إعلانات Zone 4B

[CLOSE]

إعلانات Zone 3B

[CLOSE]
أحدث الأخبار:

إعلانات Zone 2B

[CLOSE]
الرئيسية | ثقافة | رفوف المكتبات | أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان (19 حلقة كاملة)

أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان (19 حلقة كاملة)

آخر تحديث:
image
الكاتب:
عدد المشاهدات: 33840
عدد التعليقات: (1)
قيّم هذا المقال/الخبر:
3.00
حجم الخط: A+ A-
نسخة صالحة للطباعة   نسخة نصية   أرسل إلى صديق

إعلانات Zone 6B

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19
« »

أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان - الفصل الثالث عشر: روجيه تمرز وأزمة القطاع المصرفي

الفصل الثالث عشر

روجيه تمرز وأزمة القطاع المصرفي

كانت أزمة القطاع المصرفي في الثمانينات كارثة أخرى حلَت بلبنان. إذ حتى  1986، بلي لبنان بحروب بدت بلا نهاية، ووحش غلاء غير مسبوق وغزوات أجنبية وتهجير قسري داخلي وهجرة إلى الخارج لمئات ألوف المواطنين، وانهيار العملة الوطنية وتفتَت الدولة.

واستمرَت سلسلة الكوارث باضافة أزمة جديدة إلى القطاع المصرفي في النصف الثاني من عقد الثمانينات، والثانية بهذا الحجم منذ أزمة إنترا عام 1966 (راجع الفصل الثامن). وقد ارتبطت جذور أزمة القطاع المصرفي الثانية بتطورات شهدها القطاع ابتداء من العام عام1977 عندما انتهى الحظر الذي فرضته الدولة عام 1967 على تأسيس مصارف لبنانية كأحد الحلول للحدَ من تكرار أزمة إنترا. إذ بعد رفع الحظر، ازداد عدد المصارف التجارية، كبيرة وصغيرة، في الفترة 1977-1982. ولكن نمو القطاع كان عشوائياً، في حين برزت ظاهرة الإغلاق والدمج في الثمانينات. في تلك الفترة، لم تنفع تدخلات مصرف لبنان وهيئة رقابة المصارف في معالجة الوضع واضطر مصرف لبنان للتدخل لإنقاذ أو تعويم أو السيطرة على مصارف تجارية ومؤسسات مالية متعثَرة.

وحتى قبل انتهاء الحظر، عانى القطاع المصرفي من حرب السنتين، أسوة بباقي رموز الاقتصاد اللبناني في أواسط السبعينات، ما أدى إلى خسارة معظم ما أنجزه من تطوَر ومكتسبات في الفترة التي تلت أزمة إنترا(1967-1974). عشيَة حرب السنتين، شكلَت المصارف الغربية نسبة 43 بالمئة من المصارف العاملة في لبنان وسيطرت على 53 بالمئة من الودائع في النظام المصرفي. وحتى قبل سنوات عديدة من اشتعال الحرب، كانت المصارف الأجنبية تتابع بقلق التقارير الأمنية عن تدهور الوضع في لبنان وتحليلات سياسية عن أبعاد الصدامات بين الجيش اللبناني والمقاومة الفلسطينية منذ 1969، وانتقال قيادة منظمة التحرير الفلسطينية بكامل هيكليتها إلى بيروت من عمَان، والغارات الإسرائيلية المتزايدة على لبنان ردَاً على العمليات العسكرية للمقاومة الفلسطينية ضد أهداف إسرائيلية.

في العام 1974، هاجم رجال مقنَعون مكاتب ((بنك أوف أميركا)) في شارع المصارف في وسط بيروت التجاري، وحجزوا كرهائن طاقم المصرف من أميركيين ولبنانيين، مطالبين بفدية قدرها 10 ملايين دولار، وتأمين حماية وطائرة تنقلهم إلى الجزائر. في ذلك الوقت، لم يكن زمام الأمور قد أفلت تماماً من أيدي الدولة، إذ تصرَفت القوى الأمنية بسرعة، وهاجمت الشرطة المصرف واعتقلت المسلَحين.

ساهمت هذه الاضطرابات في أوائل السبعينات في إقناع المصارف الغربية بأنَ الوضع في بيروت يتجه إلى الأسوأ، وأنَه من الأفضل البحث عن بدائل. وهكذا في بداية عام 1975، كانت المصارف الأجنبية تصفَي أعمالها وتقلَص من نشاطها إلى الحد الأدنى.

بعد الجولة الأولى من معارك بيروت في صيف 1975، غادر عدد من المصارف الأجنبية بيروت وبعضها انتقل إلى البحرين وأثينا والقاهرة، في حين نقل 11 مصرفاً لبنانيَاً نشاطه إلى باريس. ومن أصل 250 شركة أميركية عاملة في لبنان عام 1974، بقي منها 10 عام 1978.

وفي حين تعرَض 26 مصرفاً للنهب والتخريب، أعلن 44 مصرفاً من أصل 80 مصرفاَ عاملاً في لبنان أنَ فروعها أصيب بقذائف أو شظايا أو رصاص من جراء قتال الميليشيات في جوارها، وأنَها تعرضت للنهب والتهديد من قبل المسلَحين. في حرب السنتين، كانت المصارف الواقعة في الوسط التجاري وفي حي الفنادق أكثر عرضة للخراب والسرقة. في 20 تشرين الثاني/نوفمبر 1976، أعلنت جمعية المصارف اللبنانية أنَ خسائر القطاع المصرفي في الفترة كانون الأول/ديسمبر 1975- أيَار /مايو 1976، بلغت مليار دولار أميركي. وكان البنك البريطاني للشرق الأوسط وبنكو دي روما من الضحايا البارزين. فقد نشرت وسائل الإعلام تفاصيل مذهلة عن نهب فروع البنك البريطاني على أيدي الميليشيات المسيحية والاسلامية على السواء. لقد كان في متناول المسلحين كل ما يحتاجونه من الوقت والمعدات لخلع الخزائن المصفحة داخل المصارف، حيث قاموا بعدَة تجارب استغرقت بضعة أيَام بأنواع مختلفة من المتفجَرات حتى فتحوا الأبواب الفولاذية واستخرجوا ملايين الدولارات وسبائك الذهب،

واستعملت هذه الأموال لشراء أسلحة من أوروبا وتمويل عمل الميليشيات.

لقد صمد القطاع المصرفي وأصبح القطاع الاقتصادي الوحيد الذي اجتاز كافة مراحل الحرب رغم الفوضى وغياب الدولة وسيطرة الميليشيات. حتى أنَ المصارف افتتحت أبوابها بعد ثلاثة أيَام من مغادرة الجيش الإسرائيلي بيروت في أيلول/ سبتمبر 1982.كما كانت الفترة 1977-1980، مرحلة ازدهار ونمو للقطاع المصرفي بعد رفع الحظر عن تأسيس المصارف.

وإضافة إلى رفع الحظر، سمحت حكومة سليم الحص للمصارف بممارسة نشاط ((أوف شور)). ونتيجة لذلك زاد عدد فروع المصارف اللبنانية في الخارج من 5 إلى 30 فرعاً. بامقابل،كادت المصارف الأجنبية تغيب تماماً عن لبنان (راجع الجدول 11 في الملحق الإحصائي عن تراجع عدد المصارف الأجنبية خلال الفترة 1971- 1980). ويظهر الجدول أنَ البنك البريطاني للشرق الأوسط هبط من المرتية الثانية عام 1971 إلى المرتبة 16 عام 1980 في بيروت وانخفضت مرتبة بنكو دي روما من 5 إلى 21، وتراجعت مراتب البنوك الأميركية من لائحة العشرة الكبرى إلى أدنى مرتبة. ومن الناحية الإيجابية، فإنَ عدم المغادرة النهائية لبعض المصارف الأجنبية وتاكيدها أنَ إقفالها كان مؤقتاً بسبب الأحداث، كان دليلاً على أمل بعيد في العودة إلى بيروت يوماً ما. كما ارتفع عدد المصارف الفرنسية بشركاء لبنانيين. وفي العام 1981، كان عدد المصارف اللبنانية الكبرى ستة من أصل عشرة من حيث الودائع، مقارنة بمصرف واحد لبناني عام 1971.

 

في خدمة أمراء الحرب

إنَ العلاقة بين أمراء الحرب والتَجار وأصحاب المال والتي تطَرق إليها الفصل الثامن، كانت من أسباب عدم المساس نسبيَاً بهذا القطاع طيلة 16 عاماً من الحرب، لا بل شكلَت هذه العلاقة الحميمة نوعاً من الحصانة أو بوليصة التامين للقطاع المصرفي: حصانة ضد أعمال الغنف والتخريب وضمانة باستمرار تدفَق الودائع من امراء الحرب والميليشيات التي يقودونها. وليس بعيداً عن الحقيقة أنَ كل مصرف كان يتمتع بحماية مباشرة من الميليشيات، وأنَ كل فرع مصرفي كان يقيم علاقات وثيقة مع قوى الأمر الواقع في منطقة وجوده. وضع كهذا كان يتطلب هذا السلوك من القطاع المصرفي، رغم أنَ الأمر لم يكن سليماً مئة بالمئة إذ تعرَضت المصارف لأكثر من 50 عملية سطو مسلَح في أواسط الثمانينات ولعمليات ابتزاز مافيوي منظَم، عدا الاختلاسات والعمليات المشبوهة حتى من أصحابها ومسؤؤليتها.

في الفترة 1975-1980، كان لبنان ((غارقاً)) بالمال حسب تقرير صحيفة الموند ديبلوماتيك[1] وكانت الودائع تأتي من ثلاثة مصادر رئيسية:

1. كان اللبنانيون العاملون في الخليج العربي يحوَلون مبالغ تراوحت بين 120 إلى  150 مليون دولار شهرياً إلى ذويهم في لبنان وإلى حسابات مصرفية في بيروت. وبلغت هذه التحويلات في أوجها ملياري دولار ملياري دولار عام 1981.

2. كما أنَ إنتاج الحشيش والمخدرات الممنوعة بكميات بلغت 30 ألف طن سنويَاً في نفس الفترة، وبأسعار تراوحت بين 65 و 150 دولار للكيلو غرام، جلبت 1.5 مليارإلى 2مليار دولار سنويَاً.

3. وكان المصدر الثالث من الودائع تمويل الحكومات العربية و الأجنبية للمجهود الحربي واللوجستي للميليشيات. لقد حوَلت الحكومات المختلفة مئات ملايين الدولارات إلى حلفائها المحليين من لبنانيين وفلسطينين[2]، إلى درجة أنَ أخبار وصول التحويلات كانت تذكرها الصحف أحياناً، وأنَ أمير الحرب الفلاني قد استلم 15 مليون أو 50 مليون دولار.

وكانت السفارة الإيرانية في بيروت تنفق 100 مليون دولار على حلفاء طهران المحليين في حين أنفقت اسرائيل مبالغ مماثلة على ميليشيا جيش لبنان الجنوبي.

إضافة إلى ودائع أمراء الحرب اللبنانيين والميليشيات، كان الفلسطينيون المودع الأكبر في مصارف بيروت. وكانت منظمة التحرير الفلسطينية قد اتخذت مقرَها الرئيسي بكافة أجهزتها الدوليَة في بيروت ابتداء من أوائل السبعينات.فكانت تودع مبالغ تراوحت بين مئات ملايين الدولارات ومليارات الدولارات حسب السنة والحاجات المالية. وبلغ المال الفلسطيني في مصارف بيروت 1.5 مليار دولار عام  1982 [3] مع تدفَق المال من تحويلات العمَال اللبنانيين إلى تمويل الميليشيات إلى تجارة المخدرات، كان المسؤولون عن القطاع المصرفي يعبَرون عن تجاوبهم بعرض خدماتهم وبالتالي يتكيَفون مع الأوضاع غير الطبيعية في زمن الحرب. لقد ارتفعت الودائع من 3مليارات دولارات عام 1974، إلى 5 مليارات دولار عام 1980.

