إعلانات Zone 4B

[CLOSE]

إعلانات Zone 3B

[CLOSE]
أحدث الأخبار:

إعلانات Zone 2B

[CLOSE]
الرئيسية | ثقافة | رفوف المكتبات | أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان (19 حلقة كاملة)

أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان (19 حلقة كاملة)

آخر تحديث:
image
الكاتب:
عدد المشاهدات: 36177
عدد التعليقات: (1)
قيّم هذا المقال/الخبر:
3.00
حجم الخط: A+ A-
نسخة صالحة للطباعة   نسخة نصية   أرسل إلى صديق
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19
« »

 أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان - الفصل الرابع عشر: أمراء الحرب الجدد - الموارنة والدروز

الفصل الرابع عشر

أمراء الحرب الجدد

 

الموارنة والدروز

 

هل يمكن الحديث عن أمراء الحرب في بداية القرن الحادي والعشرين؟ ألم يحدث تغيير جذري في المجتمع اللبناني في القرن العشرين؟ أم أنَ مقولة التغيير يمكن أن تكون خطوة إلى الوراء.

عمولة أمراء الحرب

إلى حد مل يمكن القول إنَ ظاهرة أمراء الحرب والزعماء والتَجار أصبحت أكثر تشبشاً بالمجتمع اللبناني عام 2006، في بداية القرن الحادي والعشرين، مما كانت عليه أعوام 1976 1946 و 1926. هي على الأقل أكثر عمقاً وجذوراً اليوم مقارنة بحرب 1958 وبالمجتمع الذي سبق الحرب 1975 . ونعتقد أنَ هذه الظاهرة هي بين الأدوات الأفضل صلاحيَة لتحليل الإشكاليات والتوصَل إلى حلول في لبنان.

بعد أربع سنوات من حرب لبنان 1958 عُقد مؤتمر فكري في جامعة شيكاغو في الولايات المتحدة لدراسة ظاهرة مقدرة لبنان المزدوجة، أولاً علىالاستمرار كدولة رغم الخلل الداخلي الخطير والمتفجَر، وثانياً النأي عن العواصف، التي كانت تضرب الشرق الأوسط في الستينات، بثمن قليل. وكانت المعضلة أنَ معظم الباحثين والمراقبين في هذا المؤتمر رفضوا ربط استمرارية لبنان كدولة باي دور إيجابي لزعمائه وانَ هذه الاستمرارية هي نتيجة ((سعي متعمَد)) من نخب لبنان السياسية والاقتصادية لجعلها كذلك، أو أنَ ثمَة في الأمر ((ديمقراطية ما)) تعمل لترتيب المنزل. أدار أعمال المؤتمر البروفسور ليونارد بايندر وقاد الحوارات السير أي.

آر. غيب وغوستاف فون غرونيبوم وفيليب حتَي وولفرد سميث وجون ولسون وغيرهم وكان من المساهمين بأوراق وأبحاث أسماء أصبح معظمها أعلاماً في الدراسات اللبنانية فيما بعد: فكتور أيَوب وجورج حكيم وإيليَا حريق وأرنولد هوتنغر وألبرت حوراني وجي. سي.

هوروتز وشارل عيساوي ومالكوم كروكلوفيس مقصود و بيار روندو وكمال صليبي، وشارل مالك وهشام شرابي ومايكل سليمان وبي. جي. فاتيكيوتيس ولبيب زويا يمق وهشام نشَابي وحسن صعب وغيرهم[1]. عرض في ذلك المؤتمر الباحث الألماني أرنولدو هوتنغر ورقة بعنوان ((الزعماء من منظور تاريخي))، فكان رائداً في التنقيب عن دور الشخصيات المحلية في صبغ لبنان وقولبة أحداثه[2].

ولكن عالم اليوم بات أكثر تعقيداً، أفقيَاً بين الدول والمجتمعات والقارات وعموديَاً داخل كل مجتمع، من طرح هوتنغر التبسيطي والمبكر الذي إنمَا أفاد في تشخيص أحداث لبنان في الخمسينات من القرن العشرين. إذ انتشر، ومنذ العام 1990، باب أكاديمي جديد حول أمراء الحرب اتفق على تسميته warlordism، اعتبر أنَه استمرار للإيديولوجيات الكليَة التي عصفت بالكرة الأرضية في القرن العشرين وخلال الحرب الباردة (communism, Fascism, Nazism, Stalinism,Moaism, Leninism). حتى إذا احتاج الباحثون إلى نعت يرادف الوجه البشع للعولمة، بحيث يقرَبها من الفاشية و النازية والشيوعية، خرجت كلمة ((غلوباليزم)) (Ghobalism) لتمييزها عن المعنى الاقتصادي والاجتماعي في كلمة globalization. ((غلوباليزم)) بما هي احتكارات للثروات والشعوب واضطهاد وهيمنة بمستوى لم يشهده العالم من قبل. ومقابل هجمة العولمة هذه، هناك هجمة مضادة تعود إلى الجذور المحليَة لمصادر السلطة والنفوذ والعادات والتقاليد والديانات والإثنيات. وهي ظاهرة بدأ الأكاديميون ومراكز الأبحاث في متابعتها وفي إعادة النظر، على ضوئها، في الكثير من المفاهيم والاستنتاجات عن أحداث القرن العشرين، منذ الحرب العالمية الأولى وحتى ظاهرة ((الحروب الجديدة)) منذ سقوط الاتحاد السوفياتي وانتهاء الحرب الباردة عام 1990.

وطبعاً هناك حدود ومقاييس لكيفية استعمال توصيف ((أمراء الحرب)) في شرح وتحليل الأحداث والحروب والأزمات. ولعلَ التوصيف البديهي لأمراء الحرب الجدد هو الذي تقدَم به الباحث الإيطالي أنطونيو جيستوزي عام 2005 ضمن دراسة صدرت عن مدرسة لندن للاقتصاد بأنَ ((الشرعية العسكرية)) لأمير الحرب هي الشرط الأول ليحظى بالولاء الاجتماعي[3]. وهو شرط لا يتطلَب التسلَح الدائم أو الحرب الدائمة، بل أن يلعب هذا الشخص القائد دور أمير الحرب حتى في أوقات السلم، فيكون رصيداً لجماعته وبوليصة تأمين في بيئة لا توحي بالاستقرار الدائم، كما هي الحال في لبنان منذ 1990. من هنا افتتحت مدرسة لندت للاقتصاد مركزاً باسم ((برنامج دراسات دول الأزمات)).

ولكن إذا كانت ((الحروب الجديدة)) في التسعينات وصعود أمراء الحرب حول العالم وهي من كظاهر العولمة، فكيف نفسَر أنَ الحرب ((انتهت)) في لبنان عام 1990، لتبدأ سلسلة حروب في عشرات الأمكنة حول العالم؟ يقول أحمد بيضون ((السؤال أن ننظر إذا كان السلام قد حل في ديارنا حقاً)) عام 1990، مع ضرورة عدم الاستهانة بما هو محقق من حصر رياح القتل والدمار التي استمرَت 16 عاماً، ولا من أعمال الإعمار التي انطلقت في التسعينات. بل هو يشير إلى ما استبقاه أمراء الحرب من ((عدَة الحرب وعديدها، وعلى ما أسند بقدرة قادر إلى كثيرين من أهلها، وكأنما حفظت لها بذرة أو بذور في لبَ السلام ليوم يحتاج فيه إلى تكثير البذرة وإطلاقها جائحة، تأتي على الأخضر واليابس))[4]. ويشير بيضون أنَ السلام اللبناني ((كان قريب الشبه بالحرب تخاض بوسائئل أخرى)). كانقلاب على عبارة الفيلسوف الألماني كلاوسفيتز أن ((الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى)). ذلك أنَ السلام لم يستقم وميثاق السلم تمَ خرقه مراراً وعمل بعكسه مراراً أخرى وانفض الرعاة الإقليميون والدوليون عنه. فلا سورية أعادت انتشارها وانسحبت بموجب الميثاق الجديد، ولا فرض الرعاة الدوليون على إسرائيل الانسحاب من الجنوب. فبقي منطق الحرب سائداً بوسائل أخرى حتى كان عاما  2005 و 2006 مساحة لدى أمراء الحرب للعودة إلى لغة الحرب الأهلية والتلويح بها كل أسبوع تقريباً. فاللبنانيون خرجوا عام 1990 من الحرب بما هي نار، وهذا إنجاز بعينه، ولكنهم دخلوا الحرب الخاملة، حيث السياسة مواصلة للحرب بوسائط أخرى أضف إلى ذلك المزيد من جلب العوامل الخارجية وحروبها كعدوان تموز/يوليو 2006.

أمَا كيف أصبح أمراء الحرب جزءاً من العولمة بمعناها الأيدولوجي السلبي أي warlordism in globalisme، فذلك أنَ هؤلاء أصبحوا ((عملاء ناشطين)) في المال والسياسة في النظام العالمي بدون تدخَل من الدزلة التي يقمون بها. فلهم علاقاتهم الإقليمية والدولية ونشاطاتهم المالية والاقتصادية العابرة للحدود[5]. وهكذا أوجدت العولمة فرصاً لأمراء الحرب في توسيع مصادر تمويلهم، وربما أيضاً في خلق نماذج عديدة حول العالم لأمير الحرب الديني ولإثني والأيدلوجي وتاجر المخدرات(ما أوحى لتوماس فريديدمان مراسل النيويورك تايمز في عنونة كتابه عن العاولمة سيارة الليكسوس وشجرة الزيتون)[6].ولقد انتشر أمراء الحرب و((الحروب الجديدة)) في القارة الأفريقية وأميركا اللاتينية وأنحاء آسيا. أما لماذا ارتفع عدد هذه الحروب في التسعينات، فالشرارة انطلقت في أوروبا حيث انهارت حدود الأمبراطورية السوفياتية ودول المعسكر الاشتراكي.كاراباخ(أرمينيا) وجورجيا غيرها، سقط ضحيتَهََا مئات الألوف من القتلى وملايين الجرحى والمهجَرين.

أمَا البعد الثاني لانتشار ظاهرة أمراء الحرب الجدد فهو انهيار الأيديولوجيات التي هدفت إلى الإصلاح والتطَور والتحَََرر، ووسمت الحرب الباردة قبل 1990بمبادئها(كالقومية العربية والشيوعية والاشتراكيه،الخ). فاستعاد أمراء الحرب خلق أنفسهم في قوالب جديدة جاهزة منذ غابر الأيام، كأمير لجماعة دينية أو أمير منطقة أو مجموعة إثنية. ذلك أنَ الجماعات الأيدلوجية خسرت أربابها الدوليين( كتجربة كمال جنبلاط مع الاتحاد السوفياتي أثناء حرب السنتين في لبنان). وهذا ما جعل الحروب الجديدة في العالم الثالث بعيدة عن طابعها الأيدلوجي الذي صبغ أزمات الستَينات والسبعينات والثمانينات[7]، فيما كثر الكلام في مراكز البحث الأميركية، القربية من صناعة القرار في واشنطن، ((عن الدول التي فشلت)) collapsed states. فجدر التدَخل لبناء ((نظام عالمي جديد)) في عهد جورج بوش الأول(ألم ((ينته التاريخ)) الهيغيلي عام1990 حسب فرنسيس فوكوياما)، ومن ثم ((نشر الديمطراطية في العالم))، في عهد جورج الثاني وغزو العراق وأفغانستان( ضمن أجندة المحافظين الجدد). وبرزت الحرب الأهلية في اليمن ودور زعماء القبائل المدججة بالسلاح من الكلاشنكوف إلى الدبابات، وحرب السودان التي تهدأ في جنوبه لتشعل في غربه، وفي رواندا وبوروندي والصومال وتشاد، ومعظم دول أفريقيا الغربية التي لم يتضَح إذا كان ثمة كيانات يصلح وصفها كدول، كسييراليون وليبيريا. وكذلك في أفغانستان وأكثر من ذرينة فرق بأمرائها وقواها المناطقية والإثنية والمذهبية، وأزمات مشابهة في بورما وسري لانكا والفيلبين. حتى أنَ أنطونيو جيستوزي يشرح كيف أصبح أمراء الحرب[8] في أفغانستان بناة دولة ((الطالبان)) هناك. وخارج منظومة روساء الدول المعترف بها، برز على الساحة الدولية فرح عيديد وشارل تايلور وجوناس سافيمبي واسماعيل خان ورشيد دوستم وميلان بابيش ومسعود رجوي والملا عمر وأسامة بن لادن والزوقاوي وغيرهم.

 

لبنان ساحة أم دولة

طغى على الساحة اللبنانية في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين طاقم جديد من أمراء حرب وزعماء وتجار أخذ مكان الطاقم الذي كان مهيمناً معظم سنوات القرن العشرين كما بزر استقطاب طائفي حادَ عكسته نتائج انتخابات برلمان 2005، حيث تمثلت الطوائف الأربع الكبرى(الموارنةوالسنَة والشيعة والدورز) ببضعة أشخاص:

-برز في صفوف الموارنة خمسة أشخاص هم الجنرال ميشال عون(قائد الجيش السابق وؤئيس الوزراء السابق) والدكتور سمير جعجع(رئيس الهئية التنفيذية لحزب((القوات اللبنانية))، الميليشيا المسيحية) والرئيس أمين الجميَل(الرئيس الأعلى ل((حزب الكتائب)) ورئيس الجمهورية السابق) والوزير سليمان طوني فرنجية (حفيد الرئيس السابق سليمان فرنجية ووريثه في زغرتا وزعيم((لواء المردة))). كمت أنَ شخصين آخرين على الأقل برزا  بدعم سوري هما رئيس الجمهورية العماد إميل لحود(في ولايتين2007-1998)، والوزير إيلي حبيقة(الرئيس السابق للهيئة التنفيذية((القوات اللبنانية)) الذي أصبح نائباً ووزيراً حتى عام2000ثم قضى بانفجار في بداية2002 ).

-وفي صفوق الشيعة برز شخصان هما السيَد حسن نصر اللـه(أمين عام ((حزب اللـه))، القَوة العسكرية اللبنانية الوحيدة بعد الحرب خارج إطار الجيش اللبناني) والرئيس نبيه برَي(رئيس مجلس النواب منذ 1992ورئيس((حركة أمل)) منذ1980).

-أمَا في صفوف السَنة، فضغى الرئيس رفيق الحريري(الذي قضى في انفجار يوم 14شباط/ فبراير2005)، ونجله الشيخ سعد الذي حصل على تعاطف شعبي كبير مكنَه من ترؤس كتلة نيابية كبيرة بعج انتخابات برلمان2005 يدعمه مفتي الجمهورية الشيخ محمَد رشيد قباني. وحافظ عل موقعه وإن بدرجة أقل النائب أسامة سعد رئيس ((التنظيم الشعبي الناصري)) في صيدا وحظي بكرسي نيابي وعمر كرامي في طرابلس.كما تبيَن بعد تظاهرة في أوساط السَنة في لبنان وخاصة في طرابلس والبقاع، وأنَها يمكن أنَ تجمع بين اللبناني والفلسطيني في صفوفها.

-وتبوأ الدروز الوزير وليد جنبلاط(رئيس ((الحزب التقدمي الاشتراكي)) الذي برز بقوة عام2005 بعد اغتيال الحريري، حتى أنَ الوزير طلال أرسلان، زعيم الأسرة الدرزية التقليدية بمواجهة آل جنبلاط، فقد مقعده النيابي بعد انتخابات 2005، ولم يتولَ أي حقيبة وزراية.

وبقي الروم الأرثونكس((طائفية الاطائفية))(ورغم قوَتهم العددية) حيث بقي في الساحة الوزير ميشال المَر ونجله الوزير الياس المَر والناشر جبران تويني، الذي كان بارزاً في معارضة الوصاية السورية حتى مصرعه في انفجار في نهاية2005. وبرز إلى حدَ ما الأستاذ غسان تويني عميد جريدة النهار، وأنَ رفض الصبغة الطائفية، حيث أصبح نائباً في البرلمان بعد مصرع نجله جبران.

نعالج أمراء الحرب الجدد في هذا الفصل والفصل التالي، ونخصص هذا الفصل للموارنة والدروز والفصل التالي للشيعة. أمَا الفصل الأخير فيركَز على التجَار وعلى الرئيس رفيق الحريري. ونعتقد أنَ الفصول الثلاثة مجتمعة تشَكل محاولة مفيدة لفهم جذور ومنطلقات عالم أمراء الحرب في لبنان في مطلع القرن الحادي والعشرين.

في شهر آذار/مارس2006، وقد مضى أكثر من عام على اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، انعقدت طاولة حوار دعا اليها نبيه برَي بصفته رئيساً لمجلس النواب. فتمثل الدروز بوليد جنبلاط والسَنة بسعد الحريري، في حين تمثَل الشيعة بنبيه برَي والسيد حسن نصر اللـه والموارنة بسمير جعجع وميشال عون وأمين الجميَل. وباستثناء سعد الحريري جمع كل هولاء قاسم مشترك هو خبرتهم في شؤون الحرب، ينطبق عليهم مفهوم أنطونيو جيستوزي المذكور أعلاه. لقد اختلف تكوين طاقم أمراء الحرب الجديد عن ذلك الذي انتهى في زمن الحرب. ولعل من أهم مكَونات الطاقم الجديد هوصعود الشيعة بعدما كانوا العنصر الأكثر انتماءً الى الأحزاب اليسارية.

والملاحظة الثانية هي أنَ أماكن إقامة الشخصيَات الرئيسية المذكور أعلاه عام2006 كانت في مواقع محصنَة، قصور أو ماشابه، في مناطق نفوذ مذهبي:

-بدءأ من الشمال، حيث اتخذ سمير جعجع مركزه في أعالي الأرز(قضاء بشري) في وسط ماروني.

-وسليمان فرنجية في قربة بنشعي(قضاء زغرتا) في وسط ماروني.

-وآل الجميَل في بكفيا، مركزهم التاريخي(قضاء المتن) في وسط يشترك فيه الموارنة والأرثوذكس.

-وميشال عون في الرابية (قضاء المتن).

-ووليد جنبلاط في قصر المختارة، عاصمة الأسرة الجنبلاطية(في أعالي الشوف)حيث يقطن أغلبية دروز لبنان.

-وسعد الحريري في قصر قريطم غرب العاصمة، وسط الثقل السنَي في بيروت.

-والسيَد حسن نصر الله في الضاحية الجنوبية، معقل دولة((حزب الله)) وثقلها الديمغرافي الشيعي.

-ونبيه برَي في قصر المصيلح(قضاء الزهراني) في جنوب لبنان، حيث المعاقل الأخيرة ل((حركة أمل)) التي يقودها بعد تراجعها أمام((حزب الله)) (لبَري منزل آخر في عين التينة في بيروت بصفته رئيساً للبرلمان).

-والرئيس إميل لحود في قصر الجمهوري(قضاء بعبدا)، معزَزاً بحصانته الدستورية ومتمتعاً بحماية الجيش والأجهزة التي تشغل مساحات واسعة في محيط القصر الجمهوري.

لقد أصبحت كلمة ((ميليشيا)) ممقوتة في لبنان، خاصة بعد صدور قرار حكومي بحلهَا وقرار((العفو عما مضى)) في بداية التسعينات. ولكن الحقيقة أنَ تشخيص الميليشيات، في زمن ما بعد الحرب، وكأنها جسم غريب ظهرفجأة عام 1975واختفى عام1990، هو تشخيص سطحي لا يستقيم أمام الواقع. إذ يمكن تعداد ممارسات عناصر هذه الميليشيات ومخالفاتها وتعهداتها على الناس، وقيامها بالجرائم ولكن لا يمكن اعتبار غيابها عن الشارع في التسعينات، أو أكثر دقَة، غياب سلاحها،(( وكأنَه إشارة الى عودة الدولة من الدويلات))، كما شاء رئيس الجمهورية إلياس الهرواي، وأنَ كل شيء أصبح على ما يرام قبات بإمكان الناس أنَ تخرج من الملاجىء.

ليس معنى ذلك أنَ اللبنانيين كانوا يريدون الحرب لا السلم، بل إنَ نهاية الحرب عام1990 جلبت السعادة للناس، وسمح قرار نزع سلاح الميليشيات بعودة الروح المدنية بعد 16سنة من العنف. وفي تعليق لا يخلو من الطرافة يقول أحمد بيضون إنَ كثيراً من الناس ((وهم يتلمَسون تباشير الاتجاه الى حل المليشيات، يغسلون أيديهم من آثار الميليشيات المسكنية ويتصَرفون كما لو أنَهم  لم يلقوا عليها السلام في حياتهم قط))[9]. وفي موقف من الميليشيات، اعتبر جوزف أبو خليل أنَ ((القوات اللبنانية نفسها تعاملت أحياناً مع أهل المناطق التي تدافع عن أمنها و((أمن المجتمع المسيحي)) فيها، كما لو أنَها جيش غزو واحتلال ....فلا أحد أحسن من أحد في الحروب. وجيش التحرير هو مثل جيش الاحتلال يحلَل لنفسه أحياناً السبي  والنهب والتعدَيعلى الكرامات، والمقاتلون يصبحون قتلة، والقتلة مقاتلين))[10]. ويختار بيضون كامتصريحاً لسمير جعجع قائد الميليشيا المسيحية 27 آذار/مارس 1991، ((الميليشيات هي من المؤسسات المحترمة في هذا البلد)) و ((ليست فضلة عشاء أحد)). وجعجع محقَ في ذلك، لأنَ أمراء الحرب من مواقعهم السياسية وثرواتهم ونفوذهم استعملوا العناصر الشابة وقوداً في الحرب ثم أبعدوهم متى حل السلام، وكأنَهم لزوم ما لايلزم. حتى إذ عاد الاستقرار النسبي بات هم أشخاص كجعجع نزع تهمة الميليشيا وكأنَها جريمة لا تغتفر وبات عليه أن يمارس ما يساوي عند الكاثوليك الmae CUPla. حتى أن التنكَر ((للميليشيات)) كان له عدَة أوجه استعملت، حسبما قيل، لتدعيم السلم الأهلي وتثبيت مناخ العفو العام: ((اللبنانيون أبرياء مما حصل فهي حروب الآخرين)). فحمَل الفلسطينيون والسوريون والإسرائيلون وغيرهم وزر أحداث 16 عاماً.

