إعلانات Zone 4B

[CLOSE]

إعلانات Zone 3B

[CLOSE]
أحدث الأخبار:

إعلانات Zone 2B

[CLOSE]
الرئيسية | ثقافة | رفوف المكتبات | أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان (19 حلقة كاملة)

أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان (19 حلقة كاملة)

آخر تحديث:
image
الكاتب:
عدد المشاهدات: 33837
عدد التعليقات: (1)
قيّم هذا المقال/الخبر:
3.00
حجم الخط: A+ A-
نسخة صالحة للطباعة   نسخة نصية   أرسل إلى صديق

إعلانات Zone 6B

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19
« »

 أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان - الفصل الخامس عشرأمراء الحرب الجددأمل ودولة حزب اللـه

الفصل الخامس عشر

أمراء الحرب الجدد

 

أمل ودولة حزب اللـه

يرى أحمد بيضون أن أي معالجة جدية لتبلور الطوائف اللبنانية كقوى ذاتية ضاربة والتي كان يرى فيها الموارنة سباقون منذ قيام الكيان ولحقهم الدروز في أواخر السبعينيات مثم الشيعة في الثمانينات لابد من أن ننظر إلى التحولات التي شهدتها هذه البلورة أو البلرة كما يسميها داخل كل طائفة من جراء الحرب اللبناينة وما تلاها ويقول بيضون ثانياً فيما يتعلق باتصال هذه التحولات بمؤثرات خارجية، بأن هذه المؤثرات أو العلاقات لا تمنع أن الوجه الباقي من هذه القوى الطائفةي خاصة عند النظر في مستقبل البلاد السياسي ومصير نظامها، إنما هو الوجه الداخلي[1]، وهكذا يعتبر بيضون لا يساوي اعتبار حزب اللـه الشيعي مثلاً طرفاً إيرانياً أكثر مما كان يساويه اعتبار القوات اللبنانية المسيحية في الثمانينيات طرفاً إسرائيلياً، وكذلك لا يمكن الإغضاء أن بلوغ حزب اللـه ما بلغ من قوة ونفوذ وفاعلية في لبنان إنما يترجم تحولاً عميقا في نظرة جزء كبير من شيعة لبنان إلى شؤون الدين والأمة والشرعية ما ينعكس على النسيج داخل المجتمع الشيعي داخل المجتمع اللبناني وعلى انخراط الشيعة في الشأن العام وعليه يؤكد بيضون أن من يلفت إلى الدور الإيراني، وهو جلي وحاسم في حزب اللـه دون غيره إنما يفوت الخيوط الداخلية لوجه من وجوه طائفة رئيسية من طوائف لبنان.

بهذه الخلفية النظرية نعالج في هذا الفصل تحولات الشيعة كشريك أو قادم جديد إلى طاولة أمراء الجمهورية الثانية بعد غيابهم كجماعة لا كأفراد منذ قيام دولة لبنان الكبير.

 

عنوان للحرمان

هناك سؤال أساسي يحتاج إلى بحث وهو كيف يمكن لطائفة كانت الأكثر يسارية وعلمانية في العقيدة والممارسة في أوائل السبعينيات "حتى قيل أثناء حرب السنتين إن شيعي يعني شيوعي" أن تتحول 180 درجة نحو العصبية الطائفية أو نحو الصحوة الإسلامية خلال أعوام قليلة، حتى بات بعض مثقفيها يحذرون من خطر التعميم وأن أمل وحزب اللـه ليسا كل الشيعة أو نزولهما إلى الميدان لا يعني أن الطائفة قاطبة هي التي نزلت[2]، يبدأ خطاب الغبن التاريخي لدى الشيعة، ليس بسبب الامتيازات المارونية في القرن العشرين، بل منذ انتشر الشيعة كطائفة تاريخية في لبنان في جبيل- كسروان وبشري والشوف ومناطق أخرى- أي منذ أكثر من ألف وثلاثمائة عام ثم انحسار وجودهم إلى البقاع ولبنان الجنوبي ليصبحوا عنواناً للحرمان والهامشية منذ غزو المماليك في القرنين الثالث عشر والرابع عشر، مروراً بالاضطهاد العثماني وظروف القرن التاسع عشر التي منعت الشيعة من اللحاق بركاب الطوائف الأخرى في التربية والتعليم والحياة العصرية والتجارة.

قبل التطورات الاجتماعية في الستينات من القرن العشرين كان الشيعة فئة هامشية في الصراع اللبناني وإذا كان من جذور اجتماعية اقتصادية للحرب اللبنانية التي اندلعت عام 1975 فلا شك أن معاناة الشيعة وحرمانهم كانا الأكثر حضوراً ودلالة وحضاً على الثورة، فكان الشيعة الأكثر فقراً وتخلفاً بين الفئات اللبنانية إذ من الاستقلال لم يكن في صفوفهم نخبة مثقفة ومتعلمة تتكلم باسمهم ولا فئة تجار تمثل مصالحهم واكتفى أمراء الحرب الشيعة مثال آل حمادة في البقاع وآل الأسعد والخليل في الجنوب- بالمراكز التي وصلوا إليها بمساعدة الموارنة، فأصبحوا موالين لأصحاب الأمر في البلاد بأسلوب اعتبره بعض مثقفي الشيعة تبعياً وعلاقة زبائنية، ولقاء ولائهم حصل أمراء الحرب الشيعة على منصب رئيس مجلس النواب الذي عادة ما يكون إجرائياً وشكلياً في كل الدول، وطيلة فترة ما قبل الحرب تناتش آل حمادة وآل الأسعد هذا المنصب "صبري حمادة وأحمد الأسعد وابنه كامل الأسعد" كما نافسهم عادل عسيران بدعم من كميل شمعون، وكغيرهم من أمراء الحرب، لم يبال آل حمادة وآل الأسعد بقضية الإصلاح الاجتماعي الاقتصادي ولا بتطوير النظام السياسي، وتشهد أحداث  لبنان طيلة فترة الثلاثينيات سنة التي تلت الاستقلال أن دور هؤلاء كان هامشياً وصغيراً، إذ حتى الستينات عمل أمراء الحرب الشيعة لمصالحهم الشخصية والعائلية حتى أن صبري حمادة رئيس مجلس النواب سجل 60 شخصاً من عائلته على جدول الرواتب في مجلس النواب، وكان هناك بون شاسع بين أغنياء الشيعة وهم قلة أما الغالبية الساحقة فهم فقراء، وكان موقف أمراء الحرب عكسياً ومتناقضاً للإصلاح وضد تنمية مناطق الشيعة المحرومة وتطوير الكادرات المتعلمة، حتى أن طرقة ظهرت عن عداء أحمد الأسعد لتعليم الجيل الجديد ورغبته في أن يبقى أتباعه فلاحين أميين ليسهل استغلالهم، ففي الأربعينيات كان الأسعد نائباً عن قضاء مرجعيون وجاء رجل يسأله دعماً لابنه المتفوق في دراسته لكي يرسله إلى الجامعة في بيروت، وكان رد الأسعد حسب الطرفة: ولماذا تريدني أن أساعد ابنك؟ ما بيكفيكم أني عم أبعث ابني كامل ليتخصص، والمقصود أنه بإرسال ابنه كامل إلى المدرسة فإنه يسدي خدمة لكل الشيعة.

وعندما بدأت المشاريع الإنمائية في عهد فؤاد شهاب عام 1963 وجدت الدولة أن من أصل 452 قرية وبلدة في الجنوب يقطنها 400 ألف نسمة، كانت 250 منها بـ "250 ألف نسمة" بدون مياه للاستعمال المنزلي ولا مياه شفة، وأن سبعاً من هذه القرى والبلدات فقط تصلحها الكهرباء والبقية 445 بدون كهرباء، وأن نصف الأطفال في سن المدرسة 6- 10 سنوات، بدون مدارس وأن المدارس الثانوية شبه معدومة وأن نسبة الأمية ومرتفعة جداً في أوساط السكان كما كانت 85 قرية بدون طرقات معبدة ولا يمكن الوصول إليها بالسيارة، وثلث الأراضي الزراعية أصبحت أرضاً بوراً ورغم أن الميثاق الوطني 1943 حدد حصة الشيعة في مناصب الدولة بعشرين بالمائة إلا أن هذه النسبة طبقت فقط  في البرلمان وليس في مجلس الوزراء والإدارة العامة والمناصب الأخرى، كما أن حصة جنوب لبنان الذي يضم بالمائة من سكان البلاد لم تزد عن أقل من واحد بالمائة من إجمالي الإنفاق العام.

ساهم الحرمان والقهر والفقر في توجيه الجيل الجديد إلى الانتساب إلى الأحزاب اليسارية خاصة بعد عهد شهاب الذي افتتح المدارس ونشاطاً الحزب الشيوعي وأحزاب أخرى في الجنوب، جلبت خطة شهاب طرقاً وكهرباء ومياهاً وخدمة هاتف وبريد ومدارس ابتدائية وبعض المدارس الثانوية إلى الجنوب والبقاع، ولكن كل هذا لم يكن كافياً لتنمية الجنوب إذ إن قلة عدد المدارس الثانوية وانعدام الاستثمار وخلق فرص العمل أديا إلى هجرية الجيل الجديد لمتابعة التعليم أو للبحث عن الوظيفة في المدينة وترك الأراضي والقرية، فيما سمحت الطرق المعبدة بالانتقال السهل إلى بيروت وضواحيها حيث الخدمات ومستوى المعيشة أفضل بكثير من الجنوب، فحدثت هجرة كثيفة إلى بيروت وضاحيتها الجنوبية والشمالية منذ الخمسينيات حتى وصل عددهم إلى 315 ألفاً "أي ثلث سكان بيروت الكبرى" عام 1975 وتجاور الشيعة في حزام البؤس مع المخيمات الفلسطينية حتى أصبح الحزام مستنقعاً نشطاً لتنجيد النشء الجديد من الشيعة في صفوف الأحزاب الشيوعية والراديكالية والتنظيمات الفلسطينية ما أقلق البورجوازيات المدينية، لاسيما السنة والموارنة، التي نجحت في قطاعات اقتصادية متعددة خاصة في قطاعات المصارف والتجارة والخدمات وأسواق السلع الاستهلاكية.

ورغم تاريخهم الطويل في الفقه الديني الذي يعود قروناً، لم يتسن للشيعة فرصة للحصول على التعليم المهني والأكاديمي الحديث مقارنة بالمسيحيين أو حتى السنة، ومع أن هذا الأمر بدأ يتغير في الستينيات، فإن الشيعة لم يشكلوا أكثر من 8 بالمائة من طلاب الجامعة للبنانية في أوائل السبعينيات، ولذلك كان من الصعب عليهم المشاركة بالسلطة والمال بدون قاعدة رأسمالية وعلمية، وأمام الطموح والشعور بالحرمان استيقظت روح الثورة وانتسب عدد كبير من شباب الشيعة إلى الأحزاب اليسارية، رافضين الزعامات التقليدية وأحياناً عازفين عن فكرة الانتماء الطائفي بما هو حظيرة أو معتقل، مفضلين الانتماء إلى مجتمع علماني ديمقراطي يضمن المزيد من المساواة والعدالة لكل المواطنين وليس للشيعة فحسب، وبوفود أموال المغتربين الشيعة في غرب افريقيا وأولئك العاملين في دول الخليج، ومع تحسن مستوى الثقافة والتعليم، صعدت فئة اجتماعية في وسط الشيعة في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات لا تعير اهتماماً لأمراء الحرب التقليديين، بل تسعى إلى ترجمة إمكانياتها الاقتصادية والثقافية إلى نفوذ سياسي، كما دخل عدد كبير من الشيعة في مهن فكرية وثقافية تحتاج إلى مستوى تأهيل عال، فأصبحوا محامين ومفكرين سياسيين وكتاباً وصحافيين وناشرين وأساتذة مدارس وجامعات ومنتجي أفلام، حتى وصف سليم نصر هذه الفئة الصغيرة من الشيعة بأنهم انتلجنسيا طموحة وراديكالية[3].

لم يكن حزام البؤس حول بيروت هو المهد الوحيد لانتشار الحركات اليسارية في أوساط الشيعة، إذ أن الحزب الشيوعي اللبناني كان موجوداً في جنوب لبنان منذ الأربعينيات، فيما نشط البعث العراقي، في صفوف الطلبة الشيعة، برز من قادة موسى شعيب من قرية الشرقية، وانضم الطلاب الشيعة ومثقفوهم إلى حركة القوميين العرب، بأعداد مهمة في أواخر الستينيات حتى أصبحوا الأغلبية في منظمة العمل الشيوعي، بقيادة محسن إبراهيم وحزب العمل الاشتراكي العربي، وساعد في سرعة انتشار اليسار في حزام البؤس أن بعض الجنوبيين الذين جاؤوا إلى بيروت كانوا أعضاء في هذه الأحزاب، شكل الشيعة إذن في أوائل السبعينيات أغلبية أعضاء معظم تشكيلات اليسار والقوى العلمانية، فلم يكونوا وقود حرب وفي بوز المدفع لقوى اليسار فحسب كما قال البعض وكأن في الأمر استغلال طائفة لطائفة أخرى أو كأن شباب الشيعة قاصرون لا يدركون ما يفعلون ويجب إعادتهم إلى الحضن الطائفي الذي مثلته حركة أمل أو حزب اللـه فيما بعد بل كان الشيعة في التنظيمات اليسارية هم أيضاً منظريها وقادتها، وانضم الشيعة وخاصة من الطلبة إلى صفوف التنظيمات الفلسطينية في وقت أصبح العمل الفدائي قمة العطاء الوطني فسقط لبنانيون شهداء وتنازع الفلسطينيون واللبنانيون على ملكية هذا الشهيد أو ذاك، كما أن الأحزاب اليسارية قامت بتدريب أعضائها من أبناء القرى الحدودية لتكون سنداً للمقاومة الفلسطينية ضد الاعتداءات الإسرائيلية، إذ بدون دعم الماس كان مستحيلاً على المقاومة الفلسطينية أن تقوم بعمليات ضد إسرائيل رغم أنف الجيش اللبناني، لم يكن هناك أي عائق أمام أجيال الشيعة للالتحاق بقوى اليسار والجماعات الثورية، فقد كان أمراء الحرب الشيعة في وضع ميؤوس منه كما أن صعود الإمام موسى الصدر لم يحقق اختراقاً هاماً في صفوف الشيعة طيلة السنوات العشر التي سبقت غيابه 1968- 1978.

جذور صعود الوجدان الشيعي كجماعة لها هويتها في تركيب الموزاييك اللبناني، ارتبطت بثلاث أحداث منفصلة:

ـ مقتل كمال جنبلاط وفرط عقد التحالف اليساري عام 1977.

ـ اختفاء الإمام موسى الصدر في رحلة إلى ليبيا في 31 آب/ أغسطس 1978.

ـ والثورة الإسلامية في إيران في شباط /فبراير 1979.

ساهمت الأحداث الثلاث في خيبة أمل شبان جميع الطوائف وخسارة قضية الإصلاح حاربت من أجلها الأحزاب اليسارية، وبدأ هؤلاء يتعرفون إلى جذورهم الدينية التي تنكروا لها طويلاً في صراع البقاء في عالم أمراء الحرب المتجدد في لبنان، بعيد حرب السنتين الفاشلة، حتى بات شباب الشيعة في الأحزاب اليسارية كالأيتام بعد مصرع جنبلاط، واكتشف الشيعة المثقفون ومعتنقو الإيديولوجيات الماركسية الشيوعية والقومية العربية ضعف موقفهم، أما في الجنوب، فقد كانت القرى تتعرض لحرب يومية وغارات إسرائيلية متكررة رغم انتهاء حرب السنتين في بيروت، وفي الضاحية الجنوبية بعد 1977 أصبح الشيعة، ومعظمهم من مهجري النبعة وشرق بيروت والجنوب، تحت رحمة منظمة التحرير الفلسطينية والميليشيات المختلفة فيما استمرت قضايا الحرمان والتخلف والفقر ماثلة وكأن لا حرب وقعت ولا وعود قطعت.

وبعكس الموارنة الذين دخلوا الحرب عام 1975 بوعي تام لهويتهم ونفوذهم وامتيازاتهم في النظام اللبناني، يعرفون عما يدافعون ولماذا يحاربون، فإن حس الشيعة الجماعي كان غائباً، لأن الشيعة عبروا عن مطالبهم وقضاياهم عبر الأحزاب اليسارية وابتعدوا عن الولاء المذهبي ويقول أحمد بيضون أن الشيعة أخفقوا إخفاقاً مبيناً حتى السبعينيات في تكوين حزب طائفي لهم، وكانت شبيبتهم كثيفة في الحضور في الأحزاب غير الطائفية حتى أنها كادت أن تقضي على بعضها حين خرجت منها وضوت إلى الطائفة المتنامية الظل[4].

 

الإمام موسى الصدر والمجلس الشيعي الأعلى

انكفأ رجال الدين الشيعة أمام حجج اليسار وتأثيره الفكري على وعي الشباب، وزالت سلطة هؤلاء حتى على أولادهم "حتى قيل إن لكل رجل دين من آل الأمين أو آل مروة ابناً في تنظيم شيوعي، فأصبح مثقفو الشيعة وأجيالهم الجديدة في واد ومجتمعهم التقليدي ورجال الدين في واد آخر "إن الشيخ يحمل العصا ويحثنا على الصلاة فحسب ولكنه يمضي الليل على مائدة البك" وفي زمن كان فيه الشيعة في آخر السلم الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في لبنان، يعانون من نظرة دونية من أصحاب الأمر الواقع، كانت هناك نواة صغيرة رفضت الشخصيات التقليدية ولكنها لم تلتحق بقوى اليسار، بل تمسكت بهوية مذهبية مشككة بنوايا القومية العربية، لا يتعدى طموحها تحسين النظام ليكون للشيعة ما للموارنة والسنة، واستعارت هذه النواة بعض مطالب اليسار مثل إلغاء الطائفية "تخفيضاً لنفوذ الموارنة لصالح المسلمين" وإعادة هيكلية الجيش "أيضاً لصالح المسلمين" واستصدار قانون انتخابي جديد أيضاً لنفس الهدف، ووقفت هذه الفئة إلى جانب رجال الدين الشيعة والسنة ضد اليسار الذي أفسد الشباب وشجع العلمانية الكافرة محذرة من تدهور القيم الأخلاقية ووحدة العائلة ومؤسسة الزواج وارتباط الفرد بدينه وعلاقته بربه.

كانت هذه الفئة الصغيرة هي التي نزل بينها الإمام موسى الصدر وجعلها نقطة انطلاق نشاطه في الستينيات، ولد الإمام موسى الصدر في مدينة قم في إيران عام 1928 وهو إيراني ذكر وضاح شرارة أن أصوله اللبنانية تعود إلى ما قبل 150 عاماً[5]، قدم لبنان عام 1958 في الثلاثين من عمره بدعوة من أسرة شرف الدين بعد وفاة رجل الدين المعروف عبد الحسين شرف الدين الذي استحصل من شيخ الأزهر إقراراً بأن مذهب الشيعة الإمامية هو أحد المذاهب الإسلامية، وأقام الصدر في صور وغاب عام 1978 فتكون سنة لدى مغادرته لبنان 50 عاماً ومدة إقامته في لبنان 20 عاماً، ولم يصبح حضور الصدر ملحوظاً إلا بعد مجيئه بسنوات وأثناء عهد فؤاد شهاب، إذ رحب شهاب به ومنحه الجنسية اللبنانية وتبرع بالمال ليفتتح الصدر مؤسسة في قرية برج الشمالي، جوار صور، ودعم مثقفو الموارنة الصدر في وقت كانت فيه الناصرية والقومية العربية سيدتي الموقف، فرأى ميشال الأسمر مؤسس الندوة اللبنانية أن الشيعة والموارنة يشكلون الجماعتين الرئيسيتين في لبنان وأنه يجب بناء الجسور بينهما لخلق بديل إيديولوجي عن الفكر القومي العربي السني في لبنان[6]، واحتضن الأسمر الصدر وقدمه إلى شخصيات لبنانية عدة ودعاه إلى تقديم المحاضرات في الندوة التي كانت من أشهر حلقات الفكر اللبناني في تلك الفترة، واصفاً إياه أنه رجل الزمن الآتي، كثيرون ساعدوا الصدر، إلا أن نجاحه كان أيضاً يعود لصفاته الشخصية، فكان متفوقاً في نواح فكرية وثقافية وقيادية، أنيق المحيا، طويل القامة بعينين ملونتين وطلعة مهيبة، ولكنه كان يتكلم العربية بلكنة فارسية كثيفة، قليل المعرفة بأحوال لبنان والحياة اليومية للناس، فأثار الشكوك في سنواته الأولى في لبنان عن نواياه وعلاقته بشاه إيران "رغم أنه كان على علاقة قربى مع الإمام الخميني الذي بدأ في الستينيات حركته ضد الشاه".

عمل الصدر في بناء مؤسسات ونواد اجتماعية، خاصة الحسينيات، نسبة إلى الإمام الحسين بن علي، وهي نواد للنشاط الاجتماعي منتشرة في مناطق سكن الشيعة تنشط في ذكرى عاشوراء، ذكرى عاشوراء "ذكرى مصرع الإمام الحسين في كربلاء في العراق في القرن السابع" ثم تطور نشاطها لاحقاً، ووضع الصدر جذوراً لأفكاره في أوساط شيعة لبنان عبر زيارات متواصلة إلى الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية والمغترب الأفريقي، وأصبح الصدر وجهاً معروفاً في حلقات المحاضرات في الندوة وفي الجامعة الأمريكية وأماكن أخرى وأقام علاقة وثيقة بالمطران الكاثوليكي التقدمي غريغوار حداد ومع المطران الأرثوذكسي المتنور جورج خضر، وصداقة مع ناشر النهار غسان تويني الذي كان دائم الحوار معه، حتى أصبح الصدر في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات شخصية بارزة على مستوى لبنان، فكان بحضوره وخطابه وفكره غير التقليدي يلفت أنظار الرأي العام والنخب السياسية والاجتماعية في بيروت، ويتحدى الصورة المنطبعة في الأذهان بأن الشيعة فقراء قليلو العلم أو جرديون.

لم يكن ثمة طائفة شيعية في لبنان بالمعنى الحقوقي والحضور الاقتصادي والسياسي كما كان الحال بالنسبة للموارنة والسنة والدروز[7]، فرغم أن الانتداب الفرنسي أقر الشيعة كطائفة مستقلة عن السنة عام 1926 إلا أن هؤلاء لم يؤسسوا صوتاً مستقلاً إلا عام 1967 عندما أعلن الصدر تأسيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، ودعم بيار الجميل وكميل شمعون تأسيس هذا المجلس الذي جعل للمسلمين أكثر من مرجعية، وكان انتخاب الصدر رئيساً للمجلس عام 1969 نقطة تحول للصدر وللطائفة للشيعية، بعدما كان المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى الذي يرأسه مفتي الجمهورية السني يمثل كل المسلمين، وأصبح الغمام محمد مهدي شمس الدين نائباً للإمام الصدر "ولد شمس الدين في لبنان عام 1936 وهاجر مع أبيه إلى العراق حيث أقام 35 عاماً وعاد إلى بنان عام 1969 ليصبح نائب رئيس المجلس.

