إعلانات Zone 4B

[CLOSE]

إعلانات Zone 3B

[CLOSE]
أحدث الأخبار:

إعلانات Zone 2B

[CLOSE]
الرئيسية | ثقافة | رفوف المكتبات | أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان (19 حلقة كاملة)

أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان (19 حلقة كاملة)

آخر تحديث:
image
الكاتب:
عدد المشاهدات: 33707
عدد التعليقات: (1)
قيّم هذا المقال/الخبر:
3.00
حجم الخط: A+ A-
نسخة صالحة للطباعة   نسخة نصية   أرسل إلى صديق

إعلانات Zone 6B

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19
« »

أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان - الفصل الثاني عشر: بشير الجميل وكمال جنبلاط وسائر أمراء الحرب

الفصل الثاني عشر

انهيار العملة الوطنية

في العام 1982، وقد مضى على حرب لبنان سبع سنوات[1]، ظنَ المراقبون أنَ الاقتصاد اللبناني سيصمد ( ألم تثبت المبادرة الفردية والابتكار اللبنانية فعالتيها في العثور على حلول وسط الفوضى؟ ألم تستمَر العملة الوطينة قويَة ومتنية رغم سنوات الحرب؟ ألم تفتح الشوارع ويعود النشاط بعد كل اعلان لوقف إطلاق النار؟). وكانت الآراء تشير الى أنَ لنبان كونَ مناعة ضدَ الحرب وإن بإمكانه التعايش مع الأحداث الى أنَ يعقل المتقاتلون ويصلوا الى السلام. وكانت الليرة اللبنانية رمزاً للتكليَف مع  الأحداث والقدرة عل المرونة واستعادة الحيويةَ إثر بلاءٍ ملمَ resilience, فكان الأمل في أن يستعيد لبنان ((عصره الذهبي)) فور صمت المدافع. ولكن بعد 1982. حتى رمزالأمل هذا انهارومعه رجاء الانتعاش السريع، كما كان يحدث بعد كل أزمة في لبنان في الخمسينيات والستينَات.

عدةَ عوامل تراكمت منذ1975وحتى 1982أدتَ الى انهيار العملة، ومنها الدمار الفيزيائي للاقتصاد (راجع الفصل التاسع) وهروب الرساميل والأدمغة والمهارات الى بلدان أخرى واستمرار أعمال العنف. أما الأسباب المباشرة لأنهيار العملة في الثمانينات فكانت المضاربة ضد الليرة وضعف مصرف لبنان، وزيادة الانفاق الحكومي التضخمي وتراجع الناتج القومي وهروب الرساميل وتقلص تحويلات اللبنانيين الى ذويهم، ومغادرة قيادة منظمة التحرير الفلسطينية بيروت ومعها أموالها السائلة من الجسم المصرفي اللبناني.

صعود وهبوط الليرة

عاشت الليرة مجدأً رفيعاً في الفترة الممتدة من 1949(عام تحرير سوق القطع)وحتى 1975،  وصمدت ال حدَ ما خلال سبع سنوات من الحرب ثم واجهت مصيراً قائماً في الثمانينات، فرض الانتداب الفرنسي عل لبنان وسوريا بعدالحرب العالمية الأولى عملة جديدة livreأوlibra (ليرة) لتحَل مكان العملة العثمانيةالزائلة. وقامت لجنة فرنسية بريطانية في ((بنك سورية ولبنان))الفرنسي الهوية بمهمة الإشراف على إصدارالنقد. ومن 1920لغاية1941 ارتبطت الليرة اللبنانية- السورية بالفرنك الفرنسي مدعومة بأصول محرَرة بالفرنك الفرنسي، كسندات خزينة من الدولة الفرنسية واحتياطي فرنكات واوراق مالية من شركات تجارية.وكانت مصارف مرسيليا وباريس تقبل شكيات محرَرة بالليرة اللبنانية في تلك الفترة. وكانت الليرة تجزأ الى100 قرش وتساوي عشرين فرنكاً فرنسية في سوق القطع في  تلك الفترة،(وهذا مايشرح تسمية فئة الخمسة قروش لبنانية معدنية ب((باللهجة الدارجة).

آذنت نهاية الانتداب بضرورة تفاهم سورية ولبنان على مصالحها المشتركة كالجمارك وأي نظام اقتضادي ومالي نقدي لمستقبل البلاد. ولم تنجح مفاوضات البلاين الإبقاء على سياسة عن  سورية وعن الفرنك واي عملة أخرى على أن يحدَد سعرها في سوق القطع ب405.512  ملغرام ذهباً سنتاً أميركياً وأصبح سعر صرف الدولار الأميركي في سوق قطع بيروت حوالى 19و2 ل.ل.

وفي خطوة لاحقة لمزيد من الاستقلالية في السياسة النقدية تولَت الخزينة اللبنانية إصدار العملة المعدنية. وكان إصدار العملة الورقية من ((مهام  بنك سورية ولبنان)) يغطَى بنسبة 50بالمئة بسندات إصدار دول أوربية و50 بالمئة عملات صعبة وذهب. ولكن وزراة المال اللبنانية. وبحلول 17أيَار/مايو1952، رفع لبنان ماتبقى من عوائق أمام سوق القطع الحَر وسمح بالحَرية المطلقة لنقل العملات والرساميل بأسعار السوق الجارية.

وفي غياب مصرف مركزي وطني، وبسبب الهامش الضَيق الذي كانت تتمتَع به الحكومة اللبنانية بوجود ((بنك سورية ولبنان)) واضطلاعه ببعض مهام النقد، كانت الليرة الوليدة تتعرضَ لتقلبات في سوق القطع. وكان الحَل المؤقت خلق ((صندوق تثبيت النقد)) برئاسة وزير المالية اللبنانية وعضوية ممثلين ل((بنك سورية ولبنان)) ومفوَضين اثنين من الحكومة اللبنانية. وعملت لجنة الصندوق كهيئة تدير احتياطي الذهب والعملات الأجنبية لحماية الليرة من التقلبات: وسمحت قوَة الليرة لهذا الصندوق أن يبني احتياطياً كبيراً من الدولارات الأميركية خلال الفترة1963-1949.

وبازياد حجم الرساميل الوافدة في تلك الفترة كان الصندوق يعمل على ضخ كميات متزايدة من الليرة اللبنانية في النظام النقدي. ورغم أنَ تبع نظاماً ليبرالياً مطلقاً في سوق القطع، إلا أنَ صندوق التثبيت حافظ على حيز 3.01 ل.ل.-3.21 ل.ل. تجاه الدولار الأميركي منذ الحرب الكورية عام 1953وحتى 1963. فكان يواجه سقوط الدولار في الأسواق العالمية بمزيد من ضخ الليرة وشراء فائض الدولارات.

