إعلانات Zone 4B

[CLOSE]

إعلانات Zone 3B

[CLOSE]
أحدث الأخبار:

إعلانات Zone 2B

[CLOSE]
الرئيسية | ثقافة | رفوف المكتبات | أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان (19 حلقة كاملة)

أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان (19 حلقة كاملة)

آخر تحديث:
image
الكاتب:
عدد المشاهدات: 33695
عدد التعليقات: (1)
قيّم هذا المقال/الخبر:
3.00
حجم الخط: A+ A-
نسخة صالحة للطباعة   نسخة نصية   أرسل إلى صديق

إعلانات Zone 6B

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19
« »

 

  أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان - الفصل الحادي عشرأمين الجميل وتفتت الدولة

الفصل الحادي عشر

أمين الجميل وتفتت الدولة

 

فيما شهدت قترة 1975- 1980 الدمار الفيزيائي لمقوَمات الاقتصاد اللبناني وتقسيم البلاد عمليَاَ إلى كانتونات الأمر الواقع، و مقتل وجرح و هجرة مئات الألوف من البشر، كان الانهيار عنوان عقد الثمانينات. ففي الفترة من 1981 إلى 1990، وقعت حروب في لبنان أكثر عنفاً وأبلغ أثراً من سنوات الحرب السبع الأولى. و أصاب وحش الغلاء معيشة المواطنين في العمق، حتى بات الناس يحتاجون إلى أكياس من النقد لشراء الغذاء واللباس كما كان الحال في ألمانيا في ظل ((جمهورية ويمار)) بعد الحرب العالمية الأولى.

وأصبح العيش في بيروت يساوي حياة الجحيم لسكانها، وارتفع احتمال الموت قتلاً بالرصاص أو جراء القصف، وقارب مشهد الشارع البيروتي (شرقاً و غرباً) الغرب الأميركي المتوحش حيث خيَمت شريعة الغاب. وفيما كانت سيَدات بملابس أوروبية أنيقة ورجال في بدَلات ذكيَة و أنيقة يملؤون بيروت صخباَ و حيوية قبل العام 1975، امتلأت الأزقة والشوراع في الثمانينات برجال الميليشيا، حتى في مناطق بعيدة عن جبهات القتال، يحملون الأسلحة الرشاشة وبعضهم يتمنطق بمسدسات تلمع تحت الحزام، ويمخرون الأحياء في سيارات لاندروفر مكشوفة. حتى أنَ مراسلي وكالات الأنباء التقطوا صور مسلحين يرتدون نظارات شمسية ثمينة من طرازvuarnet وعلى رؤزسهم قبعات رعاة البقر الاميركيين و يمتطون الجياد في شوارع بيروت.

عادة يسقط الفرد ضحية غياب القانون والنظام، ويصبح صراع البقاء، والسعي إلى حماية الذات، الصفة الغالبة لبشر حياتهم ((بهيمنة وأنانية وقصيرة[1])). هذا المفهوم ((الهوبزي)) (نسبة إلى الفيلسوف توماس هوبز[2]) كان موجوداً إلى حدَ ما في لبنان الحرب، خفَفت من حدَته الروح المشرقية ((الليفنتية)) (راجع الفصل الخامس حول التجَار). ففيما كان كل شيء ينهار في لبنان، أنقذت ((المبادرة الفردية)) العائلة اللبنانية من الضياع والاضمحلال و الفقر المدقع. وربما، لو حدث في بريطانيا، موطن هوبز، ما حدث في لبنان في أزمنة الحرب، لكان مفهوم هوبز للفوضى صائباً.والفرق انَ   ((كثرة النظام)) في بريطانيا جعلت الانسان ((اتكالياً)) على السلطة حسب مفهوم ابن خلدون للعصبية والدولة. أمَا الناس في لبنان فكانت معتادة على الفوضى و ضرورة الاتكال غلى المجهود الفردي لتصريف الأمور حتى قبل الحرب.

فاختلف الأمر من حال فوضى بدرجة 1 أو2 قبل العام 1975 إلى درجة 8 أو 9 أثناء الحرب. وساهم في تعميق هذا السلوك الاجتماعي مفهوم دور الدولة في لبنان الذي كان بعيداً أساساً عن المفهوم الهوبزي. فقد كان مبدأ عدم تدخل الدولة في الأمور الاقتصادية و الاجتماعية يطبق إلى أقصى حدوده في لبنان بموجب رأسمالية متوحشة طبعت لبنان القرن العشرين. و((طالما أنَ  الدولة لا تقَدم فهي أيضاً لا تقمع))، فهي ليست روسَوية (استناداً إلى جان جاك روسو وعقده الاجتماعي) وليست هوبزية. وبغياب الأمن و القانون، قام الناس في الأحياء السكنية بالتعاون قدر الإمكان للتخفيف من آثار الحرب و عبور الأزمة والبقاء على قيد الحياة.

 

محاولة الدولة الأخيرة

في نيسان/ أبريل 1976، انتخب البرلمان حاكم مصرف لبنان، الشهابي الياس سركيس رئيساً للجمهورية. و سمَى سركيس رئيس لجنة الرقابة على المصارف سليم الحص رئيساً للوزارة. وشكَل الحص وزارة في8 كانون الأول/ ديسمبر 1976 من أشخاص معروفين بولائهم الشهابي وعُيَن بعضهم في مناصب حساسة في مؤسسات الدولة. فأصبح فؤاد بطرس وزيراً للخارجية و بطرس ديب وزيراً للتربية وريد روفايل وزيراً للمالية وفاروق أبي اللمع مديراً عاماً للأمن العام وميشال الخوري حاكماً لمصرف لبنان مكان سركيس. مشاعر التفاؤل وتجَدد الحيوية  بحلول السلم الأهلي، دفعاً حكومة الحص إلى السعي لإعادة  إعمار  ما دمَرته حرب السنتين، فتأسس ((مجلس  الإنماء والإعمار) في كانون الثاني/ يناير 1977 ليحلَ مكان وزارة التصميم العام. وتقدَم هذا المجلسبدراسات وجداول  لسلسلة مشاريع مع تكاليفها و حاجياتها المالية. ولم تكن مهمة مجلس الإعمار بسيطة، إذ بعد حرب السنتين عمَ الدمار الوسط التجاري ومنطفة الفنادق والمناطق الصناعية و مناطق الاصطياف في الجبل و ضرب البنية التحتية الضرورية للنشاط الاقتصادي. وكانت إعادة الإعمار هي نصف مهمة مجلس الإنماء والإعمار فيما تطلَب النصف الآخر معالجة الاقتصاد المعطَل و البطالة المرتفعة إعادة العجلة لتنفيذ مشاريع كثيرة مقرَرة منذ 1974. لقد هبط الناتج المحلي القائم بنسبة 12 بالمئة بين نيسان/ أبريل وتشرين الأول/أكتوبر1975وبنسبة 33 بالمئة  عامي 1976 و1977. ورغم أنَ الاقتصاد شهد بعض التحسَن بعد حرب السنتين وإنما بنسبة 6بالمئة حتى 1980 إلا أنَه لم يدرك المستوى الذي شهده عام1974.

دعت خطة مجلس الإنماء و الإعمار إلى سلسلة مشاريع بكلفة 5و7 مليار دولار، وكانت حكومة الحص تأمل أن يأتي نصف المبلغ من الدول العربية و النصف الآخر من القطاع الخاص المحلي ومن استثمارت أجنبية. ودعا لبنان إلى اجتماع لوزارء المال العرب لبحث سلَة مساعدات للبنان. ولكن أوضاع البلاد لم تتماشى مع موجة الدولة المتفائلة. إذ إنَ العنف تجدَد عام 1978 على مافة الأصعدة: حرب بين الجيش السوري في لبنان و القوَات اللبنانية ابتداءً من شباط/ فبراير 1978 وغزو إسرائيلي واسع في آذار/ مارس من نفس العام. وألغت هذه الأحداث ((الأجندة)) الإعمارية. ولكنَ الدولة لم تقف مكتَفة أمام الواقع الصعب بل سعت إلى توفير الحد الأدنى من الخدمات وقامت بخطوات لمساعدة القطاعات الاقتصادية المتضَررة وإعادة تأهيل البنية التحتية وشبكتي الماء والكهرباء.

لم تسفر جهود حكومة الحص لإنعاش الاقتصاد بعد حرب السنتين عن نتيجة تذكر في غياب السلم الأهلي، وتواصل المخاطر المحليَة والإقليمية والغارات الإسرائيلية المتكرَرة التي توَجها في تلك الفترة اجتياح1978. ولكنَ الدولة نجحت على الأقل في تخفيف وطأة الظروف الصعبة على المواطنين بالتأكَد من سير عمل المؤسسات الخدماتية و تأمين رواتب الموظفين، ونفقات الضمان الاجتماعي، وتقديم مساعدات طارئة للقطاعات الاقتصادية والتسامح في التزامات القطاع الخاص تجاه الدولة. فكانت السنوات السبع الأولى  من الحرب، وحتى الغزو الإسرائيلي الثاني و الأكبر عام 1982، أخف وطأة على الصعيد الاجتماعي من الفترة التي تلتها.

وحتى نهاية الحرب عام 1990، لم يكن ممكناً تصوَر قدرة قسم كبير من الشعب اللبناني على الاستمرار في عيشه بدون تقديمات الدولة، عندما أصبح وجود هذه الدولة مسألة نظرية أمام هيمنة قوى الأمر الواقع من ميليشيا وجيوش متعددة. ولكن قيمة تقديمات الدولة كانت تتضاءل باستمرار بعد العام 1983مع تفاقم الوضع الأمني، فغرقت في الديون وعجزت عن الدفاع عن العملة الوطنية (راجع الفصل الثاني عشر) أو حتى عن إثبات وجودها خارج بعض المجمَعات و الأبنية الرسمية كالقصر الجمهوري ووزارة الداخلية ومصرف لبنان و مؤسسة كهرباء لبنان وبعض ثكنات الجيش.

في العام 1979، استبشرت الدولة أخيراً، إذ بدت عازمة على إرسال الجيش إلى جنوب لبنان لإنهاء حال الفوضى، ومتفائلة بالوعود العربية لتمويل مشاريع إعادة الإعمار. وهكذا التقى القادة العرب في تونس ولحظت القمَة أجواء الهدوء والسلم الأهلي في لبنان فالتزمت الدول العربية النفطية بمنحة  للبنان بلغت ملياري دولار لإعادة الإعمار و لأهداف التنمية، تسدَدها هذه الدول على دفعات خلال خمسة أعوام. ولكن الأيام أثبتت أنَ هذه المبالغ كانت وعوداً وليست التزامات، إذ إنَ لبنان تسلَم القليل من المبلغ المعلن. فبعد القمة وحتى كانون الأول/ ديسمبر 1981 لم يستلم لبنان أكثر من 372 دولار أي أي أقل من نصف حصة العامين الأولين، وهي 800 مليون دولار. فقط دولة الإمارات العربية المتحدة دفعت التزامها كاملةً في حين دفع كل من السعودية والعراق نصف التزامهما ولم تدفع ليبيا شيئاً بل كانت تموَل الميليشيات المتقاتلة. واختارت السعودية أن تدفع النصف الآخر من التزامها السنوي (60 مليون دولار) عبر رفيق الحريري، وكان في تلك الفترة رجل أعمال لبنانياً يحمل الجنسية السعودية (راجع الفصل الخامس عشر). بعد العام 1981، توقفت المساعدات على أساس أنَه لا يمكن توظيفها في أمور مجدية فيما الحرب مستمَرة في لبنان.