لم يتأخر موسى الصدر في تفعيل دور المجلس كمنبر يضفي شرعية على خطابه ونشاطاته، وأصبح مركز المجلس قبلة للدبلوماسيين والإعلاميين ورجلا السياسة والزوار للتشاور مع الصدر في شؤون لبنان والمنطقة، وأطلق الصدر سلسلة مطالب وتحركات باسم الشيعة منها، مذكرة بـ 16 مطلباً في حزيران/ يونيو 1973 مذيلة بتهديد واضح ولأول مرة في تاريخ شيعة لبنان المعاصر، بأن 13 وزيراً ونائباً شيعياً سيقدمون استقالتهم من الوزارة والبرلمان إذا لم تستجب الدولة للمطالب، وقدم مذكرة جديدة في شباط/ فبراير 1974 تطلب منح الشيعة العدد المناسب من المناصب الحكومية في مجلس الوزراء والإدارات العامة ووضع خطة دفاعية عن الجنوب وتنفيذ سلسلة من المشاريع الإنمائية التي أقرها مجلس الوزراء ووضعت في الأدراج[8].

رأى البعض أن القضايا التي كان يتكلم فيها موسى الصدر منذ أواخر الستينيات، وإن بطريقته لا تختلف كثيراً عن قضايا اليسار، ومن مركزه الديني ذي الصفة الرسمية في لبنان قام الصدر بخطوة تاريخية وهي إصدار فتوى يعلن فيها أن أبناء الطائفة العلوية في سورية، ومنهم الرئيس السوري حافظ الأسد، هم من الشيعة فهم مسلمون، وبدأت سلسلة من التجمعات الجماهيرية الحاشدة في البقاع والجنوب باسم حركة المحرومين التي كانت نسبة 20 بالمائة من أعضائها من المسيحيين، ولكن سرعان ما تبخرت هذه النسبة أمام توجه الحركة المذهبي، إذ رغم أن الصدر انطلق من مفهوم شمل كل المحرومين في لبنان، عملياً كان الشيعة هم الأكثر تجاوباً مع خطابه، إذ اختيرت مناسبات دينية شيعية لعقد هذه اللقاءات في مدن ذات أغلبية شيعية "صور وبعلبك والنبطية" واستعملت عبارات تحرك الجمهور الشيعي: اسمنا ليس متاولة بل شيعة، ثوار على الطغيان حتى لو دفعنا دمنا ثمناً.

 

الجنوب

في 26 أيار/ مايو 1970 دعا الصدر إلى إضراب عام لتذكير الدولة والرأي العام أن الجنوب هو جزء من الجمهورية فكان ثمة تضامن واسع مع هذه البادرة السلمية وأقف لبنان بأكمله.

وعام 1974 دأب الرئيس سليمان فرنجية على مقولة، لوفد من أمراء الحرب الموارنة: الدولة غير قادرة على ضبط المقاومة الفلسطينية "دبروا حالكم" ولطالما كررها على مسامع زواره، ويقول جوزف أبو خليل وكريم بقرادوني أن بيار الجميل عاد مغموم القلب من هذا اللقاء وبدأ المكتب السياسي لحزب الكتائب يعمل لحماية المناطق المسيحية وأخذ رد الدولة، وقال فرنجية للفلسطينيين إن لبنان لا إمكانية لديه للتصدي لإسرائيل ولا لضبط المضايقات التي تتعرض لها المخيمات الفلسطينية وإن على الفلسطينيين أن يتدبروا أمرهم ويحوا مخيماتهم، أما لوفود من الجنوب وللإمام الصدر فقال إن الدفاع عن الجنوب أمام قوة إسرائيل هو أمل مستحيل وإن الجيش يقوم بما يقدر عليه، وكانت تظاهرات الجنوبيين تحضر إلى بيروت تحمل يافطات تقول: الجنوب جزء من لبنان يا فخامة الرئيس.

منذ 1968 كانت السياسة الإسرائيلية تقضي بالانتقام من سكان لبنان بعد كل عملية عسكرية فلسطينية لخلق هوة بين الشعب اللبناني ودولته وبين الفلسطينيين، ولقد نجحت السياسة الإسرائيلية في الجانب النفسي حيث بات الشيعة في أواخر السبعينيات على غير موجة المقاومة الفلسطينية وعملها الفدائي، وحتى 1974 شنت إسرائيل 6200 اعتداء على لبنان منها 4000 غارة جوية أو عملية قصف مدفعي معظمها استهدف الجنوب وسكانه، كما أقدمت إسرائيل على تنفيذ 352 عملية تضمنت غزوات محدودة داخل الأراضي اللبنانية.

أصبحت الغارات الجوية والبحرية والاجتياحات البرية نشاطاً يومياً للجيش الإسرائيلي في لبنان ولكن هذه كانت البداية فقط والأسوأ كان على الطريق، إذ منذ أول تشرين الأول/ أكتوبر أعلنت إسرائيل سياسة الأرض المحروقة في جنوب لبنان وأنها مذاك فصاعداً ستقوم بغارات وهجمات وقائية ولن تنتظر العمليات الفدائية للرد، وستقوم بدوريات وتقيم حواجز طيارة داخل الأراضي اللبنانية بحثاً عن المخربين، فتواصلت الغارات الإسرائيلية بشكل شبه يومي وكثيراً ما كانت تتحول اجتياحات برية "جميعها مدونة في ملفات الجيش اللبناني والصليب الأحمر الدولي والأمم المتحدة ومركز الأبحاث الفلسطيني" بالمقابل لم تقم الدولة اللبنانية بأي استعدادات لحماية الجنوب وطمأنة السكان، ما بقي علقماً مراً في نفوس الشيعة وسكان الجنوب تجاه الدولة طيلة الستينيات والسبعينيات.

كان الوضع مأساوياً يوحي أن الدولة لا تريد الدفاع عن أرضها رغم أن المشاريع الدفاعية غير المكلفة تجد طريقها إلى اللجان البرلمانية، حيث كتب الناشر غسان تويني في افتتاحية جريدة النهار: لقد حان الوقت للبنان أن يدخل الحرب مع إسرائيل[9]، كما انعدمت مقومات الصمود تماماً، إذ رغم أن الدولة أوجدت صندوق مجلس النواب إلا أن الفساد كان سيد الموقف ولم يقم الصندوق بأعماله في تعويض ومساعدة المتضررين حتى أسماه الرأي العام مجلس الجيوب.

وكانت ظروف معيشة مهجري الجنوب الذين تركوا قراهم ولجأوا إلى بيروت أسوأ من تلك التي كان يعانيها الفلسطينيون في المخيمات، ولم يستمر الصمود والتضامن بين سكان الجنوب والفلسطينيين، إذ أن غضب الناس على المقاومة في السبعينيات كات يتصاعد وكان بعض المقاتلين الفلسطينيين يحملون السلاح علناً في قرى وبلدات الجنوب، يتحرشون بالناس ولا يقيمون حرمة لا لرجال الدين ولا للنساء، وأصبح عددهم يستفز الناس بعد قدوم المقاتلين من الأردن وسورية وراحوا يتخذون من الأماكن الآهلة مرابض مدفعية غير عابئين بمصير اللبنانيين وأرزاقهم من ردات الفعل الإسرائيلية، فكان سلوك المقاتلين الفلسطينيين في الجنوب يساهم في شحن مقولة إنه لا يختلف عن جيش احتلال، في حين انتشرت الجرائم الصغيرة كالسرقات ومضايقة الفتيات وجرائم اغتصاب في بعض الأحيان، وفرض خوات والحصول على خدمات بدون مقابل، لقد أعطينا الفلسطينيين كل شيء وأعطونا الإهانات والشتائم والجثث ودروساً في الفساد كما ذكر مزارع جنوبي[10].

وبعدما كان الوجود المسلم للميليشيا الفلسطينية جنوباً حكراً على فتح وفي مواضع جغرافية مضبوطة في الفترة 1969 – 1972 تكاثف وجود الميليشيا اليسارية والفلسطينية حتى أصبح عددها عام 1976 يزيد عن 15 تنظيماً كمنها 9 تنظيمات فلسطينية، فكانت هذه التنظيمات المتناقضة بمصادر تمويلها وأهدافها وأيديولوجيتها تتعارك فيما بينها "جماعات موالية للعراق وأخرى لسورية، وجماعات شيوعية وأخرى مذهبية، إلخ" ما أدى إلى سقوط ضحايا مدنيين وتدمير ممتلكات وتعطيل التجارة، وكان تصرف بعض المسلحين غير اللائق قد ألق ضرراً كبيراً بسمعة القضية الفلسطينية والأحزاب اللبنانية فكانت الناس تقوم إنه إذا كانت الفرقة 17 الخاصة بياسر عرفات هي الأكثر فساداً وتشبيهاً بالمافيا فماذا عن الباقين.

ولم تكن إسرائيل غائبة عن الأرض، إذ زرعت مئات العملاء الذين ساهموا في تفاقم الوضع وتوسيع الهوة وانعدام الثقة بين السكان وهذه التنظيمات فكان الرأي العام يعتقد على سبيل المثال[11] أن بعض مسؤولي المقاومة الفلسطينية وحركة أمل في الجنوب كانوا إما عملاء لإسرائيل أو للمكتب الثاني في الجيش اللبناني كأبو الزعيم وعزمي الصغير وأبو عرضة وقيل داود دواود ورياض العبد اللـه وحسن هاشم وغيرهم من حركة أمل، فكان عملاء إسرائيل ينشرون الإشاعات والدعايات ضد التنظيمات المسلحة وأن هدف المقاومة الفلسطينية ليس تحرير فلسطين بل جعل لبنان وطناً بديلاً، لقد قال جورج حبش رئيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين إنه سيجعل من بيروت ستالينغراد أخرى، أثناء الغزو الإسرائيلي الكبير في صيف 1982 وقال أبو إياد عام 1976 إن طريق فلسطين تمر في جونية، وفاقهما ياسر عرفات بقول غير مسؤول كرره مراراً" كنت أحكم لبنان من الفاكهاني ونمى هذا الاعتقاد في أواخر السبعينيات تقلص عدد العمليات الفدائية الفلسطينية داخل إسرائيل حيث باتت المقاومة تعقمد على المدفعية البعيدة وسلوك بعض المسؤولين الفلسطينيين في إثراء أنفسهم واقتناء المرسيدس والإقامة في شقق فخمة، فبدوا بعيدين عن أي معنى لحياة الثوار، وكأنهم يودون البقاء إلى الأبد في لبنان، وكأن جنوب لبنان هو أرض بلا شعب يمكن استعمالها كما يشاء الفلسطينيون وبدا الأمر وكأن قيادة المقاومة لم تتحسس لمشاعر الشيعة بل فسر الأمر أيضاً وكأنه استغلال سني للشيعة حيث كان بعض المسلحين الفلسطينيين لا يتورع عن تسميتهم "أبو ذنب" وليس المقصود ذنب الحيوان بل هي إحدى التسميات العنصرية التي تطلق على الشيعة في لبنان كونهم تميزوا عن المذهب السني قبل ألف وأربعمائة سنة، فأصبحوا مذنبين ورافضة ومتاولة.. إلخ، والحق أن المقاومة الفلطسنية كانت علمانية الإتجاه فكان صبغ العلاقة بين الطرفين بمنحى طائفي منذ نهاية السبعينيات مصدره تحول الشيعة نحو الهوية المذهبية وشعورهم بظلم تاريخي كجماعة مضطهدة، ومصدره أيضاً أفراد فلسطينيون يعوزهم حسن التعبير.

في مذكرة قدمتها الحكومة اللبنانية إلى مؤتمر وزراء الخارجية العرب في كانون الثاني/ يناير 1980 بينت جرائم إسرائيل في جنوب لبنان من 1968 وحتى 1980 قتل بضعة آلاف من المدنيين وتهجير 250 ألف مواطن وتدمير 10 آلاف منزل ومبنى وتصديع أو تدمير جزئي لـ 25 ألف منزل والقضاء على مصدر رزق 3000 عائلة لبنانية وتيتيم 11 ألف طفل وحرمان 36 ألف طفل من مدارسهم بعد تدميرها وإلحاق الخراب الواسع ببلدات ومدن صور والنبطية وحاصبيا وبنت جبيل وتبنين وتدمير كامل لعشر قرى، عدا خسائر أخرى لا مجال لذكرها[12]، وكانت هذه الحلقة الأولى في مسلسل عدوان استمر حتى عام 2006.

 

حركة المحرومين وغياب الصدر

عمل الإمام الصدر ما بوسعه لنجدة الجنوب وأهله في أوائل السبعينيات فكان يزور الزعماء العرب ويعرض مأساة جنوب لبنان والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، ويعتصم في مسجد قرية كفر شوبا بعد تدميرها، وكان غضبه ضد السلطة يزداد لإهمالها واجب الدفاع وعدم انفاقها على تنمية المناطق المحرومة، ولكن لا الصدر ولا حركة المحرومين التي أسسها كانا أصحاب برنامج واضح حول النظام السياسي والاصلاحات المطلوبة، ولا حول كيفية معالجة المسألة الاجتماعية الاقتصادية، فلم يكن ثمة موقف من النظام السياسي الطائفي ولا من النظام الاقتصادي المتوحش الذي لم يعر اهتماماً لمفهوم دولة الرعايا بل كان مطلب الصدر وحركته حول تحقيق نظام أكثر عدالة يوحي أن الأمر يتعلق بتحسين حصة الشيعة في السلطة والمناصب فحسب وقيل إن الصدر صادر شعارات اليسار التي كانت موضة والتي اعتنقها شباب الشيعة ولكنه أضفى عليها بعداً دينياً، وفي انتخابات فرعية في قضاء النبطية في كانون الأول/ ديسمبر 1974 فاز مرشح الصدر رفيق شاهين ب، 20 ألف صوت ضد مرشح كامل الأسعد الذي حص على 7 آلاف صوت، حتى أن وزراء ونواب الشيعة باتوا يحسبون حساباً للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى وينضموم إلى عضويته ومعهم شخصيات بارزة من رجال أعمال وسياسيين، فيما جماعة كامل الأسعد لم تحصل على كرسي واحد في انتخابات المجلس الشيعي عام 1974.

وحتى العام 1975 كانت حركة الصدر تقلد تكتل جنبلاط اليساري، وحينما فشل الصدر في تحقيق مطالبه بالحوار وتقديم العرائض للدولة اندفع إلى تبني المنطق نفسه الذي نادى به اليسار حول ضرورة التعبئة العامة وحمل السلاح، فأعلن في لقاء جماهيري في بعلبك في 17 آذار /مارس 1974 أن السلاح زينة الرجال أمام 100 ألف شخص في أكبر حشد شعبي في تاريخ لبنان حتى ذلك الوقت، فأثارت صيحاتهم القشعريرة في نفوس السلطة التي استشعرت أن ثمة مارداً بدأ يظهر، وفي تموز/ يوليو 1975 وقع انفجار في معسكر تدريب قرب بعلبك تبين أنه للجناح العسكري لحركة المحرومين الذي حمل اسم أفواج المقاومة اللبنانية- أ.م.ل. واختصاراً حركة أمل الذي عرفت به في زمن الحرب وحتى اليوم ولم يزد عدد عناصر ميليشيا أمل في حرب السنيتن عن 800 مقاتل دربتهم وسلحتهم حركة فتح الفلسطينية رغم الجفاء الذي طبع علاقة الطرفين.

ولم يكن الصدر قريباً من قادة المقاومة الفلسطينية بل إنه اعتبر أن حركة المقاومة الفلسطينية ليست ثورة لأنها لا تمتلك حس الاستشهاد[13] وكان معادياً لجنبلاط وللشيوعيين حتى قال في 1976 إن كمال جنبلاط يريد أن يحارب الموارنة حتى آخر شيعي وإن جنبلاط هو السبب في إطالة الحرب.

ورغم أن حركة المحرومين بقيادة الصدر استطاعت استقطاب مشاعر الشيعة العاديين في القرى والضواحي إلا أنها لم تجذب المثقفين والطلاب والشباب الثائر، وخاصة من الذين رفضوا الالتحاق بحركة ذات بعد طائفي تقف على الشعية دون غيرهم، رغم دعوتها المغرية لمحاربة الحرمان، ورأى هؤلاء في هذه الحركة أنها موالية للسلطة ومقربة من الرئيس السوري حافظ الأسد، وعندما دعا كمال جنبلاط إلى إقصاء القوى الموالية لدمشق أثناء حربه مع سورية عام 1976 شارك شيعة من أعضاء الأحزاب اليسارية في الحملة، وقلما تذكر مراجع تلك الفترة أي دور هام لحركة أمل على الساحة اللبنانية بل هناك إشارة إلى انكفاء الصدر في الحرب السنتين وابتعاده، بعدما كان الأكثر ثورية وتحريضاً ضد النظام اللبناني ودعوة إلى تسلح الشيعة لأخذ حقوقهم لعله أصيب بصدمة الحرب وعنفها، فكانت سيرته في تلك الفترة إضرابات عن الطعام واعتصاماَ لوقف الحرب التي رأى بشاعتها وآثارها في القتل والخراب، وعقد اجتماعات متواصلة مع القادة السياسيين.

ولكن آذار/ مارس 1976 كان مفصلياً في مسيرته إذ أنه وقف إلى جانب التدخل السوري وأصبح حركة أمل عضواً في تكتل موال لسورية بمواجهة جنبلاط هو جبهة الأحزاب والقوى القومية والوطنية، التي ضمت البعث السوري والحزب السوري القومي الاجتماعي- الياس قنيزح، والتنظيم الناصري –اتحاد قوى الشعب العامل، كان التدخل العسكري السوري، فردت قوى التحالف بوضع حد لهؤلاء وأقفلت مراكزهن بالقوة وجاء المفصل الثاني في آب /أغسس 1976 حيث خلقت معركة النبعة وتل الزعتر في شرق بيروت هوة بين حركة أمل والفلسطينيين، إذ رغم أن سكان تلك المناطق من شيعة وفلسطينيين كانوا ضحايا الحرب والتهجير، إلا أن الفلسطينيين اتهموا حركة أمل بتسليم النبعة في 6 آب/ أغسطس عبر صفقة عقدها مسؤول أمل في النبعة محمود يعقوب مع الكتائب قضت بعدم التعرض للشيعة ما عجل بسقوط تل الزعتر وكسر ظهر المقاومة في داخله يوم 12 آب/ أغسطس[14].

لقد صرف الإمام الصدر 15 عاماً من حياته في بناء رصيد هام لدى جميع الأطراف ولكنه خرج من حرب السنتين التي رفضها بخسارة جزء هام من رصيده مع جميع الأفرقاء:

ـ لدى كمال جنبلاط واليسار ولدى ياسر عرفات والمقاومة الفلسطينية.

ـ ولدى أمراء الحرب الموارنة الذين ابتعدوا عكنه مسافة كبيرة بسبب خطابه الذي وجدوه معادياً للدولة.

ـ ولدى الشيعة بالدرجة الأولى الذين كانوا بأغلبيتهم في صفوف الحركة الوطنية ولم يستحسنوا وقوفه إلى جانب التدخل السوري.

وقبل اختفائه عام 1978 أقام الصدر في صور ولم يعد إلى سيرة نشاطه الأول بل ذكر لكريم بقرادوني أنه يلوم اليمين الماروني والحركة الوطنية والمقاومة الفلسطينية على كل ويلات الحرب الأهلية[15]، ولم يستعد الصدر وزنه السابق على الساحة اللبنانية إلا بعد اختفائه المذهل في آب /أغسطس 1978 أثناء زيارة لليبيا لحضور مهرجان ثورة الفاتح في أول أيلول/ سبتمر بدعوة من الرئيس الليبي العقيد معمر القذافي.

 

ولادة الشريط الحدودي

أفرزت الحرب اللبنانية كانتوناً أقامته إسرائيل على الأراضي اللبنانية المتاخمة لحدودها، تشرف عليه بمساعدة ميليشيا محلية لبنانية هي "جيش لبنان الجنوبي" وتعود جذور هذا الكانتون إلى آذار/ مارس 1976 عندما احتلت وحدات من الجيش اللبناني بقيادة الرائد أحمد الخطيب بضع ثكنات عسكرية، ولم يكن هذا التطور سلمياً في كل مكان، إذ كان أحمد الخطيب موالياً لكمال جنبلاط وحلفائه الفلسطينيين واعتبر طرفاً في حرب لبنان، فكان الجنود المنخرطين في حركته يشتبكون مع جنود آخرين يفضلون الولاء لما تبقى من الدولة اللبنانية أو يؤيدون أهداف الميليشيا المسيحية، وعندما سيطر جنود الخطيل على بلدة مرجعيون ذات الأغلبية الأرثوذكسية رفض زملاؤهم هذا الأمر وتحصنوا في بلدة القليعة المجاورة ذات الأغلبية المارونية، يقودهم رائد آخر هو سعد حداد، وهكذا خلق هذا الوضع عملياً منطقتين في الشريط الحدودي[16] إحداهما بأغلبية مسيحية يسيطر عليها سعد حداد والأخرى تحت سلطة التحالف اليساري الفلسطيني وميليشيا جيش لبنان العربي، وإذ طوقت هذه الجماعات سعد حداد في قضاءي حاصبيا ومرجعيون، أقام حداد بتشجيع ودعم من الرئيس اللبناني السابق كميل شمعون، اتصالات مع إسرائيل التي دعمته بالمال والسلاح والمعدات.