 

بداية أزمة القطاع المصرفي

بدأت بوادر أزمة القطاع المصرفي في النصف الأخير من العام 1982. وسبق ذلك انحدار حاد في تحويلات اللبنانيين في الخليج العربي بسبب تدهور أسعار النفط في السوق العالمي وما نتج عنه من ركود في اقتصاديات الدول العربية المصدَرة للنفط. وكان اللبنانيون في السعودية ودولة الإمارات العربية يساهمون بالنسبة الكبرى من التحويلات، ولكن هبوط أسعار النفط قلَص من حجمها وبدأ آلاف العمال اللبنانيين بالعودة إلى لبنان أو الهجرة إلى دول القارة الأميركية وأوستراليا وغرب أفريقيا. وكان توقيت هبوط أسعار النفط سيَئاً جدَاً للبنان، إذ اقترن بتصاعد أعمال العنف (معركة زحلة 1981 والاجتياح الإسرائيلي 1982) وتوقَف الدول العربية عن تسديد مستحقات التزامات القمَة العربية والبالغة 800 مليون دولار سنويَاً. واشترطت الدول العربية أن يتوقَف تقاتل الميليشيات ويتفق اللبنانيون على حل وطني قبل أن يتم صرف المساعدات.

وكان العام 1982 محوريَاً لسبب إضافي وهام، وهو مغادرة هيكلية منظمة التحرير الفلسطينية بيروت ومعها أموال السائلة وموازنتها الضخمة تحت ضغط الحصار الإسرائيلي لبيروت في صيف ذلك العام. وتجدر الإشارة هنا، أنَ رغبة أمراء الحرب والتَجار في القضاء على الرأسمال الفلسطيني الذي مثله بنك انترا عام 1966، لم تتحقق تماماً. إذ خرج هذا الرأسمال من الباب في الستينات وعاد من النافذة في السبعينات بدخول منظمة التحرير الفلسطينية وأجهزتها إلى لبنان وازدهار ((البنك العربي المحدود)) الذي أصبح أكبر مصرف تجاري في لبنان. ويشرح كمال حمدان أنَ منظمة التحرير كانت بمثابة دولة كاملة في لبنان بميزانية سنويَة تساوي ميزانية الحكومة اللبنانية و 40 ألف موظَف وأجهزة عديدة في الشؤون العسكرية والأمنية والخدمات الاجتماعية والمؤسسات الإعلامية[4] وكان البنك العربي المحدود مسجَلاً في الأردن ويمتلكه فلسطينيون وأصبح في الفترة 1977-1981 أكبر مصرف في لبنان.وجراء الغزو الإسرائيلي عام 1982 وبوساطة الولايات المتحدة في أيلول/ سبتمبر، عادرت منظمة التحرير لبنان بكامل بنيتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ومعها ودائعها الضخمة السائلة في البنك العربي المحدود ومصارف بيروت. وقدَرت هذه الودائع ب 1.5 مليار إلى 3 مليارات دولار، في وقت شكَل فيه إنفاق المنظمة في لبنان قبل الاجتياح الإسرائيلي. ونتيجة ذلك أصيب القطاع المصرفي والاقتصاد اللبناني بضربة قويَة.

عدا هذه الظروف الخارجة عن إرادة القطاع المصرفي، كان العدد الهائل للمصارف في لبنان سبباً أساسياً في أزمة الثمانينات. لقد تشجَع الكثيرون بعد رفع الحظر على تأسيس البنوك عام 1977 بغية احتمال الاستفادة من بيئة الفوضى السائدة في لبنان، فعادت أجواء الصفقات والمخالفات التي كانت نائمة تحت رماد أزمة إنترا، والتي طبعت القطاع المصرفي في أوائل الستينات، عملاً بطقس ((ليفنتي)) عتيق في بذل الجهد واتباع أي وسيلة للحصول على هذا الدولار الأخير. ومجدَداً، تراجعت القروض القصيرة الأمدوبات عدد من المصارف عالقاً في استثمارات طويلة الأمد وفي المضاربة في سوق القطع والعقاررات. ولم يمنع قانون سريَة المصارف من خروج بعض الفضائح إلى العلن، كحصول أحد أصحاب المال على قرض مصرفي بقيمة 200 مليون ل.ل. (65مليون دولار) للتجارة والمراهنة في سوق الذهب والمعادن الثمينة.

 

التخلَص من فؤاد السنيورة وميشال الخوري

أدَى ظهور عدد كبير من المصارف الصغيرة بعد العام 1977 وغياب التنظيم عن القطاع كما كان سائداً قبل الحرب، إلى فوضى عرَضت بضعة المصارف إلى هزَات وإفلاس وعمليات سيطرة من مصارف أكبر. وباتت لجنة الرقابة على المصارف تكتشف وتلاحظ الممارسات غير القانونية في القطاع بشكل متزايد. في العام 1982، أغلقت مؤسستان ماليتان، ((غي بتلر)) و ((تولت أندرايلي)) أبوبهما وانتاب السوق المالي شعور أنَ القطاع مقدم على اضطرابات. ولتلافي تكرار أزمة 1966، بدأت الحكومة مناقشات مع جمعية المصارف للوصول إلى اتفاق حول سياسة المصارف التجارية في التسليف وفي سلوكها وخدماتها. ودفعت مخاوف فشل مؤسسات إضافية إلى تحرَك سريع للجنة الرقابة على المصارف التي كانت في تلك الفترة برئاسة فؤاد السنيورة[5] وكانت اللجنة برئاسة سليم الحص منذ تأسيسها وحتى تسمية الحص رئيساً للوزراء عام 1976. وكان السنيورة أستاذاً في الجامعة الأميركية التي تخرَج منها سابقاً في إدارة الأعمال،فاستلم منصب رئيس لجنة الرقابة في تشرين الثاني/نوفمبر 1976. وبعد بداية المصاعب أمر السنيورة بالتحقيق في دفاتر وملفات عدد من النصارف للتأكد من وضعيتها وسيولتها وملاءتها وأنَها تعمل بموجب قانون النقد والتسليف والقوانين التجارية المرعية الإجراء.

ولم توافق جمعية المصارف على السير في خطوات السنيورة ولجنة الرقابة بل تسلَحت بقانون سرية المصارف، فيما رفضت المصارف التعامل علناً مع لجنة رفابة المصارف الذي قد يثير شبهات الرأي العام، وفضلَت الحوار الهادىء وغير المعلن مع مصرف لبنان. ولكن مصرف لبنان في السبعينات والثمانينات لم يعد طفل الستينات، ولم يكن التعامل معه مسألة سهلة أو سطحية. إذ اكتسب خبرة وقويت شوكته بنشاطات لجنة الرقابة ومن علاقاته العالمية مع المصارف المركزية في عدَة دول.إذ بعد دراسة الوضع والاستفادة من تحقيقات لجنة الرقابة، نجح مصرف لبنان ولجنة الرقابة بتطبيق عدد من الإجراءات لضبط القطاع.

ولكن الوضع لم يكن لصالح مصرف لبنان أو لصالح صحة القطاع. وكانت المصارف تقاوم إجراءات البنك المركزي وتطالب باستقالة السنيورة من منصبه رغم تأديته لمهامه حسب القانون.

ذلك أنَ التقرير الذي قدَمه السنيورة نتيجة تحقيقات لجنة الرقابة على الممارسات المصرفية خلق جوَاَ غير مريح بين جمعية المصارف والحكومة، فأصبح السنيورة هدفاً للنقد المتَواصل. وجاءت فرصة الانتقام من السنيورة عام 1982، إذ خضوعاً للضغوط المتواصلة لم تجدَد الدولة تعاقد السنيورة الذي انتهى في ذلك العام. هذا التصَرف التعسفي الذي لم يكن ليتم لو استمَر سليم الحص رئيساً للحكومة، جاء في ظل حكومة شفيق الوزان في صيف 1982، واستهجنه مصرف لبنان حيث هدَد حاكم المصرف ميشال الخوري بالاستقالة في 27آب/أغسطس 1982إذا لم يجدَد عقد السنيورة ويستمَر رئيساً للجنة الرقابة. ورأى حاكم مصرف لبنان أن السنيورة يعاقب لأنه كان يقوم بعمله في الدفاع عن القطاع المصرفي لتخنَب الكارثة. ولكن السنيورة فضَل الخروج من الساحة والعمل مع صديقه رجل الأعمال رفيق الحريري في عدَة مشاريع في الثمانينات، ليصبح فيما بعد وزيراً للمال عام 1991ثم رئيساً للوزراء عام 2005.

أمَا ميشال الخوري، نجل الرئيس السابق بشارة الخوري، فقد استمَرفي منصبه حاكماً للمصرف (راجع الفصل 11). وكان الخوري نشطاً في القطاع المصرفي في وقت كان الياس سركيس  حاكماً لمصرف لبنان، وجمعت صداقة بين الشخصين بسبب خلفيتها النهجية نسبة الى الرئيسين فؤاد الشهاب وبشارة الخوري. وعندما أصبح سركيس رئيساً للجمهورية عام1976، كلف سليم الحص، رئيس لجنة الرقابة على المصارف آنذاك، بتشكيل الوزارة، وبشغور منصب حاكمية المصرف عيَن ميشال الخوري حاكماً عام 1978 آذنت بمرحلة جديدة لم يكن الخلاف حول لعدَة سنوات. ولكن نهاية عهد سركيس في 1982آذنت بمرحلة جديدة لم يكن الخلاف حول السنيورة آخرها. إذ تفاقم الأمر بين ميشال الخوري من جهة و رئيس  الجمهورية أمين الجميَل والحكومة من جهة آخرى، وأصبحت الخلافات أكثر من شكليَة رغم أسلوب الخوري الحريص على البروتوكول. فقدَم استقالته عام1983 ، ولقطع الطريق على رفض الاستقالة أو على محاولة إقناعه بالتراجع، ربط الخوري استقالته برغبته بالتقاعد. وأمام عدم تسمية بديل، زاول الخوري مهام الحاكم حتى نهاية عام1984. وكان نزاع الخوري ومعه المجلس المركزي لمصرف لبنان مع الدولة هو لجوء الحكم الى تعرية الخزينة العامة واستعمال احتياطي العملات الصعبة لشراء الأسلحة الأميركية التي قاربت قيمتها مئات ملايين الدولارات (راجع الفصل11).

 

روجيه تمرز

لعب روجيه تمرز دوراً في أزمة القطع المصرفي الأولى في لبنان عام1966 (راجع الفصل الثامن) كممثل لشركة ((كيدر بي بودي)) الأميركية، حيث قاد مشروع تصفية أصول بنك إنترا وتوزيعها على المساهمين. وساعد دور تمرز في تصفية إنترا في تعزيز سمعته كخبير مصرفي في دول الخليج العربي، فمارس نشاطه في عدَة بلدان في الشرق الأوسط ولكنَه لم يغادر لبنان إلا في حزيران/يونيو1975، بعد أشهر من اندلاع الحرب. ولم يعد الى لبنان إلا في العام 1983، بعدما أصبح صديقه أمين الجميَل رئيساً للجمهورية. وتعود معرفة تمزر بأمين الجميَل الى1966 حيث كان جوزف شارد عضو المكتب السياحي في حزب الكتائب مستاجراً في ((تلةَ تمرز)) جوار بكفيا، مسقط رأس آل الجميَل، وكان أمين الجميَل محامياً وعضواً في حزب الكتائب ويتردَد على جوزف شارد حيث التقى روجيه تمرز. وأصبح الجميَل مستشاراً قانونياً لتمرز[6].