وقيل أيضاً إنَ ((الأغلبية الساحقة من اللبنانيين كانت أغلبية صامتة، فيما اقتصرت الحرب على 6 أو  4أو 2 بالمئة من جملة أهل البلد)). وتخفي هذه النسب أن الحرب اللبنانية، أو أي حرب، لا تقتصر على من يحمل السلاح فحسب. فالجمهرة الطائفية هي امتداد للميليشيات العسكرية، كأن تٌحشد في مهرجانات خطابية لجماعة معيَنة أعداد تصل إلى مائة أو مائتي ألف شخص لتردَ عليها فئة مقابلة بحشد مماثل أو أكبر (مثلاً، حرب الساحات المليونية عامي 2005و2006).

وعلى أساس أنَ الجمهرة هي من أدوات القتال لدى أمراء الحرب، فإنَ هذه الأداة أخرجت إلى الشارع 20إلى 30بالمئة من الشعب اللبناني (600 ألف إلى مليون شخص). هذا عدا مقدرة أمراء حرب آخرين على حشد أعداد مماثلة، ما يشكَل أغلبية كبرى من الشعب ممن هم فوق الثامنة عشرة. حتى أنَ استفتاء أجري عام 2006 قدَر أن ربع اللبنانيين يحملون أسلحة فردية[11].

فكيف يكون نزع سلاح الميليشيات أذوناً بانتهاء الحرب وأين يكون إذن الراغبون في العيش ةالمشترك وأولوية السلم الأهلي[12] فلو كان هناك فصل بين الميليشيات وأمراء الحرب الذين يقودونها لما عمدت الجماعات اللبنانية في أكثر من فرصة إلى رفع أمراء الحرب إلى مقامات الدولة الأولى.

فيما يلي نستعرض بروز أمراء الحرب الجديد في أوساطهم المجتمعية.

 

إيلي حبيقة وسمير جعجع

بعد مقتل بشير عام 1982، التأم البرلمان مجدداً وانتخب شقيقه الأكثر اعتدالاً أمين الجميَل. وكان بشير وأمين عدَوين لدودين على الأرض في تنافس دائم، كل على طريقه،ولكن احتضان والدهما بيار الجميَل كان يحفظ التماسك العائلي.فبشير أثناء صعوده الدراماتيكي في الكانتون المسيحي لم يتعرَض لمنطقة المتن التي والت أمين سياسياً وعسكرياً والتي بقيت ((كتائبية)) خارج نفوذ((القوَات)). ولم يكن أمين بعيداً عن العسكر فقط خاض حرب السنتين من موقع قيادي، كما مارس صلاحيات عسكرية كرئيس للجمهورية وكقائد لكتائب المتن في الثمانينات،ولكنَه استمدَ اعتداله على الساحة اللبنانية من ثقافته و عضويته في البرلمان منذ 1972 خلفاً لموريس الجميَل.

وكعادة الشخصيات المارونية لدى تبوَئها الرئاسة الأولى، فضَل أمين أنَ يتصرَف كرئيس للبنان ويبتعدعن منطق الميليشيا والكانتونات. ولبنان مصداقيته تجاه مسلمي لبنان والعالم العربي، أعلن مراراً أنَه يريد بناء مؤسسات الدولة، واعتمد على الجيش اللبناني في توسيع رقعة الشرعية وليس على ميليشيا ((القوات اللبنانية)) التي خلفها بشير. ولكنه في سعيه هذا، قام أيضاً عشية انتخابه بعقد اجتماع مع الهيئة التنفيذية ((للقوات اللبنانية)) في المجلس الحربي، بهدف طمأنة هؤلاء. ولم يخل الاجتماع من أعصاب مشدودة واتهامات دفعت صولانج، أرملة بشير، إلى التدخَل مراراً لضبطها. كان ((عداء)) هؤلاء لأمين وخطه متوارثاً عن بشير، يخفي أحقاداً وتنافساً داخل الهيئة، سيتحوَل لاحقاً إلى صراع دموي. لقد دار صراع داخل الكانتون المسيحي بعد مصرع بشير، وإن بقيادات ضعيفة ومنقسمة. فقد حاول ((حزب الكتائب)) إبقاء مفاتيح الكانتون وأجهزته المدنية والعسكرية بيد أمين وأنصاره وليس بيد العسكر. فعيَن فادي أفرام، صهر آل الجميَل (زوج بنة ارزة، كريمة بيار الجميَل) قائداً للقوات بعد بشير. وكان أفرام قريباً من بشير ومسؤؤلاً عن شعبة المخابرات في ((القوَات)) منذ 1978، خاض معارك عدَة وجعله بشير قائداً للأركان عام 1981، ثم رقَاه إلى قائد ل((لقوات اللبنانية))، وجعل سمير جعجع، مسؤول الشمال، قائداً للأركان  وعضواً في الهيئة التنفيذية.

ولم يكتف أمين الجميَل بسلطته كرئيس للجمهورية فحسب، وهي سلطة أثبتت محدوديتها في تلك الفترة، بل بنى قواه الذاتية في المتن وحول بلدة بكفيا بما فيها عدَة مؤسسات تابعة له، كجزيرة أمنية وسياسية وعسكرية داخل الكانتون المسيحي. ولم تكن عناصر وكادرات ((القوات)) مرتاحة لأسلوب إدارة أمين الجميَل، وفي وقت ظهرت في بداية 1983 عدَة مصائب دفعة واحدة فتحت العيون على حقائق اجتماعية، حيث كانت المناطق الشرقية مزدحمة بالمهجَرين المسيحيين من كل مكان: من الشوف وساحله ومن عاليه وبعبدا وزغرتا وبشري.

وكان أبناء هؤلاء المهجَرين، مقاتلين وأفراداً، يعيشون مع ذويهم أوضاعاً مزرية. فلم يرتاحو لأمين الذي كان بعيداً عن قواعد القوَات، يختلف في كل شيء تقريباً عن شقيقه بشير الذي أحبَه المقاتلون والرأي العام المسيحي.

لم يكن لأمين الجميَل سلطة أخيه على ((القوَات))، كما أنَ الهيئة التنفيذية اعترضت على سعي أمين للممارسة سلطته كرئيس للجمهورية، فقاومت محاولته توسيع رقعة الدولة في المناطق المسيحية. وزاد الأمر سوءاً استعمال إسرائيل ((للقوات)) كأداة ضغط على أمين لحمله على سياسة تناسبها. لقد كانت الأعوام 1982- 1984  أكبر من أن يقوى المسيحيون على تحمَلها: مصرع بشير الجميل وما أعقبه من شعور بإلاحباط، وهزيمة الميليشيا المسيحية في الجبل، وسقوط بحمدون دور فادي فرام، وانهيارات عسكرية في الشوف وعاليه، وتهجير عشرات ألوف المسيحيين من الجبل إلى الضواحي الشرقية. وإذ تمسَك أمين بدوره كرئيس للجمهورية وبسعيه إلى حل لبناني، بدا في نظر الميليشيا المسيحية وأنصارها أنَه تخلَى عنهم. حتى أنَ صوراً وزعت ضدَه تسمية ((بيلاطس)) الذي سلَم المسيح للفرنسيين، وأخرى تسميَه ((محمد الأمين)) أحد ألقاب النبي العربي. ويقول جوزف خليل إنَ ما زاد الوضع سوءاً بالنسبة للدولة وبالنسبة للكانتون المسيحي عام 1984، أنَ ((الجيش الذي الذي أنفق عليه مئات ملايين الدولارات، انهار خلال أيَام بعد ((انتفاضة 6 شباط))، والحكم أضحى وقفاً على رئيس الجمهورية بعد استقالة الحكومة واستحالة تأليف حكومة بديلة... ومن جيش الثلاثين ألف رجل لم يبق على طول الجبهة سوى 2015 رجلاً!.... وأميركا تتراجع وتنسحب وإسقاط أمين الجميَل أصبح من الشعارات الأكثر رواجاً))[13].

ويتحدَث جوزف أبو خليل عن زيارة قام برفقة فادي افرام قائد((القوات اللبنانية)) إلى إسرائيل في 23 شباط/فبراير 1984، في وقت كان فيه أمين الجميَل يتَجه نحو حلَ سعودي سوري، حيث التقيا ديفيد كمحي ويوري لوبراني وموشي آرنز وتبلَغا استعداد إسرائيل ((لفتح صفحة جديدة مع أمين الجميَل وتقديم كل المساعدات)) وأنَ أمن المناطق المسيحية مضمون في كل الأحوال والظروف)) وأنَ تقوية ((القوات اللبنانية أمر مقرَر ولارجوع عنه...)).

وعندما عاد أبو خليل وأفرام إلى لبنان وأعلما الجميَل بالاتفاق قال: ((لم أنَها كارثة... أفضَل أن استقيل من منصبي ومسؤولياتي كلَها على الذهاب في هذا الخط خالي من أي ضمانة)).

 

وبعد ثلاثة أيَام (29 شباط/فبراير) كان الجميَل يزور دمشق للقاء الرئيس السوري حافظ الأسد. ويتساءل أبو خليل ماذا كان قد حدث لو نزل الشيخ أمين عند طلبنا وإلحاحنا واجتمع بموشي آرنز ووافق على ربط مصيرنا بمصير إسرائيل... لقد كان وحده تقريباً في مواجهة تيار مسيحي جارف يدعو صراحة إلى المضي في ما بدأ مع الاجتياح الإسرائيلي في صيف 1982 مهما كان الثمن)[14]. ويعتبر أبو خليل تلك المرحلة بداية ((السلام السوري)) في لبنان، فتشكَلت حكومة وحدة وطنية وبدأت محاولات الاتفاق على الإصلاحات السياسية وعلى الخطط الأمنية المواكبة لها. وتحسَن الوضع في البلاد، وفتحت الطرقات والمرفأ والمطار، وأقرَ قانون الدفاع الجديد وعيَن قائد جديد للجيش هو العماد ميشال عون (23 حزيران/يونيو 1984) بدل إبراهيم طنَوس، مراضاة للمسلمين. وعيَن أعضاء المجلس العسكري، وتألَفت عدَة لجان إصلاحية. ولكن بعد أيام من فتح الطريق الساحلي أعلن وليد جنبلاط، الذي كان وزير الأشغال العامة والسياحية، ((النظام الأساسي للإدارة المدنية في الجبل))، وتعذَر دخول الجيش اللبناني إلى الجبل. كما أنَ زيارة الرئيس الجميَل إلى صيدا بعد انسحاب إسرائيل منها في شباط/فبراير 1985 لحقتها فوراً تظاهرة خمينية مسلَحة انطلقت من بيروت ودخلت صيدا لتعلن حرباً على الحكم والجيش وتحرق العلم اللبناني. فيما تواصل المسيحيين من إقليم الحرَوب وشرق صيدا باتجاه شرق بيروت والشريط الحدودي. وهكذا كانت الحرب مستمرَة، ما قضى على أمل إنهاء الأزمة في 1984 و 1985.

وساهم في تعقيد الوضع الهوة الواسعة بين أميَن الجميَل وقادة الميليشيا المسيحية، وخاصة فادي أفرام وإيلي حبيقة وسمير جعجع، حيث كان الجميَل يحاول تثبيت نفسه كرئيس للجمهورية وكزعيم مسيحي في آن معاً، ما يعني أنَ على الميليشيا المسيحية أن تنسحب للدولة.

ويرى جوزف أبو خليل أنَ مصلحة الميليشيا المسيحية ((التقت مع ما عزمت عليه إسرائيل وأعلنته بلسان وزير الدفاع آرييل شارون بأنَها لن تدع أمين الجميَل يحكم ويمارس سلطته الرسمية خارج فصر بعبدا ... فكان من الطبيعي ان تلقى ((القوات)) تشجيعاً إسرائيلياً في وقت هي في أمسَ الحاجة إلى التشجيع، ولم يكن وارداً أن تستغني ((القوَات اللبنانية)) عن الدعم الإسرائيلي مهما كان. فاستمرَت العلاقة بين الجانبين وثيقة وحميمة، وخصوصاً على مستوى أجهزة المخابرات))[15].

وبدأ صراع في الكانتون المسيحي بين ((حزب الكتائب)) الذي بدأ يخسر موقعه التاريخي، و ((القوَات اللبنانية)) كميليشيا مسلَحة لها الكلمة الأعلى في زمن الحرب. فأدَى التنازل عن الدور العسكري للكتائب تحت شعار ((وحدة البندقية المسيحية)) إلى تنازل عن الشارع وعن ((القرار المسيحي)) أيضاً في زمن بشير الجميَل. وأراد طاقم الحزب وخاصة الذين عاصروا بيار الجميَل وأخلصوا له، استعادة وجوده ودعم أمين وشرعية الدولة، خاصة بعدما أصبح الأمر أكثر صعوبة بعد وفاة بيار الجميَل، المؤسس، في آب/ أغسطس 1984. إذ وقف رئيس الحزب الجديد إيلي كرامة والمكتب السياسي وجوزف أبو خليل، رئيس تحرير العمل، وجوزف الهاشم وآخرون مع أمين في نزاعه مع ((القوَات)). وإذ قضيت هيكلية ((القوَات)) أن يكون القائد كتائبياً يسمَيه الحزب، طلب المكتب السياسي من فادي أفرام، قائد القوَات، تسليم الحزب المبالغ والحسابات المالية التي في حوزته. فنفَذ ذلك بعد تردَد، لاسيما أنَ الطلب جاء مع اقتراب موعد نهاية مدَة السنتين واحتمال أن لايرشحه الحزب ((لولاية)) أخرى. وكان الرأي أن يقوم الحزب بتحديد موازنة سنوية لنفقات ((القوات)).

وفيما كان أعضاء الهيئة التنفيذية يظنَون أنَ سمير جعجع وإيلي حبيقة سيكونان المرشحين الرئيسيين لرئاسة الهيئة التفيذية، في 9تشرين الأول/ اكتوبر 1984، سمَى الحزب فؤاد أبي ناضر، ابن ((أرزة))شقيقية بشير وأمين قائداً للقوات. وكان أبي ناضر قربياً من أمين ومخلصاً له. وهو خريج كليَة الطب، لا تزيد سنَه عن 28عاماً. ولكنَ كان معروفاً لدى عناصر((القوات)) لمشاركته في معارك الجبهات وكسؤول لغرفة العمليات ومهام قيادية أخرى من 1982إلى 1984. ونجحت تسميته رغم معارضة جعجع وحبيقة وجورج عدوان، عضو الهيئة التنفيذية. وبدأ أنَ الحزب قد استعاد سلطته على((القَوات)) مالياً وعسكرياً، وأنَ الطريق أصبح سالكاً ليدعم الحزب والميليشيا المسيحية أمين الجميَل والسياسة التي انتهجها، تلك الفترة، سجلَ جوزف أبو خليل في مذكراته: ((اقتناعي اليوم هو أنَ عهد ((الحاكم الماروني)) ولى، بل كان ينبغي أن يحسن المسيحيون الموارنة استعمال هذا ((الامتياز)) وأن يوظَفوه في تحسين علاقتها بالمسلمين لكنهم لم يفعلوا))[16]. ويشير إلى لقاءات كتائبية سورية على عدَة مستويات،أحدها في شباط/فبراير1985، ضَم، الى أبو خليل، رئيس الحزب إيلي كرامة ونائبه جورج سعادة وألفرد ماضي وجوزف الهاشم وجورج عميرة. وذلك قبا أسابيع من((انتفاضة الشرقيَة)) ضد هذا التوجَه .

برز في قيادة الانتفاضة((القوَاتية)) ثلاثي ضم إيلي حبيقة عن الأمن، وسمير جعجع عن العسكر، وهما من الموارنة، وكريم بقراوني((رئيس الدائرة السياسية والإعلامية)).

-إيلي حبيقة: كان حبيقة كتائبياً مخلصاً موالياً لآل الجميَل وللحزب و((القضية المسيحية))، فاستلم مواقع أمنية واستخبارتية في الحزب، وبات موضع ئقة القيادة. ولد حبيقة في قليعات (كسروان) عام1956 ونشاَ في حي الجميزة من الوسط التجاري في بيروت. وما أنَ اشتعلت حرب السنتين حتى غادر المدرسة عن سن19عاماً وأصبح مقاتلاً في الميليشيا المسيحية، وإذ برز في القتال،أفرز إلى فرق((BG))(بشيرالجميَل) الخاصة ببشير، وأصبح أسمه الحركيHK. في تلك الأثناء، كان المقَربون من بشير فؤاد أبو ناضر، وفادي افرام وسعود أشقر(((بوسي))) وإلياس الزايك وطوني كسرواني وسامي خويري وغابي توتنجي وجوتوتنجي. فعوَض حبيقة عن قلَة العلم والمال والخليفة العائلية بذكائه وسرعة بديهته، واندافاعه ليصبح ضمن النخبة القيادية الصغيرة حول بشير.فشارك في معظم المعارك وكان رأس الحربة في المعارك،شديد المراس يؤمن بالقوة الجسدية والسلاح،وملبياً مهام كَلف بها في اسرئيل وجنوب لبنان. وبعد حرب السنتين، حظي بتوصية لدى مدير فرع البنك اللبناني البرازيلي في سن الفيل، الذي كان كتائبيا،ليصبح موظفا. وعبر البنك تعرف على إلياس الر الذي ذكر عنه حبيقة في مقابلة بعد سنوات بأنَه ((كان يرعانا نحن الاثنين معاً من موقع الوالد))[17]. ومع عودة الحرب عام 1978، عين حبيقة مسؤولاً عن القضايا العسكرية وعمليات الشعبة الثالثة في ((القوَات))، فكان دوامه في العمل متقطعاً، بعدها تفرَغ للميليشيا، ولكنه استمر في قبض راتبه من البنك حتى 1982. ورغم صعوده في المنظمة إلا أن هذا لم يلغ الحس الطبقي السائد في لبنان حيث يقول حازم صاغية إنه كان ((ينقل عن الرئيس الجميَل أنَه قال بكثيرمن التعالي إنَ إيلي كان((يعبَي)) له السندويش أي أيام كان يقود الكتائبيين المقاتلين في النبعة وضبيَه والكرنتينا وتل الزعتر[18] . أثبت  حبيقة جدارته التنظيمية فشكل ثلاث وحدات خاصة تقودها عناصر مخلصة له شخصياً هم مارون مشعلاني وجوزف الحاج ((أبو حلقة)) وجورج ملكو. وواصل حبيقة بناء الأجهزة الأمنية التابعة له ليصبح جسماً منفصلا عن الحزب وعن ((القواتَ))، لا يعمل إلا بأمراه هو. فعيَن طوني عرمان مسؤول((أمن الحدود)) وغابي البستاني عن ((السجون والاعتقالات)) وإميل عيد عن التحقيقات والاستجوابات، وميشال زوين عن العمليات الأمنية، وإلياس الشرتوني عن المخدرات والأسلحة، ومارون مشعلاني للعمليات الخاصة، وبول عريس عن المالية. وجعل مركز القيادة في حي الكرنتينا في الموقع الذي كان يقوده((بوسي))أشقر،ومركز الأمن في منبى في حي الأشرفية الذي ضم فرع الأمن والمخابرات والسجلات بقيادة أسعد شفتري وبيار رزق(((أكرم))). وعيَن روبير حاتم (((كوبرا))) مسؤولاً عن أمنه الخاص فكان أقرب الناس إليه[19]. وبعد فترة، وحدَ حبيقة هذه الأجهزة ضمن مركز((المجلس الحربي)) في الكرنتينا وجعل نفسه ((القائد الأعلى)). وأعاد هيكلة الأجهزة،فأصبح أسعد شفتري نائباً له وأضاف ماريو سيمونيدس للمخابرات الخارجية وبرسي كمب لإعلام والإذاعة وجوزف أسمر للاستخبارات الداخلية وميشال زوين للعمليات وغابي عيد لأمن القيادة. وهكذا خارج المؤسسات السياسية العمة في الكانتون المسيحي،((حزب الكتائب)) ومكتبه السياسي و((القوات)) وفعاليات المناطق الشرقية، أصبح لحبيقة سلطة ونفوذ على الأرض يحسب لهاما حساب، وبات الحاكم الفعلي في الكانتون، عينه دوماً على ولاء أتباعه ومعاونيه، ما جعل ((التنظيف)) ضرورياً من فترة لأخرى (كاغتيال أو تأديب عناصر غير منضبطة أو منافسة أو معادية).

-كريم بقرادوني: لم يكن بقرادوني مارونياً، بل أرثوذكسياً، وأرمنياً فوث ذلك. ولم يكن الأرمن يشاركون في الحرب اللبنانية، فنادراً ما كان لهم دور في الميليشيات المختلفة يساراً ويمنياً. كان بقرادوني سياسياً معتدلاً ومحامياً ومؤلَفاً لعدد من الكتب، ينسى المرء((كتائبية)) بعد دقائق من الحديث معه. إذ إنَ بقرادوني كان مرتاحاً في محاوره السوريين والفلسطينين والمسلمين وسائر الجهات التي لعبت دوراُ على الساحة اللبنانية. فيحار المرء في انخراط هذا الرجل في حزب أوميليشيا ذات قاعدة مذهبية، ولماذا لم يختر حزباً علمائياً. وداخل((الكتائب)) كان بقرادوني من أنصار بناء((المؤسسة)) لا((حزب المؤسس)) بيار الجميَل وأفراد عائلته. وهذا ما كتبه في دراسة عن تنظيم الحزب وهيكليته نشرتها مجلة العمل الشهرية على حلقات في أواخر السبعينات. فكان بقرادوني أيضاً امتلك حاسة البقاء، فكان مع الشيخ بيار ومع بشير ومع حبيقة ومع جعجع، ثم مع السوريين ومع الفلسطينين. وبدا أنَ كل هؤلاء وغيرهم قد احتاجوه وخلدوا إلى رأيه، كالرئيس الأسد إلياس سركيس الأكبر بنظر المسلمين هو تقَربه من الكتائبي بقرادوني مستشاراً له، في حين كان مأخذ سركيس الأكبر بنظر المسلمين هو تقربه من الكتائبي بشير. ولعل بقرادوني هو الوحيد في السياسة اللبنانية الذي عاصر الأحداث لعقود طويلة وبقي رابحاً. وكان أيضاً الحلقة((العربية)) في((الكتائب)) رغم أصله الأرمني، منذ ما قبل الحرب. وكان أيضاً شعرة معاوية احتاجه ((حزب الكتائب)) و((القوات)) في ظروف مختلفة.

