناحية وقف معظم المسيحيين ضد العمل الفدائي الذي يقوّض استقرار البلاد وسيادتها ويدمّر الاقتصاد. واستقال رئيس الوزراء عبد اللـه اليافي فكلّف الرئيس الحلو رشيد كرامي مهمة تشكيل حكومة في أواخر كانون الثاني/ يناير 1969، وقرّر كرامي أن لا تشمل حكومته كميل شمعون وبيار الجميّل، وضمّن بيانه الوزاري بنوداً بدعم المقاومة الفلسطينية والسعي إلى مشروع قانون التجنيد الإجباري لبناء الجيش اللبناني. ولكن رئيس الجمهورية وقيادة الجيش رأيا أنّ ضبط المقاومة الفلسطينية كان أقل كلفه وأسهل من الاستعداد لحرب غير متكافئة مع إسرائيل أو من إعلان لبنان طرفاً في الصراع الإقليمي بين العرب وإسرائيل . قتمّ إهمال البيان الوزاري واستمرت قوى الأمن والجيش تعتقل الفلسطينيين وأنصارهم وتقوم بحملات عسكرية في الجنوب ضد المقاومة الفلسطينية وتوقف الإمدادات للفدائيين من سورية.

 وتجدر الإشارة إلى أنّ تلك الأعوام كانت تشكّل مخاضاً حقيقياً بين الشهابيين وأمراء الحرب، وأن شارل حلو كان لا يحبذ الشهابية كثيراً وأنّ الجيش ضمّ ضباطاً شهابيين وأمراء الحرب، وأنّ رشيد كرامي وعبد الـله اليافي كانا من أشد أنصار الشهابية في الستينات في حين وقف صائب سلام مع أعدائها.

كان تطبيق سياسيون ضبط المقاومة بالقوة (وهو مطلب إسرائيلي من كافة الدول العربية المواجهة يمت فيها مصر وسورية والأردن) بمثابة حقل ألغام في لبنان، إذ ما كان مباحاً في مصر وسورية والأردن بلجم المقاومة الفلسطينية وضربها إذا تجاوزت قوانين تلك الدول وأمنها، كان محّرماً وممنوعاً في لبنان أمام وقوف قسم كبير من الشعب اللبناني إلى جانب العمل الفدائي مهما كانت العواقب. وكان أي خطأ من الجيش ينذر بإقبال داخلي. وجاء هذا الخطأ سريعاً اذ احتدم الوضع في نيسان/ أبريل 1969 عندما طوّق الجيش مجموعه فلسطينية عائدة من عملية ضد هدف إسرائيلي . فلجأ هؤلاء إلى بلدة "بيت جبيل" الشيعية ورفض أهلها تسليم الفدائيين للجيش. فما كان من الجيش إلا أن طوّق البلدة وفرض منع التجوّل لمدّة ثلاثة أيام مهدّداً بقصفها وهي بلدة لبنانية.

ألهبت هذه الحادثة مشاعر الرأي العام المسلم واليساري وأطلقت نداءات داعمة للفلسطينيين وبدأ إضراب عام في طرابلس يوم 9 نيسان/ ابريل امتدّ إلى مدن أخرى، بهدف الضغط لإطلاق سراح الفلسطينيين المعتقلين في صور. وتطوّر الوضع باشتعال سلسلة من التظاهرات المطالبة بإنهاء هجمات قوى الأمن والجيش على المقاومة الفلسطينية  وضرورة الالتزام بالبيان الوزاري الداعم للعمل الفدائي.وكان جنبلاط قد عقد اجتماعاً يوم 21 نيسان/ أبريل أعلن فيه تأسيس "تجمّع الأحزاب والهيئات الوطنية والنقدي دمية وفي الترخيص لهذه التظاهرة، جرى التفكير باستبدالها باعتصام وإضراب عام.ولكن صبيحة 23نيسان/أبريل، وبعدما أطلقت قوى الأمن الرصاص على مظاهره في صيدا لدعم المقاومة، وصل النبأ إلى بيروت فقرّرت الأحزاب القيام بمظاهرة بدون رخصة[10]".

وانطلقت تظاهرة فصدتهم قوى الأمن بالقنابل المسيلة للدموع وخراطيم المياه. ولئن لم يرتجع المتظاهرون فتح عليهم جنود بملابس قوى أمن الرشاشات الحربية.وكان عدد ضحايا رصاص الجيش من المتظاهرين في ذلك النهار عشرين قتيلاْ ومائة جريح. وانفجر الغضب الشعبي وتصعّد الوضع فانتشرت التظاهرات وأعمال الاعتصام والإضراب في مناطق عدّة حتى بعدما أطلق الجيش سراح الفدائيين المعتقلين في صور.

وأمام فشل وزير الداخلية عادل عسيران في تبرير إطلاق الرصاص على مواطنين  غالبيتهم العظمى من طلاب المدارس ودون سن الثامنة عشرة، يؤيدون القضية الفلسطينية حتى لو كانت تظاهرتهم بدون تصريح ،كان الغضب الشعبي قد وصل مداه. فكيف يمكن لموقع قيادة بيروت في الجيش اللبناني الذي لم يحرّك إصبعاْ واحداْ ضد الغارة الإسرائيلية على مطار بيروت أن يجرؤ على ارتكاب مجزرة بحق المواطنين العزّل في شوارع بيروت؟ أمام هذا التطور أعلنت الحكومة حالة طوارئ ومنع تجوّل في البلاد ورفضت رقابة مسبقة على الصحف.كان يوم 23 نيسان/ أبريل مفضلاً في أحداث لبنان فقد أدرك الفلسطينيون حجم الدعم الشعبي الذي يلقونه في لبنان وسعوا لاستغلاله.كما أدركت الدولة أنّ سياسة ضبط العمل المقاوم وقمع المعارضة ستكون مكلفة ولن تجدي نفعاْ بل ستؤدي إلى حرب أهلية. فكان الطريق مفتوحاْ  إلى اتفاق لبناني فلسطيني ينظّم العمل المسلّح ويحفظ ماء الوجه للسيادة اللبنانية.ولكن الحكومة فقدت الأمل وأيقنت أنّها وصلت إلى الطريق المسدود،فقدّم كرامي استقالته بعد يوم من التظاهرة شارحاً أنّ أي حكومة لبنانية تأخذ طرفاً في الموضوع الفلسطيني ستحدث انقساماً خطيراً في البلاد.

وبرفع "الغطاء المسلم" عن الدولة غدت البلاد بدون حكومة لمدة سبعة أشهر، وكان هذا مؤشرا خطيرا بأنّ التوازن الطائفي قد بدأ يتجه لمصلحة المسلمين، وأنّ المسلمين لن يقفوا إلى جانب نظام يتهمونه بالانحياز الطائفي واستقطاب السلطة والثورة بأيدي المسيحيين. ولم تع قيادة الجيش معنى هذا التطوّر،لأنّها لم تستند إلى سلطة مدينة تفكّر عنها في العبر السياسية للأحداث وأن الإغراق في استعمال العنف بات يعري رئيس الجمهورية الماروني وقائد الجيش الماروني بدون رئيس وزراء مسلم، وأنّ شارل حلو سيشعر بقلق وخوف كبيرين في اتخاذ قرارات بدون رئيس وزراء مسلم. بل اغتلت قيادة الجيش غياب الحكومة لتواصل سياستها ضد الفلسطينيين.فاستمرت المعارك بين الجيش والمقاومة في الجنوب في أيّار/ مايو1969 ما اضطر الرئيس حلو إلى طلب مساعدة الرئيس المصري جمال عبد الناصر لإيجاد حل سياسي  ووقف العنف. فأوفد عبد الناصر مستشاره حسن صبري الخولي الذي التقى بياسر عرفات وقيادة الجيش اللبناني وتوصّل إلى مشروع لوقف إطلاق النار قضى بانسحاب الجيش اللبناني من جوار المخيمات وإطلاق سراح المعتقلين وبدء البحث عن "تنسيق أمني" بين الطرفين، أي بين دولة صاحبة سيادة وجماعة مسلّحة على أرضها.

ورغم أنّ المعارك توقفت إلا أن أياً من بنود الاتفاق لم ينفّذ وواصل الجيش اعتقال الفلسطينيين وتطويق المخيمات في حين قامت إسرائيل بعمليات انتقامية  ضد القرى اللبنانية  في آب/ أغسطس  على العمليات الفدائية. وأسقط بيد الدولة والجيش إذ راح سكان القرى التي تتعص للانتقام الإسرائيلي يطالبون بحماية المقاومة الفلسطينية ومدّها بالسلاح لا بطردها من الجنوب،في حين كان سكان المدن حيث الأغلبية المسلمة يصعّدون في دعمهم للمقاومة.وكان الفلسطينيون قد بدئوا عرض عضلاتهم في المخيمات بعدما قرأت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية معاني الانقسام اللبناني لصالحها.ففيما كان الجيش اللبناني يطارد مسلّحين لجئوا إلى مخيم "نهر البارد" قرب طرابلس عمد عناصر من المخيم الى خطف 9 جنود لبنانيين. فاقتحم الجيش المخيم ودارت معركة لم تنته الا بانسحاب الجيش مقابل إطلاق  الرهائن.وكانت هذه فرصة للتنظيمات الفلسطينية التي استغلت ظروف البلاد لمهاجمة مخافر الشرطة اللبنانية ومراكز"المكتب الثاني"داخل المخيمات وإقفالها بالتالي السعي الى الأمن  الذاتي للمخيمات طالما أن الثقة باتت معدومة بين الطرفين[11].

وإذ هدأ الوضع في صيف 1969، عادت المعارك أكثر عنفاً بين الجيش والفلسطينيين في تشرين الأول/ أكتوبر، فندّدت الدول العربية بلبنان وانتقدت بشدّة أعمال الجيش وأغلقت سورية الحدةد، فيما بدأت جماعات مسلحة تغير من سورية على مواقع حدودية للجيش اللبناني، وتدخل الرئيس عبد الناصر مجدداً وساهم في التوصل إلى اتفاقية القاهرة يوم 2 تشرين الثاني / نوفمبر 1969، التي لم تخلتلف بنودها عن وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في التدخل السابق، ووقع العماد إميل البستاني الاتفاق باسم الدولة اللبنانية وياسر عرفات باسم المقاومة الفلسطينية، وأضفت الاتفاقية شرعية على عمل المقاومة في لبنان وحق منظمة التحرير الفلسطينية، في استعمال مناطق حدودية باسم فتح لاند لشن هجمات على إسرائيل، وحق الفلسطينيين في حفظ أمن المخيمات خارج سلطة الشرعية اللبنانية وحق ممر آمن في الأراضي اللبنانية للوصول من وإلى الحدود بدون تدخل من السلطات اللبنانية.

لكن الاتفاقية لم تغير الوضع على الأرض، كما أن شارل حلو اختلف مع إميل البستاني ذلك أنه أوصاه قبل توجهه إلى القاهرة أن لا يوقع أي اتفاق مع الفلسطينيين[12]، ثم اختلف معه مرة ثانية حول خطوات تصديق الاتفاق وتطبيقه، فأقصاه وعين مكانه برتبة عماد وقائد للجيش العميد الركن جان نجيم في 7 كانون الثاني / يناير 1970[13].

وبعد أسابيع من توقيع اتفاقية القاهرة وقع اشتباك بين الجيش والمقاومة قرب مخيم النبطية تطور إلى معركة ميدانية استعملت فيها المدفعية فسقط أكثر من 50 شخصاً بين قتيل وجريح وكانت المرة الأولى التي يطالب فيها بعض الأهالي بمغادرة المقاومة الفلسطينية[14].

وكانت المعارك والمواجهات تحصل ليس فقط بين الجيش وقوى الأمن والمقاومة الفلسطينية فقط بل إن الميليشيات المسيحية بدأت تلعب دوراً متزايداً في مواجهة الفلسطينيين، وعلى سبيل المثال قاد بشير الجميل، نجل بيار الجميل رئيس حزب الكتائب، كميناً مسلحاً ضد موكب مسلح فلسطيني في بلدة الكحالة يوم 25 آذار/ مارس 1970 فاندلعت معارك بين الطرفين خاصة بين مخيم تل الزعتر وحي الداكونة المسيحي، أسفرت عن أسر الفلسطينيين بشير الجميل لعدة ساعات، وأفرج عنه بالقوة بعد تدخل كمال جنبلاط لدى ياسر عرفات[15].

لعب كمال جنبلاط دوراً هاماً في أحداث تلك الفترة كمناصر للقضية الفلسطينية وناطق باسم العمل المطلبي لقوى اليسار، فلقد وافق رشيد كرامي أخيراً بعد التوصل إلى اتفاقية القاهرة وبعد أشهر من المقاطعة على تشكيل حكومة جديدة في 25 تشرين الثاني/ نوفمبر 1969 وأتى بكمال جنبلاط وزيراً للداخلية، وكانت حكومة وفاقية وهي عبارة تطلق على الحكومات اللبنانية التي تضم أقطاب أمراء الحرب والزعماء أو ممثليهم، جمعت بيار الجميل وسليمان فرنجية وعادل عسيران ومجيد أرسلان وممثلين لكامل الأسعد رئيس البرلمان، وشخصيات معتدلة كموريس الجميل في شباط/ فبراير بصفته وزيراً للداخلية قام جنبلاط بسلسلة من الخطوات كات لها أبعد الأثر على أحداث لبنان فيما بعد فقد بدأت مفاوضات مع الفلسطينيين لعودة مخافر الدولة إلى المخيمات، ولكن التفاوض انتهى لمصلحة الفلسطينيين وقضى بالسماح للتنظيمات الفلسطينية بالمعام الأمنية المتعلقة بالمقاومة الكفاح المسلح في حين اضطلع الجانب اللبناني، ومن مراكز خارج المخيم، بقضايا الجرائم المدنية داخل المخيمات.

ثم عمل جنبلاط على تقليص ما أسماه المسلمون "النفوذ الماروني" في أجهزة أمن الدولة والجيش فقام بحملة لوضع حد لاستعمال الجيش في قمع المعارضة الإسلامية واليسارية في الشارع، فقدم مشروعاً في حزيران/ يونيو 1970 يفرض قيوداً على دور الجيش في الأمن الداخلي الذي يجب أن يكون أولاً وأخيراً من صلاحية السلطات المدنية التي يمثلها وزير الداخلية كمال جنبلاط، وأن وزير الداخلية هو الذي يقرر إذا كانت قوى الأمن الداخلي من شرطة ودرك عاجزة عن ضبط الوضع وأن ذلك يتطلب مساعدة الجيش، ومنع هذا القانون الجيش من صلاحية إلقاء القبض على المواطنين أو انتهاك الحقوق المدنية أو استعمال العنف إلا في حالة الدفاع عن النفس، وحتى في حال المواجهات العسكرية مع جهة مسلحة داخلية أو خارجية فرض القانون على قيادة الجيش أن تبقى على تشاور مع السلطات المدنية أو اتصال دائم معها[16].

وفي 15 آب/ أغسطس 1970 قبل أسبوع من نهاية عهد شارل حلو، أصدر جنبلاط مرسوماً يشرع لكل الأحزاب المحظورة بما فيها الحزب الشيوعي اللبناني، ومنظمة العمل الشيوعي وحزب البعث بشقيه السوري والعراقي وحركة القوميين العرب وتفرعاتها والتنظيمات الناصرية المختلفة والحزب السوري القومي الاجتماعي، وكان تبرير جنبلاط للقرر أن هذا الأمر يدعم الحياة الديموقراطية في لبنان بأحزاب بعيدة عن الطائفية وأنه يريد أن يضع رئيس الجمهورية الجديد أمام الأمر الواقع، وأثناء الانتخابات الرئاسية ربط جنبلاط منح صوته لفرنجية بعدم إقدام هذا الأخير على إلغاء قرار ترخيص الأحزاب، فدعي المرشحان الياس سركيس وسليمان فرنجية إلى جلسة خاصة مع جنبلاط و 25 ممثلاً لأحزاب يسارية عبارة عن امتحان للمرشح حول موقفه من الأحزاب والقضية الفلسطينية، وإذا كان سركيس صريحاً في ضرورة تعاوهه مع الحكومة والبرلمان لاتخاذ موقف، كان فرنجية على علم مسبق بالأسئلة وقدم الأجوبة التي يطلبها هؤلاء فضمن تأييدهم لترشيحه[17].

بعد خروج جنبلاط من الحكومة التي كانت قصيرة العمر تشرين الثاني/ نوفمبر 1969 إلى آب/ أغسطس 1970 صدر قانون آخر في تشرين الأول/ نوفمبر 1972 أكد مضمون القانون الأول ناقلاً مسؤولية تدخل الجيش من وزير الداخلية إلى مسؤولية جماعية لمجلس الوزراء، فبات استعمال الجيش في مسائل الأمن الداخلي مشروطاً بمرسوم من مجلس الوزراء، وزاد القانون الجديد من صلاحيات وزير الدفاع الذي لم يكن ذا اعتبار في القرار العسكري في البلاد[18]، حيث رأى الرأي العام المسلم أن كل الشؤون العسكرية باتت تتم مباشرة بين رئيس الجمهورية الماروني وقائد الجيش الماروني بمعزل عن رموز المسلمين في السلطة كرئيس الوزراء والوزراء والإداريين.

ولكن قائد الجيش العماد جان نجيم، الشهابي الهوى، كان يريد التعاون مع القوانين الجديدة المقيدة لتحرك الجيش وأن يواصل السير في خطى العماد إميل البستاني لإدارة الأزمة مع الفلسطينيين "وهو ما أسماه رشيد كرامي سياسة التنسيق" وليس سياسة ضبط المقاومة بالعنف، وحصل ما ليس متوقعاً، إذ تحطمت طائرة هليوكبتر تابعة للجيش كان على متنها العماد نجيم في 24 تموز/ يوليو 1971 كانت تقله من قصر رئيس الجمهورية سليمان فرنجية في إهدن إلى قياجة الجيش في اليزرة، فما كان من الرئيس سليمان فرنجية إلا أن استدعى اسكندر غانم من التقاعد ومنحه ترقية برتبة عماد وعينه قائداً للجيش في اليوم التالي بموافقة رئيس الحكومة صائب سلام.

وكان هذا التعيين فضيحة أمام الرأي العام إذ أن فرنجية نفسه وحليفه الدائم صائب سلام ومن موقع المعارضة، قد طالبا بشدة باستقالة غانم من الجيش بعد غارة المطار عام 1968 وأثيرت أسئلة عن مصرع نجيم وإذا كان في الأمر اغتيال مدبر خاصة أن تعيين غانم كان مدعوماً بقوة من كميل شمعون[19]، وتعرض فرنجية للانتقاد لاختياره غانم الذي كان يعمل بعد تقاعده مستشار للملحق العسكري الأمريكي في السفارة الأمريكية في بيروت، ولاحظ كرامي أن تعيين غانم تبعته سلسلة من التعيينات والتنقلات والترقيات ما سمح للعناصر المسيحية تسلم جميع المراكز الحساسة في الجيش، الأمر الذي جعله ألعوبة بيد المارونية السياسية[20]،  واعتبر الزعماء المسلمون أن ثمة خطوات حثيثة يتم تنفيذها لمورنة الجيش وزاد الوضع سوءاً في تأكيد شكوك المسلمين في تعيين غانم آذان ببداية العلاقة الرسمية بين الجيش اللبناني والميليشيات المسيحية في شؤون التدريب والتأهيل للمساعدة في ضبط المقاومة الفلسطينية فبات الجيش يستورد السلاح ويسلمه للميليشيات، حتى أن ميليشيا رئيس الجمهورية الخاصة "جيش التحرير الزغرتاوي" برزت بقوة.