بعد تدهور الوضع، وفشل الجيش في دخول الشريط الحدودي عام 1979، بدأ الياس يدبَ في أوصال الدولة اللبنانية و خاصة في رئيس الجمهورية الياس سركيس ورئيس الوزراء سليم الحص. إذ بدت التحديات الاقتصادية والسياسية والأمنية و الاجتماعية أكبر من قدرة الدولة على التحمَل، حتى لو استطاعت استعادة هيبتها و السيطرة على مصادر الدخل التي باتت تهددها الميليشيات. ففي حين لم يستلم لبنان مساعدات عربية ودولية تذكر، تبخَرت مصادر الدخل كالضرائب المباشرة وغير المباشرة كرسوم الجمارك التي كانت في انحدار أو تحصَلها الميليشيات. وأخذ الرئيس سركيس يتجه في خطابه نحو مقولة ((الأمن قبل الرغيف)) على أساس أنَ الهم الأمني لم يعد يسمح للدولة سوى القيام بالحد الأدنى من المهام، وأنَه لم يعد ممكناً اجتراح المعجزات و النهوض بالبلاد قبل استتباب الأمن. و تقزَم دور سركيس بسبب السياسة السوريَة التي منعته من تحقيق تقدَم على الصعيد الداخلي مع الأطراف المتصارعة، وإذ انفتح على بعض الفئات المحليَة غضبت منه فئات أخرى[3]، فانعزل في القصر الجمهوري.

وعندما انتهى عهد الياس سركيس عام 1982، كانت حال البلاد أسوأ بكثير مما كانت عليه عام 1986، وقد انقسمت الى كانتونات ودخل الجيش الإسرائيلي بيروت في حين سيطرت على بقيَة المناطق قوات سورية وفلسطينية وميليشيات لبنانية مختلفة.

 

أمين الجميل

لم يكن للدولةَ شأن يذكر عندما وصل أمين الجميَل الى الرئاسة الأولى عام1982. لا بل وجد نفسه في بعبدا في قصر تحاصره الدبابات الإسرائيلي ويشكو من خراب ودمار وتدهور في تأهيلاته. بين حزيران/ يونيو 1982 وحزيران/ يونيو 1985 أحدث الغزو، وثلاث سنوات من الاحتلال الإسرائيلي، خسائر فيزيائية في البنية الاقتصادية بقيمة ملياري دولار. وفي العام 1983، أولَ عام بعد الغزو، دخلت مساعدات طارئة وإنسانية بقيمة 165 مليون دولار، بشكل رئيسي من الدولة العربية ووكالات الأمم المتحدة المتخصصة، والصليب الأحمر الدولي وهئيات غير حكومية. وساهمت دول السوق الأوروبية(قبل قيام الاتحاد الأوروبي)ب50مليون دولار(منها 19 مليون دولار من إيطاليا). كما ساهم البنك الأوروبي للاسثمار بمبلغ 20 مليون دولار، ومنحت فرنسا قرضاً طويل الأمد للبنان بقيمة 40 مليون دولار. كانت مشاركة المارينز في القوى المتعددَة الجنسية التي سيطرت على بيروت الكبرى بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي من العاصمة، ضمن سياسة أميركية شملت دعماً سياسياً ومالياً وعسكرياً للرئيس الجميَل قي بداية عهده.

كان أمين الجميَل يراهن في السنة الأولى من عهده على أن الوضع الإقليمي والدولي سيساعده لينجح وأنهَ سيحصل على دعم أميركي وأوروبي غير محدود. وقام بزيارة الولايات المتحدة وبعض الدول الأوربية بحثاً عن الدعم الغربي- السياسي والعسكري والاقتصادي- الى درجة أنهَ استخف بنفوذ سورية وحلفائها اللبنانيين على الساحة المحليَة. ذلك أنَه، ومن البيت الابيض، واقفاً الى جوار الرئيس الأميركي رونالد ريغن، وجه عبارات غير مستحبة ضد الرئيس السوري حافظ الأسد وأنهَ ((سيرد القذائف الى دمشق)). في وقت كانت جهات اللبنانية قوية وعديدة تستعد. بمساعدة سورية، للانقضاض على عهده وسياسته.

 

الجيش اللبناني

رؤيا الجميَل لمستقبل الوضع، وممارسات الجيش اللبناني في غرب العاصمة و الضاحية الجنوبية، لم تخففا التوَتر العام في البلاد. فبعد الاجتياح الإسرائيلي و هزيمة الفلسطينين و حلفائهم اللبنانيين، تصرَفت الميليشيا المسيحية وكأنها المنتصرة في الحرب اللبنانية، فيما تعامل الجيش اللبناني مع سكان بيروت و ضاحيتها الجنوبية من مسلمين و فلسطينيين بقسوة.

فلم تغتنم الميليشيا المسيحية و قيادة الجيش الفرصة التاريخية لنيل ثقة المسلمين بعدما عانى لبنان ما عاناه من الغزو الإسرائيلي المدَمر و القاتل. بل سيطر منطق فئة على حساب الفئة الأخرى: بأنَ لبنان كان يحتَله الفلسطينيون وها هو قد تحَرر وأنَ سكَان الأحياء الغربية مشكوك بأمرهم، لعلاقتهم بالفلسطينين حتى يثبتوا العكس. وكان هذا المنطق يتغافل أنَ لحرب لبنان أبعاداً لبنانية-لبنانية.

وهكذا بدلاً من التعاطف مع الناس وتضميد الجراح التي أحدثتها آلة الحرب الإسرائيلية عام 1982 و على مدى شهور من الحصار والقصف في بيروت و الجنوب و البقاع، كان الواقع على الأرض يؤكد ان حرب لبنان التي اشتعلت عام 1975 لم تنته بعد، وربما كانت لاتزال في بدايتها.

لقد توقَع الرأَي العام، بعدما قتلت إسرائيل 20 ألف شخص وأحدثت خسائر مادية بقيمة ملياري دولار، أن الدولة ستستجيب لهذه الكارثة الوطينة بالتركيز على الحاجات الإنسانية للمواطينن والمهجرين الذين تدفقوا على بيروت والمناطق الأكثرأمناً بمئات الألوف. ولكن السلطة اختارت مضايقة الناس في بيروت وصيدا وكأنَها تريد معاقبة المسلمين لوقوفهم الى جانب الفلسطينيين في السنوات السابقة. وكان تركيز الجيش على معاقبة وتوقيف الشبان الذكور ملفتاً للنظر، فكانت الحواجز والدوريات وعمليات المداهمة قاسية في أسلوب تفتيشها واستجواباتها. كما شرع الجيش في تهديم أكواخ الأوزاعي حيث أقام ضحايا الحروب، وكأن هذه عي الأولوية الأن في حين كان حاجز الاحتلال الإسرائيلي للسيادة لا يبعد أكثر من كيلو متر واحد، عند مثلت خلدة. ورأى الناس أنَه أمام سحق الإسرائيليين للسيادة ومسؤولية  الجيش اللبناني في التصدي، اختارت الدولة أنً تستعمل الجيش لسياسات داخلية عديمة النظر وربما تعلقت بمصالح فئوية.

وهكذا نظر المسلمون الى الجميَل على أنَه يمثل الميليشيا المسيحية، خصمهم في الحرب، رغم سعي رئيس الجمهورية لتمييز نفسه عن الميليشيات والتقَرب من الناس. كما أن تقارير عدَة ذكرت عن اختفاء أكثر من ألفي شخص من الذكور، أوقفوا على حواجز الجيش أو أثناء مداهماته أو اختطفتهم الميليشيات المسيحية. وكانت هذه التطويرات إنما تنبئ بالأتي الآعظم، حيث لاحظ المراقبون العرب والأجانب أنَ لبنان لا يبدو أنَه يتجه الى السلام والنقاهة والإعمار، بل هو بلد منشغل جداً بالانتقام وتسديد حسابات دموية عن أحداث سابقة.

لقد كان أمين الجميَل يأمل في إعادة بناء الجيش خاصة أنَ الرأي العام، لاسيما في الشارع المسيحي وفي صفوف القوَات اللبنانية، يتوقَع تنفيذ حلم شقيقه الرئيس المنتخب بشير الجميَل في بناء جيش المائة ألف جندي، علىأساس أنَ مقولَة((قوة لبنان في ضعفه )) لم تعد مقبولة. وكانت التوفعات أنَ تقدم الولايات المتحة مساعدات بقيمة مليار دولار. ولكن واشنطن التزمت بربع هذا المبلغ ودفعت مائة مليون دولار في نيسان/أبريل 1983 لتريب الجيش اللبناني وشراء معدات عسكرية. وأمام تعثر الحصول على مساعدات لبناء الجيش، استعملت الدولة أموالاً مودعة في مصرف لبنان(كانت البلاد بحاجة ماسة اليها لتنفيذ مشاريع مجلس الإنماء والإعمار وغوث الناس) لشراء أسلحة ومعدات الجيش. هذه الاعتمادات الكبيرة للدفاع كانت طموحة وغير واقعية حيث قدَرت ب880 مليون دولار[4]. وألحقت سياسة الإنفاق العسكري ضرراً فادحاً في مالية الدولة ووضعية مصرف لبنان وعجز في ميزان المدفوعات. فقد تعاقدت الدولة على مشتريات كبيرة من الأسلحة وتعهَدت تسديد ثمنها نهاية من احيتاطي مصرف لبنان. وكانت النتيجة أنَ الاحتياطي هبط من 7و2 مليار دولار في نهاية 1982 الى [5]1984،مالم يكن كافياً للدفاع عن الليرة.

وكان الاعتقاد السائد أنَ الجيش القوي سيحسم الصراع في البلاد لصالح الدولة دون الالتفاف الى عبرة الأحداث التي سبقت في أنَ الجيش لادور له في الداخل من دون وفاق وطني، وإلا انهار. واستعمل الجيش شحنات الأسلحة الأولى مباشرة في قصف الضاحية الجنوبية ذات الأغلبية الشيعية في بداية 1984، فكنت هذه الفترة تمهيداً لانتفاضة عسكرية ضد حكم أمين الجميَل في شباط/ فبراير1984.

وزال تفاؤل الأشهر الأولى لعهد الجميَل وتبخَرت آمال السلام في  لبنان حيث انطلقت ثلاثة حروب مرةَ واحدة. الأولى حرب دموية بين الموارنة والدروز في جبل لبنان (الشوف وعاليه) استغرقت بضعة شهور من عام 1983 ومعظم عام1984. والثانية في مدنية طرابلس بين ماتبقى من منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان بقيادة ياسر عرفات وحلفائه اللبنانيين من جهة وجماعات فلسطينية انتفضت ضد عرفات بدعم سةري ومعها فئات لبنانية تؤيدها.

والثالثة في بيروت ابتداء من 6 شباط/فبراير 1984 عندما نجح تحالف الميليشيات الدرزوية- الشيعية في طرد القوى الموالية لرئيس الجمهورية وشق الجيش مرةَ ثانية بعدما كانت الدولة قد باشرت في إعادة بنائه وتأهليه، ومثلما حدث 1976، نبهت الميليشيات بعض تجهيزات الجيش اللبناني وعتاده، في حين استعمل ما تبقى من سلاح في ((حرب التحرير)) و((حرب الإلغاء)) في أواخر الثمانينات، حيث فقد الجيش اللبناني 600 من ضباطه وجنوده.

