إعلانات Zone 4B

[CLOSE]

إعلانات Zone 3B

[CLOSE]
أحدث الأخبار:

إعلانات Zone 2B

[CLOSE]
الرئيسية | ثقافة | رفوف المكتبات | أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان (19 حلقة كاملة)

أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان (19 حلقة كاملة)

آخر تحديث:
image
الكاتب:
عدد المشاهدات: 33707
عدد التعليقات: (1)
قيّم هذا المقال/الخبر:
3.00
حجم الخط: A+ A-
نسخة صالحة للطباعة   نسخة نصية   أرسل إلى صديق

إعلانات Zone 6B

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19
« »

 أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان - الفصل السادس عشر: رفيق الحريري آخر التجار

الفصل السادس عشر

رفيق الحريري آخر التجار

 

ما يحتاجه لبنان هو رجل واحد يملك ربما وخمسة ملايين دولار أو أكثر يستطيع بضمير وتفان أن يعمل من أجل تنمية البلد وتطويره ليحقق لبنان ذاته.

جبران خليل جبران

 

في سياق استعمالنا المحايد في هذا الكتاب لعبارتي "أمراء الحرب" و"تجار" أي دون أحكام مسبقة على مزايا هؤلاء الحسنة وأخطائهم ربما كان رفيق الحريري أهم تجار لبنان التاريخيين، حيث فاق في نجاحه الشخصي وعمله في السياسة كلاً من ميشال شيحا وإميل البستاني بيدس وروجيه تمرز وغيرهم، وإذا كانت علاقة اللبنانيين بأمراء الحرب هي علاقة عشق وكره، علاقة تقديس وتأليه وعبادة أشخاص، فثمة جدل ساخن وبون شاسع في نظرة اللبنانيين إلى التجار وهي نظره معممة على أي ححال على رجال الأعمال وأصحاب المال بشكل عام هل التاجر المرموق في لبنان هو مقاول يبحث عن صفقات أم هو من بناة الوطن، ومن المساهمين في اقتصاده؟ وهل الجمع بين التجار والمنصب العام في لبنان خطيئة؟ وهل يمنع ذلك قانونياً أو ما يردعه أخلاقياً؟

امتدت حياة الحريري العامة فترة 30 عاماً، من أواخر السبعينيات في القرن العشرين وحتى منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وانقسمت إلى ثلاث مراحل:

ـ مرحلة البناء الشخصي من 1968 إلى 1978.

ـ ومرحلة البروز الهام على الساحة اللبنانية من 1979 إلى 1991.

ـ ومرحلة الزعيم السياسي ورجل لبنان القوي ورئيس الوزراء من 1992 إلى 1998 ومن 2000 إلى 2004.

طبع الحريري عقد التسعينيات بنكهته الخاصة كمستر ليبانون MR LEBANON وطغى مشروعه للإعمار وعمم أسلوبه في الحكم، في فترة برز فيها المال كأهم أداة في الممارسة السياسية، وقلة هي المؤلفات المطبوعة أو الدراسات أو البرامج التلفزيونية أو مواقع الانترنيت التي تتعاطى مع ظاهرة الحريري بأسلوب نقدي موضوعي، فأغلبيتها الساحقة إشادات لا تخرج عن النمط الشرقي في مدح الغني والسلطان، قد يمقتها الحريري نفسه.

كما صدر عمل موسوعي في بيروت عن الحريري في عشرة مجلدات[1]، وثمة عدد قليل من الأعمال في باب النقد، بعضها صادر عن شركة المطبوعات وبعضها الآخر كان عبارة عن برامج تلفزيونية على تلفزيون الجديد انتقدت أداء حكومات ما بعد الحرب "حيث يملك المؤسستين رجل الأعمال تحسين خياط وهو خصم للحريري" ولكن بعض النقد وصل إلى حد الهستيريا والعداء الشخصي في مهاجمة كل ما يتعلق بالرئيس الحريري وصولاً إلى اعتماد نجاحه المالي وبنائه لنفسه بنفسه وكأنه ارتكاب جريمة، وتفسير أعماله الخيرية والمنح الدراسية والمدارس والمستشفيات وكأنها غاية في نفس يعقوب، وثمة أيضاً دراسات وفصول في كتب تتعاطى مع الوضع اللبناني برمته وتأتي على ذكر الحريري وإنجازاته وأخطائه.

على الباحث إذن أن يجمع من كم الإطراء، إلى النقد إلى الكلام الموضوعي ليرسم صورة تقريبية عن الحريري كإنسان له الكثير من المزايا الحسنة وليس سيئاً إلى الدرجة التي هوجم وانتقد بها، ولكنه ليس قديساً تبدأ الأمور بظهوره على الساحة وتنتهي بخروجه منها، إذ ليس من الهين نفي العوامل التي جعلت رفيق الحريري شخصية مثيرة للجدل مع ضرورة احترام ذكاء القارئ مهما كان مدى قربه للحريري ومهما كان طغيان المشهد العاطفي على العقل والمنطق كبيراً:

ـ على الصعيد الشخصي كان الحريري ذات شخصية قريبة ومحببة، نشأ في وسط شعبي وتعاطى مع الناس العاديين، وذكر من عرفه عن كثب أنه صاحب شخصية قيادية وكاريزما، التقاه مؤلف هذا الكتاب أثناء زيارة وفد رسمي لبنان لكندا عام 1997 ورآه في لقاء مع الجالية اللبنانية في أوتاوا يصافح أكثر من ألفي شخص على مدى ساعات، ثم في غداء حضره وزراء وأعضاء الوفد، منهم فؤاد السنيورة وجان عبيد وياسين جابر وسفراء وأشخاص عاديون من الجالية، كان الحريري دائم الابتسام في الطرائف ويحادث سائر الموجودين بلهجة عادية في فيلم تسجيلي أعده عمر أميرالاي، كان أسلوب حديث الحريري مع أميرالاي أسلوب رجل عادي يخاطب صاحبه في سوق صيدا القديمة لا أسلوب زعيم شرقي يثير الذعر في النفوس.

ـ وعلى الصعيد العام كان الحريري متمرساً باللعبة الديمقراطية في لبنان، رأس كتلة نيابية هامة وأصبح رئيس وزراء وزعيم طائفة كبرى، ولكنه كان ينفق بسخاء على الحملات الانتخابية، وعلى علاقة ممتازة مع أنظمة وأجهزة استخباراتية، ربما بما يتناسب مع حجم موقعه، وكان صاحب شركات ومشاريع تجارية حول العالم جعلته عضواً في نادي الشخصيات الثرية، ولأنه من رموز النظام اللبناني ما بعد الحرب، لم يكن الحريري خارج لوثة الفساد التي ضربت الجسم ضربت الجسم اللبناني بشكل مسبوق منذ 1990، كما استمر بشكل واع، كغيره من حكام لبنان منذ ما قبل الاستقلال حتى اليوم، في توسيع امبراطوريته المالية والتجارية وأثناء تعاطيه في الشأن العام وتبوئه منصب رئيس الوزراء منذ 1992.

يحار المرء بين صورة الحريري الرجل الوطني العصامي الذي بنى بلده، وهي صورة طغت بشدة بعد دفق التعاطف الشعبي العارم الذي أحدثه اغتيال عام 2005، وصورة الحريري الطموح الذي استعمل ورسائل غير فاضلة فرضها عليه الجو اللبناني الفاسد وانتهازية الطبقة الحاكمة.

والحريري شخصية عالمية على علاقات مباشرة مع أهم الشخصيات، وهي علاقات أفادت لبنان كثيراً خصوصاً في مواجهة إسرائيل في التسعينيات وفي التعاطي مع الأزمة المالية عبر مؤتمري باريس، وكان أيضاً على كوزموبوليتيه محافظاً قريباً من الأسرة المالكة في السعودية ومن دار الإفتاء في بيروت، وقف ضد تشريع الزواج المدني الاختياري في لبنان، ومول بناء مساجد كبرى، فكان زعيماً من موقع السنة في العمق يعرف ممارسة الدور الذي يساير واقع لبنان، وأيضاً أسوة بغيره من الحكام في كل الطوائف.

يرى الاقتصادي مروان اسكندر أنه لا شك أن اسم وشخص رفيق الحريري، صاحب التأثير الأكبر في خواطر اللبنانيين منذ بداية الثمانينيات وحتى تاريخه ورئاسته لمجلس الوزراء، فترة إنجاز غالبية مشاريع البنية التحتية وإعادة تأهيل 1280 مدرسة حكومية حولت الانتباه إليه عن صفته كرجل أعمال ناجح على مستوى مدهش ورجل خير أطلق مشروعاً من أكبر مشاريع المعونات التعليمية في القرن العشرين، إلى تقييم ممارسته السياسية، نركز على رفيق الحريري كرجل أعمال تفاعل مع حاجات اللبنانيين وصاحب مشروع المعونات التعليمية والصحية والاجتماعية الذي لا نظير له في لبنان والشرق الأوسط والعالم الخارجي[2].

أما نجاح واكيم النائب السابق في البرلمان فقد انتقد بشدة حكومات ما بعد الحرب حيث زاد الخير عند أهل الحكم وشح عند المواطنين وأن العمل السياسي سمسرة وأن ما ينطبق على الحريري ينطبق على أركان السلطة الذين يتبارون في التماثل به[3].

ويرى جورج قرم، وزير المالية السابق أن الحريري قد حاول اختصار لبنان ما بعد الحرب في شخصه بحيث تتحول البلاد إلى ملكية شبه خاصة لرجل واحد فتزول جميع القيم ما عدا قيمة المال والمضاربات العقارية والمالية، وبيع أهم العقارات وأجملها إلى أغنياء الخليج، وأن الحريري نفسه منذ نهاية السبعينيات تبع سياسة نشطة في شراء العقارات لحسابه ولحساب ولي العقد السعودي، هذا الرجل الذي أصبح وزراء لبنان، ثابر في سنوات الحرب على امتلاك كل ما هو للبيع بسعر جيد: مصارف شركات تأمين، متاجر كبرى، أراض ممتازة في الأحياء البيروتية الجميلة[4].

وهكذا وقبل أن يصل إلى منصب رئاسة الوزراء عام 1992، كان الحريري مفتاحاً للمال الدولي يعد من بين الرجال الأكثر وحضوراً في العالم، متربعاً عرش أمبراطورية إعلامية ومصرفية يتجول بطائرة خاصة، صديق INTIME للرئيس الفرنسي جاك شيراك، زائر للبابا تفتح له بسهولة أبواب كبار هذا العالم، لقد امتلك الحريري عدة طائرات من طراز بوينغ تركن بشكل دائم على مدرج مطار بيروت، يستعمل هو شخصياً إحداها موديل بوينغ 777، وهي الأكبر والأفخر، ويستعمل أفراد عائلته وأصدقائه الطائرات الأخرى[5].

أما على بساط الإنجازات وفي ظل 15 سنة من عمر الجمهورية الثانية فقد ترك الحريري كرئيس للحكومة لفترة 10 سنوات على الأقل بصمات حسنة سيقدرها اللبنانيون لعقود، في تلك الفترة أعيد إعمار جزء من وسط بيروت وإنجاز بعض المشاريع في المناطق خاصة في أمور البنى التحتية، وتحرر الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي، وخرج الجيش السوري من لبنان، وابتعد لبنان كثيراً عن حروب الثمانينات ودمارها واستتب الأمن وعاد السياح.

وفاق الحريري شخصياً كل من سبقه من أثرياء لبنان في عمل الخير، حيث أسهمت مؤسسة الحريري في تعليم 34 ألف لبنان "من 1979 إلى 2005" وقدم خدمات اجتماعية وقام بأعمال خيرية، وحمل مشروعاً إعمارياً لاقى إجماع قوى الأمر الواقع "وإن شابه النقد والاعتراض الشديدان وظهرت ضده عشرات المطالعات القانونية والدراسات والمؤلفات لاسيما في ما يتعلق بمشروع سوليدير، وكان الحريري من المشاركين ومن مهندسي مؤتمرات الحوار الوطني في جنيف ولوزان والطائف في الثمانينات، حيث ذكر كثيرون لهفته واهتمامه الشديد في أن تتقارب وجهات النظر ويتصالح أمراء الحرب من أجل لبنان، وكان صاحب دور رئيسي في مواجهة العدوان الإسرائيلي في نيسان/ إبريل 1996 "حيث ذكرت صحيفة النهار أنه ظهر في محطات التلفزة 299 مرة خلال ذلك الشهر، بمعدل 9 مرات في اليوم الواحد، دفاعاً عن لبنان وضد العدوان الإسرائيلي[6]، فأطلق ألقاباً عديدة عليه كباني لبنان وصانع السلام، وأنه وضع لبنان على الخريطة وآمن بنهضة الوطن في أحلك الظروف وأبو الفقير ومساعد الطلاب وفاعل الخير ومجدد بيروت، غيره خرب وهو عمر إلخ.

** ** **

أسس الحريري لحضوره الكبير ببناء حلقات ثلاث، هي الحلقة السعودية والحلقة الفرنسية والحلقة اللبنانية، ما يثبت أنه كان شخصاً شديد الذكاء وإنساناً فوق العادة ليكون له هذا الحضور المحلي والعربي والدولي.

 

الحلقة السعودية

ولد رفيق الحريري في صيدا عام 1944 ونشأ في عائلة متواضعة وفي بيئة قومية عربية، وخاصة بيئة حركة القوميين العرب التي خرجت منها تنظيمات شيوعية كمنظمة العمل الشيوعي بقيادة محسن إبراهيم والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بقيادة جورج حبش لديه شقيقة هي النائب بهية الحريري وشقيق هو رجل الأعمل شفيق الحريري وسيرة الحريري هي مثال الإنسان الذي بنى نفسه وحقق أشياء لنفسه ولعائلته وبلده ما لم يحققه أي شخص آخر بمفرده، أنهى رفيق الحريري سنة دراسية في جامعة بيروت العربية في التجارة عام 1965، وسافر إلى السعودية حيث عمل أولاً كمدرس ثم كمحاسب ليدخل بعد ذلك عالم المقاولات بمعونة كقيلة عائلة ناصر الرشيد "من أغنياء المملكة" وبعدما أسس شركة تعني بعقو صغيرة في البناء والأشغال العام CICONEST عام 1969 حقق الحريري أول مليون دولار في حياته في عيد ميلاده الثلاثين 1974 [7]، ثم بدأ يعمل في مشاريع البنية التحتية في وقت كانت فيه السعودية تخصص ميزانيات ضخمة للتنمية والعمران.

وأخذ الحريري يوسع نطاق علاقاته حتى أصبح معروفاً في أوساط الأسرة الحاكمة وخاصة لدى ولي العهد الأمير فهد الذي كان وزيراً للداخلية[8]، في تلك الفترة أقام الحريري علاقات مع بنك المتوسط في بيروت ومع صاحبه جوزف عبده الخوري، وكان هذا البنك نشطاً في باريس فساعد الخوري على الاتصال والتعاون مع شركات فرنسية للمقاولات فأسس الحريري من هذا التعاون مع الفرنسيين شركة باسم أوجيه في السعودية في بداية 1978، وشارك الأمير عبد العزيز نجل الأمير فهد في شركة أوجيه ما وفر للحريري حماية وتبيناً لأشغاله على أعلى المستويات وحصل على الجنسية السعودية، ثم اشترى الحصة الفرنسية وأصبحت أوجيه السعودية ملكاً له بشبكة أعمال في السعودية ولبنان وفرنسا وارتبط اسم الشركة بمشاريع عمرانية كبرى كبناء فندقي المسرة وشيراتون في مدينة الطائف خلال فترة زمنية قصيرة.