-سمير جعجع: وإذ كان حبيقة أكثر دهاءً وحنكة، فإن سمير جعجع الذي يكبره بأربع سنوات( ولد عام1952)،كان أكثر صفاء وعسكرية وقرباً من((القضية المسيحية)) في لبنان. وجعجع في تأسيسه الحزبي ضد الإقطاع بشراوياً عشائرياً عتيقاً. فأصبح حزبياً ثم تلقَى تدربياً عسكرياً عام 1974وتةلى مسؤولية((كتائب)) بشري في نفس العام. وكان جعجع يسير في فلك كريم بقرادوني رئيس مصلحة الطلاب الكتائبية، فاكتسب حسَا((ثورياُ)) ضد ((العائلة)) واحتكارها للحزب. ولم يكن جعجع قربياً لا من بشير ولا من أمين الجميَل. ومثلما اعترض جعجع على سلطة بشير التي استحوذ عليها بقَوة السلاح ومغامرات الصفرا وإهدن وغيرها. اعترض أيضاً على سلطة أمين، ونادراً ما قام تفاهم بين الاثنين، في حين كانت لقاءاتهما مشوبة بالمشادات و الحساسيات الشخصية. كما أن جعجع لم يغفر لأمين فشله في تأمين الجيش إلى الشوف وعاليه لمنع تهجير المسيحيين عام1983 ومنع هزيمة مؤكدة ((للقوات)) هناك، والتي كانت بقيادة جعجع نفسه وخاصة في دير القمر .ويقول جوزف أبو خليل إن ((النقمة والأحقاد الشخصية)) هي التي جمعت الثلاثي ((حبيقة، جعجع،بقرادوني)). وعلى سبيل المثال رغبتهم في ((الانتقام)) من أمين الجميل، ومحاولته إقصاء هؤلاء عن موقع النفوذ والقرار وتحجيمهم، والتعامل معهم بحذر وسوء ظن. وعندما سنحت الفرصة تعاونوا في الانتفاضة. أما نقمة سمير جعجع فيصفها أبو خليل كما يلي:((نقمة أهل الشمال على الجبل، ونقمة أهل الجرد على المدينة، ونقمة فلاحين على البورجوازية الحاكمة. فالجبل هو الذي يحكم لبنان منذ كان، صغيراً كان أو كبيراً. فمنه الحكَام دوماً، ورؤساء الجمهورية... والشمال الماروني بعيداً جداً عن العاصمة والمدينة... ولم يشذً حزب الكتائب عن التأثر بهذه الظاهرة. فهو أيضاً من الجبل وفيه في الدرجة الأولى، يحكمه أهل الجبل والمدينة فيما الشماليون فيه محكومون  لا حاكمون... وكان سمير جعجع يختصر في ذاته النقمة الشمالية الفلاحية ويحاول التعبير عنها في حزب الكتائب والقوات اللبنانية ومن خلالهما... نقمته على آل الجميل، من بيارالى بشير إلى أمين. لماذا بيار الجميل رئيس لحزب الكتائب مدى الحياة؟ ولماذا يجب أن يرثه أمين أو بشير ؟ أضف الى ذلك أن سمير صاحب طموح لا يقف عند جد. وهو بطبعه ميال الى احتكار السلطة لا يتحمل أي تقاسم لها بينه وبين سواه أو أي مشاركة... فهو لم يخاصم آل الجميل فقط بل أيضاً كل من كان مثله يريد السلطة له. وسيكون لذلك أثره في علاقته بإيلي حبيقة، وسيكون سبب نزاع بين  الاثنين مصبوغ بالدم. فكيف إذا كان جعجع يرى في نفسه ((نبياً)) أو ((رجلاً ملهماً)) أو ((مرسلاً من السماء؟))[20]. سمير جعجع القادم من بشري اختار مرافقيه و عدداً من مسؤولي القوات من منطقة وخاصة من آل رحمة الذين تربطهم به بصلة القرابة. ورغم أن سيرته الذاتية لم تكن دموية مثل بشير الجمَيل إلا أن خبرته العسكرية لم تقل شأناً. فهو كان قائد ((القوات اللبنانية)) في الشمال والمسؤول عن حاجز البربارة، وخاض الحرب الفاشلة ضد الدروز حيث دافع بعدد عناصر قليل عن بلدة دير القمر المارونية ضد حصار الدروز. بدأت الإشكالات التي أدت الى انتفاضة ((القَوات)) عام 1985، عندما طلبت قيادة ((حزب الكتائب))من ((القوات)) تسليم الحوض الخامس في مرفأ بيروت للدولة، وإخلاء بيروت الكبرى من الميليشيات، وتسليم((صندوق الوطني)) للقوَات حاجز البربارة في الشمال تسهيل مهام الدولة الشرعية. وكان لحاجز البربارة أهميَته المالية من جباية((الرسوم المالية)) وممارسة الضغط السياسي. وكان سمير جعجع بصفته قائد الجبهة الشمالية في((القَوات اللبنانية)) هو الذي يقوم بالجباية على الحاجز وما يمثله كأداة سياسية ومالية. كانت المعابر والمرافىء رمزاً اقتصادياً هاماً للكانتون المسيحي، تمر عبرها ليس البضائع فحسب بل المخدرات والمحروقات والأسلحة. لقد استغرقت الأزمة شهوراً عدَة حتى انفجرات في آذار/مارس1985، عنددما أطلق جعجع شرارة الانتفاضة في بيان على طريقة الانقلابات العربية،دعا فيه الى ((تصحيح مسيرة الحزب وإعادته الى دوره التاريخي الفاعل والرائد))، ووزَع  منشوراً بتوقيع((البشيريون)). وكان جعجع هو واجهة الانتفاضة، حيث ضَم فريقه ألف مقاتل من موارنة الشمال وبعض موارنة الشوف(ما عكس قاعدته الشعبية دوماً خارج بيروت والضواحي الشرقية والجبل) وما توفَر له من أموال الجباية.

ردَ المكتب السياسي للكتائب على بيان جعجع بفصله عن الحزب في11/آذار/مارس1985،وأوكل إلى إيلي حبيقة المسؤول عن الأمن في ((القوات))، منح حركة التمرَد. فطلب هذا الأخير رفع حواجز الحزب الساحلية للقيام بمهمته. وإذ لبَى الحزب طلب حبيقة رفع الحواجز وفتح الطرق، قام رجال حبيقة بالسيطرة على بيروت الشرقية يوم11آذار/مارس وإقامة حواجز في كسروان، في حين سهَل رفع الحواجز على مواكب جعجع المَسلحة الزحف ليل اليوم التالي12-13آذار/ مارس. وخلال ساعات كان الانقلابيون قد بسطوا سيطرتهم حتى نفق نهر الكلب. وإذ كان هدفهم الانقلاب على قيادة الحزب أيضاً وربما إسقاط رئيس  الجمهورية أو إخضاعه لشروطهم، تمكَن((كتائب المتن)) الموالون لأمين الجميَل من سدَ نفق نهر الكلب بحاجز ترابي أوقف الزحف ونزلت((قوَة75)) المولجة حفظ أمن الرئيس الجميَل إلى الأرض. أما المقاومة الوحيدة الجدَية للزحف الشمالي فقد إبدتها قوَة بقيادة جوزف الزايك شقيق إليلس الزايك عند نهر ابراهيم الذي  قاد 80عنصراً. وإذ لم تقع معركة اقتيد جوزف الزايك إلى مركز قيادة جعجع، فيما فضَلت قيادة((القوات))الموالية والمتمثلة بفؤاد أبو ناضر التراجع على المواجهة وتمركز أبو ناضر في بلدة غزير في كسروان.أمَا ((قوات)) حبيقة فقد سيطرت من ناحيتها على منطقة بعبدا وحي الأشرفية في بيروت، وقامت مجموعة من حبيقة بقيادة ميشال زوين بالسيطرة على((حرش ثابت)) حي سكن أمين الجميَل. وهكذا أعلن المهاجمون قيادة قوَاتية جديدة لا تخضع للحزب وسقطت مراكز الحزب في جبيل وكسروان وانحصرت سلطة الحزب في بيروت والبيت المركزي في الصيفي وفي المتن معتقل أمين. وعملياً انقسم الكانتون المسيحي إلى ثلاث مناطق نفوذ بين أمين وحبيقة وجعجع.

كان((عرَاب الانتفاضة))، إذا صح التعبير، رجل الأعمال ميشال المَرالنائب الأرثوذكسي عن المتن الشمالي،والخصم التقليدي للكتائب منذ الستينات، ولآل الجميَل تحديداً الذين لم يغفر لهم بسبب فوز أمين عن المعقد الماروني الذي شغر بوفاة موريس الجميَل عام 1972.لقد عرض المَر على الانتفاضيين أسلحة وذخيرة ومعدات، وقدَم المال والمساعدات لثلاثي الانتفاضة الذي كان خائفاً أن يصادر((حزب الكتائب))الصندوق الوطني ((للقَوات)) الذي احتوى ملايين الدولارات. وكانت اللقاءات التي مهَدت للانتفاضة تعقد مع المَر في منزله الصيفي الخاص في حالات، وهي اجتماعات ضمَت سمير جعجع وإيلي حبيقة ومستشاريهما. وبعد فوز الانتفاضة أعلن بقرادوني أنَ((كل أدوات السلطة أصبحت في أيدي القَوات اللبنانية))[21] ، كبديل عن المكتب السياسي((للحزب الكتائب))، فذاعت مقولة عودة روح بشير إلى ((القوات))وبالتالي إلى الكانتون المسيحي. وكان مثيراً للدهشة أنَ تتقلص رقعة الدولة اللبنانية في المناطق الشرقية(بعدما أزيحت عن المناطق الغربية في((انتفاضة شباط)) قبل عام). فأن ينتفض وليد جنبلاط أو نبيه برَي أو المسلمون عموماُ على ((الحكم الماروني)) ممثلاً خصوصاً بالكتائبي أمين الجميَل، فظاهرة طبيعية وفي منطق الصراع القائم في لبنان منذ تأسيسه حول من يحكم البلد ويسوس شؤونه، كمت يقول جوزف أبو خليل. أما أنَ تحدث هذه الظاهرة في صفوف المورانة، وهم كانوا دوماً حماة النظام والمدافعين عنه، فهو دلالة على عمق الأزمة[22].

كما أعاد الانقلاب الأزمة اللبنانية الى نقطة الصفر، وهدَد بتقويض ما تبقى من ملامح دولة في طور العودة. وإذ رفض أمين الجميَل عرضاً سورياً بتدخل عسكري سوري لمحصلحته، أعلن المنتفضون أنَهم لن يدخلوا منطقة المتن الشمالي في حين ردَ جعجع على فصله من ((الكتائب)) بالقول: ((ليسوا هم الذين فصلوني عن الحزب بل أنا الذي فصلتهم، والحزب هو أنا وما أمثَل، لا هم))[23]. فكان انقلاب ((القوَات)) مصادرة كاملة ((للقرار المسيحي)).

في ربيع 1985، كانت ((القوَات)) تقود حرباً جديدة في شرق صيدا وإقليم الخَروب، أدَت إلى تهجير المسيحيين وإلى المزيد من الفرز الطائفي الجغرافي الذي كان يحشر الطوائف في قوالب جغرافية تحكم عليها أن تستقل الواحدة عن الأخرى وتفش دائماً عن حماية خارج الحدود، في سورية أو في إسرائيل مثلاً، كما حصل للموارنة المحاضرين في دير القمر وجزين وشرق صيدا بعد فشل الجيش اللبناني في الانتشار. فكانت أحداث شرق صيدا، حرباً وصفها أبو خليل بأنَها ورَطت ((القوات اللبنانية)) ((في حروب طائفية لاهي قادرة على الانتصار فيها ولاعلى الانسحاب ولاحتى على الدفاع عن المسيحيين وقد ارتبط مصيرهم بمصيرها. وانتهاءً بالفصل الأخير حيث المسيحيون يقتلعون من قراهم وبيوتهم ويقذف بهم إمَا في اتجاه جزين، ((المنطقة الأمنية)) الإسرائيلية وإمَا في اتجاه المناطق الشرقية يصلونها محطَمين وعبر بحر هانج لا يرحم))[24].

ورغم تعددية الآراء والمواقف المسيحية، الإ أنَ الرأي العام اللبناني، خاصة المسلم، لم يميز ما كانت تقوم به ((القوات اللبنانية)) على الأرض وبين مواقف أمين الجميَل والمكتي السياسي ل((حزب الكتائب))، الذي رفض واقع الانتفاضة ورفض ((أيَ كيان مستقل للمسيحيين منفصل عن محيطه)). ولكن بالمقابل كان الرأي العام المسيحي يرى في الميليشيا درعه الوحيد، واعتنق شعار((القرار المسيحي المستقل)) وصدَق أنَ أمين الجميَل يقدَم التنازل تلو الآخر لسورية والمسلمين. وحاول الجميَل التاثير في مجرى الأحداث التي تحوَلت إلى حروب في كل مكان من لبنان، ووجَه نداءات تطالب بموقف مسيحي من ((القتال في شرق صيدا ومن إسرائيل وخططها في المنطقة ومن نظام الكانتونات ومن وحده الكيان اللبناني ومن الدولة والبيان الوزاري ومن سوريا أيضاً بصفتها ذات دور مؤثر في المصير اللبناني)). وقال الجميَل ((إن هناك 38 ألف عسكري في الجيش اللبناني لا تملك القيادة أي سلطة عليهم. وإنَ أي قوَة من هذا الجيش ترسل إلى الجنوب تنقسم على نفسها في الطريق، هذا إذا انفتحت الطريق أمامها وأجيز لها أن تمرَ))، إشارة إلى الكانتونات المختلفة التي يسطير عليها أمراء الحرب.

حتى وصف أبو خليل الواقع عام 1985 كالتالي : ((لقد أضحى لبنان تركيبة عجيبة غريبة. لا هو دولة وحدوديَة ولاهو دولة فدراليَة. ومالإسرائيل لإسرائيل وما لسوريا لسوريا. والباقي موزَع مقاطعات مسيحية ودرزية وشيعية وسنيَة[25])).

كانت ((انتفاضة 12 آذار)) هي البداية، إذ خارج النقمة الشخصية على أمين، كان هناك الكثير مما يفرَق بين جعجع وبقرادوني وحبيقة. فحبيقة كان أيضاً يسعى إلى احتكار السلطة والقرار على حساب الآخرين، ما أدَى إلى انتفاضة ثانية عليه، قادها سمير جعجع بمساعدة أمين الجميَل في بداية عام 1986. لقد أثبتت الأحداث أن تقرَب الجميَل من دمشق كان موضع حسد الاخرين في الكانتون المسيحي، خاصة بعد فشل اتفاق ((17 آيَار)) مع إسرائيل عام 1983 وعودة الثقل السوري إلى الساحة. وكانت سورية تؤمن بالقوَة العسكرية كأداة للعمل السياسي، حيث نشأ قادتها على الانقلابية البعثية، فكان رفض أميَن الجميَل عرض الأسد بتدخل عسكري ضد انتفاضة ((القوَات)) عام 1985 لغير مصلحته. فقد راقب السوريون تحوَل الشارع المسيحي ضد الجميَل وفضلوا التعامل مع من يسيطر على الأرض عسكريَاً. وفيما كان جعجع يتقرَب من أمين الجميَل ويشترك معه في تفويض كريم بقرادوني بفتح خطوط على دمشق وينهي مفعول ((فصله)) عن الحزب، وجد إيلي حبيقة الذي كان أيضاً يتقرَب من دمشق والذي كان يتمتع بنفوذ أمني ومخابراتي وقوَة عسكرية تأتمر به، أنَ سلوك جعجع وأمين يقطع الطريق على خطه هو مع سورية. فكانت النتيجة تنافساً مسيحياً على من يعطي السوريين أكثر من زميله.

ولم يمض شهران حتى كان حبيقة ينتقض ضد الانتفاضة الأولى ساعياً للاستئثار بالسلطة بعدما كان قد اتفق مع جعجع على ترك منصب رئيس الهيئة التنفيذية شاغراً. ففي 9آيَار/مايو 1985، انعقدت الهيئة التنفيذية الجديدة واختارت حبيقة رئيساً لها، وبادر هذا الأخير إلى إذاعة بيان يناقض كل الأطروحات ((القوَاتية)) و((البشيرية)) السابقة: ((الاقتناع الذي نعلن اليوم هو الخيار أنَ الخيار اللبناني هو عربي. نقول ذلك عن اقتناع لا عن خوف. ولسوريا قس هذا الخيار موقع أساسي نظراً إلى الروابط الجغرافية والتاريخية و المصيرية)). ويقول جوزف أبو خليل أنَ مضمون بيان حبيقة كان متفقاً عليه مع مراجع سورية وإنَ حبيقة كان ينسق مع اللواء محمد الخولي. وهكذا ألغى حبيقة كل موجبات الانتفاضة السابقة وأهدافها (العودة إلى بشير)، حتى بدت تعريتها نحو هدفها الحقيقي، وهو صراع مكشوف بين أمراء الحرب على السلطة في الكانتون المسيحي. وسيتبيَن من تجربة الكانتون المسيحي انَ الفدرالية، كما تقسيم لبنان، هما من الأمور المستحيلة. ذلك أنَ التنافس داخل الكانتون الواحد والميل نحو الدكتورية كفيلان بإلغاء مفعول أي تقسيم. يقول حبيقة:(( القيادة كانت جماعية من حيث المبدأ كن القرار ظل فردياً وفي يد سمير جعجع... والشاشة لا تتسع إلا لشخص واحد يجب أن يكون هناك مسؤول واحد هورئيس الهيئة التنفيذية وهذا الرئيس هو أنَا))[26]. أمَا عن علاقة حبيقة بإسرائيل وحجزرة صبرا وشاتيلا فكان رأي دمشق((عفا الله عما مضى)). وأضاق عبد الحليم خدَام عن إيلي حبيقة: ((الشخص ناضج سياسياً وغير متهَور)).

أثبت حبيقة إيمانه بخطَه الجديد، فعمل للانخراط في اتفاق ترعاء دمشق لإنهاء الحرب في لبنان. وكان رأي خدام حول أوجه الحل في لبنان أنَ ((لا حكم ديمقراطياً في لبنان. وصلاحيات رئيس الجمهورية تجعل الحكم كلَه في يده،ورئيس الحكومة بالنسبة إليه صفر... يستطيع رئيس الجمهورية أن يؤثَر على كل وزير كما يستطيع أن يمارس من السلطة مالا يستهان به بمعزل عن الوزراء ومجلس الوزراء بفضل تحكمَه بقيادة الجيش ومديرية الأمن العام ومديرية المخابرات. وباختصار، المشكلة ناجمة عن وضع دستوري متخلَف... ألا يستحق هذا الدستور مراجعة))؟[27].وجد تصَور خدام طريقه إلى الاتفاق الثلاثي ثم الى الاتفاق الطائف بغية تفليص صلاحيات رئيس الجمهورية الماروني، وإعادة توزيع السلطة بهدف التوازن بين الطوائف. لقد تمكَن زعماء الميليشيات من والوصول الى تسوية ترعاها سورية، عبر وثيقة وقعَها حبيقة عن الموارنة ونبيه برَي عن الشيعة ووليد جنبلاط عن الدروز. وغابت أطراف لبنانية أخرى لأنَ هذا الاتفاق كان بين القوى العسكرية الرئيسية في البلاد. في 31تموز/يوليو، زار حبيقة رئيس الجمهورية السابق سليمان فرنجية في إهدن، فكانت أول زيارة لمسؤول((قوَاتي)) منذ مجزرة إهدن عام1978. وفي 9إيلول/ سبتمبر1985 زار وفد ((قوَاتي)) برئاسة حبيقة دمشق، ضم شارل غسطين وأسعد شفتري وجان غانم وميشال سماحة، لتتويج أشهر من التحضير. ومن ثمرات الزيارة أنَ حبيقة تمكَن من نشر نفوذ القَوات إلى زحلة لأول مرَة منذ محاولة بشير الجميَل الفاشلة عام1981، حيث رافقه ميشال سماحة، وغازي كنعان. وتسلَم حبيقة مقَر((الكتائب)) في المدنية والتقى على مائدة غداء إيلي الفرزلي، نائب رئيس  مجلس النواب والنائب خليل الهرواي والمطران حداد، واستقبل وفوداً شعبية من المدنية وجوارها. وفي26أيلول/سبتمبر بدأ حبيقة مفاوضات مع ((حركة أمل)) و((التقدمي الاشتراكي)) بحضور خدام وخاصة الرئيس أمين الجميَل، الذي تعَرض لضغوط كبيرة للموافقة على الاتفاق الثلاثي بعدما أصبح هذا الاتفاق جاهزاً  أمَا في داخل الكانتون المسيحي فقد تذَمر الرأي العام من أسلوب حبيقة البوليسي وإدارة المناطق المسيحية بأسلوب استخبارتي أحصى على الناس أنفاسهم، فيما تعَطل دور((حزب الكتائب)) ومكتبه السياسي. وحتى وسائل الإعلام في الكانتون المسيحي كانت تتَعرض للضغط والأسلوب البوليسي. ففي تشرين الأول/أكتوبر1985، جرت عملية استيلاء عسكرية على إذاعة((صوت لبنان)) الكتائبية في ساحة ساسين الأشرفية، وأقصي مديرها العام الوزير جوزف الهاشم، من الرعيل القيادي في ((الكتائب))، ومديرية الأخبار ألإعلامية ماغي فرح. واستولى على الإذاعة رجل حبيقة برسي كمب(وهو شخص أكاديمي من أب بريطاني وأم لبنانية، ولد ونشأ في بيروت عام 1952 ودرس في أوكسفورد وباريس وأصبح كاتباً أدبياً فيما بعد). وفي23تشرين الأول/أكتوبر، اقتحم مسلحو((القَوات)) مقر جريدة العمل الناطقة الرسمية باسم((الكتائب)) في الكرنتينا، وبعدما أعلن حبيقة أنَ((جريدة العمل ما إلها عازة ويجب أن تتوقف. وكذلك البيرق والأحرار...))[28]. وصدرت صحف اليوم التالي تعلن: ((حبيقة يعتقل حزب الكتائب ويوقف العمل...80مسلحاً من القوات داهموا المكاتب..))، ((توقَع انتفاضة تفَكك قيادة الحزب وخطوات تؤكد قدرة حبيقة على التعاقد باسم المسيحيين))[29].

وإصدار حبيقة جريدة العمل بإدارة تابعة له لرئاسة الصحافي سجعان القزَي، أصدار الحزب نسخة أخرى مباشرة من البيت المركزي بشارة زرقاء.