هذه الحروب المستجَدة قضت على أمل للدولة بمعجزة إنقاذ اقتصادي واجتماعي وانطلاق مشاريع الإعمار الموعودة.حتى أنَ عدةَ جهات عربية ودولية حكومية وغير حكومية توقفت عن تقديم المساعدات.في حين صرف المستثمرون،لبنانيين وعرباً وأجانب، النظر عن أي توظيفات في لبنان وفضَل اللبنانيون الاستثمار في بلدان بعيدة بدلاً من جحيم الحرب. ولم تسجَل أي استثمارات تستحق الذكر من أيلول/سبتمبر 1982 الى حزيران1984.

وقرَرت واشنطن عدم صرف بقية ال250 مليون دولار للبنان.

 

تراجع الدولة

لم تغب الدولة تماماً من حياة المواطن. فهو إذ يحنَ الى الأمن والأستقرار ويتضايق من هيمنة المسَلحين وقوى الأمر الواقع وظاهرة الكانتونات وأعمال العنف، بقي للمواطن من دولة ما قبل الحرب بعض الخدمات ووسائل الدعم التي استمَرت رغم الانهيار. كان مصير مئات الألاف من المواطنين من ذوي الدخل المحدود أو من الذين خسروا مصادر رزقهم متعلقاً بمؤسسات الدولة التي استمرت في العمل/ من مدارس ومستوصفات ومرافق عامة كالماء والكهرباء وصناديق دعم القمح والمحروقات.

ووصلت الأمور في الثمانينيات إلى درجة أنَ كل ماكان يدخل الخزينة كان لا يكفي حتى لتسديد جزء بسيط من تكلفة صناديق الدعم، التي كانت أكثر كرماً من ذلك التي انتشرت في شبكة الكهرباء وابتلاع كميات القمح والمحروقات بأسعار الدعم لبيعها في السوق السوادء بأسعر مرتفعة. فلم ترحم قوى الأمر الواقع ماتبقىمن مؤسسات الدولة كمصدر أخير لدعم صمود اللبنانيين.

في العام 1987،بلغت تكاليف صناديق دعم الطحين والمحروقات والكهرباء 103 مليارات ل.ل. منها9مليارات لصندوق الطحين و95 مليار لصندوق المحروقات التي تضمَنت 8 مليارات لتموين محطات الكهرباء. كما نضبت مصادرر الدخل الحكومي فيما تدهور الوضع المالي للمرافق العامة والاستثمارات الرسمية، خاصة بعدما سيطرت الميليشيات على مهام جمع الضرائب والرسوم الجمركية، فاضطرت الحكومة الى الاقتراض من البنك المركزي والمصارف الخاصة.

 

شركة الكهرباء

قطع التَيار الكهربائي واستغَلال شركة الكهرباء المدعومة من الدولة اللبنانية كانا قائمين بوتيرة صغيرة قبل الحرب ولكنهما انتشرا وأصبحا وأقعاً بعد عام1975.

ورغم الارتفاع المذهل في الانتاج كان الطلب على الكهرباء يفوق دائماً القدرة الانتاجية، فكان لبنان يعاني في أحسن أيام ماقبل الحرب من انقطاع التَيار أو من نقص في التجهيزات وتأمين الخدمات. وأصبح عدم استقرار وضع الكهرباء جزءاً من الحياة اليومية، وعرفاً لدى اللبنانيين أو الذين يزورون لبنان (وهي ليست ميزة جيدًة في دولة تسعى الىركاب التطًور التقني والاقتصادي). ورغم أن المشاريع  تواجدت في أدراج الدولة منذ عقود لوضع حل نهائي لأزمة الكهرباء، لم يحصل استغلال جدي لثروة لبنان الكهرومائية، كما أنَ الاتجاه شاع منذ 1973 لتوليد الطاقة من المحروقات النفطية وليس من توربينات المجاري المائية.

في سنوات الحرب التي بدأت عام 1975 أصبح انقطاع التيار الكهربائي متكراً ولفترات طويلة، ومع تراجع إنتاج الكهرباء بسبب كلفتها، حيث عانت شركة من عجز مزمن، وبسبب أثر الحرب على منشأتها، بات لبنان يستورد الكهرباء وينتج الطاقة بشكل رئيس من المحروقات المستوردة. وكانت شركة الكهرباء تبذل جهداً بطوليَِة لإبقاء عل توفر الكهرباء في خضم المعارك، وكانوا يتسلقون الأعمدة ويدخلون أبنية تتعرض للقصف والقنص للقيام بتصلحيات. ومن حهة ثانية كان استغلال الطاقة الكهربائية يتم الى أقصى حدَ، من تمنع عن تسديد الفواتير الى ربط الأسلاك لسرقة التيار وهذا عمل مارسه الأفراد والعائلات والؤسسات التجارية والصناعية على السواء. وبعضهم  استمرَ في هذه الممارسة لأكثر من عقد بعد نهاية الحرب عام1990. لقد بلغت خسائر شركة كهرباء لبنان 50-40 مليون دولار سنوياً منذ عام 19833، حيث كان المعملان الحراريان في الجيَة والذوق يستهلكان 600الف طن من المحروقات المستوردة سنوياً، بسعر 10 دولارات للبرميل لانتاج الكهرباء.  

وكان التقنين من أساليب شركة الكهرباء لتستمَر في تأمين الطاقة حيث كان التيار يقطع عن منطقة ليغذَي منطقة أخرى. وبلغت ساعات القطع أحياناً 18 ساعة في اليوم. كما أنَ عدداً كبيراً من المناطق اللبنانية بما فيها بيروت عانى من انقطاع تواصل أسابيع و أشهراً. ورغم الأوضاع المأسوية للبلاد، كان الرأي العام وأمراء الحرب ينتقدون شركة الكهرباء و (( فساد الدولة)) و (( المؤامرة على صمود الناس)) كلما انقطع التيار الكهربائي. ولجأ اللبنانيون إلى لشراء أجهزة توليد الكهرباء التي كانت كارثة بيئية ليس لصوتها المزعج في الأحياء السكنية فحسب، ولكن لأنها كانت تنفث دخاناً أسود يشكل خطراً داهماً على الصحة العامة.

وبالمقابل كانت قيمة الاشتراكات ضئيلة ولاتسدَد، وحتى لو سدَدت، فقد كانت لا تكفي لتغطية بعض الكلفة. ومن أصل 750 ألف مشترك شرعي، تبيَن أن ثلثهم فقط سدَد متوجباته، كما كان عدد كبير يعلَق على الخطوط بصفة غير قانونية وبدون اشتراك. وفي حين كانت نسبة سرقة الكهرباء تقدر ب 11.5 بالمئة عام 1975، بلغت هذه السرقة نسبة  31 بالمائة من الإنتاج عام 1982 و 55 بالمئة عام 1978[6]. وأدَت ضآلة التحصيل (قيمة الاشتراك كانت تساوي ثلث كلفة الإنتاج) والسرقة المتامدية للطاقة الكهربائية إلى استهلاك مسرف من قبل  المواطنين (كالإضاءة الكهربائية طيلة ساعات الليل و النهار) ما ضاعفت عدَة مرَات خسائر شركة الكهرباء. وفيما بلعت نفقات الشركة 13 مليار ل.ل. عام 1987، لم تزد إرادتها عن 1.7 مليار ل.ل.

أدى هذا الوضع الصعب إلى توقف شركة الكهرباء عن إنتاج الطاقة و غرق البلاد في ظلام دامس (وقد هذا مراراً) وبلغت خسائر قطاع الكهرباء الفيزيائية500 مليون دولار منها خسائر مؤسسة كهرباء لبنان في حربي التحرير و الإلغاء عامي 1989-1990، والتي قدَرت ب200 مليون دولار، في حين كانت خسائر شركة لبنان السنويَة تبلغ 123 مليون دولار. وأدَى تدهور شركة الكهرباء إلى عجزها عن استيراد مادة الفيول لتشغيل المعامل الحرارية، فأصبحت كلفة هذه المادة عالة كبرى على صندوق دعم المحروقات و باتت تلتهم جزءاً متعاظماً من نفقات الدولة.

 

الخدمات الاجتماعية

أسفرت جهود عهد فؤاد شهاب عن تقديمات اجتماعية في غاية الأهمية بعدما أكَدت دراسات محلية ودولية على غياب العدالة الاجتماعية وانتشار الفقر والتخلَف الاجتماعي في لبنان (راجع الفصل السابع). وام تتقدَم الخدمات الاجتماعية كثيراً في لبنان ما قبل الحرب باستثناء مصلحة الضمان الاجتماعي ذلك أنَ مفهوم دولة الرعاية والتقديمات الاجتماعية كان غريباً عن أمراء الحرب والتجَار، وكأنَه نوع من الاشتراكية المكروهة. فكان المشَرعون في مجلس النواب و أعضاء مجالس إدارة الشركات الخاصة ينفرون من أي تشريع أو برنامج يحسَن الوضع الاجتماعي و توزيع الثروة. لقد ظهرت شركات خاصة للتأمين الصحي والاجتماعي قبل السبعينات ولكنَ رسوم الاشتراكات و الكلفة العالية لخدمات هذه الشركات جعل زبائنها يقتصرون على أصحاب الثروات والمداخل المرتفعة أو على القادرين على تغطية نفقات العلاج الطبي الخاص في سويسرا أو فرنسا. أمَا السواد الأعظم من المواطنين فكان محروماً من هذه الخدمات التي شأناً عادياً منذ الحرب العالمية الثانية في كثير من دول الغرب.

تأسَس صندوق الضمان الاجتماعي في لبنان بقانون 1963 ولكنَ وضعه في حيَز التنفيذ استغرق سنوات عديدة، وفتح أبوابه عام1971. وأدار دقَة الصندوق مجلس إداري من 13 عضواً خمسة منهم يمثلون الاتحادات والنقابات العمالية وخمسة من أصحاب المصالح الاقتصادية و ثلاثة أعضاء يمثَلون الدولة. وتضاعف حجم هذا المجلس عام 1978 لا لشيء بل لمراعاة حصص الطوائف في التمثيل.

وأقرَ قانون الضمان أربع مهام: ضمان الصحة و الأمومة، وضمان العمل (فقدان العمل و حوادث مكان العمل) والضمان العائلي وضمان الشيخوخة والتقاعد. ويعتبر هذا القانون أهم وثيقة اشتراعية لمصلحة المواطن العادي في لبنان، وكمرجع رسمي وحيد منح تغطية شبه كاملة للصحة ونفقات الاستشفاء و العجز والأمومة والبطالة و التقاعد. ولقد أثبت صندوق الضمان نجاحه، فخلال السنوات القليلة التي سبقت الحرب أصبح يستفيد منه ثلث القوى العاملة اللبنانية. وبسبب اندلاع الحرب1975 والتدهور الاقتصادي لم يزدد عدد المشتركين كثيراً. وفيما صمد الصندوق لعدَة سنوات، بدأ منذ 1986 يعاني من عجز متفاقم ويتأخَر عن تسديد المدفوعات للمستفيدين. لقد دفع صندوق الضمان مبالغ وصلت إلى150 مليون ل.ل. و200 مليون ل.ل. سنويَاً في السبعينات في شتى فروعه، واستمَر في تقديم هذه الخدمات حتى في أسوأ سنوات الحرب، ثم غرق قي العجز وباتت احتياجاته المالية تفوق ما هو متوَفر في الصندوق بمبالغ وصلت سنويَاً إلى مليار ل.ل. وأحياناً 12 مليار ل.ل.