في 14 آذار/ مارس 1978 قامت إسرائيل بغزو لبنان فقتلت ألفي مدني ومائة فدائي فلسطيني و 500 مدني فلسطيني وهجرت 200 ألف لبناني من قرى الجنوب و 65 ألفاً من المخيمات الفلسطينية، فكان هذا الغزو بالنسبة لسكان جنوب لبنان نهاية المطاف بالنسبة للتسامح مع المقاومة الفلسطينية، أتى في الذكرى العاشرة لبداية الاعتداءات الإسرائيلية عام 1968 وكان الجنوب بالنسبة لحركة أمل خزاناً ديمغرافياً حيث شكل الشيعة نشبة 80 بالمائة من سكانه فيما توزع باقي السكان بين سنة وموارنة وأرثوذكس ودروز، ورغم أن إسرائيل حققت الهدف من اجتياحها واحتلت مناطق لبنانية حتى نهر الليطاني، إلا أت الضغط الأمريكي الذي مارسه الرئيس جيمي كارتروصدرو قرار مجلس الأمن الدولي 425، أجبر إسرائيل على الانسحاب، فانسحبت جزئياً وأبقت على حزام أمني مساحته 500 كلم مربع يضم 61 قرية وبلدات في أقضية حاصبيا ومرجعيون وبنت جبيل وصور، وتشرف عليه ميليشيا الجنوب، في تلك الأثناء قرر مجلس الأمن مراقبة تنفيذ القرار فأرسل فريقاً من الأمم المتحدة يضم 6000 جندي من دول مختلفة وفي ما يلي فقرات رواها للمؤلف إعلاميون لبنانيون شهود عيان، تشرح ولادة كانتون الشريط الحدودي:

في 13 حزيران/ يونيو 1978 وصلنا عند نقطة جسر الحمرا قبل الناقورة حيث التقينا الجنرال أرسكن قائد القوات الدولية في لبنان، وهو من السنغال، وبان عليه القلق الشديد والتوتر ولدى سؤاله إذا كانت الأمور تجري على ما يرام، تطلع على الخرائط التفصيلية أمامه وقال بأن قواته لا تتمكن من دخول كل المناطق حسب الاتفاق مع الإسرائيليين وحسب القرار 425 وهو لا يفهم ذلك ولا يعلم ما سيكون تقريره لمسؤوليه في نيويورك هل سيقول إن إسرائيل انسحبت أم أنها ستنسحب وعلمنا من أرسكن أنه لم يكن هناك مشكلة في الانسحاب من المنطقة الساحلية ولكن لسبب ما لم يتمكنوا من تجاوز بلدة حاريص في صور لولم يستطيعوا دخول مناطق القطاع الأوسط والقطاع الشرقي في مرجعيون وما حصل أن إسرائيل احتفظت بشريط حدودي موسع سلمته لسعد حداد وقالت إن وضع حداد هو شأن داخلي وإنها انسحبت عملاً بالقرار 425.

وفي الرابعة من بعد ظهر 13 حزيران/ يونيو 1978 وصلنا إلى مبنى الهدنة التابع للأمم المتحدة في بلدة الناقورة وخي آخر بلدة لبنانية قبل الحدود، وخلف المبنى الذي أصبح المقر الرئيسي للقوات الدولية في الجنوب، كان الجيش الإسرائيلي ما زال في مكانه داخل لبنان يواصل انسحابه عبر نقطة الحدود ويدعونها "روش ها نيكرا" بالعبرية "رأس الناقورة" وإلى شرق مبنى الأمم المتحدة بدت قرية الناقورة اللبنانية، وبصفتنا الصحافية اللبنانية "صحيفة يومية رئيسية أسبوعية" كان يهمنا معرفة مصير وظروف سكان هذه المنطقة النائية على الحدود فسرنا باتجاه القرية على الأقدام ولاحظنا علماً لبنانياً من الحجم الذي كان يستعمله الجيش اللبناني وحاجزاً عسكرياً يحرسع عناصر ميليشيا جيش لبنان الجنوبي وكانوا سعداء برؤيتنا لأننا كما أول من وصل هذه النقطة في بيروت بعدما انسحبت إسرائيل وسألونا عن أوضاع بيروت ومثل عناصر الميليشيات الأخرى في لبنان كانوا صريحين في آرائهم السياسية، ولدى سؤالنا عن الدعم الذي تلقاخ ميليشيا الجنوبي من إسرائيل والذي كان واضحاً في ملابسهم وخيمتهم وأسلحتهم ومعداتهم قالوا إن عدوهم هو السوري والفلسطيني وليس اللبنانيين الآخرين، وإسرائيل ليست عدوة لأنها ساعدتهم واستقبلت أطفالهم في مستشفياتها ووظفت عمال الشريط في مصانعها، وقالوا هذه هي المنطقة الوحيدة الحرة في لبنان وإن شاء اللـه سنأخذ كل لبنان، وعرفنا أنهم كانوا خلطياً من الشيعة والمسيحيين.

وأثناء الحديث مع حرس الحاجز، وصلت لاندروفر عسكرية تنقل عسكرياً ضخم الجثة بلحية سوداء كثة، يرتدي نظارات شمسية وعلى رأسه بيريه من النوع الذي يرتديه مغاوير الجيش اللبناني، وعندما هبط هذا الرجل وقف حرس الحاجز تأهباً، هذا كان الضابط المنشق عن الجيش اللبناني سامي الشدياق تحدث إلينا عن الوضع في الجنوب عشية الانسحاب الإسرائيلي ولكن عينيه كانتا مركزتين دوماً على ما يجري في جوار مبنى الأمم المتحدة يراقب باستمرار التلال المجاورة وشرح لنا ما لم يعرفه أرسكن ذلك اليوم، بأن الشريط الحدودي الجديد سيمتد من حاصبيا شرقاً إلى الناقورة، أي هذا الحاجز غرباً وسيتضمن بلدات هامة كمرجعيون والخيام وبنت جبيل وقال الشدياق إنه قدم للتو من غداء عمل مع الرائد حداد في القليعة بحضور ضباط إسرائيليين أكدوا دعم إسرائيل المستمر للشريط، وذكرنا الشدياق ما يقال عنه وعن سعد حداد في بيروت، ولكن ردة فعله كان فلسفياً تحدث بنفس أسلوب قادة الميليشيات المختلفة في مناطق أخرى في لبنان فشرح ظروف الشريط وقيام ميليشيا الجنوبي، وأن ما يحدث كان نتيجة تراكمات خارجية عن إرادة ميليشيا الجنوبي وبسبب غياب الدولة اللبنانية وضرورة الدفاع عن سكان الشريط، ولم يشأ الشدياق التبرير أو الدفاع عما يحصل في الجنوب، فهو طبعاً يريد لبنان سيدا حراً مستقلاً، ولا.. هو ليس عميلاً للإسرائيليين الذين عليهم مغادرة لبنان فور خروج السوريين والفلسطينيين، وأنه كعسكري شهد ما حصل في بيروت والجبل بين اللبنانيين أنفسهم وبين السوريين والفلسطينيين فهو سيقبل أي مساعدة للدفاع عن الشريط الحدودي من أي جهة أتت.

ولم نسأل السديقا عن الدور البشع والدموي الذي مارسته ميليشيا الجنوبي أثناء اجتياح آذار/ مارس 1978 خاصة أن رجال حداد ارتكبوا مجازر بشعة في بلدة الخيام بحق 80 مواطناً منهم من هو طاعن في السن، وأن التقارير الغربية وأحدها بقلم البريطاني ديفيد هيرست في صحيفة الغارديان، شهدت على رجال حداد يقتلون رجالاً طاعنين في السن ويجردونهم مما حملوه من مال ويقلعون أسنانهم إذا كانت ذهباً، في حين وقع عدد من المدنيين اللبنانيين تحت أنقاض المنازل التي دمرتها إسرائيل وطلبوا النجدة من رجال حداد الذين لم يكترثوا للأمر كان الأمر إذن يتراوح بين العمالة السافرة لمشيئة إسرائيل وأهدافها في لبنان وبين الحاجة إلى صراع البقاء تجاه الميليشيات اللبنانية والفلسطينية كما قال الشدياق فأي عامل كان الأقوى[17]؟

في بداية 1979 حاولت الدولة إرسال وحدات من الجيش اللبناني إلى المنطقة الحدودية فتعرضت لقصف ميليشيا الجنوبي وتوقفت في قرية كوكبا ثم أعلن سعد حداد عن دولة لبنان الحر في الشريط في 18 نيسان إبريل/ 1979 وبعد الغزو الإسرائيلي الكبير للبنان عام 1982 الذي أسفر عن مقتل 20 ألف شخص وخلف دماراً رهيباً في الممتلكات بلغت قيمته ملياري دولار[18] قويت شوكة ميليشيا الجنوبي وتوسعت مساحة الشريط إلى 1100 كلم مربع ليضم 168 قرية وبلدة، وبوفاة سعد حداد إثر مرض عخضال استلك مكانه العقيد أنطوان لحد المنشق عن الجيش اللبناني أيضاً وبعد انسحاب إسرائيل الجزئي عام 1985 تم تسليم منطقة جزين وأجزاء من إقليم التفاح وقرى شرق صيدا لأنطوان لحد، وكان في الشريك الحدودي إذاعة هي صوت الأمل ومحطة تلفزيونية "ميدل إيست تلفزيون" يموله أصوليون مسيحيون من الولايات المتحدة يرأسهم الإنجيلي بات روبرتسون، في تلك الأثناء مرت مياه كثيرة تحت الجسر إذ كان للسكان الشيعة في الجنوب موقف آخر من الاحتلال ومن الشريط، أولاً علر حركة مأمل وثانياً عبر حزب اللـه.

 

حركة أمل

عدة عوامل سمحت لحركة أمل بالعودى الظافرة إلى الساحة عام 1980 أهم هذه العوامل:

ـ الهزيمة المنكرة التي منيت بها أحزاب اليسار على يد سورية ومصرع كمال جنبلاط عام 1977 وانكفاء أعضاء الحركة الوطنية من شيعة وسنة وموارنة إلى حركات وأحزاب طائفية، حيث انتسب شيوعيون وناصريون وقوميون عرب سابقون إلى حركة أمل والجماعات الإسلامية السنية إلى حزب الكتائب وميليشيا القوات اللبنانية بأعداد ملحوظة.

ـ والعامل الثاني هو الدعم السوري العسكري والسياسي غير المحدود لحركة أمل في الثمانينيات وسعي السوريين إلى الإمعان في هزيمة اليسار وتقليص دوره في الساحة.

ـ والعامل الثالث هو انتصار الثورة الإسلامية في إيران في 11 شباط / فبراير 1979 ما ضخ عزماً جهادياً ومذهبياً غير مسبوق في صفوف شيعة لبنان والذي أصبح في غير مصلحة أمل فيما بعد.

ـ والعامل الرابع هو غياب الصدر عام 1978 الذي أعطى الإمام الغائب بعداً أيقونياً مسيحانياً استقطب الشيعة باعداد كبيرة.

أبقت قيادة أمل الجديدة على تراث الصدر واستثمرت ظروف غيابه ولكنها اختطت طريقاً براغماتياً غاب عنه الجانب الديني، إذ كان أتباع الصدر جلهم من المدنيين ولم تتبع الصدر إلا قلة تكاد لا تذكر من علماء الدين، ودلالة على أن هذه حركة مختلفة عن تلك التي ظهرت في أعوام 1974 – 1977 أقامت القيادة مؤتمر حركة أمل الأول عام 1980 فانتخب نبيه بري رئيساً وحسين الموسوي نائباً للرئيس وأصبحت ذكرى غياب الصدر المناسبة السنوية الرئيسية التي تطلق نفير الجمهرة لأنصار الحركة، فبات تقليداً يحضره عشرات الألوف واختارت القيادة أن تحافظ على مسافة من الثورة الإسلامية في إيران، فكانت أمل تميز نفسها بالولاء للبنان وضرورة المحافظة عليه بما يخدم مصلحة الطائفة الشيعية فإذا كان التوطين والتقسيم يجلبان الضرر للبعض فإن ذلك يجلب الخراب بالنسبة لحركة أمل[19]، كما قال نبيه بري في تلك الفترة، فكانت القيادة تدعو منذ البدء إلى دولة لبنانية قوية تدافع عن البلاد وضرورة دخول الجيش إلى الجنوب حتى لو كان مارونياً مائة بالمائة[20].

حققت الحركة الصغيرة اخترقات هامة في صفوف الشيعة، ونمت إلى درجة أنها باتت تحسب من الميليشيات الرئيسة في لبنان وفي حادثة لافتة عن مستوى نفوذ أمل الباكر، أنها أجبرت وزيرين شيعيين في الحكومة اللبنانية على الاستقالة عام 1980 لأن الحركة لم تستشر في تسميتها واستحسن بعض الموارنة صعود أمل على خلفية أن الشيعة في لبنن ليسوا مندفعين في دعم القضية الفلسطينية مثل السنة ولا ينضوون تحت راية الوحدة العربية كما أن معارك حركة أمل منذ صعودها عام 1979 لم تكن أبداً ضد الموارنة بل دوماً ضد الشيوعيين واليساريين ومعظمهم من الشيعة الذين يقطنون في أحياء وقرى أرادت أمل أن تسيطر عليها وضد المخيمات الفلسطينية، ما ذكر بحرب الميليشيا المسيحية ضد المخيمات الفلسطينية في شرق بيروت، وكحزب الكتائب لم يكن لأمل عقيدة معينة بل سمحت مبادئها البرغماتية في التعاطي مع المستجات وتفادي الأخطار وجس نبض الشيعة والوضع الإقليمي، بينما كانت شيعيتها مقترنة بمصالح طائفة لبنانية كغيرها، ولم يكن ثمة برنامج إصلاحي سياسي اقتصادي اجتماعي لحركة أمل وكالكتائب كان خطاب أمل لا طائفياً، هاجمت شرعتها الطائفية البغيضة ولكنها كالكتائب أيضاً اقتصرت عضويتها على الشيعة مع إدراك أن حجم الطائفة سيجعلها المستفيد الرئيس في حال تم إلغاء الطائفية،’ وأن موقفها من ميثاق 1943 الماروني السني لم يكن لإلغائه للاعتراض على تمثيل السنة وحدهم للمسلمين.

حافظت قيادة أمل على نهج الصدر في الدعوة إلى الحوار وإبقاء القنوات مفتوحة مع جميع الأطراف، وبدت مستعدة لرأب الصدع مع الموارنة عاجلاً أم آجلاً، كالالتحاق بهيئة إنقاذ وطني برئاسة إلياس سركيس والتوقيع على اتفاق ثلاثي مع القوات اللبنانية والحزب التقدمي الإشتراكي، والتزمت أمل بعدم الارتباط بمصالح دول خارجية كإيران أو إسرائيل أو دول الغرب، رغم علاقتها الوثيقة بدمشق، وحتى العلاقة مع سورية لم تكن ثابتة بل شابتها مراحل برود فالتحاق أمل في جبهات أقامتها سورية على الساحة اللبنانية لم يكن عقيدة ثابتة، كما أن أمل كانت بعيدة عن نفوذ المقاومة الفلسطينية حتى انقلبت العلاقة حرباً في الثمانينيات، وفيما كانت الحركة في أيام الصدر مبنية على التطوع والجمهرة أصبحت أمل الجديدة تستند إلى تنظيم بهيكلة وكادرات ونظام داخلي ومسؤولين محليين، ولم تصبح أمل حزباً بل أبقت على الطابع المحلي لأتباعها وعناصرها فكانت تستقطب أعداداً أعلى بكثير من حجم عويتها الحقيقي ولكن هذه اللامركزية عملت ضد مصلحتها إذ رحب بعض مسؤولي وعناصر أمل بالغزو الإسرائيلي عام 1982 للتخلص من النفوذ الفلسطيني في حين حاربه البعض الآخر، كما خاضت أمل حرب المخيمات ضد الفلسطينيين عامي 1985 و1986 فيما عارضها بعض أمل.

 

نبيه بري

تولى قيادة أمل بعد غياب الصدر النائب في البرلمان اللبناني حسين الحسيني من 1978 إلى 1980 يعاونه نبيه بري ولكن خلافات على أمور شتى بين الحسيني والآخرين دفعته إلى الاستقالة والانصراف إلى العمل السياسي والحسيني هو من عائلة اقطاعية بقاعية فيها علماء دين، برز فيما بعد كشخص دستوري وكرئيس مجلس النواب من 1984 حتى العام 1992، ولعب دوراً هاماً في اتفاق الطائف عام 1989 محافظاً على محاضره، لقد استلم كامل الأسعد منصب رئاسة مجلس النواب من 1972 إلى 1984 وأشرف على انتخاب بشير الجميل رئيساً للجمهورية عام 1982 وأقام في حي الحازمية الواقع في منطقة نفوذ القوات اللبنانية بعدما أقفلت أمل عليه منطقة نفوذه السابق في الجنوب.

ولد نبيه بري في سييراليون في غرب افريقيا في أيار/ مايو 1936 ولكنه نشأ في لبنان منذ طفولته وحتى تخرجه كمحام، ولعب دوراً في النشاط الطلابي اليساري في الجامعة اللبنانية، ثم غادر لبنان للإقامة والعمل في ديربورن في مشغن في الولايات المتحدة وعاد إلى لبنان للعمل مع موسى الصدر حيث مارس دوراً قيادياً في الحركة ليصبح رئيسها في بداية عام 1980، استطاعت حركة أمل تأسيس وجودها في ضاحية بيروت الجنوبية بعد غياب الصدر، ورأى قادة الجبهة اللبنانية المسيحية أن ظهور أمل الجديدة هو جزء من الجواب على سؤالهم أين المحاور المسلم؟ "في معرض نقدهم لاستقطاب كمال جنبلاط الدرزي للشارع الإسلامي في بيروت" فكانت إذاعة صوت لبنان الكتائبية تتحدث عن معارك الضاحية وعن مقاتلي أمل الأشاوس ضد الشيوعيين واليسار الدولي، واستمدت أمل شرعيتها من شعبيتها في أوساط الشيعة وإذ لحظ السوريون ذلك كانت نصيحة عبد الحليم خدام لحلفاء دمشق من اللبنانيين سيطروا على الأرض تسيطروا على القرار.

فكانت اليقظة المذهبية في لبنان من العوامل الهامة التي ركبت موجتها أمل في انطلاقتها الثانية، إضافة إلى تعلقها بأحقيتها في تمثيل الجنوب ومصالح سكانه، وعدائها للتنظيمات الفلسطينية واليسارية وعلاقة أمل بالجنوب واضحة من ميثاقها "لا بقاء للوطن بدون الجنوب ولا مواطنيه صحيحة بدون الوفاء للجنوب[21]" فلم يخل تصريح أو مقال أو خطاب لقادة أمل من مضمون جنوبي.

وفي أول أيلول/ سبتمبر 1980 حظيت الحركة بمسؤولية صندوق مجلس الجنوب الحكومي الذي كان مقتصراً في السابق على توزيع المال لمن يعلق صورة كامل الأسعد في بيته، وليس لضحايا الاعتداءات الإسرائيلية، وفي نيسان/ إبريل 1984 عندما دعا رشيد كرامي نبيه بري للمشاركة في حكومة الوحدة الوطنية أصر بري على إنشاء وزارة للجنوب يتولاها هو، فكان تحول ثقل أمل جنوباً بعدما اقتصرت شعبية الصدر على شيعة البقاع وعشائرهم وعلى الضاحية الجنوبية.

وهكذا باستثناء البقاعي عاكف حيدر  أصبح مجلس قيادة الحركة حنوبياً بالكامل وهو اتجاه سيكرره حزب اللـه لاحقاً، خاضت أمل معارك ضارية في الفترة 1979- 1982 فنجحت في السيطرة على مناطق من الجنوب حظرت التنظيمات الأخرى دخولها خاصة إذا كانت هذه التنظيمات يسارية شيوعية أو موالية للعراق "كالبعث العراقي" وجبهة التحرير العربية، وإذ شعرت فتح بأهمية أمل وراقبت إدارتها للمعارك واشتداد عودها، دخلت المعركة ضد أمل واستعملت مدفعية ثقيلة ضد مواقعها في الجنوب ما أوقع ضحايا مدنيين ودمر منازل على سبيل المثال تدمير قرية حناويه قرب صور، وهذا جلب المزيد من العداء والكره للفلسطينيين في صفوف الشيعة، وفي بداية 1982 انتقلت معارك أمل ضد أخصامها من يساريين وفلسطينيين لأول مرة في الضاحية إلى قلب مدينة بيروت، بعدما طردت منها عام 1976، فكانت معركة شباط/ فبراير 1982 مفصلية في ظهور أمل العسكري في غرب العاصمة، فعادت إلى الظهور في أوساط مهجري الشيعة في حي برج المر ووادي أبو جميل وسكان بيروت الشيعة خاصة في حي اللجا في المصيطبة وأثناء الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982 تحققت هدنة بين أمل واليسار والمقاومة الفلسطينية سمحت بمواجهة بطولية قرب مطار بيروت وفي الأوزاعي حيث وقفت أمل جنباً إلى جنب مع المقاومة الفلسطينية والأحزاب اللبنانية وغنمت أسلحة ودبابة من الإسرائيليين، وأعادت هذه المرحلة الأواصر بين أمل والمقاومة الفلسطينية فعاد تمويل فتح ومد  أمل بالسلاح من مخازن الفلسطينيين في البقاع "استمر هذا التعاون حتى اشتعلت حرب المخيمات بين الطرفين عام 1985"

أما بالنسبة للعلاقة بسورية فلم تكن تسير دائماً في خط مستقيم، ولم تخضع لاتفاقية أو لإعلان مبادئ إذ كانت المواقف من سورية متنوعة داخل أمل كتنوعها داخل القوى الأخرى في الطائفة الشيعية "كامل الأسعد والتقليديين، اليسار المجلس الشيعي إلخ.. وفي الشارع الشيعي واللبناني ولذلك لا يمكن وصف هذه العلاقة بأنها كانت تبعية أوعمالة "كما جاء في ذكره في بداية هذا الفصل" فهناك صداقة موسى الصدر الخاصة بحافظ الأسد "جاء في سيرة الأسد بقلم باتريك سيل: كان كفاح الشيعة من أجل حصة أكبر في الدولة اللبنانية التي يسيطر عليها الوجهاء المسيحيون والسنة نسخة من كفاحه هو في سورية" كان لقاء على أربعة مواقف بين الاسد والصدر حول:

ـ دعم ثورة الخميني ضد شاه إيران "كان الصدر همزة وصل باكرة في التحالف السوري الإيراني لاحقاً".

ـ الموقف السلبي من المقاومة الفلسطينية وقائدها ياسر عرفات قاد الأسد انقلاباً ضد يسار البعث إثر قرار القيادة السورية السابقة التدخل في الأردن لدعم المقاومة ضد الملك حسين عام 1970.

ـ فتوى الصدر التي اعترفت بالعلويين الذين ينتمي إليهم الرئيس الأسد كمسلمين وفئة شيعية.

ـ وقوف الصدر إلى جانب التدخل السوري في لبنان عام 1976 ومناهضته لكمال جنبلاط والحركة الوطنية.

لم تغب هذه المواقف عن سياسة أمل في الثمانينات بل إن سورية أصبحت مصدرها الرئيسي للأسلحة والتدريب وبما أن الجنوب كان ممنوعاً على سورية بموجب اتفاق الوخط الأحمر مع إسرائيل عام 1976، كان الحل بالنسبة للاسد دعم أمل كقوة رديفة لسورية في تلك المناطق، ولكن أمل افترقت عن سورية مثلاً عام 1979 في موقفها من معمر القذافي "حليف الأسد ضد أنور السادات" فمنعته بالقوة من زيارة بيروت ضد رغبة الأسد، كما أن البعض اتهم نبيه بري بأنه أقرب إلى المقاومة الفلسطينية وفتح بحكم نشأته اليسارية من التقليدي حسين الحسيني الذي هاجم بشدة اليسار والفلسطينيين وتعرض منزله لقذائف وكبشير الجميل عوض بري عن افتقاره إلى القاعدة الشعبية الشخصية بلجوئه إلى بناء قاعدة ميليشياوية وفرت له شعبية عارمة، كما أن مشاركة بري في هيئة الانقاذ التي شكلها الرئيس الياس سركيس لمواجة الغزو الإسرائيلي "وضمت وليد جنبلاط وبشير الجميل" لم تكن برضى دمشق، بل رآه السوريين كمندفع للعب دور في النظام الكتائبي الذي يدعمه الأمريكيون ولم يكن بري بعيداً عن محاولات تقارب بدأها بشير الجميل عامي 1981 و1982 مع حركة أمل والكلام عن محور ماروني شيعي.