 

كمال جنبلاط قائد المعارضة

ثابر جنبلاط منذ التسنيات على رعاية تشكيلته المعارضة، وهو الشخصية الدرزية، بحضوره ووهجه في أوساط المقاومة الفلسطينية،يلغي دور الزعماء السنة في البلاد، وهكذا استطاع منفرداً بناء قوة كبيرة لمقارعة الأمر الواقع، من فئات كانت سابقاً مهمشة ومفككة ومتناقضة، كانت القوى التي قادها جنبلاط عبارة عن أحزاب صغيرة يرأسها مثقفون حالمون بضرورة التغييؤ الثوري وإزاحة هيمنة أمراء الحرب على البلاد، فكان تبني جنبلاط لقضيتهم بمثابة حقن  حيوية غير مسبوقة، حيث لم يكن لهم قبل السبعينيات أي وزن يذكر في ظل النظام القائم والقوانين الانتخابية والكومبينات الطاغية، وبالمقابل لم يجد أمراء الحرب والزعماء والتجار أي رابط أو نقطة وصل مع هذه الأحزاب التي وجدوها متطرفة وغير واقعية وتسعى إلى خراب البلد وتحويله نحو الثورة والاشتراكية وجر لبنان إلى حرب غير متكافئة مع إسرائيل.

لم تتمكن هذه الأحزاب، رغم عراقة بعضها، كالحزبيين السوري القومي والشيوعي، من المشاركة في السلطة إن عن طريق النيابة أو الوزارة، فكانت رعاية جنبلاط لها أفضل فرصة منذ 50 سنة للسعي إلى السلطة وتحقيق الإصلاح، ولكن التكتل الذي نظمه كمال جنبلاط كان أيضاً خليطاً غير منسجم ومتناقضاً أحياناً من ديمقراطيين ليبيراليين وشيوعيين واشتراكيين وقوميين سوريين وقوميين عرب وشخصيات مستقلة تعمل للإصلاح الاجتماعي والتطور السياسي، كألبير منصور وعصام نعمان، لقد مثل هذا الخليط أبناء الطوائف والمناطق الطرفية الذين لم يلحظهم ميثاق 1943 فكان معظم هؤلاء من الشيعة والدروز والروم الأرثوذكس.

ضمت هذه القوى أيضاً قسماً كبيراً من السنة الذين ابتعدوا عن الزعمات التقليدية واعتنقوا أفكارا قومية، فانتشرت في صفوفهم التنظيمات الناصرية نسبة إلى الرئيس المصري جمال عبد الناصر والأحزاب القومية العربية كحركة القوميين العرب وحزب البعث، لقد بلغ عدد التنظيمات الناصرية العشرة تقريباً، منها حركة الناصريين المستقلين- المرابطون في بيروت، التي قادها إبراهيم قليلات والذي كان من المشاركين في حرب 1958 والتنظيم الشعبي الناصري في صيدا بقيادة معروف سعد وابنه مصطفى سعد، واتحاد قوى الشعب العامل –التنظيم الناصري بقيادة كمال شاتيلا ونجاح واكيم/ وقوات ناصر وغيرها.

لقد صدم الشارع السني الزعماء التقليديين مثل صائب سلام ورشيد كرامي بتصويته ضد اللوائح التقليدية في انتخابات برلمان 1972 ففاو نجاح واكيم عن مقعد بيروت الأرثوذكسي وفاز عبد المجسد الرافعي بعث عراقي عن المقعد السني في طرابلس، كما فاز علي الخليل بعثي عراقي سابق عن المقعد الشيعي في صور، وألبير منصور المستقل والتقدمي عن الممقعد الكاثوليكي في بعلبك ضد التقليديين وكان صائب سلام والزعماء التقليديون يقفون في واد غير وادي جنبلاط الذي اعتبره سلام مراراً بأنه يقوم بأعمال تخريبية فيما اتهم الزعماء المسلمون جنبلاط أنه في حال إلغاء طائفية الرؤساء وكما يطالب جنبلاط فليس مستبعداً أن يصبح هو رئيساً للوزراء بعدما غدا في الواقع زعيماً لغالبية المسلمين في لبنان[21].

وحتى في بداية قمة عرمون في 30 كانون الثاني/ يناير 1976 والتي شارك فيها نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام وجه خدام كلامه إلى صائب سلام أمام زعماء السنة وبحضور مفتي الجمهورية، قائلاً: كنتم موارنة يا صائب بك أكثر من الموارنة، ليست المارونية السياسية مقتصرة على الموارنة، اسمحوا لي أن أقول للسياسيين كلكم مارستم الحكم وكلكم بشكل أو بآخر خدمتم المارونية السياسية وكنتم موارنة في المفهوم السياسي[22].

وكان التغيير الاجتماعي أكثر عمقاً بين الشيعة، ففيما التف معظم الموارنة والدروز حول زعمائهم، أصبح مجرد ذكر أمراء الحرب ككامل الأسعد وصبري حمادة وكاظم الخليل كافياً لإثارة حساسية الجيل الجديد من الشيعة، وكانت نسبة كبرى من عضوية الأحزاب الشيوعية والاشتراكية هي من الشيعة خاصة في ضواحي بيروت وجنوب لبنان والبقاع "راجع الفصل 14".

معظم قادة قوى اليسار كانوا من المسيحييين والأرثوذكس والروم الكاثوليك، كجورج حاوي "الحزب الشيوعي اللبناني" وعبد اله سعادة وإنعام رعد والياس جرجي قنيزح "الحزب القومي" وألبير منصور "مستقل" ونجاح واكيم ناصري في حين كان الآخرون شيعة كمحسن إبراهيم منظمة العمل الشيوعي وعاصم قانصوه بعث سوري وقائد درزي واحد هو كمال جنبلاط الحزب التقدمي الاشتراكي وسنة إبراهيم كإبراهيم قليلات ناصري ومصطفى سعد ناصري.

عام 1974 فرض جنبلاط مرشحه لرئاسة الحكومة رشيد الصلح الذي لم يستلم أي منصب رسمي سابقاً ووافق فرنجية رغم اعتراض الزعماء السنة التقليديين ما خلق تقارباً بين صائب سلام ورشيد كرامي ضد جنبلاط واختياره لرشيد الصلح، وحقق جنبلاط انتصاراً هاماً إذ أن هذه الحكومة كانت تصغي له وتدفع بمطالب التكتل اليساري الذي يقوده وتحقق بعض الاصلاحات الاجتماعية، وجاءت حكومة الصلح كآخر محاولة للإصلاح إذ أنها استقالت بعد شهر من بدء الحرب في 15 أيار /مايو 1975 بعدما ألقى رشيد الصلح خطاباً نارياً في البرلمان قيل إن جنبلاط وحلفاؤه كتبوا نصه، واتهم الكتائب بتدهور الوضع وجدد مطالب جنبلاط الإصلاحية وبدا واضحاً أن فرنجية اعتاد بعدما اختلف مع صائب سلام حول موضوع الجيش والاعتداءات الإسرائيلية، تسمية شخصيات سنية لا تمثيل شعبياً لها كأمين الحافظ وتقي الدين الصلح، ثم قبل بمرشح جنبلاط,

ولكن تكتل جنبلاط الذي كان يعرف بـ جبهة الأحزاب والقوى الوطنية التقدمية لم يصدر أي مشروع أو برنامج عمل طيلة أوائل السبعينيات، ولم يفعل ذلك إلا بعد بداية الحرب عام 1975 بأشهر، إذ في آب/ أغسطس 1975 أصدر هذا التكتل بياناً هو برنامج القوى الوطنية والتقدمية من أجل عروبة لبنان وتطوره الديموقراطي، ولم يطلق اسم الحركة الوطنية اللبنانية على هذا التكتل إلا أثناء العام 1976.

 

مغامرة جنبلاط الكبرى

دفع كمال جنبلاط باتجاه نظام لا طائفي لكسر الشراكة المارونية- السنة التقليدية وفي ربيع 1975 إثر حادثة حي الرمانة، بدأ مفامرته الكبرى لإسقاط النظام بدءاً بمحاولة عزل حزب الكتائب وهو طلب مستحيل جر البلاد إلى جحيم مواجهة حامية استمرت 16 سنة، أثناء حرب السنتين كان رئيس الوزراء رشيد كرامي يحث البرلمان على الاجتماع والسعي إلى وقف إطلاق النار وبدء التفاوض على الإصلاح بدون نجاح، فما كان منه إلا أن أعلن الاعتصام في السراي الحكومي المطل على الوسط التجاري ابتداء من 28 تشرين الأول/ أكتوبر 1975 داعياً كل الوزراء والنواب وزعماء الأحزاب وكل من يهمه السلم الأهلي في لبنان أن ينضم إليه، ولكن فقط اثنان من وزرائه "غسان تويني وعادل عسيران" لبيا الدعوة، اختلف كرامي عن غيره على الأقل أنه دعا إلى السلم ولم يكن بيده حيلة، أما الآخرون من الزعماء ورجال الدولة، بمن فيهم رئيس الجمهورية فقد كانوا يتحدثون عن السلم الأهلي وهم يتولون توجيه ميليشياتهم في طريق المعارك.

لفترة قصيرة من الزمن بدا لجنبلاط والتكتل اليساري الذي قاده بأنهم اقتربوا من بلوغ هدفهم، فخلال ثلاثة شهور "آذار/ مارس، حزيران/ يونيو، 1*76" سيطروا على أكثر من 80 بالمائة من الأراضي اللبنانية، وكان جنبلاط في شهر أيار/ مايو 1976 في منزله في حي المصيطبة في بيروت ينتظر القيادة المارونية لتزوره معلنة موافقتها على برنامج الحركة الوطنية للإصلاح كل هذا انتهى بسرعة في أشهر الصيف بتدخل سورية بدعم عربي ودولي لحفظ النظام اللبناني وضرب التحالف اليساري اللبناني الفلسطيني، وإعادة البلاد إلى الستاتيكو الذي سبق 1975 وذهب كل الاستعداد والتخطيط والتنظيم الذي قاده جنبلاط من 1968 إلى 1975 في مهب الريح فيما هدفت سورية ومعها الدول العربية إلى إعادة الاعتبار إلى أمراء الحرب والزعماء كقوى محافظة يمكن التعامل معها.

من أسباب فشل الحركة الوطنية في الوصول إلى أهدافها وتطوير أنها لم تنجح في تحقيق اختراق شعبي واجتماعي، فإذا كانت المشاكل الاجتماعية والاقتصادية من ضمن الجذور الرئيسية للحرب في لبنان، فإن الحركة الوطنية لم تحمل لواء هموم الناس بجدية كافية لاستقطاب الشعب، ففي 18 آب/ أغسطس أصدرت برنامجها الشهير الذي وصفته بأنه خطوة نحو مجتمع ديمقراطي علماني، وتضمن هذا البرنامج إنهاء الطائفية في البرلمان وفي مجلس الوزراء والقضاء والأجهزة العسكرية ولتحقيق هذه الخطوة طلب البرنامج، جعل لبنان منطقة انتخابية واحدة بتمثيل نسبي "أي توزيع المقاعد حسب نسبة الأصوات التي تنالها الأحزاب" وإنهاء حكم الإقطاع والطائفية في الدولة بتحديد السلطات الاشتراعية والتنفيذية في رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء والبرلمان، وإنهاء التمييز المذهبي في منح الجنسية اللبنانية، وإعادة تنظيم الجيش اللبناني على أسس غير طائفية وإخضاعه للسلطة المدنية وتأسيس لجنة حوار وطني لوضع ميثاق وطني جديد ووضع التشريعات المناسبة لتطبيقه[23].

وبدا واضحاً أن برنامج الحركة الوطنية كان خالياً تماماً من أي توجه نحو الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي رغم ادعاء معظم أحزابه أن قاعدتها الشعبية كانت من الطبقة الاجتماعية المحرومة أو الفقيرة أو الوسطى، وأن أدبيات هذه الجماعات وأطروحتها الأكاديمية والإيديولوجية طالما ذكر أن الموجبات الاجتماعية والاقتصادية كانت في أسباب اشتعال الحرب، وتساءل الرأي العام إذا كان البرنامج المطروح يعكس فعلاً برنامج قوى يسارية وتقدمية وشيوعية واشتراكية، وهل صحيح أن الشعب اللبناني مستعد لخوض حرب مدمرة من أجل مطالب تريد إعادة توزيع السلطة السياسية في البلاد؟ أم من أجل تحسين واقعه المعيشي؟ في هذا الأمر كان فشل الحركة الوطنية مضاعفاً إذ أن الشعب لم يتلقف المطالب ولم يحارب من أجل الحركة الوطنية عندما هوت تحت ضربات الجيش السوري عام 1976[24].

ومن الطريف أن جنبلاط نفسه ذكر في مذكراته أن بشير الجميل قال له: نحن نوافق تماماً على برنامج الحركة الوطنية إلا أني أرى أنه لم يذهب بعيداً في الإصلاح في عدة مسائل[25]، فبدا الأمر وكأن الحرب كانت لإضعاف المسيحيين وتقوية المسلمين ضد ميثاق جديد وليس الثورة الاجتماعية والاقتصادية على الأوضاع التي سبق وصفها في الفصول السابقة.

ولم تكن المسألة الاجتماعية لعبة بالنسبة للناس، فقد غفل الثوريين على أن شؤون الناس هي من مهام الثورة أيضاً، وأن جمع النفايات وتأمين الخدمات الاجتماعية والصحية والتربوية وتوفير الأمن للمواطنين هي أمور أساسية يعتبرها الناس أهم من حمل الكلاشينكوف وتدمير الأسواق، في البدء قامت حركة فتح الفلسطينية بتأمين بعض المواد الغذائية في المناطق الخاضعة للحركة الوطنية لسابق خبرتها في المخيمات، وغاب دور أحزاب الحركة الوطنية في هذا الشأن.

ولكن رويداً بدأت الحركة الوطنية في تأسيس لجان شعبية في الأحياء ومكاتب اجتماعية أحدها قرب جامعة بيروت العربية والثاني قرب حديقة الصنائع في حي الظريف بإشراف الحزب الشيوعي، وفاقم في الشأن الإجتماعي أن المدارس أغلقت أبوابها فعملت الحركة الوطنية على جمع المتطوعين ليقوموا بمهام التعليم، وكذلك افتتحت مراكز التدريب على الإسعاف الأولي والدفاع المدني، ومخازن تموين ومواد طبية ومستوصفات ولكن هذه اللجان والمراكز لم تدم أكثر من ستة أشهر لأن الأحزاب فضلت القيام بالتقديمات بشكل منفصل لأنها تجلب الشعبية وليس ضمن جهاز مركزي يطمئن المواطنين بأن هؤلاء الذين يديرون الحرب سيهتمون بشؤونهم بعد انهيار الدولة اللبنانية، ورويداً تخلت الأحزاب حتى عن مهمة التثقيف العقائدي لأفرادها فكانت تتلقف الشباب وتدربهم قليلاً وترسلهم إلى الجبهات.

وحاولت الحركة الوطنية متأخرة، تدارك الوضع الاجتماعي فأعلنت في تموز/ يوليو 1976 عن تأسيس الإدارة المدنية لم تلق نجاحاً وبقيت تحت رحمة المساعدات من حركة فتح، في حين اختلفت الأحزاب حول حصة كل منها في لجان الإدارة المدنية،وكان لحركة فتح نفوذ سلبي أضعف احتمالات نجاح الإدارة المدنية، إذ أن فتح اشترت بالمال والسلاح الولاء في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحركة الوطنية ولم تتصرف بصفاء فكانت تشجع قيام دكاكين ميليشيات صغيرة وغير معروفة في أحياء وقرى وبتسميات مختلفة، وتزعزعبهذا الأسلوب سلطة وهيبة "الحركة الوطنية" كما منع ياسر عرفات أي اتجاه للحركة الوطنية نحو تأسيس سلطتها وإصلاحاتها على الأرض تنفيذا لرغبات قادة عرب وتطميناً لسورية.

كان كمال جنبلاط يدرك أن سورية لن ترضى عنه أبداً وأن الأسد كان يقول لزائريه أن كمال جنبلاط رجل متهور وخطير أخطر من كميل شمعون وكل الآخرين وسيجرنا إلى حرب مع إسرائيل[26]، وفي معرض شرحه لأسباب لجوء الميليشيا المسيحية إلى طلب السلاح والمساعدة من إسرائيل يشرح جوزف أبو خليل، رئيس تحرير صحيفة العمل الكتائبية نظرة الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد إلى كمال جنبلاط.

الحقيقة تقال إن خطاب الرئيس الأسد التموزي الشهير 20 تموز/ يوليو 1976 نزل على الأوساط المسيحية نزل قطرات الندى على تربة أضناها الجفاف، ولو قال الرئيس السوري ما قاله في الخطاب المذكور قبل أشهر قليلة وقرن القول ببعض الأفعال، لما كان هناك اتصال بين التنظيمات المسيحية وإسرائيل، وبغدما روى الأسد ما كان بينه وبين كمال جنبلاط من كلام عن الحسم العسكري وكيف أن جنبلاط أصر على هذا الحسم قائلاً له: خلونا نؤدبهم لابد من الحسم العسكري، فمنذ مائة وأربعين سنة يحكموننا بدنا نتخلص منهم، ويضيف الأسد: ثم إن الحسم العسكري بهذه الطريقة سيفتح الأبواب على مصاريعها لكل تدخل أجنبي وخاصة  التدخل الإسرائيلي ولنتصور جميعاً حجم المأساة التي يمكن أن تنتج إذا تدخلت إسرائيل وأنقذت بعض العرب من بعض العرب الآخرين[27].

عندما قتل كمال جنبلاط في آذار/ مارس 1977 التف الدروز بصورة غير مسبوقة حول البيت الجنبلاطي الذي قاده نجله وليد جنبلاط، فيما تراجع بشكل كبير نفوذ خصومهم التقليديين من آل أرسلان، حيث كان المير مجيد أرسلان يعتبر في صف القوى التقليدية في البلاد وليس من قوى التغيير التي قادها كمال جنبلاط، كما أن نفوذ البيت الجنبلاطي امتد في سائر المشرق وبات دروز إسرائيل وسورية والأردن يعترفون بقيادته ويعبرون عن دعمهم له، وباستثناء أحداث طائفية قليلة الأهمية، فإن الفتنة في الجبل بين الموارنة والدروز كانت في ثبات عميق، وحتى عندما أعلن كمال جنبلاط الحرب على المارونية السياسية وعزل الكتائب عام 1975 فإن أحداث 1975- 1976 لم تجد طريقها إلى الجبل الدرزي- الماروني، بل بقي التعايش هو سيد الموقف.