ولدى عودته الى لبنان عام1983، أصبح ترز مجدداً نجماً في عالم المال اللبناني والشرق الأوسطي، مستنداً الى صداقته بالرئيس الجميَل وعلاقاته السعودية والخليجية. ويتشابه صعود تمرز السريع وخلفية وبدايته بتجربة يوسف بيدس[7]. فهو مثل بيدس، ولد وترعرع خارج لبنان وله خلفية عائلية غامضة واسم عائلة بدون ((جرس)) على أذن المستمع (بيدس وتمرز). ويذكر حازم طاغية أنَ بيدس قال إن أصل عائلته من منطقة القوقاز ما يعني أنَ أصوله قد تكون أرمنية أرجورجية أو شركسية[8] (وقد تكون إيرانية أو أشورية، وهي قوميات يستعمل فيها هذا الاسم). ولد عام1940 في القاهرة من والد لبناني وأم سورَية، وتابع دروسه الجامعية في جامعة كامبردج في بريطانيا حيث تخرج عام1960  في مادة الاقتصاد.

ثم انتقل الى الولايات المتحدة حيث انتسب الى جامعة هارفرد الشهيرة وتخَرج منها بشهادة ماجستر في إدارة الأعمال. وبعد تخَرجه من هارفرد، التحق بشركة الاستشارات ((كيدر بي بودي)) الأميركية في نيونورك. وعندما اختارته الشركة ليكون ممثلها في مراجعة ملف إنترا في بيروت والتقدم باقتراحات للمعالجة، لم تكن سنه تزيد عن 26عاماً، وكان ذلك عام1966.

ورغم مفارقات التشابه بين تمرز وبيدس، كانت هناك ميزة تفاضلية واحدة لدى في نظر أمراء الحرب في لبنان. ففيما كان بيدس فلسطينياً أرثوذكسياً، وبالتالي غير مقبول في نادي أمراء الحرب الموازنة في لبنان،كان تمرز مارونياً ومن اًصل لبناني نسبة الى والده (كانت مصر ملجأ لمئات العائلات المارونية في أواخر القرن التاسع عشرة وأوائل القرن العشرين).

كان تمرز محظوظاً في عالم التجارة، فقد ارتفع نجمه بسرعة واكتسب اسماُ لامعاً في لبنان والمنطقة جراء عمله على ملف بنك إنترا. فهو إذن خبير ينقذ المؤسسات المصرفية من الانهيار أو تلك التي على وشك الإفلاس[9]. ولذلك استدعي عبر السنوات لمساعدة عدَة شركات  ومصارف في طور التأسيس أو التعويم ي الكويت والسعودية وفرنسا وإيران. كما عمل مع شركة ((أميركا ترانس كونتيننتال)) للغاز الطبيعي. ومثل بيدس، وسَع تمرز أعماله ونشاطاته لتغطي الشرق الأوسط وبلدناً أخرى. في بداية السبعينات، عمل وكيلاً للدولة المصرية لشراء ست طائرات بوينغ707 بقيمة 60 مليون دولار.وعام 1973 بداَ مشاريع جديدة في الولايات المتحدَة، ثم خصًص وقته من العام 1975الى 1975لإدارة شبكة أعماله الدولية الواسعة مع شركاء سعوديَين.

وبدعم من شركاء تمرز السعوديين، ومنهم كمال أدهم وغيث فرعون ( وهما اسمأن ارتبطا بانهيار ((بنك التسليف والتجارة)) العالمي في الولايات المتحدة)، وكذلك غسَان شاكر وسالم بن لادن والأمير مساعد، استطاع تمرز شراء 60 بالمئة من أسهم مصرف bank of commonwealth of Detroit)) )). ثم جعل ديترويت قاعدة لعَدة استثمارت. واشترى فندق الأمير ديغول، ثاني أعرق فندق في باريس بعد جورج الخامس. ولإدارة هذه الأعمال الواسعة، أسَس تمرز مع الأمير مساعد وسالم بن لادن شركة ((فرست آرابيان كوربويشن)). وفي آذار/مارس 1981، اشترى حصة 17بالمئة من شركةkaiser)) steel)) الأميركية بمبلغ 58 مليون دولار واشترى معظم أسهم ((sunshine mining stocks)) وقدَم عروضاً لشراء northern state bank corporation))))وحصصاً في commonwealth Oil Refining)))) و((sockheed      Industries))[10].

وبتمويل سعودي، عرض تمرز عام1978 تحويل مبلغ 100مليون دولار الى لوكهيد التي كانت تعاني من صعوبات سيولة مالية في ذلك الوقت. ولكن الحكومة الأميركية منعت هذه الصفقة لأنها كانت ستمنح العرب مصالح ونفوذاً في أكبر وأهم شركة صناعة أسلحة في الولايات المتحدة[11].وفي العام 1978أيضاً كان تمرز مشاركاً في عرض لشراء مصفاة نفط في ((come-By-Chance))في كندا[12]. كما ذكرت صحيفة النيويورك تايمز أنَ ((تمرز امتلك، الى مؤسسات أخرى، 76.7بالمئة من بنك الكومونولث ديترمويت مع شركاء سعوديين مثل الشيخ مساعد وغيث فرعون))[13].

عندما جاء تمرز الى لبنان عام 1983، استطاع، بدعم من أمين الجميَل وعلاقات أخرى، أن يدخل باب مجموعة إنترا. لقد ذكرنا في الفصل الثامن كيف توَزعت أصول بنك إنترا عام 1967بعد انهيار أمبرطورية يوسف بيدس على المودعين الرئيسيين، وأنَ المؤسسات الجديدة توَزعت بين شركة إنترا للاستثمار وبنك المشرق. وفي عام 1983،كانت نسبة 45بالمئة من أسهم إنترا للاستثمار تملكها الدولة ويديرها مجلس إداري من 12عضواً من رجال أعمال لبنانيين وعرب خليجيين. وكان الكويتيون والقطريون يحتلون ثلاثة مقاعد في مجلس الإدارة. وفي 11آب/أغسطس1983، أصبح تمرز رئيس مجلس الإدارة الذي كان يضم اللبنانيين كمال بحصلي وفؤاد بحصلي وخلدون سوبره وروبير سرسق وجميل مروَة وأحمد الحاج وجميل إسكندار وغابي جلخ والكويتيين خالد أبو سعود ومحمد الخرافي والقطري عبد القادر القاضي.

وخلال فترة زمنية قصيرة اهتزَ الخيط الذي يفصل بين ماهوملك تمرز وبين ما هو مصلحة مشتركة لمساهمي إنترا. فمنذ1983وحتى 1988، بنى تمرز لنفسه أمبرطورية مالية وامتلك عدَة شركات وأكبرها مجموعة Milcher Group. في تلك الفترة كان تمرز يملك حصصاً مهمَة إن لم يكن أغلبية الحصَص، في الشركات التالية: طيران الشرق الأوسط الخطوط الجوية اللبنانية الفرنسية، واستديوهات بعلبك، وشركة هول ماونتن، وشركة ترانس أوريان، وشركة إنترا للتأمين، وبنك الكويت والعالم العربي، وشركة سان لويس العقارية. كما كان تمرز مالكاً رئيسياً لمصارف first Phoenician bank,capital trustوcredit libanais.

في مقابلة مع صحيفة لبنانية ذكر تمرز أنَ عدد موظفيه في لبنان بلغ5000شخص.وفي مقابلة أخرى ذكر أنَه الشريك الثاني بعد مصرف لبنان في مجموعة إنترا [14] وأنَه يسيطر على 42بالمئة من بنك المشرق عبر مجموعة ميلشر[15]. أمَا أشغاله وممتلكاته خارج لبنان فلم تكن أقل أهميَة، حيث ذكرت مجلة أسبوعية أنَ تمرز باشر مشاريع سياحية وخدمات مالية بالتعاون مع وارن آيفز مالك شركة تأجير السيارات العالمية[16]AVIS .

أسَس تمرز شركة قابضة أخرى في بيروت تتخصَص في قطاع السفر الجوي، وأطلق عليها اسم جت هولدنغز.واقتنت هذه الشركة((خطوط عبر المتوسط))TMA Trans-mediterranean Airlines وهي شركة الشحن الجوية الوحيدة في لبنان، عبر تسديده ديونها التي بلغت 40دولار أميركي. ودليلاً  على عافية الشركة لاحقاً رفض عرضاً لبيع TMAبمبلغ 70مليون دولار. ومشى تمرز قدماً ضمن تقاليد التجَار في لبنان للحصول على النفزذ السياسي وخاصة في أوساط الشخصيات المارونية والرأي العام المسيحي، فوزَع أمولاً وأسهماً عبر شركاته على أمراء حرب وأصحاب نفوذ وأقام علاقة وثيقة خلال فترة من وصوله (1984-1983)بإيلي حبيقة، مسؤول الأمن والاستخبارات في القوات اللبنانية، والتزام بتمويل بناء مطار في قضاء البترون على قطعة من الاوتوستراد الساحلي قرب بلدة ((حالات)). وحظي هذا المشروع بشعبية في الأوساط المسيحية بعدما تعذَر الوصول الآمن  الى((مطار بيروت الدولي)) الواقع في ضاحية خلدة جنوب بيروت. وأكد تمرز سعيه لزيادة استقلالية وقوَة الكانتون المسيحي. ولقي مشروع حالات معارضة شديدة من أطراف عدَة في لبنان لاسيما من الفعاليات السياسية غرب العاصمة ومن أركان الدولة.أو ماتبقى من رموزها، على أنَه إمعان في تقسيم لبنان. في حين لم يكن وارداً لدى شركة طيران الشرق الأوسط ((الميدل ايست)) أن يخدم أي مطار غير شرعي واقتصر نشاطها على مطار بيروت الدولي. وكانت((الميدل ايست)) الشركة الوحيدة العاملة في لبنان بعد مقاطعة كافة الشركات العربية الأجنبية منذ عام1985 . ولكن الميليشيا المسيحية قامت بحملة علاقات عامة لدعم المشروع وكانت محطاَتها الإذاعية والتلفزيونية تبثَ كل نصف ساعة فاصلاً رمزياً بعنوان((حالات حتماً)) يظهر رسم حمامة وصوت طائرة تقلع وتهبط. ولئن ارتبط اسم تمرز بهذا المشروع ذي القيمة المعنوية العالية للشارع المسيحي، عمد الى تمويله بمبلغ 3ملايين دولار وسهَل لتسليفات من بنك المشرق. وكانت خرئط المشروع الهندسية تطمح الى مدرج يستطيع استقبال وإقلاع طائرات جامبوس من طراز بوينغ747 . ولم يكتف تمرز بالمال وبمشروع حالات(الذي لم ينفذ على أي حال) بل عمد الى توزيع أسهم في شركاته، وخاصة في ((تي أم إي)) كهدايا على سياسيين وصداقات جديدة. 

وفيما كان تمرز يوسَع نشاطه السياسي ليكوَن لنفسه((مرقد عنزة)) مع أمراء الحرب والتجَار في لبنان، فإن سمعته كانت تسير في طريق معاكس على الصعيد المهني، لاسيما في القطاع المصرفي ولدى أصحاب الأعمال الذين تعاملوا معه. وعلى سبيل المثال تعالت الشكاوى من المسؤولين الإداريين في شركة إنترا من ممارسات تمرز وتدخلات أصدقائه وداعميه للسياسيين في المسائل الداخلية للشركة. هؤلاء الداعمون من تجَار وأمراء حرب كانوا يدفعون باستمرار وبمساعدة وسائل الإعلام في شرق بيروت الى السيطرة على شركة إنترا بواسطة حلقة صغيرة من تمرز وآخرين معه. وكان منطق وسائل الإعلام المؤيدة لتمرز أنَ السيطرة على شركة إنترا تخضع لنفوذ مصالح عير لبنانية، وأنَ القطاع الخاص اللبناني لا يسيطر على أكثر من 28بالمئة من أسهمها فيما سيطرت مصالح كويتية على 25بالمئة وقطرية على5 بالمئة و42بالمئة للدولة اللبنانية ممثلة بمصرف لبنان. وللتقََرب من أمراء الحرب ومصالح التجَار الذين يدورون في بغفلكهم، شارك تمرز في كوس هجاء مجموعة إنترا وتذمَر((أنَ عرب الخليج يسيطرون على شركة إنترا منذ 17سنة وأنهم يملكون حق الفيتو على كل شيء. لا يمكننا أن نسمح بتسيير اقتصادنا من الخليج[17]) مع العلم أنَ مصالح تمرز الكبرى كانت مع سعوديين وخليجيين.