منذ ولادته 1949، سلكت الليرة اللبنانية منحى تصاعدياً في حين كان الهبوط نادراً. لقد ارتفع الدولار الأميركي في سوق بيروت من3.26ل.ل.عام 1949الى 3.73ل.ل. عام 1951، ولكنَه هبط أثناء الحرب الكورية ثم استقَرعند3.15ل.ل. عام 1959و 3.01ل.ل.عام 1962، و3.07ل.ل. عام 21964. أدت حرب 1958في لبنان الى هروب الرساميل وتراجع الاستثمارات الأجنبية، ولكن الليرة استطاعت المحافظة على استقراها. ففي الفترة1963-1958 حصل لبنان على مبلغ12.5مليون دولار كمساعدات سنوية من الولايات المتحدة كما أنَ انفجار أزمات سياسية وثورات وانقلابات في المحيط العربي جعل سوق بيروت ملجاَ آمناً  نسبياً، اضافة الى أنَ صندوق التثبيت تدخَل مراراً في هذه الفترة حيث اضطَر هذه المَرة الى ضخ الدولارات في سوق بيروت ليحافظ على هامش 3.01ل.ل.-3.10ل.ل. للدولار وهو المستوى الذي استقَر عليه في نهاية 1963. ولكن بعج العام 1963(راجع الفصل الثامن) وسط ارتفاع أسعار الفائدة العالمية وهجرة الرساميل العربية من بيروت الى المصارف في أوروبا وأميركا، لم تكن المحافظة على حَيز منارة في العملة أمراً سهلاً بل تحقَق بتكلفة عالية وبضخ متواصل لاحتياطي الدولار في سوق قطع بيروت ماجعل الدولة اللبنانية تخسر كل ماجمعته من احتياطي دولارات في الخمسينات.

في الفترة 1967-1963لم تعد بيروت تجذب الرساميل كما في السابق إذ ارتفعت أسعار الفائدة في أوروبا والولايات المتحدة واليابان وكانت عل سبيل المثال6بالمئة في طوكيو مقارنة ب2 بالمئة في بيروت. وتقلَص عرض الدولار في بيروت وعانى ميزان المدفوعات اللبنانية من صعوبات. وبعد تقلبات استراتجية في السوق عامي 1964و1963 غيَرت السلطات النقدية سعر الصرف الرسمي من 2.19ل.ل.(المتبع منذ عامي (1949الى 3.08ل.ل. للدولار ابتداءً من أول كانون الثاني/ يناير1965. ونصح خبراء النقد الحكومة بالسعي الى استقرار السوق عبر رفع أسعار الفائدة بالليرة اللبنانية واصدار سندات خزينة قصيرة الأمد بالليرة أيضاً ومقاومة أي اتجاه الى تخفيض قيمة العملة الوطنية عبر زيادة السيولة. وفي نفس الوقت وبظهور مصرف لبنان على الساحة، قَررت الحكومة وقف العمل بصندوق تثبيت العملة وتدخلاته المتكَرَرة وإنهاء سياسة تثبيت العملة. وانتهى دور بنك سورية ولبنان. وهكذا تحررَ السوق من التدخلات المتكرَرة واتخذت الليرة حركة مستقلة.

في السنوات التي تلت أزمة إنترا وحتى العام 1971، ارتفع سعر الدولار الأميركي في بيروت من 3.08ل.ل. الى 3.22ل.ل.ولكن الأحداث التي قلبت المنحى لصالح الليرة فبدأ الدولار بالهبوط إذ أصيب النظام النقدي العالمي بأزمة في أوائل السبعينات ما سمح لليرة بتعزيز موقعها. ففي شباط/ فبراير 1972، ارتفع سعر أونصة الذهب من35دولاراً أميركياً الى 37دولاراً في الأسواق العالمية فكانت ردَة الفعل في بيروت هي تعديل سعر صرف الليرة تجاه الدولار بموجب وزن الذهب الذي حدَد عام1949، والذي تم تكييفه مع سعر الذهب مجدداً في بداية 1965 [2] ولئن هبطت قيمة الدولار بالذهب من 886.71ملغ الى851.30ملغ في شباط/ فبراير1972، ارتفعت الليرة بنفس النسبة. ولم يكن هذا التعديل نهاية المطاف.

إذ ارتفع سعر الذهب مجدداً في أيَار/ مايو1972 الى 42.22 دولاراً للأونصة ماخفَض سعر الدولار الى 737.67ملليغراماً من الذهب. وبتردَد واضح، تدخل مصرف لبنان مَرة أخرى وعدَل سعر صرف الليرة نحو الأعلى نسبة الى دولار ولم يتأخر ردَ فعل الإدارة الأميركية طويلاً عن تطَورات السوق العالمية، إذ في 15آب/أغسطس1972، أعلن ريتشارد نيكسون رئيس الولايات المتحدة أنَ بلاده قَررت وقف العمل بموجب معيار الذهب وهو معيار العالمي حتى ذلك الوقت.أدى هذا القرار الى تداعيات خلقت اصطفافات وتكيَفات في أسعار سائر العملات الرئيسية في العالم. وأمام هذا الواقع، لم يعد ينفع أي تدخَل من مصرف لبنان لوقف تدهور الدولار الأميركي في سوق بيروت منذ25عاماً.

ولم يكن التخلي عن مَعيارالذهب السبب الوحيد لقَوة الليرة، إذ إن الحرب العربية الإسرائيلية الرابعة في تشرين الأول/أكتوبر 1973 ومضاعفة أسعار النفط أربع مَرات خلال 11 شهراً ترجمت بالنسبة للبنان بدخول كميات كبيرة من الأموال الى بيروت من دول النفط العربية، أضف الى ذلك النمو المطرد والحركة النشطة في الاقتصاد اللبناني في أوائل السبعينات. لقد خلق المال العربي طلباً هائلاُ على قطاعات اللبنانية من مصارف وسياحة ومستشفيات ومؤسسات تربوية وارتفعت أسعار العقارات بنسب خيالية، في حين جلبت هجمة السَياح الأوربيين والعرب الى روبوع لبنان المزيد من الدخل للبلاد ودعمت ميزان المدفوعات وقوَت الليرة اللبنانية.

في هذه البيئة باتت الليرة اللبنانية عملة مقبولة للمدفوعات عل المستوى الدولي ونذيراً ايجابياً على نهوض سوق مالي هام في بيروت. في العام1972، اكتتب15 مصرفاً محلياً في بيروت على إصدار سندات للدولة الهندية المركزي) state bank of India) بقيمة 15مليون ل.ل. مافتح الباب لإصدرات سيادية أخرى محتملة بالعملة اللبنانية. وعام1973، اكتتب 33مصرفاً محلياً على إصدار سندات للبنك الدولي بقيمة75مليون ل.ل. في حين اكتتب عشرة مصارف محليَة على إصدار من شركة رينو الفرنسية للسيارات بقيمة 50مليون ل.ل.، كما أصدرت الحكومة الجزائرية في سوق بيروت سندات بقيمة50 مليون ل.ل. عام1974. وكانت التحضيرات قائمة عام1974لعدد كبير من الاكتتابات لدول عربية وأفريقية وآسيوية وشركات عالمية.