أما بالنسبة لمعركة الدامور وساحل الشوف، والتي كانت ضمن إطار الحرب الأوسع بين الميليشيا المسيحية والتحالف اللبناني الفلسطيني، فإن جنبلاط عارض بشدة الهجوم على الدامور والسعديات عندما بدأت ولم تتم استشارته المسبقة من قبل المقاومة الفلطسينية، وكانت القوى المشتركة اليسارية والفلسطينية تخطط للهجوم على دير القمر المارونية وهي أكبر بلدات الشوف، فهدد جنبلاط بالدفاع عن دير القمر بكل الإمكانيات، وبالانقلاب كلياً من موقعه السياسي والعسكري إلى موقع النقيض إذ أصر هؤلاء على ذلك[28].

 

الكانتون الدرزي

ظهر أول ملامح تجدد الصراع بين الدروز والموارنة في الجبل عندما تعرض كمال جنبلاط للاغتيال مع مرافقيه على طريق المختارة، وكانت ردة الفعل الفورية هجوماً شنه المقاتلون الدروز على قرى مارونية آمنة في مناطق نفوذهم، وارتكاب مجزرة بحق مئات الأشخاص، وكاد الأمر أن يكون أكثر مأساوية لولا تدخل وليد جنبلاط بقوة لمنع هذه الأعمال، ورغم أن مقتل كمال جنبلاط شل التكتل اليساري الذي أسسه، ووضع حداً للتحالف العسكري الذي خاض به حرب السنتين، إلا أن كمال جنبلاط بموته، وحسب تقاليد لبنان، قدم زخماً جديداً للحزب التقدمي الاشتراكي وأيقظ العصبية الدرزية، فكان مجيء وليد جنبلاط في هذا الظرف بداية مرحلة لتقوية تضامن الدروز وقاعدتهم في الجبل، وكانت السنوات التالية محورية إذ أنها أتت بعد الفشل الذريع الذي مني به التحالف الفلسطيني اللبناني في السيطرة على لبنان، وطبعاً لم يكن وليد جنبلاط أو أي زعيم لبناني آخر يتمتع بالبعد الفكري الذي  أضفاه كمال جنبلاط على الأزمة اللبنانية، ولكن سنوات الحرب الأولى أثبتت أن الأفكار الاصلاحية والحوارية ليست هي المطلوبة الآن وأن الطوائف بدأت تنكفئ على ذواتها وتبني كانتوناتها، فانصرف وليد جنبلاط إلى بناء القوة الذاتية للحزب التقدمي الاشتراكي وللدروز في منطقتي الشوف وعاليه بعد انفراط عقد التحالفات التي أنشأها والده.

أثبت التفاف الدروز حول وليد جنبلاط فعاليته عندما دخلت الميليشيا المسلحة مناطق الدروز إثر الغزو الإسرائيلي عام 1982 وكان دخول الميليشيا المسيحية نذير شؤم للتعايش الماروني الدرزي في الجبل، وكأن شرارة نار انطلقت، شعر الدروز بالخطر وبصراع البقاء فبدأت حرب أهلية في 1982 و 1982 واستطاع الدروز مجدداً هزيمة الميليشيا المسيحية بمساعدة لوجستية من أحزاب لبنانية وتنظيمات فلسطينية ودعم سوري وغض نظر إسرائيلي.

وارتكبت مجازر عدة بحق المدنيين من الطرفين ولكن الميليشيا الدرزية تمكنت من دفع الميليشيا المسيحية حتى إلى مناطق لم يدخلها الدروز في حروب سابقة وأصبحت على مقربة من بعبدا مركز قصر رئيس الجمهورية أمين الجميل الذب لم يكن راضيا عن هذه الحرب ولكنه كان عاجزاً عن التصرف لأن الطرفين المتصارعين لم يتعاونا معه.

وأخيراً استطاعت قوة من الجيش اللبناني بقيادة العقيد الركن ميشال عون ضد هجوم الميليشيا الدرزية في بلدة سوق الغرب، وتجمدت الجبهة هناك ولم ينته الأمر عند هذا الحد إذ أن الميليشيا كانت قد تغلغلت عميقاً في الشوف وبعيداً عن خطوط التماس، وكان يقودها سمير جعجع، فحاصرها الدروز في بلدة القمر المارونية. ثم تهجر قسم كبير من السكان وانضموا الى مهجُري الجبل

المسيحيين الآخرين في المناطق الشرقية.

ومنذ ذلك الحين، استقرًت حدود الكانتون الدرزي بمرفأء في الجيًة ومحطة إذاعة (( صوت الجبل)) وجهاز مالي. ولم يقتصر نفوذ الميليشا الدرزية على هذا الكانتون، فأسوة بميليشيات

أخرى كان (للحزب التقدمي الاشتراكي) حصًة في بيروت الغربية المتعددة السكان. إذ تحالفت الميليشيا الدرزية مع ميليشيا  (أمل) الشيعية واستقطبت بعض الأكراد وهم من السنة[29].

 

الكانتونات السنيَة

فيما قدَمت معظم الطوائف اللبنانية الدعم للفلسطينيين، فإن ذلك لم يمنع أن تنقلب هذه الطوائف ضدهم من حين لآخر. أمًا السًنة في لبنان فكان دعمهم للفلسطينين ثاتباً ومتواصلاً، ليس فقط من موقع العروبة بل لأن الفلسطينين في لبنان انتموا الى المذهب السنًي بنسبة مرتفعة جاوزت التسعين بالمئة. وكان صائب سلام يعتبر المقاومة الفلسطينية (جيش المسلمين في لبنان) في ظل انحياز الجيش اللبناني الى حماية مصالح المارونية السياسية وقمع الفلسطينين. وكان للزعماء السنَة جولات مع رئيس الجمهورية الماروني وقيادة الجيش حول سياسة الدولة ضد المسلحَين الفلسطينيي منذ1968 .

في تموز/يوليو1972 ،اغتال الإسرئيليون الأديب الفلسطيني غسَان كنفاني وابنة شقيقته في بيروت وكان عضواً في الجهة الشعبية لتحرير فلسطين. فخرجت تظاهرة في بيروت كانت الأكبر في لبنان منذ وفاة جمال عبد الناصر عام1970 . وفي 10 نيسان /أبريل 1973 ،قتل رجال الكوماندوس الإسرائيلي ثلاثة من قادة منظمة التحرير الفلسطينية في بيروت على مرأى ومسمع من السلطات اللبنانية. وكانت هذه الفضيحة  أكبر من فضيحة غارة المطار عام 1968 والتي استغرق تنفيذها أقل من ساعة. إذ لمدَة ثلاثة ساعات حطَ 30 عنصراً من الكوماندوس الإسرئيلي بقوارب مطاطيةعلى شاطئ شارع (لرملة البيضاء) في بيروت وأشرف بعضهم على  تنظيم السير في الشارع حيث لفت قدومهم اهتمام الناس وشاهد المواطنوان بأم العين الإسرائيليين وهم ينزلون معدَاتهم. وتجوَل الإسرئيليون  بسيارات استأجرها عملاؤهم سابقاَ في أنحاء بيروت واغتالوا قياديين فلسطينيين في مبنى مواجه  لمركز الدرك في شارع فردان وفي حي الفاكهاني ومروا أمام ثكنات الجيش. أما من تعرَض لهم من افراد لبنانيين فقد قتل، إذ قتل الإسرائليون تسعة ،منهم شرطيان.في يوم 11نيسان/أبريل صرَح كمال جنبلاط:

 

((إننا دولة بدون كرامة. هناك تواطؤ نظرياَ وعملياَ بين السلطات والإسرائيليين. قوى الامن لم تتحرَك لأن وزير الداخلية صائب سلام ( وهو رئيس الحكومة) ىلم يأمرها بالتحرَك[30])  ولم ينج اسكندر غانم من هجوم جنبلاط  لأنَ قائد الجيش برَر عدم تحرك الجيش رغم إصرار سلام بقوله: (الدستور لا يجيز لرئيس الوزراء أن يصدر أوامر الى الجيش لأن الجيش خاضع لرئيس الجمهورية مباشرة[31]، ما اعتبره جنبلاط عذراً أقبح من ذنب في عدم تحمَل مسؤولية الدفاع عن البلاد تحت مطلق الظروف.

وشرح سلام موقفه بأن َ وزارة الداخلية أيقظته لتبلغه عن العملية فاعتبر هذا الهجوم من اختصاص الجيش اللبناني وليس قوى الأمن الداخلي، واتصل بقائد الجيش إسكندر غانم ليهتم بالأمر. وبعد ساعتين اتصل سلام  مجدداً بغانم وسأله ))ماذا فعلت بشأن الغارة في بيروت؟)).

وردَغانم))أي غارة؟). غضب سلام جداً من هذا التصًرف والإهانة الشخصية التي لحقته كرئيس للوزراء لا قيمة لكلمته لدى قيادة الجيش. فرغم أوامره بالتصدي للإسرائيليين إلا أنً الجيش لم يتحرك. وأمام رفض فرنجية إقالة إسكندر غانم قدَم سلام استقالته احتجاجاً على  ((فشل الجيش الذي يسيطر عليه الموازنة في الردَ على العدوان[32] وانطلقت تظاهرة يوم 12نيسان/أبريل ضمت 250 ألف شخص دعماً للمقاومة الفلسطينية تجمَعت أمام البرلمان، فيما أهمل راديو بيروت الحكومي الإشارة الى أسماء قادة المقاومة المعروفين جداً في لبنان والعالم العربي (كمال عدوان وكمال ناصر وأبو يوسف النجار) في بيان الجيش المقتضب عن الغارة وكأنها جرت في بلد آخر. آذنت هذه الحادثة بمسيرة لبنان الى الخراب. فقد تصاعد الوضع خلال ماتبقى من نيسان / أبريل من معارك باتت يومية الى حرب مفتوحة  وغير مسبوقة بين الجيش والمقاومة في أيَار/ مايو 1973 وأقفلت سورية حدوها مع لبنان احتجاجاً على تصرَف الجيش اللبناني. رغم أن عدد الجيش بلغ 12 ألف جندي فيما لم تزد قوَة المقاومة الفلسطينية عن ستةً آلاف مقاتل إلا أنَ الجيش لم يفلح في حسم المعركة.

وأثبت فرنجية أنَه كان رئيساً مارونياً أصعب من كميل شمعون تجاه الزعماء السنَة، فكان يبدو غير مكترث لاستقالة رؤساء الوزراء السنَة احتجاجاً على سياسته تجاه الفلسطينيين والمطالب الإسلامية بل يسارع إلى تكليف أي شخص يقبل بتنفيذ سياسته حتى لو لم يكن يحظى بشعبية. وخلال فترة بسيطة تعاقب ستة أشخاص على رئاسة الحكومة قبل الحرب قبل فرنجية استقالة سلام، صديق الدرب في صفوف المعارضة ضد الشهايية، وكاشف نائب طرابلس أمين الحافظ في فترة من أصعب مراحل العنف والمواجهة بين الجيش والفلسطينين، وخاصة الحرب المفتوحة في أيًار/ مايو1973 ورأى الزعماء السنًة والشارع الإسلامي (أنً أمين الحافظ كان يدخل على رئيس الجمهورية ويستلم منه الأوامر ضد الفلسطينين.وعندما كان يحاول أن يبرًر هذه الأوامر على شاشة التلفزيون كان جماعة الرئيس يحاصرونه ويشدًونه على مرأى من الناس و يأمرونه بالتوقف عن الكلام والدخول لمقابلة الرئيس فرنجية. جرى هذا في أقصر بعبدا وأحسٍ المسلمون أنً الإهانة كلها لهم بحسب قول الرئيس صائب سلام[33].

وفي الأشهر الأولى لحرب السنتين استعمل رشيد كرامي صلاحيته كرئيس للوزراء في منع استعمال الجيش حتى ألغى رئيس الجمهورية عملياً هذه الصلاحية بإصدار اوامر مباشرة لاستعمال الجيش: ففي بداية أيلول/ سبتمبر بدأت معركة ضارية بين ((حركة 24تشرين)) الطرابلسية و ((لواء المردة)) الزغرتاوي سرعان ما اتخًذت طابعاً طائفياً حاداً. فجرت مشادات في مجلس الوزراء المسيحين والرئيس فرنجية حول ضرورة استعمال الجيش لضبط الوضع في الشمال. وأمام قبول كرامي باستعمال الجيش صدرت بيانات إسلامية تحذًر كرامي من مغبَة زج الجيش وخاصة أنَه بقيادة (إسكندر غانم الذي لا يثق به المسلمون إذ لا أحد يجادل في علاقاته الوثيقة بالسياسيين المسيحين المحافظين[34]).

وأخيراً وافق فرنجية على منح إسكندر غانم ((إجازة لأجل غير مسمًى)) وعيَن العماد حنا سعيد، المعروف بالاعتدال في هذا المنصب. ولكن تبيَن بعد ذلك أنً تدخًل الجيش في الشمال كان مأسوياً، إذ إنه دخل المعركة فوراً لصالح ميليشيا زغرتا ضد ميليشيا ((حركة 24 تشرين)) الطرابلسية في 14 أيلول/ سبتمبر1975 ، فقتل 14مقاتلاً من المسلمين. وبعد تدخَل الجيش في معركة الدامور في كانون الثاني/ يناير 1976 بقصف القوى اليسارية والفلسطينية المهاجمة بالطائرات، اتَصل كرامي بقائد الجيش حنا سعيد فشرح له هذا الأخير بهدوء ما معناه أنَه كان بدون خيار أمام صدور أوامر صريحة من الرئيس فرنجية. وكان هذا كافياَ لتحقيق نبوءة كرامي حول انقسام الجيش إذ بدأت فوراً حركة الملازم اول احمد الخطيب الذي أعلن (( جيش لبنان العربي)) ولحقته انشقاقات أخرى.

بعد حرب السنتين اتضحت مناطق نفوذ السنَة، وصيداً وبعض مناطق بيروت، وحافطوا على تعاطفهم مع التنظيمات الفلسطينية. وأصبحت مدينة صيدا كانتوناً يجاورها الكانتون الدرزي بقيادة وليد جنبلاط شمالاً والمخيمات الفلسطينية والميليشيات الشيعية شرقاً وجنوباً، وميليشيا (( جيش لبنان الجنوبي) شرقاً، والجيش الإسرائيلي المسيطر على البحر غرباً. ورغم مشاعر أهلها القومية العربية كانت حدود الكانتون هي حدود الأمر الواقع من معبر نهر الأولي شمالاً إلى جسر سينيق عند بلدة الغازية ذات الأغلبية الشيعية جنوباً. لم تكن صيدا مدينة ذات شأن في لبنان الاستقلالي رغم أنها قدَمت زعماء سنة من طراز آل الصلح إلا أنَ بيروت ابتلعت لبنان و اقتصاده وأهملت الدولة صيدا لعدَة عقود، فيما زعماء صيدا يقيمون في بيروت ما إن يصلون إلى السلطة. تميَزت صيدا عن باقي المناطق اللبنانية أنَها كانت أول منطقة تنتخب شخصية يسارية إلى المجلس النيابي في تاريخ لبنان. إذ ترشَح مواطن من خارج أسر الزعامات التقليدية هو معروف سعد يعمل شرطياً في صيدا ومدروساً وشارك في حرب فلسطين عام  1948  وكان عضواً في ((جبهة انصار السلام)) الاشتركي ومتحمساً للعروبة ففاز في الانتخابات وبقي نائباً عن صيدا يقوض نفوذ العلائلات التقليدية.

كما كان زعيم المعارضة في صيدا في حرب  1958  ضد الرئيس شمعون.

ظهر موقف صيدا ضد نفوذ بيروت وسلبيات النظام اللبناني فب شباط/فبراير 1975. إذ كان كميل شمعون  قد أسس شركة لاستثمار الثروة السمكية بشكل واسع على الساحل اللبناني بأسم ((شركة بروتين)). واستنفرت فعاليات صيدا خوفا على مصدر رزق عدد كبير من أبنائها من مشروع شمعون (وربما كان الخوف مبالغاً به). وفي شباط/ فبراير 1975، دعا معروف سعد، زكان رئيسا لبلدية صيدا،الى اضراب عام في المدنية وتظاهرة شعبية ضد شركة بروتين وأمور وطنية أخرى. وخلال  التظاهرة التي ضمنت الآلاف، أطلق رصاص قيل إنَه من عناصر الجيش اللبناني التي كتنت تراقب التظاهرة، وأصيب معروف سعد بجراح بالغة. هذا الحادث جلب تعاطفاً واسعاً مع سعد والحركة الناصرية الصغيرة التي كان يقودها،فاستمَرت المعارك والمواجهات بين الجيش ومسلحَين في المدنية طيلة شباط/ فبراير. وإذ توفي سعد في الستشفى متاثراً بجراحه بعد أسبوعين،اعتبر كثيرون اغتياله بدتية الحرب اللبنانية وذلك قبا حادثة  ((بواسطة عين الرمانة )) في شهر نيسان/ ابريل. أقفلت صيدا تماماً بعد التظاهرة  احتجاجاً، في حين تعرضت مكاتب شركة بروتين في بيروت للتفجير( أحدها على شارع عبد العزيز القريب من جانعة بيروت الأميركية)، في تصادمت فعاليات صيد مع الجيش اللبناني.

وبموت معروف سعد ابن صيدا برز ابنه مصطفى سعد وتطورت تحت قيادته ميليشيا (( التنظيم الشعبي الناصري)). وخلال سنوات سيطرت هذه الميليشيا على صيدا وأصبح لها أجهزة شرطة ومالية ونفوذ في مرفأ صيدا وحافظت على علاقة جيدة مع التنظيمات الفلسطينية في مخيمات ((عين الحلوة)) و((المية ومية)) الملاصقة للمدنية. وتعَرضت صيدا للدمار رهيب جراء الغزو الإسرائيلي عام 1982 وقتل وجرح عدد كبير من السكان. ورغم الانسحاب الإسرائيلي عام 1985، بقيت صيدا ضحية غارات القصف من ميليشيا (( جيش لبنان الجنوبي)) المرابطة في قرى شرق المدينة. وتفاقم الوضع عام 1986 عندما اشتعلت الحرب بين ((حركة أمل)) والمخيمات الفلسطينية ما أحدث خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات. وكانت بلدة مغدوشة  المسيحية الكبيرة نسبياً ساحة لإحدى هذه المعارك. وبصعود رفيق الحريري، ابن صيدا، وانسحاب إسرائيل ومعها ميليشيا الجنوبية من شرق صيدا وجزين في التسعينات،تحسَن وضع المدينة وحافظ آل سعد على زعامتهم حيث استمَر أسامة سعد، نجل معروف سعد الثاني، في قيادة التنظيم الناصري وأثبت شعبيته في انتخاباته نائباً عن صيدا في  مجلس النواب.