في العام 1988برزت طموحات تمرز بشكل غير مسبوق، حيث بات يأمل وراثة أمين الجميَل في منصب رئاسة الجمهورية اللبنانية. متكلاً على علاقاته في عالم المال والسلطة في لبنان، أعلن ترشيحه لرئاسة الجمهورية. وفي لفتة عكست أسلوباً تلقَنه خلال دراسته وخبرته في الولايات المتحدة، أرفق إعلانه بإطلاق فكرة((مشروع مارشال)) لإعادة بناء لبنان أنَه سيسعى((للحصول على مساعدات بقيمة 3مليارات دولار لهذه الغاية[18])).

ولم يكن تمرز يملك الكثير من المؤهلات كمرشح رئاسي كتلك التي يتمتَع بها أمراء الحرب والتي حققت لهم شعبية، بل اقتصرت مؤهلاته على كونه مارونياً وتاجراً غنياً.ذلك أنَ شروطاً عدةَ يجب أنَ تتوفَر في المرشح الرئاسي في لبنان ذلك الوقت لم يتمتع بها تمرز، منها تكوين صداقات، أو تحالفات أن أمكن، مع زعماء وأمراء حرب مسلمين، ومدَ اليد الى سورية للحصول على دعمها، والتقَرب بشتى الوسائل من أمراء الحرب والقيادات الدينية في البلاد الذين لا يمكن تجاهل مصادقتهم أو محالفتهم، ومشورة الدول الخمس الكبرى عبر سفاراتها في بيروت[19]، والتشاور وأخذ رأي بعض زعماء العرب لاسيما مصر والسعودية. وكل هذه الشروط يجب أنَ يتوجها طبعاً قدرة المرشح على أنَ يكون الحكم وأن يكون محل اجتماع اللبنانيين.

وفيما توفَرت هذه المعطيات، وليس كلها، في الرئيس المنتخب الشاب الراديكالي بشير الجميَل عام 1982، افتقد تمرز الى معظمها. وأسوأ من ذلك أنَ لهجة تمرز غير لبنانية كانت واضحة،الى درحة أنَ الفلسطيني يوسف بيدس كان أكثر نجاحاً في التحدَث باللهجة اللبنانية. فكان تمرز يرطن باللهجة المصرية ويكثر من استعمال العبارات الأميركية التي عكست اقامته في الولايت المتحدة. وفي مقابلة مع صحيفة لبنانية بصفته مرشحاً رئاسياً، تطرق تمرز الى موضوع الإصلاح في لبنان وأراد أنَ يقول إنَ يحتاج الى(( ثورة من فوق)) .لإحداث التغيير المطلوب، ولكن زلَ لسانه وقال((ثروة من فوق)). فلفت نظره الصحافي الى سبق عقليته المالية والتجارية على عقليته الإصلاحية[20].

وحاول أمين الجميَل تقديم النصح لتمرز قائلاً:((إنَك لا يفهم في سياسة البلد وفي أمور الطوائف والعائلات[21])). وكان هذا صحيحاً،ذلك أنَ تمرز الذي ورث الى حدَ ما أمبرطورية بيدس،كَررالكثير من أخطاء هذا الأخير في تعامله مع أمراء الحرب والتجَار في لبنان، مقللاَ من أهميتهم وخطرهم ومن التوازنات الطائفية ومواقع القوَة في لبنان، مستنداً الى فهمه لعالم المال واعتقاده بأنَه قادر على اجتراح المعجزات في الشركات الفاشلة أو المفلسة، فلم لا ينجح في ((تعويم)) الدول الفاشلة أو المفلسة؟ وعلى سبيل المثال جلب تمرز لنفسه عدواة آل سلام في بيروت بمحاولته طرد سليم سلام كرئيس لطيران الشرق الأوسط وتعيين خلف له يعمل بمشيئته ويساعده في توطيد هيمنته عل قطاع الطيران المدني في لبنان، وكان سليم سلام شقيق الزعيم البيروتي صائب سلام، وكان على تمرز أنَ يعرف أنَ التحرش بالزعماء في لبنان كان من الممنوعات.وذلك أنَ ((طيران الشرق الأوسط)) كانت شركة حديثة وضخمة إلا أنَها لم تكن تعمل في بئية أميركية ولم تخضع لنفس شروط ال Business كما هي الحال في نيوريوك، وأنَ اسم آل سلام ارتبط طويلاً بهذه الشركة، وأنَه مهما بلغت الأمور فالمطلوب هو ايجاد حلول وسطية. فكانت عبقرية تمرز المستوردة من أميركا تبسيطية ومؤذية في البئية اللبنانية.

وفي حملته للانتخابات الرئاسية توسَل تمرز الى نصح الكثيرين والى مستشارين ليعثر على استرتيجياً تؤمن له النجاح. وقيل لتمرز إنَ فرص نجاحه ستتَحن إذا حصل عل دعم أميركي ومباركة سورية لترشحيه. وليس واضحاً إذا كان الأمر مبادرة منه أو استجابة لنصح آخرين، فقد ذهب الى دمشق لمقابلة نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام، بعكس نصحية أمين الجميَل بألايفعل ذلك (وكان الجميَل محقاً لأنَ تمرز دفع غالياً ثمن هذه العلاقة فيما بعد). في دمشق تحدث تمرز مع خدَام بأسلوب خال من الدهاء وبعيد عن استيعاب أمور الشرق الأوسط. فقال له إنهَ ينصح سورية أنَ تقطع تحالفها مع إيران (حول حرب العراق إيران آنذاك) وأن تساعد في إطلاق الرهائن الغربيين في بيروت، ولقاء ذلك سيقدَم تمرز خدماته المالية لسورية وسيساعد فيادتها على تطوير علاقاتها الغربية، مايسهم في تحسين الاقتصاد السوري الراكد.وختم كلامه لخدَام: ((أنتم تساعدوننا في الأمن ونحن نساعدكم في الاقتصاد))[22]. وبعد فترة قصيرة من هذه الزيارة، أصبح حديث تمرز إلى خدام طرفة تداولها نائب الرئيس السوري مع أصدقائه ومعارفه من أمراء الحرب في لبنان وخاصة محاولة تمرز التصرَف وكأنه زعيم لبناني وتودَده إلى خدَام باستعمال لقب ((أبو جمال))، وهو أسلوب منتشر بين أمراء الحرب في دول المشرق (حتى لو لم يكن للشخص المعني ولد بكر). وكان تمرز قد التقى العميد في الجيش السورعدنان حمداني عام 1986[23] ورئيس الوزراء السوري عبد الرؤوف الكسم ووزير الاقتصاد السوري، فوضع نفسه في دائرة استفهام من عبد الحليم خدَام الذي كان المسؤول السوري الأول عن الملف اللبناني.

 

انهيار امبراطورية تمرز في لبنان

رغم ثروته وعلاقاته السعودية واللبنانية، لم يدرك تمرز هامشيته وقلَة شأنه بالنسبة للساحة اللبنانية ومسائل المنطقة. وعلى سبيل المثال، لم يعلم تمرز أنَ المشتغلين في السياسة في المشرق لا يخاطبون بعضهم بعضاً بوضوح أميركي قد يفسَر على أنَه أستذة أو عنجهية. وكان على تمرز أن يمضي سنوات في لبنان يتعلَم بيئة أمراء الحرب والتجَار الملتوية والتقاليد المتبعة حتى يصبح من ((الداخل)) لا أن يأتي بماله وخبرته الأميركية ويعتقد أنَه سيدخل بسهولة. فكانت النتيجة أنَه بنى ارتباطات سياسية شبيهة بتلك التي أقامها بيدس وكانت سبباً رئيسياً لهلاكه.

فأمراء الحرب والزعماء لن يرفضوا مالاً يقدمه أمثال بيدس وتمرز وغيرهما على أنَه جزء من إشعاع زعامتهم وليس منَة فهم يعتقدون أنَ التاجر يعمل ذلك لمصلحته الخاصة للاستفادة من نفوذهم وبالتالي فليسوا ملزمين بتقديم أي خدمات مجانية أو تنازلات لتحسين موقع هذا الشخص سياسياً.

بدأت أخطاء تمرز في شركة إنترا في تشرين الأول/أكتوبر 1983 أي بعد شهرين من بدء رئاسته لمجلس الإدارة. فقد قاطع الكويتيون والقطريون حضور الجلسات وبرَر تمرز ذلك بأن الوضع الأمني في بيروت بمنعهم عن الحضور. وبعد أشهر قليلة، في آيَار/مايو 1984 قدَم كل من فؤاد بحصلي وروبير سرسق وخلدون سوبرة استقالتهم من مجلس الإدارة اعتراضاً على أسلوب تمرز في العمل واتخاذ القرارات. واستقال جميل مروَة (الذي كان أيضاً يتمتع بعلاقات سعودية) لأسباب خاصة ثم غادر إلى لندن ليعيد نشر صحيفة الحياة بتمويل سعودي[24] وبشغور مقاعد في مجلس الإدارة لم يعد ممكناً اتخاذ قرارات، وكان حلَ المعضلة هو تخفيض عدد أعضاء المجلس، ماعزَز موقع تمرز حيث أصبح بإمكانه ومعه 5 أعضاء أن يشكلوا أغلبية ضرورية لاتخاذ القرارات.

عشيَة عودة تمرز إلى لبنان كانت خطوط المواجهة قد ارتسمت بين الرئيس أمين الجميَل تدعمه القوى المتعددَة الجنسيَة وبعض أجهزة السلطة، وتواجهه جبهة الإنقاذ الوطني بقيادة وليد جنبلاط و سليمان فرنجية ورشيد كرامي. ولدى استقالة ميشال الخوري من منصب حاكم مصرف لبنان، ضغط المعارضون لتسمية شخصية يرضون عنها، فاختير المحامي إدمون نعيم حاكماً جديداً عام 1984 وكان مصرف لبنان يمتلك النسبة الأكبر من اسهم شركة إنترا ولديه أعضاء في مجلس إدارتها، ولذلك كان المجلس المركزي لمصرف لبنان على علم بممارسات تمرز، في حين كان وليد جنبلاط زعيم الميليشيا الدرزية ونبيه برَي زعيم حركة أمل الشيعية غير راضيين عن تمرز لعلاقاته مع الجميَل وقيادات المنطقة الشرقية. وكان تمرز يتمتع بنفوذ قوي في شركة إنترا ويحتكر الاجتماعات وسير الأعمال والقرارات ما ابقى مصرف لبنان في العتمة.

سنحت الفرصة باكراً عام 1987 لكي يتحرَك مصرف لبنان، فما إن قدَمت شركة إنترا كشف حسابها عن 1986 حتى أمر إدمون نعيم بفتح تحقيق في دفاتر وسجلات الشركة وخاصة أنَ تمرز لم يدع إلى جمعية عمومية لأصحاب الأسهم طيلة عامي 1985و1986 ولم يردَ على أسئلة كثيرة طرحت حول كشف السحوبات لأعوام 1984 و 1986 و 1985 والتي امتلأت بالألغاز والمغالطات. كما أنَ مصرف لبنان رفض الاعتراف بنتيجة انتخاب مجلس إدارة جديد عام 1984 أسفر عن وصول ستة أعضاء جدد بعد استقالة ستة آخرين. وطلب مصرف لبنان إلغاء نتيجة الانتخابات والإبقاء على مجلس من 12 عضواً بدلاً من المجلس المصغَر.