ولئن لم يعبَر كل من الإعلام عن توجَه حبيقة وداعميه، مَول ميشال المَر جريدة جديدة هي الجمهورية تولَى إدارتها ونشرها نجله إلياس المَر. وعبَر تعاون حبيقة- المَر عن أكثر من مجَرد حرب النفوذ في الكتانتون المسيحي، إذ دارت شكوك حول سيكولوجية حبيقة المارونية وإلى أي مدى هو ماروني. فهو ساهم في تنشيط فعاليات غير مارونية، وقرَب منه الكتائبي المعتدل والكاثوليكي ميشال سماحة، الذي كان مستشاراً أمين الجميَل الإعلامي ومديراً عاماً لتلفزيون الدولة. وتواىَ سماحة اتصالات حبيقة مع السوريين، فيما ازداد عدد الأرثوذكسيين في صفوف حبيقة وقيادته وانضم إليهم مرافق شيعي هو وليد الزين. وكان ميشال المَر يبرز كداعم ل((قوَات)) حبيقة عند كل منعطف. وفي مواجهة جعجع و((الكتلة البشراوية-الشمالية المفعمة بالإحساس الماروني النضالي،كما في مواجهة حزب الكتائب الذي تتَربع في قيادته الفعلية زعامة آل الجميَل، شرعت تتكائر أسماء الأرثوذكس والكاثوليك والأرمن بين القياديين المقربين إلى حبيقة(بول علريس، أسعد شفتري،نزارنجاريان) تكاثرها بين مستشاريه الكبار(الميشالان،المَر وسماحة)[30].

وكان سبب سعي حبيقة إلى إخماد الأصوات في الكانتون المسيحي أنَ برَي وجنبلاط وسورية وافقوا على نص الاتفاق الثلاثي في 26تشرين الأول/ أكتوبر1985. واعترض سمير جعجع وكريم بقرادوني على نص الاتفاق كما اعترض المكتب السياسي في((الكتائب)). في حين كان الشارع المسيحي غي مرتاح إلى الخطوة، أخذت القيادات السنَية على الاتفاق كونه تسوية تتم بمعزل عن المسلمين السنَة. وفي دمشق في28كانون الأول/ديسمبر1985وقَع إيلي حبيقة ونبيه برَي ووليد جنبلاط قال: (( رح أمضي بس أي متى سينفذ هذا الاتفاق؟ على أيام ابني تيمور؟))، أما نبيه برَي فقال: ((خلَينا نقرأ الفاتحة))، فسارع أحدهم إلى المزاح: ((بلَشنا... شو ناوي تعملها دولة إسلامية؟))[31]. واختصر جوزف أبو خليل بأنَ ((إتفاقَ17أيَار)) كان اتفَاق إذعان لإسرائيل عام1983 فيما كان((الاتفاق الثلاثي)) هو اتفاق إذعان لسورية عام 1985، وكل اتفاق هواعتراف بحماية هذه الجارة أو تلك.

وبعدما كان الوضع داخل((القَوات)) يغلي مجوف بركان، لم يخل الأمر من معارك متقطَعة بين ((قوَات)) جعجع و((قوَات)) حبيقة، وانفجرهذا البركان صباح يون رأس السنة 1985، عندما نصب كمين مسلحَ وسيارات مفخَخة في جسر نهر الموت شرق بيروت ضد موكب عسكري اعتقد أنَه ضم حبيقة نفسه، فقتل 3عناصر و9مدنيين وتعَرض أسعد شفتري، وكان مسؤولا عن جهاز الأمن، لمحاولة اغتيال. وإذ صدر عدد خاص من مجلة المسيرة التي تصدرها((قوَات)) جعجع خصص لانتقاد حبيقة والاتفاق الثلاثي، صادر حبيقة العدد وهاجم مكاتب المسيرة يوم2كانون الثاني/يناير1986 وردَ جعجع بمهاجمة مكاتب جريدة الجمهورية في المكلسَ. وفي8كانون الثاني/يناير وجهَ حبيقة انذاراً إلى سمير جعجع وكريم بقرادوني: ((أردتموها حرباً فلتكن وأنتم تعرفون أنني لست ممن يهربون من الحرب وليتحمَل كل مسؤولية عمله. وليكن معلوماً أنَ هذا لن يجعلني أتراجع عن حرف مما التزمت به ولا إلى مهادنة أمين الجميَل الذي حاول أنَ يقتل الاتفاق الثلاثي عبر محاولة اغتيالي... لقد تنَجبت حتى اليوم حسم الأمور على طريقة مايشبه((الصفراء)) أو((إهدان)) لأنني لا أريد أنَ أتَهم بإراقة الدم المسيحي...))[32].

وانتشرت المعارك في المناطق الشرقية، معلنة بدء((الانتفاضة)) الثالثة التي كانت اتفاقاً بين أمين الجميَل وسمير جعجع ضد سلطة حبيقة. وحاولت عناصر حبيقة اقتحام المتن الشمالي معقل الرئيس الجميَل، مستغلَ غيابه يوم13كانون الثاني/ يناير في قمة في دمشق مع الرئيس السوري، فسقط قتلى وجرحى. وجاء الرَد سريعاً حيث شنَت مجموعات مشتركة من عناصر جعجع، الذي كان رئيس هيئة الأركان العامة في((القَوات))، وعناصر مماثلة من ((حزب الكتائب)) هجموماً مضاداً على ثكنات ومراكز((جهاز الأمن)) التابع لقيادة حبيقة، خلَف عشرات القتلى ومئات الجرحى. وإذ تدخََل الجيش اللبناني ضد حبيقة سقطت جميع المواقع الموالية في المناطق الشرقية، فيما تعَرض مقرَه الرئيسي لقصف مركَز وشديد، حيث كان برفقته أسعد شفتري وإلياس المَر. ودارت معركة ساخنة بين((كتائب المتن)) بقيادة رشيد الجميَل و((أمن)) حبيقة صباح15كاون الثاني/ يناير في برج حَمود شرق بيروت أسفرت عن عشرات القتلى والجرحى. ورغم المعلومات التي كان يتداولها مستشارو حبيقةومعاونوه من أسعد شفتري إلى بيار رزق[33] وبرسي كمب وكابي بستاني وماريو سيمونيدس عن أنَ الهجوم ضدَه بات وشكياً، إلا أنَ حبيقة بقي واثقاً أثناء القتال ولم يتوَقع الانيهار السريع. باستثناءات قليلية، كميشال زوين الذي قاد معركة دبابات لفتح الطرق لخروج حبيقة وقيادته فأصيب بالفشل، لم ينفَذ معظم مسؤولي حبيقة الميدانيين أوامره بالصعود ومتابعة القتال.

وإذ كانت أوامر مجموعات جعجع والكتائب بضرورة قتل حبيقة ومن معه في مبنى قيادته، جرت اتصالات حاسمة تولاها ميشال المَر(الذي قال لجعجع إنَ ابنه إلياس كان((يترَوق)) ((لحم بعجين)) مع حبيقة وحسب عندما بدأ الهجوم)[34] ، وتدخَل السوريون لدى قائد الجيش ميشال عون، الذي أمر بنقل حبيقة ومن معه الى مقر وزارة الدفاع اللبنانية في اليرزة، في حين التحق المئات من جماعة حبيقة وقيادته ب((قَوات)) جعجع. وبقي مع حبيقة مئات العناصر المخلصة. كما أنَ حبيقة لم يخسر كل شيء إذ صح رهانة الإقليمي على السوريين وبمساعدة رفيق الحريري نقل الى باريس أولاً ثم الى زحلة في البقاع التي أصبحت عاصمة((قوَات))حبيقة، في حين بقيت أسرة حبيقة في منزل يملكه الحريري في سويسرا[35]. وفي زحلة أقام300 من عناصر حبيقة في فندق القادري وفي شقق وأبنية استولوا عليها في أنحاء المدنية. وإضافة الى المساعدات السورية، اسَتمر التمويل من ميشال المَرورفيق الحريري لفترة. وبعد مغادرته الكانتون المسيحي، لم تكن سائر نشاطات حبيقة فيالعمل السياسي والعسكري، بل كان هناك سعي حثيث لتوفير التمويل اللازم بوسائل عدَة، يقال كالتزوير والخطف لقاء الفدية والتجارات الممنوعة. كخطف رجال أعمال مثل روجيه تمرز ((1989 وشارل شالوحي(1989) صاحب مركز ميرنا شالوحي في سن الفيل، الذي تلقى معاملة مشابهة لتلك التي تعَرض لها تمرز[36]. وحتى بعد إقضاء حبيقة عن المناطق الشرقية، استَمر رجاله أثناء فترة الحكومتين يتجولون بحرية تامة في مناطق نفوذ عون ونفوذ السوريين في لبنان، فتعرَض للخطف والتهديد والتعذيب عدد من رجال الأعمال من مناطق مختلفة بالتعاون مع جهات سورية وحزبية لبنانية(ذكر((كوبرا)) مرافق حبيقة العشرات من هذه العمليات).

كان الانقلاب الثالث في صفوف((القَوات)) كفيلاً بإسقاط الاتفاق الثلاثي بثمن ليس قليلاً أدَى إلى سقوط 430 قتيلاَ و600جريح في يوم واحد.

حاول جعجع أنَ يبني القَوة الذاتية المسيحية من مؤسسات سياسية وعسكرية وبادر الى تنظيم الخدمات الاجتماعية  والأجهزة العسكرية والأمنية والإعلامية والإدارية. إلا أنَ السلام لم يكم متوفَراً، فقد قام حبيقة المنفي في زحلة ودمشق بمحاولات انقلابية ضد جعجع. وكان يشجَع حبيقة شعبيته بمواجهة جعجع في مناطق كالأشرفية وحي السريان وكرم الزيتون والمتن الجنوبي، وفي نسبة لا يستهان بها من القاعدة الأرثوذكسية. وهكذا بعد سبعة أشهر من هزيمته، قاد حبيقة انتفاضة رابعة ضد جعجع في المجلس الحربي وثكنة أدونيسفي كسروان بالتنسيق مع عناصر داخل الشرقية.ولكن هذه المحاولة انتهت سريعاً إلى الفشل.وإذ انعقد اجتماع بعج يوم من المحاولة في مركز((الكتائب)) ضمَ جعجع وجورج سعادة وكريم بقرادوني ونادر سكَروفؤاد أبو ناضر، غادر أبو ناضر الاجتماع عائداً إلى بيته، فوقع ضحية كمين نصب له، وقيل من جماعة جعجع للشك في دور قام به أبو ناضر لمساعدة انتفاضة حبيقة[37].

كان حبيقة مصمَماًً على العودة الى الكانتون المسيحي وأنهَ لن يكون مثل((الحنش))(إشارة الى المسؤول العسكري في ميليشيا((الأحرار)) الذي أقصاه بشير الجميَل عام1980). وهكذا بعد أسابيع من المحاولة الأولى، قام بانتفاضة خامسة في 27أيلول/سبتمبر1986، كانت أكبر محاولاته. وهذه المَرة قام باقتحام وجاهي لأشرافية. عبر الوسط التجاري ومعبر رأس النبع- السوديكو، بقَوة من300عنصر. وبسبب التعاون مع الشارع داخل الأشرفية وتساهل من ضبَاط في الجيش اللبناني، سيطر رجال حبيقة على مواقع داخل الأشرفية واحتلوا المبنى  الجديد لإذاعة((صوت لبنان)). وسرعان ما انقلب الوضع إذ تدَخل الجيش اللبناني وأغلق المعابر بين الشرقَية والغربية وبدأ يقصف مواقع حبيقة بأمر مباشؤ من الرئيس أمين الجميَل. ثم انتشر مغاوير الجيش في أنحاء الأشرفية وسيطروا على الوضع. ولم ينج من المحاولة سوى150 عنصراً من رجال حبيقة،فيما قضى ميشال زوين في سيارة لاندروفر حرقاً قرب المستشفى رزق، وتلت المحاولة عمليات انتقام وتطهير بشعة في المناطق الشرقية، حيث طاف رجال جعجع في كل مكان يعتقلون أو يعدمون من شكَوا بأنه مع حبيقة حتى في منازلهم وفي المستشفيات، بعدما هال قيادة جعجع سهولة اقتحام حبيقة للمنطقة وتعاطف الكثيرين معه. ولعَل المحاولة خلقت هَوة جديدة بين جعجع والشارع في المناطق إذ فَر((قواتيون))آخرون من المناطق الشرقية والتحقوا بقيادة حبيقة قي زحلة.

وهكذا بعد محاولتين انقلابيتين قام بهما حبيقة، جاء وقت الحساب. فقد انتشر رجال جعجع في زحلة وقاموا بزرع متفجرات وعبوات ناسفة في عدَة مواقع ضد((قَوات)) حبيقة، لم تحقَق شيئاً يذكر لأنَ حبيقة وقيادته كانوا دوماً في دمشق وأماكن أخرى. وأخيراً تمكَن رجال جعجع من إقناع كاهن يزرع عبوة زنتها50كلغ داخل قاعة في مبنى مطرانية زحلة، حيث كان حبيقة يعقد اجتماعاً مع المطران أندره حداد والسياسَيين إيلي الفرزلي وخليل الهرواي. وما إن بوشر الاجتماع حتى جاء اتصال من الكاهن يسأل إذا كان حبيقة موجوداً بين الحاضرين، ثم وقع انفجار عنيف أدىَ الى إصابة 20شخصاً بجراح بالغة. وعاجل حبيقة بإنقاذه والآخرين من بين الأنقاض وقاموا باعتقال الكاهن وتسليمه للسوريين في عنجر.وما إن تعافى حبيقة من الانفجار حنى بدأ يعدَ حملة الردَ على جعجع، وأقر خطة تقضي بإرسال سيارات مفخخة تهدَم مبنى المجلس الحربي في الكرنتينا على رؤوس جعجع وقيادته. وهكذا بعد شهر من انفجار زحلة، كان جعجع يعقد اجتماعه الأسبوعي مع الهيئة التنفيذية، وكان رجال حبيقة المزروعين داخل قيادة جعجع يتحرَكون لنقل سيارتين مفخختين(بيجو وإسعاف) تم تحضيرهما في زحلة واحتوتا مواد شديدة التفجير ومواد سامة وغازات قاتلة. وقدَر مهندسو التفخيخ أنَ وقع انفجار هاتين السيَارتين سيدمَر المجلس الحربي تماماً ويهدم أبنية مدنية وعدَة مجاورة ما قج يسفر عن مقتل ألف شخص من المدنيين على الأقل. لم تكن الخسائر في صفوف المدنيين لتزعج أبطال الحرب المسيحية. وإذ لم تتمكن السيارتان من دخول المناطق الشرقية، ألغيت العملية، دون ذلك انتهاء الحرب بين جعجع وحبيقة.

في هذه الفترة برز ميشال عون ليتحَول صراع النفوذ على الكانتون المسيحي بين((قوَات))جعجع والحيش اللبناني بقيادة عون،في حين أصبح حبيقة تماماً تحت مظلة القوى الموالية لسورية في لبنان.

 

صمود ميشال عون

في سنوات صراع جعجع وحبيقة كان الجيش اللبناني موجوداً في ثكناته ولكنه لم يكن يتدَخل إلا مسائل استثنائية(كالتصدَي لاقتحام حبيقة مثلاَ أو مراقبة المعابر بين الكانتونات). ولكنَ قيادة الجيش لم تكن راضية عن هيمنة الميليشيات. كما أنَ الوضع كان متدهوراً بين الجيش اللبناني منذ استلام ميشال عون القيادة و((القَوات)). وفي حادثة دالة لم تمتثل عناصر من((القَوات)) لحاجز الجيش اللبناني عند((المونتفردي)) في أيلول/سبتمبر1986 ففتح الجيش النار على هؤلاء ما أدَى إلى سقوط خمسة قتلى من آل رحمة المقَربين من جعجع. وانتقاماً لهؤلاء قام أشقاؤهم وأفراد علائلاتهم بالانتقام وقتلوا ضابطاً برتبة عالية هو اللواء خليل كنعان المقَرب من ميشال عون ومن أهم أعوانه في قيادة الجيش.

في صيف1988 قلق أمراء الحرب الموارنة أن تقع السلطة الفعلية في البلاد بيد رئيس الوزراء المسلم سليم الحص لأن البرلمان لم يجتمع لانتخاب رئيس جديد للجمهورية. فاجتمعوا في القصر الجمهوري مساء22أيلول/ستبمبروانتهوا الى تسمية ميشال عون رئيساً للوزراء الى أن تسمح ظروف البرلمان بعقد النخابات رئاسية[38]. وكان جعجع يدرك أنَ قيام حكومة عسكرية يرأسها عون ليست لمصلحة الميليشيا المسيحية وأنَ عليه التصَرف بسرعة. وهكذا بعد أسبوعين من تسمية عون، اقتحمت((قَوات)) جعجع منطقة المتن التي كانت، حتى ذلك الوقت خارج نفوذ الميليشيا المسيحية وتحت جناح عناصر الكتائبية تابعة لأمين الجميًل. حتى أنَ منزل الجميَل نفسه تعَرض للحصار يوم3تشرين الأول/ اكتوبر. وكان جعجع يرى أنَ الحرب في لبنان لم تنته ويجب تدعيم الصمود المسيحية وهدَد((القوات اللبنانية)) ووضع جعجع في موقف حرج. كان عون رجلاً طموحاً من جذوراجتماعية بشيطة،نشأ بين المسلمين في حي حارة حريك في ضاحية بيروت الجنوبي، وكان يتمتع بتجربة طويلة وعميقة في الجبش اللبناني حيث كان التعاطي مع الجنود والضباط من مختلف الديانات شأناً يومياً. وكان عون يعتقد أنَ بالإمكان توحيد البلاد إذا أحسن قيادة جيش حسن التدريب بمعدات كافية. وكانت تجربته في التصدَي لميليشيا الدروز، بقيادة وليد جنبلاط، وحلفائها من سوريين وفلسطينيين في سوق الغرب تبعث على التفاؤل باحتمالات النجاح. وكان عون يملك نوايا حسنَة بأنَه كان ربما فؤلد شهاب آخر قادراً على بناء سلطة لبنانية مركزية نواتها الجيش لتقليص سلطة أمراء الحرب وقوى الأمر الواقع السورية والفلسطينية والإسرائيلية. لكنََه لم يقرأ جيداً تجربة شهاب في الستينات التي انتهت بانتصار أمراء الحرب وفشل شهاب.

ولم يخل الأمر من صراع عسكري بين ((القوَات اللبنانية)) والجيش في 14شباط/فبراير 1989، تلته هدنة سمحت للكثيرين، أفراداُ وعائلات، بالقرار من المناطق الشرقية. تطَورت المناوشات بين الطرفين في شباط/ فبراير1989 وتحَولت الى حرب مفتوحة استَمرت حتى 1990.وفي آذار/مارس1989، أعلن عون((حرب التحرير))، فكانت الشهور الستَة التالية أسوأ مراحل العنف الداخلي بين الجيش اللبناني من جهة والجيش السوري وحلفائه من جهة تانية. ردَ السوريون وحلفاؤهم على حرب التحرير التي خاضها عون بقصف عشوائي عنيف وحصار مرير، حيث قتل ألف شخص وجرح عشرون ألفاً .وبعد فشل عون في حرب التحرير وإقفال المرافىء غير شرعية ومواجهة ميليشيا الدروز التي يقودها وليد جنبلاط المدعوم من السوريين، انكفأ الى داخل الكانتون المسيحي فأضعف مواقع((القَوات)) العسكرية ومنع الجبابات التي مارستها ((القَوات)) التي كتنت تحصَل((الضرائب)) في الجديدة وجونيو. وخلال الفترة  1990-1989كان ثمَة أربع مناطق نفوذ عسكري مسيحي في لبنان، إحداها بقيادة إيلي حبيقة في زحلة والبقاع والثانية بقيادة الرئيس سليمان فرنجية في زغرتا والشمال والثالثة بيقادة سمير جعجع في أجزاء من بيروت والمرفأ وشمال نهر الكلب، والرابعة بقيادة ميشال عزن وتضم أجزاء أخرى من بيروت وساحل المتن ومناطق تواجد الجيش.

كانت حرب عون ضد الأضداد المحلية والإقليمية مسألة اعتبرها كثيرون تهوراً جلب غضب أمراء الحرب اللبنانيين والجيش السوري. ولكن مواقف عون الصلبة وتحركه السريع واستعماله الفعال للجيش للمَرة الأولى في معركة كبرى، مخالفاً بذلك تقليداً لبنانياً بعدم استعمال الجيش في الداخل، أكسبع شعبية ليس في داخل الكانتون المسيحي فحسب بل على ضالتهم أو القديس المفقود الذي سيقودهم بعد مصرع بشير وبعد وفاة كميل شمعون. لقد كانت شعبية عون في المناطق المسيحية مرتفعة إلى درجة أصبح فيها التعايش بين الجيش وميلشيا((القَوات اللبنانية)) مستحيلاً. كما وصلت ((ظاهرة عون)) إلى درجة قلبت الرأي العام المسيحي سلباً ليس تجاه((القوَات اللبنانية)) وجعجع فحسب، بل تجاه داني شمعون وآل الجميَل. وغطَت الشعارات المؤيدة لعون والرسوم الملونة جدران الشوراع وأحدها رسم ميشال عون يرتدي ملابس فارس مصفح من القرون الوسطى،على صهوة جواد، وبيده رمح يصرع التنين، تشبيهاً له بمار جرجس، شفيع شمال بيروت وخليج مارجرجس.

ورغم أنَ هذه الشعبية كانت تعزَز من معنويات عون وأنصاره إلا أنَ مغامرته والتصرفات البطولية كانت هي بالضبط التي جلبت الويل للكانتون المسيحي. فقد كانت((حرب التحرير)) التي استَمرت أشهراً من أسوأ مراحل العنف في حرب لبنان، انتهت بجون تحقيق مكسب للمسيحيين وأوجدت أجواء مأساوية لكل اللبنانيين. لقد حارب المسيحيون طيلة16سنة ضد الفلسطينيين واليسار اللبناني والسوريين وصمدوا. ولكن حرب عون-جعجع ألحقت الأذى بجهوزية المسيحيين العسكرية ودفعت قادة الموارنة، لاسيما الذين يفضلون لبنان التقليدي، الى القبول ب((الصرفة)) أي بأي جل سياسي ينهي الحرب اللبنانية. لكن حرب عون- جعجع كانت من عوامل نهاية الحرب في لبنان، إذ إنَها قتحت الباب لاتفاق الطائف عام 1989.