 

الليرة وحرب السنتين

وكأن لبنان يستعد للحرب ويموًن ليومه الأسود، فقد كانت صحَة الاقصاد والاحتياطيات الضخمة من الذهب والعملات الصعبة أفضل ضمان أعطى قادعة صلبة للعملة الوطنية ساعدتها على اجتياز سبع سنوات من الحرب ابتداءً من العام1975:

-ولكن تداعيات حرب السنتين لم تكن طفيفة بالنسبة لليرة.إذ هبطت قيمتها تجاه الدولار بدرجة كبيرة من 2.20ل.ل. في شباط/فبراير1975الى 2.19ل.ل. في كانون الأول/ديسمبر1976.

-وبعد سنة من الهدوء النسبي، تواصلت الحرب عام 1978واستمرت حال الركود الاقتصادي وغابت إعادة إعمار ما هدَمته حرب السنتين، فوصل الدولار في سوق بيروت الى3.44ل.ل. وبعد العام1980،خابت آمال المستثمرين العرب والأجانب بعودة سلسة التدهورات الكبرى نسبياً. إذ فيما استغرق ارتفاع الدولار بنسبة53 قرشاً خلال 4سنوات(من1976الى1980)، ارتفع بنسبة 93 قرشاً خلال أشهر قليلة(من3.44ل.ل.في 1980الى 4.31ل.ل.في1981).

-وعشيَة الغزو الإسرائيلي في حزيران/يونيو1982، كان سعر صرف الدولار في سوق بيروت حوالي 4.73 ل.ل. ولكن عودة السلام وتدخَل القوات المتعدَدة (الولايات المتحدة، فرنسا، إيطاليا،وفرنسا) في لبنان وخروج القوات الإسرائيلية من بيروت، دفعت الدولار إلى التراجع إلى 3.80 ل.ل. في نهاية1982  ثم إلى التقدَم إلى 4.53 ل.ل. في ربيع 1983.

- وهكذا خسرت الليرة اللبنانية 50 بالمئة من قوَتها تجاه الدولار في الفترة من  1974  إلى 1983، حيث انخفضت من 44 سنتاً أميركياً عام 1974  إلى 34  سنتاً عام 1976  ف29 سنتاً عام 1980 و22  سنتاً عام 1983 .

 كانت هذه الانحدارات طفيفة مقارنة بالذي سيصل بعد 1983. إذ في السنوات السبع الأولى تكيَف لبنان مع الحرب وأثبتت الليرة متانتها محتفظة ببعض الوهج الدي حققته في بداية السبعينات. الكارثة الكبرى وقعت في منتصف الثمانينات ((حيث ارتفع سعر صرف الدولار الأميركي في بيروت من  3.81 ل.ل. بنهاية 1982 إلى 18.10  ل.ل. بنهاية  1985

وأصبحت الليرة هدفاً للمضاربة اليومية في سوق القطع التي سادتها الفوضى وشهدت اضطراباً وتقلبَات حادَة. وعلى رغم التدخَل شبه اليومي من مصرف لبنان في سوق القطع لمنع الهبوط السريع في قيمة العملة الوطنية فقد انخفضت الليرة بنسبة 30.5 بالمئة سنة 1983  و 38.5 بالمئة سنة 1984 و50.7 بالمئة سنة 1985))[3].

 

الانهيار الكبير لليرة

بدءاً من العام 1984، أخذ الدولار منحىً تصاعدياً غير مسبوق فاجأ البلاد و عجَل بتجربة تضخم أسعار لا عهدة للبنانين بها منذ الاستقلال. أما  سنوات الخمسينات و الستينات، يوم كانت السلطات النقدية تشكو من الانخفاض السريع للدولار، فقد غدت ذكرى بعيدة. في الثمانينات أصبحت مقدرة مصرف لبنان في التأثير على سلوك سوق القطع محدودة جداً ولم يعد لاعباً رئيسيَاً بامكانه منع الهبوط غير المعوَق لليرة. فكان الدولار منذ 1985 وحتى 1992، يخرق رقماً قياسياً جديداً كل شهر أو بضعة أشهر تقريباً. فقفز إلى 6.51 ل.ل. في أوائل 1985 و18 ل.ل. في آخر 1985 و28 ل.ل. في شباط/فبراير 1986. واعتبر مصرف لبنان أنَ سعر شباط/فبراير غير صحي بالنسبة للعملة الوطنية، فتدخل بقوَة. وخلال أسبوع واحد بلغ حجم تدخَل مصرف لبنان 500 مليون دولار (وهو مبلغ ضخم بمقاييس لبنان)، وتمكَن من ولجم سعر الدولار فتراجع الى19ل.ل. وظنَت حاكمية المصرف أنَ هذا التدخل الذي أفقدها كمية كبيرة من الاحتياطي سيعيد الثقة بالليرة فأعلن حاكم المصرف إدمون نعيم أنَه سيحافظ على هامش 19ل.ل.خلال الستة أشهر القادمة. وكانت الصدمة أنَ السوق امتصَى التدَخل الهائل خلال ثلاثة أسابيع ليعود سلوك الدولار الى نفس الوتيرة السابقة. ففي نيسان/أبريل عاد الدولار الى التدوال في هامش 24ل.ل.-30 ل.ل. شاطباً أي وقع للمبلغ الذي رماه المصرف في السوق في شباط/ فبراير من نفس العام. وشاء حاكم المصرف أنَ يتدخل مجدداً بقوَة مَرة أخرى فنصحه الخبراء بأن لا يفعل، لأنَ أي تراجع جديد في حجم الاحتياطيات لدى المصرف سيضع نهاية لأي محاولة تدخَل ولوصغيرة في المستقبل.وفي نهاية السنة،وصلت قيمة الدولار في سوق بيروت الى87ل.ل.،مقارنة ب18ل.ل. في نهاية 1985، مايعني هبوطاً بقيمة 380بالمئة خلال عام واحد.