وتكراراً لتجربة 1966 كان تحرَك مصرف لبنان لمواجهة ممارسات تمرز في شركة إنترا وفي مؤسسات أخرى متأخَراً، إذ كان عدد من المصارف والشركات المالية المرتبطة بتمرز قد بدأ يعاني من الصعوبات المالية. وخلال فترة وجيزة أعلنت عدَة مؤسسات افلاسها وتأذت أخرى من الإشاعات، فيما أعلنت ((لجنة الرقابة على المصارف)) أنَ المصارف التالية تواجه أزمات: بنك المشرق وبنك الاعتماد الشعبي وبنك الاعتماد اللبناني ومجموعة ملشر والبنك اللبناني العربي. ولطمأنة المودعين ورفض إدمون نعيم مقارنة ما يحصل في القطاع المصرفي بأنَه على مستوى أزمة 1966 شارحاً أنَ الفلتان القانوني في لبنان في زمن الحرب سمح لعدد من الأشخاص أمثال تمرز أن يرتكبوا أعمالاً منكرة. وبات واضحاً للرأي العام مدى الدعم السياسي الذي تمتَع به تمرز من العهد ومن أشخاص في الدولة وخاصة في الطريقة المريبة والسطحية التي تعاطت بها الدولة مع مشاكل بنك المشرق وبنك الاعتماد اللبناني ومؤسسات أخرى.

وعلى سبيل المثال كشف تقرير للجنة الرقابة على المصارف أنَ بنك المشرق قام بإيداع استثمارات يقيمة 60 مليون دولار في مصرف في جزر البهاماس في البحر الكاريبي يدعى ((المشرق بهاماس)) وأنَ هذه الودائع كانت مهدَدة لأنَ ذلك البنك كان عمليَاً مسجلاً لصالح شركة قابضة في دولة باناما وليس لبنك المشرق في لبنان. وأنَ مبلغاً آخر بقيمة 50 مليون دولار استثمره بنك المشرق خارج لبنان بدون أي ضمانات واضحة أو بدل أصول في سجلاته. وفي قرار صادر في تموز/يوليو 1987 أمرت ((لجنة الرقابة على المصارف)) تمرز أن يسترجع 100 مليون دولار من الأموال ((المودعة)) أو ((المستثمرة)) خارج لبنان باسم بنك المشرق ضمن جدول زمني محدَد، على أن تراقب اللجنة مباشرة مسألة استثمار هذه المبالغ متى عادت إلى لبنان. ولكن تمرز لم يكترث لقرار اللجنة مستنداً إلى علاقاته مع المناصب العليا، وبالتالي لم تتمكن اللجنة من فرض قرارها.

وقلَل تمرز من أهمية الوضع في بنك المشرق مبرراً ذلك بأنَ كل ما في القصَة أنَ هناك اختلافاً في الرأي حول حجم الأصول وقيمتها، وأنَ الأمر انتهى وحُلَ الموضوع. ولم يكتف تمرز بنفي حصول أي عمل غير قانوني بل اعتبر أنَه أنقذ البنك من الإفلاس عندما وصل عام 1983 ((كما أنَ شركة طيران الشرق الأوسط كانت في طريق الانهيار وكازينو لبنان كان يعاني من خسائر لاتحتمل وأنَ ((بنك الكويت)) كان مؤسسة صغيرة في حين كان وجود بنك المشرق في السوق يكاد ينعدم. واليوم أصبح بنك الكويت في وضع جيَد والمشرق هو من أكبر المصارف في بيروت في حين يقوم كازينو لبنان وطيران الشرق الأوسط بنشاط ملحوظ))[25].

وأخيراً استطاع مصرف لبنان ان يدفع تمرز إلى الاستقالة من رئاسة مجلس إدارة إنترا، واستلم مكانه جميل اسكندر، في حين التحق مجيد جنبلاط بمجلس الإدارة كمثل لمصرف لبنان. ولم تكن مجموعة ملشر التي يملكها تمرز في وضع جيَد فقد أعلن إفلاس بنك المشرق في كانون الأول/ديسمبر 1988 في حين كان بنك الاعتماد اللبناني،وهو من أكبر مصارف لبنان في تلك الفترة، يعاني من مصاعب مالية. في نفس العام انهار مصرف ((فرست فينيشان)) الذي يملكه تمرز وتدخَل مصرف لبنان ليتحمَل رواسب تعثَره وخاصة فيها تعلَق بديونه وودائعه. لقد تولى مصرف لبنان تسديد ديون ((فرست فينيشان)) بما في تلك المستحقة لدائنين خارج لبنان وتحرَك مصرف لبنان مجدداً في تشرين الثاني/نوفمبر 1989 لتدرك الوضع المتعثَر في بنك المشرق وبنك الاعتماد اللبناني واشترى أسهماً بقيمة 5و9 مليون دولار وتولى مسؤولية ديون ومتوجبات هاتين المؤسستين. وكمؤسسة تملكها الدولة اللبنانية، أصبح مصرف لبنان يملك 78 بالمئة من أسهم بنك الاعتماد اللبناني و 50 بالمئة من مجموعة إنترا بما فيها بنك المشرق.

 

رواسب أزمة القطاع المصرفي

من رواسب أزمة القطاع المصرفي اللبناني في الثمانينات تصديرها إلى الخارج، وخاصة بعد سماح حكومة الحص للمصارف عام 1977 بتوسيع أعمالها إلى off-shore banking وكانت أساليب المحاسبة المبتكرة في العمل المصرفي تشكَل أحد جوانب تشخيص القطاع.

إذ بعد إطلاق الحكومة حرية العمل المصرفي أوف شور، قامت عدَة مصارف بافتتاح فروع في الخارج. وأصبحت هذه الفروع تٌستعمل كآليات لامتصاص السيولة من بيروت من تحت أعين لجنة رقابة المصارف ومصرف لبنان، وتحويلها إلى الخارج حيث استغلَت الفروع الهامش الأكبر في حريَة التصرَف في أوروبا وغرب أفريقيا والشرق الأوسط.

وكان أن استغلَت المصارف اللبنانية ثغرة في قانون النقد والتسليف يسمح لها بالفصل بين الأصول من جهة والالتزامات أو الديون المطلوبة من جهة ثانية بحسب العملة (وطنية أو أجنبية). ولإدارة أصولها والتزاماتها، اعتبرت المصارف التجارية أن الاحتياطي المطلوب بالعملة اللبنانية هو القيد الوحيد وفيما حاول مصرف لبنان مراراً مراقبة الفروع الخارجية، وخاصة عندما كانت هذه الفروع تمول التزاماتها بالعملات الأجنبية من مركزها الرئيسي في بيروت، إلا أنَ مراقبة مصرف لبنان لم تمنع هذه المصارف من امتصاص سيولة سوق بيروت بالعملات الصعبة، وتحويلها إلى الخارج، ما شكَل ضغطاً إضافياً على قيمة الليرة اللبنانية.

وجاء الدعم لمصرف لبنان من مصدر غير متوقَع: فلئن فشل مصرف لبنان في رقابة فعَالة على فروع المصارف اللبنانية في الخارج، فإن هذا الأمر لم يكن يعني أن هذه الفروع كانت حرَة في أي نشاط تشاء القيام به في الدولة المضيفة. ذلك أنَ أجهزة الرقابة والمصارف المركزية في تلك الدول كانت تتابع عن كثب نشاطات المصارف الأجنبية. وجاءت فرنسا في مقدَمة الدول حيث استقطبت باريس عدداً كبيراً من فروع المصارف اللبنانية. وفي العام 1989 تعثرت فروع ثلاثة مصارف لبنانية في باريس ما أحرج فروع المصارف اللبنانية الأخرى في فرنسا ووضعها في موقف حرج تجاه السلطات الفرنسية. وكان اسم روجيه تمرز بارزاً، لأنَه كان رئيس مجلس إدارة Bpp) Banque de placement et paienment) الذي يملكه بنك المشرق في بيروت، وكان هذا البنك هو واحد هذه المصارف اللبنانية التي تعثَرت في باريس.

وكان تمرز قد استعمل هذا الفرع الباريسي لاستدانة مبالغ ضخمة من المال لتمويل مشاريعه وفي العام 1988، قام المصرف المركزي في فرنسا Banque de France بالتحقيق في هذا الفرع واكتشف أنَه يعاني من عجز قدره 250 مليون فرنك فرنسي.

أظهرت قضية Bpp عجز مصرف لبنان عن مواجهة مفاعلات نشاط ((الأوف شور)) وخاصة متى اشترك فيها رجال الأعمال من طراز تمرز. ذلك أنَه أثناء تحقيقات البنك المركزي في فرنسا كان بنك المشرق في بيروت بدوره يخضع لتحقيقات ويواجه صعوبات مالية ولم يكن بمقدوره تامين السيولة للفرع الباريسي. ورأى المصرف المركزي الفرنسي أنَ هناك مسؤولية قانونية تقع على عاتق مصرف لبنان لتامين هذه السيولة بصفته مالك الأسهم الرئيسي في مجموعة إنترا التي تضم بنك المشرق. وردَ مصرف لبنان أنَ مهامه كبنك مركزي لا تمتدَ إلى ضمان الودائع في فروع مصارف أوف شور وأنَ ضمان الودائع يقتصر على المصارف على الأراضي اللبنانية. ولدى استلامهم ردَ مصرف لبنان، لم يضيَع الفرنسيون الوقت بل أعلنوا إفلاس Bpp وعرضوا أصوله للبيع لتسديد ديونه.

أمَا القضية الثانية فكانت تتعلَق بمصرف UBC)) united Banking company لصاحبه رجل الأعمال اللبناني جو كيروز. ظهرت قضية هذا البنك إلى العلن عندما اعتقل رجال الشرطة الفرنسية المواطن اللبناني سليم اللاوي وهو يغادر فرع هذا المصرف في باريس و بيده حقيبة تحتوي على 3.5 مليون فرنك. ومنذ 1986، كانت السلطات المصرفية الفرنسية تراقب هذا البنك وتأمره بزيادة ملاءته عدَة مرات. وتبيَن أنَ هذا البنك ضالع في منع تسليفات لأفراد لبنانيين بلغت مئات ملايين الفرنكات خلال فترة قصيرة. وكشفت التحقيقات أنَ مصارف عدَة في باريس رفضت طلبات تسليف قدمها هؤلاء اللبنانيون وأنَ هذا البنك البناني في باريس منحهم قروضاً باساليب تخالف القانون الفرنسي بلغ مجموعها 250 مليون فرنك في حين لم تكن سجلاته واضحة حول أسماء الشخصيات والمؤسسات التي استلمت القروض.

والمصرف الثالث في باريس كان ((البنك اللبناني العربي)) الذي قدَم تسليفات لأشخاص ذوي تاريخ مشبوه في التعامل المصرفي. وهناك رابط بين هذا البنك والبنك السابق بسبب تشابه أسماء الذين قبضوا الأموال.

ولم تنجح محاولات المصارف الثلاثة طمس الدلائل قبل بدء التحقيقات إذ إنَ مصرف فرنسا المركزي ذكر من ضمن المخالفات التي قامت بها هذه المصارف لجوء ادارتها إلى التلاعب بالسجلات وتعديل الأرقام مباشرة قبل بدء التحقيق لتضليل العدالة.

لم تكن أزمة القطاع المصرفي وتعثَر عدد من المصارف في الثمانينات نهاية المطاف بالنسبة لمصرف لبنان، حيث كانت هناك تحديات أخرى. ذلك أنَ العلاقة بين مصرف لبنان والمصارف التجارية كانت متدهورة في الفترة 1985-1987 وهي مرتبطة بعهد إدمون نعيم في الحاكمية.