برز اسم الحريري عام 1978 في لبنان كرجل أعمال لبناني يحمل الجنسية السعودية وكمبعوث للسعودية يؤمن المنح الدراسية ويقيم علاقات مع شخصيات لبنانية ويقوم بأعمال خيرية، وبعد الاجتياح الإسرائيلي عملت شركة أوجيه ليبان التي أسسها على تنظيف الوسط التجاري ورفع الأنقاض تمهيداً للإعمار ويرى جورج قرم أن أوجيه التي قامت بعملية التنظيف في أيلول /سبتمر 1982 واستمرت أشهراً جرفت أسواق بيروت القديمة والأثرية والتي كان بالإمكان ترميم معظمها ما ألحق الأذى بالتراث اللبناني[9]، كما شارك الحريري كعضو في الوفد السعودي فيمؤتمري جنيف ولوزان للحوار الوطني عامي 1983 و1984 ثم كموفد سعودي يرافق الأمير بندر بن سلطان في زيارات إلى دول عدة عامي 1985 و 1986.

بلغ حجم أعمال الحريري في أوائل الثمانينيات المليار دولار في بلدان عدة في مجالات البناء والمقاولات وصناعة مواد البناء وإدارة الفنادق وخدمات المعلوماتية وإدارة مشاريع الإعمار والاستشارة والصيانة والمصارف واشترى مجموعة المتوسط للاستثمار وأولى إدارتها فؤاد السنيورة الذي كان رئيساً للجنة الرقابة على المصارف في لبنان والذي أصبح وزيراً للمالية في حكومات الحريري فيما بعد[10]، وأصبح المتوسط من أكبر المصارف في لبنان وارتبط فرعه الباريسي بمجموعة اندوسويز الفرنسية كما جمع شركاته واستثماراته خارج القطاع المصرفي في شركة واحدة هي FRADIM FRANCE في باريس عام 1986 وتوسع في جنوب افريقيا حيث افتتح شركة CELL C لخدمات الخليوي عام 2001 وأصبح لدى هذه الشركة أكثر من مليونين و 500 ألف مشترك خلال أربع سنوات.

بلغ عدد موظفي وعمال أوجيه في أنحاء العالم أكثر من 30 ألفاً وقيمة أعمالها أكثر من 3 مليارات دولار أميركي، رأس أعمالها لعدة سنوات في السعودية سعد الحريري نجل رفيق الحريري وكان نائب رئيسها نبيل الجسر الذي أنجز مشاريع كبرى لـ أوجيه في السعودية وسورية وهو من العائلة الطرابلسية المعروفة وترأس لاحقاً مجلس الإنماء والإعمار، وأصبح لشركة أوجيه ومجموعة المتوسط استثمارات وأعمال في الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وشمال افريقيا وجنوب افريقيا ولبنان والسعودية، ومكاتب إدارة تنفيذية ومكاتب خدمات في سويسرا وألمانيا وانكلترا والمغرب وإيطاليا والولايات المتحد، عقارات بمساحة مليوني قدم مربع في مدينة هيوستن في تكساس، وفرنسا والسعودية، كما دخلت في مجال الاتصالات المتقدمة والخليوي والإنترنيت[11] ويعلن موقه الشركة على الانترنت أنها تتبع القانون السعودية، وآخر تحديق لجدول هيئة إدارة الشركة "أيار/ مايو 2006" يظهر نائب رئيس الشركة بهاء الحريري [12]والمدير العام سعد الحريري فيما ترك منصب رئيس مجلس الإدارة شاغراً[13].

وإشارة إلى مدى نجاح الحريري في عالم الأعمال، أنه استحق الذكر في لائحة مائة أغنى شخص في العالم في مجلة FORBES الأمريكية في الثمانينات ولكنه أصبح رابع أغنى رجل سياسي في العالم عام 2002 كما قدرت نفس المجلة ثروته بـ 3و4 مليارات دولار في لائحة أثرياء العالم للعام 2005، وأن ورثته توزعوا مبلغ 7و16 مليار دولار عام 2006 "بعد عام من اغتياله" كما أن كل فرد من أفراد عائلته ظهروا على لائحة فوربس عام 2006، ومنهم هند الحريري التي ذكرت فوربس ثروتها بـ 2و1 مليار دولار.

أقام الحريري في قصر قريطم في شارع مدام كوري "منطقة رأس بيروت" الذي اشتراه من رجل الأعمال نجيب صالحة ووسعه باتجاه شارع اللبنان وأضاف طبقات ليصبح أضعاف حجمه الأساسي[14]، كما اشترى قصر رئاسة الجمهورية السابق في حي القنطاري الذي أصبح ستديو لتلفزيون المسمتقبل، واشترى قصر كميل شمعون في السعديات، ومقر سفير بريطانيا الفخم في بيروت، وأبنية فخمة على شارع فردان ومدرسة الكرم سان جوزف وسنتر قازان وغيرها.

ظهر طموح الحريري إلى رئاسة الوزارة مبكراً عام 1982 حيث شوهد منهمكاً في صياغات متعددة لحكومة كان يتوقع ترؤسها في مطلع العهد الجديد في فندق بريستول في بيروت[15]، بعد انتخاب بشير الجميل رئيساً للجمهورية، ومد خطوط صداقاته في لبنان، إذ أن عدم وصوله إلى منصب رئاسة الوزراء عام 1982 لم يعن ذلك أنه فقد الأمل ومن منطلق محاولاته تقريب وجهات النظر والتوصل إلى حل ينهي الحرب اللبنانية، كان يقدم مساعدات للميليشيات الرئيسية "القوات اللبنانية" والحرب التقدمي الاشتراكي وحركة أمل التي كانت تشكو من نقص فادح في التمويل في الثمانينات لإغاثة عناصرها، ولفتح صداقات في المناطق الشرقية استند إلى مساعدة جوني عبدو فأسس لعلاقة مع أمين الجميل ثم بعدما ابتعدت سورية عن الجميل سعى الحريري إلى صداقة إيلي حبيقة الذي موله بمبلغ 400 ألف دولار في الشهر[16]، وكان هذا مهماً لدعم الاتفاق الثلاثي عام 1985 ثم كانت صداقة مع العماد ميشال عون، حيث كان الحريري يرسل معونة شهرية قيمتها نصف مليون دولار للجيش توزع على المحتاجين من العسكر، وكان زهي البستاني أبرز مستشاري بشير الجميل، نقطة اتصال الحريري بالقوات اللبنانية[17]، وبقي للمال دور في لبنان ما بعد الحرب حيث يقول جورج قرم إن مسؤولي الدولة الكبار كانوا يتلقون مبالغ سخية من مؤسسات الحريري[18].

 

الحلقة الفرنسية

الناظر إلى علاقات ومشاغل الحريري حول العالم، يخال أن حضوره اللبناني ربما أتى في الدرجة الثالثة بعد السعودية وفرنسا، فقد كانت باريس محطة الحريري المفضلة منذ بدء انطلاقته، حيث اشترى قصر غوستاف إيفيل "المهندس الذي بنى برج إيفيل في باريس" لاقامته، وجعل من العاصمة الفرنسية مركزاً لشركاته، سعودي أوجيه وفراديم ومؤسسة الحريري وأسس لعلاقات مميزة مع الطبقة السياسية الفرنسية وساهم في تحريري الرهائن الفرنسيين في لبنان وقدم قروضاً لإنقاذ البنك السعودي من التعثر[19]، واتخذ مكاتب لمستشاريه في باريس قرب السفارة اللبنانية التي أعاد ترميمها وتأهيلها بكلفة مرتفعة لساكنها الجديد السفير جوني عبدو.

كان الزعيم الديغولي جاك شيراك أبرز الشخصيات الفرنسية التي كانت على علاقة وثيقة مع الحريري، صداقة الحريري مع جاك شيراك بدأت باكراً، حيث تعاون الاثنان في عدة مجالات سياسية واقتصادية، ومنذ أقام الحريري المقر الرئيسي لأعماله في باريس مع شركتيه أوجيه انترناسيونال وفراديم وهو يتلقى المعاملة الخاصة ويستقبل استقبالاً مميزاً من الدولة الفرنسية ومن صديقه جاك شيراك رئيس بلدية باريس ولم يتراجع طموح شيراك الرئاسي في تلك الفترة، بل واصل عمله السياسي حتى فاز تحالف محافظ يقوده الديغوليون في انتخابات برلمان 1986 بسبب بعض سياسات ميتران الفاشلة بقوة تعايش وأصبح جاك شيراك رئيساً للحكومة مع ميتران كرئيس للجمهورية في الفترة 1986-1988 وفي تلك الفترة دعا شيراك الحريري ليكون شريكاً في مصرفي PARISBAS و INDOSUEZ عند خصخصتهما ومشروع بورت مايو العقاري[20].

في الثمانينيات تطورت العلاقات بين فرنسا والعالم العربي وخاصة بعد التقارب الكبير حول الحرب العراقية الإيرانية وتسليح باريس لبغداد وكان من ثمرات هذا التقارب افتتاح معهد العالم العربي في باريس، وهو شراكة عربية فرنسية على مستوى الحكومات لإبراز الثقافة العربية في أوروبا، وكان الاتفاق أن تساهم الدول العربية مع الدولة الفرنسية في تمويل المعهد ولكن بعض الدول العربيةماطل في تسديد حصصه ما دفع الحكومة الفرنسية إلى تحمل مسؤولية تسديد الجزء الأكبر في الكلفة الباهظة، وعندما كان إدغار بيزاني، الوزير الديغولي السابق رئيساً للمعهد أنقذ الحريري الوضع بتقديم منحة بقيمة 16 مليون دولار، وحفظ بيزاني ذلك للحريري عندما أصبح مستشاراً لدى الرئيس الاشتراكي فرنسوا ميتران في الوقت الذي كان المجلس الأعلى للإعلام الفرنسي يدرس ملف امتلاك الحريري لراديو الشرق "راديو أوريان" في باربس عام 1991 وكانت النتيجة أن المجلس وافق على طلب الحريري ومنحه أفضل الشوط الممكنة[21]، "موجة بث مميزة وجهاز بث على رأس برج إيفيل بقوة ألف واط وأجهزة مماثلة في عدة مدن فرنسية" ويعتبر راديو الشرق في باريس أقدم وأقوى محطة عربية في أوروبا، امتكله عام 1980 اللبناني رغيد عصام الشماع الذي كان على علاقة طيبة مع أعضاء في الحكومة الفرنسية وخاصة وزيرين متعاقبين للداخلية هما شارك باسكوا وفيليب مارشان، وبدلاً من أن يصبح راديو الشرق وسيلة لنشر الإعلام العربي ومساعدة المهاجرين العرب، أصبح منبراً لأغنياء وأمراء الخليج، كما استعملته الشخصيات الفرنسية كوسيلة للتقرب من السعودية والدول النفطية عبر إجراء المقابلات، وللإذاعة مقر مميز على جادة فوش الثرية في قلب العاصمة الفرنسية.

كما أنقذ الحريري البنك السعودي في باريس، الذي تعرض لسحوبات كبيرة من زبائنه الخليجيين، وكان تدخل الحريري مفيداً جداً لسطات النقد الفرنسية، أتى عشية تعثر مصرفين لبنانين "راجع الفصل 13" ما هدد بسمعة باريس كمركز مالي عالمي، بأن المصارف الأجنبية تتعثر فيها بالجملة هذه الفضائل فتحت للحريري رصيداً ممتازاً مع الدول الفرنسية، واعترافاً بنشاطات الحريري وتقديماته العديدة، وافقت الحكومة الفرنسية على إضافة اسمه إلى دليل الديبلوماسيين المعتمدين لدى فرنسا كمستشار ثالث للسفارة السعودية في باريس ما منحه حصانة ديبلوماسية وأخذ أهل السياسة في فرنسا يستعملون عبارة ظاهرة الحريري HARIRI MANIA.

وعملت شركة فراديم التي يملكها الحريري جنباً إلى جنب مع شركتي كوجيديم ودوميز اللتين يملكهما شيراك في مشاريع عمرانية وبنية تحتية في باريس والكوت دازور، وبناء فندق شيراتون في بروكسيل وترميم وفندق فان دايك وقصر مونتي كارلو في موناكو وقصر غوستاف إيفل في التروكاديو في باريس ومشاريع أخرى عديدة.

ورشح شيراك نفسه للرئاسة مرة ثانية عام 1988 ضد ميتران الذي استطاع الحصول على ولاية ثانية، ولكن شيراك استمر قوياً في البرلمان وفي منصبه كعمدة باريس الذي بقي فيه 18 عاماً حتى 1995 ما وفر له قاعدة قوية لانتخابات الرئاسة 1995 فتفوق على المرشح الديغولي إدوار بالادور والمرشح الاشتراكي ليونيل جوسبان وأصبح رئيساً للجمهورية في وقت كان الحريري رئيساً للحكومة في لبنان.

تطورت العلاقات بين فرنسا ولبنان في التسعينيات، ليس بسبب العلاقة الجيدة بين الحريري وشيراك فحسب بل بسبب نهاية حرب لبنان وبدء مرحلة الإعمار، وكان ثمة خمسة آلاف شركة فرنسية خاصة لها مصالح واستثمارات وارتباطات تجارية متواصلة مع لبنان، منها 150 شركة لها فروع ومؤسسات ثابتة ومكاتب في بيروت، وفي نفس الوقت كان ثمة 15 ألف مواطن فرنسي مقيم في لبنان.

إضافة إلى سفراته التي لا تعد إلى العاصمة الفرنسية كرجل أعمال قام الحريري بأكثر من 20 زيارة رسمية إلى باريس كرئيس للحكومة في التسعينيات، حيث كان جاك شراك يستقبله شخصياً، بعد انتخابه رئيساً للجمهورية عام 1995، في قصر الإليزيه وقلده في إحدى الزيارات وفي احتفال خاص، الوسام الأعلى للجمهورية الفرنسية برتبة كوماندور في جوقة الشرف، فيما زار شيراك بيروت بعدما أصبح رئيس الجمهورية في فرنسا، أربع مرات فضرب الرقم القياسي التاريخي لزيارات رئيس فرنسا إلى دولة خارج أوروبا، وعندما زار شيراك بيروت عام 1996 في أول زيارة رسمية لرئيس فرنسي إلى لبنان بعد الحرب، نزل ضيفاً على الحريري في قصره[22]، وكانت زيارات الحريري إلى شيراك في فرنسا متكررة وعديدة إلى درجة لم تشهدها فرنسا من مسؤول خارج أوروبا، حيث كان الحريري ضيفاً في قصر الإليزيه مراراً يستقبله بحفاوة مميزة، وفي إحدى المرات عرض التلفزيون الفرنسي انتهاء الزيارة بوقوف شيراك والحريري على عتبة القصر الأمامية يتداولان حديثاً أخيراً ثم شراك يسير مع الحريري إلى موكبه المنتظر مودعاً ويفتح له باب السيارة[23]، هذه العلاقات الوثيقة دفعت صحيفة فرنسية محافظة كـ الفيغارو أن توجه نقداً لاذعاً ونادراً لشخصية ديغولية مثل جاك شيراك حيث وصفته أنه رجل الحريري في فرنسا[24]، وهي علاقت ربما لن تتكرر لوقت طويل بين لبنان وفرنسا بعد اغتيال الحريري عام 2005.

 

الحلقة اللبنانية

جرى تأسيس ما عرف بحكم الترويكا في لبنانما بعد الحرب "الرؤساء الثلاثة" الياس الهراوي ونبيه بري ورفيق الحريري" على ثلاث مراحل كان لسورية اليد الطولى فيها، فبعد اغتيال رئيس الجمهورية المنتخب رنيه معوض عام 1989 جرى تجاول عدد من الأسماء لمنصب رئيس الجمهورية، وتوجه حسين الحسيني، رئيس مجلس النواب إلى دمشق لمقابلة الرئيس حافظ الأسد وعرض عليه اسم المرشح بيار الحلو، واكتفى الأسد بالقول: غيرو.. أي أنه لم يعجبه بيار حلو وعلى الحسيني أن يقدم اسماً آخر، فذكر الحسيني اسماً آخر لن يلق الاستحسان أيضاً، عندما أعطاه الأسد التعليمات إذهب واجمع النواب وانتخبوا الياس الهراوي[25]، ويشير الهراوي في مذكراته إلى تغيير رئيس مجلس النواب في نفس الفترة بقوله: تطرقت مع الرئيس الأسد إلى موضوع رئاسة مجلس النواب فشأشرت بكل هدوء إلى عدم إمكاني متابعة السير بوجود حسين الحسيني على رأس الهيئة التشريرعية، وأشرت إلى أن رئيس المجلس أصبح بعد إقرار دستور الطائف شيه دكتاتور فولايه أربع سنوات ولم يبق بحاجة إلى رئيس الجمهورية الذي تضاءلت سلطته على مجلس النواب مقارنة بما كانت عليه في ظل الدستور القديم.