وكانت طرابلس، المدينة في لبنان بعد صيدا، أهم قلاع العروبة والإسلام السنَي في لبنان،مشروع كانتون كغيرها من المناطق في زمن الحرب. ولطرابلس ظروفها الممَيزة، فهي تقع جغرافياً على مسافة بعيدة عن لبنان الوسطي وعن بيروت، وتتأثر بالنفوذ السوري حتى قبل الحرب لقربها الجغرافي من مدن طرطوس وحماة وحمص. وكانت طرابلس تاريخياً خارج إمارة جبل لبنان وأصبحت جزءاً من دولة لبنان الكبير عام 1920 رغم مقاومتها لهذا الكيان حتى الثلاثينات من القرن العشرين. وبسبب أهمية طرابلس وموقعها الاستراتيجي، فإنَ أي محاولة لجعلها كانثوناً منفصلاً كانت تصاب بالفشل.

كما في بيروت و صيدا، في السَتينات و السبعينات، كان صعود قوى اليسار و الجماعات الناصرية و القومية والعربية في طرابلس يأذن بانكفاء الزعامات السنية التقليدية. وفي انتخابات برلمان 1972، فاز عبد المجيد الرافعي مرشح حزب البعث،جناح العراق، نائباً عن طرابلس ضد مرشح آل كرامي.ولكن إلى جانب القوى اليسارية والقومية العربية، كانت هناك نواة إسلامية أصولية ظهرت في طرابلس باكراً في الحرب اللبنانية كتنظيم((جند الـله)) الذين اشتهروا باستعمال الدراجات الهوائية يحملون أسلحتهم على أكتافهم في طريقهم إلى الجبهة المشتعلة بين مدينة طرابلس و زغرتا خاصة في حي البحصاص.

 وكانت مناوشات ومعارك متفرقة قد حصلت في العامين 1975 و 1976 بين طرابلس و زغرتا على أساس طائفي و تقليدي بين الجبل الماروني والمدينة ذات الأغلبية السنَية، ولكن مع دخول الجيش السوري إلى طرابلس و هزيمة (( الحركة الوطنية)) في أنحاء لبنان، فقدت القوى اليسارية والقومية العربية(خاصة تلك التي موَلها العراق عدَو  سورية التقليدي) نفوذها في طرابلس تدريجياً. وساهم الوجود السوري في المدينة ووجود سليمان فرنجية الموالي لسورية، والذي كان قد اختلف مع قادة ميليشيا المسيحية وحزبي الكتائب والأحرار عام 1976 وعاد الى منطقته بعد انتهاء عهده، كل ذلك ساهم في لقاء فرنجية مع رشيد كرامي الموالي لسورية لاستعادة بعض نفوذه المفقود في طرابلس بعد انحسار اليسار.

وإذ انتهت المشاكل بين زغرتا و طرابلس، لم يكن الوضع يبعث على الاطمئنان داخل المدينة.إذ إنَ الوجود السوري أمسك بالوضع فغَيب قوى اليسار و القومية العربية و دعم الزعامات التقليدية التي لم تكن لتنتعش بدون هذا الدعم. وبدأت تبرز على الساحة منذ 1980 قوى ثالثة هي فئات إسلامية متأثرة بنجاح الثورة الإسلامية في إيران. وكان وضع الشباب في طرابلس شبيهاً بما حصل في صفوف الشيعة المنضوين في الأحزاب اليسارية والعلمانية. إذ بدأ الجيل الناشئ ينتسب إلى الحركات الأصولية في ((عودة إلى جذور الدين و الصحوة الإسلامية)).

فكانت جذور (( جند الله)) و ((الجماعة الإسلامية )) القديمة في المدينة باباً لصعود حركة أصولية سيطرت على المدينة. ولم تكن طرابلس بمعزل غن الداخل السوري ولم يكن التأثير من سورية باتجاه لبنان فقط، إذ إنَ أصوليي طرابلس دعموا انتفاضة (( الإخوان المسلمين)) في مدينة حماه السورية ضد الرئيس السوري حافظ الأسد في شباط/فبراير1982 والتي قمعها الجيش السوري بعنف.وخلال الأعوام الثلاثة التالية برزت في طرابلس منظمة ((حركة التوحيد الإسلامي)) بقيادة الشيخ سعيد شعبان، التي جعلت من طرابلس ( إمارة إسلامية)) وأقامت حواجز داخل المدينة واتخذت من قلعة طرابلس ثكنة لها.

شهدت الثمانينات خروج ((منظمة التحرير الفلسطينية)) من بيروت في أيلول/ سبتمبر 1982، ولكن ياسر عرفات استطاع العودة إلى لبنان، وتحصَن في مخيمي البداوي والبارد الفلسطينين وسيطر  على طرابلس، معتمداً أساساً على الدعم السنَي العفوي للقضية الفلسطينية و مراهناً على تحالفه مع ((حركة التوحيد)) بشكل خاص.أثارت سيطرة عرفات على طرابلس غضب السوريين نتيجة الخلاف المزمن بين الرئيس حافظ الأسد وياسر عرفات.

و صمَمت دمشق على إزالة عرفات و حلفائه من طرابلس بأي ثمن. و هكذا بدأت حرب دموية بين ميليشيا ((التوحيد الإسلامي )) تدعمها ((حركة فتح)) الفلسطينية ضد الجيش السوري و حلفائه و بعضهم من أحزاب ((الحركة الوطنية )) الذين تضرروا من التوجه الديني لحركة التوحيد. صمد ياسر عرفات في المدينة و كانت محطات التلفزة العالمية تجري معه المقابلات وهو يقول بالإنكليزية: ((هذه المدينة الإِسلامية لن تستسلم!)). واستغرب الكثيرون الانقلاب في منطق عرفات الذي يتودَد الآن للحركات الأصولية  الإسلامية مقارنة بموافقة العلمانية السابقة اثناء تحالفه مع كمال جنبلاط و ((الحركة الوطنية)) وردَ البعض ذلك الى جذوره في حركة ((الإخوان المسلمين)) المصرية.

وسقط جراء حرب طرابلس عام 1983 مئات القتلى وأصاب الدمار والخراب مئات الأبنية. وانتهت  الحرب  بفوز السوريين وحلفائهم وخروج عرفات مجدداً من لبنان هذه المَرة الى تونس. واضطرت حركة التوحيد الى مهادنة السوريين دعموا جماعة من الطائفة العلويَة في طرابلس(وهو المذهب الذي ينتسب اليه الرئيس السوري حافظ الاسد) ظهرت على الساحة وبدات تحقق نفوذاً. فظهر مسحلون في شرق المدنية وخاصة في ((حي بعل محسن)) في تنظيم جديد هو ((الحزب العربي الديمقرطي)) بقيادة ((علي عيد)) ما اعتبرته حركة التوحيد خطراً على مناطق نفوذها. وهكذا بدأت حرب أخرى بين السنَة والعلويين وتدخلَ السوريون مجدداً وحاولوا تعويم زعامة كرامي في المدنية. وأصبح كرامي رئيساً للوزراء في نيسان/أبريل 1984بدعم سوري، ولكنه لم يفلح في تحقيق أي إنجاز يذكر خاصة أنَه لجاَ الى مقاطعة الرئيس أمين الجميل لعدم تعاون هذا الأخير مع السياسة السورية في لبنان في بداية 1986. وفيما كان كرامي يتولى تصريف أعمال الدولة، قصد في أيَار/مايو 1987بيروت على متن طائرة هليكوبتر. فانفجرت عبوة زرعت خلف مقعدة أدَت الى مصرعه واتهمت بهذا العمل الميليشيا المسيحية التي كان يقودها آنذاك سمير جعجع، ولكن اشارت أصابع الاتهام الى جهات أخرى أيضاً. وخلف رشيد كرامي في قيادة آل كرامي شقيقه عمر كرامي الذي أصبح رئيساً للوزراء عام 1990 بدعم سوري، حيث قويت في التسعينات شوكة الجماعات الدينية وتراجع الى الحضيض نفوذ القوى العلمانية والتقليدية، لعقود طويلة اعتاد اللبنانيون أن تكون المارونية السياسة هي ربان سفينة الدولة، وذلك لخبرتها السابقة في إمارة الجبل وفي الجمهورية اللبنانية منذ تأسيس دولة لبنان الكبير عام 1920 وحتى الحرب اللبنانية عام 1975. ولكن باستثناء صلاحيات رئاسة الجمهورية واليد العليا في قيادة الجيش لم يكن الموازنة يفرضون ما يشاؤون ومتى يحلو.فقد هزت حرب 1958 لدولة وأثبتت هشاشتها المبنية أساساً على توافق  أمراء حرب وزعماء، ولم يمض على الاستقلال أكثر من 15 عاماً. وجاءت حرب 1975 لتجهز على هذه الدولة بسبب القاعدة الديمغرافية المفتفدة الى التناغم الاجتماعي الاقتصادي وبسبب الوضع المتفجر دوماً في الشرق الأوسط.

أمَا من ناحية النفوذ الاقتصادي فلم يكن الثراء والنشاط الاقتصادي مقتصرين على الموازنة دون غيرهم. والشيء الذي لا يعقل أن تنسب إلى الموازنة تلك القوة الخارقة فيكونوا السبب في كل ما حصل في لبنان، وإن كان دورهم شديد الأهمية بحكم موقعهم في الدولة.

منذ الاستقلال وحتى آخر الستينات، امتصَت(( المعجزة اللبنانية)) كوارث الشرق الأوسط وحوَلتها الى مكسب صاف للبنان (هجرة الأدمغة والأموال العربية الى لبنان جراء الانقلابات والثورات والحروب في المنطقة وحياد لبنان النسبي في الصراع العربي الإسرئيلي). إلا أنَ هذا المكسب احتوى بذرة الهلاك فجاء وقت الحساب في أواخر الستينات مهدَدا وضع الموازنة والمسيحيين بشكل خاص، واستقرت لبنان واستمراره كدولة بشكل عام. إذ إنَ هزيمة العرب وصعود المقاومة الفلسطينية وتعاطف جزء كبير من الشعب اللبناني مع القضية الفلسطينية ومع التيارات العربية، كانا ضمن عوامل شديدة التأثير عل الساحة اللبنانية.

لفد اتدرك زعماء الموازنة هذه الأوضاع والتقوا مرارا في نهاية الستينات لتدراس التحديات، ومن هذه اللقاءات اجتماع في  قصر كميل شمعون في السعديات جنوب بيروت تخلَله عرض عسكرية لميليشيا شمعون. ورافق الاحتكاك بين المقاومة الفلسطينية والجيش اللبنانية انفجار الوضع الاجتماعي في لبنان ساهمت في إضرامه المنظمات اليسارية اللبنانية.

وهكذا بدأ الاستقرار يتراجع وموقع الموازنة ومعهم طاقم أمراء الحرب والتجَار من كل الطوائف يتهدد. واستطاع  كمال جنبلاط تأليب جبهة واسعة متعددة للطوائف ضد الدولة والتركيبة السياسة القائمة والتي كان حزباً الكتائب والأحرار من أبراز المدافعين عنها.

في الستينات، كان كميل شمعون وبيار الجميَل أبرز شخصيتين في طاقم أمراء الحرب الموازنة. وكانت ميليشيا شمعون المعروفة ((النمور الأحرار)) (نسبة الى نمر شمعون والد كميل) منتشرة في الشوف وخاصة في الدامور ودير القمر وفي مناطق أخرى متفرقة من لبنان. في حين كان شمعون نفسه يقيم في قصره في السعديات جنوب بيروت. ومن ناحية أخرى كان حزب الكتائب أكثر تنظيماً وأضعف تسلحاً من شمعون، ويقوده بيار الجميَل المقيم في بلدة بكفيا المارونية في المتن الشمالي.

ولد بيار الجميَل في الإسماعيلية في مصر عام 1980 في عائلة لبنانية مارونية وأسَس ((الحزب الديمقراطي )) عام 1936 الذي عرف أكثر باسم ((حزب الكتائب  اللبنانية )) أو ((الفالانج)). فقد أشار مراقبون الى أنَ الجميَل أسس حزبه بعد زيارة لألمانيا النازية لحضور الألعاب الألمبية وأنَه تأثرَ بالتنظيم النازي. هذه الزيارة أغرت الكثيرين، خاصة منتقدي الحزب، باتهام الحزب بأنه ذو جذور فاشية. والحقيقة أن لا شيء في أقوال وأعمال بيار الجميَل يشير إلى أنَه حبَذ النازية في يوم من الأيام أو في هذه الحال أنَه حبَذ أي أيديولوجية مصقولة أو معقَدة، هذا إذا كان الإنتماء النهائي إلى الوطن اللبناني والدفاع عن الكيان والدولة اللبنانية هي شؤون كافية ايدلوجياً كتلك التي صبغت الأحزاب القومية السورية والبعثية والشيوعية، مع ملاحظة أن الجميل  كان من عشاق الرياضة والتنظيم، وربما مردَ ذلك إلى تربيته الجزويتية.

كما أنَ أحزاباً عدة ظهرت في نفس الفترة على نمط ((حزب الكتائب)) كـ ((حزب النجادة )) السنيَ بقيادة عدنان الحكيم و((حزب الغساسنة)) الأرثوذكسي و(( فتيان علي)) الشيعي. وبالمقابل كان أكثر الأحزاب تنظيماً وافتراباً من الفكرة الأوربية وقوَة  العقيدة الحزب السوري القومي الذي ظهر في نفس الفترة. وكلها حركات، علمانية أم مذهبية، كانت ترتدي القمصان وملابس شبيهة بملابس الحركة الكشفية، تقلَد الموضة السائدة في أوربا وخاصة فتيان هتلر في الثلاثينات في مدنية ميونيخ وأتباع موسوليني في إيطاليا.

لقد قاتل الكتائبيون إلى جانب ميليشيا شمعون كجيش جماعة الموارنة في لبنان في حربي  1958 و1975 وعلى هذا الأساس فإن أي جماعة أخرى في لبنان (الدروز والشيعة عل سبيل المثال) كانت تتمتع بجيش الجماعة communal army . وفي هذا السياق لم يختلف عضو  الميليشيا المسيحية العادي عام 1975 عن جدَه الذي حارب ضد الدروز عام 1860.

وهذا لا يعني ((إعفاء)) ميليشيا حزب الكتائب من ممارسات الحرب ونفي أي خلفية عقائدية لقيادته  ولا  التقليل من أهمية المحتوى الفكري. بل كان ((الكتائب)) في نفس الخانة مع تنظيمات الطؤائف الأخرى في لبنان كالدروز والشيعة، والتي كان هدفها النهائي حفظ الجماعة وتحسين موقعها  في  الكيان اللبناني. وبخلاف تصنيفات الحرب و((بروباغندا)) اليسار للكتائب كحزب (نازي[35]) فإن الكتائب كانت تستند الى خزان فكري نابغ من ثقافة المورانة و((القومية اللبنانية)) وأبحاث الكسليك ، فكان في عضويته على سبيل المثال موريس الجميَل وكريم بقرادوني والياس ربابي وجوزف أبو خليل وإدمون  رزق وجوزف شارد وغيرهم (راجع الفصل الثالث).

وكانت خلفية أعضاء حزب الكتائب الاجتماعية لا تسمح للحزب بتبؤ سلمَ  أمراء الحرب. ذلك أنَ  العضو العادي لم يكن من خلفية عائلية ذات ثروة أو جذور إقطاعية تنافس  الطافم الموجود من أمراء الحرب لاسيما أولئك الذين يتحدرون من عائلات تاريخَية في الإقطاع الماروني. كانت الكتائب إذن تحمل بذوراً تقدمية واحتمالات النضال من أجل التغيير الاجتماعي، وهكذا رآها الرئيس فؤاد شهاب في الستينات. فهو رغب أن يقلتص من قوَة أمراء الحرب الموارنة والشيعة والزعماء السنة وكان حزب الكتائب يرى أن دوره الأساسي هو دعم الدولة اللبنانية متمثلة برئيس الجمهورية الماروني. فتبنى شهاب الكتائب ودعم مرشحيها في الانتخابات النيابية كقوَة  مارونية تقدمية بمواجهة التقليديين مثل شمعون وآل فرنجية، وكان بيار الجميَل ممثلاً دائماً في حكومات الشهابيين، مما جعل ذلك مأخذاً عليه وعلى حزبه في نظر التقليدين المورانة.

وفي أوائل السبعينات أصبحت ميليشيا الكتائب هي الأكبر في لبنان، باستثناء الفلسطينين، من حيث العدد ومستوى التسلَح والتأييد الشعبي والكادرات والمشاركة في إدارات الدولة والبرلمان والحكومة  ونسبة دعم التجَار والهيبة في الرأي العام. وتولى المكتب السياسي للحزب برئاسة بيار الجميل إدارة الحزب. وكان المكتب السياسي يضم نخبة مثقفي الموارنة يختارون من صفوفهم من مؤهل لخوض الحملات الانتخابية ليشارك في البرلمان أو في الحكومة.

 

((الجبهة اللبنانية )) و ((القوات اللبنانية))

في نهاية 1975 دعا الزعماء المسلمون إلى((لقاء قمَة)) لبحث تطورات الأحداث وسبل مواجهتها. وردَ المسيحيون بعقد (( لقاء قمة)) في القصر الجهموري في بعبدا. ورغم أنَ الرئيس فرنجية لم يشارك في اللقاء إلا أنَ مجرد عقده في القصر  كان دليلاً إضافياً على انحياز الرئيس.

وفي ربيع 1976، أصبح اسم التجمَع ((جبهة الكفور)) ثم ((الجبهة اللبنانية)) في أيلول/سبتمبر 1976. كانت ((الجبهة)) برئاسة كميل شمعون وعضوية بيار الجميَل وبشير الجميَل والأباتي شربل قسيس ( والأباتي بولس نعمان لاحقاً ) وإدوار حنين (الذي كان في صف ريمون إدَه سابقاً) وأستاذي جامعة هما  فؤاد أفرام البستاني والأرثوذكسي الوحيد شارل مالك.

مقتضيات الحرب فرضت توحيد المجهود الحربي. ففي 25 آذار/ مارس 1976 قامت ((الجبهة اللبنانية)) بتجميع قادة الميليشيات في مجلس حربي تنفيذي باسم ((القوَات اللبنانية )) يمثَل الجناح العسكري الموحَد ((للجبهة اللبنانية))، ويحق لرئيسه حضور اجتماعات ((الجبهة اللبنانية)) التي تتخذ القرارات الاستراتيجية. وسمَي بشير الجميَل قائداً لهذا المجلس في 30 آب / أغسطس 1976.