القفزات الخطيرة في سعر الدولار في سوق بيروت مقارنة بالعملة الوطنية بدأت عام 1987، إذ في حزيران/يونيو1987، بدأ سوق القطع يشهد قفزات يوميَة في سعر الدولار وصلت الى مستوى هستيري في تشرين الأول/ أكتوبر من نفس العام. يوم الخميس أول تشرين الأول/أكتوبر1987، افتتح سعر الدولار في سوق القطع في بيروت عند287.25 ل.ل.واستقَرعلى هذا السعر حتى العاشر منه عندما قفز في يوم واحد الى300ل.ل.-350ل.ل. وأعقب هذا التطَورظاهرة دومينو المضاربة bandwagon effect حيث جنَ جنون لاعبي السوق فبدأ سعر الدولار يقفز بقيمة عشرة أيَام تواصلت المضاربة يوم الاثنين26تشرين الأول /أكتوبر. حيث تسارعت الوتيرة السابقة وبات سعر الدولار يقفز عشرة أو عشرين ليرة عدَة مرات في اليوم، فوصل الى 475ل.ل. يوم الاثنين،و530ل.ل. يوم الثلاثاء و600ل.ل.-700ل.ل. يوم الأربعاء(مع إقفال رسمي هو655ل.ل.). وتراجع الدولار يوم الخميس 29تشرين الأول /أكتوبر ليقفل على 580ل.ل.،ثم انخفض مجدداً يوم الجمعة على اقفال 500ل.ل.فكان حجم ارتفاع قيمة الدولار في شهر واحد 211.50ل.ل.[4] .وهكذا يكون الدولار الأميركي قد ارتفع خلال العام 1985من 87ل.ل.الى455ل.ل.،وفقدت الليرة في سنة واحدة 80 بالمئة من قيمتها تجاه الدولار.

وعز المحلَلون هذا التدهور الكبير خلال أسابيع الى المضاربة وفقدان الثقة العامة بالعملة الوطنية وانصراف العموم الى عملات أخرى أكثر استقراراً.كما أنَ انهيار القطاعات الاقتصادية  المنتجة المستمَربسبب الحرب قد أضعف العملة كما أضعف معظم مؤشرات الاقتصاد.

ويحتسب غسَان العيَاش أنَ الدولار الأميركي ارتفع مَرة من 1982الى1992مسجلاً نسبة ارتفاع بلغت 85بالمئة سنوياً وخسرت الليرة 99.8بالمئة من قيمتها ولم تعد تساوي عام1992إلا0.2بالمئة مما كانت عليه عام [5]1982.

 

المضاربة ضد الليرة

بنيَت دراسة عن دائرة النقد والمصارف في جامعة بيروت الأميركية، وبعيداً عن العوامل الاقتصادية، أن المضاربة اللامسؤولة ضد الليرة اللبنانية ساهمت بنسبة 40بالمئة من تدهورها[6]. وبسبب عجز البنك المركزي عن التدخل بقَوة كما فعل في بداية الأزمة، فلقد تركت العملة تحت رحمة المضاربين الذين دفعوها الى هوة سحيقة.عندما بدأت الليرة تسجَل انهيارت متتالية منذ عام 1985، أصبحت المسألة لعبة مقامرة للمواطينن والمصارف وأكشاك الصيرفة على السواء. ورغم أنَ المضاربة في سوق القطع كانت هواية وطنية في السبعينات، تعاظم هذا النشاط المؤذي في الثمانينات وخاصة بعدما استعادت المصارف التجارية والمؤسسات المالية بعض الحريَة الفوضوية التي افتقدتها في الأعوام1977-1967 . وأصبحت المضاربة ضد الليرة اللبنانية وسلية لتحقيق الأرباح السريعة بطرق غير مشروعة أساءت الى العملة الوطنية ودفعتها الى المزيد من الانهيار على أساس أنَ المضاربة هي نوع من ((الاستثمار)) )حلَ محل التسليف للقطاعات الإنتاجية.

كانت المضاربات والمدولات الضخمة تحصل في السوق المالي حيث لعب الدور الرئيسي مصرف لبنان المركزي والمصارف التجارية وأفراد أثرياء ومنظمات وشركات. ورأى المواطنون تدهور ليرتهم في ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية والخدمات. في العام1980، بيع كيلو الموز على عربات الباعة في شوارع بيروت بليرة واحدة، ارتفع الى100ليرة عام 1985والى ألف ليرة عام1989. وفيما كانت الليرة اللبنانية في الماضي تساوي 54فرنكاً فرنسياً أصبح المرء يحتاج الى9000ل.ل.عام 1991لشراء 54فرنكاً.

 

دولرة الاقتصاد

وبعدما كانت مسألة دولرة الاقتصاد خطراً داهماً أصبحت واقعة في الثمانينات، فقد تواصل الطلب الشديد على العملات الأجنبية عكسته نسبة الوادئع في المؤسسات المالية بالعملات الأجنية والتي ارتفعت من 28بالمئة عام 1984الى36بالمئة عام1985ف72بالمئة نهاية 1986و86بالمئة في تموز/يوليو1987. ولم تعدالودائع بالعملات الأجنبية ولم يسمح لمصرف لبنان بالتدخل لوضع سقف لهذه الودائع. كما أنَ تغيير القانون لمساعدة مصرف لبنان على مواحهة هذا الوضع الصعب لم يكن ممكناً لأتَ الحكومة كانت مشلولة تماماً في تلك الفترة، عدا أنَ الوزراء في الثمانينات كانوا أمراء حرب يقودون ميليشياتهم الخاصة.

آدت هذه الأجواء الى زيادة التنقيدmonetization في الاقتصاد حيث إن التوسع في التسليف زاد الكتلة النقدية وصولاً الى تضخم رهيب في الأسعار. فعدا الفاكهة والخضار المنتجة محلباً، كانت معظم السلع الأخرى كالملابس والآدوات الكهربائية والمجوهرات والسيارات وغيرها مسعَرة بالدولار الأميركي الى درجة أنه أصبح من المستحيل على المواطن العادي أنَ يقوم بمشتريات اليومية بالعملة الوطنية التي هبطت الى الحضيض. ففي أواسط الثمانينات أصبحت نسبة 75بالمئة من البضائع الاستهلاكية والانتاجية مستوردة ومجفوع ثمنها بالعملة الصعبة.

ومن علائم تلك الفترة ندرة أو فقدان أوراق العملة من القيمة الضيئلة، حيث أصبحت كلفة إعادة طبع فئة ال75ليرات أعلى من قيمتها الاسمية. كما أنَ إصدار فئة 250ل.ل. بحجمها الكبير لم يحسَن سهولة التدوال إذ لم يكن تساوي أكثر من50سنتاً أميركياً، وكان من الأفضل دوماً استعمال العملة الأميركية في التبادل التجاري[7]. ولم يقتصر استعمال الدولار على البنكنوت في الحياة اليومية بل عمَ سائر أشكال التعامل التجاري والمالي بسبب فقدان الليرة مقامها كحافظة للقيمة ومقياس لتحديدها. فأصبح كل شيء يسَعر بالدولار الأميركي كالسلع والخدمات والعقارات،في حين بقيت الرواتب والأجور تحدَد بالليرة ولا تصحح إلا مَرة كل بضعة شهور.