لم يدخل الحريري السلطة فجأة، فقد قامت حكومة عمر كرامي عام 1991 بتعيين عدد من مستشاري الحريري في مراكز في إدارة الدولة، منهم الفضل شلق كرئيس لمجلس الإنماء والإعمار وكان مدير شركة أوجيه ثم مؤسسة الحريري، وميشال الخوري حاكماً لمصرف لبنان ومحمد بعاصيري رئيساً لهيئة الرقابة على المصارف، كما أقرت جكومة كرامي قانون الشركة القعارية كمؤسسة بديلة عن وزارة التصميم.

بنى الحريري منذ أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات صداقات مع أصحاب الشأن في لبنان وسورية، فتكررت زياراته إلى المسؤولين في هذه الدول، كما سعت إليه شخصيات عامة في أماكن إقامته المتعددة داخل لبنان وخارجه، وعلى سبيل المثال يشير الهراوي إلى أنه زار الحريري في باريس برفقة صديقهما المشترك جوني عبده في الثمانينات، وأنه التقى هناك جان عبيد الذي كان مدعواً إلى مائدة الحريري وأنه التقى الحريري ثانية في حفل زواج الابن الثاني لنائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام، الحريري الذي كان من مهندسي محاولات إنهاء الحرب في لبنان أصبح معروفاً لدى الجميع حتى قبل انعقاد مؤتمر الطائف، عام 1989 في قصر في مدينة الطائف السعودية، تولت شركة الحريري تشييده، فقد كان الحريري في عداد الوفد السعودي في مؤتمر جنيف ولوزان عامي 1984 و 1985 ورافق وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل إلى دمشق وأنشأ صداقات مع نائل الرئيس عبد الحليم خدام ورئيس أركان الجيش حكمت الشهابي وكان يزور الرئيس حافظ الأسد بين فينة وأخرى، وفيما رعت حكوةمة انتقالية برئاسة رشيد الصلح انتخابات برلمان 1992، اتهم الحريري بانفاق المال على مرشحيه في اللوائح المعلبة والمضمونة في بيروت والمناطق "وهو سلوك متبع منذ عقود في الانتخابات اللبنانية".

عندما سمت دمشق الحريري رئيساً للحكومة عام 1992، وافقت الطبقة الحاكمة اللبنانية بدون إبطاء، أو حسب تعبير الياس الهراوي حين كنا نتفق في سورية على أمل ما كان التيار يمر دون عوائق في لبنان، وبالفعل أكثرية النواب حتى رؤساء الحكومات السابقون طالبوا به سليم الحص اعتبر أن مجيء رفيق الحريري منيح في هذه الظروف، وعمر كرامي قال "لا حول ولا قوة: فليكن رفيق الحريري[26].

وكان للحلقة السعودية دور في دعم حكومة لبنانية برئاسة الحريري ورثت عملياً الدور المصري في لبنان، حيث رأى رينيه نبعة "مراسل وكالة الصحافة الفرنسية" أن إنعاش الإسلام السني في لبنان كان الشخص المناسب لهذا الدور، ولأن الحريري كان يحمل الجنسية السعودية التي تفرض على حاملها أن يتخلى عن أي جنسية أخرى، سهلت له الأسرة المالكة مهمته بتجميد جنسيته ليتسنى له أن يصبح رئيساً للحكومة اللبنانية ولتبقى مجمدة طيلة فترة وجوده في الحكم[27].

وهكذا برز رئيس وزراء قوي ورئيس مجلس نواب قوي، يتمتعان بصلاحيات وفق الدستور الجديد الذي أقره اتفاق الطائف، فيما كان الهراوي الحلقة الأضعف في وقت انتشرت فيه عبارة الإحباط المسيحي، ثم بدأت الخلافات بين الرؤساء الثلاثة على الحصص، وإذ اطمأن الحريري أنه يدخل السلطة من موقع القوي "بفضل الحلقات الثلاث" أصبح من أهم رؤساء الحكومة في تاريخ لبنان إلى جانب رياض الصلح ورشيد كرامي وسليم الحص وصائب سلام، يقول الهراوي عن تشكيل الحكومة لم تكن عملية التأليق سهلة إذ استمرت تسعة أيام أمضيتها بين أخذ ورد مع رئيس الحكومة المكلف بسبب إصراره على توزير عدد كبير من الأصدقاء والمقربين إليه واستبعاد آخرين لا لسبب إلا لكونهم لا يروقون له.. ويضيف الهراوي: وكانت تعيينات الرؤساء والأعضاء في مجالس إدارات اثنتي عشرة مصلحة مستقلة تسبب بأول خلال بيني وبين رئيس الحكومة، فلاحظت أن تعيينات مجالس الإدارة وهي البند الأهم في الجلسة وردت في المرتبة التاسعة عشرة، لم أبد أي ملاحظة وعندما انتهى بت البند الثامن عشر قلت إني أعتذر عن عدم متابعتي حضور الجلسة، بعد انصرافي طرح رئيس الحكومة على التصويت اللائحة الأولى التي كان عرضها علي ورفضتها مع تعديل اسمين[28].

انتشرت عبارة "الترويكا" في التسعينينات للدلالة على الياس الهراوي ونبيه بري ورفيق الحريري ولكنه بمعنى سلبي مرادف لتقاسم الوظائف والمغانم ونعتاً لأسلوب عمل غير سليم يشبه الحكام السوفيات في روسيا "كلمة ترويكا بالروسية تعني ثلاثة" وإذ ينفي الهراوي هذا الطابع الأوليغوبولي في الحكم، يسأل: هل منع عدم لقاء الثلاثة معاً دون حصول رئيس مجلس النواب على القسم الأكبر من الوظائف؟. أعتقد أنه يحصل الآن على أكثر مما يحصل عليه في الماضي، الأمر ليس جدياً في لبنان ففي مختلف العهود كان رئيس مجلس النواب يستشار في تعيينات الموظفين الشيعة، ورئيس الحكومة في الموظفين من الطائفة السنية[29].

ولكن الدولة اللبنانية في مرحلة ما بعد الحرب كانت دون طموحات اللبنانيين، فلم يكن بروز الحريري كافياً للنجاح ، وبرأي نجاح واكيم، وهو رأي شاركه فيه كثيرون، أن الجمهورية الثانية كانت أكثر شراسة من إمارات الحرب وميليشياتها في عملية تدميرها لمقومات بناء الدولة والوطن والمجتمع، بدءاً بالاقتصاد الوطني الذي بدأ ينهار يوماً بعد يوم، إلى خزينة الدولة التي جرى العمل على إفلاسها بشكل منظم، إذ كان النهب المتعدد الأشكال أبرز وسائل تحقيق هذا الإفلاس، وصولاً إلى بنية المجتمع الذي ازداد تفتيتاً إلى عصبيات مذهبية، ليصادر من قبل ميليشيات رأس المال والسلاح، التي تحالف في استيلائها على السلطة.

لقد تمكن هذا التحالف الجهنمي بين ميليشيات السلاح وميليشيات رأس المال، من شل مؤسسات الرقابة والمحاسبة، بدءاً من مجلس النواب الذي يراقب سياسة السلطة وأداءها ويحمي الدستور إلى القضاء الذي يطبق القانون ويحاسب كل من يخرق قواعده ونصوصه، وصولاً إلى مؤسسات الرقابة الإدارية والإعلام الذي هو وسيلة المجتمع إلى المرفة[30].

ونتيجة للمناورات والتجاذبات بين أطراف السلطة، ضرب الحريري الرقم القياسي في عدد المرات التي لجأ فيها إلى الاستقالة وعاد عنها، ويقول الهراوي الذي كان يخوض تجربة كأول رئيس جمهورية ماروني في ظل دستور الطائف، إنه في أيار/ مايو 1994حرد الحريري وأعلن اعتكافه دون مزاولة أي نشاط رسمي بسبب خلاف على التعديل الوزاري، إلا أن الحكومة لمتعدل بسبب محاولات رئيس الحكومة التفرد بطرح صيغة التعديل دونما تنسيق مسبق معي ومع رئيس مجلس النواب[31].

وفي 24 آب / أغسطس 1994 في جلسة للحكومة شن عدد من الوزراء هجوماً على الحريري متهمين إياه بالهيمنة والتسلط على مجلس الوزراء والتفرد بالقرارات، الأمر الذي أدى إلى تهميش دورهم حتى داخل وزارتهم، وشرح وزير الإعلام ميشال سماحة العلاقة بين وبين مجلس إدارة تلفزيون لبنان الذي يرأسه أحد المقربين من الحريري والذي يملك الحريري 49 بالمائة من أسهمه، وطالب سماحة بحقه الدستوري في الإشراف على نشرة الأخبار، وإذ تعاقب الوزراء على فش خلقهم في الجلسة كان أعنفهم وزير "أمل" محمود أبو حمدان الذي كان ينتقد الحريري في كل جلسة ويناقش كل بند، فاعتبر الحريري أن نبيه بري وراء موقف ابو حمدان، وفي الأسبوع التالي رمى الحريري قنبلة في جلسة الوزراء، لست في جو عمل مناسب، وبإمكان الحكومة تكليف أي كان وأنا مستعد لوضع إمكاناتي في تصرف الجميع، أنا رئيس وزراء ولي كرامتي، ولم يتراجع الحريري عن فكرة الاستقالة إلا بعدما زار عبد الحليم خدام نائب الرئيس السوري،بيروت وقام بجولة على الترويكا[32].

 

الرؤية والمشروع

يقول نقاد الحريري لم يمتلك أي رؤية وإنه كرر كليشات الليبرالية الجديدة، إدار الحكومة وكأنها شركة خاصة ليتسنى له تطوير مصالحه الشخصية ومصالح حلفائه السياسيين وأتباعه، وأنه يشبه سيلفو برلسكوني رجل الأعمال ورئيس الوزراء الإيطالي [33]وبرلسكوني زعيم حركة فورزا إيطاليا "إيطاليا إلى الأمام" أصبح رئيساً للوزراء عام 1994 وخسر الانتخابات لصالح رومانو برودي عام 1996 ثم عاد رئيساً للوزارء عام 2001 ليخسر ثانية لبرودي عام 2006 وهو صاحب شركة FININVEST  أكبر شركة في إيطاليا بعد شركة فيات للسيارات، ومتخصص في المصارف والتجارة والإعلام وصاحب محطات التلفزة الرئيسية في إيطاليا التي تسيطر على نصف سوق التلفزة في البلاد[34]، ولم تعرف مصادر تمويل استثمارات برلسكوني التي بدأت منذ العام 1978 بسبب طبيعتها القابضة الصعبة التحديد، وهو أغنى شخص في إيطاليا حسب مجلس فوربس الأمريكية، وفي المرتبة 25 في لائحة أغنياء العالم بثروة شخصية تقدر بـ 12 مليار دولار عام 2005 كتبت عنه الصحف الإيطالية المعارضة أنه استعمل السلطة لمصلحته الخاصة وجاء على لسانه أنه ذكر لصحافي: لو لم أصبح رئيساً للوزراء لأصبحت الآن في السجن ولأفلست شركاتي[35].

استقطت الحريري في شخصه كل من سبقه من تجار نابغين وبارزين في لبنان،وكاد يختصر رؤية ميشال شيحا في لبنان كأمة تجار وسوق حرة ودور بيروت كمخزن للشرق، إلخ، وباشتراكه في السلطة بشكل واسع وبنشر فريق عمله في المواقع الحساسة "وهو تقليد يعمل به في دول الغرب الديمقراطية بتعيين فريق يقدر اللحاكم أن يعمل معه" كسر الحريري القاعدة التاريخية للطبقة التجارية التي سبقته والتي كانت تحرك السياسة من وراء الكواليس وتركز على المال، فأصبح الحريري أمير التجار غير المتوج، وفي الفترة التي حكم أثناءها الحريري، اتخذ الفساد والرشوة والمحسوبية والمحاصصة وكلها أمور كانت تحصل منذ قيام الدولة اللبنانية، طابعاً جديداً عندما بلغت أموال الفساد المتداولة مستويات غير مسبوقة فرشوة المائة ألف دولار كانت تلقى الاستهجان في أوائل السبعينيات، حلت مكانها رشوة المليون دولار والعشرة ملايين أو الخمسين مليون دولار، ويقول الباحث الالماني لولكر برث إن الكلام عن السمسرة أصبح علنياً في جمهورية الطائف، يعطي مثلاً الحديث العلني عن شروع أوتوستراد الجنوب الذي فازت به شركة مرتبطة برندة بري زوجة رئيس مجلس النواب نبيه بري وأنه قدن تسعيرة بزيادة ملايين الدولارات عن كلفته الحقيقية[36].

يوضح كتيب الحكم والمسؤولية الذي كتبه الحريري ونشره عام 2000 رؤيته الماركنتيلية والريعية لـ لبنان جديد كما يراه هو، وهنا بعض المقتطفات بقلم الحريري.

 

نظرة إلى المستقبل: أي هوية سياسية واقتصادية للبنان

إن تعزيز التفاضلية للاقتصاد اللبناني يتم من خلال إعادة تأكيد الهوية الاقتصادية للبنان، وقد تلاقى عليها اللبنانيون في أكثريتهم الساحقة منذ الاستقلال وأكدوا منذ ذلك اليوم بلا توقف، وتجنب أي مبادرات أو إجراءات أو دعوات تتعارض وهذه الهوية، مع ما يعنيه ذلك من أهمية قصوى بالنسبة لتشجيع الاستثمارات اللبنانية والعربية والأجنبية وتدفق رؤوس الأموال، ويجب في هذا الإطار إعادة تأكيد الخصوصيات الأساسية للاقتصاد اللبناني المبنية على:

- تشجيع المبادرة الفردية

- حرية انتقال رأس المال

- حرية التحويل

- الاستقرار التشريعي والضريبي

- السرية المصرفية

- اقتصاد السوق

وفي سبيل ذلك سيكون من المهم تأكيد الفلسفة الاقتصادية التي توافق اللبنانيون عليها وتجنب التهديدات الموسمية وغير المسؤولية بإعادة النظر فيها، وبالتالي حسم التوجهات الاقتصادية للبنان وتبني سياسات واضحة تنمي قدرات الشعب وتوسع آفاق الاقتصاد من خلال نظام ضريبي يشجع على النمو ويوفر فرص عمل متزايدة تفسح في المجال لاستيعاب طاقات الشباب وتشجيع الكفاءات المهاجرة على العودة كذلك رفض السياسات التي تعيق النمو والحركة الاقتصادية وإنتاجية القطاعات المختلفة وتزيد من عدد العقبات والعراقيل أمام المبادرة الفردية.

ولابد من التذكير هنا أن السياسات التي تعيق النمو وتزيد من القيود والتوجهات القسرية على القطاعات الاقتصادية ليست جديدة فقد حاول كثير من الدول النامية تطبيقها خلال الخمسينيات والستينيات، وهي قد برهنت عن فشها في جميع الحالات ولا تزال معظم هذه البلدان ترزح تحت وطأة هذه السياسات الخاطئة التي تنفر المستثمرين وتحمل القطاع الخاص على السلبية والشلل، مما أدى إلى انكماش اقتصادي وتراجع في مستوى المعيشة وضرب ثقة المواطنين في مستقبلهم، ويقيني أن اللبنانيين الذين أحسنوا حتى الآن تجنب اعتماد هذه السياسات القسرية، لن يقبلوا اليوم باللجوء إليها بينما نرى من كانوا دعاتها أنفسهم يتخلون عنها ويحاولون محو آثارها الوخيمة على اقتصاداتهم.