 وقدَر حجم ميليشيا ((القوات اللبنانية)) ب 16 ألف مقاتل، جمعت أربع قوى كل منها بعضوين في الهيئة التنفيذية[36]  و فرض التفاوت في حجم الميليشيات المشاركة أن يكون بشير الجميَل ممثل ((الكتائب)) (أكثر من 80 بالمئة) هو الزعيم الأبرز.

ضمَت ((القوات اللبنانية)):

ـ ميليشيا ((الكتائب)) وهي الجناح العسكري ل ((حزب الكتائب )) الذي رأسه بيار الجميَل.

وقدرت إمكانيات الحزب القتالية في أواسط السبعينات ب 10 آلاف.

ـ ميليشيا ((النمور الأحرار)) التابعة ل ((حزب الوطنين الأحرار)) الذي رأسه كميل شمعون. وقاد الميليشيا أمين عام الدفاع في الحزب داني شمعون. وقدَر العدد الأقصى لإمكانيات ((الإحرار)) بثلاثة آلاف شخص.

ـ ((حرَاس الأرز)) بقيادة إتيان صقر وضَم  بضع مئات من المقاتلين. ولقد دفع هذا التنظيم ((الفكرة اللبنانية )) إلى أقصاها وتمَيز عن الأخرين في عدائه الشديد للفلسطينين وتركيزه على قومية لبنانية علمانية لا طائفية. وهو بعد فكري ربما مصدره الشاعر سعيد عقل الذي كان يفضل أن يكون اسم التنظيم ((حزب التبادعية اللبنانية)). ولكن تنظيم ((حراس الأرز)) كان بأغلبية مارونية وأقلية مسلمة وكان أعضاءه من أشرس مقاتلي ((الجبهة اللبنانية)) وخاصة في محاور بيروت وفي معارك الدفاع عن الأشرفية. كما أنَ ((حراس الأرز)) كان أكثر صراحة في علاقته مع إسرائيل من التنظيمات الأخرى.

ـ ((التنظيم الماروني)) بقيادة  جورج عدوان وضمَ بضع مئات من المقاتلين. وكان ((التنظيم يعمل في السر قبل الحرب ثم ظهر في الساحة الى جانب التشكيلات المارونية الأخرى. وينطلق مفهوم هذه المجموعة أنَ الموارنة خسروا في السابق لانعدام التنظيم في صفوفهم وخاصة في حرب 1860، وأنَ العمل المنظم مصدر قوَة، لقد أفلح ((التنظيم)) في معارك بيروت وأثبت دوره كفريق أساسي في ((الجبهة اللبنانية[37])). (ظهر جورج عدوان في انتخابات برلمان 2005 كشخصية سياسية معتدلة ونائب لسمير جعجع في قيادة حزب((القوات اللبنانية)) في 1976 انقسم الجيش اللبناني الى ثلاثة أجنحة، أحدها بقيادة الملازم أحمد الخطيب باسم ((جيش لبنان العربي))، والثاني ((طلائع جيش لبنان العربي)) في البقاع الذي وقف الى جانب التدخل السوري، وقربياً من القيادات المارونية حيث كانت غالبية الجنود من المسيحين. وإذ قام ضابط موال لأحمد الخطيب بقصف قرى مارونية في عكًار، انشقت فئة أسمت نفسها ((جيش لبنان)) تضم وحدات بقيادة الرائد أنطوان بركات وخاصة في ثكنة صربا جوار جونية. وعددأفرادها 3500 جندي، وقفت الى جانب الميليشيا المسيحية.

أمَا ((جيش التحرير الزغرتاوي- لواء المردة)) بقيادة طوني فرنجية نجل الرئيس سليمان فرنجية والذي ضمَ ألف شخص فلم يكن في صف ((الجبهة اللبنانية)) بل أصبح من أعدائها كما سنرى. كما أنَ جهات وشخصيات كثيرة مارونية كانت إما حيادية أو مناوثة لسياسة ((الجبهة اللبنانية))، ومنها ريمون إدَه عميد((حزب الكتلة الوطينة)) الذي كان قربياً من كمال جنبلاط والزعامات السينَة ولم يؤسس ميليشيا وإن كان شديد العداء لممارسات الفلسطينيين في لبنان وللدور السوري في الحرب. كما لعب رجال الدين الموارنة أدواراً مختلفة في الحرب اللبنانية. فقد كان البطريرك خربش رجل الحوار والاعتدال وهو في موقفه أقرب  إلى ريمون إدَه عميد حزب الكتلة الوطينة. بالمقابل كان الأباتي شربل قسَيس رئيس الرهبانيات المارونية يتمثل الجانب المسَيس والحركي للكنيسة، مدافعاً عن ((طهارة لبنان)) معارضاً فكرة أنَ((لبنان ذو وجه عربي)). وكان يطلق تصريحات سياسية ضد الوجود الفلسطيني لا تقل حماساً عما يقوله أمراء الحرب. فكان خطابه أكثر قرباً الى نبض الشارع من تصريحات  البطريرك المعتدلة. لقد اختبر قسَيس ليكون ممثلاَ للكنيسة في اللقاءات التي أدَت الى ولادة ((الجبهة اللبنانية)). فلعب دوراً هاماً، ومعه جامعة الروح القدس في الكسليك، في توفير خلفية أيدلوجية إضافية للجبهة اللبنانية في الحرب وفي تأمين الدعم المالي من التبرعات وما توفره أراضي الوقف الماروني من مزروعات. وكانت ((العصبة المارونية )) التي يرأسها شاكر أبوسليمان  تدعم موقف القسَيس وتخوض المعارك من موقع ديني صرف. ولقد تعرَض قسَيس لنقد حاد رغم ولائه الظاهر للبطريرك بأنَه يعرض وحدة الكنيسة للضرر وأنَه بقبوله تخزين الأسلحة في الكنائس والأديرة إنما يمسَ قدسيتها ويفسد بعدها عن الحياة الدينا. وأريح قسَيس لاحقاً عن رئاسة الرهبانيات ليأخذ مكانه الأباتي بولس نعمان ممثلاً الكنيسة في ((الجبهة اللبنانية)).

عام1975 كان الكتائبيون واثقين من نجاحهم ليس فقط في الدفاع عن الدولة بل في مقدرتهم على إلحاق الهزيمة بتكتل كمال جنبلاط اليساري وحلفائه الفلسطينيين. وقف أمراء الحرب الموارنة صفاً واحداً للدفاع عن النظام اللبنانية، يدعمهم الخافت لبعض التقليدين من أمراء الحرب الشيعة والزعماء السنة. وبعكس ما ساد يومها من أراء، لم يكن حزب الكتائب يرغب في تقسيم لبنان بل اعتقادت قيادته أنَ نصراً حاسماً وسريعاً ضد قوى اليسار الضئيلة ستحمي النظام وتبقي الوضع على ما هو. واستناداً لتواجداها في كل مكان في لبنان ولعلاقات قيادتها الوثيقة مع طاقم أمراء الحرب والزعماء التقليدين من مسلمين ومسيحين، حقَقت ميليشيا الكتائب انتصرت محدودة على الأرض في السنة الأولى من الحرب، كما أنَ مناطق هامة غرب العاصمة كانت لا تزال تحت سيطرة الكتائب. وحتى ميليشيا ((النمور)) حقَقت إنجازات عسكرية في السنة الأولى قَقت إنجازات عسكرية في السنة الأولى إذ إنَ رجال شمعون سيطروا على الأوتستراد الساحلي جنوب بيروت من الناعمة وحتى الجيَة وعلى مناطق متعددة في جنوب لبنان كالعيشية ومرجعيون. بعد هزيمة ميليشيا النمور في الشوف و ساحله، ولجوء كميل شمعون إلى شرق بيروت، أصبح آل الجميَل القادة البارزين في المعسكر المسيحي.

في السنة الثانية للحرب تغيَرت استراتجية الكتائب من الهجوم إلى الدفاع والتحصَن وعكس الاستراتجية الجديدة سلوك بشير الجميَل، نجل بيار الجميَل، واقتضت توحيد البندقية المسيحية وبالتالي التفاوض مع القوى الأخرى في لبنان من موقع قوَة وليس من موقع ضعف. وكانت تصفية المخيمات الفلسطينية والأحياء الإسلامية شرق بيروت، على بشاعتها و دمويتَها وما أسفرت عنه من قتلى وجرحى و كوارث إنسانية، جزءا ًمن المواجهة العسكرية لرؤيا للحرب بانها مؤامرة لضرب كيان لبنان وإنهاء الوطن الوحيد الذي أراده مسيحيو الشرق ملاذاً لحريتهم ونشاطهم الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.

بدأت ثقة الموارنة بالنفس تتضعضع في بداية عام 1976، بعدما اتضح أنَه لا يمكن استعمال أجهزة الدولة الأمنية و العسكرية لصالحهم في الحرب بدون تعريض هذه الأجهزة للانهيار.

وفيما كانت ميليشيا ((الكتائب)) قادرة على ردع التكتَل اليساري بقيادة كمال جنبلاط، فإنَ الفلسطينين المعركة إلى جانب جنبلاط وانشقاق الجيش دقَا ناقوس الخطر.وفيما كانت ((قمَة عرمون)) للزعماء المسلمين تخاف من انتصار عسكري للميليشيا المسيحية وتطلب التدخل السوري العاجل انقلب الوضع إذ أصبح جنبلاط وحلفاؤه الفلسطينيون متفوقين عسكرياً وبات التدخل السوري ضرورياً لمنع انتصار هؤلاء على المسيحين.

واجه الحظ السيىء ميليشيا شمعون أولاً. ففي كانون الثاني/ يناير 1976 هاجمت قوى التحالف الفلسطيني التقدمي مواقع الكتائب والأحرار جنوب بيروت في الناعمة والدامور والسعديات والجيَة وقتلت عدداً كبيراً من المدنيين الموارنة وحرقت قصر شمعون بعد نهبه.

وفي شباط/ فبراير و آذار/ مارس أنهت قوى التحالف الوجود العسكري للميليشيا المسيحية في غرب بيروت، وباتت متحفزَة للهجوم ضد المناطق المسيحية في جبهات متعددة. وفتحت معارك في الجبل للوصول إلى بكفيا و بدأت القذائف تصل جونية في حين صَرح أبو أياد أحد القادة الفلسطينين ((أنَ طريق فلسطين تمرَ في جونية)) وأمام وضع خطير أنذر بكارثة، وجد قادة ((الجبهة اللبنانية)) أنَ مناطقهم باتت محاصرة في زاوية صغيرة من لبنان نواتها كسروان وجبيل وبعض المتن الشمالي وبعض بيروت وبعبدا، ما جلب اهتماماً إقليمياً و عالمياً، خاصةأنَ الوضع بدأ يتجه نحو سيطرة اليسار على لبنان وقيام دولة تدعمها منظمة التحرير الفلسطينية. واستدعى الأمر تدخل سورية لوقف جنبلاط و لفلسطينين، وتدخَل إسرائيل لدعم الميليشيا المسيحية.

لمواجهة التحالف اللبناني الفلسطيني وافق آل الجميَل وشمعون على التحالف مع أي كان يساعدهم على الصمود حتى لو كان الحليف هو الشيطان[38]، ويقصدون إسرائيل. ويذكر جوزف أبو خليل أنَ العام 1976 شهد قيام ((علاقة ولا أجمل بين المسيحين اللبنانين وسوريا، هذا على رغم الجسور الممدودة بين هؤلاء وإسرائيل منذ ما يقارب الستة أشهر. والصحيح أن العلاقة مع الدولة اليهودية لم تكن  بعد قد أخذت أيَ منحى سياسي[39])).

حتى صيف 1976 كانت ميليشيا الكتائب بقيادة وليم حاوي، ضابط سابق في الجيش اللبناني (وهو أرثوذكسي من المتن الشمالي). قاد حاوي الكتائب في معركة ((تل الزعتر)) حيث قُتل (وقيل إنه اغتيل) فوقع الاختيار على بشير لقيادة ميليشيا الكتائب.ولم يضيَع بشير الوقت،إذ بدأ خطوات لتحصين الداخل وتنظيف الكانتون و الانطلاق منه إلى كل لبنان. فبدأ بتقليص قوَة أمراء الحرب الوارنة التقليديين وسعى ليكون هو القائد الأعلى العسكري والسياسي للكانتون المسيحي، ومن ثم رئيساً لكل لبنان متى رآه اللبنانيون الآخرون الممثل الأبرز للموارنة. وأمضى بشير الفترة الأولى في بناء الداخل فأعلن في 15نيسان/ أبريل1976 تأسيس (الإدارة المدنية) في المناطق المسيحية بكامل أجهزتها ومنها الشرطة الكتائبية sks وجهاز قضائي ومكتب بريد، الخ. وخلال الصيف أمر بالسيطرة على الخوضيين الرابع والخامس من مرفأ بيروت مصادراً بهذا العمل أهم مورد دخل للدولة اللبنانية. فبات يدخل خزينة الميليشيا المسيحية أكثر من ملياري ل.ل في السنة وخاصة من الرسوم الجمركية. كما صادر إيراد (كازينو لبنان) الذي يقع في جونية والذي حقق للدولة إيرادات بلغت 200 مليون ل.ل. سنويَاً. وكان المنطق أنَ الدولة قد انهارت ولابد من استعمال ما تبقى منها للدفاع عن لبنان لم يكن بشير ومستشاره يثقون بالنوايا السورية، التي أصبحت بموجب قرار قمة الرياض مولجة بحفظ الأمن في لبنان تحت راية (قوات الردع العربية) ودخلت ألى المناطق الشرقية ضد رغبة ميليشيا المسيحية. فسعوا ألى المحافظة على المؤسسات التي نشأت في الحرب ومنها الميليشيا المسلحة ولم يكن بيار الجميَل متحمساً لهذا الاتجاه منفصلاً ((إعادة ما للدولة للدولة)) مهما كان الثمن، وكان بشير، ومن خلال موقعه في التنظيمات المسلََحة، يعارض هذا التوجَه ويعمل على تعزيز السلطة التي آلت إلى تعزيز سلطته هو[40].

هذا الوضع نسبياً في المناطق الشرقية بعد دخول القوات السورية إليها، رغم أنَ بشير لم يقبل بدخولها إلا مرغماً نزولاً عند رغبة والده. وحصلت الوقيعة بين مصر وسورية (بعد زيارة الرئيس المصري أنور السادات إلى إسرائيل في تشرين الثاني /نوفمبر 1977) وظهر تقَرب سوري مستجد من الفلسطينين لمواجهة ذللك، في وقت كانت فيه العلاقات بين إسرائيل والميليشيا المسيحية تزداد وثوقاً[41].

فقد بشير مؤتمراً صحفياً جاء فيه ما معناه أنَ شهر العسل مع سورية قد انتهى. وابتداء من شباط / فبراير 1978 بدأت الاشتباكات بين ميليشيا (القوات اللبنانية) والجيش السوري في شرق بيروت وقد تركَزت الاشتباكات في البداية على برج رزق في الأشرفية وفي فرن الشباك، ثم انفتحت بشكل واسع في خريف العام نفسه.

كان بشير مثالاً للماروني التاريخي المجسَد للفكرة اللبنانية بمعناها القومي الذي يرفض حتى مجرَد التفكير بأي وحدة مع سورية، بل الإصرار على استقلال وسيادة لبنان المنفصل والمميَز عن سورية (راجع الفصلين الثالث والرابع). لقد أصبح بشير شبه إله في الشارع المسيحي، فاق شعبيته كميل شمعون الذي حمل لواء الموارنة منذ الخمسينات، فكان سعي بشير إلى تسَلم قيادة المسيحين يتواصل. ففي العام 1979، لم يعد هناك أي وجود عسكري أو ديمغرافي ذي شأن للمسلمين أو الفلسطينين أو السوريين في المناطق الشرقية. وكانت هدف وحدة المسيحيين وبنادقهم، وتجلت منافسة آل فرنجية و آل شمعون.

 

آل فرنجية

إنَ التقاء آل فرنجية مع كميل شمعون وبيار الجميَل عام 1970 لإنهاء سيطرة النهج الشهابي على الدولة و انتخاب سليمان فرنجية  لرئاسة الجمهورية هو مفارقة أو مرحلة عابرة في تاريخ من العداء استمَر منذ الاستقلال، وكان جزءاً من الصراع بين موازنة الشمال-المهمَشين منذ القرن التاسع عشر – وموازنة جبل لبنان الوسطي الذين تمتعوابكافة حسنات الدولة الجديدة من نفوذ سياسي و اقتصادي و تربوي و عسكري. كما أنَ موارنة الشمال تحَركهم العصبية القبلية

أيضاً وهي عصبية غابت عن موارنة لبنان الوسطي وبيروت[42]، وتربطهم علاقات اقتصادية وتاريخية بطرابلس و بمدن سورية القربية كحمص و حماه أكثر  مما يرتبطون بموارنة كسروان والمتن والشوف. فلم تكن زغرتا قاعدة للقومية اللبنانية التي بشَر بها مثقفو موارنة الوسط منذ قيام الكيان، ولم تكن في صلب المعادلات أمراء الحرب الموارنة الأقوياء[43]. فكان موارنة الوسط الأكثر ضلوعاً في الحكم ومصادر الثروة والنفوذ يتصرفون بنظرة دونية إلى موارنة الشمال، أو موارنة الأطراف، على أساس أن البعد عن الوسط هو المؤشر على أهمية الحجم والنفوذ في الطائفة ( بعض القرى المارونية في جنوب لبنان شارك القرى الشيعية في الحرمان والتخلَف).

قاد حميد فرنجية الصراع ضد الموارنة الوسط منذ ترشحه لرئاسة الجمهورية في الأربعينات والخمسينات، كما قاد الحرب ضد عهد كميل شمعون عام 1958 (راجع الفصل السادس)، وبمساعدة شقيقه سليمان، الذي مثَل الجانب (العضلي) في آل فرنجية، ودعم آل معوَض،

قلَص حميد من نفوذ العائلات المنافسة في زغرتا (آل دويهي و كرم). كما حصلت مواجهات دامية في زغرتا في انتخابات 1957 اضطرت سليمان فرنجية و رينيه معوَض للفرار إلى جبال العلويين في سورية.

ولكن المرض أقعد حميد منذ 1960، فورث إمارته شقيقه سليمان. وليس لغزاً أن يتقرَب سليمان فرنجية في الستينات من أمراء الحرب الموارنة في جبل لبنان الوسطي و بيروت، ذلك أنَ مهمة مواجهة فؤاد شهاب الإصلاحي. جمعت كافة طاقم أمراء الحرب والزعماء والتجَار. فبات إسقاط شهاب و إنهاء رموزه خاصة ((المكتب الثاني)) في الجيش اللبناني، الهدف الذي ذلَل أي خلافات تاريخية. فالتقى ((الحلف الثاني)) بيار الجميَل وكميل شمعون وريمون إدَه[44] على ترشيح سليمان فرنجية ضد مرشَح الشهابيين الياس سركيس. وكان شمعون يتمتع بدهاء سياسي، فهو كان يعلم أنَ الحلف الثلاثي لن ينجح في وصوله أو وصول الجميَل أو إدَه إلى رئاسة الجمهورية، إذ إنَ عداء النواب ومنهم كمال جنبلاط لممارسة الشهابية لم يكن كافياً لإقناع هؤلاء بدعم بيار الجميَل أو كميل شمعون. خاصة أنهم اعتبروا شمعون مارونياً متطرفاً حاربوه عام 1958، وربما منحوا أصواتهم لسركيس إذا كان الخيار الآخر الوحيد هو شمعون أو الجميَل. ولذلك كان ضرورياً كسب أغلبية برلمانية من الأصوات لمنع فوز شهابي آخر. وكان سليمان فرنجية شقيق حميد فرنجية الطيَب الذكر في المعارضة في حرب 1958 اختياراً موفَقاً وهو الخيار الذي كسب أغلبية صوت واحد في البرلمان وأصبح رئيساً للجمهورية.