وبسبب الحرب والأوضاع الاجتماعية الصعبة، عجز عدد كبير من المسجَلين في الضمان عن دفع ثمن الأدوية، وحتى حالات الطبابة البسيطة خاصة تلك التي يغطيها ضمان الصحة والأمومة. فكان الصندوق يعوَض المشتَركين ثمن مشترياتهم التي يعترف بها الضمان بأسعارٍ أعلى مما تسمح به اللوائح. وانخفض مستوى معيشة قسم كبير من المسجَلين في سنوات الحرب، فازداد عدد طلبات استفادة أضعاف ما كان عليه في السابق.

وتفاقم الوضع بعد تقاعد أو سفرعدد من الأطباء المتعاقدين مع الضمان، لأنَ الصندوق لم يستطع العثور على من يحل مكانهم. كما أنَ تغَيب موظفي الضمان لفترات طويلة أخَر مقدرته على تقديم الخدمات وتراجعت إمكانياته العملانية. واستفادت المستشفيات والعيادات الخاصة من عجز صندوق عن اتخاذ قرارات حول جداول الأسعار، فكانت تقدَم فواتير مضخَمة وجدت طريقها إلى الموافقة والدفع من قبل الصندوق. وأضرَ هذا الأمر بالمضمونين، ليس لأنَه كان يرهق الصندوق ويزيد من عجزه بل لأنَ المضمون كان يقع بين نيران الفواتير المضخمة وعليه تسديد جزء من الكلفة الكاملة، وكان هذا الفرق مرتفعاً بطبيعة الحال يفوق قدرة المضمون على الدفع في كثير من الأحيان. فكانت مؤسسات الطبابة تستفيد من المضمون ومن الصندوق على حساب المال العام.

أدَى الوضع الاقتصادي المتدهور في الثمانينات إلى تراكم العجز في صندوق الضمان وفاقم من ذلك لجوء بعض المستفيدين وأرباب العمل إلى أساليب التلاعب، إمَا بعدم دفع الاشتراكات والمستحقات أو تقديم فواتير ومعلومات مغلوطة. وفي ظل تزايد احتمال إفلاس الضمان في أواخر الثمانينات بدأت الحكومة تفكَر جديَاً في خصخصته وفسح المجال أمام ضمان اجتماعي يضطلع بمهامه القطاع الخاص وتجعله الدولة إلزامياً على أرباب العمل، كبديل عن شبكة التأمين العامة التي منحها الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

أمام العراقيل العديدة نحو حلحلة وضع الضمان أو تخصيصه أو وقف صناديق الدعم عن السلع الأساسية، استمرَت الدولة في التسعينات في البحث عن مخارج مقبولة شعبياً ولكن ديون الضمان تفاقمت إلى مستويات قياسية وكانت الحلول المؤقتة كدعم الدولة لعجز الضمان هي المتبعة في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

 

الخدمات البلدية

بلغ عدد البلديلت في لبنان في الثمانينات 635 بلدية بأحجام مختلفة، أكبرها بلدية بيروت بحدودها الإدارية وعدد سكانها مليون نسمة، إلى قرى صغيرة لايزيد عدد سكانها عن بضع مئات. لقد وفَرت البلديات خدمات حيوية للناس كإنشاء الطرق وترميمها وإصلاحها ومد شبكات المجارير الصحية ومسائل تتعلَق بالصحة العامة وجمع النفايات المنزلية والصناعية والتخلَص منها بمقاييس بيئية مقبولة. وبخلاف معظم دول العالم، فإنَ بلديات لبنان كانت تموَل مباشرة من الدولة اللبنانية وترتبط بمصلحة الشؤون البلدية و القروية في وزارة الداخلية، فلم تملك الاستقلالية المحليَة كما هي الحال في معظم دول العالم.

واقترنت ميزانية البلديات بضرائب ورسوم جمعتها الدولة كمحاضر ضبط السير و ضرائب على العقارات والرسوم الجمركية وضريبة التسلية (مطاعم ومسارح وسينما) وتراخيص مختلفة ورسوم المرافق العامة من وكهرباء وأرباح كازينو لبنان. إضافة إلى بعض الرسوم التي جمعتها البلديات نفسها ضمن منطقتها الجغرافية. وكانت المبالغ توزَع على البلديات حسب جدول حصص معدَ سابقاً يعكس حاجة كل بلدية وكثافتها السكانية ومساحتها.

فكانت نقابة عمال البلدية تستلم 25 بالمئة من تحويلات الدولة ويحوَل الباقي لينفقه المجلس البلدي[7]. وشكَلت تحويلات وزارة الداخلية لعدد كبير من البلديات الجزء الرئيس مما يدخلها من مال.

أدَى انهيار الدولة في سنوات الحرب إلى تراجع مداخيلها لأسباب متعدَدة، منها عدم القدرة على تحصيل الضرائب و الرسوم أو صعوبة تصحيحها حسب مؤشر التضخم المالي حتى لو تم تحصيل بعضها، رغم أنَ القانون سمح للدولة بتصحيح الضرائب والرسوم حسب غلاء المعيشة. ورغم أنَ الجداول المصحَحة كانت جاهزة للتطبيق ما يعني تحسين وضع البلديات المتدهور، إلا أنَ الجداول الجديدة لم تطبَق، كما أنَ المجالس البلدية كانت متردَدة في تطبيقها على أساس أنَ المواطن سيقاوم ارتفاعاً في الضرائب والرسوم في زمن الحرب. كما أنَ الميليشيات سيطرت على قسم من مداخيل الدولة المخصصة للبلديات، وقام بعض الميليشيات بتوفير خدمات عامة كل حسب منطقته. ومع قدوم العام 1985، نضبت مصادر البلديات جراء عدم تسديد الضرائب و الرسوم وزحف التضخَم المتصاعد وخسرت البلديات معظم مصادر الدخل وأصبحت خدماتها مرتهنة لمقدرة الدولة على توفير المال ومنحه للبلديات من أي مصدر كان وفي معظم الأحيان كان هذا المصدر سلفات من مصرف لبنان.

حتى عام 1985 بلغت ديون البلديات 3 مليار ل.ل.،50 بالمئة منها كان دين بلدية بيروت بمعدَل فوائد بلغ 21 بالمئة. وفي العام 1986، بلغ دخل بلدية بيروت 278 مليون ل.ل.

ونفقاتها 349 مليون ل.ل.، بعجز72 مليون ل.ل. وأظهرت سجلات البلدية أنَ مبلغاً قيمته 91مليون ل.ل. من رسوم وضرائب استحق دفعه للفترة 1978-1985 ولم يسدَد، وهو ما كان كافياً لتغطية العجز. وتدهورت مالية بلدية بيروت بشكل دراماتيكي عام 1987، حيث تراجع دخلها إلى86 مليون ل.ل. (3.7آلاف دولار) مقارنة ب 270 مليون ل.ل. عام1975 (108مليون دولار بسعر صرف ذلك العام).أظهرت الجداول المصحَحة التي حضرَتها وزارة الداخلية أنَه لو تم تحصيل الضرائب والرسوم وفق مؤشر الغلاء لبلغ دخل البلديات في لبنان ملياري ل.ل. عام 1987، لم يدخل منها إلا جزء بسيط. وأصبحت حصص البلديات الصغيرة ضئيلة إلى درجة لم أنَها لم تزد عن 25 ألف ل.ل.-50 ألف ل.ل. بالسنة ما لم يكن كافياً لتسديد راتب موظف بلدي واحد. وبلغ عدد موظفي البلديات بضعة آلاف منهم 5آلاف أجير ومتقاعد في البلديات خارج بيروت.

ولدعم البلديات لتقوم علىالأقل بالحد الأدنى من مهامها، أوجدت الدولة صندوقاً خاصاً قدَم منحاً وقروضاً لتتمكن البلديات من دفع رواتب موظفيها، فكان مجموع ما قدَمته الدولة للبلديات بوسائل دعم مختلفة وخارج المصادر التقليدية، ما يزيد عن ملياري ل.ل. سنويَاً. ولم يكن هذا الدعم كافياً ذلك أنَ البلديات باتت في وضع مالي مزرٍ من تراكم ديون وعجز دائم وعدم مقدرة على دفع الرواتب والنفقات.

وكان الوضع أشدَ سوءاً في بلدية بيروت، ذلك أنَ العاصمة شهدت معظم أحداث الحرب والدمار منذ العام1975. كما أنَ التقسيم الفعلي للمدينة إلى شرق وغرب دفع البلدية إلى القيام بنفس المهام بشكل مضاعف على ناحيتي الخط الأخضر. وعلى سبيل المثال كان معمل معالجة النفايات يقع في شرق بيروت في حي الكرنتينا ولكنه مغلق في وجه نفايات غرب المدينة. واقتصر استعمال آليات البلدية في كل جانب على مهام لاتستوعب كل إمكانياتها، وتعرَضت تجهيزات البلدية وآلياتها للسرقة والحريق والقذائف. زعادة ما كانت بلدية بيروت تلجأ إلى التعاقد مع مؤسسات خاصة للقيام ببعض الخدمات، وأحياناً عبر عقود مربية. وفي الثمانينات تدهور العمران المديني، من طرقات وجدران ومنشآت وإشارات مرور وعلائم بلدية. وأحدثت القذائف حفراً وأخاديد في الشوارع والأبنية كما أصاب الَدمار  شبكة الإنارة.

والكارثة الكبرى كانت في وسط المدينة الذي أصبح مكباً ضخماً للنفايات وتكدست فيه السواتر الترابية والمتاريس و هياكل الأبنية المهدمة والأطلال والنبات البَري وبات مأوى للكلاب الضالة والجزدان. في العام1983، أكمل فريق للبنك الدولي دراسة عن الوسط التجاري حدَدت كلفة في العام1983، أكمل فريق للبنك الدولي دراسة عن الوسط التجاري حدَدت كلفة زالة الركام والأوساخ وتسوية الأراضي ب223 مليون دولار. وإذ تم تسمية عدَة شركات للقيام بهذه المهمة، بدأت شركة أوجيه ليبان التي ملكها رجل الأعمال اللبناني السعودي رفيق الحريري مهمة تنظيف الوسط وتمهيد العقارات لإعادة الإعمار.

 

الاسكان

عانت بيروت وضواحيها من ازدحام رهيب من حيث نسبة عدد السكان إلى المنازل والشقق المتوَفرة للسكن. في حرب السنتين (1975-1976)، هجَرت الميليشيات المسيحية أحياء ومخيمات الفلسطينين والمسلمين اللبنانيين، لا سيما الشيعة، من مناطق شرق وشمال العاصمة فلجأ المهجَرون إلى غرب العاصمة وضاحيتها الجنوبية. ومن ناحيتها قامت ميليشيات التحالف اليساري اللبناني الفلسطيني بتهجير سكان بلدة الدامور المسيحيين ومناطق مسيحية أخرى، فلجأ هؤلاء إلى شرق العاصمة. وهكذا منذ الفترة الأولى من الحرب اللبنانية بدأت بيروت تعاني ضعفاً سكانياً هائلاً كان يزداد سوءاً مع مرور الوقت بسبب قدوم المزيد من المهجَرين الحرب من مناطق لبنانية مختلفة.