في 31كانون الثاني/يناير1990، انفجر الوضع بين((القَوات)) والجيش اللبناني، بعدما اتهم جعجع عون بأنَه يقود((حرب الإلغاء)) ضد  الميليشيا المسيحية ويهدَد صمود المسيحيين. وتمَكن رجال جعجع من السيطرة على ثكنات الجيش في عمشيت وصربا والصفرا وحالات والقاعدة العسكرية في جونية، حيث كان بعض أفراد الجيش وضباطه ينقلبون على قيادة عون ويقفون إلى جانب جعجع. من ناحيته تمَكن عون من السيطرة على عين الرمانة والضواحي المسيحة الجنوبية التي كان يتمركز فيهت250 عنصراً من((القَوات))، فسقط عدد كبير منه قتلى. ودارت معارك غير حاسمة في سن الفيل شرق بيروت وفي القليعات(كسروان). ويشير الرئيس إلياس الهرواي إلى أنَ((القَوات)) هاجمت واستولت على عدد من الثكن شمال نهر الكلب ثم أفرغتها من أسلحتها التي قدرت بقيمة 387مليون دولار، كما يلي:

 [39]

 

ولتحسين موقعه السياسي،أعلن جعجع في 9 نيسان/أبريل1990أنَه يوافق على اتفاق الطائف واستعداده لتسليم مؤسسات الدولة في المناطق الشرقية للحكومة الشرعية. وبدأ جعجع بالتقَرب من الرئيس إلياس الهرواي مطالباً بالتدخلَ ضد عون، موضحاً وجهة نظره في سلسة رسائل إلى الهرواي[40]. وفيما وثق عون بحبيقة، كان هذا الأخير يخطَط مع السوريين للانتفاضة على قصر بعبدا والحكومة العسكرية لمساعدة الرئيس إلياس الهرواي وحكومته لاستلام زمام السلطة في البلاد. فقد أرغمت((حرب الإلغاء)) عون على فتح خطوط مع حبيقة ووليد جنبلاط والسوريين للحصول على المحروقات والذخيرة بعد سقوط مخازن الجيش بيد((القَوات)). واستغل حبيقة الأمر لجمع المعلومات عن مواقع الجيش اللبناني في بعبدا ورومية، وهي معلومات كانت بالغة الأهمية عندما ةقعت عملية 13تشرين الأول/ أكتوبر1990، حيث استعملت للقضاء على عون وقيادته. وكان رجال حبيقة في طليعة مقتحمي قصر بعبدا، حيث أخذوا يحتلون أبنية ومواقع بمشاركة جناح((الحزب السوري القومي الاجتماعي)) الموالي لدمشق.

في13تشرين الأول/ أكتوبر،وبالاتفاق مع رئيس الجمهورية إلياس الهرواي والحكومة اللبنانية، قام الطيران السوري بالإغارة على قصر بعبدا وقيادة عون. فغادر عون القصر الجمهوري ولجأ إلى((قصر الصنوبر)) منزل السفير الفرنسي في ضاحية بيروت وأعلن من هنالك وقف إطلاق النار.ولكن أوامره لم تصل إلى جميع مواقع الجيش السوري المؤازرة لوحدات الجيش اللبناني بقيادة إميل لحود والتي كانت قليلة التسلحَ ومتردَدة في مقاتلة إخوة لها في الجانب الآخر. وإذ قاومت مواقع ضهر الوحش والمونتي قيردي والحدث وبيت مري، ردَ السوريون بعنف ووقعت مجزرة بحق أفراد الجيش اللبناني والضباط، فانتشرت جثث الجنود في مواقع عديدة في حين أعدام50 جندياً رمياً بالرصاص بعد استلامهم وذكرت تقاير طبية دولية أنَ معانية73 من عناصر الجيش أثبتت وفاتهم جراء رصاص في الرأس من الخلف[41].كما سقط المئات في صفوف المهاجمين من الجيش السوري. وقام حبيقة بنقل زوجة عون وبناته بنفسه من القصر الجمهوري الى منزل السفير الفرنسي. ولم يغادر عون منزل السفير إلا بعد صدور عفو في 27/ آب أغسطس 1991 سهَل مغادرته لبنان منفيَاً. فأقام فترة في مرسيليا ثم انتقل إلى قرية ((لاهوت ميزون)) التي تبعد 60 كلم عن باريس. ولم يعد إلى لبنان إلا في ربيع 2005.

وبعد تحجيم جعجع ومغادرة أمين الجميَل إلى المنفى الباريسي، وبعد 8 أيَام من العملية ضد عون، تعرَض داني شمعون وعائلته لعملية اغتيال في منزله غير البعيد عن قصر بعبدا، وذلك في21 تشرين الأول/ أكتوبر1990. فكانت نهاية وبداية مرحلة طويلة من ((إحباط مسيحي)) استمرَ حتى ربيع 2005  كانت فترة السلم في التسعينات تهيىء مستقبلاً مختلفاً لأمين الجميَل وميشال عون وسمير جعجع وإيلي حبيقة وكريم بقرادوني وسليمان طوني فرنجية ووليد جنبلاط ونبيه بَري.

 

حبيقة في تراجيديا إغريقية

بعد إكمال السيطرة السورية على لبنان واستلم سلطة موالية لدمشق الحكم في بيروت وبزوغ عهد اتفاق الطائف والجمهورية الثانية، عاد حبيقة إلى الكانتون المسيحي على سجادة حمراء، ليقيم في شقَة فخمة في مار تقلا الحازمية، وليؤسَس ((الحزب الوطني العلماني الديمقراطي- وعد))، الذي كان ربما أقرب إلى تفكيره وتطوَره أثناء منفاه في البقاع ودمشق، مقارنة بتربيته الكتائبية في السياسة المارونية التقليدية والميليشياوية في سنوات الحرب الأولى.

وإذ أصبح حبيقة رئيساً لهذا الحزب وأسعد شفتري نائباً للرئيس، تشكَل أيضاً مكتب سياسي متعدَد المذاهب، وعضوية ضمَت عدداً من رجال حبيقة وبعض المثقفين ورجال الأعمال.

وأصبح حبيقة، الذي أخلص للسوريين، وزير دولة في حكومة عمر كرامي ثم فاز بمقعد نيابي في البرلمان عام 1992. ولكن هذا لم يمنع أنَ تستمرَ أعمال رجاله الميليشياوية حيث كانت هناك عملية ابتزاز ومحاولة قتل رجل الأعمال شارل  شالوحي أدَت إلى تقديم الشكوى من هذا الأخير لدى السلطة اللبنانية (التي كانت قد عادت إلى العمل في التسعينات). ولم تمنع الشكوى  أن تتعرَض متاجر الشالوحي للتفجير حتى دفع المال (وجرت محاولات أخرى ضد شالوحي عام 1966). وبعد خروج حكومة كرامي في آيَار/مايو 1992، أصبح حبيقة من الثوابت السورية في النظام اللبناني، حيثرعيَنه رفيق الحريري وزيراً للشؤون الاجتماعية ثم وزيراً للكهرباء.

ويذكر ((كوبرا)) وهو مرافق حبيقة الشخصي، ارتكاب جاعة حبيقة عشرات عمليات النصب والخطف والتزوير والصفقات في التسعينات، ومذلك الاحتيال على شركات التأمين، وأنَ حبيقة كان يمتلك الوقت الكامل للأعمال الميليشياوية حيث كطانت واجباته كوزير للشؤون الاجتماعية قليلة.

ومن ملامح حبيقة الجديدة بعد الحرب اعتناقه للسياسة اللبنانية. في 2 شباط/فبراير 1997، في ((بيروت هول)) التي لا تبعد كثيراً عن المجلس الحربي الذي طُرد منه حبيقة عام 1986، أقيم احتفال جماهيري لحزب ((وعد)) كإشارة ربما إلى طموحات حبيقة الرئاسية.

وكان ملَفاً عودة حبيقة إلى مقولة ((المجتمع اللبناني المسيحي)) و((عقدة الخوف))، إلخ، وهي مسائل أثبت في سنوات الحرب إما إنَه لم يتعاط معها بالكثيرمن الجديَة أو أنَه لم يكن يؤمن بها أصلاً، وذلك إمَا لعلمانيته وإمَا لوصوليته وغزيرة البقاء لديه. أم لعلَه تغيَر ببساطة منذ أواسط الثمانينات. حتى اسم حبيقة أصابه تغيَر ملحوظ من ((إدوارد)) إلى ((اش كاي)) إلى ((إيلي))، ثم إلى الاسم الرسمي ((إلياس)) اللائق بوزير في دولة والذي بات الأكثر استعمالاً بعد العام 1990 وكأنَه دفن الاسم المرتبط بالحرب. أمَا في الشكل فقد اختفا شاربا حبيقة وتسريحة شعره المميَزة التي قلَدها أتباعه بقدسية.

وطيلة فترة التسعينات كان حبيقة يتعرَض دوماً لاستجواب الإعلام اللبناني والعربي والأميركي عن دوره في زمن الحرب وفي مجزرة صبرا وشاتيلا واغتيال بشير الجميَل وآخرين.

ففضَل أن يبتعد عن الأضواء وتحاشي الحياة الاجتماعية، ولكنَه كان يقوم بزيارات ضرورية كوزير للشؤون الاجتماعية إلى الجمعيات الخيرية والمستوصفات. وبعد ذلك انتقل إلى حبيقة تدَر الريح هي وزارة المهجَرين المسؤولة عن صندوق المهجرين. فأصبحت هذه الوزارة رمزاً لفساد ما بعد الحرب، كأن يتم تحويل ملف ألف مهجَر بقيمة 3000 دولار للملف إلى الوزارة لتوزيعها حسب المستحقين. فيتم توزيع المال إلى عدد محدد من المستفيدين ويحتفظ بالباقي بموجب إخراجات قيد مزوَرة تم الحصول عليها من دائرة الأحوال الشخصية في وزارة الداخلية.

ولم تكن وزارة المهجَرين قمة الخط الجيَد لحبيقة، إذ انتقل إلى مغارة علي بابا جديدة هي وزارة الموارد المائية والكهربائية، المسؤولة عن ((شركة كهرباء لبنان)) وعقودها، في وقت كانت حكومة الحريري تنفق مئات ملايين الدولارات على مشاريع الكهرباء. وكان الرئيس رفيق الحريري قد عيَن مستشاريه، مهيب مديراً عاماً لشركة الكهرباء لبنان ومارون أسمر رئيساً لمجلس إدارة ولكن الوزير آنذاك جورج افرام رفض السير في مشاريع الخصخصة وعقود التراضي والحصص، فأقيل من منصبه بحجَة رفضه التعاقد مع شركة((أنسالدو)) الإيطالية وعيَن مكانه إيلي حبيقة. وجاءت التعيينات في مناصب الدرجة الأولى في الوزراة من خاصسة حبيقة، ومنهم فادي ساروفيم. فكانت ثمَة شبكة من المنتفعين تؤمن الصفقات والحصص وتوزَع الأرباح. وأصبح يدورفي فلك الوزراة ليس خبراء في المشاريع فحسب بل اختصاصيون في القومسيونات والصفقات والتعاقد واتفاقات التراضي. فكانت((أرباح)) الهدر تتراوح من10و20بالمئة على الصفقات، إلى هدايا عينية، كسيارات وشقق وذهب. لقد استفاد الوزير ومستشاره الذين كانوا من أعضاء ميليشياه في زمن الحرب، والأهل والأقارب، ولكن استفادت أيضاً شخصيات سياسية كبرى في البلاد، خرجت تفاصيلها إلى العلن بعد تحقيق قامت به حكومة سليم الحص عام 1990. كما أشار مارون أسمر أنَ قيمة ((الهدر)) (وهي الكلمة المحترمة لسرقة المال العام في لبنان التسعينات) من شركة كهرباء لبنان بلغت  600مليون دولار[42]. هذا الفساد وأضعاف مضاعفة مثله، لم يتوقَف على حبيقة وجماعته، بل كان يتم في الجمهورية الثانية على قدم وساق ويشارك فيه العشرات من الشخصيات العامة ونشرت الصحف تفاصيله مراراً دون أنَ يؤدي ذلك إلى أي محاسبة أو محاكمة، إلا في حال كان الأمر يتعلَق بانتقامات وتصفيات حساب سياسية بين أمراء الحرب[43].

ولم يكن حبيقة قد تحوَل إلى رجل دولة بمجَرد دخوله نادي الوزراء، بل حافظ على كثير من طباع القائد الميليشياو، فكان يصطدم بوزراء أثناء الجلسات، وكالمراهقين كان يلح على((تصفية الحساب)) بالعضلات خارج الجلسة. ويقول الهرواي، الذي لم يخف إعجابه بقدرات حبيقة في إدارة مسائل الكهربا،إنَ الوزيرين إيلي حبيقة وفؤاد السينورة لم يكونا على علاقة جيدة. وإذا انفجر بينهما خلاف أعطى حبيقة مهلة للسينورة تنتهي بعد أسبوع ليقدَم له اعتذاراً شخصياً وعلنياً وإلا((سأتدبر الأمر على طريقي)). وعندما سأله السينورة((كيف يعني؟)) أجاب((بوقتها منحكي فيها)). وفي الجسلة التالية طالب حبيقة باعتذار السينورة بحدَة وغضب وحاول الاقتراب منه، فحال باسم السبع الجالس بين الإثنين دون تطَورالخلاف إلى اشتباك. وأنهى السينورة الأمر بتقديم الاعتذار الشخصي[44].

وفي انتخابات العام2000، خسر حبيقة الوزارة والنيابة. وإذا أعلن في بداية2002 عن نيَته بتقديم معلومات الى محكمة في بلجيكا حول مجزرة صبرا وشاتيلا، قضى في حادث اغتيال غامض بعد تصريحه بأيام في 24كانون الثاني/ يناير2002. وشارك في جنَازه آلاف الأشخاص في كنيسة مار تقلا، ما أثبت استمرار شعبيته في صفوف أنصاره. وهكذا اختفى أحد أمراء الحرب الجدد عن الساحة.

 

منفى أمين الجميَل وعودته

وفيما تمتَع حبيقة بالرعاية السورية منذ1985 وحتى وفاته عام2002، لم ينل أمين الجميَل وميشال عون وسمير جعجع نصيباً من هذه الرعاية. بل دافعوا ثمناً باهظاً لعدم تعاونهم مع النظام الجديد في لبنان. وكان ثمَة ملاحقات قانونية بحق كل منهم، فاختار الجميَل المنفى، ونفي عون قسرياً، واختار جعجع الاستمرار في قيادة((القَوات)) بخط منفرد، إلى أن دخل السجن عام 1994.

لقد غادر أمين الجميَل لبنان بعد نهايو عهده لأسباب مختلفة أهمَها تفاقم الخلافات في صفوف أمراء الحرب المسيحيين، وتعَرض حياته للخطر في المناطق المسيحية. ولكنَ الأمر تغيَربعد عام من غيابه، من مشاكل داخل ((حزب الكتائب)) وخروج ميشال عون من لبنان عام1991 . أمَا بالنسبة للحزب فقد انتخب جورج سعادة رئيساً مكان إيلي كرامة عام1986  وكان هذا التغَير إيذاناً بوصول رئيس للحزب شديد الانفتاح على الأفرقاء في لبنان وعلى الحَل(حتى نعته حسين الحسيني ب((أبو الطائف))) وخرج كرامة القريب من الجميَل الذي عمد إلى تأسيس((المعارضة الكتائبية)). وحلَ الجميَل في الولايات المتحدة لفترة ثم استَقر في فرنسا لَمدة عشر سنوات. وطيلة عقد التسعينات وحتى السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين، كانت مسائل ارتبطت بعهده(1988-1982) تصعد الى السطح. إحداها تتعلَق بدور روجيه تمرز(راجع الفصل13) في صفقة بيع 6000جواز سفر لبناني الى الدولة الألمانية لقاء مبلغ من المال بلغ بضعة ملايين من الدولارات، وسوء استعمال المال العام في صفقة طائرات هليكوبتر من ماركة بوما الفرنسية للجيش اللبناني. وظهرت تقارير أنَ الرئيس الجميَل أذن لصفقة الجوازات ما كان سيساعد الحكومة الألمانية على طرد آلاف اللبنانيين والفلسطينين، ممن لا يحملون أوراقاً ثبوتية والذين لم تمنهم ألمانيا حق اللجوء في أراضيها، وأنَ صداقة الجميَلأ مع جوزف شترواس، حاكم ولاية بافاريا، لعبيت دوراً. في تموز/يوليو1991، استدعي الجميَل للمثول أمام المحقَق العدلي كشاهد في قضية الجوازات والتي اتهم بلعب دور فيها جميَل نعمة مدير عام الأمن العام صاحب صلاحية توقيع الجوازات لتصديقها. واكتفى الجميًل بكتابة رسالتين الى المدعى العام دون أنَ يحضر الى لبنان.

كما ظهرت تقارير أنَ الجميَل تناول طعام الغداء مع شمعون بيريز زعيم المعارضة الإسرائيلية في حزيران/ يونيو1991، وهو لم يكن أول لقاء يجمع بيريز الى زعيم لبناني، حيث سبق أنَ التقى وليد جنبلاط ببيرز عام1982 عشية اجتياح إسرائيل  للبنان كما قامت عشرات الشخصيات اللبنانية بلقاء إسرائيليين ولم يغادر لبنان. وعاد الجميَل الى لبنان عام 2001 واستقَر في بكفيا كما كان يحلم طيلة غربته الباريسية. ولكن بعد سنة من عودته وفي أيلول/سبتمبر2002، عاود المدَعي العام فتح ملف طائرات البوما. وأظهرت التقارير أنَ سامي مارون، وهو أحد مستشاري الجميَل المقرَبين، كان على علاقة بالصفقة وذكر أنَه عادة ما يطلب عمولة على الصفقات التجارية. وجزء من الفضحية أنَ دفتر شروط مشتريات هذه الطائرات أكَد أنَها ستكون جديدة ومصنوعة في فرنسا. ولكن كمية الطائرات التي استلمها الجيش البناني لاحقاً تبين أنهَا كانت مستعملة ومرممَة في مارونيا، ولكن المبالغ التي سدَدت لقاءها كانت مرتفعة في مقابل تدنَي سعر الطائرات الجديدة. ويقول الرئيس إلياس الهرواي إنَه اثار أمر صفقة الطائرات مع الرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران في تشرين الأول/ أكتوبر1991:

((عرضت على الرئيس ميتران قضية الأسلحة وطائرات البوما. في عهد الرئيس سركيس تمَ التفاهم مع الحكومة الفرنسية عل شراء أسلحة للجيش اللبناني قيمتها600 مليون فرنك فرنسي، إلا أنَ سركيس ألغى الصفقة إثر اكتشافه أنَ 24بالمئة من ثمنها سيدفع عمولة للبنانيين ولفرنسيين ضالعين فيها. ورفض ميتران أنَ أفضح عن الأسماء...))[45]. ويضيف الهرواي أنَه طلب من ميتران((معدات عسكرية وقطع غيار لأنَ القسم الأكبر من العتاد الذي أرسل دمَر خلال((حرب الإلغاء)) بين ميشال عون وسمير جعجع))، ثم يذكر أنَ رئيس وزراء فرنسا بيار بيريغوفوا ومستشار الرئيس الفرنسي فرانسوا دو غرسوفر قد انتحرا في عامي1993و1994((وتردَد أنَهما انتحرا لضلوعهما في فضائح ماليَة قد تكون صفقة الأسلحة مع لبنان إحداها. كان دوغرسوفر صديقاً لسامي مارون المقَرب من العهد ويأتي باستمرار إلى لبنان))[46].

لقد تعَرضت طائرات((البوما)) للقصف والحرق أثناء الحرب بين الجنرال عون وسمير جعجع عام 1989 ماأضعف ملف التحقيق. وطيلة هذه الفترة كانت قاعدة الرئيس الجميَل من أنصار ومحازبين تنفي التهم الموجَهة ضده وأنَ أساسها هو الانتقام السياسي من الرئيس السابق وليس قضائياً[47].

 

كريم بقرادوني

طيلة هذه السنوات كان كريم بقرادوني ينَمي ليس فقط موقعه داخل الحزب بل في خطوط محليَة وإقليمية، فحفظ لنفسه موقعاً في لبنان ما بعد الحرب. لقد جرت عملية انتخاب رئيس جديد في((حزب الكتائب)) عام 1992وأعيد انتخاب جورج سعادة. وإذ توفي سعادة اختار الحزب منير الحاج رئيساً، الذي كان أيضاً مناهضاً للجميَل و((المعارضة الكتائبية)) بقيادة إيلي كرامة. لقد بنى كريم بقرادوني في هذه الفترة جسوراً مع عدَة فئات اللبنانية ومع السوريين، ولكنَه كان على طرفي نقيض مع آل الجميَل، ممثلين بالرئيس أمين الجميَل في المنفى الباريسي، ونجله بيار أمين الجميَل ونديم الجميَل نجل بشير، وأنصار العائلة داخل الحزب الذين بلغوا الآلاف. وفيما كان بقرادوني دائماً في كواليس بشير، الجميَل وقادة القوات اللبنانية، أصبح عام 2002 رئيساً للحزب، في حلَة متجدَدة شديدة التقَرب من سورية. حتى أنَ مؤتمراً عاماً للحزب في عيده ال76 في فندق ((ريجنسي)) في أدما شابه كثيراً مؤتمرات((حزب البعث)) في نوعية الضيوف العرب والكلمات التي ألقيت ومشاركة كثيفة لحلفاء سورية في لبنان[48].

واجه بقرادوني التحدي كرئيس للحزب من آل الجميَل الذين تمتعوا بشعبية في صفوف الكتائبين واتَهموه أنَه((صادر الحزب)). وأيدَ هذا الاتهام شرائح واسعة من المعرضة السياسية في لبنان(((جماعة البريستول(() عام 2004، خاصة أنَ ((الكتائب)) لم تعد ((الكتائب)) بعدما انضمت إلى تجمَع ((عين التينة)) الموالي لدمشق في حمأة الصراع على التجديد للرئيس إميل لحود. وإذ وقعت أحداث 2005وانقلب الوضع في لبنان رأساً على عقب، أعيد توحيد الحزب في مؤتمر عقد في خريف عام 2005، وبقى بقرادوني رئيساً، فيما انتخب أمين الجميَل رئيساً أعلى للحزب. ولم يكن ثمَة ازدواجية، إذ إنَ بيار الجميَل المؤسس جمع في شخصه صفة الرئيس الأعلى الذي يحدَد الخط الاستراتيجي، ورئيس الحزب[49].