وليس الادعاء بأن مشكلة لبنان تتمحور حول إفراط الشعب اللبناني وقطاعه العام بالاستهلاك، إلا شعار سهلاً وخاوياً هدفه الفعلي الانتقال إلى هذه السياسة الموجهة لحركة القطاع الخاص والتي تحاول أن تتدخل في أنماط وحجم إنفاق الشركات والمواطنين إننا لا نرى لهذا التشخيص الخاطئ سوى نتيجة حتمية هي تخفيض المستوى المعيشي لجميع اللبنانيين تحت شعار تصحيح العجز في الميزان التجاري، فنحن نعتبر أن حل مشكلة الميزان التجاري لا تكون من خلال ضرب مستوى معيشة اللبنانيين أو الحكم بالبطء على الدورة الاقتصادية تحت شعار تخفيض الإنفاق، بل من خلال نمو الاقتصاد اللبناني وزيادة انتاجيته، كما نعتبر أن المشكلة الحالية في ميزان المدفوعات ليسا بسبب ارتفاع عجز الميزان التجاري بل بسبب انخفاض الفائض في ميزان رؤوس الأموال CAPITAL ACCOUNT  أي بسبب تراجع تدفق رؤوس المال إلى لبنان، وذلك نتيجة لهبوط مستوى الثقة بالإجراءات الاقتصادية الجديدة والمس بالاستقرار التشريعي وضبابية السياسة الاقتصادية الحالية، فما الذي يجنيه لبنان إذا تقلص العجز في ميزانه التجاري، وكان ثمن التقلص شللاً عاماً في الدورة الاقتصادية.

علينا استعادة مناخ يشجع تدفق الرساميل من الخارج والفوائض في ميزان المدفوعات، مما يسمح بتوسيع الكتلة النقدية وزيادة السيولة مع الحفاظ على استقرار الليرة اللبنانية، علينا متابعة برنامج الإنماء والإعمار وتدعيمه عبر توسيع قدرتنا التنفيذية والاستفادة من منشآت البنية التحتية التي باتت متوفرة إلى حد كبير وتشمجيع مشاركة أكبر من قبل القطاع الخاص في مجهود التحديث الاقتصادي.

نحن على يقين بأن استحداث بنية تحتية متطورة، والاستمرار في تعزيز ثقة اللبنانيين والعالم بالاقتصاد اللبناني، وتثبيت الانفاق العام، وتفعيل حركة القطاع الخاص، وتطوير عمل القطاع العام، تشكل مجتمعة المدخل إلى ارتفاع النمو الاقتصادي وتعزيز تدفق رؤوس الأموال، مما يسمح بتخفيض معدلات الفائدة من دون المس بالاستقرار النقدي، ويسمح برفع حصة إيرادات الدولة من الاقتصاد الوطني، ويوفر عمل جديدة للشباب ويؤدي بالتالي إلى حل مشكلة العجز والمديونية تدريجياً.

إن المزيد من إشراك القطاع الخاص بتوفير الخدمات العامة، كالكهرباء والهاتف، وبالشروط التي ذكرتها آنفاً، من شأنه أن يحسن الانتاجية والفعالية ويوفر الاستثمارات الإضافية اللازمة، ومن شأن تعزيز دور القطاع الخاص في هذه المجالات أن يوفر دعماً مضافاً للخزينة، بشرط أن ترتكز مساهمته في هذه القطاعات إلى نظرة استراتيجية وإلى توفير نوعية أفضل بكلفة أقل للمستهلكين، وهذا بدوره يزيد من إنتاجية القطاع الخاص وقدرته التنافسية مما يؤدي إلى تعزيز النمو الاقتصادي.

إن تشجيع القطاعات الإنتاجية وزيادة انتاجيتها نهو أحد أهم العوامل لتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد اللبناني، إلا أنه يتطلب في الوقت ذاته تقدماً في العوامل الأخرى، لاسيما الخصخصة والإصلاح الإداري وبالفعل فإن تخفيض كلفة الكهرباء والاتصالات والمياه وخلال الخصخصة يسهم إسهاماً فعالاً في تشجيع القطاعات الإنتاجية، كما أن المباشرة بإصلاح إداري حقيقي من شأنه تحويل القطاع العام إلى قوة دفع للقطاع الخاص، الذي يحتاج إلى إدارة تسهل إنتاجيته عبر أنظمة وإجراءات تكافئ جهوده التحديثية والمبنية على اقتصاد المعرفة وتزيل العقبات الإدارية أمام انسياب المنتوجات والخدمات.

إن تنامي الاقتصاد العربي وتوسعه يفتحان أمامنا مجالات أوسع بكثير مما أتيح لنا في السبعينيات، وذلك إذا ابتعدنا عن منافسة البلدان العربية وبذلنا الجهد في سبيل تطوير النواحي التكاملية بين لبنان والاقتصادات العربية.

تطوير وتشجيع قطاع الخدمات انطلاقاً من الانجازات التي حققناها في الماضي مع التركيز على الاستفادة من موقع لبنان وطبيعته الجغرافية، وهنا وتظهر أهمية الاستثمار في القطاع السياحي، إن من حيث المحافظة على ثرواتنا السياحية والبيئة المتكاملة، أم من حيث تفعيل الإعلام السياحي الخارجي وتوسيع السوق السياحي اللبناني بتوجيه اهتمام أكبر إلى الشرق الأقصى والدول الناشئة وتطوير الإرشاد السياحي وخاصة مراقبة جودة الخدمات السياحية ونوعيتها، واستحداث مكاتب سياحية في المناطق اللبنانية والخارج، وهنا تجدر الإشارة إلى ضرورة تطوير مستوى ونوعية الخدمة لدى العاملين في قطاع السياحة من خلال تكثيف التدريب المهني والتقني وتركيز الاهتمام على تلبية جميع متطلبات الصناعة السياحية العصرية.

كما لابد من المحافظة على البيئة في لبنان والتي تشكل إحدى أهم ميزات السياحة في لبنان والعمل على تحسين المواصلات البرية في لبنان، وتفعيل قطاع النقل العام، ويصبح تطوير قطاع المواصلات البرية والبحرية والجوية ذا أهمية حيوية في هذا الإطار، إذ أن قطاه الخدمات بكامله يرتكز إلى تحديث المواصلات إن من حيث تنمية مطار بيروت الدولي وتحويله إلى مركز استقطاب لشركات الطيران HUB  وتوسيع الخدمات المتعلقة مباشرة أو مداورة بالنقل الجوي، أو من حيث تنمية الموانئ التجارية والسياحية، وتعزيز شبكة الطرقات التي تربط لبنان بسوريا وعبرها بالبلدان العربية.

كما يصبح من المهم متابعة الخطوات التي اتخذت في السنوات الماضية لتنمية قطاع التجارة والشحن، عبر توفير التقنيات المتقدمة وإزالة العوائق من أمام الحركة التجارية، ورفع مستوى الخدمات العامة في المرافئ والمطارات وإلغاء معظم القيود الروتينية الرسمية وتبسيط جميع الإجراءات للاستيراد والتصدير والترانزيت، والمحافظة على مستويات رسوم تنافسية ويحتاج نمو هذا القطاع أيضاً إلى تكثيف التعاون مع المراكز التجارية المهمة في العالم العربي كدبي، والاستفادة من التكامل الموجود بين التجارة الآسيوية والمتوسطية[37].

لم يكن مشروع الحريري تقدمياً بالمفهوم الاقتصادي ولم يكن صالحاً على أي حال لبلد خارج من الحرب، ركز الشمروع على استعادة دور بيروت الذي سبق الحرب وبالتالي على ضرورة إعمار وسطها وبنيتها التحتية وخلق شبكة مواصلات حديثة وربط لبنان قدر الإمكان بمحيطه الإقليمي والعالمي، وهومشروع يؤكد على استمرارية الفلسفة التي تراضى عليها اللبنانيون منذ الاستقلال، فلا تخطيط ولا دور كبير للدولة ولا أولوية للبرامج الاجتماعية، إلخ.. أما مسألة محيط لبنان الإقليمي المتفجر فقد حلها الحريري بنقطتين: الأولى أن محادثات السلاوم بين سورية وإسرائيل قائمة في النصف الأول من التسعينيات،, وعلى لبنان أن يكون جاهزاً لجني نتائجها الاقتصادية في سوق إقليمية كبرى، والنقطة الثانية أن استمرار التفجر في المنطقة لا يمنع لبنان أن يعيد بناء نفسه، أما العجز في ميزان المدفوعات فهو ليس كما يقول الآخرون بأنه هيكلي يتعلق بمجمل الأداء الاقتصادي، بل يحل بمزيد من تدفق الأموال من الخارج، وهكذا عندما يأتي المستثمرون والسياح سيجدون البنية التحتية بانتظارهم وسيستحسن الاقتصاد.

لم يواجه مشروع الحريري أي معارضة تؤدي إلى تعطيله، لا من الياس الهراوي ولا من وليد جنبلاط ونبيه بري وحزب اللـه ولا من دمشق والدول العربية ولا من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة كل هؤلاء منفردين أم مجتمعين، استفادوا بدرجات متفاوتة من المشروع، مالياً أم سياسياً ويبقى وجهه الإيجابي أنه كان مشروعاً يحاول استعادة لبنان الذي سبق الحرب بجميع حسناته وسيئاته "النظر الفصل السابع" وهو مشروع لم يكن بإمكان الحريري أن يأتي بغيره، حتى لو شاء ذلك، لأنه مشروع اتفق مع طموحات وغايات أمراء الحرب والتجار في لبنان، والتقى مع رؤية السعودية وفرنسا والنظام الاقنصادي المعولم في أوائل القرن الحادي والعشرين.

كان مجلس الإنماء والإعمار المرتبط مباشرة برئاسة مجلس الوزراء، نواة مشروع الدولة الإعماري والمجلس هو مؤسسة رسمية استحدثته الدولة عام 1977 ومنحته صلاحيات واسعة لإعادة بناء ما دمرته حرب السنتين، وكان هذا المجلس غير خاضع لأي رقابة من الجهات المختصة، كديوان المحاسبة ومجلس الخدمة المدنية والتفتيش المركزي ومجلس النواب، لم تأت مشاريع مجلس الإنكماء والإعمار من العدم، بل كانت دراسته ومشاريعه الإعمارية تتراكم وتؤجل منذ تأسيسه عام 1977، وهكذا لم يكن صعباً إطلاقه وثيقة حملت اسمخطة العام 2000 عام 1991 وفيما تبنت الحكومة الخطة عام 1994، وسعتها وضمتها إلى مشروع موازنة 1995، وجعلتها خطة عشرية تنتهي عام 2007، وإذ كانت الخطة جيدة من حيث الأعمال الهندسية واللوجستية والمشاريع العمرانية، ولكنها كانتضعيفة في منطلقاتها الاقتصادية، فقد عولت في توقعاتها الاقتصادية كثيراً على احتمالات السلم بين سورية وإسرائيل وجني عائد السلام، وهدفت الخطة إلى تحقيق نمو اقتصادي مطرد (9 بالمائة سنوياً) وتجهيز بنية تحتية وبيئة تسمح باستعادة دور بيروت حيث يكون القطاع الخاص "بمنطق التجار الضيق الذي سبقت الإشارة إليه فصول سابقة" هو المحرك الرئيسي للنهوض، ولم تخل الخطة من الإشارة إلى العدالة الاجتماعية والسعي إلى تحسين الدخل الفردي وإحساء الطبقة الوسطى، عمود الاقتصاد المستدام، والإنماء المتوازن، وكانت كلفة الخطة تعدل صعوداً كل فترة من 7و11 مليار دولار عام 1992 إلى 9و13 مليار دولار عام 1993 و 5و18 مليار دولار عام 1995 في حين أشارت عدة تقارير إلى احتمال بلوغ الكلفة الكاملة 30 مليلر عند انجاز كافة تفاصيل الخطة، وكان أمل واضعي الخطة أن التمويل سيأتي من ثلاثة مصادر: فائض الموازنة المحقق ابتداء من العام 1996 والذي سيشكل مورداً رئيسياً للتمويل، والاستدانة عبر سندات خزينة والسعي إلى قروض وهبات بالعملة الصعبة من الدول العربية والأجنبية.

ولم تسر الأمور وحسب الخطة الحطومية لأسباب عدة منها طغيان ظاهرة الترويكا والمحاصصة في الدولة والوضع الإقليمي وخلط المناصب العامة بالأمور التجارية الخاصة لدى قادة البلاد واستمرار الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان والوصاية السورية على البلاد ومشاركة قيادات سورية لشخصيات لبنانية في الاستفادة والإثراء.

فكان أن تعثرت أحوال الموازنة الحكومية وتفاقم العجز بشكل مريع كل سنة منذ نهاية الحرب بدون استثناء، في حين اتكلت الدولة على المصارف المحلية بنسبة فاقت 70 بالمائة في التمويل عبر سندات الخزينة بأسعار فائدة عالية، ولم تشكل الهبات العربية والأجنبية أكثر من نسبة ضئيلة من مجموع المبالغ المطلوبة رغم مؤتمر أصدقاء لبنان في واشنطن عام 1996 ووعود بقيمة 3 مليارات دولار، ورغم مؤتمري باريس 1 و2.

وباستثناءات قليلة، لم يتحقق أي من تنبؤات النمو الاقتصادي المرتفع، حيث راوح نمو الناتج المحلي الفائت بين 0 إلى 2 بالمائة لعدة سنوات، فيما ارتفع الدين العام من ملياري دولار في بداية التسعينيات إلى أكثر من 40 ملياراً عام 2005 أما ما شهدته أواسط التسعينيات من نمو مرتفع نسبياً فيمكن ربطه ببساطة بحجم الإنفاق الذي ولد طلباً عاماً كبيراً على السلع والخدمات، ولم تستعد الطبقة الوسطى التي كانت تمد رأسها في مجتمع ما قبل الحرب، حيث أشار تقرير الأسكوا إلى بلوغ نسبة اللبنانيين دون حافة الفقر 35 بالمائة من مجموع السكان وربما أكثر في دراسات أخرى مثل دراسة الإتحاد العمالي العام.

وبلغت نسبة الدين العام 2005 إلى الناتج المحلي القائم أكثر من 200 بالمائة وهي من النسب الةنادرة التي لم تبلغها حتى أفقر دول العالم.

في العام 1996 صدر عن الاسكوا "المجلس الاقتصادي والاجتماعي لغرب آسيا" تقرير عن الفقر في لبنان، بعد أربع سنوات من وصول الحريري إلى الحكم، فتبين أن مليون لبناني أو 28 بالمائة من السكان يعيشون تحت خط الفقر منهم ربع مليون في فقر مدقع في حين هبط معدل النمو الاقتصادي في نفس العام إلى 2 بالمائة مقارنة بتنبؤ مشروع الحريري بالوصول إلى معدل نمو بنسبة 9 بالمائة، ولكن فريق الحريري لم يغير حساباته وتوقعاته، في حين كانت تهمل وجهات نظر اقتصادية محذرة من عواقب ماكرو اقتصادية[38].

لقد شاركنا في ندوة تلفزيونية عام 2001، وذكرنا المؤشرات السلبية الرئيسية التي يعاني منها لبنان "بطالة وركود وعجز ودين عام وهجرة وفوائد مرتفعة، إلخ" فكان محاورنا يهمل هذه الأرقام ويذكر مشاريع يرى أنها ستحدق تغييراً إيجابياً كمشروع تأهيل شبطة الكهرباء مثلاً أو استيراد الغاز الطبيعي من سورية.

وإذ تركز الإنفاق العام على بناء الوسط التجاري كواجهة للبنان، أهمل بشكل ذريع موضوع الإنماء المتوازن الموعود في صلب اتفاق الطائف، ولم ينجز إلا جزء من مشروع الوسط ومن مشاريع مدن الساحل بنفقات بلغت مليارات الدولارات بـأموال مستدانة.