خلق شلال المهجَرين وضعاً صعباً على المستويات الاجتماعية و الصحية والاقتصادية في مدينة لا تملك  مقوَمات إيواء هذا العدد الهائل من الناس. ولم تكن بيروت على أي حال مدينة مثالية من حيث توفير العيش اللائق لسكانها قبل الحرب. فكيف بضغط أكثر من مليون و500ألف شخص في المدينة وضواحيها في سنوات الحرب. هذا الوضع المأسوي دفع أصحاب الأبنية إلى رفض تسديد الضرائب والرسوم في زمن الحرب، خاصة أنَ آلاف العقارات تعرَضت للقذائف وأحدثت فيها الشظايا والصواريخ فجوات ضخمة إن لم تدمَر بعضها كليَاً أو جزئياً. كما أنَ المهجَرين احتلوا آلاف الشقق والمنازل وخاصة تلك التي اكتمل بناؤها ولم يشغلها أحد بعد فأصيب أصحابها بخسائر جمَة. أضف إلى ذلك فقدان قيمة بدل إيجارات الشقق والمنازل، حيث يقيم مستأجرون شرعيون، بسبب انهيار العملة الوطنية.

وحتى قبل الحرب، تعرَضت الأبنية في الأحياء السكنية إلى التدهور بعامل الزمن، كما أنَ البنية التحتية، من إمدادات مياه وصرف صحي وكهرباء وهاتف كانت كلها في حالة تلف أو تدهور في غياب الصيانة والتصليحات منذ الستينات. وكانت شبكة الصرف الصحي في بيروت مصيبة، لا بل كارثة، بيئية وصحية حتى قبل الحرب، لتصبح في زمن الحرب مصدر خطر داهم على الصحة العامة ومياه الشفة وبلاجات السباحة على الساحل. وفي عدد من الأحياء داخل بيروت الإدارية (إذ إنَ الوضع في ضواحي الغاصمة كان أكثر سوءاً)، كانت أنابيب الصرف الصحي تعاني من الاهتراء والانسداد وكانت تطوف بما فيها على الناس في متازلهم وأعمالهم بسبب تراكم الغبار وكميات الأوساخ عبر السنين وكأنَها مرض كوليسترول أصاب البنية التحتية ودفع شراينها إلى الانفجار.وعانى المواطنون من هذه الأخطار غير الحربية، إذ كانت تفاجئهم الأدوات الصحية في منازلهم بتدفق المياه الآسنة والأمراض وليس هناك من منقذ بسبب غياب البلدية وعدم اكتراث الميليشيات لأعمال السمكرة. وقدَرت دراسات البنك الدولي عام 1983 كلفة تجديد وإصلاح وتغيير معظم شبكة الصرف الصحي في بيروت والمدن الرئيسية ببضعة مليارات من الدولارات.

وإذ كانت السنوات السبع الأولى من الحرب شاهدة على التدهور الرهيب في قطاع الإسكان، فإنَ الغزو الإسرائيلي عام 1982 وما تلاه من ويلات في الجبل، وخاصة في عالية وبحمدون ودير القمر وقرى الشوف، أدَى إلى نزوح وتحرَك مهجَرين بمئات الألوف إلى بيروت بشقيَها. وفيما بيَنت خطط الدولة عام 1980 عن حاجة إلى بناء 20 ألف وحدة سكنية[8]، ذكرت دراسة البنك الدولي عام 1983 أنَ الحاجة الفعلية أصبحت 135 ألف وحدة سكنيَة لإيواء أكثر من نصف مليون نسمة بحاجة ماسة إلى السكن بسبب الحروب والتهجير ودمار الأبنية السكتية والمنازل. وواقع الحال أنَ معظم سكان لبنان عشية الحرب (80بالمئة) كانوا يقيمون بالمدن، وقلَة منهم كانت تقيم بالأرياف. وباستثناء المنازل الفردية في الأرياف وقصور ومنازل الأغنياء، فإنَ العائلة اللبنانية وبنسبة عالية جداً تقيم عادة في شقَة سكنية قي مبنى من عدة طبقات.

 

صندوق دعم المحروقات

مثَل صندوق دعم المحروقات نسبة 80 بالمئة من مجموع صناديق الدعم الحكومية ونسبة مرتفعة من عجز الخزينة. في العام 1987، أنفق الصندوق 382 مليون دولار، منها 352 مليون دولار للاستهلاك العام (صناعة ووقود للسيارات وتدفئة الخ) و30 مليون دولار لدعم شركة كهرباء لبنان في إنتاج الطاقة الكهربائية.

تضاعف استهلاك المحروقات في لبنان في السنين العشر الأولى من الحرب (1975-1985) بسبب الزيادة الكبيرة في عدد السيارات في الأراضي اللبنانية ما جعل لبنان بين الدول ذات النسبة العالية في عدد السيارات نسبة إلى عدد السكان. في العام 1983، أظهرت تقارير الحكومة وتسجيل الميكانيك أنَ عدد السيارات قد بلغ 550-600 ألف.

في تشرين الأول/ أكتوبر 1984، تعرَض لبنان لأزمة نفطية بسبب الارتفاع الحاد في أسعار النفط، وارتفعت نفقات صندوق دعم المحروقات حتى بلغ عجز5-7 مليار ل.ل.، ذلك أنَ الحكومة استوردت النفط بالأسعار العالمية وبالعملة الصعبة لتطرحه في السوق المحلي بسعر يقل كثيراً عن سعر التكلفة. وكان انهيار العملة (راجع الفصل الثاني عشر) يسيء إلى وضع الصندوق، ومثال على ذلك أنَ الحكومة دفعت 5و12 مليار ل.ل. ثمن النفط عام 1986 وباعته ب7,10مليار ل.ل. في السوق المحلي.

وكانت الميليشيات وزمر الابتزاز تستغلَ الأسعار المدعومة للمحروقات وتمتص ما أمكنها من كميات لبيعها في السوق السوداء، فكانت الدولة تستدين المال لتدعم النفط، فيصادره اللصوص لمصلحتهم. حتى أنَ كميَات من هذا النفط المدعوم وجدت طريقها إلى أسواق خارجية لتحقيق الأرباح للمصالح الخاصة. فقد كانت الميليشيات تستغل الأسعار المدعومة وتسيطر على كميات المحروقات والقمح لتهريبها إلى خارج لبنان باسعار السوق. وعمليَاً كانت صناديق الدعم أموالاً مبدَدة تذهب إلى جيوب التجَار المحلييَن ولدعم المستهلكين في الدول المجاورة. وكان الرأي العام يساوره الغضب عندما تعلن الدولة وتنشر الصحف نبأ وصول باخرة محمَلة بالفيول أو المشتقات النفطية في حين كانت محطات المحروقات بالمفرَق تشكو دائماً لم تستلم أي كميات.

منذ 1985، بدأ مصرف لبنان يصرَ على وقف هذا الدعم خاصة أنَ الدولة كانت تستدين لكي تسدَد مشتريات النفط، وكانت تسمح للقطاع الخاص باستيراد كميات إضافية لخلق بيئة تنافسية وأسعار معقولة للمستهلك، وأنهاء الاحتكار وعملاء السوق السوداء بهدف دفعهم إلى تخفيض الأسعار. وكان مصرف لبنان يرى، وبمشورة من الصندوق النقد الدولي، أن لا دور للدولة في دعم المحروقات الخاصة في ظروف لبنان الصعبة، وأنَ السعر العالمي هو سعر عادل للسوق المحلي. خاصة أنَه أصبح من الصعب على المواطنين العثور على المحروقات بالسعر المدعوم في لبنان رغم جهود الدولة. وفيما كان سعر صفيحة بنزين السيارات (20ليت1987و15 ألف ل.ل. عام 1990 (حرب الكويت).

كانت كميات النفط المستورد تكرَر في مصفاة الزهراني جنوب صيدا وفي مصفاة أخرى  صغيرة شمال طرابلس. وكانت الزهراني المصفاة الرئيسية في لبنان، حيث بلغ عدد عمالها في الثمانينات 250-300 عامل، وراوح إنتاجها اليومي15-17 ألف برميل (سعة البرميل 160 ليتراً) سدَدت ثمنها وزارة الصناعة والنفط بكلفة16 دولاراً إلى 18 دولاراً للبرميل. وبسبب قرب المصفاة من مناطق شديدة الخطورة في جنوب لبنان، تعرَضت لقصف وغارات جوَية إسرائيلية من حين لآخر. أغارت الطائرات الإسرائيلية مراراً على المصفاة، وأحدثت فيها اعتداءات 1976 و1987 أضراراً جسيمة اضطرتها للإقفال عدَة شهور، حيث أفقد اعتداء 1976المصفاة 50 بالمئة من إنتاجها, وفيما استغرقت الإصلاحات وقتاً طويلاً واستعادت المصفاة إنتاجها عام 1981، أغارت الطائرات الإسرائيلية مجدَداً ودَمرت أجزاءً من المصفاة ما دفعها إلى الإقفال القسري لثلاثة أشهر وخسارة في الإنتاجية. وبعد إتمام الإصلاحات والترميم مرَة أخرى وعاد الإنتاج بدرجة أقل في نهاية1981، قامت إسرائيل بغزو كبير في حزيران/يونيو 1982 وأوقعت خسائر ضخمة في المصفاة وخطوط التابلاين والمبنى الإداري وخزانات التموين. وكانت الدولة تتكبَد مبالغ تتراوح بين 5 ملايين و10 ملايين دولار بعد كل تخريب. وبعدما انسحبت إسرائيل من جوار المصفاة عام 1985، عملت الدولة على استعادة الإنتاجية الكاملة[9].

وفي الحرب بين الجيش اللبناني بقيادة الجنرال ميشال عون وميليشيا القوات اللبنانية بقيادة سمير جعجع، أصابت عدة قذائف صاروخية خزانات المحروقات في حي الدورة شمال بيروت، محدثة خسائر بملايين الدولارت[10].

وكان دعم المحروقات أبرز عامل في تفاقم عجز الموازنة. لقد بلغت كلفة دعم المحروقات 772 مليون ل.ل. عام 1982 (8بالمئة من النفقات و30 بالمئة من الإيرادات). وعام 1985 بلغت 5.8 مليار ل.ل. (23بالمئة من النفقات و135 بالمئة من الإيرادات). وهكذا استهلك دعم المحروقات33 بالمئة من الإنفاق العام سنة1987. وبين 1982و1990 أنفقت الدولة 245 مليار ل.ل. لدعم المحروقات، ما فاق كل إيرادات الدولة من ضرائب ورسوم وأرباح مصارف لبنان في تلك الفترة، حتى أنَ كلفة الدعم بلغت ضعفي إيرادات الدولة عام1989. واستمرَ هذا الوضع الشاذ حتى 1989 وعندما توقفت الدولة عن النفط المخصَص للاستهلاك، استجابة للنداءات المتكرَرة لصندوق النقد الدولي، وأبقت على استيراد المحروقات لتغذية معامل إنتاج الطاقة الكهربائية. وهبطت نسبة دعم المحروقات إلى 6 بالمئة من ألإنفاق العام1990.