في السنة الأولى من عهد أمين الجميل كان موقف أمل مراقباً أكثر منه فاعلاً بعكس وليد جنبلاط ورشيد كرامي وسليمان فرنجية الذين أعلنوا ولادة جبهة الإنقاذ الوطني في تموز/ يوليو 1983 بدعم سوري، وقيل إن بري لم يشأ أن يشاهده الجمهور الشيعي يمشي مع سورية كثيراً[22]، كما أن أمل لم تلتحق بجبهة المقاومة الوطنية التي أعلنتها قوى اليسار وخاصة الحزب الشيوعي عام 1982 بقيادة الياس عطا اللـه فاعتبرت سورية بري أنه ليس منتفضاً كفاية لمرحلة ما بعد الغزو، لقد رحب بعض الشيعة بالغزو الإسرائيلي لأنه آذن بانتهاء الدولة الفلسطينية في لبنان وباحتمال وضع حد للعنف والخراب والموت في الجنوب منذ 1968 ولكن الإسرائيليين وسعوا هدفهو ليصبح محاولة فرض نظام جديد في لبنان حسب تعبير آرئيل شارون وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك وهو هدف طموح كشفت الأحداث سطحيته وتحول في أوساط الثمانينيات إلى مشروع نظام جديد لصالح دمشق، فانقلب الشيعة ضد الإسرائيليين وبدأوا يواجهون الغزاة لتعاني مناطقهم قبضة الإسرائيليين الحديدية، كما أن الوضع الذي خلفه الغزو الإسرائيلي والاحتلال صعق الشيعة لعام على الأقل ما عطل تأثيرهم في الخريطة السياسية اللبنانية.

سيكولوجية الجماعة المظلومة نمت في ظل الاضطهادات المتعددة: احتلال إسرائيلي شرس ومجرم في جنوب لبنان، ودولة لبنانية تحت نفوذ الميليشيا المسيحية يرئسها أمين الجميل، وتجاهل عربي لمصير لبنان، وكره غربي للشيعة مصدره موقف الولايات المتحدة من إيران، فكان سلوك الجيش اللبنني والميليشيا المسيحية في غرب بيروت وضاحيتها الجنوبية لا يعكس روح المسؤولية ولا يقدر عواقب التصرفات السلبية تجاه عدد كبير من المواطنين، هذه الأجواء ولدت غضباً شعبياً وفجرت طاقات مذهبية في صفوف الشيعة، وكذلك الدروز الذين واجهوا حرباً في الجبل مع الميليشيا المسيحية في تلك الفترة، فبعد مغادرة قوى المتعددة عام 1983 وقصف الجيش اللبناني للضاحية في شباط/ فبراير 1984 هاجمت قوة مشتركة من أمل والحزب التقدمي الاشتراكي بيروت الغربية في 6 شباط / فبراير فيما عرفت بانتفاضة شباط ضد حكم الرئيس الجميل، وانشق اللواء السادس في الجيش اللبناني ذو الأغلبية الشيعية عن قيادة الجيش، هذا التحرك أضعف الدولة وقلص من فرص توسيع رقعة سيطرتها وفق الرؤية الأمريكية وساهمت الميليشيا المسيحية من ناحيتها وعلى طريقتها في انتفاضة 6 شباط، فلم تسمح بانتشار الجيش اللبناني وقوى السلطة المركزية في مناطق نفوذها أيضاً رغم وصول كتائبي إلى رأس السلطة لأول مرة.

بانتصار حركة أمل توسعت سيطرتها من الضاحية الجنوبية إلى بيروت الغربية، وباتت تتطلع إلى تثمير نفوذها المبيت في المناطق الشيعية في جنوب لبنان التي كانت تحت الاحتلال الإسرائيلي في ذلك الوقت، فانخرطت بعمليات مقاومة ضد الاحتلال لاقت استحساناً واسعاً في لبنان "بلال فحص وغيره" إلى جانب عمليات جبهة المقاومة الوطنية اليسارية كانت انتفاضة 6 شباط نقطة تحول تاريخي بالنسبة للحركة حيث برزت كأقوى ميليشيا في الجهة المسلمة ليرتفع عدد أعضائها المحتمل من 800 عام 1976 إلى أكثر من عشرة آلاف وأنصارها إلى بضعة آلاف أخرى عام 1984 ومن بري كأهم شخصية شيعية، وكقائد متميز للحركة وخاصة بعدما أطلق نداء الانتفاضة الشهير من وسائل الإعلام الرسمية التي سيطرت عليها الحركة في غرب العاصمة "وزارة الإعلام وإذاعة الصنائع وتلفزيون تلة الخياط" ولم يكن نداء بري إلى الجنود الشيعة في الجيش أن يقاتلوا رفاقهم بل طلب فقط أن لا يستعمل الجيش سلاحه ضد الضاحية، ما أعطى بعداً تاريخياً لبدء التواجد الشيعي في تركيبة الدولة اللبنانية يعكس الحجم الديمغرافي للطائفية الذي أصبح ماثلاً أمام الجميع في الضاحية وداخل بيروت والجنوب.

عجل دور نبيه بري في انتفاضة 6 شباط بانتهاء مرحلة وبدء مرحلة في لبنان، وجاء أول تغير لمصلحة أمل مشاركتها للمرة الأولى في مجلس الوزراء لتمثل الشيعة، وفوق ذلك ظهرت العقدة الشيعية وفي القاموس اللبناني تستعمل كلمة عقدة للدلالة على أنه لا يمكن تشكيل الحكومة بدون مراضاة جماعة ما، دلالة على أهمية هذه الجماعة، ذلك أن بري لم يوافق على المشاركة كيفما اتفق بل خاص مفاوضات قال فيها أن المعادلة قد تغيرات وإن قوة الشيعة وعددهم يفرضان منحه وزارة لها وزن سياسي وقدرة على الإنفاق، فولدت وزارة الجنوب، وحصل بري على حق إضافة توقيعه على أذونات دفع مجلس الإنماء والإعمار.

وصلت شعبية أمل بعد الانتفاضة إلى مستويات غير مسبوقة لم تتكرر فيما بعد، ولكنها واجهت ضغوطات متشعبة من داخل الطائفة "المجلس الشيعي وحسين الحسيني والتنظيمات الشيعية المجهولة التي ظهرت بدعم من إيران، ومن قوى أخرى على الساحة كميليشيا الدروز والفلسطينيين والمرابطون وكانت مشكلة نبيه بري هي في كيفية توظيف الانتفاضة لصالح أمل إذ أن تراجع الدولة اللبنانية عن بيروت سمح بعودة الكثير من التنظيمات الأخرى.

وإذ أصبحت أمل مسؤولة عن أمن غرب العاصمة أفلت الأمر من يدها وعم الخطف وجرائم الاغتيال والنهب والاعتداء على الناس وانعدام الأمن بسرعة جنوبية وبشكل يومي فلام الرأي العام الميليشيا الشيعية على هذا الوضع، فوجدت امل دوراً مستجداً هو العمل على مساعدة الدولة في استعادة دورها وشرعيتها والدفع نحو  حل وطني للحرب وتمثيل الشيعة ضمن مشروع الشيعية السياسية.

ومن هنا بدأت أولاً حرب المخيمات ضد الفلسطينيين عام 1985 حيث دأب نبيه بري على التصريح بأن أمل تقدم التضحيات نيابة عن كل اللبنانيين، وسعت أمل إلى التفاوض مع القوات اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب اللبنانية.

 

حرب المخيمات

كانت المخيمات الفلسطينية التي بلغ عددها الـ 20 مخيماً منتشرة إلى جوار كافة المدن الرئيسية اللبنانية طرابلس وبيروت وصيدا وصور وبعلبك والنبطية، وشكل نشاطها العسكري والسياسي عبثاً على لبنان واستقراره وكيانه ومنذ 1970 اعتبرت قيادة منظمة التحرير والتنظيمات الفلسطينية أن لا شأن للدولة اللبنانية في أمور المخيمات وبالتالي تصرفت بمنطق سيادي على أجزاء من لبنان، وطبعاً لم ترض الدولة اللبنانية بهذا المنطق وحاولت فرض مهيبتها وسلطتها مراراً بدون نجاح، فرسمت المعارك والمواجهات العسكرية حدود العلاقة بين الفلسطينيين والجيش اللبناني.

بدأت تدمير المخيمات الفلسطينية في لبنان في أواسط السبعينيات إذ كانت فئات لبنانية عقدة لا سيما في صفوف الموارنة وأحزاب الكتائب والأحرار والفعاليات الداعمة للدولة اللبنانية، ترى في الوجود الفلسطيني تقويضاً للدولة اللبنانية، ترى في الوجود الفلسطيني للدولة اللبنانية التي تعبوا كثيراً في إقامتها وبناء اقتصادها، وكانت المواجهات تقع بين الميليشيات المسيحية والمقاومة الفلسطينية، وصولاً إلى العام 1976 عندما تمكنت الميليشيا المسيحية من إزالة المخيمات الفلسطينية شرق وشمال بيروت "راجع الفصل العاشر" ودفعت سكانها من فلسطينيين ومسلمين لبنانيين إلى غرب العاصمة، ولم تكن سورية بعيدة عن الحرب ضد الفلسطينيين في لبنان، فقد كانت دمشق طامعة بالسيطرة على ورقة القضية الفلسطينية وكان الشرخ بين رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات والرئيس السوري حافظ الأسد عميقاً إلى درجة الصعاب والتطورات المذهلة التي شهدها الشرق الأوسط الحروب مع إسرائيل لم تكن كافية لتقاربهما، حيث شارك الجيش السوري في معارك ضد الفلسطينيين في بيروت والجبل وصيدا عام 1976 وفي طرابلس عام 1983 ودعم أمل في حربها على المخيمات الفلسطينية في 1985 و 1986.

وكانت حرب أمل ضد الفلسطينيي قد بدأت عام 1985 بعد سلسلة مواجهات عسكرية خلال الأعوامل 1979 – 1984 تخللها مراحل هدنة، ثم قامت الحركة بتطويق مخيمات صبرا وشاتيلا وبرج البراجنة في بيروت وعين الحلوة والمية مية في صيدا ومخيكات البص والرشيدية قرب صور، بعد انسحاب إسرائيل عام 1985 من معظم الأراضي التي احتلتها اتسعت رقعة نفوذ أمل في الجنوب وفي بيروت وفي الضاحية الجنوبية وباتت المخيمات الفلسطينية تشكل عائقاً أمامها، فبدأت حرب المخيمات التي كانت من أسبابها أيضاً تنفيذ السياسة السورية، وسعي أمل إلى ضبط المخيمات باسم الشرعية اللبنانية، ما أكسبها تعاطفاً من القوى المعادية للفلسطينيين في لبنان وخاصة من القوات اللبنانية وأوساط الجيش اللبناني وقدمت سورية أسلحة ومعدات للحركة لخوض حرب المخيمات بما فيها 50 دبابة تـ 54 ما جعلها قوة ضاربة كما أن حرباً أخرى اشتعلت في نفس الفترة في بيروت الغربية بين أمل والاشتراكي من ناحية وميليشيا المرابطون التي ورقت أسلحة فلسطينية من ناحية ثانية، بدأت المعركة باقتحام ميليشيا الدروز معقل المرابطون الذين مثلوا القوة العسكرية السنية الوحيدة في بيروت بعد مغادرة الفلسطينيين في كورنيش المزرعة واحتلال إذاعة المرابطون، صوت لبنان العربي، ومسجد جمال عبد الناصر، ثم دخلت أمل المعركة ضد المرابطون حتى سيطرت مع الحزب التقدمي على مواقع المرابطون وأنهت نفوذهم.

وبعد أسبوع من بدء حرب المخيمات قال نبيه بري في مؤتمر صحافي: إن عودة الفوضى الفلسطينية إلى الجنوب ممنوعة،لا يحق لأحد بعد اليوم أن يحارب حتى آخر جنوبي، ومسألة العودة إلى ما قبل 1982 غير مطروحة بتاتاً[23]، ولكن حرب المخيمات انعكست سلباً على أمل إذ اعتبرها الرأي العام اللبناني والعربي حملة شيعية على الفلسطينيين السنة وضد قضية العرب المقدسة، كما أن المخيمات جاورت أحياء لبنانية سنية في غرب العاصمة حيث التواجد الشيعي طفيف فكان هناك تخوف وقلق من تعاظم قوة الشيعة في بيروت، خاصة بعد مهرجان حاشد في آب/ أغسطس 1984 في بيروت الغربية بمناسبة الذكرى السادسة لغياب الصدر، فجزع السنة والمراقبون من كثافة الحضور وبروز قوة الشيعة العسكرية، ولم يكن وارداً عند وليد جنبلاط أن يعادي الفلسطينيين بل سمح للتنظيمات الفلسطينية استعمال مناطق النفوذ الدرزي كمرابض مدفعية لإسناد المخيمات، وكان مقاتلو أمل في المخيمات صغار السن يفتقدون إلى التدريب فاستطاع الفلسطينيون حصاد مئات المهاجمين بأسلحتهم الفردية، وصد الفلسطينيون الهجمات المتكررة من أيار/ مايو 1985 وحتى صيف 1986 فلجأت أمل إلى دعم اللواء السادس في الجيش اللبناني، دون أن تحقق انتصارات حاسمة.

أسفرت حرب المخيمات عن مقتل 2500 شخص من الجانبين اللذين وحدهما حزام البؤس في يوم من الأيام قبل 1975 وذاقا مرارة العدوان الإسرائيلي معاً في الجنوب وانتهت هذه الحرب أيضاً دون أن تسقط المخيمات ولكن هذه كانت بداية النهاية لنفوذ أمل في بيروت والضاحية، ففي عام 1987 بلغ الغضب الشعبي في بيروت الغربية على أمل وكذلك ابتعادها عن وليد جنبلاط والقوى اليسارية والفلسطينيين، مبلغاً أدى إلى هجوم يساري- فلسطيني- سني منظم ضد مواقعها في بيروت كاد أن يتحول إلى مجزرة طائفية، عندما كان المهاجمون يصيحون أنهم يبحثون عن الشيعة لقتلهم ويطلقون شتائم مذهبية غير مسبوقة، ولكن عائلات بيروت السنية والزعامات السنية اعترضت بأن إنها أمل لا يجب أن يعني عودة ميليشيا الدروز والشيوعيين، ولذلك عادت القوات السورية في شباط / فبراير 1987 بعدما أبلغت دمشق جنبلاط وآخرين أن أمل خط أحمر وليس مقبولاً تصفيتها، فتراجعت أمل إلى الضاحية بعد تجربة في بيروت الغربية دامت 3 سنوات.

سمح المخاض العسير في أوائل الثمانينات لحركة أمل بتمثيل الشيعة في الدولة فكان نبيه بري طرفا في مؤتمري جنيف ولوزان وفي الاتفاق الثلاثي واتفاق الاطائف الذي زاد من حصة الشيعة وحسن موقع رئاسة لمجلس النواب.في أيلول/ سبتمبر 1992وأعيد انتخابه في 1996و2000 و 2005. وقاد كتلة نيابية من نوع أخر حل في وسط الشيعة منذ أوئل الثمانينات وصعد بعد ذلك ليكون أكثر وهجا وفعالية ونفوذا من أمل.

 

صعود حزب اللـه

اذا سعت أمل الى تمثيل شيعة لبنان كما مثلت الكتائي الموارنة والتقدمي الدروزٍفان حزب اللـه كان حالة خاصة مثلت الشيعة في لحظة انطوائهم السيكو لوجي الى ذاتية الجماعة الطائفية. لقد صدرت مراجع كثيرة عن حزب اللـه من كتب ودراسات بلغات مختلفة في لبنان وخارجه كما صدر بقلم نعيم قاسم نائب الأمين العام للحزب كتب عام 2002 بعنوان حزب اللـه المنهج التجربة المستقبل[24] وأخربالانكليزية بعنوان حزب اللـه القصة من الداخل، وفيما يعود قاسم بجذور حزب اللـه إلى الستينيات وإلى ضاحية بيروت الشرقية قبل تهجير الشيعة وإلى علماء درسوا في النجف، ثم يحدد أسماء ثلاثة هم النواة الأولى للعمل الإسلامي في صفوف شيعة لبنان، موسى الصدر ومحمد مهدي شمس الدين ومحمد حسين فضل اللـه[25] ومعلوم أن بين الثلاثة يمكن اعتبار فضل اللـه وحده قريباً من حزب اللـه نهجه وإن إلى حين كما سنرى، وأن حزب اللـه كما بات معروفاً لم يظهر قبل 1985 وأن العامل الإيراني لعب الدور الأكبر في ظهوره، فيما جذور هؤلاء العلماء كانت في النجف في العراق تساير أكثر مدرسة محمد باقر الصدر وليس ولاية الفقيه الخمينية.

الأمر الصحيح أيضاً أن حزب اللـه انطلق من رحم حركة أمل فأخذ الجانب الأكثر تديناً، كما كان مستشار موسى الصدر في أوائل السعينيات عسكرياً إيرانياً مقرباً من الإمام  الخميني يدعى مصطفى شمران "أصبح وزيراً للدفاع في الجمهورية الإسلامية الإيرانية فيما بعد وتعتبره حركة أمل شهيداً لها" فكانت بذور توجه لبناني وتوجه إيراني واضحة في حركة الصدر منذ أواسط السبعينيات، بل إن أمل كانت مأوى وحصناً لأوائل أصوليي الشيعة في السبعينيات في حالة ضعفهم الأولى، استعملوا لنشر أفكارهم وانفصلوا عنها عندما قويت شوكتهم عام 1982[26].

وفيما كانت أمل تمثل الاعتدال الشيعي الذي رغب في المشاركة في الدولة اللبنانية كانت فئة أخرى في صفوفها تريد أن تذهب أبعد من ذلك، فوسط مهجري النبعة في الضاحية الجنوبية، برز محمد حسين فضل اللـه كمرشد ديني، وهو من قرية عيناتا الجنةبيى ودرس في النجف في العراث حيث شارك محمد باقل الصدر في تأسيس حزب الدعوة إلى إقامة الجمهورية الإسلامية، فكان طرح فضل اللـه أكثر دينية من موسى الصدر وحركته "وإن بدا في التسعينيات وما بعد يحاكي منطق الصدر في الحوار والاعتدال" وتشكلت عدة منظمات أصولية شيعية في لبنان كانت على طريق نقيض مع أمل ونظرتها إلى الواقع اللبناني برمته.

ويذكر نعيم قاسم أن جماعات إسلامية قد التقت عام 1982 وناقشت عملها في لبنان ولخصت رؤيتها في وثيقة ثم اختارت لجنة تقودها، فتمثل علماء البقاع بثلاثة أشخاص والمنظمات الإسلامية المختلفة بثلاثة أمل الإسلامية بثلاثة وعرفت وثيقتهم بإعلان التسعة التي قدمت إلى الإمام الخميني فصادق عليها ومنح لجنتها وكالة ولاية الفقيه في لبنان، ثم التحقت عدة تنظيمات وجمعيات وهيئات بهذه النواة التي أصبحت "حزب اللـه" فيما بعد[27]، وجلت هذه النواة تطور العمل التنظيمي والتعبئة الشعبية فيما أرسلت إيران الحرس الثوري بسدران الذي اهتم بشؤون التدريب، ثم كان هناك نقاش إذا ما كان اسم التنظيم الجديد حزب اللـه أم أمة حزب اللـه ليبدأ بعدها تطبيق خطة تعبئة عامة يتبين من دقتها وتفاصيلها ملامح دولة في طور التكوين وهذه خلاصة التعبئة كما وصفها نعيم قاسم[28]:

ـ تعبئة عضوية الحزب من الذين يعتنقون مبادئه وأهدافه بكاملها.

ـ تعبئة أنصار الحزب.

ـ تعبئة شاملة في القرى والمدن تشمل كل الراغبين في الانضمام للحزب أو مناصرته ودعم الحالة الإسلامية التي يمثلها.

ـ تأسيس جمعيات نسائية وتوزيع المهام على المساجد والأحياء بهدف التعبئة الثقافية والاجتماعية لتأمين المشاركة في نشاطات الحزب وتلبية ندائه العام.

ـ تعبئة الشباب والأحداق وتأسيس كشاف المهدي، لتتم المشاركة بشكل عام بنشاطات الحزب ضمن الاهتمام بمسائل الشباب.

ـ تأسيس منظمات مستقلة في الحقوق التربوية والثقافية والصحية والإعلام والزراعة والبناء وفي حقول أخرى تذعن لأهداف الحزب العامة.

ـ تعبئة ثقافية موجهة نحو الطلاب في المدارس الثانوية والجامعات ونحو الهيئة التعليمية وتنظيم نشاطات تناسب القطاع التربوي.

ـ المشاركة في تأسيس جمعيات وحلقات مهنية ونقابية ومتخصصة عبر مشاركة حزبية مباشرة.

ـ تنسيق مستمر بين الحزب وعلماء الدين والمنظمات المختلفة ما يتناسب مع أهداف الحزب.

ـ تعبئة كل هؤلاء الذين يشاركون في المهرجانات الخطابية والنشاطات التي يقوم بها حزب اللـه والذين يعتبرون مناصرين للحزب.

ـ البحث عن وسائل جديدة ومبتكرة لمزيد من التعبئة الشعبية والنخبوية.

اختار الحزب في مرحلته السرية قيادة جماعية هي لجنة التسعة، أسماها مجلس الشورى، فلم يبرز هؤلاء الأشخاص إلى العلن، ثم اختير عضو من هذا المجلس هو إبراهيم الأمين السيد عام 1985 كمتطق باسم الحزب، ثم أختير الشيخ صبحي الطفيلي كأمين عام في 11 تشرين الأول 1989 بعد شهرين من اتفاق الطائف، ومع الوقت تعمقت الهيكلية التنظيمية لحزب اللـه فتأسست خمسة مجالس هي مجلس الجهاد "المقاومة والمجلس السياسي والمجلس التنفيذي والمجلس النيابي "كتلة الوفاء للمقاومة في البرلمان اللبناني" والمجلس القضائي، وكل من هذه المجالس عضو من أعضاء مجلس الشورى السبعة.