كما أصابت الدولرة الودائع المصرفية لحماية قيمتها من التدهور وكذلك التسليفات. وإذ كانت نسبة الودائع بالعملات الصعبة لا تزيد عن16.8بالمئة عام1964من إجمالي الودائع في القطاع المصرفي في لبنان،زادت بعد أزمة إنترا واستقَرت عند 23بالمئة من مجموع الوادئع عام 1974. وفي نهاية عام 1982، كانت نسبة هذه الودائع 27 بالمئة وارتفعت بحدَة إلى 71 بالمئة في نهاية 1986، وحد أقصى هو 92 بالمئة عام 1987،فلم يبق من ودائع في القطاع المصرفي بالعملة اللبنانبة أكثر من 8 بالمئة من مجمل الودائع. وحتى بعد سنتين من نهاية الحرب بقيت نسبة الودائع بالعملات الأجنبية مرتفعة حيث بلغت 68 بالمئة من مجموع الودائع[8].

وترافقت دولرة الاقتصاد اللبناني مع هجرة كثيفة للوادئع من القطاع المصرفي اللبناني إلى المصارف الأجنبية. وفيما قدَرت الأموال النقدية للبنانين بحوالي 10 مليارات دولار أميركي في تلك الفترة، كان منها 7 مليارات مودعة في الخارج. وأدَت سياسية مصرف لبنان برفع معدلات الفوائد على سندات الخزينة اللبنانية لامتصاص السيولة ولجم التسليف بالليرة لوقف المضاربة المحليَة إلى تراجع التسليف بالعملة الوطنية لصالح التسليف بالدولار وبالعملات الأخرى.

كما أنَ المصارف التجارية لم تعد تمتلك هامش تسليف يذكر بالعملة اللبنانية بعدما ألزمها البنك المركزي بالاكتتاب بسندات الخزينة بنسبة 63 بالمئة من ودائعها بالليرة اللبنانية اضافة إلى الاحتياطي الإلزامي المحدد بنسبة 10 بالمئة من الودائع، فأصبحت السيولة الممكن تسليفها لا تتجاوز 27 بالمئة من الودائع المصرفية بالليرة اللبنانية. وطالما أنَ الودائع بالليرة اللبنانية لم تشكل إلإَ نسبة ضئيلة مقارنة بوادئع العملات الأجنبية فإنَ التسليف بالليرة كاد لا يذكر.

فبلغت نسبة تسليفات المصارف التجارية إلى زبائنها بالعملات الأجنبية 82 بالمئة من مجموع التسليفات في نهاية عام 1989 و إلى 93.2 بالمئة في أيلول/ سبتمبر1992 كانت هذه الدولرة تطوَراً منطقياً لذوبان الثروة بالعملة الوطنية. إذ قدَرت دراسة لحساب مصرف لبنان أنَ العائلة اللبنانية التي أودعت في المصرف سنة 1982 مبلغ 100 ليرة استردَت سنة 1987 مبلغاً يتضمن الأصل والفائدة ولكن قيمته الحقيقية لم تزد عن 3.10 ل.ل.[9]

 

وحش الغلاء وتدهور الأجور

بما انَ الاستهلاك اعتمد على الاستيراد بالدرجة الأولى وليس على الإنتاج المحلي، أدَى انخفاض سعر صرف الليرة إلى ارتفاع كبير في الأسعار وإلى تدني القيمة الحقيقية للأجور حيث انخفض الحد الأدنى للأجور من 243 دولاراً عام 1982  إلى  81 دولاراً عام 1985، رغم تصحيح الأجور أربع مرَات خلال هذه الفترة[10].

لقد اتخذ مؤشر التضخم منحى تصاعدياً منذ بداية الحرب عام 1975. ففي أي محاولات لضبط التضخم، ومع انهيار الوضع عام 1975، تسارع مؤشر الأسعار في المرحلة الممتدة من 1976 إلى 1982 بنسبة  19بالمئة سنوبَاً. ولكن هذه النسبة كانت متواضعة مقارنة بمرحلة الثمانينات: ففي العام 1983، ومع تزايد الأمل بتحقيق السلام تراجعت نسبة التضخم إلى 7 بالمئة، ولكن مع تدخور الأوضاع السياسية والاقتصادية ارتفعت إلى 18 بالمئة عام 1984 و64 بالمئة عام 1985  و 104 بالمئة عام 1986. فكانت أسعار السلع ترتفع بوتيرة مضاعفة عن وتيرة تصحيح الأجور خاصة بعد الانهيار الكبير لليرة اللبنانية. وواصل التضخم منحاه التصاعدي فارتفعت الأسعار 487 بالمئة عام 1987 و154 عام 1988 و70 بالمئة عام 1989 و 63 بالمئة عام 1990 11، خاصة بعد سياسات التقشف المالي التي مارستها الدولة، وبعد انتهاج السياسة النقدية المتشددة لمصرف لبنان. وفي المؤشرات الجزئية يذكر لبكي وأبورجيلي أنَ مؤشر المواد الغذائية ارتفع 420 بالمئة عام 1990 وهذه السلة شكلت منفردة 80بالمئة من استهلاك عائلات ذوي الدخل المحدود للسلع والخدمات في تلك الفترة[11].

لقد أدَى تصاعد عجز خزينة الدولة وتمويله من الجهاز المصرفي (وليس من المصادر التقليدية التي تعكس الاقتصادي من ضرائب ورسوم، الخ) إلى خلق النقد وإلى توسَع غير مسبوق في حجم السيولة، حيث زادت الكتلة النقدية بالليرة اللبنانية (استناداً إلى تقارير مصرف لبنان الدورية) من 37 مليار سنة 1982، إلى 119 مليار ل.ل. عام 1985 و 324 مليار ل.ل. عام 1992. فنمت الكتلة النقدية بين 1982و 1988 بمعدَل 200 بالمئة سنويَاً تقريباً.

وفي سنة 1987 وحدها بلغت نسبة هذا النمو 251 بالمئة، أمَا إذا أضيف كتلة النقد بالعملة الصعبة فيكون نمو الكتلة النقدية الاجمالي عام 1987  يساوي 355بالمئة.

الدخل الفردي: عكس تدهور الأجور ومستوى المعيشة في عقد الثمانينات الانهيار العظيم في الناتج المحلي الفائت في لبنان الذي أعاده البلاد عقوداً ألى الوراء. وقد فام صندوق النقد الدولي ومؤسسات حكومية وأكاديمية باحتساب الناتج الفائت (أو المعدوم) بأسعار 1974 الثابتة (أي بحسم مؤشر التضخم) فتبيَن أن الناتج المحلي الحقيقي الذي بلغ 8 مليارات ل.ل.