فوصل مستوى التعاون بين الجمعية ومصرف لبنان إلى الحضيض فيما انصبَت جهود نعيم والمجلس المركزي لمصرف لبنان على معالجة آثار أزمة القطاع المصرفي التي شملت 17 مصرفاً من أصل 85 مؤسسة مصرفية عاملة في لبنان. وذكر غسان العيَاش الذي عمل في مصرف لبنان أن ((عدداً من المصارف أصبح في عهدة أشخاص استغلَوا غياب القانون وانحسار الرقابة فأخذوا يقومون في مصارفهم بأعمال لا تنسجم مع أصول المهنة المصرفية وأخلاقيتها، أدَى ذلك إلى أزمة مصرفية ظهرت طلائعها سنة 1984 وأخذت تتسع شيئاً فشيئاً[26])).

في نهاية العام  1987 كان التشاور بين مصرف لبنان وجمعية المصارف نادراً فيما اشتدَت الخلافات عل أكثر من محور. وراح عادل قصَار رئيس جمعية المصارف يدعو إدمون نعيم الى الاستقالة في حين اتهَم عدد من أصحاب المصارف نعيم بأنَه منحاز الى المعارضة ضد عهد الرئيس الجميَل. وفي أحد اجتماعات جمعيَة المصارف، أخرج أحد الحضور كتيباً بقلم إدمون نعيم الى العام 1955 عندما كان نعيم عضواً في الحزب التقدمي الاشتراكي الذي يقوده كنال جنبلاط ورئيس تحرير مجلتَه الأسبوعية الأنباء.وكان الهدف من إبراز الكتيبَ تقديم دليل عل عقلية نعيم ((التآمرية)) في إدراته لمصرف لبنان حيث كان عنوان الكتيَب((نحو لبنان اشتراكي)). وكان نموذجاً من الحملة العالية التي قادتها المصارف وداعمواها من السياسيين ضد حاكم المصرف.

في العام 1989. وبعد عدَة عمليات إنقاذية وضعت عدداً من المصارف في عهدة البنك المركزي، استعاد مصرف لبنان بعض قواه السابقة في التأثير في القطاع المصرفي والمبادرة في تنفيذ السياسة النقدية. ورفضت جمعية المصارف هذا النفوذ المتجدَد الذي أحدثته سيطرة مصرف لبنان على عدَة مصارف تجارية بعد تعويمها في الفترة السابقة. فكيف لمصرف لبنان، وهو المنظم للسوق المالية والمنفذ للسياسة النقدية، وسيَد لجنة الرقابة على المصارف ومديرية ضمان الودائع,أن يكون في نفس الوقت مسيطراً على حيز هام من القطاع الخاص ولا يكون هناك تعارض في المصالح؟

ودافع مصرف لبنان عن توقعه إزاء هذه الحملات بأن واجبه كان أن يعَوم المصارف من التعَثروأنَ هناك ضعفاً هيكلياً في بنية القطاع المصرفي حيث تكاثرت المصارف الصغيرة وبات تعثًرها ممكناً بسبب فقدانها السيولة والفعالية من حيث الكلفة والإنتاجية مقارنة بالمصارف الأخرى. وأن المطلوب في لبنان هوبضعة مصارف من الحجم الكبير تواجه الصعوبات وتستطيع مواجهة المنافسة الخارجية التي كانت تشتد في الثمانينات. وكانت مسألة الحجم مهمة حيث أظهرت دراسة مصرفية عام1986أنَ كلفة تشغيل المصارف الأكبر حجماً نسيباً[27].  

أمراء الحرب يستحقون تمرز

بانتهاء عهد أمين الجميَل في أيلول/ سبتمبر1988، ونتيجة لأخطاء تمرز المتتالية، فقد تمرز ما تبقى من مصادر الدعم والحماية. إذ1983   ثابر منتقدو العهد ومراقبوا القطاع المصرفي على الدعوة الى التحقيق في بواطن العلاقات التي ربطت تمرز بالجميَل،رغم أنَ هذا الأخير كان قد غضب على تمرز وانتقد أعماله، ورفض أن يمنحه أي دور في فريق عمله. وكثرت الدعوات إلى اعتقال تمرز بتهم ومخالفات قانونية عديدة.

وإذ فشل البرلمان ميشال عون رئيساً للحكومة إلى حين تأمين نصاب البرلمان. وكان عون طموحاً، قام بعدَة مساع في تلك الفترة لتوطيد سلطته واستعادة ما للدولة، وأحدها وضع اليد على مجموعة إنترا والتأكَد من صحة عملها. فأمر بفتح تحقيق حول روجيه تمرز، ولئن لم يتمثل هذا الأخير لمشيئة عون، صدرت بحقه مذكرة جلب. واستفادة تمرز من وجود حكومتين شرعيتين في لبنان (الأخرى في غرب بيروت برئاسة سليم الحص )، ومن عدم قدرة عون على تنفيذ المذكَرة في كافة الأراضي اللبنانية، ففزَ إلى بيروت الغربية طلباً لحماية أعدائه السابقين، معارضي الرئيس امين الجميَل. كما أنَ تمرز كان يهرب أيضاً من التزامات مالية قدَمها لقيادات مسيحية في المناطق الشرقية وللقوات اللبنانية بقيادة سمير جعجع، حيث أصبح تمرز في فترة ما ((مصرفاً مركزياً)) لهولاء ينفق عليهم بسخاء. فكان فراره إلى غرب العاصمة إشارة أيضاً إلى تقرَبه من إيلي حبيقة القائد السابق للقوات اللبنانية المقرَب من القيلدة السورية وخصم جعجع.

وكانت علاقة تمرز بحبيقة تعود إلى 1983- 1985 عندما قدَم تمرز 100 سهم لحبيقة في كازينو لبنان التابع لمجموعة إنترا وفتح له حساب تسليف. وكان تمرز يردَ على منتقديه حول توزيع الأسهم على أصدقائه ((هذه أسهمي وأنا أوزَع على من أشاء))[28]. وحل تمرز ضيفاً على وليد جنبلاط، الذي كانت تربطه به علاقة تجارية عبر أسهم شركة ((طيران عبر المتوسط)) التابعة لمجموعة إنترا. فقامت ميليشيا الحزب التقدمي الاشتراكي بتأمين الحماية له في مكان إقامته في فندق سمرلند وكذلك في شقة يملكها في شارع فردان.

كشف سلوك تمرز منذ مجيئه إلى لبنان وحتى تورَطه مع أمراء الحرب، عن الكثير في سذاجته في تعاطيه مع البيئة اللبنانية : إنَه في بلد يعاني من حرب طويلة وتسيطر عليه شريعة الغاب و سلطة الميليشيات وتغيب عنه الدولة، وتمارس فيه كل الجرائم التي يتصوَرها العقل، بما فيها القتل والخطف والاغتصاب والسرقة والنهب والتخريب. فأي رجل أعمال عالمي عاقل لن يقدم على الاستثمار أو الإقامة في بيئة كهذه، ما يطرح السؤال: ماذا يفعل رجل أعمال مثل تمرز في بلد كهذا سوى أنَه يبحث عن كنز في بلدان فاشلة Bargain hunter؟. في تلك الفترة كانت عمليات ابتزاز الأثرياء والمتموَلين وفرض الخوَات وخطف الرهائن لقاء فدية أموراً واقعة في لبنان تتم على أعلى مستويات أمراء الحرب، وبتنسيق بين جهات لبنانية وسورية.

وكان تمرز قد برز كأغنى شخص في المناطق المسيحية واستند إلى المال كأفضل طريقة لشق طريقه طموح تمرز الرئاسي تبخَر مع انهيار امبراطوريته المالية والتجارية في لبنان، حيث كانت ظروفه تتجه من سيىء إلى أسوأ. فهو بات الآن بحاجة إلى منقذ، وإلى دعم السوريين أصحاب النفوذ الأكبر في لبنان، ليس لتأمين فرص نجاحه في الانتخابات الرئاسية بل لإنقاذه على الأقل من ورطاته. فسعى إلى تجديد اتصالاته مع السوريين وحلفائهم في لبنان، وهي اتصالات كان قد بدأها سابقاً واستطاع الحصول على بطاقة عبور عسكري من وزير الدفاع السوري مصطفى طلاس مباشرة ليستعملها أثناء زيارته إلى دمشق. ورأى تمرز أنَ إيلي حبيقة الذي يتمتع بصلات قوية مع القيادة السورية سيساعده في مسعاد فقدَم له عبر معاونيه سيارة ((سيارة رانج روفر)) بيضاء املاً أن يقبلها ويساعده في اتصالاته. ولم يكن أحد في لبنان يقاوم إغراء المال، فوافق حبيقة أن يؤمَن له لقاء مع نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدَام في دمشق. وتحدَد موعد اللقاء وذهب تمرز إلى دمشق ومكث في فندق شيراتون والتقى خدَام أربع مرَات في منزله في ضاحية المزَة ثم عاد إلى بيروت.

أصبح تمرز إذن محط عين الطامعين بماله في غرب بيروت، بعدما كان محط عين الطامعين في شرقها. وباتت عناصر الميليشيات تراقبه في انتقاله من فندق سمرلند إلى شقته في شارع فردان في سيارة مرسيدس مصفحة بلون أزرق ويرافقه حرس[29]. ولم يكن ممكناً خطفه في هذه الظروف، فاعتمد الخاطفون الخديعة حيث تمَ الاتصال به ووعده بتحديد لقاء مع باسل الأسد نجل الرئيس السوري حافظ الأسد (ووريثه الأبرز قبل وفاته في حادث). ففي شباط/ فبراير 1989، جرَته ميليشاوية إلى الاعتقاد أنَ الموعد قد حدَد مع باسل الأسد وأنَها ستشرف على نقله إلى دمشق. وصدَقهم تمرز وقبل شرطهم أن يأتي وحيداً بدون حرسه وسائقه وأن تتولى هذه العناصر قيادة سيارته المرسيدس. فتشكَل موكب من سيارتين، إحداهما سيارة تمرز المرسيدس برفقة أربعة عناصرميليشيوية تلحقهم سيارة الميليشيا بعنصرين. وفي الطريق، ولدى الوصول إلى البقاع حوَل هؤلاء وجهة سيرهم إلى شقة تابعة لأحدهم في زحلة. وأوهموا تمرز أنَ عليهم انتظار إشارة الانطلاق إلى دمشق من غازي كنعان مسؤول الأمن السوري في لبنان. ولكن ما إن دخل تمرز الشقة حتى أبلغوه أنَه أصبح رهينة لديهم. كان البرد قارساً في شهر شباط/فبراير ورغم ذلك أجبر تمرز على خلع ملابسه تماماً واقتيد إلى غرفة الحمَام حيث مكث أسيراً لفترة طويلة.

في الأيام الأولى لخطفه، ظن تمرز أنَ الأمر متعلَق بمخالفاته وفضائحه في المصارف والشركات، فباشر حديثه مع الخاطفين بالشكوى من ((حاكم مصرف لبنان إدمون نعيم الذي يطلب رأسي)). ولم يكترث الخاطفون بهموم تمرز بل كان تحقيقهم معه والذي استمرَ عشر ساعات يركَز على الفديةوحُرم تمرز من الطعام والتدفئة حتى يتعاون في دفع الفدية. وكان تمرز يكرَر أنَ ثروته غير منقولة في استثمارات وشركات وليست مودعة في المصارف وليست سائلة على أي حال. وأنَ مبلغ 12 مليون دولار هو مبلغ كبير جداً ولايستطيع توفيره. ويبدو أنَ تمرز تعرف على هوية خاطفيه فعرض عليهم بدل الفدية أن ينفَذ مشاريع لميليشياهم تخلق فرص عمل لعناصرهم وتحقق لهم الثروة. ولكن الخاطفين رفضوا هذا العرض ورفعوا درجة الضغط والتعذيب إلى درجة أنَ تمرز شارف على الموت مرَتين. ولم تغب مشاكله مع الدولة عن ذهنه في أسوأ لحظات اعتقاله، فكان يقول لخاطفيه: ((مشكلتي الكبرى هي إدمون نعيم! ساعدوني أن أجد حلاً معه. إنَه لايبالي ببنك المشرق أو بالبنوك في باريس وسويسرا كل ما يهمَه هو تدميري. لو كنت موجوداً في باريس الآن لما سمحت لنعيم في تفليس بنوكي في أوروبا))[30].