انطوت سلطة الضاحية وسلطانها في بداية الثمانينيات إذن على شيعة يريدون أن يكونوا شيعة فحسب أي ليسوا يساريين ولا علمانيين، فيما بات من يملك درجة الصفاء المذهبي الأعلى هو الأوفر حظاً في جلب الدعم الإقليمي، خاصة من قادة ثورة إيران الإسلامية[29]، وعدا رواية نعيم قاسم التي تعبر عن الجانب الرسمي، وإن لم تصدر كمنشور حزبي، تبدأ رواية حزب اللـه غير الرسمية يدعى عماد مغنية تعود عائلته إلى قرية طيردبا في قضاء صور، وهو من مواليد تموز/ يوليو 1962 في النبعة التي هجر أهلها في حزب السنتين، وإذ انتقلت الأسرة إلى الضاحية الجنوبية، التحق مغنية بحركة فتح الفلسطينية التي تولت تدريبه حتى أصبح عضواً في القوة 17 الأمنية التابعة لـفتح، كما توجه إلى قم بعد ثورة الخميني فتابع في حوزتها بعض الدروس الدينية، وعام 1981 التقى مغنية بسفير إيران في دمشق علي أكبر محتشمي وترتب عن هذا اللقاء بعد تأسيس منظمة في لبنان تحاكي تنظيم حزب اللـه الإيراني[30]، وكان بين أوائل المعنيين بالمشروع الجديد مصطفى بدر الدين صهر مغنية "الذي سبق أن اعتقل في الكويت بتهمة المشاركة في محاولة اغتيال أميرها" وإبراهيم عقيل "اتهم لاحقاً عن حركة أمل ليؤسس أمل الإسلامية" وعباس الموسوي، وهو شيخ معمم أصبح أميناً عاماً لحزب اللـه عام 1991 واغتالته إسرائيل بعد تسعة أشهر في جنوب لبنان.

لم تكن أمل الطرف اللبناني الصالح لاستيراد الثورة الإيرانية رغم أنها ابتهجت بانتصار الخميني وفعل ذلك اليسار أيضاً لما للشاه من سجل أسود لدى موسكو ودول المنظومة الاشتراكية في ذلك الوقت، كما خاضت أمل اشتباكات ضد البعث العراقي ومن حالفه من تنظيمات فلسطينية ما يرضي طهران أثناء مواجهتها عراق صدام حسين[31]، لكن أمل كانت توظيف علاقاتها بإيران بما يخدم مصالحها المحلية وهذا ما اكتشفه الإسرائيليون والسوريون أيضاً في أمراء الحرب الآخرين في لبنان، وهكذا عندما التقى محتشمي ومغنية كانت أمل على خط صدامي مع إيران بدأ عندما دعت سفارة إيران في بيروت إلى مهرجان خطابي في الذكرى الثانية لثورة الخميني في حسينية البر والرشاد، في المصيطبة في بيروت الغربية، فأحبطه عناصر أمل، وتواصل الخط الصدامي عندما وافق نبيه بري على تمثيل الشيعة في هيئة الإنقاذ الوطني برئاسة الياس سركيس في حزيران/ يونيو 1982 واحتجاجاً على هذه السياسة اللبنانية غادر حسين الموسوي الحركة ومعه إبراهيم الأمين السيد وحسين خليل وعلي عمار وحسن نصر اللـه، وهم من الذين كانوا أكثر عناصر أمل تشدداً في مقاتلة البعث العراقي وأشدهم تعاطفاً مع الفلسطينيين، وكانوا أوثق صلة بإيران، وفيهم من تردد عليها مرة أو أكثر، وكان إبراهيم أمين السيد مندوباً لأمل في طهران في ذلك الوقت حيث عقد مؤتمراً صحافياً في 21 حزيران/ يونيو معلناً انفصاله عن الحركة داعياً الأخوة إلى أن يحذوا حذوه[32].

لم تكن حركة حسين الموسوي وآخرين في فراغ، إذا إضافة إلى أمل الإسلامية ظهرت في الفترة التي تلت الغزو الإسرائيلي تنظيمات إسلامية شيعية اتخذت تسميات مختلفة، كمنظمة الجهاد الإسلامي ومن أعضائعل عماد مغنية، ومنظمة المستضعفين في الأرض، والمقاومة المؤمنة مصطفى ديراني المنشق أيضاً عن أمل وقيل إن نشاطه اقترن بخطف الأجانب، خطفته إسرائيل عام 1994 وأطلقته عام 2004 وهي منظمات تلقت الدعم اللوجستي والمادي من إيران، ولم تكن هذه التنظيمات التي كانت مجهولة القيادة وبدون تواجد معروف تسعى إلى الحصول على شطر أكبر من قالب الحلوى اللبناني، بل كانت تطمح إلى جمهورية إسلامية، في لبنان على النمط الإيراني.

وكان أبرز هذه التنظينات المجهولة القيادة الجهاد الإسلامي التي تبنت في 18 نيسان/ إبريل 1983 عملية متدمير السفارة الأمريكية في حي عين المريسة غرب بيروت، حيث سقط سبعون قتيلاً، وعمليتين آخرتين حصلتا في تشرين الأول/ أكتوبر 1983 ضد مقر المارينز على طريق المطار حيث سقط 241 جندياً أمريكياً وضد مقر المظليين الفرنسيين قريباً من منطقة الكولا قتل فيها 58 مظلياً، وكانت فرنسا آنذاك هدف الإرهاب الإيراني بسبب تسليحها العراق ووقوفها معه في حرب الخليج، فيما أصبحت الولايات المتحدة الشيطان الأكبر في القاموس الخميني، وفي نفس الفترة خطفت الجهاد الإسلامي وجهات حملت أسماء الجهاد الإسلامي لتحرير فلسطين ومنظمة العدالة الثورية والمنظمة الثورية وخلايا الكوماندوس الثورية، أكثر من ثمانين مواطناً عربياً في بيروت ما بين 1984 و1989 وشاعت فوضى الخطف وسوق الرهائن ومزايدات ومبادلات استفادت منها دول وجدت لنفسها موقع قدم تؤثر من خلاله في أحداث الشرق الأوسط إذ لم يتبن حزب اللـه أيا من هذه العمليات، إلا أنه كان يمسك بأمن الضاحية شريكاً لأمل ثم وحيداً بلا شريك بعد 1987، فلم يفعل ما يردع أعمال الخطف والعنف، خاصة أن رهائن طائرة مدنية أمريكية جرى نقلهم إلى الضاحية لاستكمال المفاوضات، وكان يتكرر السيناريو التالي: فالمخطوف الغربي الذي كان يتم تحريره كان يبادر إلى شكر دمشق، فيما يكون الاستشهادي في المقاومة يهدي عبر تسجيل مصور حياته وموته للحكام السوريين والإيرانيين[33].

كانت التقارير تربط هذه النشاطات باسم عماد مغنية وآخرين، في فترة كان حزب اللـه في طور التأسيس وكان المكتب الثاني في الجيش اللبناني يراقب مغنية الذي حمل، بحسب عدة مصادر جواز سفر إيرانياً، وبجلاء قوات منظمة التحرير عن بيروت، انضم مغنية إلى جهاز حراسة السيد محمد حسين فضل اللـه، وكان يومها المرجع العلمائي للحالة الإسلامية التييمثلها حزب اللـه حتى أن المخابرات الأمريكية مولت جهة لبنانية لزرع متفجرات لاغتيال فضل اللـه في حي بئر العبد في الضاحية أسفرت عن مقتل ثمانين شخصاً وجرح 256 آخرين، في آذار/ مارس 1985[34].

ويقال إن مغنية أحد اثنين أطلقا النار على السفير الفرنسي في بيروت لوي دولامار، وأردياه، وأنه وراء تفجير السفارة الأمريكية في 1983 ونسف السفارتين الأمريكية والفرنسية في الكويت بمساندة من حزب الدعوة وخطف طائرة كويتية في 1984 قتل أمريكيان أثناءها قبل أن تحط في طهران، كذلك نسب إليه أنه خطف بمساندةة الأخوين عبد الهادي وعباس حمادي خمسين رهيناً أجنبياً، ويقول حازم صاغية إن مغنية يعيش اليوم حياة من التخفي مثل رفيقيه حسن عز الدين وعلي عطوي المتهمين بخطف طائرة تي دبليو أي في 14 حزيران/ يونيو 1985 في مطار بيروت للمطالبة بإطلاق 700 لبناني احتجزتهم إسرائيل[35].

لكن ثمة من يجزم بأنه ليس سوى الاسم السابق في مجلس الشورى أي القيادة السياسية لحزب اللـه المؤلفة من سبعة أعضاء[36]، وفي الحال أن حزب اللـه نفى مراراً أن يكون مغنية من أعضائه، كما طالبت به واشنطن مراراً وآخر طلب جاء على لسان وزيرة الخارجية كونداليزا رايس إلى رئيس الوزراء فؤاد السنيورة في شباط/ فبراير 2006.

وفيما غابت تسميات التنظيمات المتعددة وذات في حزب اللـه حافظ الحزب على الشعارات الإسلامية المتشددة لسنوات عدة، ولم يعلن عن تأسيسه الرسمي حتى شباط/ فبراير 1985 عندما أذاع إبراهيم أمين السيد الرسالة المفتوحة إلى العالم حاملة الخطوط العامة لتوجهات حزب اللـه وقد اختار حزب اللـه اسمه من آية على الولاية والولاء: ومن يتول اللـه ورسوله والذين آمنوا فإن حزب اللـه هم الغالبون[37]، وإذ تململ الرأي العام اللبناني من جهز التنظيم الجديد بالتبعية والولاء للخميني وإيران تخوف عدد أكبر من أن جماعة مسلحة، يفجر أفرادها أنفسهم في عمليات استشهادية، تنوي إقامة جمهورية إسلامية في لبنان، فما بين صدامات مع الشيوعيين في بيروت وآخرى مع الحزب القومي في مشغرة التي هجر الكثير من أهلها المسيحيين، توسع حزب اللـه بمحاربة يساري الشيعة وتشتيت البنى الحزبية التي جمعت شيعة إلى أبناء مذاهب أخرى، وعلى امتداد النصف الثاني من الثمانينيات مارس حزب اللـه كما مارست أمل حرب اغتيالات متواصلة في بيروت والجنوب طالت بصورة خاصة الشيوعيين، كوادر ومثقفين "المفكر الثمانيني حسين مروة ومهدي عامل على سبيل المثال، حتى أخلى الحزب الشيوعي بيروت تاركاً لواء اليسار لوليد جنبلاط" وبدأ احتكار أمل وحزب اللـه للعمل المقاوم وهو على أهميته الاستراتيجة لا ينبغي تركه لأطراف مزغولة، سيطرة طهران ودمشق عليها ناقصة مطعون فيها، وبأكلاف دموية ضخمة نسبياً تم تأميم المقاومة وإخراج الآخرين كلهم منها[38].

لقد أحبط برنامج الشيعة السياسية الذي تمننه أمل بعد انصرافها إلى التحدي الأكبر وهو مواجهة الصعود الداراماتيكي لحزب اللـه في الأوساط الشيعية الذي كان أكثر إسلامية منها وأكثر عداء للغرب والولايات المتحدة وإسرائيل رغم شعار الصدر بأن إسرائيل شر مطلق، حزب تدعمه إلى أقصى الحدود إيران الإسلامية، فعيب على أمل قبولها التعاون مع النظام الكتائبي الذي أقامه الرئيس أمين الجميل وعدم سعيها إلى قيام جمهورية إسلامية، وظهرت العمليات الجريئة التي شنتها الجماعات الأصولية في الفترة 1982- 1985 لتضع أمام الرأي العام صورة ضعيفة لأمل بأنها لم تعتنق مبدأ الجهاد ضد الاحتلال بل كانت بطيئة في ذلك، ووقعت محاولات تشهيير ضد بري أنه يمتلك كارتاً أخضر أمريكياً ومحطات بنزين في ديترويت كان المعجبون بالنموذج الإيراني يزدادون عدداً وقوة، ساهم في ذلك القبضة الحديدية التي قادها اسحق رابين، وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك ضد القرى الجنوبية في الفترة 1986- 1985 وشكلت القبضة الحديدية جزءاً من السياسة الإسرائيلية الخرقاء التي نعاملت بخفة وجهل مع الوضع اللبناني المتفجر ورماله المتحركة منها حصار قرية الزرارية وقتل 40 من أبنائها.

واختلف حزب اللـه عن أمل في أن قيادته ضمت رجال دين، واستند إلى عقيدة جهادية قادت أعضاءه نحو نموذج متطرف، كما كان عناصر حزب اللـه يتلقون تدريباً أكثر احترافاً من عناصر أمل ورواتب أعلى بكثير، وسمح التمويل الإيراني لحزب اللـه ببناء مؤسسات اجتماعية وتربوية وتنظيمية وكشفية وإعلامية واقتصادية، كما في خطة التعبئة التي ذكرها نعيم قاسم، وظهرت أيضاً المدارس والمستوصفات وحوزات التثقيف الديني ودور الأيتام، وجذبت عقيدة الآلاف من الشباب خاصة في ظروف اجتماعية صعبة حيث كان الجنوب ولبنان عامة يرزح تحت آثار كوارثية جراء الغزو الإسرائيلي وتهجير مئات الألوف، وحياة الفقر والحرمان وافتقاد أدنى خدمات الدولة الاجتماعية، وإذ افتقرت إلى المال والخبرة لتقديم مثل هذه الخدمات وإقامة هذا النوع والعدد من المؤسسات، زاد حزب اللـه من مكانته بأنه تمتع بدعم علمائي ما زاد من تعرية أمل دينياً أمام جمهور الشيعة.

لقد أدت تراكمات أخطاء أمل خدمة لحزب اللـه ففضلاً عن سلوكها الميليشياوي المنفر، أطلقت مشروع صعود شيعية سياسية عام 1980في لبنان ما لبثت أن عجزت عن استكماله بعد خمس سنوات، وأفضى دورها الاساسي في انتفاضة 6 شباط إلى توسيع الفراغ الأمني والخدمي الذي تملأه الدولة في بيروت، وفيما انفض الإجماع الشيعي عن أمل أصبح حزب اللـه وهو الطرف الأشد ابتعاداً عن الدولة اللبنانية والأكثر قطعاً معها، الأقرب إلى قلوب الشيعة، وجاء انسحاب إسرائيل عام 1985 إلى الشريط الحدودي ليجعل الصراع مفتوحاً بين أمل وحزب اللـه في المناطق المحررة، ففيما كانت جذور أمل هي خط موسى الصدر وسعيه لتطوير الدولة اللبنانية كان حزب اللـه يستلهم شعارات وبمادئ الثورة الإيرانية وفلسفة ولاية الفقيه التي أطلقها الإمام الخميني، ويشدد على الاستشهاد المقترن بالحس الديني ضد الاحتلال الإسرائيلي، فقام بسلسلة عمليات ناجحة لاقت استحسان الشباب وجذبت المزيد من المنتسبين إلى صفوفه، وأثناء حرب المخيمات عامي 1985 و 1986 تشارك حزب اللـه وأمل السيطرة على الضاحية الجنوبية وعندما احتلت أمل خطوط التماس مع مخيم برج البراجنة الفلسطيني تمددت أيضاً باتجاه حي برج البراجنة حيث تقطن عائلات الضاحية اللبنانية الأصلية، ولم يحل التعاطف الشيعي العام مع أمل في مواجهتها الفلسطينيين دون التعبير عن استياء تلك العائلات من عناصر أمل.

ذلك أن أمل استندت في قاعدتها إلى وافدين جنوبيين وبقاعيين واستفزت الأهالي الأصليين في تجاوزاتها المتمادية على حياتهم وأنماط عيشتهم فبدت لهؤلاء التضحية بأمل سهلة لأن حزب اللـه كبديل كان أكثر شيعية وإيماناً، وإن طاول نفوذه نمط حياتهم ومجتمعهم أيضاً إلا أنه لم ينطو على تجاوزات الميليشيا، هكذا شرعت عائلات الضاحية الأصلية تتجه إلى الحزب كقوة في وجه أمل[39]، في تلك الفترة دعمت سورية الاعتدال الشيعي الذي مثلته أمل في حين دعمت إيران التشدد ومولت حزب اللـه رغم التحالف المعلن بين دمشق وطهران ضد نظام صدام حسين في العراق.

استمرت حرب الشيعة سنتين ونصف السنة وهي حرب تكاد تفاصيلها وظروفها تختفي تقريباً في رواية نعيم وقاسم، وكانت معركة ضاحية بيروت في خريف 1987 وشتاء 1988 دامية عرضها التلفزيون اللبناني جنباً إلى جنب مع معارك نفوذ الكانتون المسيحي شرق العاصمة، وإذ تدخلت سورية على خط الوساطة وزار رجلها في لبنان، غازي كنعان منزل فضل اللـه نصب له حزب اللـه كميناً نجا منه، كانت فترة تضاربت فيها مصالح إبران مع دمشق، وكان من أبرز أعمال الجيش السوري لدى عودته إلى بيروت عام 1984 هو إزالة أي وجود لحزب اللـه هناك وإغارته على مركز عسكري للحزب ثكنة فتح اللـه وقتله لـ 20 عنصراً وبالنتيجة أدت حرب الشيعة إلى سيطرة حزب اللـه المدعوم من السكان المحليين، سيطرة تامة على الضاخية على أجزاء هامة من جنوب لبنان والبقاع، فسقط مقر أمل في الضاحية والتحق المئات من عناصرها بحزب اللـه أما في منطقة النبطية وإقليم التفاح فقد دارت معارك عنيفة بين الطرفين وسقط مئات القتلى ودخلت الحرب قرى لم تشهدها سابقاً مثل جباع وحبوش وعرب صاليم وتهجر السكان المدنيون إلا أن الأمر اختلف جنوباً، إذ أن تلك المناطق كانت المعقل الحقيقي لأمل ففيما كانت المواجهات العسكرية والأجواء المحقونة متواصلة في قرى وبلدات الجنوب حصلت معركة عند حاجز أمل في قرية حاروف في 5 نيسان/ إبريل 1988 امتدت سريعاً إلى النبطية والغازية وتم تجريد عدد كبير من عناصر الحزب سلاحهم في حين كان نبيه بري يستنكر الغزو الإيراني للبنان واعداً أن اللغة الفارسية لن تحل مكان العربية في الجنوب، وخلال هذه الفترة اغتيل أيضاً عدد من قياديي أمل في حين اعتبرت قيادة حزب اللـه أن معركة الضاحية اشتعلت في 6 ايار/ مايو 1988 هي صراع البقاء، وحقق تفوقاً ميدانياً على أمل ثم واصل مطارته لليساريين[40].

وعادت حرب الشيعة للاشتعال جنوباً عندما أراد الجنوب مأن تمد من مواقعه في إقليم التفاح من اللويزة وجبل صافي، ولكنه لم يحقق اختراقات هامة خلال أربعة أسابيع من المعارك مع أمل حتى تم التوصل إلى وقف لإطلاق النار في شباط/ فبراير 1989 ولم يطل الأمر حتى انفجرت حرب إقليم التفاح مجدداً في تموز/ يوليو 1990 واستمرت مائة يوم، وحصلت تدخلات إقليمية بين الطرفين قامت بها إيران وسورية فتوصل نبيه بري وصبحي الطفيلي إلى اتفاق في 9 تشرين الثاني/ نوفمبر 1990، ما سمح بدخول الجيش اللبناني إلى إقليم التفاح في شباط/ فبراير 1991.

 

دولة حزب اللـه

أدوار حزب اللـه المتعددة في دولة ضمن دولة كانت ممكنة في نهاية الثمانينات وأوائل التسعينيات حيث كانت ثمة ماستعاضة عن دولة لبنانية شبه غائبة تركت له شطراً من الإعالة والتنمية مثلما تركت له، كمقاومة الحدود اللبنانية، لقد جثمت على الضاحية الجنوبية منذ 1987 كما في أماكن أخرى من لبنان، دولة حزب اللـه بخطابه الأمني والتزمت فيما انفتح الباب واسعاً لاستيراد كل ما هو إيراني من رموز وطقوس وصور وأفكار، وكان المطلوب دائماً اجتثاث كل ما يذكر بعيش لبناني مشترك وتقاليد سياسية، وتعاظم الفرق بين مراسم عاشوراء التقليدية في بيروت الغربية، لاسيما في المدرسة العاملية كمؤسسة تقليدية لشيعة بيروت، وبينمها في الضاحية حيث تغلغلت الطرق الإيرانية، واللطم والموت والشهادة تحتل فيها موقعا رئيسيا. ولعب حزب اللـه دورا خدماتيا في مناطق سيطرته العسكرية وهو يستعمل كلمة ماوتسي تونغ المشهورة في السمكة الحزب أو الطليعة أو الدعاة التي تسبح في الماء الجماهير أو الجمهور أو الأمة فهو يقول ما يشبهها حين يطلب الى مستمعيه اتخاذ الشعب بكل قواه قاعدة رصينية يركنون اليها من أجل تشكيل حطومة اسلامية... وكان سبيل لجان الامام في الانتفاضة الايرانية هو عينه سبيل الدولة النقيض التي عرف بها لنين الحزب الشيوعي في كتاب الدولة والثورة[41].

نظر حزب اللـه الى احتياجات السكان بجدية وبادلوه الولاء. ولم يمارس سلطة قمع ميليشاوي كغيره بل وزع عناصره على مداخل الأحياء التي يقطنها قادته وكوادره في مربعات أمنية وأوكل أمن الأحياء الداخلية لأفراد من عائلات منضوية فيه حيث تحولت كل واحدة منها أمنية هذا الدمج العائلي منح القمع ردء أهليا ليصبح كل مواطن خفيرا في دولة حزب اللـه ونجح الحزب في ضبط الأمن تعديات وانتهاكات وسرقات كما تجنب في الضاحية أخطاء سنواته الأولى في البقاع حيث رشت فتيات لم يتقيدن بالزي الاسلامي بالأسيد[42] لكن مجتمع حزب اللـه المضاد والغاضب في لبنان مضى بلا هوادة في تنقية مناطق نفوذه لاسيما مايتصل بلأساسيات فتعددت التنقية سلوك الحزبين الى سيرة وسلوك المجتمع عائلات وأفراداوصلا الى اعلانات الشوراع مثلا والرقابة على مايشاهده الناس من برنامج الدش الفضائي قرصنة برامج الدش الفضائي منتشرة في لبنان بمبلغ شهري زهيد ولكناختيار المحطات يخضع في معظم الأحيان لتوجه الموزع الذي يتحكم بجهاز توزيع من منزله أو دكانه، كما أن ثمتى اعلانات كبيرة تنتشر في ثائر المناطق اللبنانية ولا يأزن لها الانتشار في الضاحية. فتروج شركات اعلانية هناك ملصقات تغاير التي في مناطق أخرى[43].

 وأصبحت ازاعات النور والبشائر والبصائر والايمان وقبلها ازاعة المصضعفين تتولى نشر الفتاوى في خصومات شخصية تجارية ومنازعات عائلية يصل بعضها الى مسائل حميمة وجنسية داخل الأسرة وحرم بيع الخمور فيما بقية الأعراس ممنوعة حتى أوئل التسعينيات فباتت مناطق نفوذ دولة حزب اللـه تحكمها بمتياز ثقافة الموت والشهادة وأجواء تلفزيون المنار مايساهم بخلق نفسية مجتمع محاصر في حالة استفار دائم.