عام 1974، هبط إلى 3 مليارات عام 1976 وتحسَن إلى 5مليارات في كل عام من 1977 إلى 1981. ثم هبط مجدَداً إلى 3مليارات عام الغزو الإسرائيلي وعاد إلى التحسَن في الثمانينات فبلغ  6.9 مليار عام 1985و 6.4 مليار عام 1986 و 7.5 مليار عام 1987. ولكنَه تدهور بشكل دراماتيكي إلى 5.4 مليار عام 1988  و 3.1 مليار عام 1989، وإلى تخفيض عام 1990 بناتج محلي يساوي 2.7 مليار وهو أقلَ مستوى في الفترة 1975-1990.[12]

بالمقارنة احتسبت دراسة صندوق النقد سيناريوهات الناتج المحلي لو لم تقع الحرب عام 1975. وباستمرار نفس عوامل النمو ونسبته التي سبقت القتال (استعمال فرضيات نمو سنوي ب 6 بالمئة خلال الأعوام 1975-1990 وهو المعدَل الوسطي المحقق في الفترة 1964 – 1974) ونسبة تضخم 4 بالمئة (وكذلك سيناريوهات أقل تفاؤلاً مع نسب نمو وسطي وهي 4 بالمئة و 2بالمئة). أظهرت هذه العملية الحسابية نمواً مطَرداً (بنسبة 6بالمئة) في الناتج المحلي من 8 مليارات ل.ل. عام 1974 إلى 11.6 مليار عام 1980و 15.6 ملياراً عام 1985 و 21 ملياراً عام 1990.

وعلى هذه الفرضيات يمكن احتساب معدل الدخل الفردي السنوي المتوقَع عام 1990، آخر سنة في الحرب ب 6600 ل.ل. بأسعار 1974 الثابتة مقارنة ب 2700 ل.ل. عام 1974، ولكن في الحقيقة فإنَ الناتج المحلي عام 1990 (بأسعار 1974الثابتة) لم يزد عن 13 بالمئة من الدخل المحتمل عام 1990 (وتحت سيناريو غياب الحرب) وعن 33 بالمئة عن التدخل المحقق عام 1974.

الحَد الأدنى للأجور: لقد انخفض الحد الأدنى الشهرية للأجور من82دولاراً عام1985 الى 29 دولااً عام 1986 وهو دخل لم يكف لسَد حتلا جزء من الحاجيات الضرورية للعلائلات فحاول الأجراء التعايش مع وحش الغلاء. ففي عام 1986، ارتفعت  الأجور بمعدلات 80بالمئة و100بالمئة[13]. وزيد الحد الأدنى بنسبة 34.3 بالمئة في بداية السنة و97.6 بالمئة في شهر تموز/يوليو. ولكن هذه الزيادات لم تكن كافية للتعويض عن الخسارة العارمة في المقدرة الشرائية واستمرار تدنَي الأدنى للأجور الحقيقية مقارنة للدزلار، الى أنَ بلغ 19دولاراً خلال 1987. لقد كان الحد الأدنى في لبنان 145دولاراً شهرياً عشية اندلاع الحرب عام1975 تراجع الى19 عام 1987، أي يهبوط مقداره 80بالمئة. ولدى انتهاء الحرب عام 1990، دولار عام 1990و 120دولاراً عام 1991و 200دولار في أواخر  التسعينات.

ويشير سمير مقدسي الى منحى آخر وضعته دراسة صندوق النقد الدولي عام [14]1999، هو ((الأرقام القياسية للأجور الحقيقية ومتوسط إنتاجية اليد العاملة)). ويظهر أنَ أجر الحد الأدنى الحقيقي عام 1990 كان يساوي 22 بالمئة من الحد الأدنى عام 1974، وأنَ الأجر الوسطي عام 1990 كان يساوي 13بالمئة من أحر الحد الأدنى عام 1977.

كان وقع التضخمم عارماً على الأجراء الذين شهدوا رواتبهم تتبخَر وتتقَلص قيمتها الفعلية وسط جنون الأسعار الذي غطى كافة السلع والخدمات، ولم يستطيع الأجراء أنَ يحسنوا ظروفهم رغم زيادات الأجور لأنَ السوق كان يراقب هذه الزيادات ويعكسها فوراً ارتفاعاً في أسعار السلع والخدمات.فكانت المؤسسات التجارية ترفع أسعار السلع والخدمات كعمل روتيني بعد كل زيادة أجور أو تدهور في سعر العملة الوطنية طالما أن معظم السلع كانت مسعَرة بالدولار على أي حال. فكانت الزيادات في الأجور حبراً على ورق لم تترجم مطلقاً الى تحسَن معيشي بل كان مفعولها تضخمياً يساهم في تكبير الكتلة النقدية. ومن محاولات الأجراء وذوي الدخل المحدود مواجهة السوق ووحش الغلاء، أنهم كانوا يقلبون رواتبهم الى دولارات فور قبضها توقعاً لانهيار جديدة في الليرة، ولكن هذا العمل كان يصب أيضاً ويساهم في رفض الليرة والهروب الى عملة آمنة.

ولمواجهة احتمال لجوء الدولة ومصرف لبنان والهيئات الاقتصادية الى مقاومة زيادة الأجور على أساس أنَها كانت مصدراً للتضخم وزيادة الكتلة النقدية، قام الاتحاد العمالي العام بحملة للدفاع  عن أجور العمَال المشروعة. وعقد الاتحاد مقارنة بين ارتفاع سعر الدولار خلال فترة كانون الأول/ ديسمبر1986- آذار/مارس1987 من 55ل.ل. الى 106ل.ل. وارتفاع مؤشر الأسعار بنسبة 50  بالمئة في نفس الفترة، في حين لم ترتفع الأجور بنفس الأجورنسبة التضخم ففي الفترة نيسان/ أبريل1986 –آذار/ مارس 1987، ارتفعت الأجور بنسبة 307.5بالمئة في حين ارتفع مؤشر الأسعار بنسبة 530بالمئة. من دخلها للغذاء و6بالمئة للتعليم، فيما اتكلت الغالبية الساحقة من المجتمع اللبناني على التحويلات والمساعدات الخارجية لتدبير شؤون معيشتها. فتبخَرت الطبقة الوسطى وأصبح أكثرية الناس من الفقراء.

لقد أشار تقرير صندوق النقد الدولي في أيَار/مايو 1987 الى خطر إفقار أغلبية السكان  حيث أدَى التضخم والوضع الأمني، الى انحراف في توزيع الدخل باتجاه الطبقات الميسورة وبروز مصاعب إضافية لأكثرية السكان، والقلق أن يقع الاقتصاد في دوامة تضخم متفاقم وانخفاض القيمة الشرائية للعملة[15]. خلال الفترة 1984-1975، تآكلت الأجور بسبب التضخم بدرجة معتدلة حيث لم يزد التآكل التراكمي للحَد الأدنى للأجورعن 14 بالمئة في حين خسر الأجر المتوسط قيمة الثلث.ولكن بعد1984 ، تدهورت قيمة الأجور بسرعة بسبب معَدل التضخم الهائل وتصحيح الأجور الخفر. حيث أشار كمال حمدان الى نمو وسطي للتضخم عام 1985هو60بالمئة في حين لم تصحح الأجور عن 250بالمئة. وهكذا لم يزد الحد الأدنى للأجور عام 1987عن 35بالمئة من قيمته عام 1974والأجر المتوسط عن 27بالمئة فقط[16]. كما أنَ القدرة الشرائية للشريحة العليا من الرواتب هبطت بنسبة 80 بالمئة عن المستوى الذي كانت عليه سنة 1974 . ويشير غسَان العيَاش الى تبخَر قيمة نهاية الخدمة والتعويضات حيث كانت في العام1989أقل نسبة 25بالمئة مما كانت عليه عام 1974 في القطاعين العام والخاص.