 

سليمان طوني فرنجية

وخارج التَطورات في بيروت والجبل، بقيت زعامة موارنة الشمال لآل فرنجية بعد الحرب، ورثها سليمان طوني فرنجية حفيد رئيس الجمهورية السابق سليمان فرنجية. وكان سليمان طوني فرنجية طفلاً في الثالثة عشرة من عمره عندما نجا من مجزرة إهدن في حزيران/يونيو1978 التي ارتكبتها((القَوات)) ووقع ضحيتها والده طوني أمير حرب((لواء المردة))، زغرتا الماروني المسلحَ، وأفراد أسرته(راجع الفصل العاشر). وكان سبب  نجاة سليمان طوني أنَه كان في مدرسته في بيروت في ذلك الوقت، كما كان الرئيس سليمان فرنجية في بيروت أيضاً. ولد سليمان طوني في 18تشرين الأول/ أكتوبر1965، وبدأ عمله السياسي باكراً عام1987 عندما تسلَم قيادة قَوة من((لواء المردة)) الزغرتاوي وهو في عمر22سنة. وكان عمَه روبير يقود المردة منذ مصرع طوني وحتىوكان عمَه روبير يقود المردة منذ مصرع طوني وحتى1989 ، ولكَن سليمان طوني استلم القيادة في آب/ أغسطس1990، وحافظ على العلاقة القديمة التي تربط آل فرنجية بآل الأسد، مامنحه رصيداً في لبنان في التسعينات مع نفوذ سورية القوي فيه. كما كان على علاقة وثيقة بباسل الأسد وبشَار الأسد، نجلي الرئيس السوري(حتى أنَه أطلق اسم((باسل)) على ابنه من زوجته الأولى ماريان سركيس عام1992). وفي1990أصبح سليمان طوني وزير دولة في حكوكة عمر كرتمي وهو في سن 25عاماً، ثم وزيراً في معظم ما تلاها من حكومات. كما تَوج سليمان طوني دخوله عالم السياسة بتعنيينه نائباً في البرلمان عام1991، وانتخابه نائباً في برلمان1992.

لعل موقف رئيس الجمهورية السابق سليمان فرنجية في مؤتمر لوزان في آذار/ مارس1984يختصر موقف آل فرنجية في الشمال.ففي ذلك المؤتمر كان فرنجية أكثر الحاضرين عدواة لإسرائيل، ولكنه كان أيضاً الأكثر مارونية. ففي الإصلاح السياسي فاق فرنجية مواقف بيار الجميَل وكميل شمعون والموارنة الآخرين في التشدَد: (( أنا غير مستعد أنَ أتنازل عن دورهم في حقوق طائفتي... منَي مستعد أبداً... طائفتي مع ربي الذي خلقني مابدَيىتاجر فيها))[50].

وليس أنَ سليمان طوني قد ورث الزعامة من جدَة سليمان، فجاءته على طبق من ذهب، بل أنَ ممارسته السياسية جعلته صاحب أسلوب مميَز وجريء. فهو((ليس عميلاً لسورية)) بل هو مؤمن بالخط العربي لعائلته. وهو قد يخسركل شيء في الساحة المحَلية ولكنَه لا يبدَل مبادئه بسهولة. أضف إلى ذلك أنَه كان نداَ كفوءاً لموارنة الوسط وعمالقة أمراء الحرب الموارنة، إنَ في السلوك الحربي أو في التنافس على الشارع. وحافظ سليمان طوني فرنجية على الخط التاريخي لعائلته ك((ماروني عربي)) والعلاقة الوثيقة مع الشخصيات المسلمة في لبنان، وخاصة مع طرابلس، ومع القيادة السورية المتمثلة بآل الأسد. وأبقى مسافة شاشعة وواضحة تجاه موارنة الوسط مصَرحا أنَ((موارنة الشمال يرفضون أنَ يكونوا عسكراً للمجانين المسيحين كما كانوا في الماضي))[51].

في حزيران/يونيو1992، دعا الرئيس إلياس الهرواي سليمان طوني فرنجية،وقد أصبح وزيراً في حكومة رفيق الحريري الأولى، إلى مأدبة غداء على شرف شخصية رفيعة من الفاتيكان، فوافق فرنجية  على الدعوة في حين اعتذر سمير جعجع. وفيما كان فرنجية والوزير نبيه بَري يتبادلان الحديث ((دخل الصالون فجأة سمير جعجع وزوجته ستريدا، فوجد نفسه وجهاً لوجه مع سليمان (طوني فرنجية).ثارت ثائرة فرنجية ووضع يده على وسطه فيما أُدخل جعجع إحدى الغرف، ثم غادر فرنجية المقرَ، وهو يتهم المسؤولين بالتامر عليه. ولحقه الهراوي ليطلب منه أن يهدَىء روع جماعته المسلَحين الذين اتَخذوا مواقع في الشارع، وأن يطلب من جعجع أن يأمر مرافقيه بالرحيل فوراً...وأن لا يكرَر هذه المفاجآت التي كادت تؤدي إلى مجزرة داخل المقرَ وخارجه))... وعاد جعجع إلى المجلس الحربي ((للقوَات)) في سيارة الرئاسة المصفحة... كما هدد وليد جنبلاط بالاستقالة، ثم عاد عنها بعدما تأكَد أني لم أنصب له مكمناً))[52].

وفي العقد الأولى من القرن الحادي والعشرين، بدا أنَ سليمان طوني فرنجية يحمل طموحاً وبذرة قيادية جعلته مرشحاً محتملاً لرئاسة الجمهورية. حتى أنَ الرئيس السوري حافظ الأسد قدَم له قبل وفاته عام 2000 عباءة عربية ثمينة فسَرها الإعلام على أنَها علامة مباركة الأسد لترشيح فرنجية للرئاسة عندما يصبح هذا الأمر مناسباً.

وحتى بعد خروج الجيش السوري من لبنان 26 نيسان/أبريل 2005، وفشل سليمان طوني فرنجية في انتخابات برلمان 2005 وخروجه من السلطة، لم يقلَل أبداً من وجوده كأمير حرب موارنة الشمال واحتمال حصوله على فرص مستقبلية. إذ إنَ أي معادلة لبنانية لن تنجح تماماً بدون كافة الأمراء، خاصة إذ حرص من لم ينل حصَته على الشغب ضد الاخرين. وإشارة إلى ذلك، أنَ سليمان طوني ترك موقع الوزير وعاد زعيماً في منطقته وحوَل ((لواء المردة)) إلى(( تيار المردة))  (إشارة إلى التحوَل نحوالعمل السياسي المحض).  وإذ فشل في انتخابات 2005 ولكنَه نال أعلى نسبة أصوات بين الناخبين الموارنة في الشمال، وإن أثبتت عائلات مارونية أخرى وجودها كمعوَض في زغرتا (بقيلدة نائلة معوَض عقيلة الرئيس الراحل رينه معوَض)، وشخصيات باروة كسمير فرنجية (نجل حميد فرنجية) وعائلات بشراوية.

وكان تعليق سليمان طوني فرنجية على نتائج الانتخابات 2005 كلاسيكياً، يعكس أسلوبه الطريف والجريء في آن: ((فخرنا أنَنا وصلنا إلى أرفع المراكز ولم يرد اسمنا لا بالسوليدير ولا بالسيلولير ولا في بنك المدينة ولا في غيرها)) (إشارة إلى فضائح الخيلوي والشركة العقارية ومصرف نبك المدينة التي شغلت لنبان لعدَة سنوات). وإذقام سليمان طوني بلقاءات جماهيرية حاشدة في قرى وبلدات شمالية عدَة في 2005  (عرضت وسائل التلفزة حشداً بلغ 60 ألفاً استقبله في بنغشي)، كان خطابه أكثر أناقة و ((أوريجينال)) من جدَه سليمان، كما واضح من هذا المقتطف من كلمة ارتجالية اختصرت كامل فلسفته لموقع موازنة زغرتا في الشمال وفي لبنان (ألقاها في لقاء حاشد في قرية الفوَار في 2 كانون الأول/ ديسمبر 2005): ((الكل يتغير ويضلَل الناس ومنهم من ينقلب 180 درجة. ولكن نحن سنبقى مؤمنين بعروبينا وبعمقنا العربي. ونحن عندما قمنا بهذا الخيار لم يجبرنا أحد وهذا الخيار الرئيس فرنجية وحميد فرنجية وقبلان فرنجية... كنَا من خلاله مخوَنين من طائفتنا... كنَا نقول ((ما في شيء بيجي من الغرب بيسرَ القلب)). نحن آمنا بهذا المبدأ وسنستمر به. مع العروبة والإسلام ولكن مع العروبة كما كانت أيام الناصر و الملك فيصل ومع عروبة حافظ الأسد ولكن ليس مع الذي يطبَع مع إسرائيل ويبيعنا ((بالدشش)). نحن موقفنا لا نغيَرة... الناس يعرفون من يمثلهم ويعرفون من وقف بجانبهم في الأيام السوداء ومن تركهم وسكن بيروت وصوت ل17أيَار ولبشير الجميل وراهن على دخول لإسرائيل أيَار ولبشير الجميل وراهن على دخول لإسرائيل إلى المناطق اللبنانية وركب الدبابة الاسرائيلية ويأتي اليوم ليتكلم بالوطنية بالعروبة. أصبحنا نحن متطرَفين وأصبح سمير جعجع عروبياً. نحن ليس لدينا أي شيء نقوله، التاريخ يظهر من هو عروبي...)). ((صوًرونا وكأننا نحن قتلنا رفيق الحريري وهم اختلفوا معه عشرات السنين ولم يكونوا متفقين معه. ثم أصبحوا هم الحلفاء الأساسيين له بعض النظر عن تاريخهم السياسي وعن علاقتهم بإسرائيل وبعض النظر عن عدائهم للعروبة وبعض النظر عن كلامهم عن الإسلام ورفع شعارات ((أمن المجتمع المسيحي فوق كل اعتبار))، و((يجب إلغاء المسلمين من الوجود)). هذا كله ((عفا الله عما مضى))... وما هو المطلوب منا؟ مطلوب أن نبيع عروبتنا ووطنيتنا وكرامتنا لكي يرضى علينا شارون والأمير كيون ليرسلوا لنا المساعدات. أيَ مساعدات؟ نحن لا يمكن الاَ ان نتكل على أنفسنا وعلى الوطنيين وعلى الناس الذين  يؤمنون بلبنان الواحد الحر السيد المستقبل العربي النتمي الى هذا المحيط. لأنَنا لا يمكن ان نعَبر لبنان جزءاً من الغرب. هذا محيطنا ان نعيش معكم وتعيشون معنا في ثقافة عربية واحدة وليس في ثقافة غربية... أنا لن أفرَط بعلاقة بنيناها تاريخياً بسبب تهمة، فأنا أفتخر بعلاقتي مع بيت الرئيس الأسد ومع السورين أما الذين يخجلون بعلاقتهم مع سوريا اليوم فهم الذين كانو يسَر ضونها في الماضي))[53].

 

وليد جنبلاط

وخارج نطاق الموارنة، برز وليد جنبلاط، المولود في 7 آب/أغسطس 1949، وزيراُ ونائباً وزعيماً في لبنان ما بعد الحرب. وإن ظهرت في الطائفة الدرزية شحصيات كطلال أرسلان، نجل المير مجيد، إلا أنَ جنبلاط كان الأكثر حضوراً ونفوذاً. حتى أنَ طلال أرسلان خسر الوزارة و النيابة بعد خروج الجيش السوري من لبنان في نيسان/أبريل 2005، فيما مرَت فترة اعتقد الرأي العام اللبناني أنَ وليد جنبلاط هو الشخصية الأبرز على الساحة مما ذَكر بأفضل أيَام كمال جنبلاط.

في كانون الأول/ديسمبر 1990 عٌيَن وليد جنبلاط وزير دولة في حكومة عمر كرامي الأولى، ولكنَه عاجل بالاستقالة اعتراضاً على أسلوب تكليف كرامي بعد خروج سليم الحص، وتعيينه هو وزير دولة. ثم عاد عن الاستقالة في 2 آذار/مارس 1991 بضغط من دمشق. ويقول رئيس الجمهورية إلياس الهراوي إنَ جنبلاط فاجأ الوزراء بحضوره هي الأولى له منذ تشكيل الحكومة، ((دخل القاعة مقطَب الجبين والغضب على وجهه، دون أنَ يوجَه التحية إلى أحد بمن فيهم أنا ورئيس الحكومة. جلس في المكان المخصَص له وسحب من جيبه إحدى الصحف وأخذ يطالعها)). وأثناء الجلسة شرح الوزير شوقي  فاخوري أوضاع المرفأ، فعلَق جنبلاط على الموضوع وحاول فاخوري الاستفسار. فانفجر جنبلاط غضباً في وجه فاخوري قائلاً: ((شو دخَلك... ما إلك توجَه لي الكلام)). ثم خاطب الهراوي: ((شو جايب لنا جوزف هاشم تاني؟)). وحصلت مشادة بينه وبين جنبلاط تبودل فيها الكلام العنيف جدَاً ولم تنته إلا بعد تدخَل عدد من الوزراء، وقال جنبلاط ((لو كان  الأمر يعود إليَ لما كنت قد اشتركت معكم في مجلس وزراء كهذا. أنا جئت مرغماً بناء على إلحاح الإخوان السوريين)). وأثناء الجلسة ((أجرى الوزير جنبلاط مداخلة لم تخل من بعض التجريح برئيس الحكومة، ثار الرئيس عمر كرامي وصاح: ((أنا أرفض كلامك. منذ دخلت القاعة وأنت تخانق الجميع وتربَحنا جميلة أنك جئت إلى الجلسة)). وقف وليد وقال: ((أنا ندمان أني قبلت تدخَل الإخوان وحضرت الجلسة. أنا ما بقعد معكم)). وغادر القاعة)).

صباح اليوم التالي اتصل جنبلاط بالقصر الجمهوري يسأل عن مكان الوزير فاخوري، فخشى الهراوي على فاخوري وأرسل أفراد الحرس الجمهوري إلى الوزير لحمايته، وتبيَن أنَ جنبلاط كان يبحث عن مكان فاخوري للاعتذار[54].

من دلائل نجاح وليد جنبلاط في قيادته للدروز أنَه كوالده أبقى زعامته ومركز طائفته الصغيرة في لبنان على مستوى عال محليَاً وإقليمياً، كما كانت في حياة كمال جنبلاط. ورغم أنَ مقتضيات قاعدته الطائفية تتطلَب تعديلاً مستمرَاً في المواقف، إلا أنَ ذلك لم يمنع أنَ الرأي العام اللبناني والعالمي دان لوليد جنبلاط واعتبره قائداُ في المعارضة اللبنانية بعد مقتل رفيق الحريري عام 2005، حتى أصبحت تصاريحه حديث المدينة ويتطلع الرأي العام إلى مؤتمراته الصحافية ولقاءاته المتلفزة التي لا تخلو من الجراءة والكلام الكبير.

لقد تَمت عودة جزء كبير من مهجَري الشوف في التسعينات وخاصة بعدما أصبح وليد جنبلاط وزيراً للمهجَرين في حكومات رفيق الحريري. وتتوَجت مصالحة الموارنة والدروز بزيارة تاريخية قام بها البطريرك الماروني بطرس صغير إلى قرى الشوف عام 2001 بترحيب واستقبال حافل من جنبلاط. وفي العام 2006، مثَل التحالف بين الموارنة والدروز صورة ضمَت أعداء الأمس وليد جنبلاط وسمير جعجع قائد ((القوَات اللبنانية))، يرفعان قبضتهما معاً في الهواء. كما أنَ ترابط اسم وليد جنبلاط ب((ترويكا)) الحكم، رؤساء الموارنة والسنَة والشيعة، كان قويَاً، وخاصة مع نبيه بَري ورفيق الحريري، حيث جعل جنبلاط نفسه، وما يمثل، الشخص الرابع في النظام. ولم يخل من الأمر من فوائد مادية ونفوذ سياسي حققَه هذا الترابط لأمير الحرب الدرزي.

 

حلَ الميليشيات؟

بدأت الحكومة اللبنانية مرحلة الانتقال إلى زمن السلم الأهلي في خريف 1990، فقرَرت إخلاء بيروت الكبرى من الميليشيات. وإذ استقالت حكومة سليم الحص في كانون الأول/ديسمبر 1990 وتسلَم رئاسة الحكومة عمر كرامي، ذكر إلياس الهراوي أنَ((حكومة المصالحة الوطنية مؤلفة من ثلاثين وزيراً بينهم أمراء الحرب الذين إليهم حقائب وزراء دولة))[55]. وكان الهراوي قد طلب من سمير جعجع تقديم سلاح ((القوَات)) هدية إلى الجيش اللبناني مقابل مبلغ من المال، فطلب جعجع مبلغاً اعتبره الهراوي ((خيالياً)) فأبلغه أنَه سيسمح ((للقوَات)) بشحن سلاحها إلى خارج البلاد. ووافق مجلس الوزراء ل((القوَات)) بنقل سلاحها الثقيل عبر مرفأ بيروت. ويذكر الرئيس إلياس الهراوي أنَ ((القوَات)) سحبت في كانون الأول/ديسمبر1990 ما لايقلَ عن 1500 طنَ من السلاح والذخائر والمعدَات العسكرية من بيروت الكبرى.

وعندما بدأ الجيش انتشاره في الجنوب في شباط/فبراير 1991، تعرَض لإطلاق نار من المخيَمات الفلسطينية جوار صيدا.فاتصل قائد الجيش إميل لحود بالهراوي ليعلمه أنَ الجيش بحاجة إلى ذخيرة فوراً لمواصلة الانتشار. وأمام هذا الطلب يذكر إلياس الهراوي :

((طلبت من العميد ميشال معيكي أن يتوجَه والجنود الأربع مئة الذين بإمرته إلى المرفأ ويطوَقوا السفينة التي تحمَل أسلحة (ل((القوات))) على منتها لشحنها إلى الخارج، ثم اتَصلت بسمير جعجع وقلت له: (( إنَ انكسار الجيش في الجنوب هو انكسار لنا جميعاً. أنا في حاجة إلى ذخيرة)). وأضفت أمام تردَده: ((لا ترغمني على معركة في المرفأ للاستيلاء عليها بالقوَة. أريد 2500 قنبلة من عيارات مختلفة وأتعهَد دفع ثمنها)). بدأ يفاوض على الثمن فاتفقنا على مبلغ خمسة ملايين دولار. ونقلت الشاحنات الني كانت جاهزة في المرفأ الذخيرة إلى الجيش الذي دخل الجنوب بعد ساعات... في اليوم التالي استنجدت برفيق الحريري الذي كان في باريس، فحوَل المبلغ مباشرة من العاصمة الفرنسية  إلى أحد المصارف في جنيف. كانت المرَة الثانية التي أطلب فيها من الحريري تسديد مبالغ تعهدت دفعها إلى ((القوَات اللبنانية)). المرَة الأولى سدَد مبلغ مليون دولار عبر البنك السعودي اللبناني في بيروت، وكان جعجع طلب تغطية مصاريف سحب قوَاته من العاصمة ودَفع إلى الصندوق الوطني التابع ((للقوَات)) بواسطة أحد معاونيَ))[56].

في 28آذار/مارس 1991، أقرَ مجلس الوزراء حل الميليشيات وبسط سلطة الدولة بمقتضى اتفاق الطائف. وتضمَن القرار تسليم الأسلحة إلى الجيش وإلغاء وسائل الإعلام غير المرخَصة، مع إمكان الحصول على ترخيص فيما بعد من وزارة إعلام، وحلَ أجهزة الأمن والمخابرات الميليشياوية. وبالمقابل أعدَت وزارة العدل مشروع قانون عفو عن خطايا الحرب وإمكان استيعاب عناصر الميليشيات في أجهزة الدولة المختلفة. وكانت الميلشيات الموالية لسورية هي الأكثر التزاماً، طالما أنَ دمشق هي دولة الوصاية على لبنان، فيما تردَد جنبلاط وأعلنت الميليشيا المسيحية رغبتها في لامركزية أمنية وحرس وطني،لتبدأ ببطء شديد تنفيذ القرار الحكومي. إلا أنَ ((لواء المردةَ)) الزغرتاوي كان أول من سلَم سلاحه، ولم تسلَم الميليشيا الدرزية كل أسلحتها للجيش بل قامت بتسليم جزء الى سورية، فيما باعت الميليشيا المسيحية وميليشيات أخرى عبر تجَار السلاح جزءاً يسير من أسلحتها الى جهات في دول تدور فيها حروب (كرواتيا والصومال وجنوب السودان) تم تصديرها من لبنان بحراً بموافقة الدولة كما سبقت الإشارة. ويقول الرئيس الهرواي أنَ جعجع ((أعاد إلى إسرائيل السلاح الذي تلقَاه منها مرفأ جونيه وسلمها إياه في مرفأ أشدود القريب من الناقورة ))[57]. وبقي ((حزب الله)) الميليشيا المسلَحة الوحيدة ليصبح، وبدعم سوري وإيراني، عمود المقاومة اللبنانية ضد الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، فأعلن نقل ترسانات الحزب الى الجنوب. وبات لبنان حتى عام 2006 وما بعده يناقش مسألة سلاح ((حزب الله))، فيما قادة هذا الحزب يرفضون ذلك بأشد عبارات القدح والذم ضد من يطالب بهذا الأمر (كما جاء على لسان الأمين العام للحزب: ((سنقطع اليد التي تمتد إلى سلاح المقاومة))، ((سنسحب روح من يريد ان يسحب سلاحنا))،إلخ.). ولم تقلَل عودة الحياة المدينة الى بيروت الكبرى واستعادة الدولة أملاكها من مقدرة  ((حزب الله)) على الاحتفاظ بدولته كاملة في الضاحية ومناطق أخرى والتعبير عن تنظيمة العسكري بمسيرات وحشودات جماهيرية وصل حجمها الى مئات الألاف (راجع الفصل الخامس عشر). ورغم انتشار الجيش في ورغم انتشار الجيش في قليم التفاح عام  1991، منهياَ حرب الشعية هناك، إلا أن ((حزب الله)) أصر عاى حرية الحركة التامة للقيام بمهام المقاومة.