وهناك حرص شديد في الدعاوة الخمينية أن تتصل جميع النشاطات العامة بمأتم أو تأبين، فالاحتفال الأبلغ والأعمث عمقاً والأقوى تعبئة واستنهاضاً، هو الاحتفال بدفن الشهيد مأو بذكرى أسبوعه، أو بالذكرى السنوية لشهادته ولا يغفل أصحاب الشأن أبداً عن مثل هذه الاحتفالات التي تمد القول والخطبة بمادة المصائب التي حض صاحب الحكومة الإسلامية على التوسل بها والكلام عليها، من غير كلل ولا ملل[44].

وقد درجت صحيفة العهد منذ صدورها أواسط الثمانينات على زيارة بيوت أهالي الشهداء وكتابة سيرهم، كذلك عمل بدأت على ربط السير تلك بتجارب الأئمة من أهل البيت، وتقديمها موصولة بالموت والموتى وأنشأت كذلك مؤسسة الشهيد فتكفلت رعاية عائلات الشهداء، ويرى حازم صاغية أن من خلال شهادة الدم كما تراها ثقافة الحزب تتجدد الرابطة القرابية انطلاقاً من وحدة عائلية يلعب فيها كل فرد دوره المرسوم: فالأم تقيم على الظن أن ابنها غائب إلى أن يتولى الأخوة زف البشارة إليها باستشهاده، عندها يتوافد الأهل والأقارب والجيران للتهنئة.

فحين يصل الجثمان، كما يمضي السيناريو المتكرر، تجرى طقوس الغسل في الحسينية وسط تراتب قرابي يتصدره تمثيل العائلة الكبرى التي هي الحزب وثمة دائماً من يرسل تحياته إلى من سبقوه في الشهادة، فيما يتولى الإعلام الحزبي مقابلة أفراد الأسر فتتحدث الزوجة أو الأبناء عن العريس، ليصبح عالم حزب اللـه عالم قوامه الصفاء والمضادة والقيم الموغلة في العداء للحياة والحرية، أما مشروعه فزبدته إحلال الطائفة، في تأويل لها عامي، في موقع الصداءة والحاكمية، وهو مشروع استثمرت إيران فيه، لكن الإيرانية باتت جزءاً لا يتجزأ منه بسبب أخذه المتعصب بولاية الفقيه، هذا هو الأصل فيما المقاومة وسيلته المتاحة لخدمة الأصل ذاك[45]، فهي دولة إذن تجرد الإنسان من كل رابطة غير رابطة الإسلام، وتضيف كل رابطة غيرها إلى أمريكا[46] ليصبح أي قول أو رأي أو عمل غير قول حزب اللـه عة أمريكياً وبالتالي صهيونياً مشبوهاً.

حافظ حزب اللـه على مظهره الديني ضمن النهج الإيراني لولاية الفقيه وشعار العفة والاستقامة، وقبل دخوله السلطة في وزارة فؤاد السنيورة عام 2005 برز حزب اللـه زاهداً بالسلطة وتقاليد المحاصصة والفساد المتفشي في الدولة، فبدا على قطيعة مع عالم تخلله الفساد ولكنه شارك في التركيبة عبر الانتخابات النيابية والبلدية أولاً ثم عبر الوزارة ولم يحمل لواء إصلاح الدولة بشكل جدي فلم يكن ثمة أطروحات جدية حول النظام الاقتصادي ولا مشاركة في شؤون وشجون الطبقة العاملة في لبنان، وإذ عقد مركزه الاستشاري للدراسات والتوثيق مؤتمراً إقتصادياً عام [47]1999، افتتحه رئيس الوزراء آنذاك سليم الحص، وضم نخبة من أصحاب الخبرة الاقتصادية ككمال حمدان والياس سابا ومروان اسكندر وإيلي يشوعي وبطرس لبكي وناصر السعيدي وسمير المقدسي، إلا أنه كان حدثاً منعزلاً لا يشكل رؤية اقتصادية مغايرة للحزب ونظرته إلى نظام لبنان، فيما يعجز أنصح الناس فيه عن توصيف أي مشروع أوبرنامج اقتصادي، كما أن زهد حزب اللـه السابق بالحكم لم يمنعه عن خلق دولة بديلة في مناطق الشيعة مستبدلاً بمال الفساد أموالاً إيرانية ومصادر داخل أخرى.

وأديرت مؤسسات الحزب التي بها يخترق الصلب الاجتماعي بكفاءة ملحوظة فإلى مؤسسة الشهيد، أنشئت الهيئة الصحية وتلك التربوية والزراعية فضلاً عن مؤسسة جهاد البناء وقدر عام 1999 إن 1300 شخص من أبناء الشهداء والأسرى استفادوا من تقديماتها حيث وفرت ضمانات دراسية وصحية بقيمة 1650 دولاراً للفرد واستفاد من مساعدات الحزب 16700 طالب كما قدمت منح مالية لـ 6355 طالباً[48]، وضمت الهيئة الصحية خمسة مستشفيات بمئات الأسرة تقل أسعارها بنسبة الثلث عن مثيلاتها في المستشفيات التجارية الأخرى، وعلى 32 مستوصفاً وعيادة ومدرستين للتمريض، لقد عالجت مراكز استشفاء الحزب أكثر من 111 ألف مريض بين 2001 و 2004 ووزعت أدوية وخدمات طبية على 88 مدرسة مع حملات تلقيح متواصلة وحملات ضد التدخين وحملات للوقاية من الأمراض إضافة إلى الدفاع المدني والإسعاف الأولي.

وشملت المؤسسات التربوية 12 مدرسة غير مجانية يتبع بعض مدرسيها دورات تأهيل يقاوم بعضها بالتنسيق مع المراكز الثقافية الفرنسية، ووصل نفوذ  الحزب التربوي أن أكثر من ثلاثة أرباع تلامذة المدارس في الضاحية يدرسوم في مدارس الحزب، فإلى مدارس المهدي هناك مدارس الهادي وخديجة الكبرى ومدارس المصطفى ذات الأقساط الأعلى.

وهناك أيضاً المنح الكثيرة التي يقدمها الحزب لطلاب لا يدرسون فحسب في مدارسه بل في مدارس وجامعات خاصة أخرى، وأما المستشفيات بما فيها أكبرها الرسول الأعظم في الضاحية فتطبب المحازبين مجاناً فيما تعمل العلاقات القرابية على توسيع شبكة المستفيدين منها، خصوصاً أن مرضى هذه المستشفيات، وعلى عكس كمثيلاتها التجارية، لا تتقاضى أكلاف خدماتها مقدماً، أما جهاد البناء التي نشأت لدعم صمود المدنيين عبر إصلاح الأضرار الناجمة عن الاعتداءات الإسرائيلية فرممت وعمرت أكثر من 18 ألف منزل وبناء تجاري في أنحاء لبنان، وكان عملها عادة يبدأ في اليوم التالي لأي قصف إسرائيلي.

ثم أضافت إلى نشاطها الأصلي أنشطة بنائية وتلزيمية أخرى كمعالجة آثار الفيضانات في البقاع وفي الفترة  1988 – 1991 قامت مؤسسات الحزب على نفقتها بإزالة النفايات في الضاحية التي قطنها نصف مليون مواطن، فكانت تنقل 65 طناً من النفايات يومياً وبنت 110 خزانات مياه توزع 300 ألف لتر ماء لـ 15 ألف عائلة لا تصلها مياه الشفة في الضاحية وبدورها شملت المؤسسات الزراعية مركزين للتأهيل بهدف خفض كلفة الإنتاج، ومن خلالها قدم الحزب قروضاً يصل واحدها إلى ثلاثة آلاف دولار بفوائد مخفضة لنحو ألف مزارع صغير، وفي تقديرات إجمالية أن اللبنانيين الذين يستفيدون من مؤسسات الحزب بلغوا 10 بالمائة من سكان لبنان[49].

وإلى المؤسسات كان طغيان الديني والمذهبي على الاجتماعي والمدني والسياسي، بارزاً في دولة حزب اللـه فهناك تكثيف غير عادي وغير مسبوق للشعائر بذريعة التعبد والتهجد، إلى إشهار وجود الجماعة لأفرادها تكراراً وتوكيد انتمائهم إليها، من دون تقطع في إناء الليل وأطراف النهار، وينتهي هذا التكثيف في حالات كثيرة إلى إنشاء دوامة مترابطة الحلقات من الأصوات المرتلة أو الملحنة، ومن الحركات والسكنات ومن الأشكال والألوان، يدوخ فيها العباد، زرافات ووحداناً، على رجاء أقصى هو أن لا يبقى فيهم وحدان، وأن يستحيلوا إلى خلايا متماثلة في جسد الجماعة الواحد، وقد أسعف التطور الفادح لمضخات الصوت ومكبراته سنة بعد سنة، وأسعف الاستكثار من دور العبادة، على أراضي الوقف أو على أملاك الدولة والغير، سواء بسواء، وأسعف أيضاً تيسر نسخ الأصوات والخطوط والصور ونشرها، بفعل ما ابتدعته الفنون الغربية في هذه المضامير، وأسعف تخاذل الدولة والقانون حيال كل من زعم لنفسه نسباً دينياً، وتجرؤ من شاء بالتالي، على اقتحام الشوارع والبيوت، بالصوت والصورة كيفما شاء وفي أي وقت ائ، وأسعغ استسلام الناس أخيراً وخوفهم من بأسالديانين الجدد فعممت الدوامة، وبلغت من العنف أحياناً ما يثبا من غير أنها إنما تريد أخذ الناس بالعنف لا أكثر ولا أقل[50].

لقد أنتجت حوزات حزب اللـه جيشاً بعد آخر من صغار المشايخ، ذاك أنه بعد الاقتصار طويلاً على حوزتين تقلديتين للتعليم الديني واحدة في صور وأخرى في بعلبك، ظهر أكثر من عشرين حوزة معظمها للحزب[51]، وبعدما كان عدد علماء الشيعة زهيداً في الستينيات ازداد خمسة أضعاف خلال سنوات قليلة ثم بات يعد بالمئات ويصبح من لا يدينون من العلماء بعلمهم وأفكارهم ومعاشهم ومرتبتهم إلى قائد الأمة، قلة قليلة[52]، وفيما انتجت حوزات حزب اللـه أعداداً كبيرة من صغار المشايخ، بات الولوج إلى المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، المؤسسة الشيعية اللبنانية الأولى، على أجندة الحزب، كان شيعة لبنان حتى أوائل الثمانينيات يقتصدون في شعائر الجماعة واحتفالاتها، تعبيراً عن مسيرة في المجتمع اللبناني الذي سبق الحرب نحو تحرير الأفراد والتعددية والابتعاد عن صلة الجماعة المذهبية وما قد تفرزه من لوس وهوس، وخلق فسحة لقاء مع أبناء طوائف أخرى لاصفة مذهبية لها، وانقلب الأمر في دولة حزب اللـه حيث انتشر الحجاب بين صفوف الجيل الفتي، على الأخص بما هو علامة مماثلة وانتظام ملتزم، وبما يجره من توزيع جديد للسلطة على النساء والسلطة كلها من بعض ما بين العائلة والقرابة وبين المحيط الحزبي أو المذهبي الراغب في الوصول بصلاحية الضبط والإشراف التي في يده إلى أحصن المعاقل، وشهدت أحياء الشيعة بخاصة هيمنة صوتية لا سابق بها تظهر في أوقات مختلفة ولكنها تتمادى وتتصل في المواسم، ويصحبها طوفان شعارات وصور، يضيف فعل المرئي إلى فعل المسموع، وقد أخذ رفع اللافتات يمثل، أحيانا ما كانته الأعلام والأوتاد والبراميل المطلية في الحرب، أي نوعاً من وضع اليد الرمزي "والعنيف في كل حال" على شوارع وأحياء معروفة بطابع طائفي مغاير، وهو وضع يد، لا يراه القائمون به مانعاً من  استكثار الحديث عن الحوار والوحدة.

هذا وقد بات يستكثر من المواسم، إذ اكتشف القوم أن لكل من أئمتهم وأوليائهم تاريخ ولادة وتاريخ وفاة، وتكونت من ذلك روزنامة تشبه روزنامة القديسين النصارى، وأخذ كل من هذه التواريخ يستوي ذكرى، تحتفل بها الجماعة، مستزيدة من مناسبات تجديد الانتماء وتوطيد التماسك، وأخذ الجمهور يعتاد صلاة الجماعة، وتكاثرت المساجد والمصليات، وانتشر الأسلوب الإيراني في إحياء ذكرى عاشوراء إلى مواضع كثيرة جديدة[53].

ولا يمكن فصل أي نشاط مقاوم أو سياسي أو أي دور لحزب اللـه بمعزل عن الدور الأساسي وهو تشييد المجتمع الإسلامي الذي تتعهده ولاية الفقيه ويتعده وكلاؤه، ونواة هذه الأبنية الشخصية الإسلامية التامة[54]، فإذا عالم دولة حزب اللـه تام محكم لجميع الأعمار والأجناس والطبقات والمهن، يمتد من روضات الأطفال إلى المراحل الثانوية العليا فضلاً عن الحوزات العلمائية والحلقات النسائية وكشافة المهدي والنوادي والجمعيات والمساجد الخاصة بالحزب وتلفزيون المنار والإذاعات الخاصة الكثيرة ومجلات المنطلق والبلاد والعهد ومركز الإمام الخميني الثقافي والمراكز الأخرى المشابهة في بيروت وبعلبك والجنوب مما يتم تسييره بالتعاون مع المستشارية الثقافية الإيرانية وكذلك دور النشر والشركات ووكالات الطبع والنشر والتوزيع والحركة النقابية الخاصة والحضور في عدد من الأجسام التقليدية الطالبي منها والمهني في لبنان، بيد أننا نجد أيضاً ما لا يستهان به من مداخيل تتجمع في يد الحزب فيما يمضي في نشر أفكاره وتعاليمه وفي مد شبكات تأثيره، فإذا ما تولت مدارسه التي تعلم ولاية الفقيه وتوابعها، إلى المناهج الرسمية إنتاج شريحة من المتعلمين المؤمنين تولت مصالحه التي يدار بعضها عبر طبقة من المقاولين المقربين منه، إنتاج فئة اجتماعية مرشحة لأدوار سياسية وقيادية في مناطقها[55].

فإذا دخل لبنان عهد السلام عام 1990 دانت لحزب اللـه الضاحية الجنوبية وشمال البقاع وأجزاء هامة من جنوب لبنان واستمر كقوة مسلحة وحيدة على الأراضي اللبنانية لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي بمباركة الدولة اللبنانية والقيادة السورية، وأصبحت الضاحية الجنوبية ومنذ نهاية الحرب اللبنانية تشبه حزب اللـه حيث تنشر صور الخميني وخامنئي والأمينين العامين السابق والحالي، عباس الموسوي وحسن نصر اللـه وأولى الحزب أهمية كبرى للضاحية في أنها تربط خزاناته البشرية في الجنوب والبقاع مصدر العدد الشيعي، فيما يمارس الحزب والضاحية مركز الجنوب ومؤسسته ومختبر دولة الفقيه، ومن الضاحية الرقابة على العاصمة وقرارها[56]، وهذا ما وسع دولة حزب اللـه ومجتمعها المضاد وعمقه وأكسبه عناصر هيمنة كاملة لدولة يقف على رأسها الأمين العام[57].

 

شيعة البقاع ومنازع الشيعة

أمام الطغيان الظاهر لحزب اللـه ودولته لم تغب التعددية داخل الطائفة الشيعية كحال الموارنة والدروز في بداية 2006 ظهرت احتجاجات عديدة في أوساط الشيعة حول تصوير مقاطعة وزراء الشيعة لاجتماعات مجلس الوزراء اللبناني، والذين يمثلون أمل وحزب اللـه وكأن كل الشيعة تقاطع الحكومة، فتساءل وجيه كوثراني "أستاذ جامعي" وزراء الشيعة أم وزراء حزب اللـه وأمل؟ واحتج على فتوى وجيه كوثراني الشيخ عفيف النابلسي دخول أي طرف سياسي شيعي بديلاً ورديفاً عن ممثلي أمل وحزب اللـه دخولاً غير شرعي يحاسب اللـه عليه ويقول: من الملاحظ أن المعممين أصبحوا كثراً في هذا العصر، حيث تخرجهم بعض الحوزات الدينية التي لا تخضع لأية رقابة علمية بالمئات، كما خرجت أمثالهم طالبان في أفغانستان ما يهدد المجتمعات بالفوضى والانقسام وإثارة النعرات الطائفية وهدم الاجتماع الوطني وإلغاء الدولة المدنية[58].

وفيما انشق الشيعة بين معتدلين ومتشددين أي بين قوى طائفية لبنانية وقوى إسلامية أصولية وبعض يسار ومحبذي مجتمع مدني، فإن المسافة بين شيعة جنوب لبنان وشيعة شمال البقاع بقيت حاضرة إذ كان شيعة البقاع أكثر ريفية وحرماناً يحملون بذوراً أكثر راديكالية في الموقف من الدولة والنظام القائم، في حين كان شيعة الجنوب أقرب إلى المدينية واستعداداً لتقبل الدولة لعوامل عدة "نسبة أكبر من التعليم، تواجد أكبر لمؤسسات الدولة المدنية والعسكرية، القرب من بيروت،الهجرة إلى غرب افريقيا إلخ.

وفي تعبير عن ذاتية البقاعيين المميزة عن مركزية الحزب في الضاحية الجنوبية من بيروت، أعلن في أيار/ مايو 1997 الأمين العام السابق لحزب اللـه الشيخ صبحي الطفيلي ثورة الجياع سلح لها أكثر من ألف مقاتل واستمرت أكثر من تسعة أشهر، بدءاً باعتصام أمام سراي بعلبك في تموز/ يوليو ثم قطع طرق وحواجز في تشرين الأول/ أكتوبر، وفي 24 كانون الثاني/ يناير 1998، أعلن حزب اللـه طرد الطفيلي من صفوفه، وانتهت حركته في شباط/ فبراير عندما صدرت مذكرة توقيف رسمية بحقه فاختفى في جرود الهرمل.

أظهرت ثورة الجياع مسألة اجتماعية حادة في شمال البقاع لا يعاني مثلها الجنوب الذي حظي بحصة الأسد من إنفاق الدولة ولم تعد تصح فيه عبارة المحرومين، إذ مع انتهاء الحرب اللبنانية في 1990، أفاق البقاعيون على فقدان ما يفوق المليار دولار سنوياً من إيرادات المخدرات، وتبخرت الآمال في الحصول على بدائل واقتصرت هذه على مشروع الأمم المتحدة للتنمية الريفية بمبلغ ضئيل هو 22 مليون دولار، كانت هذه الحركة جزءاً من مسألة بقاعية عامة يوجزها إحساس بالغبن حيال الجنوبيين ممن تولوا المناصب كافة في المؤسسات الطائفية، من المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى إلى أمل بقيادة نبيه بري، وحزب اللـه بزعامة حسن نصر اللـه، فضلاً عن رئاسة مجلس النواب التي حل فيها بري محل البقاعي حسين الحسيني عام 1992 والبقاع لم يزود الحزب أمناءه العامين الثلاثة الأول فحسب "إبراهيم أمين السيد وصبحي الطفيلي وعباس الموسوي" بل تلا الضاحية وسبق الجنوب في استقباله والتمهيد لنفوذه، وداخل الحزب نفسه، توالى انطفاء أقطابه البقاعيين مع حلول نصر اللـه في الأمانة العامة فحسين الموسوي أصبح معاوناً تنفيذياً للأمين العام ومستشاره لشؤون العمل البلدي أما أمين السيد فحرم الترشح إلى انتخابات 2000 النيابية[59].

وعدا الشق الجغرافي هناك الشق اللاهوتي إذا صح التعبير، إذ بعدما كان محمد حسين فضل اللـه علماً يسترشد به مجتمع حزب اللـه تغير الأمر بعد وفاة الخميني عام 1988 إذ اتهم فضل اللـه ومعه حزب الدعوة بدعم الطفيلي لشق حزب اللـه كما ذكر أنه رصد لحركة ثورة الجياع 25 مليون دولار، وكان وراء الاتهام نزاع أكبر، ففضل اللـه الذي سمته وكالات الأنباء العالمية لسنوات أبا روحياً لحزب اللـه تخلى عنه مريدوه في الحزب حين اعترض على مرجعية على خامنئي وعلى تسمية خامنئي الولي الفقيه بعد رحيل الخميني، ولأن فضل اللـه وحزب الدعوة كذلك ليسا أصلاً ممن يصادقون على ولاية الفقيه، أعلن فضل اللـه مرجعيته واستقطب عشرات الآلاف بمن فيهم ناشطون في صفوف الحزب، وفيما رفض فضل اللـه مبايعة خامنئي اعترض الحزب على انشقاق فضل اللـه عن الارثوذكسية الإيرانية وفي احتجاج على الاحتكار القمي للتعليم الشيعي، حافظ فضل اللـه على التقليد النجفي نسبة إلى النجف، وقدم نفسه وجهاً شيعياً عربياً وبدا لمسيحيين كثيرين في لبنان أمام صدر جديد ومشروع بطرك للشيعة، فراحت تناله سهام آيات اللـه الإيرانيين ممن اتهموه بأنه المضل الضال، آخذين عليه إنكاره شهادة فاطمة الزهراء والنظر إلليها كامرأة عادية واعتباره مريم وحدها سيدة نساء العالمين، حسب القرآن، وطور فضل اللـه مقولات أكثر عصرية وأقل حرفية، فحرم ضرب الرأس بالسيف واللطم العنيف الذي ازدهر في السنوات الأخيرة حتى في الضاحية، كما انتقد رفع الأئمة في الشيعة الإمامية أو الاثني عشرية إلى مصاف الأنبياء أما في مواقفه السياسية، فجعل يولي التقاربين السني- الشيعي والإسلامي- المسيحي مرتبة من الاهتمام متقدمة.

وبدا أن فضل اللـه يواصل المشروع التحديثي لموسى الصدر بعد انقطاع طويل، فسعى إلى تهذيب مرويات تراكمت فوق الروايات الدينية الأصلية، لاسيما منها رواية عاشوراء، وكانت محاولات كهذه كافية لإثارة غيط السفارة الإيرانية في بيروت وتحولها وكر تحريض عليه وتعبيئة ضده، وكان نايف كريم مدير تلفزيون المنار الناطق باسم الحزب، أبرز من استهدفتهم حملة التفتيش تنقية للحزب من كل نفوذ، أو شبه نفوذ، لفضل اللـه، فكريم جسد ضحية مباشرة وسهلة لمتشددي الحزب الموالين للطريقة الإيرانية، فعاقله المكتب التنظيمي لنشره مقالة خارجة من جريدة السفير، ورد كريم بتقديم استقالته[60]، سائلاً اللـه أن يحمي الحزب من السلفية الشيعية ومن الهجمة الأمريكية- الصهيونية ذاكراً يأنه خاتمي الفكري والتفكير نسية إلى الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي الذي اعتبر منفتحاً وفضل اللهي الفكر والأسلوب، نسبة إلى فضل اللـه وكان القيمون نسبة إلى قم من أشد الضاغطين للاقتصاص من المنحرفين أو المتقاعسين عن الفكر الخميني مجرد واحد من الفصائل التي يصفها البعض بالطالبانية داخل حزب اللـه فهم مدرسة جعلت محاربة فضل اللـه همها الأول، أصدرت بيانات تهاجم فيها فضل اللـه وتعمل فيه التكفير والتخوين، ووصل التشدد في بعض الحزبيين أن ما يعنيهم من الشأن العام الانتصار لإيران وحذو حذوها لا لسبب إلا كونها محكومة بالشيعة الإمامية[61].