 

الدولة تخسر المرافئ البحرية

شكلَت الضرائب غير المباشرة القسم الأكبر لدخل الدولة منذ الاستقلال وحتى أواخر السبعينات، فمثَلت الرسوم الجمركية منفردة إلى 30 إلى 40بالمئة من المجموع، في حين لم تزد حصة ضريبة الدخل عن 15 بالمئة. وبما أنَ الميليشيات هيمنت على بعض مرافئ الدولة منذ أواخر السبعينات أو أقامت مرافئها الخاصة وغير الشرعية على الساحل اللبناني ابتداء من 1981 فإن أهم مصدر للدخل الحكومي قد نصب. لقج انتشرت المرافئ غي الشرعية على طول الساحل اللبناني واستعملت لاستيراد وتصدير أي بضائع حتى تلك التي يعاقب عليها القانون، كالمخدرات والسموم والنفايات والصناعية. وباتت أي فئة تستطيع أن تستورد وتصَدر ماتشاء بدون تراخيص رسمية، حتى أنَ مرافئ الميليشيات كانت مجهزة لتحميل المراكب وتفريغها. وأصبح التجَار يفضلون إدخال بضائعهم عبر مرافئ الميليشيات نظراً لتدنيَ رسومها. ولقد بلغت خسارة الدولة من رسوم جمركية فائتة على بضائع عبر المرافئ غير الشرعية 50 مليون دولار شهرياً.  كما سيطرت الميليشيات على بعض نشاط المرافئ الشرعية كحوض مرفأ بيروت الخامس ومرافئ طرابلس وصيدا وصور. وفرضت الميليشيات رسومها الخاصة عل حركة الاستيراد والتصدير (راجع الجدول 12 في الملحق الإحصائي).

لقد تضاءلت عائدات الدولة من الرسوم على التجارة الخارجية حيث تضاعفت حركة الاستيراد أربع مرات في الفترة 1973 الى 1982 في حين هبط تحصيل الدولة الى نصف ماجنته قبل الحرب عام 1980 الى 1.3 مليار دولار عام 1981. وفيما يلي جدول بالمرافئ غير الشرعية.

 

 

تدهور المالية العامة

في الخمسينات من القرن العشرين لم تنفق الدولة اللبنانية حتى ما كان يدخلها من إيرادات عل ضآلتها، عملاً بمقولة عدم تدخًل الدولة في الاقتصاد بسبب الغياب الفضائحي للبرامج الاجتماعية. فحقَقت الموازنة فائضاً للإيرادات العامة على النفقات بنسبة 17 بالمئة عام 1951 و47 بالمئة عام 1953 و34 بالمئة عام1960. ورغم الحاجات الماسة إلى تطوير البنية التحتية في المحافظات وتأمين الحد الأدنى من العيش الشريف للمواطنين، لم يرغب المسؤولون حتى في استعمال ما يفيض من مال عام لخير الناس.

وبعد حرب عام 1985 وتغيَر الفئة الحاكمة وظهور تقارير بعثة ايرفد حول خطط التنمية، أضحت الدولة طرقاً فعَالاً في الاقتصاد وخاصة في المسائل البنيوية، فزاد الإنفاق على المشاريع الإنمائية بنسبة 45 بالمئة عام 1962، وزادت اعتمادات البرامج الاجتماعية والتنموية بنسبة 355 بالمئة[11]. وتعتبر سنة 1962 تقطة التحوَل في المالية العامة في لبنان حيث سجَل نسبة عجز 13.2 بالمئة في ذلك العام وبقي العجز لازمة في المالية العامة اللبنانية. ذلك أنَه باستثناء الأعوام 1971 و 1972 و 1974، فاقت النفقات على الإيرادات في كلَ سنة منذ 1962، أي خلال الستينات والسبعينات ليتدهور بشكل كبير في الثمانينات، ويصبح مصيبة لبنان الكبرى في التسعينات وفي العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. وحتى العام 1975، كانت الدولة تواجه العجز في الإنفاق بسلفات صغيرة من مصرف لبنان تراوح حجمها من بضعة ملايين ل.ل. عام 1970 إلى 15 مليون ل.ل. عام 1975.

وبلغت خسائر الدولة الفيزيائية في حرب السنتين 600 دولار من دمار وخراب لحق بالأملاك العامة من مبان وتجهيزات ومرافق الهاتف والكهرباء والمرفأ والمطار. كما فقدت الدولة السيطرة على البلاد وعجزت عن تحصيل الإيرادات. وبغياب المساعدات الخارجية وتقلَص العائدات إلى الحضيض، بلغت نفقات الدولة مليار ل.ل. تقريباً عام 1975 وإيراداتها 800مليون ل.ل. تقريباً، بعجز 22بالمئة. وعام 1976 انخفضت الإيرادات إلى 20 بالمئة من المستوى المحقق عام  1975، فكانت نسبة العجز 76 بالمئة من النفقات. وتراجعت الضرائب المباشرة عام 1977 بنسبة 28 بالمئة عن مستوى 1974 وانخفضت الرسوم الجمركية عام 1981 إلى نصف ما كانت عليه في السابق. ومنح البرلمان الحكومة سلطة الاستدانة وإجازة بإصدار السندات لتمويل الخزينة. فاستدانت الدولة 966 مليون ل.ل. عام 1977 و851 مليون ل.ل. عام1978. وأصبح العجز يلازم الموازنات سنة بعد سنة، فيما نضبت من أرباح الاستثمارات والمرافق التي تملكها الدولة.

ويعتبر غسَان العيَاش أنَ عجز الموازنة أصبح منذ العام 1982 يشكَل السبب الرئيسي  لتضخم مؤشر الأسعار وللانهيار المتواصل في القيمتين الخارجية والداخلية لليرة اللبنانية[12]. نما الدين العام بشكل دراماتيكي، فوصل إلى 7و3 مليار دولار في نهاية عام1982 . وإلى 3و5 مليار دولار عام 1983، متجاوزاً مائة بالمئة من الناتج المحلي القائم لذلك العام. وشكَلت خدمة الدين (من فوائد ومستحقات) نسبة17 بالمئة من مجموع النفاقات عام 1983 ولكنَها تعاظمت لتشَكل25 بالمئة من مجموع الإنفقاق خلال عقدى الثمانينات.

بعد عام 1982 لجأت الدولة اللبنانية الى الإنفاق بصفة متزايدة من خارج الموازنة لتلبية الحاجيات المالية في الظروف الاستثناثية. وخلال بضعة أعوام فقدت الموازنة قيمتها كمؤشر للمالية العامة، وارتفع الإنفاق من الموازنة وخارجها خمس مرًات بين 1979و1984، حيث شكَلت النفقات الإجمالية 117 بالمئة من الإيرادادت عام 1979 و333 بالمئة عام1984. وأدان صندوق النقد الدولي هذا النهج في الإنفاق خارخ الموازنة.

وبحلول العام 1985، بدأ عجز الخزينة يتراكم ليصل الى بضعة مليارات من الدولارات (راجع الجدول 3 في الملحق الإحصائي ). أنفقت الدولة 60 مليار ل.ل. في الفترة 1982- 1985 ولم يدخلها أكثر من 13.8 مليار ل.ل.، فوصل العجز المتراكم خلال أربع سنوات الى 77 بالمئة. وبلغت رواتب الموظفين نسبة 22بالمئة من النفقات الاجمالية وصندوق المحرقات 14 بالمئة. وارتفع الدين العام خلال هذه السنوات الأربع من 14 مليار ل.ل. عام1982 الى 54 مليار ل.ل. عام1985. وفيما كانت نسبة خدمة الدين الداخلي 54 بالمئة من إيرادات الدولة عام 1982، وصلت تلك النسبة الى مائة بالمئة عام 1985، فاضطرت الدولة  للاستدانة لدفع مستحقات الدين الى الايرادات 135 بالمئة عام 1985، فاضطرت الدولة للاستدانة  لدفع مستحقات الدين وهكذا تحًول العجز الى كرةَ ثلج متعظمة[13].

وأصيبت الدولة بالشلل منذ عام 1985، فلم تعد الحكومة تلتقي ولم يصدر قانون الموازنة العامة طيلة هذه الفترة. فوصل تفتت الدولة في عهد أمين الجميَل الى أوجه في هذا العام. ذلك أنَ الحكومة الائتلافية (أو((الوفاقية)) في القاموس اللبناني) دخلت في نزاعات بين أطرافها وبين رئيسها رشيد كرامي ورئيس الجمهورية الجميَل. وبدأت مرحلة مقاطعة الجميَل، فقدَم كرامي استقالته. ومع تعذَر تشكيل حكومة جديدة، استمَرت حكومة كرامي المستقيلة في تصريف الأاعمال المهمة فقط بموجب محاضر ومراسيم خارخ مجلس الوزراء. فتعطلت الحكومة وأدَى ذلك الى شلل لا سابق له في أجهزة السلطة التنفيذية في لبنان.

وانحدرت الدولة مجددا الى هاوية جديدة عندما اغتيل رشيد كرامي في أول حزيران/ يونيو 1987، وكلفَ الجميَل سليم الحص رئيسأ بالوكالة لحكومة مستقيلة. ولم يتوقَف تفتت الدولة عند هذا الحد، إذ إنَ نهاية عهد الجميَل في إيلول/سبتمبر 1988 وعدم انتخاب رئيس جديد للجمهورية أسفرا عن ظهور حكومتين تتنافسان عل الشرعية، الأولى برئاسة سليم الحص والثانية برئاسة الجنرال ميشال عون. وغرقَت البلاد في الحروب وأشكال عنف متجدَد خلال1989و1990، وخاصة ((حرب التحرير)) و((حرب الإلغاء))، سقط ضحيتَها 4300  قتيل وقدَرت خسائرها الفيزيائية ب630مليون دولار[14].

وخلال فترة المقاطعة والشلل وصل الوضع الاقتصادي الاجتماعي الى أوضاع شديدة الخطورة، فانهارت العملة ونضبت إيرادات الدولة وظهر وحش الغلاء بأبشع صوره. ولم تعد إيرادات الدولة من كل مصادرها تغطي أكثر من10 بالمئة من النفقات، مايعني وصول نسبة عجز الخزينة الى أكثر من 90 بالمئة من الإنفاق أحياناً. وبدون موازنة، كانت وزارة المالية تعمل بموجب اجراءات مؤقتة(القاعدة الاثني عشرية) من لحظة بداية المقاطعة في بداية 1986 وحتى آب/أغسطس 1990. وقضت الاجراءت بدفع رواتب الموظفيَن وأجراء الدولة[15]  وتسديد النفقات التقليدية والجارية وخاصة خدمة الدين ومجلس الإنماء والإعمار ومكتب الحبوب ومؤسسة كهرباء لبنان والبلديات والضمان الصحي، وسلفات ترميم المنازل وقروض للمؤسسات الاقتصادية. وكانت أوجه الإنفاق هذه غير منتجة بطبيعة الحال وشكَلت نسبة 89بالمئة من الإنفاق العام في حين تراجع الإنفاق الاستثماري الى أدنى درك منذ 50 عاماً. وفي أواخر الثمانينيات أصبح الإنفاق يساوي أكثر من 13 مرَة إيرادات الدولة الضرييبة. قبل الحرب كانت الضرائب والرسوم تشكل 40الى 50بالمئة من نفقات الدولة ولكن في الفترة 1985-1982 لم تعد هذه الضرائب والرسوم تشكل اكثر من 5 بالمئة من النفقات العامة. وكانت الفترة الأسوأ هي 1988-1986، حيث تراجعت مساهمة الضرائب والرسوم كنسبة من الإيرادات الى5بالمئة وكنسبة من النفقات الى أقلَ من نصف من واحد بالمئة عام[16]1988، وخصص حساباً لوزارة الاقتصاد لاستيراد الحبوب والمحروقات وحساباً آخر لوزراة التربية للإنفاق على المدارس الرسمية والجامعة اللبنانية. ورغم أنَ هذا الأسلوب كان حلاً عملياً يسمح للدولة بمواصلة الحد الأدنى من دورها في غياب مجلس الوزارء وغياب الموازنة، فإن الأمر الواقع أطلق أيدي الوزراء وكبار الإداريين للتصرَف بالأموال العامة على هواهم بدون رقابة برلمانية، وبدون التقيد بدفاتر الشروط وقواعد المحاسبة العامة. ولم يكن ممكناً معرفة الإيرادات العامة والنفقات بدقة، كما أنَ الإنفاق كان يتم عل أمور عشوائية بدون دراسة جدوى وتقييم اقتصادي، أو إذا كانت نفقات ضرورية. حتى أن بعض الوزارات أقدم على إنفاق المال لإنجاز أبنية جديدة للمكاتب وتجهيزها بالمفروشات والوسائل الحديثة بكلفة ملايين الدولارات.