لقد جعلت الحكومة سوليدير واجهة عرض فترينة لنجاحات الحكومة ومحجة دائمة وإلزامية لزوار لبنان من مسؤولين عرب وأجانب ورؤساء وسياسيين وديبلوماسيين وأصحاب شركات عالمية وخلال ست سنوات من الجهد وبانفاق بلغ 5و1 مليار دولار، لم يؤهل أكثر من عشرة شوارع عليها معظم الأحيان مطاعم ومخازن بوتيك، أما عمليات الردم وخاصة في قطاع سان جورج الذي يطل عليه الفندق الشهير، فقد كانت كارثة بيئية نفذتها شركة فرنسية بكلفة 400 مليون دولار[39].

لقد ربط الوسط التجاري بشكبة طرقات وأوتسترادات وجسور وأنفاق بكلفة 4و3 مليار دولار وبلغ مجموع ما أنفق على كافة المناطق اللبنانية خارج بيروت 700 مليون دولار[40]، وكثر الكلام عن قسماً قليلاً من الإنفاق العام قد ذهب فعلاً إلى الإعمار فيما ذهب الجزء الأكبر لتسديد كلفة خدمة الدين العام من فوائد ورسوم وحصص السمسرة والفسد يتحمل مسؤوليتها الأولى الترويكا وأنصارها ووصيها السوري، بعدما تم تعطيل مؤسسات الرقابة كالبرلمان ومجلس الوزارء وديوان المحاسبة ومجلس الخدمة المدنية وإلغاء دور المعارضة السياسية والهيمنة على الإعلام وضرب الحركة العمالية.

كما أن استثمارات القطاع الخاص لم تذهب إلى قطاعات منتجة في الصناعة والزراعة والخدمات، بل تم توظيفها في القطاع العقاري وفي سندات خزينة بأسعار فوائد خيالية، وإذ أهملت الدولة الزراعة والصناعة أغلقت مئات المؤسسات أبوابها بشكل غير مسبوق في لبنان، وبعد انهيار محادثات السلام مع إسرائيل عام 1999، واستمرار حرب تحرير الجنوب والفساد والهدر في الدولة اللبنانية لم يحقق الاقتصاد النهضة الموعودة وحتى القطاع العقاري تعرض للركود والتراجع إذ تراكمت آلاف الشقق السكنية الشاغرة التي بلغت قيمتها مليارات الدولارات التي وظفت في نشاط ريعي خامل.

ويجري جهاد الزين الكاتب في صحيفة النهار مقارنة بين مشروع فؤاد شهاب في الستينيات ومشروع الحريري في التسعينيات ما يؤكد منحى الحريرية السائرة في موكب فلسفة التجار، أولاً هناك الفارق بين زمنين: الزمن الذي كان متأثراً بشكل أساسي بفكرة تدخلية الدولة في الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، ذلك الزمن الذي برز فيه الرئيس فؤاد شهاب كرئيس للجمهورية، والزمن غير التدخلي للدولة من حيث إطلاق قوى السوق الخاطئة الذي مثلته فترة الرئيس الحريري.

فالصيغة الأولى كما تعرفون جميعاً كانت مرجعية الاحتمام فيها بقدر من الغلبة في التوازن السياسي الداخلي للنخبة المارونية السياسية، أما الصيغة الثانية فبرزت عندما دخل الرئيس رفيق الحريري إلى الحياة السياسية في مرحلة التفويض الأمريكي لسوريا بإدارة توازن الطائفيات اللبنانية.

إن الرئيس فؤاد شهاب في موقع مرجعيته الداخلية المطلة على كل المجموعات اللبنانية من أهم وأقوى موقع في الدولة وهو رئاسة الجمهورية آنذاك، كان يحمل مشروعاً مؤسساتياً للحد من تدخل الطبقة السياسية في تقرير مسار وتوازنات الإدارة اللبنانية الرسمية، الرئيس رفيق الحريري كان معنياً بأدوات عبر الدولة بالمشروع الإعماري لكن عموماً خارج الإدارة اللبنانية الرسمية، وهذا فارق جوهري، حتى مجلس الإنماء والإعمار الذي ولد على أي حال في عهد أبرز تلامذة الرئيس فؤاد شهاب، الرئيس الياس سركيس مجلس الإنماء والإعمار بصيغته الحريرية أصبح مؤسسة همها الأساسي أن تحد من قدرة إدارات الدولة على تعطيل الآليات والمشاريع العامة والخاصة التي أرادها الرئيس رفيق الحريري ضمن تصوره لإعادة الإعمار.

الرئيس فؤاد شهاب استخدم أسلوب الاستتباع لجزء من الطبقة السياسية ليؤمن الحماية لمشروعه مع ما حدث من بعض الانزلاقات الأمنية بواسطة المؤسسة الأمنية، وهمش القسم الآخر الذي عارض مشروعه، الرئيس رفيق الحريري بين 1991 و 1998 كان يقيم تسوية من بين أدواتها الأساسية الأداة المالية مع بعض أطراف الطبقة السياسية لكي يضمن على طريقته وبوسائل زمنه،عدم إيذاء هذه الطبقة السياسية لمسار مشروعه وكان لديه فهم لهذه العلاقات بجانبيها السلبي والإيجابي، وكان يتصور إمكانية حماية مشروعه لتأمين حدين للحماية: من جهة في التوازن حيال المرجعية السورية ومطالبها الشديدة المعلنة وغير المعلنة، وحيال هذه الأجنحة من الطبقة السياسية اللبنانية من جهة ثانية[41].

حاكى النظام الاقتصادي للبنان ما بعد الحرب، كما كان يعاد بناؤه مفهوم ميشال شيحا حول جمهورية التجار التي كان لها أتباع ومريدون كثر من التسعينيات وأوائل القرن الحادي والعشرين، ويقول جورج قرم إن البرجوازية اللبنانية التي خسرت نفوذها القديم أثناء الحرب، منحت المشروع الاقتصادي دعماً صلباً، فهو كان المرآة التي عسكت إمكانية تحقيق الحلم القديم بجعل لبنان مونتي كارلو العالم العربي جنة ضريبية وكازيو كبير ومركز سياحي وسوبر ماركت فاخر لأغنياء العرب، فإذا كانت نالنخبة السياسية التقليدية المسيحية قد خسرت بدون شك حرب الخمسة عشر عاماً فهي وجدت في رفيق الحريري الرجل الذي يجسد أفضل تجسيد أحلامها السياسية والاقتصادية القديمة وأنها من خلالها يمكنها تعويض ما خسرته[42].

وعلى هذا الأساس تم تصوير عودة بيروت إلى دورها التجاري القديم كأولوية مطلقة ومبدأ وطني وفوق ذلك فقد مثل الحريري كزعيم قوي عودة الطائفة السنية بما هي شريكة للموارنة في التجارة والسياسة، فهو رجل أعمال ويحمل الجنسية السعودية، البلد التقليدي الذي فضله أمراء الحرب الموارنة وتجارهم على غيره من الدول الثورية، وصديق شخصي لرئيس فرنسا، صديقة الموارنة المخلصة، ويحظى بدعم أمريكي، ولذلك كان ممكناً للشارع المسيحي وقياداته انتقاد انتخابات برلمان 1992 ومهاجمة دولة التبعية وعدم شرعية السلطة المنبثقة عن الطائف إلخ، ولكن نفس الأشخاص باركوا الحريري وحكومته "ومنهم ريمون إده أحد أكبر منتقدي جمهورية الطائف وعميد حزب الكتلة الوطنية الذي كان مقيماً في باريس لم يتردد في إبداء إعجابه بالحريري وأعماله الخيرية وسعيه للإعمار في عدة مناسبات,

ويذكر المهندس والوزير هنري إده، حسنات مشروع الحريري في أن حكومته نجحت بشق النفس في تأمين الخدمات الأساسية كالكهرباء والماء والهاتف ويجب الاعتراف بذلك رغم التقنين في الكهرباء والانقطاع المتكرر، ولكن إده الذي بدأ العمل متحمساً في فريق الحريري ثم استقال منه، اعتبر أنه كان يجب على الدولة أن تتحمل مسؤوليات أكثر أولوية في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية بدلاً من أن تهتم حصراً بإطلاق مشاريع أشغال كبرى تستجدي البحث عن الأشياء الاستعراضية والباذخة بدل البحث عن الضروري والملح، فكيف لا يقلق المرء من أن لا شيء حصل حتى الآن لتشجيع نمو الزراعة وكيف لا يقلق من تجاهل حاجات القطاع الصناعي وعدم تنشيط الخدمات الإدارية الأكثر أساسية، كان الهدف تفضيل السهولة وإدهاش الرأي العام بإنجازات حقيقية أو وهمية تظهر بمظهر الفخامة لتناسي أن الإنماء والإعمار يجب أن يعنيا أولاً بالبشر وحقوقهم وحياتهم ومستقبلهم[43].

ويشرح جورج قرم بعض خليفات مشروع سوليدير منذ العام 1992 بأنه أدى إلى تحول عميق في البنية العقارية والنفسية لمدينة بيروت إضافة إلى شكلها الفيزيائي، وهي تحولات فشلت في تحقيقها عشرون عاماً من الحرب وأعمال العنف أدت إلى محو كل ماضي البلد وذاكرته التاريخية بمخطط عمران سعودي- أمريكي في وسط العاصمة، ويؤكد قرم أن لبنان كان قادراً على تمويل إعادة الإعمار بإمكانياته الذاتية من قطاع خاص وعام، ولكن اللجوء إلى مصادر تمويل خارجية اقتضته ارتباط المشروع بجماعات سعودية قوية وبشخصيات سياسية لبنانية عليا وبقادة الميليشيات في لبنان[44].

لم يكن انتصار نظام الترويكا الذي قام بعد الحرب حاسماً، بل بقيت وجزر مقاومة عديدة ضمت القضاء اللبناني والنقابات العمالية والمطارنة والموارنة، وعلى رأسهم البطريرك مار نصر اللـه بطرس صفير ومطران بيروت للروم الأرثوذكس الياس عودة وبعض السياسيين ومئات المثقفين والخبراء والإعلاميين.

لقد تعرضت الحركة النقابية في سنوات ما بعد الحرب إلى عملية تفتيت وتهديم من قبل الترويكا وحلفائها،حيث تمت خردقة الاتحاد العمالي العام وخلقت أجسام نقابية عديدة أغرقت الاتحاد وقلبت موازين القوى داخله لصالح الترويكا وحلفائها، ورفضت مطالب الاتحاد بتحسين المعيشة للطبقة العاملة، وجمدت أموال الاتحاد لدى وزارة المالية ومنع التجمع والإضراب والتظاهر، وقمعت أي محاولات من هذا النوع، وإذ قرر الاتحاد العمالي الإضراب العام والتظاهر في أنحاء لبنان في شباط/ فبراير 1996 ردت الدولة بعنف وكلفت الجيش حفظ النظام وانتهى الأمر بإلغاء التحرك وعندما جرت انتخابات الاتحاد في نيسان/ إبريل 1996 انقسم الاتحاد إلى جسم اعترف به رسمياً بقيادة غنيم الزغبي والثاني هو الشرعي نقابياً ولم يعترف به رسمياً بقيادة الياس أبو رزق، ووجهت اتهامات إلى أبو رزق وأمين السر ياسر نعمة ما أدى إلى توقيفهما بعد إهانة أبو رزق، واستطاع الاتحاد عبور هذه العاصفة وإعادة توحيد صفوفه بقيادة أبو رزق فيما بعد.

 

المحاصصة والصناديق والمجالس

مزج أهل الحكم في لبنان ما بعد الحرب، كغيرهم في السابق، المناصب العامة بنشاطاتهم التجارية الخاصة، في وقت احتاجت فيه البلاد إلى طاقاتهم الكاملة والجاهزة لإعادة لبنان إلى صحته وازدهارته لصالح كل اللبنانيين، ولئن كانت الجمهورية الثانية شراكة توافقية بين الطوائف الكبرى الثلاث، السنة والشيعة والموارنة،, اختصرت الترويكا مؤسسات السلطة بأشخاصها، وذلك بشل عمل ودور المجلس النيابي ومجلس الوزراء، وأصبح مرور أي قرار أو قانون يرتبط بمدى متوافق الترويكا، وأصبحت إدارات الدولة ومؤسساتها جميعاً موزعة بين أعضاء هذه الترويكا، حيث أصبح بإمكان تقاسم الحصص والمغانم كوتا على أساسها تسير أعمال هذه الدولة أو لا تسير.

في العام 1992 أصبح الحريري رئيساً للحكومة ووزيراً للمالية ووزيراً للاتصالات وعين فؤاد السنيورة وزير دولة لشؤون المال، ومحسن دلول وزيراً للدفاع "وترتبط بالحريري علاقة مصاهرة عبر نجله نزار دلول ومشاريع مشتركة أبرزها شركات الهاتف الخليوي" وأتى الحريري بمستشاره وحامل حافظة توظيفاته في ميريل لينش رياض سلامة حاكماً على مصرف لبنان، ومحمد بعاصيري رئيساً لهيئة الرقابة على المصارف، وسلم وزارة العدل لمحاميه الخاص بهيج طيارة، واستلم وزارة الداخلية ميشال المر، وهو رجل الأعمال المعروف ووزير الإعلام فريد مكاري "الذي أصبح فيما بعد نائباً لرئيس مجلس النواب" وهو كان صديقاً للعائلة وموظفاً لدى الحريري لعدة سنوات في السعودية، وبعد مكاري أصبح باسم السبع وزيراً للإعلام بعدما كان في فريق الحريري أيضاً "وكان يسارياً ومحررا سابقاً في صحيفة السفير اللبنانية" واستلم عمر مسقاوي وزارة النقل، وأصبح إيلي حبيقة وزيراً للموارد المائية والكهربائية كما سبقت الإشارة.

وإذ جرت التعيينات الإدارية في بداية 1993، كانت المحاصصة سيدة الموقف على مستوى الترويكا والطوائف:

فقد عين في مؤسسة كهرباء لبنان مارون الأسمر رئيساً لمجلس الإدارة ومهيب عيتاني مديراً عاماً وأنطون اندراوس رئيساً لمجلس إدارة الصندوق الوطني للمهجرين، وعبد الحميد ناصر نائباً للرئيس، ورياض طبارة رئيساً لمجلس إدارة المحفوظات الوطنية "عين سفيراً فيما بعد في واشنطن" وربيع عماش رئيساً لمجلس إدارة مصلحة سكة الحديد، وعبد اللـه شهاب عضواً.

وفرض على حامية مصرف لبنان المركزي الاستقالة وعين حاكمية جديدة تابعة له برئاسة رياض سلامة، وعين سعد خالد مديراً للتنظيم المدني ونور الدين الغزيري رئيساً لمجلس المشاريع الكبرى لمدينة بيروت، إضافة إلى الأعضاء وعين محمد فواز رئيساً لمجلس إدارة المشاريع الإنشائية، وهيام ملاط رئيساً لصندوق الضمان الاجتماعي، وعمر حلبلب رئيساً لمجلس إدارة المؤسسة الوطنية لضمان الاستثمارات، وخليل النقب عضواً، وبعدهاعين نقولا سابا محافظاً لمدينة بيروت وسهيل يموت محافظاً لجبل لبنان، ونبيل الجسر رئيساً لمجلس الانماء والإعمار بدلاً من الفضل شلق الذي عين وزيراً، كما أنشأ المؤسسة العامة لتشجيع الاستثمارات وعين يوسف شقير رئيساً لمجلس إدارتها، وعين يوسف النقيب مديراً لمؤسسة أوجيرو بعد أن منحها صلاحيات خاصة، كما عين عبد المنعم يوسف مديراً عاماً للصيانة والاستثمار والمواصلات السلكية واللاسلكية.

وأعطيت بعض الإدارات العامة للرئيس بري، مثل مدير عام الإعلام محمد عبيد ومدير عام المغتربين هيثم جمعة ورئيس مجلس الجنوب حسن يوسف، وكان للهراوي أيضاً حصة في هذا التقاسم مثل محافظ الشمال خليل الهندي ومحافظ البقاع فريد قرم ومدير عام وزارة النفط، ومدير عام الأمن العام ريمون روفايل إلخ[45]..