وعانى المستهلكون اللبنانيون من فقدان بعض السلع المنتجة محلياً أو من أسعارها المرتفعة نسبياً، ذلك أنَ التجَار صدَروها الى مستهلكين  يدفعون أسعاراً أعلى خارج لبنان (وهذا بالضبط ما حاولت الحكومة منعه عام 1974). وبرز وضع طريف في أواسط الثمانينات إذ إنَ الانيهار الاقتصادي والمالي والنقدي في البلاد ترافق مع ازدهار الصناعة الوطنية. ذلك أنَ تدهور الليرة وتدني أسعار المنتجات المحلية جعلت الطلب الخارجي على منتجات لبنان  يرتفع بشكل دراماتيكي. مئات الشاحنات التي حملت منتوجاً زراعياً وسلعياً لبنانياً عبرت الحدود السورية في طريقها الى الأسواق العربية، في حين فقدت أنواع كثيرة من الفاكهة والخضار من السوق  اللبنانية. وحتى الخبز اللبناني بات ينتج في لبنان  ويجد طريقه الى سورية وقبرص، خاصة الى الجاليات اللبنانية التي تستهلك هذا الصنف.

حلَل توفيق كسبار[17] تطَور الأجور من 1974الى 1997بالأسعارالجارية ( في الجدول أدناه) فتبينَ أنَ الحد الأدنى للأجور انخفض من118دولاراً أميركياً شهرياً عام 1974الى 29دولاراً عام 1987. وأنَ متوسط الأجور انخفض من 242دولاراً عام 1974الى119عام 1987.

 

 

ويعتَبر غسَان العيَاش العام1987 الأسوأ في الحرب اللبنانية بالنسبة الى الاقتصاد وبالمقابل(( السنة الذهبية)) للصناعة الوطنية حيث زاد الإنتاج الصناعي خلالها بنسبة 44 بالمئة والصادرات بنسبة 47 بالمئة. وقد بلغت الصادرات 70بالمئة من قيمة الإنتاج فيما قدَرت وزراة الصناعة والنفط عدد العاملين في القطاع الصناعي سنة1987 بحوالى 125ألف عامل19[18] من أصل القوى العاملة  التي بلغت 824ألف عامل[19] (لبناني وغيرلبناني). وساهم نمو التصدير وتراجع الاستيراد في تحسين ميزان التجارة الخارجية حيث انخفض العجز من1.6مليار دولار عام 1986الى 1.3مليار دولار عام 1987. كما ارتفع التصدير بنسبة26بالمئة 1988عن السَنة السابقة، وأدى ذلك الى فائض في ميزان المدفوعات خلال سنتين 1987,1988 رغم سوء الوضع على كل الأصعدة.

 

الليرة في أسوأ مستوياتها

شهدت الأعوام 1988و1989و1990 أسوأ مراحل العنف في الحرب اللبنانية فهبطت الليرة مجدداً ووصل الدولار الى حدود 100ل.ل.، في أجواء سياسية ضاغطة أهمها استحقاق الاتنخابات الرئاسية الجنرال ميشال عون. كما جرت حروب عديدة داخل الكانتونات أهمها الحرب الأهلية الشيعة والحرب الأهلية المارونية. في ((حرب الإلغاء)) بين الجنرال عون والقوات اللبنانية بقيادة سمير جعجع وقع سوق القطع في هوس المضاربة مجدداً فارتفع الدولار الى حدود900ل.ل.و950ل.ل. في أسبوع واحد وأقفل على1080 ل.ل. في أيلول/سبتمبر1990.

ساهم انتخاب الياس الهراوي عام 1989والمساعي لتطبيق اتفاق الطائف في تحسَن سوق القطع فتراجع سعر الدولار الى 500ل.ل.-600 ل.ل.-600ل.ل. في الأشهر الأولى من 1990.ولكن اندلاع حرب الكويت في آب/أغسطس1990 وامتناع عون عن التسليم برئاسة الهراوي والحكومة المنبثقة عن اتفاق الطائف دفع الدولار مجدداً الى مستويات غير مسبوقة، حيث وصل الى1250ل.ل.و1400ل.ل.ومع عودة السلام الممسوك الى لبنان، تراجع الدولار قبل نهاية 1990الى مستويات سبقت 1987،اي الى حيَز500 ل.ل.-600ل.ل.

لم يكن السلام النسبي كافياً:إذ كان اقتصاد لبنان في حالة خراب والدولة مفلسة والبلاد بحاجة ماسة الى تدفَقات كبيرة من الأموال. وبسبب غياب هذه التدفقات ورغم الحالة الأمنية المسَتقرة نسبياً، كان سعر الدولار مرتفعاً في نيسان/أبريل1991يتدوال عند 945ل.ل. مع تراجع نسبي الى892ل.ل. في صيف 1991بسبب مساعدات من المملكة العربية السعودية، أحد عرابي اتفاق الطائف، بلغت مئات الملايين من الدولارات[20]،ووعود بالمساعدة من ألمانياوإيطاليا.

ورغم نهاية الحرب اللبنانية بشكلها الواسع إلا أنَ العنف استمَر متصاعداً في جنوب البلاد.ففي شباط/فبراير1992، احتدمت معارك بين جيش الاحتلال الإسرائيلي والمقاومة اللبنانية في جنوب لبنان،ما هزَ البلاد ووتَرَ الأوضاع فقفز الدولار الى 1400 ل.ل. ليستقَر على 1150ل.ل. في آذار/مارس1992.ولئن ركدت الحركة الاقتصادية وفشلت حكومة عمر كرامي(شقيق رشيد كرامي) في اطلاق الإعمار وإنهاض البلاد، عادت ضغوط التضخم وأدَت الى انفجار جديد في سوق القطع في نيسان/ابريل وأيَار/مايو1992 ، لم يرالسوق مثيلاً له،إذ وصل الدولار الى 2600ل.ل. ودفع التحَرك الشعبي حكومة كرامي الى الاستقالة والى وصول رفيق حريري الى سَدة رئاسة مجلس الوزراء. فتراجع الدولار نهاية 1992الى 1838ل.ل. وخلال سنوات قليلة تمكنَت الحكومة ومصرف لبنان من تثبيت النقد عند  1500ل.ل. وبقيت سياسة التثبيت هب السائدة لعقد آخر.