كما بقي تأثير المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في الأحداث مستمراً بحضور محمد مهدي شمس الدين وحسين الحسيني، وكان لشمس الدين دور معتدل فقال إن لبنان هو وطن نهائي لأبنائه، ما أصبح في صلب اتفاق الطائف وما يعارض خطاب القومية العربية والأصولية الإسلامية على السواء، ويطمئن المسيحيين، وأن على الشيعة أن لا يبحثوا عن ديمقراطية العدد فيقعوا في خطأ المارونية السياسية بل إلى نوع متطور من الديمقراطية التوافقية[62]، ما عارض الفكر الأصولي الانقلابي كما رفض فكرة ولاية الفقيه الإيرانية مفضلاً المدرسة النجفية وكان شمس الدين مصدراً آخر للتميز عن حزب اللـه في تمظهره الشيعي في لبنان، فدأب يعيد الاجتهاد إلى الحيز الصدري في فترة.

ليس للشيعة في لبنان أو في العالم مشروع خاص بهم، الشيعة في لبنان هم جزءمن المشروع الوطني العام، مشروع الدولة والمجتمع الواحد،’ ولا يتحملون مسؤولية أي مشروع خاص، خطاب عاشوراء والإمام الحسين هو خطاب العيش المشترك في لبنان لا بل العيش الواحد الذي يقوم على ثوابت الكيان اللبناني وثوابت الدولة والمجتمع في لبنان، العيش الواحد الذي يعترف للآخرين بكرامتهم وبحريتهم وبثقافتهم وبكياناتهم الداخلية، لا يهرج عليهم ولا يهيمن عليهم بشعار القداسة[63].

ولم تنج حتى حركة أمل المعتدلة نسبياً من نقد المجلس الشيعي على أنها مثل غيرها في الثمانينات جلبت الفوضى وحرب العصابات إلى بيروت، وأن ادعاء أمل تمثيل الشيعة يمحوره ارتماؤها في أحضان سورية ومساهمتها في انكفاء الدولة والشرعية اللبنانية عن بيروت، ما يقوض مصالح الشيعة كجماعة لبنانية،’ فإذا كان هذا المجلس من أمل في الثمانينيات فالموقف من حزب اللـه كان رفض أهدافه ومحاولته احتكار التمثيل وإذ ظهر أكثر من عشرين حوزة جديدة معظمها لحزب اللـه بدأ سعي لطرق باب المجلس، فأصرت المراجع التقليدية كالمفتي عبد الأمير قبلان ونبيه بري "توفي شمس الدين عام 2001" على حصر الاقتراع لعضوية المجلس بحوالي مائة شخص هم المفتون والقضاة ومدسو الفتوى في حين كان موقف حزب اللـه أن تتسع دائرة المشاركة وظهر تنافس بين الشيخ محمد يزبك والسيد إبراهيم أمين السيد وكلاهما من بعلبك على موقع نائب رئيس المجلس الشيعي، ليحاصر حزب اللـه المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى من خارجه وداخله على السواء[64].

 

حسن نصر اللـه وتحرير الجنوب

في آذار مارس 2006 جلس الأمين العام لحزب اللـه السيد حسن نصر اللـه إلى طاولة الحوار الوطني إلى جانب أقطاب لبنان الآخرين "وهو أصغرهم سناً بعد سعد الحريري" يناقش مستقبل لبنان حاملاً تراثاً كبيراً من النضال والمقاومة والمقدرة على تمثيل شيعة لبنان عبر انتخابات 1992- 1996- 2000- 2005 ولد نصر اللـه عام 1960 في حي الكرنتينا شرق بيروت، الذي عاش فيه حتى اندلاع حرب السنتين، ثم عاد مع ذويه إلى قرية الباروزية حيث أراد مواصلة تعليمه الثانوي في صور قبل أن ينضم إلى أمل التي عينته مسؤولاً تنظيمياً في بلدته حينذاك تعرف إلى مصطفى مشران الإيراني العامل على تدريب المقاتلين الشيعة، وسافر نصر اللـه إلى النجف للتخصص الديني حيث قضى فترة دون أن يكمل تعليمه، وهناك التقى عباس الموسوي الذي كان على صلة محمد باقر الصدر مؤسس حزب الدعوة.

وعاد نصر اللـه إلى لبنان ليصبح مسؤولاً تنظيمياً لحركة أمل وعضو مكتبها السياسي عام 1979 بقيادة حسين الحسيني ثم بقيادة نبيه بري، ومع حركة حسين الموسوي وآخرين، انسحب نصر اللـه من أمل ليصبح مسؤولاً في حزب اللـه في البقاع ثم لينتقل إلى بيروت عام 1985.

إضافة إلى عضويته في مجلس الشورى أصبح نصر اللـه عام 1987 المسؤول التنفيذي العام في الحزب، ثم سافر إلى قم التي أمضى فيها عاما وعام 1992 انتخبه مجلس شورى حزب اللـه أميناً عاماً للحزب خلفاً لعباس الموسوي الذي اغتالته الطائرات الإسرائيلية في 16 شباط/ فبراير 1992.

صعد نصر اللـه في حزب اللـه إذن إلى الأمانة العامة لا من موقعه كعالم دين، بل كمسؤول في الجهاز الأمني العسكري وكان وصول نصر اللـه إلى منصب الأمين العام وهو الجنوبي ابن الـ 32 عاماً إشارة إلى صعود الجنوب في الحزب، وأظهر نصر اللـه علامات نباهة وبراغماتية على عكس منافسه الأمين العام الأسبق صبحي الطفيلي فنصر اللـه ربط عقيدة الحزب برجاحة سياسية هيأته لما بعد الحرب وطريق اللبننة ما قربه من جذور الأملية،  فلئن تمسك الطفيلي براديكالية ترفض دخول اللعبة الانتخابية اللبنانية والاعتراف باتفاق الطائف، كان نصر اللـه برغماتياً استحقاق انتخابات 1992 بل كان ثمة مكسب هو إرضاء سورية التي استثمرت الكثير في اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب ولكنه أمن الوصاية السورية وضمن للحزب موقعه وسلاحه كـمقاومة لا كميليشيا أما بالنسبة إلى الولي الإيراني فلن يضيره أن توجد كتلة نواب تدافع عنه في البرلمان اللبناني، فكان بوسع الحزب الاحتفاظ بموقفه الإسلامي المبدئي والسعي في الأمد البعيد إلى الجمهورية الإسلامية[65]، هكذا اكتمل صعود حزب اللـه وبات مستعداً للمرحلة الثانية من عمله بالانخراط في الدولة اللبنانية.

تعرف اللبنانيون إلى نصر اللـه كوجه جديد لحزب رأوه غامضاً دون وجه في السابق، أو على الأقل وجه غاضب مشمئز من أمر ما، وراحت شاشات التلفزة وتوسع لنصر اللـه المساحة، وبرامج الأخبار تخصص دقائق ثمينة من النشرة لمقتطفات من أقواله وخطاباته، وربما باستثناء بشير الجميل قبل عشر سنوات، لم ير لبنان قائداً كحسين نصر اللـه في جديته ودقته ودأبه، يملك كاريزما طبيعية كان يضيف إليها من تراكم خبرته في القيادة وتعاطيه في الشأن العام.

وإذا أعطى نبيه بري وجهاً للشيعة كرجل دولة كان رأس حربة قضيتهم في لبنان في الثمانينات وكرئيس مجلس النواب فيما بعد، كان حسن نصر الـلـه قائداً للمقاومة ومحرراً وطنياً للجنوب في التسعينيات، "وسط تصاعد أصوات أن بري ونصر اللـه لا يختصران الشيعة وليسا كل الشيعة على الأقل[66]" ولئن جدد له في الأمانة العامة في 1995 و 1998 فإن نصر اللـه جسد بشخصه وسلوكه الميل الشعبي إلى رفض القيادات الميليشوية الفاسدة وعدم الثقة بالزعامات التقليدية.

وجاءت التجارب اللاحقة لتسجيل نجاح نصر اللـه في امتحان إثر آخر، فلم تكن المعرفة الدينية مصدر نجاحه بقدر ما كانه تشبهه بالشعب فتعامله مع الجمهور بسيط مباشر أكسبه صورة الصادق والأخلاقي، وباستثناء سيارات الحماية والمرافقين ما من دليل جدي على فساد فيه أو في قيادات حزبه المتقشفين الذين لم تتغير بيوتهم ولا عاداتهم وحتى غير الحزبيين ومن لديهم تحفظات على الحزب كالوا للأمين العام المدائح: فهو لا يكذب علينا، حتى إسرائيل كانت تصدق ما يقوله حزب اللـه، طيلة سنوات القتال.

أما من الناحية العقائيدة فقد كانت طهران- ولاية الفقيه- تمثل لنصر اللـه منا كانته موسكو للشيوعيين والفاتيكان للكاثوليك في آن معاً، فما يربطه بها ليس العمالة بل الإيمان والعقيدة، وفي هذا بذل الرجل كثيراً، فرأى أن إيران القلب ونحن اليد، ولم يتردد في الانحناء في احتفال شهير بطهران وتقبيل يد علي خامنئي على مرأى كاميرات التلفزيون.

وباجتماع المواصفات التي فيه، وعلى خلفية من التمرس في الأمن، قاد نصر اللـه الحزب بطريقة تغاير المألوف، إذ معه بدا شيء من عبادة الشخص كما في التقليد الماوي الصيني، دشنها التكريم الاستثنائي الذي أحاط بمصرع الأمين العام السابق عباس الموسوي على يد إسرائيل وهالة على الحزب استثمرها نصر اللـه تأتي من ثقافة السادة والمعصومين والشهداء، فتكرر ظهروه في المناسبات الخطابية وزادت خبرته مع كل طلعة جديدة ليصبح أشد ثقة وتمكناً من سابقتها، فيما تزداد الكلمات والعبارات التي يهدد بها ويتوعد ضد مطالبة الآخرين مثلاً بتطبيق قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1559، كما أنشدت فرقة الإسراء الموسيقية التبعة للحزب أناشيد لنصر اللـه وانتشر في أوساط الحزبيين والأنصار هتاف "يا اللـه يا اللـه احفظ لنا نصر اللـه" حتى أصبحت شخصية الأمين العام مكنزهة وسلاح المقاومة مرفوعاً إلى مصاف المقدس، وضاعف الثقة في كلام نصر اللـه كما ضاعف حماسة استقبالها لدى جمهور رفع جرعة التباهي الظافري كما لو كانوا يباشرون التاريخ من صفر[67].

ولم يعد نصر اللـه أول بين متساويين على ما كانت عليه حال الأمناء العامين السابقين، بل غدا صعباً في السنوات الأخيرة تمييز مركز آخر في الحزب خارج الأمانة العامة يملك سلطة قرار، فنعيم قاسم الذي تعتبر جذوره في حزب الدعوة نقيصة، وتأثره بفضل اللـه شبهة، ليس نائباً للأمين العام إلا بالاسم على ما يجمع العارفون بالحزب، وهو كما يضيفون ذو ثقافة قد تخاطب بعض المحيطين بالحزب إلا أنها لا تخاطب عتاة الحزبيين، قدم الشيخ نعيم قاسم نائب الأمين العام بصفته مثقف الحزب، إلا أن ثقافته اتصلت بمحاور الاهتمام العقائدي العامة أكثر ما ترد إلى الإنتاج الديني والفقهي[68]، وإذا كان التخفي وعدم التعمم حائلين دون وصول عماد مغنية إلى الموقع الأول والمعلن بقي ملحوظاً ذاك التكثير في المناصب داخل بيروقراطية الحزب فتبدو القيادة وهي لا تتم بالانتخاب بل يعينها نصر اللـه مجموعة أمراء لا يلتحمون إلا في القرار العسكري، فهاشم صفي الدين مثلاً رئيس المجلس التنفيذي وإبراهيم أمين السيد رئيس المجلس السياسي وحسين الموسوي مسؤول الشؤون البلدية وهناك رئيس المكتب السياسي ومسؤولوا المناطق وإليهم يتجمع النواب في كتلة الوفاء للمقاومة في البرلمان اللبناني.

لقد فاز حزب اللـه بـ 12 مقعداً نيابياً في انتخابات 1992 وبدا أن التجربة والتعاطي السياسي المحلي والإقليمي قد هذبا خطاب الحزب فغابت عنه المواقف الراديكالية واتجه إلى قبول الدولة اللبنانية ثم شارك في مجلس الوزراء لأول مرة عام 2005.

وجاءت السنوات تصادق على نية وسلوك نصر اللـه، فهو قال إن عمله الأساسي تحرير الجنوب وتتوج إنجاه التاريخي بالعمل المقاوم وبالتحرير عام 2000 ويحدد نعيم قاسم صعود المقاومة بمرحلتها الأكثر تأثيراً وجدية بالفترة التي وصل خلالها نصر اللـه إلى منصب الأمين العام سنة 1991، وإذ يلحظ قاسم بضع عمليات في أواخر الثمانينيات بدأت المواجهة الحقيقية مع إسرائيل عام [69]1991 واستمرت 10 سنوات.

في أيار/ مايو 1991 انتخب مجلس شورى حزب اللـه السيد عباس الموسوي أميناً عاماً، فأثبت وجوده في الأوساط الشيعية بزيارات شبه يومية إلى البقاع والجنوب والضاحية وإلى مواقع المقاومين المتقدمة على الجبهات، فوضع الاتفاقية مع أمل موضع التنفيذ على الأرض، ثم أصر على المشاركة في هيئة إعادة إعمار الضاحية الجنوبية "اليسار" وبرز مع الموسوي خطاب حزب اللـه الجديد بتوجه داخلي لبناني اختلف عن المرحلة الشديدة الإيرانية، فبات الموسوي يتحدث عن إهمال الدولة للمناطق المحرومة، وأن مهمته كأمين عام كمزدوجة مقاومة الاحتلال ومقاومة الإهمال الرسمي في لبنان[70]، فكان إشارة ليصبح الوضع اللبناني الداخلي السياسي والاجتماعي، من أولويات الحزب وبعد تسعة أشهر من توليه المنصب وكان قد فرغ من إحياء الذكرى السنوية لاستشهاد الشيخ راغب حرب إمام قرية جبشيت "جوار النبطية" كان الموسوي في سيارة يوم 16 شباط/ فبراير 1992، وما إن وصل إلى قرية تفاحتا القريبة من الساحل حتى أغارت عليه الطائرات الإسرائيلية وقتلته مع أفراد عائلته.

وكان أن تم وداع الموسوي في تأبين شعبي مهيب حضرته أعداد كبيرة من المواطنين في مسقط رأسه قرية النبي شيت قرب بعلبك، في حين اختار الحزب حسن نصر اللـه أميناً عاماً، كان مقتل الموسوي مرحلة انتقالية للمقاومة، ذلك أنه للمرة الأولى أدخل حزب اللـه أسلحة بعيدة المدى في المعركة، ورداً على اغتيال الموسوي أطلق صواريخ كاتيوشا على المستوطنات الإسرائيلية في الجليل ليل 17 شباط/ فبراير، فاشتعلت خطوط المواجهة وقام الإسرائيليون باقتحام معبر كفرا- ياطر، فاشتبك معهم المقاومون وصدوهم، محلة عام 1992، كانت المقاومة صمدت وبرهنت للإسرائيليين أن زمن الاقتحام السهل للأراضي اللبنانية قد انتهى.

أما في عام 1993، فقد تصاعدت المقاومة بين عمليات ومواجهات ميدانية وكمائن"، ما أوقع خسائر بشرية كبيرة في صفوف الإسرائيليين، وهذه المرة حزمت إسرائيل أمرها وشنت هجوماً كبيراً صباح 25 تموز /يوليو 1993 استمر سبعة أيام، وهدف الهجوم إلى تدمير البنية التحتية للمقاومة والضغط على الدولة اللبنانية لنزع سلاح حزب اللـه، وشمل الهجوم الذي شاركت فيه البحرية الإسرائيلية وسلاح الجو والمدفعية والآليات، الجنوب والبقاع ومخيم نهر البارد قرب طرابلس والناعمة جنوب بيروت، في 1224 عملية قصف جوي وأرضي استعمل 28 ألف قذيفة، وكانت نقطة التحول الجديدة في معركة التحرير هي ما أعلنه نصر اللـه في مؤتمر صحافي في بعلبك مساء بدء الهجوم، نعتبر أنفسنا في حالة حرب مفتوحة مع العدو والإجراءات التي سنتخذها للدفاع عن أهلنا في الجنوب والبقاع الغربي لن تلتزم بأي خطوط حمراء يضعها العدو، فقد المقاومة تقرر حدود الرد[71].

وكانت مفاجأة للغسرائيليين ليل 25- 26 تموز/ يوليو عندما بدأت المقاومة من عدة مواقع في جنوب لبنان ولمدة عشر ساعات متواصلة إطلاق مئات صواريخ الكاتيوشا على المستوطنات الإسرائيلية، وفيما قدرت استخبارات الجيش الإسرائيلي أن المقاومة تمتلك  صاروخ كاتيوشا وأن هذا العدد سيستهلك سريعاً أمام عملية إسرائيلية مطولة، كان حزب اللـه مستعداً بكميات كبيرة من العتاد والذخيرة حتى أن رجال المقاومة نفذوا  عملية ضد الجيش الإسرائيلي المهاجم، وتوسطت الولايات المتحدة فعرضت فكرة أن تتوقف المقاومة عن إطلاق الكاتيوشا على المستوطنات وتمتنع إسرائيل عن استهداف المدنيين، ووافق حزب اللـه على هذا العرض الذي خلق لأول مرة منذ 1968 نوعاً من تفاهم غير مكتوب حرم إسرائيل من ورقة معاقبة المدنيين على أعمال المقاومة وحقق لأول مرة نوعاً من الأمان النسبي للمدنيين، وهكذا توصل الطرفان إلى اتفاق تموز مساء 31/ تموز/ يوليو 1993.

نجم عن الغزو الغسرائيلي مقتل 140 لبنانيا منهم 13 مقاوماً، وجرح 500 شخص وتهجير 200 ألف مواطن من 120 قرية في حين ألحق العدوان الدمار الكلي أو الجزئي بآلاف المنازل والأبنية، وإضافة إلى الاتفاق الشفهي على توازن الرعب "مدنيو لبنان مقابل مدنيين إسرائيل" برز الجانب الاجتماعي في عمل المقاومة، فما عجزت الدولة وصناديقها عن تنفيذه منذ 1968، قام حزب اللـه عبر مؤسسته جهاد البناء بإعادة بناء أو ترميم 4873 منزلاً بعد غزوة تموز/ يوليو1993، ولم يكن حزب اللـه حتى هذا التاريخ قد حقق الالتفاف الشعبي اللبناني على المقاومة واحتضانها، وإشارة إلى افتقاره إلى الدعم الداخلي أن تظاهرة نظمها للاحتجاج على اتفاق أوسلو يوم 13 أيلول/ سبتمبر 1993 بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، خرجت عن الخط المرسوم لها من وزارة الداخلية وتعرضت إلى إطلاق نار كثيف من الجيش عن طريق المطار فسقط 9 قتلى "تكرار لحوادث مماثلة عام 1969" وفيما صمت الحزب على هذه الحادثة اعتذر رئيس الحكومة رفيق الحريري ورد الاعتبار لمن سقط باعتبارهم شهداء للمقاومة والوطن.

وفيما استمرت العمليات عامي 1994 و 1995 قامت إسرائيل بغزو كبير في نيسان/ إبريل 1996 إذ في 20 شباط/ فبراير 1996، أقدم المقاوم علي أشمر بعملية ضد موكب إسرائيلي في مثلث العديسة- رب ثلاثين في الشريط المحتل، وردت إسرائيل بسلسلة غارات لم تتوقف لاسابيع، ولكن إثر غارة إسرائيلية على قرية ياطر يوم 30 آذار/ مارس وأخرى على برعشيت يوم 9 نيسان/ إبريل 1996 سقط قتلى مدنيون لبنانيون فردت المقاومة بقصف المستوطنات الإسرائيلية، وهكذا أذن هذا القصف بانطلاق غزوة إسرائيلية جديدة فجر 11 نيسان/ إبريل 1996 بدءاً بغارة على مدينة بعلبك وأخرى على قرية عين بوسوار في إقليم التفاح ثم بهجوم على ثكنة الجيش اللبناني في مدينة صور، وصولاً إلى غارة استهدفت مبنى مجلس شورى حزب اللـه في حارة حريك في ضاحية بيروت الجنوبية "وهي المرة الأولى التي تستهدف فيها إسرائيل الضاحية منذ 1982" وفيما اتسع الهجوم وقيل إنه لا تحديد زمنياً لمدته وسمي عناقيد الغضب، وغطى مساحات جغرافية في أنحاء لبنان، لم تكترث إسرائيل للمدنيين الذين ارتكبت عدة مجازر بحقهم: مجزرة 13 نيسان/ إبريل في قرية سحمر، ومجزرة 14 نيسان / إبريل في قرية المنصوري، ومجزرة 18 نيسان /إبريل في قرية النبطية الفوقى، ولكن الحدث الأعظم كان مجرزة قانا عندما قصفت إسرائيل مركز القوات الدولية في قرية قانا شرق صور في 18 نيسان/ إبريل وقتلت 118 مدنياً وجرح 127 آخرين في منظر تقزز منه النفوس.

كانت نتائج عدوان نيسان 96 مقتل 250 مدنياً و 4 مقاومين وتشرد مئات الألوف من المواطنين ولحق الدمار الجزئي أو الكلي سبعة آلاف منزل في مناطق مختلفة، ولكن حزب اللـه كان مستعداً هذه المرة لتخفيف آثار العدوان على المدنيين بالاتفاق مع الدولة اللبنانية، ومنظمات المجتمع المدني، والدفاع المدني، وهيئة الإغاثة العليا الحكومية، فاهتم بالذين هجرهم الهجوم الإسرائيلي وقدم لهم السكن والغذاء والأدوية والرعاية الصحية والملابس والمواصلات إلى قراهم بعد انتهاء الأعمال العسكرية.