ولمواكبة مشروع إعادة بناء الدولة والبلاد، عهد إلى 11 مؤسسة عامة موازية للوزارات القيام بأعمال مؤسساتية أصلية.

كان تقاسم الإدارات العامة وتعيين المدراء العامين لترسيخ النفوذ السياسي في الدولة مخالفاً للإجراءات القانونية وخارج عمل مجلس الخدمة المدنية، حيث كانت كفاءة معظم الذين عينوا من خارج الملاك والتي خولتهم لهذه المناصب إنما هي مدى ولائهم لأصحاب السلطة مع بعض الاستثناءات، ولم يكن ممكناً إجراء محاصصة عادلة وفي ظل قوانين ومؤسسات تضبط الأمور حسب الكفاءة والمساواة للمرشحين، ذلك أن الترويكا كانت أمام خيارين: إما تقاسم طائفي متوازن وأما توظيف حسب الكفاءة ما قد يخل الميزان الطائفي إذا فاز مرشحو طائفة معينة بنسبة أعلى بكثير من مرشحي طائفة أخرى، فكانت الأرجحية للتحاصص "وهناك طرفة عن نبيه بري أنه حضر اجتماعاً لتسمية أشخاص في مناصب حساسة وأعلن أنه إذا كان الأمر محاصصة فهو يحمل وريقة عليها أسماء يريدها، إما إذا كان الأمر حياديا يعتمد الكفاءة والجدارة فهو سيضع الوريقة في جيبه وينساها، ولكن اتضح أن المحاصصة كانت هي الحل المفضل لدى الجميع.

وعلى هذا الأساس وبتراضي الجميع تقلص دور هيئة التفتيش المركزي وهيئة الخدمة المدنية، الذي يبدي رأيه بالمرشحين أو يمتحنهم، وديوان المحاسبة وغيرها من هيئات الرقابة، ولم يكن هذا الأمر ليتم بمشيئة شخص واحد أو جهة واحدة بل كان توافق منظومة كاملة من أمراء حرب وتجار إذ أصبح كل وزير يوظف على هواه، فاعتمد مثلاً الوزير إيلي حبيقة أسلوب التكليف غير القانون في تعيينات وزارة الكهرباء، وإذ اشتكى مجلس الخدمة المدنية إلى مجلس الوزراء من ممارسة حبيقة، أغفلت الحكومة الشكوى واستمر أسلوب التكليف، كما كشفت تقارير رقابية عن هيمنة مستشاري الوزراء غير الموظفين على الإداريين الرسميين في الوزارات، بعيداً عن المحاسبة وضرورة فصل مكتب الوزير ومستشاريه عن العمل البيروقراطي.

وعلى نفس الوتيرة، عطل ديوان المحاسبة نهائياً ابتداء من العام 1994 بعدما كان يصدر تقارير بالممارسات الخاطئة في الدولة، فرضع إنهاء أعمال هذا الديوان حداً للشاهد الأكبر على الأخطاء ففي فترة إعادة الإعمار من الطبيعي أن يرافق انفاق مليارات الدولار مراقبة صارمة على المشاريع وكيفية المناقصات والمزايدات على البرامج، فأن يصير تقويض عمل الرقابة الرسمية عملاً مشيناً فذلك يدعو إلى القلق الشديد حول تزايد احتمالات السرقة والسمسرة وتمرير الصفقات، وكان قد سبق للديوان في تقاريره لعاملي 1993 و 1994 أن حذر المسؤولين من مغبة المضي في سياسة التلزيم بالتراضي.

من ضمن عرف المحاصصة، كان مجلس الإنماء والإعمار وقيادته من نصيب السنة ورأس الفضل شلق، وكان مجلس الجنوب وصندوقه ووزارة الجنوب للشيعة، ووزارة المهجرين وصندوق المهجرين للدروز وآخرين، والصحيح أن هذه المجالس والمشاريع كانت تحمل أهدافاً شريفة تساعد ضحايا الحروب الإسرائيلية وحروب الجبل في الثمانينات وتسعى إلى إعادة إعمار بيروت ومناطق أخرى، ولكن المجالس تحولت إلى دويلات أو إمارات لها مشيختها الخاصة ورعاياها أو أقرب إلى كنز يتقاسمه أصحاب النفوذ والمتسلطون[46]، فكان مجلس الإنماء والإعمار يتولى كافة كافة المشاريع صغيرها وكبيرعا من بنى تحتية وكهرباء وماء ومستشفيات ومدارس وملاعب ومطار وأنفاق وجسور وأوتوستراد وزراعة وصناعة وهاتف، وكل ما يتصوره المرء أنه من اختصاص الوزارات القائمة أساساً.

وبسبب غياب المحاسبة والمساءلة، بقيت المعلومات مجهولة عن مجلس هو مؤسسة عامة عدد موظفيه، رواتبهم، كيف تتم التوظيفات والميزانيات والدراسات، وفي العام 1996 سمي الفضل شلق وزيراً للاتصالات السلكية واللاسلكية فصدر مرسوم بتعيين نبيل الجسر رئيساً للمجلس وعضوية بطرس لبكي وإبراهيم محمد مهدي شمس الدين ونهاد جورج بارودي لمدة خمس سنوات، وسمي ياسر بري شقيق نبيه بري نائباً للجسر.

وحصل تغيير مشابه في مجلس الجنوب في نفس الفترة، فاستقال رئيسه حسن يوسف واستبدل به قبلان المسؤول في حركة مأمل، ولم تقل سمعة مجلس الجنوب سوءاً في عهدة حركة أمل عما كانت عليه أيام كامل الأسعد، حيث عاد نعت مجلس الجيوب إلى التداول وأن المستفيدين كانوا من المقربين من رئيس المجلس ومن حركة أمل وليس من المتضررين فعلياً من العدوان الإسرائيلي وثمة إشارة إلى مبلغ 5و1 مليون دولار سرقت من الصندوق أثناء رئاسة حسن يوسف وتم منع التحقيق.

أما صندوق المهجرين رابع هذه المؤسسات وأحدثها فقد تأسس عام 1991 لإعادة 135 ألف مواطن إلى بيوتهم التي دمرت أو أحرقت أو هجروا منها، فتولي وليد جنبلاط الوزارة فيما تولى أنطون أندروس مهمة رئيس صندوق المهجرين، وفي مقال لنقولا ناصيف في جريدة النهار أن أموالاً بلغت 800 مليون دولار أنفقت من صندوق المهجرين في الفترة 1992 إلى 1998 وأن جزءاص كبيراً منها ذهب إلى أمور لا علاقة لها بعودة المهجرين وتعويضهم، ذهب بعضها إلى مشروع سوليدير وإخلاءات وامتلاك لبناء جسور وأنفاق وأوتوسترادات بمبالغ خيالية استفاد منها أنصار حزب اللـه وحركة أمل وعائلات سنية بيروتية، وإلى امتلاكات في المدينة الرياضية وكذلك لتمويل معارك انتخابية في دائرة عالية "كترشيح أنطوان أندراوس في دائرة عاليه في انتخابات برلمان 1996 وإلى الانتخابات البلدية والاختيارية عام 1998[47].

ولقد نشرت تفاصيل عن امتلاكات بمبالغ خيالية وصل بعضها إلى ملايين الدولارات وكانت بعض تفاصيل صندوق المهجرين معرض سجال بين أطراف الحكم حتى قال سليم الحص: الهدر المرتكب تحت شعار عودة المهجرين كان كبيراً جداً ولن يعلم حجمه إلا اللـه والراسخون في العلم من أهل السلطة.

ومن نماذج مماثلة لممارسات المحاصصة خارج بيروت، كانت هناك مشاريع صيدا وأوتوستراد صيدا- ومشروع إليسار للضاحية الجنوبية ومشروع ساحل المتن الشمالي، لقد أنشأ في 1995 الشركة اللبنانية لتطوير ساحل صيدا، شركة صيدون وتضمن المشروع أوتوستراد الساحل في وقت كانت فيه مشاريع الأتوسترادات في لبنان على نار حامية، فبلغت كلفة الكلم الواحد 11 مليون دولار مقارنة بكلفة وصلت الجية الدامور بمعدل 5و1 مليون دولار وكلفة اوتوستراد بيروت الدائري، الذي يبلغ طوله 15 كلم مع جسور ومجار وبنى تحتية 3 ملايين دولار للكم الواحد، وأوتوستراد الشمال بكلفة 900 ألف دولار للكلم الواحد ما يعني أن تكاليف الوصلات الجنوبية من الأتوسترادات كانت أعلى كلفة بنسبة شعرة أضعاف لأدنى كلفة في وصلات أخرى.

وبدت الكلفة هائلة رغم التخفيض إذا ما قيست بالتزام شركة رومانية محول الرميلة ومحول سينيق 8و1 مليون دولار للكلم الواحد بتعقيداتها الهندسية والجسور المعلقة، ولو تم تلزيم مشاريع الإعمار من كهرباء وماء وطرقات وغير ذلك بأسعارها الحقيقية لكانت كلفتها أقل بمرتين، لكن إصرار الترويكا وحاشيتها على تلزيم المشاريع لشركات خاصة بها أو خاصة بشركاء أو مقربين لها أدى إلى هدر فاق الأربعة مليارات دولار حتى 1998.

 

مطار بيروت وشركة الميدل إيست

أما مشروع إعادة بناء وتأهيل مطار بيروت الدولي فقد صمم ليستوعب 6 ملايين مسافر وقدر مجلس الإنماء والإعمار كلفته عام 1994 بـ 400 مليون دولار، ولكنها ارتفعت إلى أكثر من مليار دولار عام 1998، وكان الأجدر أن يعمل بموجب مشروع تقدم به نواب كلفته 200 مليون دولار يستوعب 3 ملايين مسافر سنوياً وقابل للتوسيع فيما بعد، أو بمشروع تقدمت به شركة الميدل إيست "طيران الشرق الأوسط الخطوط الجوية اللبنانية" بكلفة معقولة أيضاً، ولم يؤخذ بالاقتراحين ونال الفساد والسمسرة والمحسوبيات من مشروع المطار وعلى سبيل المثال:

ـ اختير متعهد لتلزيم حاجيات الزجاج بقيمة 7 ملايين دولار، ولكن الالتزام رسا على جورج الهراوي، الابن الأكبر لرئيس الجمهورية بمبلغ 5و12 مليون دولار.

ـ وأنشات المؤسسة العامة لتشجيع الاستثمار في حرم المطار تتبع مباشرة لرئاسة مجلس الوزراء وعين يوسف شقير مديراً عاماً.

ـ وفسخت عقود تلزيم محطات الوقود مع خمس شركات عالمية واستدرجت عروض من شركات أخرى، فرسا العقد على شركة قابضة وتم بناء خزانات جديدة بقيمة 15 مليون دولار رغم وجود خزانات جاهزة.

ـ أما استثمار المنطقة الحرة في المطار فقد رسا على شركتين إحداهما لرجل الأعمال محمد زيدان.

ـ أما التموين الغذائي الذي كانت تتولاه شركة آبيلا والتي انتهى عقدها عام 1993 فقد جرى استدراج عروض مزايدة، فتقدمت شركة CATER AIR LEBANON  بعرض تدفع بموجبه للدولة 44 مليون دولار في حين تقدمت شركة آبيلا، المقربة من الرئيس الياس الهراوي بعرض 11 مليون دولار، وفازت آبيلا رغم أنها قدمت العرض الأقل.

أما الشركتان الوطنيتان، الميدل إيست وشركة عبر المتوسط فقد منعت الدولة السلفات عنهما وأصبحتا في وضع مالي صعب، فطرح مشروع إنقاذ قضى بتولي البنك اللبناني الفرنسي الذي يملكه فريد روفايل معظم أسهم شركة عبر المتوسط، التي أسسها منير أبو حيدر والتي تعود إلى نجيب أبو حيدر وأشقائه وكان بنك أندو سوزظير الفرنسي سبق ذكره، قد عانى من خسائر بلغت 1.1 مليار فرنك ووجد الحل في خفض حصته في البنك اللبناني الفرنسي عام 1997 من 64 بالمائة إلى 15 بالمائة في حين زاد الحريري نسبة مساهمته في هذا البنك بعدما تمت تغطية عجز أندو سويز من بنك المتوسط والبنك السعودي اللبناني والبنك اللبناني الفرنسي وشركة سوليدير[48].

وكانت الحكومة قد عرضت دمج شركتي الطيران الوطنيتين فلم يعترض مجلس إدارة الميدل إيست ولكنه اشترط أن تجري دراسة لحاجات الشركتين وتقويم موجوداتهما، وأصدرت لجنة مشتركة توصية بتغيير مجلس إدارة الميدل إيست ودمج الشركتين بعد إجراء دراسة علمية ودب الخلاف في الترويكا حول مصير الميدل إيست، إذ أن نبيه بري مدعوماً من الياس الهراوي سعى إلى تأمين التمويل للشركة عن طريق شركة إنترا موقع نفوذ لبري، والحفاظ على مجلس إدارة الميدل إيست في حين رغب الحريري تغيير مجلس الإدارة وتمويل الشركة عن طريق مصرف لبنان "موقع نفوذ للحريري" ولكن عندما بدأ الحديث عن التمديد لرئيس الجمهورية انقلب الهراوي ودعم موقف الحريري مقابل دعم الحريري للتمديد لرئيس الجمهورية، انقلب الهراوي ودعم موقف الحريري مقابل دعم الحريري للتمديد للهراوي والاتفاق على أمور أخرى، وتغير مجلس الإدارة ليغادر عبد الحميد فاخوري ويأتي خالد سلام وسيطر مصرف لبنان على الشركة بزيادة رأسهمالها بقيمة 100 مليون دولار، فارتفعت حصة المصرف إلى 99 بالماشة من أسهم الشركة، في حين انخفضت حصة AIR FRANCE  من 5و22 بالمائة إلى 1 بالمائة[49].

أما مسألة تقويم الموجودات فقد قامت شركة DELOITTE ET TOUCHE بالمهمة وجاء تقريرها مفاجئاً إذ قيمت سعر سهم الميدل إيست بدولار واحد، رغم أن دراسة أخرى مستقلة قيمت معظم الموجودات وليس كلها بـ 25 دولاراً للسهم، وسمح التقييم الأدنى لمصرف لبنان بامتلاك الأسهم وفتح الطريق لدمج عبر المتوسط والميدل إيست.

 

الخليوي

طالت مشاريع الخصخصة قطاع الهاتف الذي كان محولاً ليدر إيرادات كبيرة تسد عجز موازنة الدولة في التسعينيات وشارك منذ البدء نزار دلول "زوج كريمة نازك الحريري من زواج سابق" ونجل وزير الدفاع محسن دلول في مشاريع تلكوم فوقع عقد عام 1993 مع شركة نرويجية "نوركونسولت" بقيمة 13 مليون دولار رغم وجود عرض سويدي بقيمة 5و10 مليون دولار، وكانت شراكة دلول الحريري قد حصلت على عقد بالتراضي من الدولة اللبنانية عام 1992 وتمويل من بنك المتوسط لوضع خطوط دولية واستخدامها بين لبنان والخارج وبيع خطوط واشتراكات من سنترالات خارج سنترالات الدولة، وكان نزار دلول يعمل وكيلا لشركة أمريكية فازت بعقد تلزيم شبكة الهاتف الفلسطيني في غزة والضفة الغربية، وقعه رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات بتدبير من أشخاص منهم بيار رزق المسؤول السابق في القوات اللبنانية –إيلي حبيقة "راجع الفصل الرابع عشر" ورجل الأعمال عبريال بن نون "فرنسي من أصل يهودي مغربي" كما كان نزار دلول صاحب أعمال على مستوى دولي منها مشاريع عديدة في السعودية وبلدان أخرى مع شركات أمريكية ومن جنسيات أخرى.