وام تنته الجلسة الحكومية التي أقرَت مجموعة الإجراءات حول حل الميليشيات لإ وكان ممثَل سمير جعجع، الوزير روجية ديب، قد انسحب منها، إمعاناً في الإشارة الى عدم القبول النهائي ياتفاق الطائف، أو هو قبول تكتيكي أكثر منه استراتيجياً. فكان رهان جعجع، كما ذكر الهرواي، أنه لم يقرأ جيَداً الواقع المحلي والإقليمي والدولي المحيط بالتسوية، بل كان يعتقد أنَ الظروف قد تتغيَر ومن الضروري الاحتفاظ بهيكلية الميليشيا. وحدث أنَ تفكَكت عام 1990 سائر مقومات الدعم التي تمتَعت بها ((القوات)) من العراق وفرنسا وإسرائيل والولايات المتحدة والفاتيكان. ففرنسا وقفت وراء ميشال عون، والعراق بات يواجه سلسلة حروب مع الولايات المتحدة،وإسرائيل تراجعت، والولايات المتحدة لها مصالح عربية وإسلامية عديدة، فيما تقلصت شعبية ((القوات)) في صفوف المسيحيين. وهذا التقلص في الدعم والشعبية لم ينطبق عى وليد جنبلاط الذي كان يتمتع بشعبية في طائفية وبدعم سوري وبحصة في السلطة. فلم يكن صعباً عليه حل الميليشيا الدرزية.

في أيار/ مايو 1991، دخل الجيش المناطق التي كانت تسيطر عليها الميلشات المسيحية الدرزية وبعض مناطق  الميلشيات الشيعية، ولكن ليس إللى الخيمات الفلسطينية. وبناء على طلب أمراء الحرب، وافق مجلس الوزراء على استعياب عشرين ألفاً من الميليشيات في الجيش وقوى الأمن الداخلي ومؤسسات الدولة الأخرى. وفيما تقدَم 4000 مسلم إلى الدولة لإعادة التأهيل في مؤسساتها لم يزد عدد المسيحيين عن بضع مئات. وفي جلسة وزارية قال الوزير سامي الخطيب: ((كل ميليشيا قدَمت عناصر من طائفة معيَنة مع استثناءات قليلة. كان هناك 3376 مسلماً و1908 مسيحيين. وفوجئنا لم يلتحق سوى 2190 مسلماً و350 مسيحياً))[58].

وإذ تذمَر بعض الوزراء من قلَة عدد العناصر السنيَة ((لأنَ السنَة لم ينضمَوا الى الميليشيات))،قال الوزير جنبلاط: ((نسمع دائماً نغمة أنَ السنَة ليس لديهم ميليشيا. ماذا كان يفعل إبراهيم قليلات والشيخ سعيد شعبان؟ في جميع الميليشيات كان هناك عناصر سنيَة))[59].

وفي 14آب/أغسطس1991، أقرَ مشروع العفو العام بعدما تحقق انتشار الدولة في سائر المناطق. ولقد تمَ هذا الأمر بدون مراجعة موضوعية للممارسات والجرائم والانتهاكات السافرة التي ارتكبتها أمراء الحرب طيلة 16 عاماً، كما حصل في جنوب إفريقيا مثلاً بعدما سقط نظام ((الأبارتايد)) العنصري.إذ كان من الأفضل لسيكولوجية المجتمع اللبناني إصدار ملف أسود عن الحرب اللبنانية قبل إصدار العفو. أمَا بدون الدراسة الموضوعية لجرائم الحرب فقد كان صدور العفو أشبه برسالة مبطَنة أنَ ممارسات الحرب كانت مقبولة وأنَ إمكان تكرارها لاغبار عليه. حتى أنَ العفو الشامل كان أكثرها مما توقَعه أمراء الحرب أنفسهم، الذين كانوا واعين تماماً لما ارتكبته أيديهم. ففي الجلسة الوزارية التي اتَخذت قرار العفو، يقول الرئيس الهراوي إنَ الوزير ((روجيه ديب التي ممثَل سمير جعجع في الحكومة طالب بالعفو عن مرتكبي جريمة إهدن التي أودت بحياة طوني فرنجية وزوجته وابنته، فاستفاد ممثل الحزب السوري القومي الاجتماعي أسعد حردان من الظرف ليطالب من ناحيته بالعفو عن قاتل الرئيس بشير الجميَل بعبوة ناسفة عام  1982. ولم يعلَق سليمان (طوني) فرنجية على طلب ديب لكني شعرت أنَه وافق على العفوعن المسؤولين عن مجزرة إهدن في حال العفو عن مرتكبي جريمة اغتيال الشيخ بشير. ظلَ الرئيس (عمر) كرامي صامتاً... عند انتهاء الجلسة دخل الرئيس كرامي مكتبي ليقول ((أرجو ألا تطرح في أي ظرف موضوع العفو عن قتلة شقيقي رشيد. لن أوافق عن ذلك وسأقدَم استقالتي))...))[60].

لم تختف أعمال العنف الميليشاوي عن الساحة اللبنانية من 1991 إلى 2005، من جرائم اغتيال وتفجير وإطلاق رصاص ومدافع وظهور مسلح وأعمال شغب. كتفجير ((كولدج هول)) في الجامعة الأميركية عام 1991، وتفجير البيت المركزي ((لحزب الكتائب)) في كانون الأول/ديسمبر 1993، وتفجير كنيسة سيدة النجاة في شباط/فبراير 1994، واغتيال الشيخ  نزار الحلبي رئيس ((جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية)) في آب/أغسطس 1995 على أيدي جماعة ((عصبة الأنصار)) الفلسطينية بقيادة أحمد السعدي أبو محجن. ذلك أنَ الميليشيات لم تكن سوى جيوش صغيرة للطوائف وقد عادت إلى حظائرها بعد الحرب اللبنانية استعداداً ليوم جديد،فيما  التقى أمراء الحرب والزعماء على طاولات مجلس الوزراء والبرلمان والميادين الأخرى كلاعبي ((بوكر)) في جعبة كل منهم احتياطي ميليشياوي يمكن استدعاؤه في كل حين حتى اندمج كل ماهو ميليشياوي بما هو مدني واجتماعي.

 

سجن سمير جعجع وخروجه

لم يكد سمير جعجع يتحرَر من سطوة عون في الشرقية بعد عملية تشرين الأول/أكتوبر 1990، حتى حلت مكان الأخير سلطة تدين للسوريين ولا تنظر إلى ميليشياه بعين الرضى. وفي الفترة 1991-  1993، رفض جعجع مقعداً وزارياً واتَهم الدولة بالتبعية المفرطة للسوريين، وفتح خطوطاً مع فئات معارضة كتائبية تعيد الحزب إلى نهجه التقليدي. فرشَح نفسه لرئاسة الحزب عام 1992 في محاولة للانخرط في السياسة اللبنانية وتخفيف صورة المعسكر، زلكنَه لم يفز أمام جورج سعادة. وإذ لم تستقرَ أحوال البلاد تماماً، وقع انفجار في بيت الكتائب المركزي في الصيفي أثناء انعقاد اجتماع مشترك للمكتب السياسي والمجلس المركزي للحزب في 20 كانون الأول/ ديسمبر 1993، تلاه اجتماع في اليوم التالي ضم رئيس الجمهورية الياس الهراوي ورئيس الحكومة رفيق الحريري ورئيس مجلس النواب نبيه بَري إلى الرئيس السوري حافظ الأسد ونائبه عبد الحليم خدام والقيادة السورية. وسبق الاجتماع لقاء بين الهراوي وخدَام وغازي كنعان  رجل سورية الأمني في لبنان للتشاور حول انفجار بيت الكتائب واحتمال حدوث ((سلسلة عمليات تهدف إلى إضراب الاستقرار في البلاد)).

وإذ استمرَت اللقاءات في دمشق، عجَل الهراوي في عودته إلى بيروت واستدعى نادر سكَر وبيار الضاهر وطلب منهم زيارة سمير جعجع وإبلاغه بخشيته عليه وأمنية الهراوي  أن يغادر جعجع لبنان. فقام الضاهر بالمهمة فلم يتجاوب جعجع مع النصيحة. وبعد شهر قتُل باسل الأسد، نجل الرئيس السوري ووريثه البارز، في حادث سيارة، فقام جعجع على وفد من ((القوَات)) و((وهيئة الإنقاذ الكتائبية)) بزيارة بلدة القرداحة مسقط رأس آل الأسد في سورية لتقديم التعزية. وإذ استمزج غازي كنعان جعجع الرأي في زيارة يقوم بها لاحقاً لدمشق لطرح القضايا العالقة بين سورية و ((القوَات اللبنانية)) وفتح صفحة جديدة، ردَ جعجع أنَه جاء لتقديم واجب التعزية وأنَ مواقفه وقناعاته لم تتبدَل. وهنا يعلَق الهراوي: ((قد تكون مواقف جعجع المتصلبة نابعة من كونه لم ينفك يعتمد رهانته الإقليمية والدولية ولم يحسن قراءة التحولات الخارجية... والتطوَرات أثبتت خطأ حساباته)[61].

ذلك أنَ جعجع سيكون أمير الحرب الوحيد الذي تَمت محاسبته على أعمال الحرب دون غيره من الأمراء.

لم يمض شهر على زيارة جعجع للقرداحة، حتى وقع انفجار في 27 شباط/فبراير داخل كنيسة سيَدة النجاة في ذوق مكايل شمال بيروت، سقط جراء 20 قتيلاً و 60 جريحاً. وإذ استمرَت موجة التفجيرات في مناطق لبنانية مختلفة، استجوب المحقق العدلي 107 أشخاص أوقفوا في حادث الكنيسة واتخذت تدابير أمنية في محيط سكن جعجع في قرية غدراس (كسروان) حيث أقام الجيش اللبناني حواجز تفتيش. وفي 23/آذارمارس صدرت مذكَرات توقيف بحق تسعة متهمين بينهم سبعة من ((القوَات))، بعضهم فرَ من لبنان إلى أوستراليا وكندا والولايات المتحدة قبل صدور هذه المذكرات. وفي 24/آذار مارس سحبت الحكومة رخصة ((حزب القوَات اللبنانية)) الممنوحة في أيلول/ سبتمبر 1991، وأعلنت أنَ ((القوَات)) أصبحت ((جمعية منحلَة)) أي غير قانونية. وأوقفت النشرات الإخبارية والبرامج والنشاطات السياسية في وسائل الإعلام الخاصة ب((القوَات))، كما أسقط مجلس الوزراء منحة العفو عن مرتكبي الجرائم المتمادية والمتتابعة، وكلَف الجيش الانتشار على كل الأراضي اللبنانية[62]. وإذ كان انفجار الكنيسة هو الذي أدَى إلى اعتقال سمير جعجع وبعض أعوانه إلا أنَ التحقيق توسَع فاتهمت ((القوَات)) أيضاً بجريمة اغتيال داني شمعون عام 1990 ورشيد كرامي 1987، وشملت التوقيفات العشرات من عناصر ((القوَات)) في حين واصل الكثيرون الفرار إلى خارج البلاد (كما حصل للقومييَن عام 1962). وفي 21 نيسان/أبريل 1994 طوَقت الدبابات منزل جعجع في غدراس ليلاً واعتقل وتم توقيفه ونقله إلى وزارة الدفاع في اليرزة.

وهكذا عندما زارت ستريدا زوجة سمير جعجع الرئيس الهراوي في القصر الجمهوري قائلة إنَها على استعداد لتنفيذ ما كان الهراوي قد نصح به سابقاً، أي سفر سمير جعجع إلى الخارج، قال الهراوي ((فاجبتها أنَ المسألة لم تبق مسألة سياسية بل أصبحت في يد القضاء، مضيفاً أنَه يوم كانت قضيَته سياسية وفَرت له فرصاً كثيرة منها المشاركة في حكومة الرئيس عمر كرامي، ثم في حكومة الرئيس رشيد الصلح، فرفض في المرَتين. كما نصحت له بالمشاركة في الانتخابات فقاطعها، أمَا والقضيَة أصبحت الآن أمام القضاء فلم يبق بإمكاني التدخَل))[63].

بدات محاكمات طويلة لجعجع وقيادته، وعندما قال المحقق العدلي إنَه سيعُامل بشكل لائق ((خلافاً للطريقة التي عاملت بها ((القوَات)) الأفرقاء على الساحة اللبنانية))، أجاب جعجع: ((انتم الدولة ونحن ميليشيا)). وفيما صدر الحكم في قضية اغتيال داني شمعون وعائلته في حزيران/يونيو 1995 وكذلك في قضية مقتل إلياس الزايك، قضى بإنزال عقوبة إعدام بحق جعجع وخفض العقوبة إلى الأشغال الشاقة، اعترض أتباعه ومحاموه أنَ جعجع دفع ثمن الحرب الأهلية بمفرده في حين كان أمراء الحرب الآخرون يتمتعون بالكراسي النيابية والوزارية والنفوذ والثروة. أمَا الحكم في قضية الكنيسة وقضية ((العمل على قلب النظام)) فقد صدر في تموز/يوليو 1996 وقضى بتبرئة جعجع من قضية الكنيسة ولكنَه قضى بإنزال عقوبة السجن بحقه عشر سنين بسبب ((استمراره تحت غطاء الحزب الذي أنشأه في العمل ضمن الهيكلية العسكرية السابقة للميليشيا وتكوين الفصائل العسكرية وتدريبها وتخزين السلاح لاستعماله في الوقت المناسب[64]) وهكذا أمضى جعجع سنوات طويلة في السجن في حين تمتَع غيره من أمراءو الحرب بالمال والسلطة والنفوذ.  وكان يكرَر في رسائل عبر زوجته وزوَاره أنَه مستعد أن يمضي طيلة حياته سجيناًُ دون أن يتخلَى عن مبادئه ومواقفه. وفي ذلك الوقت أعاد أنصاره تنظيم صفوفهم بقيادة زوجته ستريدا وعملوا في الجامعات اللبنانية وفي المغتربات وعبر البطريركية المارونية والفعاليات المسيحية لاطلاق سراحه.

ومع التغيير الكبير الذي حصل في لبنان عام 2005 وخروج الجيش السوري، أطلق سراح جعجع في 18 تموز/يوليو، وعاد الى قيادة ((حزب القوات اللبنانية)) على رأس هيئة تنفيذية، مصرَحاً أنَ ((سمير الميليشاوي والحربي قد انتهى في السجن)). وأصبح للقوَات كتلة نيابية بعد انتخابات 2005 وحصَة في الوزارة.

وأفسر التغيير عام 2005 لعودة ميشال عون من المنفى إلى الاستقبال شعبي حاشد، فشبَه وليد جنبلاط عودته ب((التسونامي)) وكان هذا صحيحاً حيث حقَق عون انتصاراً ملحوظاً في الانتخابات في ذلك العام. وأصبح لعون تنظيم سياسي هام باسم ((التيلر الوطني الحرَ)). وتميَز عن غيره من الشخصيات بتاريخ طويل من معارضة الوصاية السورية على لبنان في وقت كان أكثر ناشطي ((14 آذار)) جزءاً من نظام الوصاية في التسعينات. واختلف عون عن الموارنة الآخرين أنَه تحالف مع شخصيات الشيعة في فريق ((8 آذار))، وجهر بالعلمانية كمبدأ رئيسي في تياره. أصبح من المرشحين البارزين لرئاسة الجمهورية. وما قاله جعجع عن نفسه قال عون: ((الجنرال العسكري قد انتهى في المنفى)). 

 

غياب المجتمع المدني

فيما استمرَ النشاط الملحوظ لأمراء الحرب الجدد في لبنان في سنوات ما بعد الحرب، لاحظ الباحث أحمد بيضون غياب الحياة المشتركة، ما يدل أنَ الشغب لم يكن مقتنعاً بالسلام المفروض والأمن ((الممسوك)). فالاشتراك هو الأكثر من تجاور لاحياة فيه، خالي البال من الآخر. وهوأكثر من ((زيارة في العيد)) ومن مشاركة اقتصادية ومن تقاسم مناصب الدولة. بل هو إقبال على الغير واستدراج له إلى قدرٍ وافٍ من المخالطة وليس مجرَد الأمان من شر الشريك المزعوم.

فالحياة المشتركة صيغة حياة تامة كان لها جذور قبل الحرب من ((مخالطة نامية في الإقامة وعشرة في المدرسة والجامعة وفي المنتدى والمقهى وتلاقياً يومياً في مرافق العمل والإنتاج وتردَداً إلى سوق واحدة وزمالة في نواد وجمعيات ونقابات وغير ذلك كثيراً ))[65]. والشراكة هي أيضاً أحزاب مختلطو ومشاركة في في انتخاب نائب واحد ومجلس نواب بكتل لاتبنى على أساس طائفي ووزراء ورؤساء بشخصية وسلطان، لاخدم عند مرجعياتهم الدينية أو الخارجية. وإذ بيضون أنَ الحياة المشتركة لم تكن بدون نواقص قبل 1975 ولكنَها اختفت تقريباً بعد 1990 بعدما سادت ظاهرة ((التبلَر)) الطائفي، أي نزوع الطوائف بما هي طوائف إلى اتخاذ صورة المجتمعات المتكاملة الأبعاد، البالغة هذا الحدَ أو ذاك من تمام البنى والوظائف.

الوضع أصبح أسوأ في سنوات ما بعد الحرب مما كان قبل 1975 إذ إن الطوائف لم تكن كأنها طوائف في السابق ولم يكن لها جميعاً مؤسسات تعليم ومؤسسات رعاية مختلفة الوجوه تغنيها عن مؤسسات سواها وتكاد تغنيها عن مؤسسات دولة. وأنَ المسلمين ((تطيَفوا)) متأخرين بعد ولادة لبنان الكبير وتبيَن أنَ الدولة ليست لهم. فانتظر الشيعة حتى نهاية الستينات لتأسيس مجلس ذهبي. فيما كانت الأحزاب الطائفية ((على درجة استثنائية من القوة في أكثر الطوائف تبلَراً عند الموارنة))، فيما كان كسب حزب من أحزاب اليسار لبضعة نفر من الموارنة يعدَ نصراً مؤزراً[66].

في بداية القرن الحادي والعشرين بلغ ((التبلَر)) الطائفي مداه فبات متعذراً تقريباً أن ننسب شخصاً ما إلى عائلة أو قرية مثلاً وننسى نسبته غلى طائفة، فيما ضيَق التهجير الذي جرى في زمن الحرب من مساحة التلاقي بين اللبنانين ولم تنفق الدولة على معالجته. فبعد حرب كان 70 بالمئة من أسبابها النفسية وإنسانية قامت الدولة بإنفاق 70 بالمئة من المال العام – المستندان بأغلبيته – على بناء الحجر. فلا معالجة لقضية تهجير النبعة والأحياء الشرقية ولا الشوف  وعاليه والأحياء المسيحية في غرب بيروت وجنوبها ولا إعادة بناء أسواق قديمة ولا مدارس مختلطة ولا جامعة تجمع الجيل الجديد. إذ تزودت كل الطوائف بمدارسها ومستشفياتها ومؤسساتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، بعدما اقتسمت الدولة فيما بينها. ((فما كانه ((حزب الكتائب)) وحده قبل الحرب... بات له نظائر في طوائف أخرى)[67].

كما اتحد السياسي بالمذهبي بعد الحرب، فبات رؤساء الطوائف الروحيون يتدخَلون في السياسة وفي المجتمع دون فصل، فلا تهدأ الهواتف والزيارات بين هؤلاء والرؤساء الثلاثة والوزراء والنواب والشخصيات العامة والتجَار وسواهم. جاء هذا بعد عقود من انحسار سلطان بطريرك الموارنة على رئيس الجمهورية، وبعدما كان مفتي السنَة موظفاً كبيراً لدى رئاسة مجلس الوزراء، وبعدما لم يكن للشيعة مؤسسة مذهبية. فأصبح لأي نزاع سياسي في البلاد طابع مذهبي انقسامي وأصبح رجال الدين يُستشارون يومياً في كل كبيرة وصغيرة.

فأصبح هؤلاء مصدراً للسلطة وأصبحوا قولاً فصلاً في تسمية ممثلي الطائفة، الخ[68] وصاية رجال الدين، وإن لم تفلح في منع الاختلاط السياسي، أي قيام أحلاف بين سياسيين متنوعي المذاهب وخاصة في الانتخابات، حدَت كثير من مدى هذا الاختلاط الذي يجافي منطقهاومن عمقه وفاعليته، وأيضاً من أي اختلاط على المستوى الاجتماعي، ومعركة الزواج المدني الاختياري عام 1998 خير شاهد. وكلما تيسَرت لرجال الدين في السيطرة على مقاليد التمثيل السياسي للطائفة كان هذا نذيراً لما سيحصل لاحقاً في الطائفة وفي علاقاتها بسائر الطوائف ومن ثم في حال البلاد بأسرها. وهكذا شهد لبنان صعود موسى الصدر ومن تلاه من رجال الدين الشيعة وكذلك استعادة البطريركية المارونية زعامة سياسية فاعلة فقدتها منذ العشرينات. ولايحمَل بيضون الموارنة أو الشيعة مسؤولية المزج المشؤوم بين مستويات الزعامة المختلفة إذ إنَ ((التماهي بقطب واحد هو دأب الجماعة المحاصرة))[69] ، كما يقول.

واتخذت البلَرة الطائفية بعد الحرب حدَاً استقطابياُ اتخذت معه الحياة العامة رداء ((ترويكاً الرئاسات)) التي ارتدت بين حين وحين ملامح من قمم البراكين. ويستنتج بيضون إذن صعوبة كونفدرالية الطوائف أو التقسيم: ((التبلَر الطائفي لم يثمر وحدات سياسية للطوائف ولا لغيرها من التشكيلات. فحين تغلب لعبة الصراع بين الطوائف على لعبة المنازعات داخل كل طائفة، يتعذَر تشكيل تشكيل الكتل أو الأحلاف أوالقوى غير الطائفية المشارب، ويصير الاتكاء على قوَة في الخارج عند النزاع، وتحكيم قوَة من الخارج عند طلب المصالحة، أمرين لهما ضرورة الماء والهواء. واليوم يتكىء المتكئون على دمشق وطهران والرياض وواشنطن وباريس والفاتيكان... وحين يثمر التبلَر الطائفي هذا القدر من الحاجة إلى حكم من الخارج ومتكأ فيه، تصير الطبقة السياسية فتاتاً...))[70]. والنتيجة أنَ لبنان ما بعد الحرب لم يكتنز الكثير من تجربة الحياة المشتركة السابقة لكي يحفظ الدولة والحريَات وما امتازت به البلاد من غزارة ألوان الحياة، فيقع على عاتق الدولة والجماعات الأهلية عبء استعادة شروط التواصل وتعزيزها، إذا لم يكن الكلام عن الحياة المشتركة مجرَد نفاق، فيضحي حتى مجرد ظهور ((إيليا وأحمد مثلاً من على منبر واحد أو بين دفتي كتاب واحد)) كافياً لإعلان عن استمرارية حياة مشتركة ما، في حين يُجاب الحريص على المجتمع المدني الجامع لكل اللبنانيين في انتقاده طائفة لأنَها بنت جامعة أو مستشفى لأبنائها:ألا يفعل الآخرون ذلك أيضاً؟ ألم تعلن هذه المؤسسة أنَها ((مفتوحة لكل اللبنانيين[71]))؟.