 

وكان إنجاز ((الحلف الثاني)) أنه أعاد أمير حرب تقليدياً إلى رأس السلطة في البلاد بعيداً عن الشهابيين و بصرف النظر عن إمكانيات و مواصفات هذا الرئيس أو فعالية  موارنة الشمال.

ولكن سليمان فرنجية لم يكن رئيساً سهل القياد ، ولم يكن رئيساً سهل القياد، ولم يعمل بمشيئة شمعون والجميَل، رغم أنَه كان مناوئاً لتحَرك جنبلاط و حلفائه و داعماً للجيش ضد المقاومة الفلسطينية. فهو من موقعه كماروني شمالي، كان يجرؤ على تحدَي المسلمين والفلسطينين دون أن يشكَك أحد في وطنيته و عروبته كما كان الحال مع بيار الجميَل و شمعون. لقد عاد فرنجية إلى جذوره المناطقية حتى قبل حرب 1975، إذ كان ابنه طوني يقود ميليشيا ((لواء المردة- جيش التحرير الزغرتاوي)) التي ظهرت على الساحة الشمالية منذ عام 1969 و كانت تعتبر القوَة المارونية الثالثة بعد الكتائب و الأحرار مع ميزة أنَها ضمَت ضباطاً من الجيش اللبناني موالين لفرنجية و كانت تتمتع بامتياز الحصول معدات وذخيرة من مخازن الجيش اللبناني.

وكان فرنجيَة قد سهَل وصول أفراد عائلته إلى مناصب هامة، فابنه طوني أصبح نائباً في البرلمان بعد انتخابات 1972 ثم ورث منصب الوزير البرق والهاتف الذي احتلَه والده سابقاً.

وأصبح صهره عبدالـله الراسي نائباً عن عكار وعيَن طبيباً خاصاً في القصر الجمهوري وعيَن الصهر الثاني فرنسوا مونارشاً مهندساً في الجيش والصهر الثالث رودريك دحداح رئيساً لمجلس إدارة شركة إنترا للاستثمار و تولَى وجيه سعادة، ابن زغرتا ومناصر فرنجية، إدارة كازينو لبنان و أنيطت شؤون الإعلام بمحام زغرتاوي هو رامز الخازن[45]، الخ.

كما أنَ تقارباً هاماً بين الرئيس  فرنجية والرئيس السوري حافظ الأسد قد تبلور، خاصة بعد خوض سورية حرباً ضد إسرائيل عام 1973. ذلك أنَ حافظ الأسد  كان قد استلم الحكم في سورية عبر انقلاب عسكري ضد يسار ((حزب البعث)) في نفس العام الذي انتخب فيه البرلمان اللبناني سليمان فرنجية رئيساً. ولم يكن هناك تعارض بين إخلاص فرنجية لجذوره المارونية وبين علاقته بالأسد. ذلك أنَ رهان الأسد الأكبر أثناء حرب السنتين كان الدعم المستمَر لفرنجية وتطبيق سياسة فرنجية حتى بالقوة على أفرقاء النزاع. فكان الأسد على استعداد للتحرَك ضد الفلسطينين وجنبلاط، وإذ قضى الأمر ضد الميليشيا المسيحية و قادتها من حلفاء  فرنجية المؤقتين، لنصرة موقع رئاسة الجمهورية. وإذ انتهى عهد فرنجية وأصبح سركيس رئيساً للجمهورية وقامت سورية بضرب الفلسطينين و جنبلاط، عاد فرنجية إلى زغرتا كأمير حرب موارنة الشمال، تاركاً حلفاء الأمس في(( الجبهة اللبنانية)) يواصلون حربهم في بيروت. وبدت علاقته بسورية أكثر وضوحاً و حضوراً، مجدداً العلاقات مع زعامات طرابلس التقليدية  لا سيما مع رشيد كرامي.

كما أنَ طوني فرنجية أقام علاقة موازية مع رفعت الأسد، شقيق حافظ الأسد الأصغر الذي كان قائداً ((لسرايا الدفاع)) السورية المولجة بحفظ أمن الرئيس الأسد. فأصبح طوني ورفعت، المتقاربان في السن ( الأول من مواليد 1939 والثاني 1937)، صديقيين  وشريكين في مشاريع تجارية ( تطوَر دور رفعت من قائد عسكري إلى عملاق اقتصادي وقام بمحاولة ٍانقلابية ضد الرئيس حافظ الأسد عام 1984، فنفاه هذا الأخير، ليبني امبراطورية مالية اقتصادية في أوروبا و لشرق الأوسط [46]).

بعد انتهاء عهد سليمان فرنجية عام 1976 واستقراره النهائي في  زغرتا، اكتشف أنَ الوضع الاجتماعي في منطقة الشمال قد تغَر أثناء فترة رئاسته، وأنَ حزب الكتائب قد حقق اختراقات هامة في صفوف الشباب الموارنة  وقلَص من نفوذ الزعامات التقليدية في زغرتا و بشري.

وكان وجود الكتائب الغسكري ملحوظاً يتحدَى ميليشيا (( لواء المردة)). وهكذا وجود فرنجية أنَ بشير الجميَل بات يهدد إمارته على موارنة شمال لبنان وكان بشير يتصرَف بمنطق ((روح الشباب الماروني الثائر ضد الإقطاع القديم و الطبقي الذي يمثَله آل فرنجية)). ولم يأخذ آل فرنجية تهديدات بشير أو وجوده العسكري على الأرض محمل الجد، بل إنَ ((لواء المردة)) تحَرك لقمع نموا هذا الوجود في الشمال. وفي هذا المخاض قتل المسؤول الكتائبي ((جود البايع)) ما أنذر بضرورة عرض عضلات بشير في الشمال. وعلى هذا الأساس هاجمت مجموعة أوفدها بشير بقيادة سمير جعجع، مسؤول ((القوات اللبنانية)) في الشمال، بلدة إهدن معقل ((المردة)) الرئيسي و مقر رئيسها طوني فرنجية نجل سليمان في 13 حزيران/ يونيو 1978. كانت هذه الغارة كارثة على الجميع و أعطت نتيجة عكسية. إذ إنَها أسفرت عن مقتل طوني وأفراد عائلته باستثناء ابنه سليمان الصغير، و  39فرداً من أتباعه. وأمام هذا المشهد أقسم الرئيس فرنجية ((أنَ باله لن يرتاح إلا إذ نال رأس بشير)). وتبعاً للتقاليد اللبنانية عند وقوع مجازر أو اغتيالات، لقي آل فرنجية  تعاطفاً شعبياً  عارماً في أنحاء لبنان وخاصة بعد عرض المجزرة في إهدن وما حل بطوني وعائلته، وما رُوي من أنَ طوني قد أجبر على مشاهدة مقتل طفلته الرضيعة ((جيهان)) ومن ثم قتل زوجته ((فيرا قرداحي)).

وبدل أن تساهم هذه الغارة بتوسيع رقعة الكانتون المسيحي، أقفل الشمال على بشير وطارد ((المردة)) بمساعدة الجيش السوري الكتائبيين وأنصارهم في كل مكان وأقيمت حواجز صارمة على مداخل بشري مع أن أهل بشري وشخصياتها هرعوا إلى قصر فرنجية لتقديمٍالتعازي واستنكار الجريمة. كما انتقم الجيش السوري لطوني بهجوم على بلدة ((القاع)) (على المقلب الثاني من بشري في وادي البقاع) التي كانت موالية للقوات اللبنانية وإعدام 36 كتائبياً بالرصاص. وتصعَد الوضع بين الجيش السوري و((القوات اللبنانية)) حتى بدأت الحرب في أول تموز/ يوليو 1978 حيث أطلق السوريون مئات القذائف على المناطق الشرقية من دون انقطاع. وحاول الرئيس سركيس التدخَل يصفته الرسمية كقائد لقوات الردع، ولكن اتصالاته لم تفلح لإنهاء القصف، فهدَد بتقديم استقالته ما هدَأ الوضع نسبياً ثم عاد للانفجار في حرب استمَرت مائة يوم. كان أعنفها في تشرين الأول/ أكتوبر حيث منعت المؤن عن المدنيين وأقفلت المعابر، وطال القصف مناطق خارج بيروت كبكفيَا. ما دفع مجلس الأمن الدولي إلى إصدار قرار يطلب وقف المعارك. وأخيراً انسحب الجيش السوري من المناطق الشرقية و اقتصر على مناطق النفوذ الفلسطيني واليساري والمسلم.

وهكذا باتت سيطرة القوات اللبنانية تنتهي شمالاً عند جسر المدفون على نهر ابراهيم عند مدخل قضاء البترون. لقد سيطر ((لواء المردة)) بقيادة سليمان فرنجية و بدعم من السوريين على زغرتا و بشري و أجزاء من البترون، باستثناء مدينة طرابلس ذات الأغلبية الإسلامية.

واستطاع ((المردة)) في الثمانينات السيطرة على قضاء الكورة ذي الأغلبية الأرثوذكسية، والذي كان تتقاسمه الولاء قيادات تقليدية (آل غصن) و(( الحزب السوري السوري القومي الاجتماعي)) العلماني النزعة. ولم يقبل أهل الكورة بهيمنة ((لواء المردة)) الماروني فأبدو مقاومة عسكرية جديَة في معارك 1985 عرَضت عدَة قرى في القضاء للدمار و الخراب وسقط الكثير من القتلى، في حين وقف الجيش السوري المتواجد في المنطقة موقف المتفرج. وأصبح كانتون آل فرنجية واضحاً بعد ذلك بقيادة سليمان فرنجية. فكان ثمَة جهاز إداري ومالي و محطة راديو و محطة تلفزيون و مرفأ في بلدة شكا على ساحل البترون. وفرضت ضرائب مجهود حربي على معمل الترابة في شكا. كما أنَ الفرنجية لم يقبل أبداً ان يزايد عليه أحد في مارونيته.

ففي مؤتمر لوزان للحوار الوطني الذي دعا إليه الرئيس أمين الجميَل عام 1984، بزَ فرنجية جميع الحضور في مواقفه المؤيدة لسورية و المناهضة للسياسة الأميركية و الأهداف الإسرائيلية في لبنان، مذكَراً أنَ ابنه طوني قد اغتالته ((القوات اللبنانية)) في نفس اليوم الذي أنشأت إسرائيل الشريط الحدودي. ثم هاله أن يقدَم كميل شمعون و بيار الجميَل أي تنازلات للمسلمين مصراً على التمسك بمارونيته و بصلاحيات رئيس الجمهورية[47]. وتوفي  فرنجية عام 1992 ليرث قيادة آل فرنجية الحفيد سليمان طوني فرنجية.

 

آل شمعون

شكلَ أنصار كميل شمعون المجموعة الاكثر تسَلحاً وتنظيماً في لبنان في السَتينات منضوين في ميليشيا ((النمور الأحرار)) وهي الجناح العسكري ل((حزب الوطنيين الأحرار))،الذي أسَسه شمعون بعد خروجه من الحكم. في العام 1979 بعد اجتماع بعد اجتماع عقد في قصر شمعون في السعديات جنوب بيروت قام ((النمور الأحرار)) بعرض عسكري على الطريق العام الذي يربط بيروت بالجنوب دون أن يشَكل ذلك أي إحراج للدولة اللبنانية في ذلك الوقت المبكر من الأحداث. وكانت هذه الميليشيا تتطَور وتستعد لأي مواجهة مفتوحة مع الفلسطيين. في أيلول/ سبتمبر 1969 نشرت الصحف اللبنانية صوراً للنمور يتدرَبون بالذخيرة الحَية تدريب عسكري((بإشرف السلطات)).

وفي الفترة 1952-1975، كان كميل شمون الشخصية الأهم والأقوى في صفوف أمراء الحرب الموارنة. حتى َأنَ الرأي العام الماروني اعتبره أهم من رؤساء الجمهورية الذين خلفوه وأهم من البطريرك الماروني المعوشي نفسه. لقد تصدَرت صورة شمعون، وهو يتمتع بوجه وسيم ذي هيبة، صالونات المنازل الى جانب صورة العشاء السري للسَيد المسيح والرسل، كما كانت صورة جمال عبد الناصر أو رسم ((الإمام علي بن أبي طالب)) يتربعان منازل المسلمين. وتحدَث الناس عن شمعون بأسلوب قارب القداسة. وكان هذا الأمر أشد وضوحاً في عهد فؤاد شهاب الذي صَوره أمراء الحرب أنَه يقلص مصالح الموارنة ويتجازو للمسلمين. وحاول الإعلام الرسمي تصحيح هذه الصورة والإيحاء أنَ فؤاد شهاب كان مسيحياً صالحاً أيضاً. ففي المناسبات الدينية كان التلفزيون الحكومي( في وقت كان(( تلفزيون لبنان)) هو محطة التلفزيون الوحيدة في لبنان) يغطَي زيارة فؤاد شهاب الى الكنيسة مع أومر واضحة لحاملي كاميرات التصوير بالتركيز على شهاب وهو يتناول من البطريرك الماروني. وذلك حتى يرى الناس على التلفزيون أنَ شهاب لم يتخَل عن مارونيته. ولكنَ ذلك لم يغيَر الشعور العام بأن الناس تحب شمعون لا شهاب.

في الفترة الممتدة من 1969الى 1974، بعدما تبين أنَه لا يمكن استعمال الجيش اللبناني وقوى المن لضبط المقاومة الفلسطينية، ووضع حدَ للقوى التي قادها كمال جنبلاط ، أصبحت ميليشيا شمعون بمثابة حارسة مصالح النظام بعدما كان شمعون نفسه بمثابة بطريرك ثانٍ في الشارع المسيحي.

وهكذا كلَما برزت مشكلة تجاه الفلسطنيين والقوى اليسارية اللبنانية وتمَنعت الدولة عن، أو فشلت في، التدخل، كان الشماعنة بالمرصاد. وحتى أن إضراباً قام به الطلاب اليساريون في الجامعة الأميركية وحظي بدعم جنبلاط واليسار والشارع المسلم عام 1974، انتهى الى العنف عندما هاجم ((النمور الأحرار)) حرم الجامعة لانهاء الاضراب والاعتصام ولكن رغم الشهرة التي تمتَعت بها جماعة شمعون من 1974، فإن دورها كان محدوداً في الحرب  اللبنانية. إذ برز حزب الكتائب واستقطب الشارع المسيحي بسرعة ثم استوعبت قيادته أي تنظيم مسيحي آخر في ميليشيا ((القوات اللبنانية)). لم يمتلك حزب الكتائب قاعدة شمعون الشعبية التقليدية ولكنه اعتمد على عوامل كثيرة منها كاريزما مؤسسه بيار الجميَل والمقدرة التنظيمية ومكتبه السياسي والعضوي التي ضمَت عناصر اجتماعية جديدة مختلفة عن الولاء التقليدي العاطفي التي أبداها الناس لأمراء الحرب التقليديين[48].

تحرك أتباع شمعون في ميليشيا ((النمور)) في الكانتون المسيحي بعد سقوط معاقلهم في الشوف وساحله عام 1976. فحاربوا في معركة تل الزعتر بقيادة داني شمعون، نجل كميل شمعون. وأثناء سقوط المخيم في أب/ أغسطس 1976، كان داني شمعون أول من دخل المخيم وتحدث عن الانتصار أمام وسائل الإعلام. ولكن مساهمات آل شمعون لم تحقق نقاطاً إيجابية في دفتر بشير بعدما  أصبح قائداً للقوات اللبنانية في 30/أب أغسطس 1976. إذ إنَه لم يكن يثق بقيادة ميليشاوية مستقلة عن قيادة ((القوات اللبنانية)). وبات الشماعنة هدف بشير الثاني بعد  غارة إهدن ضد آل فرنجية. ويذكر جوزف أبو خليل أنَ من أسباب ((حركة تموز)) التي قام بها بشير لإنهاء الوجود المسَلح لخَزب الوطنيين الأحرار كان أنَ ((داني شمعون أمين الدفاع  في الحزب المذكور ظل يتعامل مع الدوائر الإسرائليية في صورة مستقلة[49])). ولكن بشير كان يراقب تصرفات ((النمور)) منذ بداية الحرب. وفي حادث معَبر عام 1976، قام هؤلاء باغتيال ((ليندا جنبلاط)) شقيقة كمال جنبلاط في الأشرفية التي أصَرت على الإقامة فيها. فجنَ جنون بيار الجميَل  وذهب بشير الى غرب بيروت عبر خطوط التماس وعرَض نفسه للخطر حيث التقى كمال جنبلاط وقدَم له ملفاً كاملاً عن الجناة وقدم التعازي. وفي 7تموز/ يوليو 1980، هاجم رجال بشير مراكز((النمور)) وخاصة  في جونية ماأدَى الى مقتل العشرات ورمي جثث مقاتلين الى البحر. واضطر العديدون من مقاتلي شمعون للهرب الى غرب بيروت ثم الاستقرار في زحلة بقيادة ((الحنش)).

توفي كميل شمعون في 17آب/أغسطس 1987، فخلفه ابنه داني في قيادة الحزب الذي أصبح بدون ميلشيا. ولكن داني اغتيل عام 1990 فأخذ مكانه نجل كميل شمعون الثاني ((دوري)). ولقد ظهر كتائب متعاطف مع آل شمعون بقلم تريسي شمعون (ابنة داني من زوجته الانكليزية)[50].

 

مغامرة بشير الكبرى

في بداية العام 1980، ارتسمت خطة عمل وضعها مستشارو بشير بمشاركته ورمت الى تحقيق أهداف مرحلية هي :

1 ـ تنظيم المقاومة المسيحية من خلال تقوية ((القوات اللبنانية)) وتعزيزها.

2 ـ السعي الى توحيد الموقف السياسي عند المسيحين.

3 ـ الاتصال بالمحافل الدولية عبر مكاتب تنشأ في الخارج لهذه الغاية.

4 ـ التعاون مع إسرائيل والإفادة منها كمصدر للسلاح وكعنصر أساسي في الخطة.

5 ـ الوصول الى الحكم بالتعاون مع رئيس الجمهورية الحالي[51].