في تلك الأثناء انتشر خبر اختفاء تمرز في بيروت وانطلقت حملة للبحث عنه وجرى اتصال بالسلطات السورية فأبلغ المتصلون أنَ سورية لا تعرف شيئاً عن الموضوع ولا داعي للاتصال مرَة ثانية. كانت تلك المصيبة أسوأ حلقة في مغامرات تمرز في لبنان، حيث تعرَض للتعذيب والتجويع والإهانة حتى يدفع الفدية. وكان يشرح لخاطفيه أنَه لايملك السيولة الفورية ولكنه صاحب مشاريع وشركات ويقدر أن يوفَر لهم المال عبر مصارفه. وكان تمرز على علاقة مع مسؤولين سوريين هما عدنان محمداني والعميد عدنان محمود ولكن خاطفيه كانوا على علاقة مع سلطة أعلى من هؤلاء ويقال مع نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدَام مباشرة[31].

وطلب منه خاطفوه أن يكتب على ورقة تفاصيل علاقته بهذين المسؤولين والمبالغ التي دفعها لهما. وبعدما تبيَن أنَ أصدقاءه السوريين ووليد جنبلاط لن يستطيعوا إنقاذه، وبعدما أبلغه خاطفوه أنَ موته لن يغير شيئاً إذ سينتشر خبر موته في البلد أنَه كان ((عميلاً إسرائيلياً تَمت تصفيته))، بدأ تمرز يتعاون في تامين المال لخاطفيه لإطلاق سراحه. فأعطاه خاطفوه هاتفاً خلوياً ليجري اتصالاته ويحوَل المال إلى رقم حسابهم في فرع wedge Bank في شتورة. فاتصل تمرز بزوجته في نيويورك ثم بمساعدته نهى في باريس ثم بصديقه ((فيليب تابت)) في شركة طيران عبر المتوسط. وبدأ المال يصل إلى البنك في شتورة فاستعمله عناصر الميليشيا ونقلته في حقائب جلدية:

استغرق خطف تمرز 25 يوماً حتى بلغ مجموع ماوصل من مال 5ملايين دولار هو كل ما استطاع تمرز تأمينه وكان هذا كافياً للخاطفين. فتوزَع المال عماء الميليشيا التي خطفته إضافة الى مسؤولين سورية ولبنانيين،وذهب مبلغ الى محطة تلفزيونية محلية.واقتتيد تمرز الى غرب بيروت حيث أطلق سراحه. هذه تجربة حطمَت كل ما تبقى من أمال لدى تمرز في الاستمرار في لبنان وأقنعته أن يغادر البلاد فوراً بغير رجعة. وعمدت الميليشيا الى تزوير أوراق سيارته المصفحة فانتقلت ملكيتها الى اسم أحد مسؤوليها، كما احتلت الميليشيا نفسها شقة تمرز في شارع فردان ولم تخلعا إلا بعدما دفع مالكوها مبلغ 50 ألف دولار. في مقابلة مع الإعلامية ماغي فرح في 20 شباط 2000 على ((شاشة تلفزيون المستقبل))، نفي إيلي حبيقة القائد السابق للقوات اللبنانية أنَه أمر بخطف تمرز[32] ولكنه ذكر أنَه قبض من تمرز، مبلغ مليون دولار ((بعدما أوهمه بأنَه قبل عرضه بأنَ يقتل عناصر حبيقة، بناء لطلب تمرز، الدكتور إمون نعيم حاكم مصرف لبنان آنذاك))[33].

 

نهاية الأزمة

في كانون الثاني/ يناير1991  أعيد تعيين ميشال الخوري حاكماً لمصرف لبنان خلفاً لنعيم، فعسى الى معالجة ذيول القطاع  المصرفي. فاعتمد مشروعاً يقضي بمساعدة المساهمين الراغبين بتعويعم مصارفهم المتعثَرة عن طريق منحهم  القروض. أما المصارف التي تشكو من عجز في ملاءتها ولا يتقَدم المساهمون فيها لإنقاذها، فدفعها مصرف لبنان الى تصفية القضائية حتى لا تبقى أجساماً مريضة وقنابل موقوتة في القطاع المصرفي. وقََرر مصرف لبنان شراء موجودات المصارف التي تغلق أبوابها لأنها غير قادرة على الاستمرار وشطبها من لائحة المصارف. وهكذا طويت أزمة((بنك المدينة)) وذيوله في السنوات الأولى من العقد الأول من القرن الحداي والعشرين.

بعكس أزمة القطاع المصرفي في عام 1996 التي اسفرت عن صعود مصرف لبنان وتأسيس دوره وهيبته في السوق بمساعدة لجنة الرقابة على المصارف فإنَ أزمةَ الثمانينات ومقاومة المصارف التجارية لإجراءات مصرف لبنان، أضعفت البنك المركزي. حتى أنَ العلاقة الطيبَة التي نمت فيما بعد بين جمعية المصارف ومصرف لبنان منذ 1993 (بعد استلام رياض سلامة سدةَ حاكمية المصرف[34]) فإن هذه العلاقة كانت على حساب تقليص قوَة البنك المركزي في تنفيذ السياسة النقدية.ففي التسعينات وأوائل القرن الحادي والعشرين، ارتفع الدين العام من مليار دولار عام 1989 الى 40 مليار دولار عام 2006 وكانت المصارف التجارية الدائن الأكبر، وفشل مصرف لبنان في إقناع جمعية المصارف طيلة تلك الفترة بتخفيض سلَة الفوائد وتوسيع دائرةة التسليف للمؤسسات الاقتصادية والأفراد ما كان سيساعد في إطلاق النشاط الاقتصادي في فترة ما بعد الحرب.

** ** **

أما بالنسبة لروجيه تمرز، فقد أصدرت محكمة فرنسية حكماً عليه بإرجاع مبلغ ال57 مليون دولار المختلسة من المصارف التي رأسها في باريس، كما حدَد المدعي العام اللبناني المبلغ الذي اختلسه تمرز من بنك المشرق الذي كان يرئسه وبنك فرست فينيشان ب154 الى 200 مليون دولار. وفي حزيران/ يوينو 1995 أصدر القضاء العسكري اللبناني حكماً غيابياً بالسجن 15عاماً. كما أنَ القضا العسكري اللبناني أصدر في تموز/يوليو1997 حكماً غيابياً بالسجن 8 سنوات بحق تمرز ومعاونيه( ومنهم ماريو سيمونيدس وانطوان ايوب) لسرقة جوازات سفر لبنانية وطوابع أميركية من مديرية الأمن العام. وحاولت حكومة جورجيا اعتقال تمرز في تلك الفترة بموجب مذكرة أنتربول حيث أبقي قيد الحجز في غرفة الفندق في حزيران/يونيو1997، ولكن تدخل السغارة الأميركية أنقذه. وفي عام 29كانون الأول/ يناير1999، صدر حكم من القضاء العسكري اللبناني((بحق الفار روجيه تمرو بالسجن عشر سنوات مع الأشغال اشاقة لاتصاله بالعدو الإسرائيلي وزيارته إسرائيل في حزيران(يونيو) 1998ولقائه برجال أعمال الإسرائيليين وعقده صفقات))[35]. وفي 1991، انهار((بنك التسليف والتجارة العالمي)) وكان لتعثره دوي امتد الولايات المتحدة وأوروبا الى عدَة دول آسيوية. وذكرت التقارير عددا من شركاء تمرز السابقين، ومنهم كمال أدهم وغيث فرعون، بصفتهم المساهمين الرئيسين في بنك التسليف والتجارة.

وكان تمرز في هذه الأثناء يبني أمبراطورية من جديد حيث استقَر في الولايات المتحدة وعاود نشاطاته التجارية وباشر مشاريع لبناء أنابيب نفط وغاز في منطقة القوقازتشمل جورجيا وأذربيجان وأرمينا. في العام 1996 ارتبط اسم تمرز بفضحية شراء النفوذ السياسي على أعلى المستويات في الولايات المتحدة. كما عرض تمرز في تلك الفترة مبلغ 100مليون دولار لتمويل إعادة بوريس يلتسن رئيساً لروسية إذا دعمت موسكو مشروعه وفيما لم يحقق تمرزاختراقاً في روسيا، رغم فساد دولتها، فإنَه نحج في أميركا في اختراق البيت الأبيض سعياً وراء النفوذ.

لقد خرجت فضائح تمويل الانتخابات في الولايات المتحدة الى العلن وعام 1996 فتح تحقيق وخضع تمرز لاستجواب لجنة الشؤون الحكومية في الكونغرس الأميركي. ونشرت اللجنة تفاصيل التحقيقات على موقع أنترت الكونغرس. واتهم تمرز باستعمال المال للتأثير في السياسة الأميركية في مناطق من العالم حيث يملك مصالح أو ينوي القبام بمشاريع مثل مشروع أنابيب القوقاز عبر أرومنيا وأذبيجان وجورجيا على البحر الأسود بقيمة 5و2 مليار دولار، واستهجنت لجنة الكونغرس التي استجوبت تمرز آراءه حول النتخابات الأميركية حيث برزَ أنه لم يصوت قطَ في الانتخابات الأميركية لأنَ تمويل حملات المرشحين أكثر فعالية لكسب النفوذ (((لا يمكنك استدعاء مادلين أولبرايت من مطبخها في المنزل لتصبح وزيرة للخارجية بدون مال))). وكان تمرز قد ساهم بالمال لتمويل الحزب الجمهوري في عهد رونالد ريغان في الثمانينات ولكنه لم يستطع الوصول الى مواقع نفوذ في تلك الفترة. ولكن في العامين 1994و1995 دعم تمرز الحملة الانتخابية للحزب الديمقراطي ومرشحه بيل كلنتون، وتبرع ب250 ألف دولار، في وقت كانت الإدارة الأميركية ترفض دعم مشروعه لأنابيب القوقاز. وتكَرَرت تبرعات تمرزأملاً في كسب علاقات مباشرة مع البيت الأبيض لدعم مشاريعه وتجاوز الدوائر الرسمية. وبداأنَ أجواء الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة باتت شبيهة بأجواء السياسيين في لبنان فقد أدمن مسؤولوا الحزب على طلب المال من تمرز بشكل متنظم، وكانت شيكاته توزَع على مرشحي الحزب في الولايات المختلفة ومنهم السناتور إدوار كنيدي.

واستطاع تمرز الحصول عل لقاءات عدَة مع كلينتون ونائبه آل غور في عامي 1995و1996 ولكن البيروقراطية الأميركية استطاعت وقف مساعي تمرز مذكرة بتاريخه وبأن مشاريعه لا تلقى استحان الحكومة الأميركية. وجاء قي تقرير لجنة الكونغرس أنَ تمرز مطلوب من القضاء اللبناني والفرنسي بقضايا تتعلق باختلاسات وسرقات بمبالغ تصل الى مئات ملايين الدولارات وأنَ الانتربول يطادره[36]. وذكر تمرز للجنة التحقيق أنَه لو بحث عن اسمه في وسائل البحث على الأنترنت لوصل المرء الى الكثير من القصص المرعبة ولكنه بريء مما نسب اليه. أما حول قضية خطفه في لبنان فقد ذكر تقرير لجنة الكونغرس أنَ ((الأمر يتعلق بتعثَر بنك المشرق الذي رأسه تمرز وأنَ أمير حرب مسيحي في لبنان خسرة 3ملايين دولار من تعثر بنتك المشرق فأخذ تمرز رهينة لأنَ تمرز استعمل سيولة المصرف لتمويل مشاريعه الخاصة حول العالم. وأنَ تمرز نفى أن يكون قد بلغ المبلغ فدية عن خطفه))[37].