ويجمل بيضون ما كان واقعاً في زمن الحرب ومستمرَاً بعد 1990 تحت عنوان ((البغض)) الذي لا يغطيه ((أنَ لهذا ثلاثة أصدقاء من المسيحيين ولا أنَ ذاك زوَج خالته من شيعي ولا أن امرأة درزية نذرت لما الياس ولا أنَ الآخر تعشَى سبع مرَات في بيت مري خلال الصيف الفائت. فمثل هذا كان يحصل بين الطليان والمصريين، قبل أنطونيو وكليوباترا، وما يزال. وهو لا يعمل شعباًَ ولا دولة[72]).

 

أزمة دولة أم نظام حكم؟

وإذ كان التركيز على الأمن وإنهاء الحرب بالقوَة، قوَة الدعم السوري والإقليمي، والاتجاه فيما بعد إلى مهمة إعادة إعمار أغفلت معالجة ذيول الحرب ونتائجها في نفوس الناس، يمكن على هذا الأساس اعتبار أنَ حرب لبنان لم تنته بمجرَد نزع سلاح الميليشيات وتغييبها عن الشارع. بل هي استمرَت في المجتمع وفي المنازل وفي ذهن أمراء الحرب ولغتهم. غاب السلاح ولكن عمل الميليشيات استمرَ في نشاطات طائفية منظمَة عبر وسائل إعلام خاصة، وكتل نيابية واستثمارات مصرفية ومشتقات نفطية وحصص من إنفاق الدولة وإيراداتها بشكل أو بآخر،وحقائب وزارية، ومركز درجة أولى في الإدارة العامة، وحصص من الوظائف. فلم يتغيَر واقع لبنان في بداية الألفية الثالثة عما كانه لبنان بلد ((آكلة الجبنة)) في عهد بشارة الخوري وكميل شمعون وفؤاد شهاب في القرن العشرين. وبات غياب السلاح تفصيلاً لا شأن له في استمرار الحرب بين أمراء لبنان وإن بوسائل أخرى. وإذ بكافة عقد التسعينات والسنوات الأولى بعد العام 2000 تتشابك بخلافات أسبوعية بين أطراف الحرب السابقة وقد أصبحوا وحكَاماً، والتسمَك بالمصالح الفئوية وأحياناً الشخصية وأصبح لبنان خريطة بتضاريس غير منسجمة من طوائف وجماعات إلى درجات أسوأ بكثير مما كانت عليه قبل 1975.

وإلا لماذا يحنَ كثيرون إلى زمن الحرب باعتبار أنها كانت أفضل من الحياة في ((الجمهورية الثانية)) لولا الروح الميليشياوية الراسخة في النفوس؟ ((فالميليشيا وإن نفرت منها جماعتها تبقى من حيث الأساس موصولة الأسباب بهذه الجماعة))[73]. و((المجتمع الأهلي لا يسعه أن يغسل يديه كليَاً من توليد القوى التي تقهره... مع تبرَؤ واضح من هذه القوى )). فيما يتوزَع الناس مواقف فعلية تدور حول نفس المسائل التي رسمت خريطة الميليشيات في زمن الحرب.

ورغم انتهاء الحرب، لا يزال كل واحد من أمراء الحرب والزعماء ومن سار في مدارهم يستطيع أن يصادر الشقق ويحيط نفسه بعناصر أصبح اسمها المدني ((حرس)) أو ((بودي غارد)) ويضع يده على موقف السيارات أو على مستودع العمارة ثم يغلق شارعه أو شوارع الحي الذي يسكنه على السيارات كمربع أمني. إنَ ملامح استمرار الحرب الخاملة كانت حاضرة في التسعينات. فلم يثر الرأي العام متسائلاًُ حول كيفية تمكن الميليشيات من تصدير سلاحها الى دول أخرى بعدما استعادت الدولة سيطرتها على المرافئ كافة، أو كيفية انتقال مدَرعات من وسط لبنان الى الشريط الحدودي هدية الى ميليشيا ((الجنوبي))، واستمرار حوادث العنف والاغتيال والتفجير، كاغتيال داني شمعون أمين عام ((حزب الأحرار)) تفجير كنيسة السيدة، والمخيمات الفلسطينية المدجَجة بالسلاح والسلاح الفلسطيني خارج المخيمات ومعسكرات للأكراد في البقاع ومستودعات ذخيرة في أكثر من منطقة.

ثم لجوء أي شخص في الحكم، وزيراً أونائباً أورئيساَ، إلى الاستنجاد بطائفته ((مهيَجاً)) لمشاعرها داعياً الى مهرجانات خطابية تؤجج الحقد. فلم يحصل ((أن أقيل وزير خرج على وحدة المؤسسة وقاطع أعمالها مهما يتماد الخروج وتطل المقاطعة. ولم يحصل أن قٌبلت استقالة من وزير حانق، أيَاً يكن أسلوبه في إظهار حنقه، بل هم كانوا يخرجون، مقاطعين أو مستقيلين، حين يشاؤون ثم يعودون حين يختارون وهم كانوا، موزعين بنعمة الله، بين طوائف عدَة))[74]. فإذا عجز مجلس الوزراء وما يحيط به من مؤسسات وأجهزة عن حكم البلاد فمن يحكمها؟ التقسيم مستحيل، والفيدرالية تردَ المواطنين عبيداً لأمراء الحرب وزبانيتهم وتكرَس نظام المحميات وقد تفضي الى التقسيم، أي الى اضمخلال حتى الكيانات الأصغر (واقع الكانتونات المارونية والشيعية في زمن الحرب).وهوليس بجديد، بل يظهره بقوَة بشكل كانتونات يحكمها الأمراء في زمن الحرب ليضمحل الى ((كانتونات خافتة)) في زمن السلم.

أمَا بموجب اتفاق الطائف فتزداد مسألة كيفية حكم البلاد صعوبة لأنَه لم يعد يوجد رئيس جمهورية قوَي ككميل شمعون وفؤاد شهاب وسليمان فرنجية أو ((طائفة ملكة)) كالموارنة تحكم البلاد كما قبل 1975 كما أنَ تجربة حكم ((الترويكا)) لم تكن ناجحة لحكم لبنان لأنَها تحوَلت ((لجنة 3 زائد 1 ))، مجلساً من ثلاثة رؤساء يختصرون الطوائف، ترويكا اقتصرت على الطوائف الثلاث الكبرى زائد الدروز الممثَلين بوليد جنبلاط، على أساس أنَه ((الرئيس الرابع))، رئيس مجلس الشيوخ الذي وعد به الدروز. وهذا كان ظلماً ليس للطوائف الصغرى فحسب بل للتعددية السياسية داخل الطوائف الكبرى ويطرح المسألة التمثيلية بقوَة. أما أن يصبح هذا ((المجلس الرئاسي)) موسَعاً فإنَه يتحوَل الى مجلس منافس لمجلس الوزراء يلغي مؤسسات الدولة، كما برزت لفترة طاولة الحوار ومن حولها في ربيع 2006 وحتى لو كان ((مجلس الرئاسة)) موسَعاً أم مصغَراً فإنَه سيجلب كوارث لا نهاية لها إذ إنَ الاختلاف بين أعضائه يعطَل الحكم ويدخل البلاد في أزمة حكم كل شهر تقريباً لأنَ إدارة الدولة عمل يومي. وليس كزعل نائب أو وزير يمكن استبداله.

ويعجب المرء أن يسعى أمراء الحرب عام 2006 الى استجلاب قوى خارجية لعونهم ضد أخصامهم، وكأنَه بقي في لبنان من يقبل أن يستغلَه طرف آخر، أو أن يكون له امتيازات على حسابه. وفيما قال اتفاق الطائف بضرورة التوصَل الى أفضل العلاقات وأقواها مع الشقيقة سورية تنفيذاً لأمنية قديمة عند الرئيس السوري حافظ الأسد، فحواها أن لبنان وسورية إنما هما شعب واحد في دولتين، وبعد توقيع اتفاقات ومعاهدات بلغت نصوحها مئات الصفحات، كان الواقع مغايراً لهذه الغايات السامية. فقد أصبح طريق بيروت- دمشق سالكاً باتجاه واحد من 1990 وقبل ذلك بسنين، إلى 2005 يعبره في الأسبوع عشرات السياسيين اللبنانيين.

وكان سبب هذه الزيارات الكثيفة ليس لأمور وطنية عليا تخصَ الدولتين والشعبين من أمور ((التعاون والتنسيق)) كتفعيل المسائل الاقتصادية والتجارة والعمالة والإنتاج الزراعي وقضايا الشراكة الأوروبية والجمارك وقضية السلام والعلاقات العربية، بل كانت الزيارات تتعلَق بمصالح ذاتية شديدة الخصوصية والأنانية، وجلَها شكاوى بعض هؤلاء ضد بعضهم لدى الوصي السوري وتحسين مواقع انتخابية وحصة في الحكومة أو وظائف الإدارة العامة والانتخابات البلدية، مما جعل زعماء لبنان صغاراً وسورية تبدو صاحبة القول الفصل في كل شآن داخلي. ولكن الأمر لم يكن بهذه السطحية وكأن أمراء الحرب في لبنان كانوا لاحول ولا قوَة لهم، بل كان إصرارهم معظم الأحيان على استجلاب السوري فيما بينهم لتحقيق مآرب محليَة. ولم يغنِ الأمر سعي البعض الآخر إلى عواصم أخرى لأهداف مشابهة كما كان الوضع خلال الوضع خلال عقود (تل أبيب، واشنطن، باريس، القاهرة، بغداد،طرابلس الغرب، طهران، موسكو،الخ).

وصل لبنان في أواسط العقد الأول من القرن الحادي والعشرين إلى وضع بات يصح فيه القول إنه بلاد لاتحكم، ((أليس واجباً على الشعب أن يفرض على الحكام مزيداً من الرعاية لحدود مؤسسة الحكم ولحرمتها؟ وإلا فما هو الدستور إذن وما هو الشعب؟)[75]. ودليل أنَ الناس جماعات وليسوا أفراداً أنهم يبدون الولاء لأمراء الحرب والزعماء ويعيدون انتخابهم في حين أن بمقدورهم محاسبتهم على ما اقترفوه خلال 60 عاماً من عمر الجمهورية اللبنانية.

وإذ يتناقش كثيرون أنَ في لبنان ديمقراطية توافقية يصبح الأكيد أنَه لا يمكن الجمع بين الاثنتين حيث التوافقية والزبائنية تعطلان النظام الديمقراطي وتفرغانه من محتواه. فالنظام الديمقراطي المطلوب ليس مفصَلاً على قياس يشاؤه أمراء الحرب والزعماء، أي ((نظاماً هجيناً)) ليس علمانياً ولا يعترف بالمساواة وحقوق الفرد وأولوية المجتمع المدني فيصبح أبعد ما يكون عن الديمقراطية. وهذه الديمقراطية  تريد أولاً أن يصبح اللبنانيون أفراداً لا جماعات متقاتلة.

 

[1] Leonard Binder, editor,politics in Lebanon, New York, john wily&sons,Inc,1966,pp.vii-xi

[2] Arnold Hottinger, ((zu ama in Historical perspective)), in Leonard Binder,Ed,politics in Lebanon,pp.85-106

[3] Antonio Guistozzi,The Debate on worlordism: The Importance of Militray Legitimacy, London, London school of Economics-crisis states program,october2005

[4] أحمد بيضون، الجمهورية المتقطعة،بيروت،دار النهار، 1999،ص 53.

[5] Mark Duffield,post-modern conflict,Birmingham,university of Birmingham,1997:and Philip cerny,Neo-medievalism, civil war,and the New security Dilemma:Globalization as a Durrable, civil wars 1:1,spring 1998,pp.36-64:and paul Jackson, warlords as Alternative Forms of Governance,small wars and Insurgencies, 14:2(2003),pp.133-134

[6] Thomas Friedman,The Lexus and the olive Tree: understanding  Globalisation,New York,Anchor,2000

[7] WILLIAM RENO, WARLORD POLITICS AND AFRICAN STATES BOULDER LYNNE RIENNER PBULISHERS 1998 AND WILLIAM RENO THE POLITICS OF INSURGENCY IN COLLAPSING STATES IN DEVELOPMENT CHANGE 33:5 2002 PP. 837-  858

[8] ANTONIO GUISTOZZI RESPECTABLE WARLORDS THE POLITICS OF STATE BUILDING IN POST TALEBAN AFGHANISTAN CRISIS STATES WORKING PAPER 33 LONDON CRISIS STASTES RESEARCH CENTRE LONDON SCHOOL OF ECONOMICS 2003A PP. 4-5.

[9] أحمد بيضون الجمهورية المتقطعة ص 68.

[10] جوزيف أبو خليل، قصة الموارنة في الحرب ص 404.

[11] جريدة النهار، 3 نيسان إبريل 2006.

[12] أحمد بيضون الجمهورية المتقطعة ص 92- 93.

[13] جوزيف أبو خليل، قصة الموارنة في الحرب ص 258.

[14] جوزيف أبو خليل، قصة الموارنة في الحرب ص 262 263.

[15] جوزيف أبو خليل، المصدر نفسه ص 280.

[16] جوزيف أبو خليل، المصدر نفسه ص 319.

[17] مقابلة مع مجلة الشراع 21 تشرين الأول/ أكتوبر 1985 ذكرها حازم صاغية موارنة من لبنان ص 428.

[18] حازم صاغية، موارنة من لبنان ص 428.

[19] ROBERT HATEM FROM ISRAEL TO DAMASCUS CALIFORNIA PRIDE INTERNATIONAL 1999 CHAPTER 12

[20] جوزيف أبو خليل، المصدر نفسه ص 332- 333.

[21] جوزيف أبو خليل، المصدر نفسه ص 329.

[22] جوزيف أبو خليل، المصدر نفسه ص 323.

[23] جوزيف أبو خليل، المصدر نفسه ص 332.

[24] جوزيف أبو خليل، المصدر نفسه ص 339.

[25] جوزف أبو خليل، المصدر نفسه،ص345.

[26] جوزف أبو خليل، المصدر نفسه،ص353-352.

[27] جوزف أبو خليل، المصدر نفسه،ص363-362.

[28] جوزف أبو خليل، المصدر نفسه،ص373.

[29] جوزف أبو خليل، المصدر نفسه،ص378-377.

[30] حازم صاغية، موارنة من لبنان،ص429.

[31] إلياس الهرواي، عودة الجمهورية من الدويلات إلى الدول، بيروت،دار النهار،2002،ص90.

[32] جوزف أبو خليل،ص393.

[33] بيار رزق ((أكرم)) المدَرب في مسائل الأمن والاستخبارات، انضم الى سمير جعجع لاحقاً وأصبح وسيلة اتصاله مع العراق و((حركة فتح)) الفلسطينية، ثم وقف إلى جانب أمين الجميَل ليصبح فيما بعد  مستشاراً لياسر عرفات.

[34] من سلسلة((سمير جعجع يتذكر)) مع غسَان شربل، مجلة الوسط، محفوظة في موقع انترنت((القَوات اللبنانية))، الجزء السابع.

[35] Robert Hatem,Form Israel to Damasous calinfornia,pride International,1999,chapter19

[36] Robert Hatem,Form Israel to Damasous calinfornia,pride International,1999,chapter.25

[37] Robert Hatem.Form Israel to Damascus,California,pride International,1990,chapter20

 

[38] رغم أنَ العرف في لبنان يقضي بتخصيص منصب رئاسة الوزراء للسنَة إلا أنَ سابقة تعيين رئيس الجمهورية بشارة الخوري لقائد الجيش فؤاد شهاب رئيساً للوزراء عام 1952 بَررت تسمية عون عام 1988.

[39] إلياس الهرواي، عودة الجمهورية من الدويلات إلى الدولة، بيروت، دار النهار، 2002،ص137.

[40] الياس الهرواي، المصدر نفسه،ص140-150.

[41] http://www.syrianson.com/text_html_en_/Important Documents AndReports/

13October1990htm

[42] جريدة البيان الاماراتية،9/ابريل1999.

[43] نشر روبير حاتم ((كوبرا)) تفاصيل بالأسماء والأرقام عن الفساد والمفسدين في الفصلين30و31في كتاب صدر بالانكليزية عام1999،كما قدَر النائب نجاح واكيم تفاصيل أخرى في كتابه الأيادي السود. ولم يثر هذان الكتابان وتقارير الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية عن الفساد أي توجَه قضائي نحو المحاكمة أو المحاسبة باسم الحق العام على الأقل.

[44] إلياس الهرواي، عودة الجمهورية من الدويلات إلى الدولة،ص500-501.

[45] إلياس الهراوي، المصدر نفسه،ص268.

[46] إلياس الهراوي، المصدر نفسه،ص269.

[47] تقارير بقلم فارس خشَان في السفير29أيلول/ سبتمبر2002 وبقلم نقولا ناصيف، النهار، 2تشرين الأول/أكتوبر2002.

[48] المؤتمر العام الخامس والعشرون لحزب الكتائب اللبنانية، ريجنسي بالاس-أدما،7-6-5كانون الأول2003.

[49] استناداً إلى تفسير قدَمه للمؤلف السَيد إيلي متى، رئيس مقاطعة كندا الكتائبية، كما سهَل متى للمؤلف الاطلاع على مجموعة كتب حزبية بأقلام مختلفة(لجوزف أبو خليل وكريم بقرادوني وجان شرف وخطابات وتصريحات بيار الجميَل، وسلسلة((تاريخ حزب الكتائب اللبنانية)) ومجلة العمل الشهرية في 13عدداً(1979-1977).

[50] جوزف أبو خليل، قصة الموارنة في الحرب،ص282.

[51] ((نرفض القاعدة التي تقول إنَ موارنة المحافظات يجب أن يكونوا عسكراً لقادة مسيحيين مجانين))، جريدة السفير،18آب/أغسطس2002.

[52] إلياس الهرواي، عودة الجمهورية من الدويلات إلى الدولة،ص298.

[53] موقع تيار المردة على الانترنت.

[54] إلياس الهراوي، المصدر نفسه،ص231.

[55] إلياس الهراوي، المصدر نفسه،ص238.

[56] إلياس الهراوي، المصدر نفسه،ص240.

[57] إلياس الهراوي، المصدر نفسه،ص248.

[58] إلياس الهراوي، المصدر نفسه،ص249.

[59] إلياس الهراوي، المصدر نفسه،ص256-255.

[60] إلياس الهراوي، المصدر نفسه،ص366.

[61] إلياس الهراوي، المصدر نفسه،ص366.

[62] إلياس الهراوي، المصدر نفسه،ص373-372.

[63] إلياس الهراوي، المصدر نفسه،ص378.

[64] إلياس الهراوي،المصدر نفسه، ص 382-381.

[65] أحمد بيضون،الجمهورية المتقطعة،بيروت،دار النهار،1999،ص57.

[66] أحمد بيضون، ص 58.

[67] أحمد بيضون،المصدر نفسه،ص  59.

[68] أحمد بيضون،المصدر نفسه،ص60.

[69] أحمد بيضون،المصدر نفسه،ص 60.

[70] أحمد بيضون،المصدر نفسه،ص64.

[71] أحمد بيضون،المصدر نفسه،ص65 .

[72] أحمد بيضون،المصدر نفسه،ص  90.

 

[73] أحمد بيضون،المصدرنفسه،82 .

[74] أحمدبيضون، المصدر نفسه،ص 100.

[75] أحمدبيضون،المصدرنفسه،ص101.

 

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19
« »
المصادر او الهوامش

معلومات النشر:

اعداد: العنكبوت الالكتروني

عنوان الكتاب: أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان

تأليف: كمال ديب

الناشر: دار النهار للنشر

تاريخ النشر: 01/02/2007

إشترك في خلاصة التعليقات عدد التعليقات: (1 منشور)

avatar
joe bloe
الثلاثاء, 10 كانون الثاني / يناير 2017, 07:45:PM
يسمح لنا الأخ وليد جنبلاط بالنسبية اذا أراد ان ينمو البلد ويتطور. جورج واشنطن وابراهام لينكلن كانوا اباء الحضارة الأميركية ولن نرى أحدا من احفادهم يتزعمون فئة في الحكومة الأميركية. نريد دم جديد يحكم البلد, ولا دور للآقطاعية. نرجو من الكل ان يفهموا ذلك. استفردوا بالبلد فامتصوا دماء شعبه. لا يجب ان يكون أي شخص فقير اذا كان يوجد إدارة حسنة للمال العام. فما ذنبهم؟ أخاف عليكم من كثرة ذكائكم.
المجموع: 1 | عرض: 1 - 1

إكتب تعليق

البريد الالكتروني يبقى سرّي و لا ينشر
  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

- التعليقات الواردة من القراء هي مسؤولية أصحابها ولا تعبر عن رأي إدارة الموقع بالضرورة
- تتم مراجعة تعليقاتكم قبل نشرها عن طريق إدارة الموقع

- (سياسة نشر التعليقات)

تابعونا

  1. دول خليجية تحذر رعاياها من السفر إلى لبنان (5.00)

  2. وفاة "ملكة الديسكو" دونا سمر عن 63 عاماً (5.00)

  3. معارض صيني ضرير بمطار بكين متوجهاً لنيويورك (5.00)

  4. الاكتئاب لدي المراهقين .. له إشارات يجب الانتباه لها (5.00)

  5. صحف العالم: أمريكا "تعاقب" باكستان بعدد سنوات سجن أفريدي (5.00)

  6. فيلم منتظر يكشف تفاصيل اغتيال بن لادن (5.00)

  7. أستراليا: التيار الوطني الحر في سيدني ينعي فقيده المفكر و المناضل والاعلامي المخضرم الأستاذ بطرس عنداري (5.00)

  8. الرحيل المفاجئ (5.00)