أشار غسَان العيَاش الى تقرير موجز لفريدي باز عن الصورة الإجمالية الاقتصادية في عقد الثمانينات من ((هبوط الناتج المحلي بنسبة 50 بالمئة من 1982الى1990 وانخفاض الحد الأدنى للأجور من 200دولار شهرياً الى80 دولاراً في الفترة نفسها، ماأدَى الى تضخم سنوي بمعدَل 92بالمئة والى تدنَي سعر صرف الليرة بمعدَل 82 سنوياً. أما أزمة الثقة بالعملة الوطنية التي نجمت عن ذلك فقد ترجمت بمشتريات كثيفة من العملات الأجنبية رفعت نسبة الدولرة من 29 بالمئة الى 76بالمئة بحيث سجَل ميزان المدفوعات عجزاً متراكماً بلغ 1.7مليار دولار، وإنَ فقدان السيادة النقدية الوطنية الذي نتج من هذه التطورات قد زعزع المجتمع وأنهك قواه))[21].

 

[1] نعتمد في هذا الكتاب عبارة((حرب لبنان)) التي نعتبرها محايدة بدلاً من عبارتي ((الحرب الأهلية اللبنانية))أو ((حرب الآخرين على أرض لبنان )) (رغم موافقتنا على رأي أحمد بيضون بأنَ هذه الحرب كانت حرباً أهلية مائة بالمائة وحروباً للآخرين على أرض لبنان مائة بالمئة – أحمد بيضون، الجمهورية المتقطعة، بيروت، دار النهار، 1999).

[2] أسعار صرف الدولار في سوق بيروت في هذا الفصل حسب إقفال مصرف لبنان في نشرته الشهرية.

[3] غسَان العيَاش،أزمة المالية العامة في لبنان،ص46-45 .

[4] النهَار العربي والدولي، تقرير اقتصادي أسبوعي خلال شهرين تشرين الأول/اكتوبر وتشرين الثاني/ نوفمبر1987.

[5] غسَان العيَاش،ص101.

[6] Instute of money and BANKING,1988 seminar proceedings-Bank mergers in lebabon,7American university ofBeirut,1990

[7] جريدة النهار 15شباط/فبراير ذكره غسَان العيَاش،ص102 . 

[8] faid Osseiran,((Dollarisation et devaluation-l experience libanaise)),le liban auourd hui, 9

167:and IMF paper((Economic Dislocation and Recovery in Lebanon)),Washington D.C.

P.20,1995  February.ذكره غسَان العيَاش ص.102

[9] غسان العيَاش، ص103، مصدر:kamal Hamdan, les libanais face a la crise econmique et social

[10] Butros labaky, khalil Abou Rjeily,Bilan  des guerres du liban-1975-1990,p.203

[11] Butros labaky,khalil Abou Rjeily,Bilan des guerres du liban-1975-1990,p.203

[12] سمير مقدسي، العبرة من تجربة لبنان ص International Monetray Fund,Lebanon-Economic,135

Recovery,Stabilization,and Macroeconomic policies,August 8,1994

[13] وحصل أصحاب الدخل السنوي الذي يقل عن96ل.ل.بالسنة زيادة بنسبة 45بالمئة وأولئك يتقاضون أجوراً أعلى من ذلك حصلوا على زيادة بنسبة35 بالمئة، فزيد جدول بنسب تراوحت بين 14400ل.ل.و78ألف ل.ل. سنوياً.

[14] International Monetary Fund,Back to the Future,Postwar Reconstruction and Stabilization .in Lebanon, Occasional paper,no,176,1999ذكره سمير مقدسي ص137.

[15] جريدة النهار،21حزيران/يونيو1987، ذكره غسان العيَاش سبق ذكره ص58.

[16] غسان العيَاش،ص 106، ودراسة العيَاش المذكور أعلاه.

[17] توفيق كسبار، اقتصاد لبنان السياسي،ص201.

[18] غسَان العيَاش، ص57-56 ،استناداً الى تقرير مصرف لبنان السنوي ومصادر أخرى مذكورة في هوامش كتاب العيَاش.

[19] سمير مقدسي،ص137 .

[20] ((السعودية تمنح لبنان 60 دولار))، جريدة الحياة6  نيسان/ ابريل،1991.

[21] غسَان العيَاش،ص 104عن فريدي باز((من نقد ثابت الى نقد قوي))، جريدة النهار 134تموز/ يوليو 1995.

 

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19
« »
المصادر او الهوامش

معلومات النشر:

اعداد: العنكبوت الالكتروني

عنوان الكتاب: أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان

تأليف: كمال ديب

الناشر: دار النهار للنشر

تاريخ النشر: 01/02/2007

إشترك في خلاصة التعليقات عدد التعليقات: (1 منشور)

avatar
joe bloe
الثلاثاء, 10 كانون الثاني / يناير 2017, 07:45:PM
يسمح لنا الأخ وليد جنبلاط بالنسبية اذا أراد ان ينمو البلد ويتطور. جورج واشنطن وابراهام لينكلن كانوا اباء الحضارة الأميركية ولن نرى أحدا من احفادهم يتزعمون فئة في الحكومة الأميركية. نريد دم جديد يحكم البلد, ولا دور للآقطاعية. نرجو من الكل ان يفهموا ذلك. استفردوا بالبلد فامتصوا دماء شعبه. لا يجب ان يكون أي شخص فقير اذا كان يوجد إدارة حسنة للمال العام. فما ذنبهم؟ أخاف عليكم من كثرة ذكائكم.
المجموع: 1 | عرض: 1 - 1

إكتب تعليق

البريد الالكتروني يبقى سرّي و لا ينشر
  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

- التعليقات الواردة من القراء هي مسؤولية أصحابها ولا تعبر عن رأي إدارة الموقع بالضرورة
- تتم مراجعة تعليقاتكم قبل نشرها عن طريق إدارة الموقع

- (سياسة نشر التعليقات)

تابعونا

  1. دول خليجية تحذر رعاياها من السفر إلى لبنان (5.00)

  2. وفاة "ملكة الديسكو" دونا سمر عن 63 عاماً (5.00)

  3. معارض صيني ضرير بمطار بكين متوجهاً لنيويورك (5.00)

  4. الاكتئاب لدي المراهقين .. له إشارات يجب الانتباه لها (5.00)

  5. صحف العالم: أمريكا "تعاقب" باكستان بعدد سنوات سجن أفريدي (5.00)

  6. فيلم منتظر يكشف تفاصيل اغتيال بن لادن (5.00)

  7. أستراليا: التيار الوطني الحر في سيدني ينعي فقيده المفكر و المناضل والاعلامي المخضرم الأستاذ بطرس عنداري (5.00)

  8. الرحيل المفاجئ (5.00)