 

[1] Le Monde Diplomatique, 15 February 1983   ,De Quoi vivent Libanais،.

[2] اعتبر العراق وليبيا من الدول الأكثر سخاءً على الميليشيات في حرب لبنان والمصدر الأهم لتمويل التنظيمات الفلسطينية وحلفائها اللبنانيين في السنوات الأولى للحرب. وكان اللبنانيون يبتكرون في تصوير احتياجاتهم المالية ويبالغون بها أثناء مناقشتها مع داعميهم الخارجيين..

[3] غسان العيَاش، أزمة المالية العامة في لبنان، ص39 .

[4]  كمال حمدان، الأزمة اللبنانية،بيروت،المركز العربي للمعلومات، ص 207.

[5] وزير مالية ورئيس للوزراء لاحقاً

[6] حازم صاغية، موارنة من لبنان، ص 206

[7] For more details on the similarities between the tow men, see the7 november1973 issue of Fortune magazine. The comparison was also made in Daily News Tonight, New York, 27 March 1981.

[8] حازم صاغيَة، موارنة من لبنان، بيروت، المركز العربي للمعلومات، ص 313.

[9] Newsweek, 10 February 1975

[10] Daily News Tonight, 27 March 1981

[11] Newsweek,op.cit

[12]  New York Times, 4 May 197812.

[13]  Ibid

[14]  النهار العربي والدولي، 8 آب/ أغسطس 1988

[15]  المسيرة، 11 تموز/ يوليو1988 .

[16] مجلَة الصيَاد، 26 أيلول/ سبتمبر 1986.

[17]  مجلَة المسيرة، سبق ذكرها.

[18] النهار، 8 آب/ أعسطس 1988.

[19]  الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا وفرنسا، إضافة إلى الفاتيكان و ألمانيا وإيطاليا..

[20] مقابلة مع حازم صاغية، جريدة السفير، نشرها في كتاب موارنة من لبنان، بيروت، المركز العربي للمعلومات، 1988، ص 201.

[21] حازم صاغية، موارنة من لبنان، ص 210.

[22] حازم صاغية، المصدر نفسه.

[23] تم البحث في استثمارات يقوم بها تمرز عبر ((بنك المشرق)) في سورية، كمشروع زراعي مناصفة مع السوريين بقيمة 5 ملايين دولار رئيس دور تمرز هو توفير العملة الصعبة واستجلاب الخبرة الأميركية، في حين وفَر الجانب السوري المال بالعملة السورية وقطعة الأرض للمشروع، وأن يتم نقل المنتجات السورية إلى أوروبا عبر شركة المتوسط والخطوط الجوية السورية.

 

[24] غادر جميل مرَوة لبنان عام 1977 ثم عاد عام 1982 ليعاود نشر صحيفة الدايلي ستار بالانكليزية، ولكنَه أوقفها عام 1986 بسبب الحرب وغادر إلى لندن ليعيد نشر صحيفة الحياة بمساعدة الأمير خالد بن سلطان. ثم عمل فترة في الولايات المتحدة ليعود إلى بيروت مجدَداً عام 1993 مع عودة السلام وبدأ ينشر الدايلي ستار بشكل منتظم

[25] مجلَة المسيرة، 11 تموز/ يوليو 1988.

[26] غسَان العيَاش، أزمة المالية العامة، ص 190- 191.

[27] مجلة المنبر، باربس، رقم 49، آذار/مارس 1990، ص 50- 53.

[28] حازم صاغية، سبق ذكره، ص 209.

[29] Robert Hatem, From Israel to Damascus- the painful Road of Blood, Betrayal and Deception,. California, pride International, 1999, chapter 24

[30] Robert Hatem , chapter 24

[31] Robert Hatem, chapter 24

[32] جاء الاتهام في مقابلة تلفزيونية على شاشة ((الجزيرة)) مع مرافق حبيقة السابق روبير حاتم ((كوبرا)). وكان حاتم قذ نشر كتاباً بالانكليزية يحتوي سلسلة طويلة من الاتهامات بحق حبيقة. وقيل إنَ تمرز هو الذي موَل نشر هذا الكتاب.

[33]  جريدة السفير: ((حبيقة يرافع عن نفسه تلفزيونياً))، 21 شباط/ فبراير، 2000. في 7 كانون الثاني/ يناير 2006، أورد ((موقع المجلس الوطني للحقيقة والعدالة والمصالحة في سوريا))  على الانترنت المعلومة التالية المتعلقة بنائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام: جريمة اختفاف رجل الأعمال البناني روجيه تمرز في شباط/فبراير1989لدوافع تتعلق بالابتزاز الذي يهدف الى الحصول على مبلغ 12مليون دولار. وتشير المعلومات التي توردها الوثائق المتوفرة إلى أنَ عبد الحليم خدام أعطى أومره لإيلي حبيقة، وقد كانا يشكلان عصابة واحدة، لتفيذ هذه الجريمة من أجل هدف آخر يتصل بالصراع بين الأطراف المافيات المخابراتية السورية، حيث كان خدام يريد معرفة حقيقة العلاقة التي تجمع بين روجيه تمرز من جهة وضابطي المخابرات السورية العميد عدنان محمداني والعميد عدنان محمود. وتشير الوثاثق المتوفرة إلى أنَ المبالغ التي حصتلتها العصابة من روجيه تمرز تم تقاسمها بين كل من عبد الحليم خدام وغازي كنعان وأسعد حردان والنائب زاهر الخطيب(لتمويل قناته التلفزيونية-  تلفزيون المشرق)وآخرين . وقد تم تحويل المبلغ التي دفعت الفدية إلى حساب بنكي يخص أفراد ((العصابة)) اللبنانية- السورية في بنك wedge- فرع شتورا www.hrinfo.net//:http/.

وفي مقابلة مع تلفزين الجزيرة ((زيارة خاصة)) في أول شباط/فبراير2000،نسب روبير حاتم(كوبرا)الى حبيقة أنَه أصدر اليه أوامر مباشرة بخطف وتعذيب رجل الأعمال اللبناني روجيه تمرز. وإنَه- أي روبير- وضع خطة بذلك استدرج بها المليونير الى منزل تم إعداده لهذا الغرض في زحلة حيث تم تعذيبه بالصعق بالكهرباء والماء البارد. وعندما عرض  تمرز ان يفتدي نفسه بأي مبلغ من المال طلب حبيقة مبلغ اثني عشر مليون دولار، الا أن تمرز عجز في البداية عن السداد لعدم توافر مثل هذا المبلغ معه نظراً لأن أمواله مستثمرة في شركات ومشروعات. ولكن حبيقة لم يفرج عنه الا بعد فتح حساب مصرفي بأحد بنوك لبنان تم تحويل المبلغ البه. ونفى حاتم في الوقت ذاته أن يكون قد تتقاضى أية مبالغ عليه من تمرز مقابل إتمام الإفراج عنه، وقدَم حاتم لمندوب (الجزيرة") خلال الحوار العديج من الصور والخطابات بخط يد حبيقة- حسب قوله – ليؤكد أن حبيقة أمر بتعذيب تمرز وبأنه فاوه على مبلغ الفدية لكي يتم الإفراج عنه (المصدر: مجلة البيان، الإمارات، 2 شباط 2000).

[34]  يعتبر رياض سلامة الحاكم الأطول عهداً في مصرف لبنان بعد الياس سركيس. إذ إنَ سلامة تعيَن في منصب الحاكم الأول عام 1993 وجدَد له عام 1999 ثم مرَة ثالثة عام 2005. وكان فيليب تقلا أوَل من استلم حاكمية المصرف عام 1963 وحتى أزمة إنترا عام 1966. ثم استلمها الياس سركيس من 1967 وحتى انتنخابه رئيساً للجمهورية عام 1976. ولكن جوزف أوغورليان فاق الجميع في دوامه في مصرف لبنان حيث عيَن نائب الحاكم الأول لمدة 20 سنة، وهو يعتبر الأب الروحي لقانون النقد والتسليف. استلم أوغورليان منصبه عام 1963 وتولاه حتى تقاعده عام 1983. ولكن استقالة سركيس في 1976، جعلت من أوغورليان حاكماً أوَل بالوكالة من 1976 وحتى 1978، محافظاً على منصبه الأساسي. وتوالى على الحاكمية الأولى لمصرف لبنان فيما بعد ميشال خوري (1978- 1984) ثم إدمون نعيم (1985- 1991)، ليعود ميشال الخوري لفترة بسيطة (1991- 1992) ثم رياض سلامة منذ 1993 وحتى 2011..

[35]  جريدة السفير، 30 كانون الثاني/يناير 1999.

[36]  The saga of Roger Tmraz, INVESTIGATION OF ILLEGAL OR IMPROPER ACTIVITIES IN CONNECTION WTTH 1996 FEDERAL ELECTION CAMPAIGNS FINAL REPORT of the COMMITTEE ON GOVERNMENTAL AFFAIRS SENATE Report 105- 167- 105th congrees 2d Session- March 10, 1998

 

[37]  Testimony of Roger E. Tamraz, September 18, 1997, pp. 4-6

http://  www.fas.org/irp /congress /1998_rpt/ sgo- sir /2-21.htm

 

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19
« »
المصادر او الهوامش

معلومات النشر:

اعداد: العنكبوت الالكتروني

عنوان الكتاب: أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان

تأليف: كمال ديب

الناشر: دار النهار للنشر

تاريخ النشر: 01/02/2007

إشترك في خلاصة التعليقات عدد التعليقات: (1 منشور)

avatar
joe bloe
الثلاثاء, 10 كانون الثاني / يناير 2017, 07:45:PM
يسمح لنا الأخ وليد جنبلاط بالنسبية اذا أراد ان ينمو البلد ويتطور. جورج واشنطن وابراهام لينكلن كانوا اباء الحضارة الأميركية ولن نرى أحدا من احفادهم يتزعمون فئة في الحكومة الأميركية. نريد دم جديد يحكم البلد, ولا دور للآقطاعية. نرجو من الكل ان يفهموا ذلك. استفردوا بالبلد فامتصوا دماء شعبه. لا يجب ان يكون أي شخص فقير اذا كان يوجد إدارة حسنة للمال العام. فما ذنبهم؟ أخاف عليكم من كثرة ذكائكم.
المجموع: 1 | عرض: 1 - 1

إكتب تعليق

البريد الالكتروني يبقى سرّي و لا ينشر
  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

- التعليقات الواردة من القراء هي مسؤولية أصحابها ولا تعبر عن رأي إدارة الموقع بالضرورة
- تتم مراجعة تعليقاتكم قبل نشرها عن طريق إدارة الموقع

- (سياسة نشر التعليقات)

تابعونا

  1. دول خليجية تحذر رعاياها من السفر إلى لبنان (5.00)

  2. وفاة "ملكة الديسكو" دونا سمر عن 63 عاماً (5.00)

  3. معارض صيني ضرير بمطار بكين متوجهاً لنيويورك (5.00)

  4. الاكتئاب لدي المراهقين .. له إشارات يجب الانتباه لها (5.00)

  5. صحف العالم: أمريكا "تعاقب" باكستان بعدد سنوات سجن أفريدي (5.00)

  6. فيلم منتظر يكشف تفاصيل اغتيال بن لادن (5.00)

  7. أستراليا: التيار الوطني الحر في سيدني ينعي فقيده المفكر و المناضل والاعلامي المخضرم الأستاذ بطرس عنداري (5.00)

  8. الرحيل المفاجئ (5.00)