وحصلت بعض المحاولات لتقليص الإنفاق عام1986بضغط من صندوق النقد الدولي ومن العقلاء في مصرف لبنان ورجال الدولة، فتراجعت مشتريات الدولة من الخارج الى النصف وانخفض الإنفاق العام. وواجهت الدولة استحقاقات مالية كبرى وقفت عاجزة أأأتثيبؤاباؤتتايايااأمامها.

 

مصرف لبنان وإدمون نعيم

عام 1987 تدوال أطراف الدولة موضوع استعمال احتيلطي الذهب لتدراك أوضاع المالية العامة. وكانت كميَة كبيرة من سبائك الذهب متواجدة في مخازن مصرف لبنان وخاصة قي الفرع الرئيسي في(( شارع مصرف لبنان)) في حي الحمرا غرب العاصمة. وكان حاكم المصرف إدمون نعيم يحرس هذا الاحتياطي شخصياً منذ عام 1985. كيف؟ كان نعيم لا يغادر المبنى وينام على كنبة في مكتبه ليلاً ليمارس عمله بشكل متواصل في ساعات النهار، تحيطه أكياس الرمل لحمايته من القصف[17].

أنَ عودة الثقة بالليرة وبعض الاستقرار ف يالمالية العامة قد يشجعان المستثمرين على العودة تدريجياً الى لبنان.

ولم يتغيَر موقف مصرف لبنان بأن أي كمية من المال بالعملة الصعبة يجب أن تدعم العملة الوطينة، وإلا فإن مصرف لبنان سيتجه الى خسارة احتياطي الذهب بعدما خسر احيتاطي العملات الصعبة عام1986. والنتيجة ستكون المزيد من الضغط عل الليرة. وطلب إدمون نعيم من الحكومة أنَ تلتقي وتصلح البيت أولاً وتلجم الإنفاق وتحضَر ميزانية بمصداقية. وبعد ذلك ستنفي الحاجة لاستعمال الذهب. واقتراح خطوات منها إنهاء صناديق الدعم ( المحروقات والحبوب) والتعاون بين أطراف الحكومة طالما أنَهم يمثلون الميليشيات وقوى الأمر الواقع لجمع الضرائب والرسوم لصالح الخزينة العامة.

أمام الواقع المرير في الثمانينات، لم يبق لمواجهة أزمة المالية العامة وحاجيات الإنفاق سوى المزيد من الأستدانة. ذلك أنَ حلولاً من نوع لجم الإنفاق على صناديق الدعم والضمان الاجتماعي وعدم دفع رواتب الموظفين، لم تكن ممكنة. أنَ مصرف لبنان كان يستهلك احتياطيه من العملات الأجنبية لتمويل مستوردات القطاع العام من الخارج وخدمة الدين العام بالعملات الصعبة.

ولبيع إصدرات الدين، كان على الدولة أنَ تخلق سوقاً أولياً في بيروت، فألزم مصرف لبنان المصارف التجاَرية أنَ تستثمر في سندات الخزينة. ولم ترض المصارف عن هذا الإجراء وحاولت مقاومة نمو سوق سندات الخزينة بالتمنَع عن توفير وسائل أو حَيز للتدوال الثانوي لتنشيط قيمة هذه السندات وشعرت المؤسسات المالية الخاصة أنَ هامش الحريَة في عملياتها قد تقلَص وأنَ انتشار سندات الخزينة بما تعرضه من فوائد مرتفعة جاء على حساب التوسَع في حساباتت الوادئع. وفي غياب الطلب القوي عل سندات الخزينة أوالتزام صلب للمؤسسات المالية لشراء هذه السندات، كان مصرف لبنان يشتري جزءاً هاماً من الإصدرات، ماساهم في سياسة نقدية تضخميَة والى تنقيد الدين الحكومي. فكلما نمت الكتلة المالية بالليرة كانت الثقة العامة تنحسر والناس تفضضل عدم اقتناءها.

في البدء، حاولت الدولة ضبط كلفة خدمة الدين بأن فرضت سقف العائد على السندات المستحقة خلال ثلاثة أشهر عند 19  بالمئة. ولكن في العام 1986، اضطرت الدولة الى زيادة العائد الى 35 بالمئة لجذب المستثمرين.وحتى  هذا العائد المرتفع لم يكن كافياً لأن مؤشر التضخم في عامي 1986و1987 كان هائلاً ولم يكن ممكناً التوصل الى عائد على السندات كافِ لجذب المستثمرين لشراء الدين العام  بالليرة اللبنانية. وفضَل المستثمرون إصدرات بالدولار وعملات أخرى لا تتأثر بالتضخم. وخلال أعوام المقاطعة (1988-1986) كان الدين العام يتضاعف كل عام وارتفعت قيمته الاسمية حوالى عشر مرَات من 54 مليار ل.ل. في نهاية 1985 الى 522 مليار ل.ل. في نهاية 1988. وكان تمويل هذا الدين من مصرف لبنان والمصارف التجارية العمل الأساسي في توسَع الكتلة النقدية ورفع معدَلات التضخم وانهيار العملة الوطنية.

خلال الفترة 1990-1986، اشترى مصرف لبنان 4و3 مليار دولار من سوق القطع، واستعمل 4و2 مليار دولار للتدَخل في السوق للدفاع عن الليرة و9و1 مليار دولار لمدفوعات القطاع العام الخارجية، توزَعت على الشكل التالي: 61 بالمئة لاستيراد المحروقات و15 بالمئة  لاستيراد القمح و10 بالمئة لدعم شركة كهرباء  لبنان و15بالمئة لاستيراد المحروقات و15 بالمئة غياب الدولة وانهيارها، كان أعضاء الحكومة المستقيلة لا يكترثون لأحكام قانون النقد والتسليف ولاستقلالية مصرف لبنان وعوافب تمويل عجز الخزينة عن طريق خلق النقد. إذ كان البعض يعتقد أن َ ((صوت يعلو فوق صوت المعركة)) وأنَ ظروف البلاد في زمن الحرب تفرض خضوع البنك المركزي كلياً لطلبات الدولة وقراراتها وتلبية كل طلبات الافترض. وكان تمويل الإنفاق العام يتم بشكل رئيسي عبرر تحويل ((أرباح)) وهمية يحققها مصرف لبنان من الفرق بين القيمة التاريخية لاحتياطيات المصرف من الذهب والعملات الأجنبية وبين قيمتها الجديدة في كل مرَة يعاد تقويمها ( مَرتين في الشهر وعندما وضع الميزانية السَنوية للمصرف) الى خزينة الدولة. ورغم تحذير حاكم مصرف لبنان لأنَ هذه السياسة هي كعلق المبرد الحديدي الذي سولد دماً مصدره الشخص الذي يلعق فيظنَ أنَه يتغذى. إذ كان تغيَر قمية الموجودات الاسمي سببه انهيار سعر صرف الليرة في سوق القطع أي دفترياً معنى له، فكان تجهور العملة الوطنية يرفع باستمرار من قيمة الاحتياطي بالعملة المحليَة وكأنها تسجَل ربحاً. والحقيقة أنَ العملية كانت خلق نقد تضخمي بدون قيمة اقتصادية حقيقية، ولا يختلف عن سلفات النبك  المركزي التي تتجنبها معظم دول العالم.

لقد حوَل مصرف لبنان إلى الخزينة هذه الأرباح طيلة السنوات العشر الأولى من الحرب ما مجموعه أكثر من 5و1 مليار دولار[18].

ولم يكن مصرف لبنان راضياَ عن السياسة، لا بل إن َ المجلس المركزي لمصرف لبنان أبلغ الحاكم ميشال الخوري بأنَ الأموال  التي تسحبها الدولة من المصرف تعتبر بمثابة  قرض من المصرف الى الدولة إذ إنها ليست  سوى أرباح دفتريةَ. وجرت في أوائل الثمانينات سلسة اجتماعات مع بعئة صندوق النقد الدولي  الذي انتقد بشَدة هذه التحويلات تحت اسم أرباح محققة. فكان ممثلو صندوق النقد يشطبون ((أرباح إعادة التقويم)) من الجدوال المقدمة من الجانب اللبناني ويعتبرونها  ديوناً للمصرف على الدولة وليست إيرادات الخزينة.

وبمجيء إدمون نعيم عام 1985 توقف مصرف لبنان عم تحويل ((أرباح)) إعادة التقويم الى الخزينة، رغم أنَ  قانون النقد والتسليف اعتبر الربح الدفتري ربحاً حقيقياً وقض بتحويل 80 بالمئة الى الخزينة. إذا كان المنطق صالحاً للستينات والسبعينات، أي في زمن السلم، لم يكن منطقياً مواصلة العمل بمفعوله في الأوضاع الكوارثية  في الثمانينات. وإيدَ موقف نعيم صندوق النقد الدولي والؤسسات الدولية وأصحاب الاختاصاص في لبنان فيما عارضه ووقف بمواجهته وزير المال آنذالك كميل شمعون الذي بدأ منذ آذار/ مارس 1985 يطالب مصرف لبنان بالدفع.

وفيما لم يتراجع نعيم عن موقفه، أصر شمعون لى لحق القانوني للدولة في تحويل الحَصة المتوجَبة للخزينة عن سنة 1984. ووصلت الأموار في أواسط 1985الى  محاولة وزارة المالية إلغاء قرارات المجلس المركزي لمصرف لبنان، بعدما فشل في سلسة مذكرات في ثني نعيم عن موقفه في تحويل  المال. وعرض نعيم  الأمر على رئيس الحكومية رشيد كرامي، في حين لجاَ شمعون الى وزارة العد لتقديم مطالعة حول الخلاف بين الدولة ومصرف لبنان. وكان رأي وزراة العدل  أنَ منطق حاكم مصرف لبنان سليم ولكَن الأمر يحتاج الى تغيير المادة 116 من قانون النقد والتسليف التي تجيز الحويل. والى أن يتم تعديل القانوَن، ترى وزارة العدل أنَ على مصرف لبنان تطبيق القانون وتحويل الأرباح.

ومجدداً رفض نعيم مطالعة وزراةة العدل لأنها استشارية غير إالزمية، مؤكداً أنَ قرار المجلس المركزي لمصرف لبنان في عدم تحويل الأرباح يبقى  سائداً. وانتهى الأمر بأن ربح إدمون نعيم المعركة وتوقفَ مصرف لبنان منذ1985 عن تحويل الأرباح الدفترية الى خزينة الدولة. كما تمَكن مصرف لبنان من فرض ضوابط وقيود على حدود استدانة الدولة منه على مسائل الإنفاق، وتوكيد أنَ مصرف لبنان ليس مال قارون وليس صندوقاً تستطيع الدولة أنَ تغرمنه ساعة تاء أي مبلغ  تشاء. وكان لجم المصرف لنفقات الدولة ممكناً بسبب انهيار هذه الأخيرة ومواصلة الصف مهامه كإحدى المؤسسات العامة التي بقيت في زمن الحرب ورغ توقفَ مصرف لبنان عن تحويل الأرباح، إلا أنهَ واصل تمويل عجز الخزينة، فمول 66بالمئة من العجز في الأعوام 1987 و1986 و1985 و1984، حتى أنَ هذا التمويل بلغ 78بالمئة عام 1987 [19].