واختلفت نتائج حزب نيسان 96 عن السابق، إذ أسفرت عن الالتحام الشعبي والرسمي والديني والسياسي في لبنان مع المقاومة على نحو غير مسبوق، فكان لبنان يقاوم منذ 1996 بكافة إمكانياته الشعبية والرسمية، ولم يعد يقتصر الأمر على حزب اللـه وأخذ نصر اللـه يظهر مراراً على شاشات التلفزة، فيما التقت كل الأطياف المذهبية والسياسية وتناست كل الخلافات في فندق ألكسندر في الأشرفية فيما سمي إجماع لبناني على دعم المقاومة.

في 1996 لم تتوقف صواريخ الكاتيوشا باتجاه المستوطنات طيلة 16 يوماً في حين لم تعد الخطوط اللوجستية التي قطعتها إسرائيل ذات قيمة بعدما تمونت المقاومة بأسلحة وإمدادات وحاجيات تسمح بالصمود لفترة طويلة، في نفس الوقت كان رئيس الوزراء رفيق الحريري ووزير خارجيته فارس بويز يعملان بجدارة كرأس حربة العمل الديبلوماسي الدولي لمواجهة العدوان، لقد نددت الدول الكبرى والرأي العام العالمي بأعمال إسرائيل بعد مشاهدة صور مجزرة قانا غير الاعتيادية في تأثيرها في عصر التلفزيون والفضائيات، وصدر قرار من مجلس الأمن يطلب التعويض للبنان، واسفرت الاتصالات الإقليمية والدولية عن اتفاق نيسان، مكتوباً هذه المرة، تدعمه لجنة دولية بعضوية خمس دول "الولايات المتحدة وفرنسا ولبنان وإسرائيل وسورية" وكان هذا الاتفاق بمثابة اعتراف دولي بحق لبنان في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية مع تحييد المدنيين من الطرفين، فتحقق أخيراً توازن الرعب الذي كان مفقوداً من 1968 ونفذ الأفرقاء وقفاً لإطلاق النار مساء 27 نيسان/ إبريل 1996.

وبتجريد إسرائيل من سلاح العقاب الجماعي، أخذت تلجأ إلى عمليات داخل المناطق المحررة وتزرع عبوات ناسفة في القرى والمدن، وكانت آخر عملية ذات حجم كبير تقوم بها إسرائيل بجنودها داخل لبنان هي معركة أنصارية في 5 أيلول/ سبتمبر 1997 إذ ليس فقط أن المقاومة كانت تمتلك معلومات مفصلة عن الخطة الإسرائيلية، بل إن رجال المقاومة سمحوا للمجموعة الإسرائيلية بالتقدم باتجاه أهدافها ثم أردوا 17 إسرائيلياً تناثرت أجسادهم في ساحة المعركة، جمعها المقاومون في أكياس لمبادلتها مقابل أسرى فيما بعد، ولم تتأثر معنويات نصر اللـه بعدما سقط ابنه هادي في معركة جبل الرفيع في إقليم التفاح في نفس الشهر، وسقط معه ستة جنود من الجيش اللبناني بقيادة الضابط جواد عازار، فكان خطاب نصر اللـه في نفس اليوم أن قادة المقاومة لم يوفروا أولادهم بل يفخرون أن هؤلاء يذهبون إلى خطوط المواجهة مرفوعي الرأس[72].

منذ 1998 بدأت الحكومة الإسرائيلية تعلن عن مشروع انسحاب من لبنان تطبيقاً لقرار مجلس الأمن الدولي 425، وفي أول حزيران/ يونيو 1999 انسحبت ميليشيا الجنوبي من قضاء جزين لينتشر الجيش الشرعي هناك، وفي 24 أيار/ مايو 2000 استيقظ لبنان على  نبأ الانسحاب الإسرائيلي وأن الإسرائيليين قد غادروا الأراضي اللبنانية سراً تاركين عناصر ميليشيا الجنوبي لمصير مجهول، وعم الخوف سكان الشريط فغادر 7000 لبناني من عناصر الميليشيا وعائلاتهم منازلهم وقراهم ليلجأوا إلى إسرائيل فيما استسلم 2000 شخص آخرين، للسلطة اللبنانية وحتى العام 2006 عاد معظمهم إلى لبنان ولم يبق ممن نزحوا أكثر من ألفي شخص، لقد زار كوفي أنان الأمين العام للأمم المتحدة نصر اللـه في مبنى مجلس شورى حزب اللـه في حارة حريك في 20 حزيران /يونيو 2000، كما تعززت صورة نصر اللـه حين شاهده الرأي العام في استقبال الأسرى الذين احتجزتهم إسرائيل مستقطباً الأضواء فيما وقف إلى جانبه رئيس الجمهورية إميل لحود[73].

مع عام التحرير، بلغ عدد ضحايا العدوان الإسرائيلي على لبنان منذ 1968 وحتى 2006، 25 ألف قتيل و 50 الف جريح ومئات الآلاف من المهجرين، فيما بلغت قيمة الخسائر البشرية والمادية أكثر من 10 مليارات دولار، وقيمة الناتج المحلي الفائت أكثر من 15 ملياراً خلال 38 سنة وعام 2000 باشرت حكومة سليم الحص بإعداد ملف يطالب إسرائيل بالتعويضات المالية نتيجة اعتداءاتها، وصدرت دراسات عن وزارة الخارجية التي أشرف عليها الحص، مدعومة من مصرف لبنان، قدرت قيمة التعويضات المطلوبة بأربعين مليار دولار[74].

بعد العام 2000 لم يكف حزب اللـه عن استثمار صورة مقاومة إعجازية ساعده في نشرها تعطش جماهيري انتشر في العالم العربي قوامه رؤية إسرائيل تهزم ولو مرة، وفي حال تعذر ذلك فرؤيتها تضعف على الأقل، فكانت استفتاءات قناة الجزيرة الحية مثلاً تختار نصر اللـه في مقدمة الزعماء العرب الأكثر شعبية.

 

بقي الوجه الداخلي

بعد التحرير ظهرت مسألة سلاح حزب اللـه ودولته في بلد يحكمه أمراء حرب وزعماء يحدقون في سلاحه ولا يصدقون كلامه وتطميناته، وبعد عام واحد انقلب الاحتفال بذكرى التحرير والمقاومة إلى التشكيك باستمرار تسلح حزب اللـه ومقولته إن مزارع شبعا 50 كلم لا زالت محتلة كحجة ليحافظ على سلاحه ويراهن لبنان وشعبه لمصلحة سورية وإيران، ووصف حازم صاغية نهاية شهر عسل التحرير في الفترة 2002- 2005 من إجماع على دعم المقاومة إلى انتقادات بالجملة لحزب اللـه الذي بدا بعد التحرير امتداداً لسياسة إيران وآخر جماعة مسلحة لبنانية غير خاضعة لقرار تجريد الميليشيات: أما على الحدود فينبغي أن لا يكون جيش وأن تبقى الحدود، من ثم سائبة سائلة، أي أن يعيش اللبنانيون في لا حدود، وبين المستويين هذين، يتولى اقتصاد المعونات الإيرانية، وما ينجم عنه من خدمات وفرص عمل، دعم النشاط المعطل للدولة الذي تمارسه البندقية، وتسكين الاعتراض عليه تالياً، بخليط من الرشوة التي توفرها مؤسساته، ومن التخويف ببندقية المقاومة المسددة إلى رأس الطائفة الشيعية، ما يبقي السيادة اللبنانية ناقصة منقوصة، وهناك لحظة القداسة التي تنطوي على التخوين لأننا نتحدث عن المقاومة جل جلالها، وهناك لحظة الاستحمار، إذ يطلب الموت لاستعادة مزارع شبعا التي احتلها إسرائيل من سورية، ويعلق الوطن والحياة الطبيعية مادام الجولان محتلاً، وهناك لحظة الدم التي تتجسد في العنف والتصفيات والتفجيرات وأخيراً تأتي لحظة البراءة وهي دعوة إلى الحوار ومد الجسور[75].

وإذ يستشرف أحمد بيضون بأن الامتحان هو أن نضع جانباً سائر القوى والظواهر التي تنعت بأنها من صنع الخارج، إن مسح هذه الغشاوات التي غطى بها الخارج صفحة السياسة اللبنانية، لابد أن يجلو الصفحة المذكورة، إذ بعد انسحاب إسرائيل عام 2000 ومغادرة القوات السورية عام 2005، بقي أمراء الحرب والزعماء في الساحة، وعندما يغادر آخر شخص غريب الغرفة ويطفئ الضوء تبقى أزمة لبنان الداخلية الكبرى التي تعود إلى ما قبل الحرب طبعاً وتتعلق بشح في موارد وحدة الدولة وقدرتها على الإلزام العام[76] والمنحى التصعيدي لأمراء الحرب سنة بعد أخرى، وهو يشكل محور هذا الكتاب.

 

[1] KALHLIL GIBRAN, 1923 IN BARBARA YOUNG, THIS MAN FROM LEBANON, 1944, P. 6. WHAT LEBANON NEEDS IS ONE MAN WITH PERHAPS FIVE OR MORE MILLIONS OF DOLLARS WHO WILL CONSCIOUSLY AND ENDLESSLY WORK FOR HER GROWTH AND DEVELOPMENT, AND FOR THE REALIZATION OF HERSELF.

 

[2] وجيه كوثراني "الفتوى والتكليف الشرعي" سؤال لكل اللبنانيين لا الشيعة وحدهم، النهار 31 كانون الثاني / يناير 2006.

[3] SALIM NASR, LA DES TRANSITION DES CHITE VERS BEYROUTH- MUTATON SOCIALE ET MOBILISATION COMMUNAUTAIRE A LA VEILLE DE 1975, CERMOC, MOUVEMENTS COMMUNAUTAIRES AU MACHREQ, PARIS, SINDBAD, 1985, P 95. SALIM NASER ROOTS OF SHI'I MOVEMENT MERIP REPORT, NO. 133, JUNE 1985.

[4] أحمد بيضون، الجمهورية المتقطعة ص 58.

[5] وضاح شرارة، دولة "حزب اللـه" لبنان مجتمعاً إسلامياً، بيروت، دار النهار، 1996، ص 80.

[6] FOUAD AJAMI, THE VANISHED IMAM, CORNELL UNIVERSTTY PRESS 1992, P. 91.

[7] مسيرة الطائفة من هامش الكتاب إلى متن الكيان، زهير هواري، جريدة السفير، الخميس 10 تموز يوليو 2003.

[8] TABITHA PETRAN, STRUGGLE OVER LEBANON, P. 121.

[9] النهار 29 كانون الثاني/ يناير 1975.

[10] A. NORTON, AMAL AND THE SHIA- STRUGGLE FOR THE SOUL OF LEBANON AUSTIN, UNIVERSITY OF TEXAS PRESS, 1987, P.60.

[11] A. NORTON, AMAL AND THE SHIA, P. 67.

[12] كمال ديب، ثمن الدم والدمار- التعويضات المستحقة للبنان جراء الاعتداءات الإسرائيلية، بيروت، شركة المطبوعات، 2001.

[13] كريم بقرادوني، السلام المفقود 1984، ص 106-107.

[14] ROSEMAR SAYEGH TOO MANY ENEMIES- THE PALESTINIAN EXPERIENCE IN LEBANON, LONDON ZED BOOKS, 1994, P. 172.

[15] كريم بقرادوني، السلام المفقود 1984، ص 106- 107.

[16] عبارة الشريط الحدودي مستوحاة من الشريط المعدني الشائك الذي أقامته إسرائيل على حدود القرى اللبنانية المحاذية تماماً للحدود ومشكلة ما يشبه الشريط من مرجعيون إلى الناقورة.

[17] في نيسان /إبريل 2005 نعت القوات اللبنانية سامي الشدياق الذي ولد عام 1938 وتخرج ضابطاً في الجيش اللبناني عام 1963 وخدم في المنطقة الحدودية من 1976 إلى 1979 ثم انتقل إلى بيروت وعمل بشكل مباشر مع بشير الجميل وفي صفوف القوات اللبنانية حتى أنه استعاد موقعه في الجيش اللبناني عام 1983 عندما عينه العماد إبراهيم طنوس حتى وفاته عن موقع انترنيت القوات اللبنانية www.lebanese-forces.org

[18] كمال ديب، ثمن الدم والدمار، بيروت، شركة المطبوعات 2001.

[19] A. NORTON, AMAL AND THE SHIA, PP. 80-82.

[20] HTTP://WWW.AMAL-MOUVEMENT.ORG.LB/LOGO/ AMAL_MOUVEMENT.HTM

[21] وضاح شرارة، دولة حزب اللـه ص 124 باتريك سيل، الأسد، الصراع على الشرق الأوسط، لندن، دار الساقي 1992 ص 579.

[22] ROSEMARY SAYEGH TOO MANY ENEMIES, P. 186.

[23] L’ORIENT LE JOUR, 22 MAY 1985.

[24] نعيم قاسم، حزب اللـه- المنهج التجربة المستقبل، بيروت، دار الهادي للطباعة والنشر، 2002.

[25] NAIM KASSEM, HIZBOLLAH- THE FROM THE INSIDE, LONDON, DAR AL-SAQI, 2005, P.114-118.

[26] وضاح شرارة، دولة حزب اللـه –المنهج التجربة المستقبل، بيروت، دار الهادي للطباعة والنشر، 2002.

[27] NAIM KASSEM, HIZBOLLAH- THE STORY FROM THE INSIDE, P.119-121

[28] NAIM KASSEM, HIZBOLLAH- THE STORY FROM THE INSIDE, P.60-61.

[29] فصول من قصة حزب اللـه اللبناني (1): صعود حركة أمل والتمهيد العاصف لانفجار الراديكالية السياسية الشيعية، حازم صاغية، الحياة، 4 كانون الثاني/ يناير 2005.

[30] فصول من قصة حزب اللـه اللبناني (2): عماد مغنية.. واللقاء المبكر بين طلب اللجنة ورقص الأبالسة في الجحيم، حازم صاغية، الحياة، 5 كانون الثاني/ 2005.

[31] كمال ديب، زلزال في أرض الشقاق العراق 1915- 2015، بيروت، دار الفارابي، 2004.

[32] وضاح شرارة، دولة حزب اللـه، لبنان مجتمعاً إسلامياً، بيروت، دار النهار، 1996 ص 127.

[33] فصول من قصة حزب اللـه اللبناني (2) حازم صاغية، الحياة، 5 كانون الثاني/ يناير 2005.

[34] ذكرت صحيفة الواشنطن بوست والنيويورك تايمز أن العملية خططتهاومولتها المخابرات الأمريكية ونفذ1ها عملاء محليون.

[35] عمر العيساوي، حرب لبنان على قناة الجزيرة الحلقة 12، 2000.

[36] فصول من قصة حزب اللـه اللبناني (2) حازم صاغية، الحياة، 5 كانون الثاني/ يناير 2005.

[37] وضاح شرارة، دولة حزب اللـه، لبنان مجتمعاً إسلامياً، ص 165.

[38] فصول من قصة حزب اللـه اللبناني (2) حازم صاغية، الحياة، 5 كانون الثاني/ يناير 2005.

[39] فصول من قصة حزب اللـه اللبناني (3) البحث عن قضية مركزية وعن صفاء يحتضن النمو والنموذج حازم صاغية، الحياة، 6 كانون الثاني/ يناير 2005.

[40] فصول من قصة حزب اللـه اللبناني (3) حازم صاغية، الحياة، 6 كانون الثاني/ يناير 2005.

[41] وضاح شرارة، دولة حزب اللـه، لبنان مجتمعاً إسلامياً، ص 176.

[42] فصول من قصة حزب اللـه اللبناني (3) حازم صاغية، الحياة، 6 كانون الثاني/ يناير 2005.

[43] فصول من قصة حزب اللـه اللبناني (3) حازم صاغية، الحياة، 6 كانون الثاني/ يناير 2005.

[44] وضاح شرارة، دولة حزب اللـه ص 240.

[45] فصول من قصة حزب اللـه اللبناني (3) حازم صاغية، الحياة، 6 كانون الثاني/ يناير 2005.

[46] وضاح شرارة، دولة حزب اللـه ص 210.

[47] المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق، الأزمة الاقتصادية –الاجتماعية في لبنان، نحو استراتيجية متكاملة لسياسات بديلة، بحوث ومناقشات المؤتمر الاقتصادي بيروت، 12/ 13 شباط 1999.

[48] NAIM KASSEM, HIZBOLLAH- THE STORY FROM THEINSIDE, P. 86.

[49] فصول من قصة حزب اللـه اللبناني (5) حسن نصر اللـه تكوينه وقيادته ومشروعه للهيمنة الطائفية حازم طاغية الحياة 8 كانون الثاني/ يناير 2005.

[50] أحمد بيضون الجمهورية المتقطعة ص 61.

[51] فصول من قصة حزب اللـه اللبناني (4) النزاع والتفتت داخل بنية تقوم على الوحدة أو تصف نفسها كذلك، حازم طاغية الحياة 8 كانون الثاني/ يناير 2005.

[52] أحمد بيضون الجمهورية المتقطعة ص 169.

[53] أحمد بيضون الجمهورية المتقطعة ص 61-62.

[54] وضاح شرارة، دولة حزب اللـه ص 122.

[55] فصول من قصة حزب اللـه اللبناني (5) حسن نصر اللـه تكوينه وقيادته ومشروعه للهيمنة الطائفية حازم طاغية الحياة 8 كانون الثاني/ يناير 2005.

[56] فصول من قصة حزب اللـه اللبناني (3) البحث عن قضية مركزية وعن صفاء يحتضن النمو والنموذج حازم صاغية، الحياة، 6 كانون الثاني/ يناير 2005.

[57] فصول من قصة حزب اللـه اللبناني (5) حازم طاغية الحياة 8 كانون الثاني/ يناير 2005

[58] وجيه كوثراني وزراء الشيعة أم وزراء حزب اللـه وأمل النهار 19 كانون الأول/ ديسمبر 2005 الفتوى والتكليف الشرعي سؤال لكل اللبنانيين لا للشيعة وحدهم النهار، 31 كانون الثاني/ يناير 2006.

[59] فصول من قصة حزب اللـه اللبناني (4) حازم صاغية، الحياة، 7 كانون الثاني/ يناير 2005.

[60] جريدة النهار، 12 آذار/ مارس 2003.

[61] فصول من قصة حزب اللـه اللبناني (4) حازم صاغية، الحياة، 7 كانون الثاني/ يناير 2005.

[62] محمد مهدي شمس الدين الوصايا تقدمة غسان تويني بيروت دار النهار 2002.

[63] النهار 11 آذار / مارس 2006.

[64] فصول من قصة حزب اللـه اللبناني (4) حازم صاغية، الحياة، 7 كانون الثاني/ يناير 2005.

[65] فصول من قصة حزب اللـه اللبناني (5) حازم طاغية الحياة 8 كانون الثاني/ يناير 2005.

[66] وجيه كوثراني الفتوى والتكليف الشرعي سؤال لكل اللبنانيين لا للشيعة وحدهم النهار، 31 كانون الثاني/ يناير 2006.

[67] فصول من قصة حزب اللـه اللبناني (5) حازم طاغية الحياة 8 كانون الثاني/ يناير 2005.

[68] نشرت دار الهادي في بيروت سلسلة كتب بقلم نعيم قاسم تحمل عناوين مثل: حقوق الزوج والزوجة، حقوق المعلم والمتعلم، حقوق الوالدين والولد...

[69] NAIM KASSEM, HIZBOLLAH- THE STORY FROM THE INSIDE, LONDON, DAR AL-SAQI, 2005.

[70] NAIM KASSEM, HIZBOLLAH- THE STORY FROM THE INSIDE, P. 108.

[71] NAIM KASSEM, HIZBOLLAH- THE STORY FROM THE INSIDE, P. 110.

[72] NAIM KASSEM, HIZBOLLAH- THE STORY FROM THE INSIDE, P. 121

[73] فصول من قصة حزب اللـه اللبناني (5) حازم طاغية الحياة 8 كانون الثاني/ يناير 2005.

[74] أثار هذا المؤلف موضوع التعويضات لأول مرة في دراسة نشرتها النهار 13 كانون الأول/ ديسمبر، تصدرت نشرات الأخبار المسائية ولاقت اهتماماً دولياً فتبنتها الحكومة اللبنانية وحملها سليم الحص إلى كافة المؤتمرات العربية والدولة وفاتح فيها وزير المال جورج قرم السفير الأميرير في بيروت، راجع كمال ديب، ثمن الدم والدمار- التعويضات المستحقة للبناء جراء الاعتداءات الإسرائيلية، بيروت شركة المطبوعات، 2001، وجورج قرم، الفرصة الضائعة في الإصلاح المالي في لبنان، بيروت، شركة المطبوعات 2001، ص 66.

[75] حزب اللـه وشركاؤه في المشروع، حازم صاغية، الحياة 19 شباط/ فبراير 2005.

[76] أحمد بيضون، الجمهورية المتقطعة ص 51.

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19
« »
المصادر او الهوامش

معلومات النشر:

اعداد: العنكبوت الالكتروني

عنوان الكتاب: أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان

تأليف: كمال ديب

الناشر: دار النهار للنشر

تاريخ النشر: 01/02/2007

إشترك في خلاصة التعليقات عدد التعليقات: (1 منشور)

avatar
joe bloe
الثلاثاء, 10 كانون الثاني / يناير 2017, 07:45:PM
يسمح لنا الأخ وليد جنبلاط بالنسبية اذا أراد ان ينمو البلد ويتطور. جورج واشنطن وابراهام لينكلن كانوا اباء الحضارة الأميركية ولن نرى أحدا من احفادهم يتزعمون فئة في الحكومة الأميركية. نريد دم جديد يحكم البلد, ولا دور للآقطاعية. نرجو من الكل ان يفهموا ذلك. استفردوا بالبلد فامتصوا دماء شعبه. لا يجب ان يكون أي شخص فقير اذا كان يوجد إدارة حسنة للمال العام. فما ذنبهم؟ أخاف عليكم من كثرة ذكائكم.
المجموع: 1 | عرض: 1 - 1

إكتب تعليق

البريد الالكتروني يبقى سرّي و لا ينشر
  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

- التعليقات الواردة من القراء هي مسؤولية أصحابها ولا تعبر عن رأي إدارة الموقع بالضرورة
- تتم مراجعة تعليقاتكم قبل نشرها عن طريق إدارة الموقع

- (سياسة نشر التعليقات)

تابعونا

  1. دول خليجية تحذر رعاياها من السفر إلى لبنان (5.00)

  2. وفاة "ملكة الديسكو" دونا سمر عن 63 عاماً (5.00)

  3. معارض صيني ضرير بمطار بكين متوجهاً لنيويورك (5.00)

  4. الاكتئاب لدي المراهقين .. له إشارات يجب الانتباه لها (5.00)

  5. صحف العالم: أمريكا "تعاقب" باكستان بعدد سنوات سجن أفريدي (5.00)

  6. فيلم منتظر يكشف تفاصيل اغتيال بن لادن (5.00)

  7. أستراليا: التيار الوطني الحر في سيدني ينعي فقيده المفكر و المناضل والاعلامي المخضرم الأستاذ بطرس عنداري (5.00)

  8. الرحيل المفاجئ (5.00)