وجرى عملية استدراج عقود عام 1993 ففازت شركة فرانس تلكوم وتلكوم فنلندا وانسحبت شركة إيطالية مدعومة من نبيه بري[50]، وفي العام 1994 تأسست شركة مشتركة بين تلكوم الفنلندية وشركة لبنانية باسم ليبان سل، وشركة أخرى هي FTML من مساهميها رجل الأعمال نجيب ميقاتي الذي أصبح وزيراً فيما بعد وشقيقه طه ميقاتي، فبدأت الشركتان تحققان أرباحاً طائلة منذ السنة الأولى نتيجة الشروط السهلة التي وافقت عليها الدولة اللبنانية، فكانت الارباح المعلنةعام 1996 "260 مليون دولار" ولم تتجاوز حصة الدولة 23 مليون دولار، وبدل أن تسعى الحكومة إلى تقليص مدة مع الشركتين والسعي إلى تحسين نسبة إيرادات الدولة، كلفت الحكومة عبد المنعم يوسف مدير عام وزارة الاتصالات بمفاوضة الشركتين اللتين يملك الحريري النسبة الأكبر من أسهمها لتمديد العقد ورفع حجم الاشتراكات ولكن الحكومة أممت هذا القطاع فيما بعد.

لقد أحصت دراسة قامت بها الإعلامية ألين حلاق 400 مخالفة في قطاع الخليوي ونشرتها عام 2003 ولاقت نجاحاً وصدرت منها عدة طبعات وإذ شابت هذه الدراسة أيضاً مبالغة في تصوير أي خطوة أو عمل قامت به الشركات وأصحابها بمثابة مخالفة قانونية، تبقى الدراسة مستنداً في شؤون القطاع ووثيقة للباحثين[51].

 

النفط والكهرباء

مثل الهراوي قبل تبوئه الرئاسة الأولى مصالح شركة النفط الأمريكية موبيل أويل مع شريكه خليل غطاس وكغيره من أهل السياسة في لبنان، واصل مواكبة مصالحه الخاصة وأشرف ابنه روي على المصالح النفطية، فكانت حصته من مجمل مشتريات الدولة من المشتقات البترولية 30 بالمائة شراكة مع رجل الأعمال السوري صائب نحاس وبمساعدة محامي أسرة الهراوي شاهي برصوميان، ولكي يعدل تجاه ولديه، منح الهراوي ابنه روي حصة في قطاع النفط وابنه رولان حصة في قطاع الكهرباء[52].

لقد رفعت الدولة الدعم عن المحروقات كما أوصى صندوق النقد الدولي، ولكنها تركت الاستيراد والتوزيع للقطاع الخاص الذي تقاسم الأرباح مع أشخاص في مواقع نفوذ في الدولة، وإذ بلغت فاتورة النفط في التسعينيات 700 مليون دولار سنوياً، واعتبر الرئيس الهراوي أن هذا القطاع هو من حصته، عمد عبر نجله رولان إلى تأسيس شركة نفطية سيطرت على 30 بالمائة من القطاع، وعين محاميه وصديقه شاهيه برصوميان وزيرا للصناعة والنفط بعدما اشترط على الحريري لدى تشكيله حكومته الثانية أن يستبعد منها وزير النفط السابق أسعد رزق المقرب من الحريري[53].

في تلك الفترة كشفت صحيفة النهار عن فضيحة نفطية بطلها الوزير شاهيه برصوميان الذي قام بإعادة بيع كميات كبيرة من مادة المازوت على أساس أنها رواسب ثقيلة، هذه الصفقات التي قدرت بمئات ملايين الدولارات كانت تتم عبر شركتين وهميتين مسجلتين شكلياً في قبرص وبريطانيا ويملكهما شخص واحد وتستعملان رقم فاكس واحد ونفت وزارة المالية أنها تسلمت أي مبالغ سواء من أرباح محققة أم استرجاعاً لأثمان محروقات تم بيعها، هذه الصفقات كانت تساهم في رفع كلفة النفط وبالتالي ترهق المستهلك حيث بلغت الضرائب والرسوم على استهلاك النفط 250 مليون دولار عام 1996.

لقد لاحق القضاء برصوميان في ملف النفط، وحكم عليه بالسجن في 5 آذار/ مارس 1999 بتهمة تزوير أوراق رسمية حول إعادة تصدير بترول صالح للاستعمال، وطالت القضية خمسة مسؤولين في الوزارة ومدراء في مصفاتي الزهراني وطرابلس أما المبلغ المحول إلى حساب مصرفي في زوريخ والذي بلغ 26 مليون دولار فقد تمت ملاحقته أيضاً[54]، وفيما أطلق سراح بروصوميان بموجب كفالة قيمتها 500 مليون ليرة، وأخلي سبيل نقولاً نصر مدير عام الوزارة لبراءته عاد بروصوميان إلى ممارسة العمل السياسي في حزب الطاشناق ولكن التحقيق معه في ملف النفط استمر عام 2005.

أما في وزارة الكهرباء ففي حزيران/ يونيو 1993 أعفي وزير الموارد المائية والكهربائية جورج أفرام من مهماته وأسندت حقيبته إلى إيلي حبيقة[55]، وجاء الإعفاء بعد جلسة عاصفة لمجلس الوزراء حيث نقل الهراوي في مذكراته ما قاله فيها أفرام عن الحريري: دولة الرئيس لا يعطينا الصلاحية، وأسلوبه تسلط لن نقبل به، وهو يضر بالبلاد، دولة الرئيس يريد التفرد والتحكم في مقررات الوزراء، يريد السيطرة على مجلس الوزراء ومنع الوزراء من ممارسة صلاحياتهم، وهو أتى بأشخاص يخصونه إلى مجلس إدارة الكهرباء، وهو يحرضهم على الوزير "أي على أفرام" كما عين مديراً لا يفهم بالكهرباء وهذا سيؤدي بالبلاد إلى كارثة.

وتدخل الوزير سليمان طوني فرنجية ليقول: أنا متضامن مع الوزير أفرام، وطريقة الرئيس الحريري في التعاطي مع الوزراء غير مقبولة، فهو لا يسمح بإعطاء الرأي الجميع يتحدثون عن تسلطه وتحكمه إنه يريد شركة وهذا لا نقبله.

ورد الحريري: هذا كلام ظالم وأنا أسأل أي وزير أن يقول إني تعاطيت معه بأسلوب تفردي وتسلطي.

الوزير فرنجية: منذ أتيت إلى الحكم وأنت تحاول السيطرة.

الوزير حبيقة موجهاً كلامه إلى فرنجية: نحن هنا لتحمل المسؤولية وليس للمزايدة والبهورة[56].

وتمت إزاحة الوزير جورج أفرام وأصبح حبيقة وزيراً للكهرباء، وجاء حبيقة بفادي ساروفيم مستشاراً له وأمكن تشبيه وزارة الكهرباء بمغادرة علي بابا لكثرة ماشهدته هذه المؤسسة من عمليات نهب مدروسة للغاية.

ويقول رينه نبعة إن قيمة السرقة خلال ثلاث سنوات 600 مليون دولار في قطاع الكهرباء شكلت 50 بالمائة من الأموال التي أنفقتها الدولة على هذا القطاع لتأهيله بعد الحرب حتى 1996 استفاد منها إيلي حبيقة وفادي ساروفيم ورولان الهراوي ومارون الأسمر ومهيب عياني وروبير دباس، الذي كان يتولى مهام تنوير بيروت[57].

وهذا يعني أن نصف ما رصد لمؤسسة كهرباء لبنان حتى 1996 قد ذهب في باب السمسرات والمحسوبيات إلى حد أن وزير الدفاع محسن دلول شكا في نهاية 1997 من الفضائح والصفقات المشبوهة في تلزيمات ومشتريات كهرباء لبنان مستغرباً نقل مهيب عيتاني من شركة الكهرباء إلى إدارة مرفأ بيروت، قائلاً: إن مصير المرفأ لن يكون في ظل إدارته الحالية أفضل مما آلت إليه مؤسسة كهرباء لبنان في ظل الإدارة عينها[58].

وإذ فضح وزير المال فؤاد السنيورة حبيقة في إحدى جلسات مجلس الوزراء، إلى حد وصفه بالحرامي ثارت ثائرة حبيقة وهجم على السنيورة وحصل تشابك بالأيدي، وبعد أسبوع هدد حبيقة بكشف الأوراق وأنه سيتحدق بالأرقام عن العمولات والسمسرات التي ذهبت إلى أقطاب الدولة، وانتهى الأمر بقبوله اعتذارا علنياً من السنيورة أثناء الجلسة.

وإضافة إلى فضائح النفط والكهرباء كانت ثمة فضائح في قطاع المياه والعمليات المنظمة لتدمير البيئة عبر استيراد النفايان السامة وشفط الرمول عن الشواطئ لتعريتها من الحماية الطبيعية، ونهش الجبال بالكسارات وتشويه طبيعة لبنان إلى الأبد، ورغم أن مجلس الوزراء أصدر مرسوماً عام 1995 لوقف عمل الكسارات إلا أن بعضها استمر ووقفت الدولة عاجزة أمام نفوذ أصحاب الكسارات ومقدرتهمعلى منع أي أمر بوقف أعمالهم.

أما في التلوث فقد تم استيراد حوالي 16 ألف ليتر من النفايات السامة وعشرين مستوعباً من إيطاليا وألمانيا ودفت في لبنان في الفترة 1987- 1989 بالتعاون بين ميليشيات الأمر الواقع ومسؤولين رسميين في مرفأ بيروت، ومقابل هذه العملية تلقى الجانب اللبناني 80 مليون دولار، فيما كوفئ أحد المشاركين بتعيينه وزيراً للبيئة في حكومة ما بعد الحرب، ونشر مجلس الإنماء والإعمار عام 1990 خريطة مواقع دفنها في عكار وصور وعيون السيمان وحي الكرنتينلا شمال بيروت[59].

وهكذا بدلاً من أن يبقى لبنان بلد اللبن والعسل كما ذكر الكتاب المقدس وأن يبقى واحة الحرية للأقليات الدينية في الشرق، أصبح مزبلة لنفايات الدول الصناعية.

أما شفط الرمول فلم يقل في وطأته وخطورته على البيئة من النفايات إذ بلغ طول الشاطئ الذي تمت عليه عمليات الشفط 70 كلم في مناطق عدة امتدت عن عكار إلى صور وعملت الكسارات في نهش جبال لبنان في كسروان وضهر البيدر بحماية الوزيرين ميشال المر ونقولا فتوش، ما أدى إلى تشويه دائم في جمال لبنان وميزته الجبلية "تعرضت بعض القرى لانهيارات شتوية حيث عرض التلفزيون أبنية سكنية على أكتاف شواهف الكسارات[60].

 

الإعلام

تواصل مبدأ المحاصصة في شتى الأمور، ففي قطاع الإعلام تم توزيع الأثير حصصاً على الزعماء والأمراء، وأسس أقطاب الدولة محطات تلفزيونية خاصة منذ 1992 في حين عملوا في الداخل والخارج على إخماد الأصوات الإعلامية المستقلة أو الناقدة، وتم توزيع التراخيص الإعلامية محاصصة كانت الرسالة للمحطات العاصية منذ أوائل التسعينيات أن التعرض للنظام السياسي القائم أو للدرو السوري في لبنان هو من الممنوعات[61]، في أيلول/ سبتمر 1996 أقر مجلس الوزراء توزيع التراخيص كالتالي"

ـ محطة غير موجودة هي الشبكة الوطنية للإرسال NBN والتي ترجمها البعض إلى NABIH BERRI NEWS  لأنها عبرت عن حركة أمل الشيعية ورئيسها رئيس مجلس النواب نبيه بري، وكان في مجلس إدارتها خليل حمدان "أمل" والوزير ياسين جابر المقرب من الرئيس بري، وشقيقه رباح جابر، وأمينة بري شقيقة نبيه بري، وسميرة عاصي شقيقة رندة بري زوجة نبيه بري.

ـ أما تلفزيون المستقبل الناطق باسم رفيق الحريري ويراه الرأي العام المحطة السنية في المحاصصة، فقد ضم في مجلس إدارته أفراد من أسرة الحريري ومعاونيه: نهاد المشنوق "مستشار إعلامي للحريري" شفيق الحريري ومصطفى زيدان وغالب الشماع، وبهية الحريري ونازك الحريري "زوجة رفيق الحريري" ويوسف تقلا وفريد روفايل وسمير صعب وروبير دباس ومكارم مكاري "شقيق الوزير فريد مكاري" وعلى جابر وخالد صعب وإضافة إلى هذه المحطة وراديو الشرق في باريس أطلق الحريري جريدة المستقبل في 14 حزيران/ يونيو 1999 إيذاناً بعد ثمانية أشهر من خروجه من الحكم، بعودته إلى الساحة السياسية، وامتلك تراخيص ثلاث مطبوعات هي صوت العروبة، والهدى ومجلة الهدف[62].

كما كان له نفوذ في ست صحف رئيسية في لبنان، وعلاقات جيدة مع صحافيين يغطون كافة وجهات النظر اللبنانية[63].

ـ وتلفزيون المر MUTT TV والذي رآه الرأي العام كمحطة للروم الأرثوذكس ومركزه الأشرفية،, حيث امتلكت 85 بالمائة من أسهمه عائلة المر وموظفوها، وأبرز مساهميها غبريال المر وكارول المر وكارلا المر، إضافة إلى الوزيرين إيلي حبيقة وغازي العريضي ولكن هذه المحطة خرجت على إجماع الترويكا فأقفلت أثناء انتخابات فرعية في أيلول/ سبتمر 2002 لأسباب واهية حيث أيدت المحطة مرشحاً ضد مرشح آخر يتلقى دعم ميشال المر والأوليغوبول الحاكم[64].

ـ المؤسسة اللبنانية للإرسال LEBANESE BROADCASTING CORP ورآها الرأي العام محطة الموارنة، تأسست أثناء الحرب وعبرت عن الميليشيا المسيحية.

ـ تلفزيون المنار وهي محطة أخرى للشيعة تنطق باسم حزب اللـه كمنبر للمقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي في التسعينيات، ولكن أسوة بالمحطات الأخرى، كانت هذه المحطة الأداة الدعائية لخطاب حزب اللـه الإسلامي والفئة التي يمثلها في نظام المحاصصة.

ـ تلفزيون لبنان: قبل أن يبدأ تلفزيون المستقبل البث، اشترى رفيق الحريري 49 بالمائة من تلفزيون لبنان الرسمي عام 1992  من وسام عز الدين بقيمة 5 ملايين دولار وعين فؤاد نعيم للإشراف عليه، وعندما صدرت أصوات نيابية وعامة تطالب بأن يكون تلفزيون لبنان ملكاً للدولة، تم نقل قسم من أرشيفه الذي يعتبر ثروة وطنية تغطي برامج ومسلسلات ووثائق منذ أوائل التعسينيات لصالح تلفزيون المستقبل وبيعت حصة الحريري في تلفزيون لبنان بـ 8 ملايين دولار إلى الدولة عام 1995.

ـ تلفزيون الجديد TV قبل صدور قانون تنظيم الإعلام المرئي والمسموع، تأسست محطة تلفزة نيو تي في "تلفزيون الجديد" ومن أصحابها الرئيسيين رجل الأعمال تحسين خياط، وكانت من المحطات التلفزيونية القليلة أو الوحيدة التي انتهجت خطاً غير طائفي في البث والتوجيه والتوظيف، تمتع تلفزيون الجديد بعدد مشاهدين كبير وواسع بسبب مواقفه المعارضة، وضم طاقمه 350 موظفاً منهم 75 صحافياً، إضافة إلى ألفي متعاقد وقامت المحطة بالتركيز على أخطاء وخطايا الحكم والحكومة والفساد وأضفت علامات الاستفهام على سياسة الدولة ومشروعها الاقتصادي والسياسي وبالتالي أقفلت هذه المحطة وسمحت حكومة الحص للتلفزيون بإعادة البث في حزيران/ يونيو 1999 بعد سنوات من الصراع القانوني والقضائي.

ولكن في بداية 2003 أمرت حكومة الحريري إقفال تلفزيون الجديد بسبب تعرضه للسعودية، وعارض رئيس الجمهورية وآنذاك إميل لحود هذا الإجراء وتابعت المحطة بثها.