أمَا في فترة الكموميتين((1990-1988. فلقد لجأ مصرف لبنان الى التعامل مع الجهيتن مكتفياً بتمويل الحاجات الضرورية للدولة والتاَكد من أنَ تسليفاته تساعد على تامين خدمات الدولة والسلع التي تستوردها، وانَ تعم الإنفاق الأخرى فأخضعها مصرف لبنان لموافقة الحكومتين وأنَ تكون ضرورية وملحَة. وعلى سبيل المثال، لم يوافق مصرف لبنان على منح  شركة كهرباء لبنان قرضاً بقيمة 44مليون دولار في 1989إلا بعدما تبلغ مرسومين من الحكوميتن يحملانَ النص نفسه ويجيزان القرض. وامتنع مصرف لبنان عن تمويل نفقات عسكرية للجيش النمقسم بين حكوميتن. واعتبر إدمون نعيم، وهو رجل قانون، أن حكومة ميشال عون قانونية وشرعية وحكومة سليم الحص شرعية، وأنَ مصرف لبنان يتعامل مع الحكوميتن المتنافستين دون تمييز.

كان إدمون نعيم  في وضع لا يحسد عليه، إذ لم ترض عنه أي من الحكوميتن. فرأى طرف حكومة الحص أنَ تمويل حكومة عون يؤخر توحيد البلاد وإنهاء حالة الحرب، فيما رأت حكومة عون أنَ رفض المصرف تزويد الجيش بالما اللازم هو انحياز ضد المنطقة  الشرقية وجيشها. كما أنَ حكومة عون كانت تودع الأموال العامة التي تحصَلها في مصارف خاصة ضمن منطقة سيطرتها. وأمسى لبنان حكماً بين حكوميتن، أو أكثر دقته ((حكومة اقتصادية)). فبات يقوم بمهام هي مسؤولية الدولة كالإشراف على عمليات الاستيراد الحكومية.

واكتسب إدمون نعيم مصداقية لدى الرأي العام كرجل شريف يدافع عن آخر معاقل الدولة اللبنانية ضد أمراء لحرب والفساد، محافظاً على احتياطي الذهب، معطلاً بدعة تحويل الأرباح، وحامياً ما تبقى من قيمته العملة الوطينة. وأكثر مالفت النظر في سلوك نعيم هوعدم مغادرته مبنى مصرف لبنان في حي الحمرا غرب العاصمة طيلة أربع سنوات من ولايته.فكان يدير من ((خندقه)) السياسة النقدية ةعمليات السوق المالي ومسائل الإنفاق العام[20]. وكان سلوكه ونمط معيشته ظاهرة فريدة جذبت كبريات الصحف العالمية التي أرسلت مبعوثين الى بيروت لدراسة هذه الظاهرة والكتابة عنها. وكان مبنى مصرف لبنان يقع وسط غابة من الفوضى والميليشيات حيث يحفظ في مستودعاته 60بالمئة من احتياطي الذهب. وجرت محاولة يتيمة عام 1986. عندما أرد مسؤول غي إحدى الميليشيات دخول المبنى برفقة مسحَلين، وردَ عند الباب. ولم تتكررَ هذه المحاولة إلا في عهد أوحكومة بعد الحرب.

ولكن ما إنَ حل السلام عام 1990، حتى خسر المصرف سلطاته الاستثنائية التي اكتسبها في زمن الحرب وطوقَه الواقع السياسي المستجدَ في لبنان. واستبدال إدمون نعيم في كانوت الثاني/ يناير 1991 ليحل محله ميشال الخوري كحاكم المصرف لبنان الذي اختلف عن نعيم، والذي سبق له أنَ استلم هذا المنصب (1984-1987).  فكان الخوري كتوماً يتبعد عن المواجهات في مطلع 2006فتذكر اللبنانيون صموده لمصلحة البلاد ومؤسسات الدولة في زمن الحرب.

وطيلة الثمانينات كان مصرف لبنان يواجه سيفاَ ذا حدَين. فكانت احتياطياته تدعم الإنفاق العام كسلفات مباشرة، ومن ناحية ثانية كان المصرف من كبار المستثمرين في سندات الخزينة من الإصدرات الأولية ما أوصل الى تنفيذ الدين العام. وربما أنَ الحكومة كان بمعظمه داخلياً وبالعملة اللبنانية تحملَت مسألة استيعابه المصارف المحلَية. وارتفع من 14.3ألف مليار ل.ل. عام 1985الى 15.6مليارل.ل. عام 1986. وبلغ الدين العام عام 1989ألف مليار ليرة (5و1 مليار دولار(  وعام 2500 1990مليار ل.ل. (5و3 مليار دولار). بعدما زاج الفرق بين الإنفاق والإيرادات من نسبة 56بالمئة عام 1983الى 82 بالمئة عام 1984الى90  بالمئة عام 1989 وعملياً كانت الدولة مفلسة بحلول عام 1990 بدون موازنة أو حكومة أو إيرادات ذات شأن.

  يتبع...

 

[1] Thomas hobbes, leviathan,London,penguin books,1985,p.186

[2] توماس هوبز فليسوف ولد في بريطانيا عام1588وتوفي عام1679. كتب أطروحة تدافع عن حق الدولة في استعمال القَوة ووسائل القمع ضد المواطينن لحفظ النظام العام وتطبيق  سلطة القانون، وذلك لتحاشي الحرب الأهلية (كتلك التي جرت في بريطانيا في فترة حياة هوبز). ويبدو أنَ الفقرة التالية من مؤلف هوبز ((ليفياثان))الذي وضعه في القرن السابع عشر تصلح للحالة اللبنانية في الثمانينات: ... في زمن الحرب يصبح كل رجل عدواً للرجل الأخر . وينجم عن ذلك الزمن أنَ الرجال يفقدون كل شعور بالأمان ماعدا مقدراتهم الشخصية على حماية أنفسهم، أو ما يجدونه من وسائل لذلك. في هذا الزمن لا مجال للصناعة  والاقتصاد والخلق، لأن مردود أي عمل اقتصادي لن يكون مؤكداً في جو من عدم اليقين، سينس  الناس الأحساس بعامل الوقت ولن يبدعوا في الفنون ولا في الآداب وستيلاشى المجتمع  ككتلة متعاونة. وأسوأ من كل هذا أنَ البشر سيعيشون في جو من الخوف المتواصل وخطر الموت بطرق عنيفة. فتصيح حياة الانسان وحيدة وفقيرة وبهيمية وقصيرة وكريهة)) (ص186من كتاب هوبز اصدار شركة بنغوين بالانكليزية).

[3] كريم بقرادوني، عهج الياس سركيس 1982-1976، بيروت،عبر الشرق للمنشورات،1984. (كان بقرادوني مستشاراً للرئيس سركيس).

[4] وزراة المالية، نفقات الحكومة 1985-1982.

[5] غسان العيَاش،ص122.

[6] قدم مصرف لبنان قرضاً بقيمة 98مليون دولار لشركة كهرباء لبنان لإجراء إصلاحيات في الشبكة الكهربائية (غسَان العيَاش ص89).

[7] حسب مرسوم 1917الصادر في 6 حزيران/ يونيو 1979.

[8] مرسوم 80/ل أيار1980.

[9] دراسة غالب أحمد، مدير مصفاة الزاهرني، نشرها ملحق النهار العربي والدولي الاقتصادي.

[10] لم يحدَد تماماً مصدر القصف، وقيل إنهَ قد يكون من مرابض مدفعية في ستاد المدنية الرياضية في غرب العاصمة.

[11] غسَان العيَاش، أزمة المالية العامة في لبنان ص35-34.

[12] غسَان العيَاش، المصدر تفسه،ص45.

[13] غسَان العيَاش،ص47.

[14] هدم 5000منزل وتصدع 2200منزل آخر وتدمير 620مصنعاً وتصدع 150مصنعاً آخر، وضرر جسيم بالنبية التحتية مثل شبكات الكرق والهاتف والكهرباء والمياه. وغسَان العيَاش،ص65.

[15] قدرت يعثة صندوق النقد الدولي عدد موظفي القطاع العام ب130ألفً كما قدرت نسبة الذين واظبوا فعلياً على العمل والدوام في السنوات الأخيرة للحرب ب15بالمئة من الموطفين.(غسَان العيَاشص85).

[16] غسًان العيَاش،ص61.

[17] وصفت مجلة the Bankerتجربة إدمون نعيم في عدد تمَوز/ يوليو1989.

[18] غسَان العيَاش،ص133.

[19] غسَان العيَاش،ص153.

[20] The banker in the bunker, International Inverstor, Washington, Decemer 1990:an oasis Of samity,forbers magazine,2 October1989:libeation:the Indrpendent:financial times: .etc:cited Ghassan Ayache,p.173

 

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19
« »
المصادر او الهوامش

معلومات النشر:

اعداد: العنكبوت الالكتروني

عنوان الكتاب: أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان

تأليف: كمال ديب

الناشر: دار النهار للنشر

تاريخ النشر: 01/02/2007

إشترك في خلاصة التعليقات عدد التعليقات: (1 منشور)

avatar
joe bloe
الثلاثاء, 10 كانون الثاني / يناير 2017, 07:45:PM
يسمح لنا الأخ وليد جنبلاط بالنسبية اذا أراد ان ينمو البلد ويتطور. جورج واشنطن وابراهام لينكلن كانوا اباء الحضارة الأميركية ولن نرى أحدا من احفادهم يتزعمون فئة في الحكومة الأميركية. نريد دم جديد يحكم البلد, ولا دور للآقطاعية. نرجو من الكل ان يفهموا ذلك. استفردوا بالبلد فامتصوا دماء شعبه. لا يجب ان يكون أي شخص فقير اذا كان يوجد إدارة حسنة للمال العام. فما ذنبهم؟ أخاف عليكم من كثرة ذكائكم.
المجموع: 1 | عرض: 1 - 1

إكتب تعليق

البريد الالكتروني يبقى سرّي و لا ينشر
  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

- التعليقات الواردة من القراء هي مسؤولية أصحابها ولا تعبر عن رأي إدارة الموقع بالضرورة
- تتم مراجعة تعليقاتكم قبل نشرها عن طريق إدارة الموقع

- (سياسة نشر التعليقات)

تابعونا

  1. دول خليجية تحذر رعاياها من السفر إلى لبنان (5.00)

  2. وفاة "ملكة الديسكو" دونا سمر عن 63 عاماً (5.00)

  3. معارض صيني ضرير بمطار بكين متوجهاً لنيويورك (5.00)

  4. الاكتئاب لدي المراهقين .. له إشارات يجب الانتباه لها (5.00)

  5. صحف العالم: أمريكا "تعاقب" باكستان بعدد سنوات سجن أفريدي (5.00)

  6. فيلم منتظر يكشف تفاصيل اغتيال بن لادن (5.00)

  7. أستراليا: التيار الوطني الحر في سيدني ينعي فقيده المفكر و المناضل والاعلامي المخضرم الأستاذ بطرس عنداري (5.00)

  8. الرحيل المفاجئ (5.00)