باكتمال انتصاره في الكانتون المسيحي، أعلن بشير ((القوات اللبنانية)) الميلشيا المسيحية الوحيدة التي تقود نضال المسيحين في لبنان، ما اعتبره البعض منحى نحو الفاشية وهيمنة الصوت الواحد الدكتاتوري. لقد استطاع بشير خلال فترة قصيرة إرغام القوات السورية على الانسحاب من الكانتون المسيحي وقطع الطريق على الجيش اللبناني مانعاً إياه من انتشار فيه، ومنح أي سلاح في المناطق الشرقية إلا سلاح ((القوات اللبنانية))، وانتزاع موافقة المكتب السياسي لحزب الكتائب على التخليَ ((للقوات)) عن كل مفاتليه تقريباً وعن أي عمل مسلَح، وتجريد((النمور الأحرار)) ومهاجمة آل فرنجية في عقر دارهم. وبقي المتن الشمالي منطقة مسلحَة كتائيبة تدين لشقيقه أمين الجميَل الذي كان أكثر اعتدالاً في كافة المراحل، مع الامتداد الأرمني على الساحل المتن.

ولم يكن بشير يفتقر الى مستشارين، فقد كانت مجموعة أشخاص ذوي خبرة تحيط به ومن هؤلاء أنطوان نجم وكريم بقرادوني وإيلي حبيقة وزاهي البستاني وجان ناصر وسليم الجاهل ونعَوم فرح وجوزف أبو خليل. ولم يكن بعيداً عن خطة بشير، رغم دعوته الى إلغاء ميثاق 1943، العودة  الغرائزية الى الإطار الواسع التاريخي لهيمنة أمراء الحرب والزعماء والتجَار على لبنان وإنهاء نفوذ اليسار والفلسطينيين. إذ أنَ جوزف أبو خليل بشرح هذه الخطوط كالآتي:((لبننة المقاومة المسيحية بضمَ فئات غير مسيحية إليها وإقامة تحالف عضوي بينها وبين هذه الفئات...وفقاً أوليات يبدأ بالزعامات الدرزية(وليد جنبلاط) مروراً بالقيادات الشيعية (حركة أمل) وانتهاء بالقوى السنيَة(المرابطون)... والعمل على تفتيت ((الحركة الوطينة)) وإنقاذ المسلمين من الهيمنة الفلسطينية[52])).

إذن، كل ما في الأمر هو العودة الى لبنان ماقبل 1968. وإذ بدأت اتصالات مع وليد جنبلاط، فضَل الأخير أن يمثَله سمير فرنجية، المثقف والمقَرب من أجواء اليسار ونجل أمراء الحرب، بمثابة كشف حساب لدينا ميكياتهم على الساحة في نهاية 1980:

((المسيحيون يقولون للمسلمين ((تعاونتم مع الفلسطينين ضد الدولة وجيشها)) فيردَ المسلمون ((أنتم مورنتم الجيش))... السنَة اكتسبوا أهمية عند بروز المدَ العربي. الشيعية دخلوا على الخط باكتسابهم إيران والثورة الإسلامية الى جانبهم والصدر لعب قبل 1975 ورقة المحرمين. وانحسار المدَ العربي وطلوع المدَ الإسلامي والثورة الإسلامية أعطيا الشيعة وجوداً، وقوي دور الشيعة في غياب الصدر. الجزء الكبير من المقاتلين في الحركة الوطينة أو مع المنظمات الفلسطينية تركوا صفوفها وانضموا الى حركة ((أمل)) وصارت هناك مناطق ل((أمل)) ممنوعة على سواها. السَنة والأرثوذكس ليس عندهم عصبية كعصبية الأقليات في لبنان.

عندهم شعور انتماء وحنين الى الأمبراطورية وهم ينتمون الى أكثريات. الأرثوذكس والسَنة هم همزة وصل مع الداخل.الردة الشيعية تمَت أخيرً في الصدام مع(( المقاومة الفلسطينية)) و((الحركة الوطينة)). والمقاومة الفلسطينية تعمل الآن على اتخاذ السَنة حلفاء لها[53])).

وفي اللقاء الذي جمع وليد جنبلاط بمستشاري بشير في 4 كانون الأول/ ديسمبر 1980، حرص هؤلاء على التركيز على ((وحدة الجبل التي هي الأساس للوحدة اللبنانية الشاملة.. وكلَما اهتزَ الجبل لبنان.. إن تحالفاً درزياً مسيحياً يتَم في رعاية الدولة والشرعية من شأنه إحداث تطَور نوعي مهم نحو قيام حكم مركزي.. والمقصود خلق دينامية وفاق وطني تبدأ من مكان ما... من الجبل وتعمَ لبنان كله)). وكان ردَ جنبلاط كلاسيكياً (في سياق علاقات أمراء الحرب التاريخية ) فقد غمز من طرف الميثاق السَني- الماروني عام 1943 الذي ألغى الوفاق الدرزي- الماروني في الجبل في القرن التاسع عشر، مقاطعاً محدثه بالقول: (لم تفعلوا هكذا في العام 1943 عندما تجاهلتم حقيقة الجبل السياسية ووضعتم تسوية مغايرة لهذه الحقيقة أو على الأقل غير متفقة معها[54])) ولم تغب خطوط التقارب من الطوائف عن بال بشير وهو يسعى الى الرئاسة، إذ بعد بدء الغزو الإسرائيلي مباشرة دخل مقاتلو((القوَات اللبنانية)) الجبل واشتبكوا مع الدروز في بلدة قبيع وجوارها فأمرهم بشير بالانسحاب فوراً بغضب: ((لا أريد مشكلة مع الطائفة الدرزية)). (ولكن من جاء بعد بشير لم يكن يأخذ حيطة في هذا الموضوع ودخل في حرب أهلية في الجبل).

في الخريف 1980 وشتاء 1981، واصل بشير مشروعه لتوسيع الكانتونات المسيحي والتمدد في لبنان للتفاوض مع الكانتونات الأخرى من موقع القوي. فبدأ عملية شق طريق من جبل صنين الى بلدة زحلة الكاثوليكية في محافظة البقاع الواقعة ضمن النفوذ السوري في ذلك الوقت. ويؤكد جوزف أبو خليل مقولة تصادم فكرتي((حرب الأخرين على أرض لبنان)) و((مقدرة أمراء الحرب في لبنان عل استجلاب قوى الخارج ضد أعدائهم المحليين))بوصفه إشكاله زحلة أنَه ((محاولة توريط للدولتين إقليميتين العظميين حبل به عقل مغامر(بشير) تعلمَ كيف يكون توريط الكبار على أيدي الصغار[55])).

وكانت شرارة إشكال زحلة أنَ معركة دارت بيت القوات اللبنانية)) في المدنية وما تبقى من ميليشيا ((النمو الأحرار)) بقيادة ((الحنش)) فتدخلت القوات السورية وقاومها مسلحَو((القَوات)). اعتبرت سورية تحَرك بشير الجديد بأنَه يهدَد دفاعاتها الاستراتيجية ضد اسرائيل، والتي اعترفت بها عام 1976 كل من الولايات المتحدة الامريكية والحكومة العمالية في إسرائيل (سقط ((حزب العمل)) في الانتخابات 1977 في إسرائيل وفاز تكتل ((ليكودية)) بقيادة مناجيم بيغن). فإذا كان تحرك بشير جزءاً من خطة لإسرائيلية((ليكودية)) لتطويق سورية والسيطرة على زحلة فإن َ ذلك يعتبر تغييراً في ((تفاهم الخطوط الحمراء))مع إسرائيل وبمثابة تمهيد لحرب إقليمية. وعلى هذا الاساس رةَ الجيش السوري بعنف وقوَة فحاصر رجال بشير في زحلة وهاجم مواقع ((القوات اللبنانية)) في صنين. وعندما أدخلت سورية سلاحها الجوي في المعركة بإرسال طائرتي هليكوبتر لقصف مواقع ((القوات)) تدخَلت إسرائيل وأسقطت طائراتها الهليكوبتر السورية. فما كان من  الجيش  السوري إلا الردَ بحزم أكبر وإدخال صواريخ ((سام)) مضادة للطائرات الى وادي البقاع في نيسان/ابريل 1981. وقبل أن يتدهور الوضع الى مواجهة أوسع، تدخل فيليب حبيب مبعوث الرئيس الأميركي رونالد ريغان الذي أوضح للجهتين أنَ اتفاق 1976 حول الخطوط الحمراء بين سورية وإسرائيل مازال ساري المفعول وأوضح لدمشق أنَ التحرك الإسرئيلي كان لمنع سورية من استعمال الأجواء اللبنانية، ولكنها حرةَ في التحرك على الأرض ضد بشير وإخراجه من زحلة التي تراها إسرائيل في فلك النفوذ السوري. فلم يكن دعم إسرائيل لبشير دون حدود. وبعد 28 يوماً من حصار زحلة وقصف سوري عنيف للمدنية وللمناطق الشرقية من بيروت أيضاً، انتهى الإشكال بخروج ((القوات اللبنانية))من زحلة وعودة الوضع الى ما كان عليه.

وأمام وضوح الرؤية لدى بشير بأنَ حدود الكانتون المسيحي بلغت منتهاها، بدأ الخطوة الثالثة من مشروعه وهي الانفتاح على الكانتونات الأخرى والوصول الى رئاسة الجمهورية. ولم يكن طموح بشير الرئاسي مستجداً، إذ سبق لكمال جنبلاط أن طرح عليه الفكرة عام 1976، عندما قال: ((ولماذا لا تكون أنت مرشحاً للرئاسة لا الياس سركيس[56])). وللذلك كان عهد سركيس مرحلة مزاحمة أمير حزب لشرعية الدَولة ومحاولتها استعادة مؤسساتها. فصرف بشير وقته خلال 1981 وبداية 1982 يستعد للانتخابات الرئاسية في آب/ أغسطس1982.

وكانت إسرائيل تحيط بشير و مستشاريه علماً بخطط غزوها للبنان وضرورة تعاون ((القوًات اللبنانية))معها في هذا الأمر.فقرَر بشير أَنَه من الضروريإطلاع بيار الجميَل و كميل شمعون وقادة الموارنة. ومما قاله شارون: (( يجب أن تكونوا على علم مسبق بما ستخلفه هذه العملية من دمار قد لا نتمكن من اتقائه نظراً لتغلغل المنظمات الفلسطينية في المناطق السكنية و تمركزها في المدن والقرى والأحياء الآهلة)).

هال هذا الأمر بيار الجميَل الذي انتحى ببشير جانباً وقال له: ((هل ترى كم هي أحوال لبنان تعيسة ومستحيلة ومع ذلك ما زالت أفضَلها ألف مرَة على الأحوال  التي قد تنجم عن العملية المطروحة)). وكان بيار الجميَل يخشى أنَ هذه العملية ستنعكس سلباً على لبنان وعلى أوضاع المسيحيين خصوصاً.

بدأ الغزو الاسرائيلي في حزيران/ يونيو 1982، وتوقَع شارون أنَ يتحرك بشير و قواته من الجهة الأخرى بهجوم مواز ضد غرب بيروت ومواقع الفلسطينين، ولكن شيئاً من هذا لم يحصل.فقد كان توجَه بشير الأساسي هو المغامرة إلى أقصاها بتوريط إسرائيل في حرب ضد الفلسطينين، أعداء المسيحيين الداخليين، ومن ثم الوصول إلى السلطة. حتى أنَ شارون بدأ يصاب بالجزع بعد أسبوعين من بدء المعارك حيث صرَح في 18 حزيران/ يونيو: (( إنَ على اللبنانين أنفسهم أن ينتهوا من منظمة التحرير الفلسطينية إذ كانوا يريدون دولة مستقلة)).

ولحقه مناحيم بيغن بتصريح أكثر وضوحاً في اليوم التالي: (( إن إسرائيل لا تنوي دخول بيروت وإن القيادة المسيحية في لبنان يجب أن تعالج مشكلة القوات المسلَحة التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية[57])). وأدلى كميل شمعون بدلوه متسائلاً عن الفائدة من حصار بيروت فهم منه بيغن أنَه ينتقد إسرائيل لتأخرها في دخول بيروت وإقصاء الفلسطينين. فأرسل بيغن برفية غاضبة إلى شمعون تفيد(( كان  الأولى  بالقيادة المسيحية أن تسأل نفسها ماذا فعلت لتحرير بيروت)).

ويقول جوزف أبو خليل ((أنَ الاستياء الاسرائيلي من عدم تدخَل ((القوَات اللبنانية)) في القتال قد بدأ يظهر في الأيام الأولى للاجتياح)). و إنَها أرسلت بعثة إلى بيروت للقاء مستشاري بشير والتعبير عن الغضب: ((كانا  ثاثرين في ففي رأيهما أنَ عدم تدخَلنا في القتال إلى جانب القوَات الاسرائيلية ينعكس سلباً على الرأي العام الإسرائيلي. وأنَ الحكومة الإسرائيلية تواجه مأزقاً و اضطرابات داخلية متزايدة على حرب فقدت في نظر قطاعات واسعة من شعبها كل مبرَراتها)).

((حين قيل للشعب الإسرائيلي إنَ جيش الدفاع الإسرائيلي مدعو إلى دخول لبنان ظنَوا أنَه لن يكزن وحده وسيجد المسيحيين ينتصرون له ويقاتلون معه، أو على ألأقل يتكفلون أمر المخَربين المعتصمين في أحياء بيروت .... ولما لم يجد الإسرائيليون ما توقعوه وارتجوه بل رأوا و سمعوا العكس بدأت أصواتهم ترتفع في صفوف الشعب كما في صفوف الجيش نفسه.

مندَدة بحرب باتت من أجل ألآخرين لا من أجل إسرائيل. وطلب رفول إيتان مراراً بعض المشاركة الرمزية من القوَات اللبنانية في القتال وشدَد شارون على أنَ يتولَى الجيش  اللبناني أمر إخراج الفلسطينيين من بيروت الغربية. وكان بعض الإسرائيليين يشيرون إلى أنَ بشير ورَطهم وأنَه لا يمثل كل الكتائب ولا يمثل كل الموارنة ولا حتى يمثل كل الفعاليات السياسية المسيحية، وبالتالي لم يكن أساساً في وضع يلزم فيه المسيحيين بالحرب ضد المسلمين والفلسطينيين خاصة متى كان الجيش الإسرائيلي فريقاً فيها و شريكاً[58])).

وفي الوقت الذي كان فيه الإسرائيليون يتساءلون عن خطأ المراهنة على المسيحيين و إساءة الحساب و التقدير كان بشير يعبث برقيات إلى العرب مؤكداً التجاوب مع مساعي السعودية ((ورغبتنا المستمَرة والثابتة في مواجهة المحنة يداً واحدة مع مسلمي لبنان شركائنا في المصير)).

لقد تعثرت الخطة الإسرائيلية في خلق ((نظام جديد في لبنان)) منذ انطلاقها. فكانت لا تريد خرق الخطوط الحمر مع سورية و تصَر أن تتولَى الميليشيا المسيحية ((تطهير)) بيروت الغربية لا الجيش الإسرائيلي. فيما كان مستشارو بشير مصَرين على نقاوته لكي يكون مقبولاً إسلامياً و غربياً كمرشح لرئاسة الجمهورية خال من أي دوافع إسرائيلية. وبدل إنقاذ إسرائيل من ورطتها انضم بشير إلى ((هيئة الإنقا)) التي أنشأها سركيس في القصر الجمهوري لمواجهة الغزو وضمَت وليد جنبلاط و نبيه برَي. و أكَد بشير في 28 حزيران/ٍ يونيو أنَ ((هذه المعركة ليست معركتي لأنَ ما تقوم به إسرائيل هو لخدمة أهدافها الخاصة.

إنَ هدفي هو تحرير الوطن وتأسيس حكم جديد يتمتع به المسامون والمسيحيون على أسس جديدة من المساوة في الحقوق والواجبات)).

وهكذا بدل أنَ يظهر بشير في الصورة مع آرييل شارون وأن تظهر ((القوَات اللبنانية)) في خندق واحد مع الجيش الإسرائيلي، بدأ يظهر كمنقذ و كمرشَح لرئاسة الجمهورية رغم أنَ اللقاءات مع شارون و الإسرائيليين لم تتوقف. وبدت كأنَها معركة شدَ حبال، من يورط من: إسرائيل غارقة في الأوحال اللبنانية بعدما دفعها بشير ومستشاروه، وسعي إسرائيلي مستمر لتوريط المسيحيين وبشير في المعركة.

وكان حظ بشير مرتفعاً لأنَه كان الشخصية المارونية الأبرز في البلاد. وتمَ له ما أراد، إذ إنَ البرلمان  انعقد في 23 آب/ أغسطس 1982 و انتخبه رئيساً فيما إسرائيل تحتل نصف لبنان وتطوَق بعبدا، فقيل((إنَ بشير أتى على الحكم على رأس الدبابات الإسرائيلية)) وإنَه لا يحلم بالرئاسة لو لم تجتح إسرائيل لبنان وتخرج منظمة التحرير والجيش السوري من بيروت.

وهذه التطوَرات ولدت شعوراً بالقهر العسكري لدى مسلمي لبنان ومعهم الفلسطينيون والسوريون.

ومن ناحية أخرى راحت إسرائيل تطالب بالثمن وكان الثمن من بشير هو عقد معاهدة سلام بين البلدين حتَى تبرَر غزوها أمام شعبها. ولكن بشير الآن في عالم آخر بعد انتخابه رئيساً، إذ صرف النظر عن هذا الأمر وبدأ يقوم بامتصاص ردود الفعل السلبية على انتخابه وفتح الخطوط مع المسلمين في لبنان ومع الدول العربية. فأصَر بيغن على لقائه وتحدد موعد في ((نهاريا)) شمال إسرائيل في1أيلول/ سبتمبر 1982. وخلا القاء بادر بيغن بالحديث عن دور إسرائيل في وصول بشير وانتصارها في الحرب وأنَ معاهدة السلام مع لبنان هي حق مكتسب وأنَ على بشير تقديم موقف علني وفي أقرب وقت يؤكد عزمه على تحقيق سلام مع إسرائيل.

وردَ بشير أنَه كرئيس للجمهورية لا يملك صلاحية عقد معاهدة سلام وأنَه ينبغي تشكيل حكومة لبنانية و التباحث معها((وما يوافق عليه رئيس الوزراء المسلم أوافق عليه أنا. أمَا فوق ذلك فهو غير قابل للتحقيق)). وكان شرط بشير لحضور اللقاء، و قد أصبح رئيساً للبنان، ان يبقى قيد الكتمان. ولكن في 14 أيلول/ سبتمبر أذاعت وسائل الإعلام الإسرائلية خبر اللقاء مع تفاصيله، فنفى مكتب بشير حدوثه، وأتبع بشبر بتصريح أغضب الإسرائيليين : ((إنَ معاهدة السلام حقيقية هي التي تعقدها حكومة تبني نفسها بنفسها و تمثَل كل الشعبٍ اللبناني[59]). وانقطع الاتصال بين الطرفين لمَدة12 يوماً انتهى بزيارة شارون لبشير في بكفيا يوم 12 ايلول/ سبتمبر لمزيد من التشاور، وذلك قبل يومين من مصرع بشير ضحية انفجار كبير.

ما فقده بشير من سطوة تاريخية وحضور أميري عوَض عنه بالقوة العسكرية الصرف وبالدعم الخارجي. إذ بوصوله إلى أعلى منصب في الدولة اللبنانية، وبعد الهزيمة المنكرة لقوى اليسار اللبناني ومنظمة التحرير الفلسطينية و خروج القوات السورية من بيروت، بدا أنَ مشروعه اكتمل وبقي بناء الدولة التي يطمح إليها على أنقاض دولة ((ميثاق 1943)). وشعر أنصاره اللبنانيون أنَ وصول بشير إلى الرئاسة، سيجعلهم مجدداً أسياداً في بلدهم، وأنَ لبنان سيعود كاملاً. ولوهلة بدا أنَ اوضاع الموارنة ستكون أفضل مما كانت عليه قبل 1975 وخاصة بعد زوال الوجود الفلسطيني المسلح وحلفائه من اليسار اللبناني ومقتل كمال جنبلاط. ولم تدم الفرحة كثيراً، إذ أنَ بشير قضى اغتيالاً في  انفجار مأسوي في مركز حزب الكتائب في الأشرفية ذهب ضحيَته عدَة أشخاص في 14 أيلول/ سبتمبر 1982. هذا الاغتيال أسدل الستار على الأحلام وشلَ ((القوات اللبنانية)) بضربة شبيهة بتلك التي تلقتها أحزاب ((الحركة الوطنية)) بعد اغتيال كمال جنبلاط في آذار/ مارس 1977.

لقد نظر معظم المسلمين إلى بشير الجميل كمجرم حرب وعميل إسرائيلي. ولكن بشير كان القائد والباطل والأسطورة في نظر عدد كبير من المسيحيين. فبعد الفوز بانتخابات الرئاسة تحول من قائد ميليشيا إلى رئيس جمهورية يسعى إلى تشكيل حكومة وطنية بمساعدة المسلمين.

شخصية بشير انطلقت من الموقع الأقلوي بأن وجه لبنان المسيحي بات محاصراً من قبل هجمة إسلامية يسارية، ولابد من الدفاع عنه وعن نظامه الذي سمح للمسيحيين بالعيش بكرامة في الشرق الإسلامي. ومن هنا قوله في دير الصليب بعد انتخابه: ((باسم كل مسيحيي الشرق نقدر أن نقول إن لبنان ليس وطناً قومياً مسيحياً إنما لبنان وطناً للمسيحيين ولغيرنا.... ولكن أكيد هذا الوطن لنا لنحافظ عليه و لنفدر أن نرمم كنائسنا متل ما بدنا ووقت ما بدنا. يمكن لو كنا في مصر أو في سوريا ما كان لنا الحق نرمم أو نضبط أي كنيسة. بدنا نضلنا موجودين في هذا الشرق. أجراسنا تدق وقت اللي بدنا في الأفراح والأتراح ونمارس تقاليدنا وطقوسنا و معتقدنا متل ما بدنا. بدنا نمارس مسيحيتنا في الشرق)). وقال: ((أكيد أنا رئيس جمهورية لبنان كل لبنان. أنا مسؤول عن كل لبناني عايش على أرض الوطن واللبنانيين الموجودين في الخارج.

أنا مسؤول عن مؤسسات الحكم. مؤسسات البلد التي هي لبنانية لا مسيحية و لا إسلامية.

ولبنان حتى يكون حقيقة لبنان الذي نريد ولم وطن الحريات وطن الحضارة إلا أصبحنا متل كل هالبلدان اللي حوالينا و لا يعود مبرر لوجودنا[60])

و عن خوضه للحرب لم يتردد بشير في الدفاع عن ذلك : (( لو ما عملنا هيك كانت راحت علينا وما كان بقي اليوم لا راهبة ولا صليب ولا كاهن)). في نظرة ليس كافياً أن يعيش المسيحيون بحماية غيرهم بل أن يحيوا في بلد يتمتعون فيه بالحرية وليس كذميين كما هي حال مسيحي الدول العربية الأخرى. فكانت مجازر أمر بها ضد المسلمين، كمجزرة السبت الأسود، ومعارك لا تعرف المهاودة. وعندما أصبح رئيساً للبنان قال: ((بدنا نربح كل هالبلد 10452كيلو متر مربع، ولازم هالبلد يكون لكل أبنائه بكل طوائفه وبكل معتقداته وبكل شعائره. إنما هالبلد بصورة أساسية يجب أن يكون ملجأ أمان وطمأنينة لمسيحي الشرق لأننا لسنا مستعدين لكلمة ((إشْمل)). ولسنا مستعدين نركع ونخسر. بدنا نعيش هون ويكون راسنا مرفوع و هيدي مسؤولية الدولة اللبنانية[61])).

 

نهاية الطاقم القديم

ولد بشير في 10 تشرين الثاني/ نوفمبر 1947، معنى ذلك أنه كان في الخامسة والثلاثين عام 1982. أمَا كمال جنبلاط فقد ولد فقد ولد في 7 كانون الأول/ ديسمبر 1917 فمعنى ذلك أنه كان في الستين من عمره يوم اغتيل عام 1977[62]. لقد اختصرت تجربة هذين الرجلين مغامرة أمراء الحرب الكبرى. فإذا كانت حرب 1985 قد تمخَضت عن وصول الرئيس الإصلاحي فؤاد شهاب الذي سعى ألى محاربة نفوذ أمراء الحرب و الزعماء و تشجيع طبقة متوسطة تؤمن بالدولة كراع للبلاد و تخرج عن طاعة هؤلاء، فإن الفئة الاجتماعية الجديدة أصبحت نواة ثورية اشتعل عليها كمال جنبلاط ليواصل ما بدأه شهاب من حرب ضد نظام أمراء الحرب و الزعماء.

فطوَر جنبلاط هذه الفئة ورعاها لتصبح أحزاباً و تنظيمات يسارية ثائرة، واستمال معه المقاومة الفلسطينية ووزنها العسكري والسياسي والمعنوي في لبنان، ليشكَل واجهة واسعة يبدأ فيها مغامرته الكبرى عام 1975 لعزل المارونية السياسية وما تمثَله في الدول[63]. و كان الفشل مصير هذه المغامرة.

وكانت المغامرة المعاكسة هي تلك التي اختصرها سلوك بشير باسم أمراء الحرب الموارنة وأمراء حرب الطوائف الأخرى الذين لم تتوَفر لهم المعطيات المادية والبشرية لمقاومة الثوَار من أبناء طوائفهم، ولكنهم أرادو الفشل لجنبلاط. فشكَل بشير حلقة واسعة بدأت بتوحيد البندقية المسيحية و جلبت الإسرائيليين ومصادر دعم أخرى، في مغامرة كبرى لإعادة نظام أمراء الحرب السابق الذي منح الموارنة الاستقرار والنفوذ النسبيين، فكان نصيب هذه المغامرة الفشل أيضاً وكان أن فشل لبنان دولة وشعباً واقتصاداً ومجتمعاً لعقود من الزمن في تداعيات ندرسها في الفصول الثلاثة التالية.

 

[1] KAMAL JOUMBLATT, I SPEAK FOR LEBANON, LEBANON, ZED BOOKS, 1982, P 15.

[2] المركز العربي للمعلومات، الزعامة المارونية من حبيب باشا السعد إلى سمير جعجع، بيروت، 1985 ص 137.

[3] كمال حمدان، الأزمة اللبنانية ص 182.

[4] كمال جنبلاط يوبخ عرفات أحيانا حول بعض المسائل مثلاً مسألة تسليح الأحزاب اليسارية، فقد كانت منظمة التحرير الفلسطينية تستورد السلاح باسم هذه الأحزاب من بلغاريا ودول أخرى ثم تستبدل به القوى لدى وصوله إلى بيروت أسلحة مستعملة وقديمة وكان عرفات يعتذر بأن هذا ما استلمه، فكان جنبلاط يسخر منه بالقول: وهل الروس يكتبون على أسلحة الكلاشينكوف "ابو الجماجم" وأبو الهول إشارة إلى الأسماء التي نقشها الفلسطينيون على الأسلحة القديمة.

[5] قناة الجزيرة، حرب لبنان 2000 الحلقة الرابعة نار ودخان، عمر العيساوي.

[6] المصدر نفسه.

[7] Arab warld magazine, april 16, 1968

[8] فؤاد لحود، مأساة الجيش اللبناني، بيروت  1976،ص233 -34. لحود رائد سابق في الجيش اللبناني كان رئيس لجنة الدفاع البرلماني عام1972 .

[9] تفاصيل الجلسة البرلمانية المغلقة غارة المطار، 31 كانون الأول/ ديسمبر 1968 ARAB WARLD.

[10] تيموفييت،إيغور،كمال جنبلاط الرجل، والأسطورة، بيروت، دار النهار 2000 ص 332- 333.

[11] tabetha petranK، the storuggle over Lebanon100-103.

[12] تيموفييف،إيغور،كمال جنبلاط الرجل والأسطورة، بيروت، دار النهار،2000، ص 339.

[13] يذكر اتمار رابينوفيتش أنَ العماد اميل البستاني لجأالى سورية عام 1972

Itamar Rambovich، the war for lebnaon 1970-1985، london، cornel Universtity press، 1985،p.72

[14] كان مخيم النبطية أول مخيم فلسطيني تتم إزلته في لبنان بعدما دمرته الغارات الإسرائلية عام 1974

[15] تيموفييت، إيغور، كمال جنبلاط الرجل والأسطورة، بيروت، دار النهار 2000 ، ص 346.

[16] Tambetha peltran، the struggle over lebanon، p.112-113

[17] تيموفييف، إيغور، كمال جنبلاط الرجل والأسطورة، بيروت، دار النهار، 2000 ، ص 346.

[18] فؤاد لحود، مأساة الجيش اللبناني، بيروت، 1976.

[19] المصدر نفسه ص 45.

[20] Monday morning magazine، Rashid karami interview، number 23220، November  22- 28 , 1976.

[21] تيموفييف، إيغور، كمال جنبلاط الرجل والأسطورة، بيروت،دار النها، 2000 ، ص411.

[22] 22جوزف أبو خليل، قصة الموارنة في الحرب، بيروت، شركة المطبوعات،الطبعة الثالثة، ص 67.

[23] Tabetha، petran، the struggle over lebanon،p.172

[24] سخر زياد الرحباني في برنامجه اليومي على إذاعة بيروت(الصنائع) ((بعدنا طيبين))من ((الحركة الوطينة))عام1975 لابتعادها عن هموم الناس. وفي اسكش معبر يدور حوار بين رجل وزجته،فالمرأة تشكو أن الخبرَ مقطوع والغاز مقطوع والكهرباء مقطوعة والمياه مقطوعة، وأثناء شكوى المرأة ثابر الرجل على قراءة جريدته اليومية عن أحداث لبنان والعالم. وعندما صمتت المرأة، انفجر الرجل ووبخها أنَها تذكر هذه الأمور التافهة فيما النضال قائم ضد الاستعمار والأمبريالية في لبنان وفي أدغال نيكاراغوا ضد الدكتاتور سوموزا.

[25] Kamal joumblatt.Ispeak for Lebanon,London,zedbooks,1982,p.16

[26] .kamal joumblatt,I speak for Lebanon,London,zedbooks,1981,p.17

[27] جوزف أبو خليل، قصة الموارنة في الحرب، بيروت، شركة المطبوعات، الطبعة الثالثة، ص59.

[28] (حرب لبنان)، عمر العيساوي، قناة الجزيرة، حلقة 3، 2000.

[29] قيل على المستوى الشعبي إنَ سبب انضمام الأكراد الى ميليشيا جنبلاط عائد الى أصول آل جنبلاط الكردية- راجع الفصل الثاني.

[30] Tambetha petran,the struggle over Lebanon,p.144

[31] تيموفييت،إيغور،كمال جنبلاط،الرجل الاسطورة، بيروت، دار النهار،200،ص397

[32] Kamal salibi,crossroads to civil war- Lebanon 1958-1976,new York,caravan,1976,p.66

[33] حازم صاغية، موارنة من لبنان،ص57.

[34] تيموفييت،إبغور،كمال جنبلاط الرجل والأسطورة،بيروت،دار النهار،200،ص397

[35] كانت وسائل الدعاية لدى الأحزاب اليسارية تكاد لا تذكر اسم ((الكتائب)) بدون صفة ((الفاشي)) أو ((النازي))أو ((الأنعزالي)). كما ظهرت أغنيات في هذا السياق بثتها إذاعات اليسار مثل((هجم الفاشيون))و((أنت اصلك فينيقي وإنت بتحكي فرنساوي)). ولم إعلام الكتائب أقل شأواً في الدعاية المضادة.

[36] Joseph,chami,days, of tragedy-lebanon1975-76,beriut,arab printing press,1978,p. 387

[37] Itamar rabinovich,the war for lebanon1970-1985, London, cornell university press, 1985, p.71

 

[38] ذكر هذه الكلمات كميل شمعون عام 1985 الإشارة الى طلب المساعدة  من إسرائيل. وكان في هذه العبارة يكرَر ماقاله ونستون تشرشل عندما كانت لندن تتعرَض للغارات الألمانية أثناء الحرب العالمية الثانية.

[39] جوزف أبو خليل ،ص60.

[40] جوزف أبو خليل، ص67

[41] جوزف أبو خليل، ص71.

[42] يفتخر قبلان عيس الخوري أحد نواب زغرتا بتفوَق العشيرة أو القبيلة على العقلية الطائفية.

[43] .tabetha petran,the struggle over Lebanon,p.108-109

[44] ريمون إدَه نجل اميل إدَه عارض فؤاد شهاب لأسباب مختلفة عن الآخرين، فهو أيَد الإصلاحات ولكنه وقف ضد حكم العسكر والمخابرات والتزام بالدستور والديمقراطية دون اللجوء الى منطق الانقلاب والثورة والحرب.

[45] حازم صاغية، موارنة من لبنان،ص58.

[46] Itamar Rabinovich,the for Lebanon 1970-1985,London,cornell university press, 1985,p.66-68

[47] حازم صاغيَة، موارنة من لبنان،ص51.

[48] ((هل أنت عضو في نقابة؟ كلا الحسن الحظ فأنا لست عضواً في نقابة ولا في حزب، لكنني أفضَل كميل شمعون وأجده بعد الـله)).(( هذا الانتماء اللا سياسي العاطفي وشبه الديني الى الزعيم الذي بات هو بآن معاً رمز طائفته وضامن حمايتها من اعتداء وكل انقسام)). هذا الشخص ((مناصر شرس لشمعون يشترك في حملة هذا الأخير الانتخابية بما في ذلك بواسطة رشاشه الذي يطلق الرصاص في الهواء)). سليم نصر وكلودونوبار، الطبقات الاجتماعية في لبنان،ص 58-57.

[49] جوزف أبو خليل،ص89.

[50] tracy cahmom,au nom du pere.paris,Editin jean-claude lattes,1992

[51] جوزف أبو خليل،ص104

[52] جوزف أبو خليل،ص108-109

[53] جوزف أبو خليل،ص150 -151

[54] جوزف أبو خليل، ص 155

[55] جوزف أبو خليل،ص161

[56] جوزف أبو خليل،ص123

[57] جوزف أبو خليل،ص186-201

[58] جوزف أبو خليل،ص201-202

[59] تصريح الرئيس المنتخب بشير الجميَل 9أيلول/ستمبر 1982،في جوزف أبو خليل،ص222

[60] جريدة النهار،((أين أصبح بشير الجمَيل في جمهورية الطائف؟)) بقلم كمال ديب،15 أيلول/سبمتبر2004.

[61] جريدة النهار،((أين أصبح بشير الجمَيل في جمهورية الطائف؟)) بقلم كمال ديب،15 أيلول/سبتمبر2004

[62] لقد اتهم حبيب طانيوس الشرتوني باغتيال بشير الجمَيل، وهو في ((الحزب السوري القومي الاجتماعي)). أما بالنسبة لكمال جنبلاط فقد اتهم نجله وليد عام2005  سورية بتدبير اغتياله كما ان جورج حاوي الأمين السابق ((للحزب الشيوعي اللبناني)) ذكر على قنادة الجزيرة أن رفعت الأسد شقيق الرئيس السوري حافظ الأسد هو الذي دبَر عملية اغتيال جنبلاط عام1977.

[63] تيموفييت،إيغور،كمال جنبلاط الرجل والأسطورة،بيروت،دار النهار،2000

 

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19
« »
المصادر او الهوامش

معلومات النشر:

اعداد: العنكبوت الالكتروني

عنوان الكتاب: أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان

تأليف: كمال ديب

الناشر: دار النهار للنشر

تاريخ النشر: 01/02/2007

إشترك في خلاصة التعليقات عدد التعليقات: (1 منشور)

avatar
joe bloe
الثلاثاء, 10 كانون الثاني / يناير 2017, 07:45:PM
يسمح لنا الأخ وليد جنبلاط بالنسبية اذا أراد ان ينمو البلد ويتطور. جورج واشنطن وابراهام لينكلن كانوا اباء الحضارة الأميركية ولن نرى أحدا من احفادهم يتزعمون فئة في الحكومة الأميركية. نريد دم جديد يحكم البلد, ولا دور للآقطاعية. نرجو من الكل ان يفهموا ذلك. استفردوا بالبلد فامتصوا دماء شعبه. لا يجب ان يكون أي شخص فقير اذا كان يوجد إدارة حسنة للمال العام. فما ذنبهم؟ أخاف عليكم من كثرة ذكائكم.
المجموع: 1 | عرض: 1 - 1

إكتب تعليق

البريد الالكتروني يبقى سرّي و لا ينشر
  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

- التعليقات الواردة من القراء هي مسؤولية أصحابها ولا تعبر عن رأي إدارة الموقع بالضرورة
- تتم مراجعة تعليقاتكم قبل نشرها عن طريق إدارة الموقع

- (سياسة نشر التعليقات)

تابعونا

  1. دول خليجية تحذر رعاياها من السفر إلى لبنان (5.00)

  2. وفاة "ملكة الديسكو" دونا سمر عن 63 عاماً (5.00)

  3. معارض صيني ضرير بمطار بكين متوجهاً لنيويورك (5.00)

  4. الاكتئاب لدي المراهقين .. له إشارات يجب الانتباه لها (5.00)

  5. صحف العالم: أمريكا "تعاقب" باكستان بعدد سنوات سجن أفريدي (5.00)

  6. فيلم منتظر يكشف تفاصيل اغتيال بن لادن (5.00)

  7. أستراليا: التيار الوطني الحر في سيدني ينعي فقيده المفكر و المناضل والاعلامي المخضرم الأستاذ بطرس عنداري (5.00)

  8. الرحيل المفاجئ (5.00)