وفي تشرين الأول/ أكتوبر 2006 أعلن التيار الوطني الحر الاكتتاب في محطة تلفزيونية "أورانج تي في" لتبث عام 2007.

لقد صدرت دراسات تحليلية عن محاولات سياسية للسيطرة على الإعلام المعارض إما بتطويعه بالقوة والسلطة أو بشرائه[65]، ولكن قوة الترويكا الإعلامية ونفوذها الكبير في الصحافة لم يعنيا أن الصحافيين قد أعفوا الدولة من مسألة المحاسبة فقد كانت اليوميات الصادرت في بيروت تراقب وتنتقد الأخطاء وتندد باستعمال المال لشراء الضمائر، وعلى صعيد الإذاعات منحت التراخيص إلى إذاعة صوت لبنان "كتائب" وصوت الشعب "شيوعي: وإذاعة صوت الغد.

 

الإمبراطوريات العقارية

انطلقت عملية إعادة إعمار وسط بيروت عام 1991، عندما صوت البرلمان على مشروع إنشاء الشركة العقارية لإعمار وسط بيروت واختصارها الفرنسي سوليدير وإذ كان آلاف اللبنانيين يمتلكون عقارات ومحلات وأبنية في وسط بيروت، استقطبت سوليدير مجمل ملكيات هؤلاء عبر إصداء أسهم حددت قيمتها شركات تخمين بمعدل 400 إلى 1200 دولار للمتر المربع الواحد وخال فترة قصيرة كان المتر الواحد يباع بسعر أعلى دفعها برحابة صدر أصحاب الأمولاال، ليصبح أصحاب العقارات الأصليون بدون ملك، ولئن كان بضعة أشخاص أصحاب نسب كبيرة من أسهم سوليدير تحول هؤلاء إلى أصحاب أهم موقع عقاري في لبنان.

وتعى عمل سوليدير نطاق الوسط ليخترق أحياء شعبية تاريخية لم تكن أبداً ضمن الوسط باتجاه الخندق الغميق وشارع فرنسا ووادي أبو جميل "حيث هدم مبنى تراثي على رؤوس ساكنيه وقتل 15 شخصاً وجرح وثمانية آخرون، وصولاً إلى الواجهة البحرية حتى عين المريسة فألغيت الطريق الساحلية كما جاءت في الخطة الأصلية وألغيت المواقف العامة، وامتدت عملية الردم داخل البحر إلى 60 هكتاراً بعد أن كان يفترض أن لا تزيد عن 20 هكتاراً، وتولت سوليدير كلفة البنية التحتية 200 مليون دولار مقابل تخلي الدولة عن 50 بالمائة من أراضي ردم البحر والبالغة 600 ألف متر مربع على أن تتحول حصة الدولة إلى حدائق وطرق، وضمت سوليدير أراضي تابعة لشركة مرفأ بيروت قيمتها 400 مليون دولار دون أن تدفع شيئاً للدولة.

وألغي من المشروع الأساسي المنشآت ذات الطابع الثقافي والتاريخي كالمكتبة الوطنية والمركز الدولي للمؤتمرات ومتحف المدينة، لتنشأ مكانها مبان تجارية ومكاتب، في حين بدأ مسعى لجعل مقر المؤتمرات في رأس بيروت بعيداً عن الوسط، وليس أن سوليدير قضت على تراث بيروت وأسواقها فحسب بل هدمت تاريخ المدينة الهندسي وغطت معالم آثارات وأسس كان من الواجب المحافظة عليها أكانت معروفة قبل إعادة الإعمار أم اكتشفت لأول مرة فجرفت أراض واسعة لردم البحر دون التقصي الأركيوليوجي المتأني، رغم تدخل الأونيسكو وعلماء الآثار وهيئات رسمية وشعبية ومجتمع مدني.

يقول الرئيس الهراوي في مذكراته إنه في كانون الأول/ ديسمبر 1994 وفي جلسة لمجلس الوزارء أثير بند يتعلق بفندق السان جورج في حي الفنادق والسماح بردم 12 ألف متر مربع من البحر، وتحول إلى جدل حام اشترك فيه الوزراء نقولا فتوش ومحمد ابو حمدان وسليمان طوني فرنجية، ثم قال أبو حمدان: بدنا نعرف السان جورج لمين؟ هناك من اشترى سبعين بالمائة منه، عند هذا الحد بدا الرئيس الحريري الذي تجنب منذ بداية الجدل الخوض فيه واجماً، ثم علت وجهة علائم الانفعال فوقف وخاطبني قائلا: فخامة الرئيس، اعتبرني مستقيلا، أنا أقدم استقالتي وطالع إعلانها براً، ونجح الوزراء في ثني الحريري عن الخطوة وإعادة الهدوء إلى المجلس[66].

ويكتب هنري إده وكان المهندس الأول لمشروع إعادة إعمار الوسط التجاري بأسلوب لا يخلو من الفكاهة لقاءاته مع الحريري حول مشروع إعادة إعمار الوسط التجاري بدا فيها الحريري ببرغماتيته، مبتكراً ذكياً للحلول البسيطة[67]، طلب مني رفيق الحريري بعض الإيضاحات حول الحصة العائدة للدولة في أراضي المرفأ كان يريد معرفة وجهة نظري في التعويض الذي يجب أن تدفعه الشركة العقارية للدولة في مقابل أن تتنازل لها عن هذه الأراضي وعندما أجبته بأني أقدر قيمة هذه الأراضي بما يقرب من أربعمائة مليون دولار، رفع ذراعيه إلى السماء وقال لي إنه لا مجال لديه لا لدفع مثل هذا المبلغ الهائل ولا للتخلي عن هذه الأراضي وإن علي أن أجد الوسائل الكفيلة بتقليص المبلغ الذي أعلنته[68].

ويعطي إده مثلاً آخر عندما زاره الحريري بعد فترة يشكو عدم تقدم الأعمال فأبلغه إده عن دراسة حول روزنامة الأعمال والتنفيذ، فقال الحريري: الحقيقة أنني لا أفهم الفائدة أنني لا أفهم الفائدة من مثل هذه الدراسة، ماذا تخشى؟ أتريد أن تعرف سلفاً مدة العملية لحساب ريعها؟ أنا يمكنني أن أطمئنك مباشرة حول هذه المسالة، مما قلته لي احفظ المساحة الإجمالية للأراضي الصالحة للبناء في وسط المدينة هي في حدود 600 ألف متر مربع، وعلى افتراض أن هناك 300 قطعة كل واحدة من ألفي متر مربع، فأنا ألتزم شخصياً بأن أعثر لك في أقل من أسبوع على 300 مشتر من الخليج سيكونون في غاية السعادة ليوظف كل واحد منهم ستة إلى سبعة ملايين دولار لامتلاك قطعة أرض في وسط بيروت.

وعندما اعترض إده على هذا القول وأجاب بمطالعة حول مراحل الإعمار وضرورة الفرصة لأكبر عدد من اللبنانيين كي يعيدوا بأنفسهم بناء مدينتهم بناء يجسد تقاليدهم وآمالهم ويجعل المدينة تنتسب إليهم أصغى الحريري بصبر إلى دفاعي المرتجل باجتهاد، وحين انتهيت سألني بلهجة محببة وأبوية بكلمة واحدة وبعد كل حساب ما تقديراتك للمدة اللازمة لإعادة إعمار وسط المدينة كاملاً؟ أجبته عشرون سنة على افتراض نمو مناسب جداً فنهض على الفور ولخص اللقاء بهذه النصيحة الأخيرة المرفقة بابتسامة عريضة ركزوا جهودكم إذن على إعداد التصاميم والدروس التقنية واتركوا لي العناية بتقدير سير المشروع ومهل التنفيذ التي أقدرها بأقل من عشر سنوات.. لكن مهنته [69] "يعني نصف الفترة التي حددها إده".

ومثال آخر على برغماتية الحريري هو لقاؤه بفريق دار الهندسة برئاسة الخبير البريطاني روبرت صولومون لاستعراض الدراسات التي أعدت حول بناء الوسط وكلفته والجداول الزمنية إلخ، وبدا الفريق تقديم نتائج دراساته، ولكن لم يكن صولومون ينهي عرضه التمهيدي على الأقل حتى قاطعه الحريري قائلا: أنت كما فهمت من كلامك تقترح علي مخططاً بمليار ونصف مليار دولار للسنتين الأوليتين، ومليارين ونصف للسنوات الثلاث اللاحقة، هل هذه فكرتك؟

صولومون: نعمي سيدي الرئيس على افتراض مسيرة انمائية متسارعة وحجم مساعدة عالمية إيجابية.

الحريري: قل يلي يا صديقي هل سمعتني أطلب إليك تحديد المبالغ أو مهل الإنجاز، الأقل أما التمويل فسأنجح في الحصول عليه، وطرق التمويل سنعثر عليها في فائض الموازنة ابتداء من الدورة الثالثة، وفي الأرباح التي ستحققها مؤسسات الكهرباء والاتصالات سنكون قد أنجزنا إعادة تأهيلها[70].

وأعاد الحريري هذه الفكرة في جلسة برلمانية لاحقاً.

ويصف إده زيارة الحريري ووفد رسمي لباريس في أوئل السبعينيات لطلب المساعدات وكيف أن التلفزيون الفرنسي أخذ يعرض الوفد اللبناني متنقلاُ بقافلة من سيارات مرسيدس الـ 500 الفخمة التي بدت إلى جانبها سيارات الوينو 25 الوزارية الفرنسية هزيلة وباهتة.

وأقام أعضاء الوفد الرسمي اللبناني في أوتيل CRILLON المطل على ساحة الكونكورد فيما توالت الاستقبالات في أكثر الأماكن فخامة راسمة صورة غريبة على هؤلاء اللبنانيين المدمرين في زعمهم والآتين في طلب مساعدة مالية من فرنسا[71]، كما أن زيارة مماثلة قام بها وفد لبناني برئاسة الحريري إلى واشنطن عام 2002 فرغب الرئيس جورج بوش الابن مداعبة الحريري وسأله لماذا لا يتبرع بقسم من ملياراته إلى لبنان، وبالمقابل يصف هنري إده الإسراف المريع لإعادة تأهيل السرايا الكبير ليكون مركزاً لائقاً برؤساء الوزراء، حيث لم يراع اقتصاد في الكلفة، بل اقتضى تكبير هذا المبنى وتحويله إلى قصر شاسع باذخ دن أن يحترم مقياسه الأصلي وأحجامه وواجهاته، ويوظف فيه من دون تردد عشرات الملايين من الدولارات المسحوبة من موازنة الدولة التي تشكو من العجز الكبير أصلاً: صالون استقبالمن 700 متر مربع، قاعة طعام تتسع لـ 500 مدعو من 720 متراً مربعاً مغطاة جوانبها بالمرمر والألواح الخشبية المرسومة والمشغولة بسخاء، وفي الطابق الأرضي تتضمن مكاتب رئيس الحكومة وزوجته ديوان استقبال من 240 متراً مربعاً، وفي الطابق الأول شقة من أربع غرف للضيوف الرئيسية منها مساحتها 110 أمتار مربعة وصالون وغرفة سفرة لـ 22 شخصاً وديوان آخر يتوسطه نبع من المرمر المحفور على شكل فسقية رخام وسطها نافورة ماء.

أما الغرف فمزينة بالأعمدة الخشبية والسقوف الدمشقية وقناطر من الحجر الصقول، والباب والشبابيك وأفاريز جدارية، وفي الطابق الثاني رئيس الحكومة وعائلته على 3500 متر مربع ومساحة غرفة نوم رئيس الحكومة 145 متراً ومربعاً وسقفها من الخشب المحفور أو المرسوم وأرضها مبلطة بالحجارة وشبابيكها معرقة بالأرابيسك ونجميات مزينة بزجاجيات ملونة، أما مكتبه البالغ 165 متراً مربعاً وقاعة مجلس الوزراء البالغة 300 متر مربع فملبسان بالرخام والمرمر، وبلغت كلفة الأعمال لموقع رئاسة مجلس الوزراء 100 مليون دولار[72].

في العام 1998 قام مراسل الموند فردريك إدلمان بجولة في عدة مناطق لبنانية، وكتب تحت عنوان إعادة إعمار تمسخ لبنان عن كارثة وطنية وبيئية تتعلق بالمضاربات العقارية، لها علاقة بتبييض الأموال واستغلال السرية المصرفية، الضحية الرئيسية للمضاربات العقارية كان وسط بيروت الذي أصبح صحراء ثقافية حيث أصبحت الأملاك بأسعار خيالية ومقتصرة على أصحاب المال والسياسيين،في حين لم تتدخل الأونيسكو في وقف التخريب الذي لحق بالأماكن الأثرية، من طرابلس إلى صور، تم اغتصاب الساحل بمشاريع عقارية لم توفر لا التراث الحضاري ولا البيئة التقليدية للطبيعة ولا الأراضي الزراعية، لبنان الساحلي الذي يبلغ طوله 200 كلم بمساحة ضيقة جداً لا تشكل أكثر من 10 بالمائة من مساحة لبنان، ولكنها تضم 75 بالمائة من السكان، بكثافة سكانية بين الأعلى في العالم –أكثر من 1400 نسمة في الكيلو متر المربع الواحد، في منظر عام لخراب شامل في حين تثابر نشرة السوليدير الفصلية الكلام المصقول عن التجميل[73].

 

خروج الحريري وعودته

كان الحريري منذ صعوده على علاقة ممتازة مع دمشق، مدعوماً ومرعياً من السعودية وفرنسا والولايات المتحدة، وأقام علاقات شخصية وممتازة بالقادة السوريين حتى في فترة مبكرةمن دخولة الساحة، ويرى هنري إده أن السوريين أيدوا الحريري  يوم لم يكن يتمتع في لبنان باستثناء مصداقيته الشخصية والدعم الظرفي، بأي قاعدة سياسية فعلية مع علم السوريين بأنه لن يستطع في مثل هذه الظروف أن يتحرر من أي وصاية، وكانوا يعلمون أيضاً أن عليه أن يعوض عن جنسيته السعودية وعن قربه من الملك فهد بخضوع أكبر لهم من الخضوع المطلوب من الرجل اللبناني السياسي التقليدي الذي يستند إلى قاعدة تاريخية كوليد جنبلاط وسليمان طوني فرنجية، هذا فضلاً عن حساب الإفادة المتوقعة من ثروته[74]، لقد جاء الحريري إلى رئاسة الوزراء مباشرة من عالم الأعمال بدون خبرة نيابية أو وزارية وبدون تجربة في السلطة، فعوض عن ذلك بماله وعلاقاته الواسعة محلياً وإقليمياً ودولياً حتى أصبح خلال سنوات الرجل الأهم في الساحة اللبنانية، فيما أخذت الطبقة السياسية اللبنانية الصف الثاني.

ويقول هنري إده إن الجميع يقرون للحريري بأن لديه كفاءات ومؤهلات تسمح له بإنجاز إعادة إعمار البلد ولاسيما إعمار الحجر، ولكنهم يشترطون وضعها في خدمة عمل ديمقراطي شفاف، يتطلع إلى المستقبل ويكون أكثر شمولاً وأكثر إبداعاً، ولا أحد يشك في سحره الشخصي وهيبته وإرادته وديناميته وتجربته في الأشغال الكبرى واتساع صلاته الخارجية، إلا أن النظرة الخاطئة التي لديه عن المشكلات اللبنانية الأساسية وجنون العظمة الذي يميز مشاريعه واستخدامه الخطر لسلطته المالية صارت كلها واضحة للجميع، وأن الحريري كان يدرك جيداً مجال البنية التحتية، ويدرك كيف يفاوض على العقود المهمة، فاعتقد أن في إمكانه أن يحصل على المليارات الضرورية، وظن أن نتائج أعماله في هذا القطاع ستكون ملموسة وقابلة للقياس ومشهودة، فهل كان عليه بسبب ذلك توهم أن نمو البلد يمكن أن يقاس حصراً بطول طرقاته وعدد خطوطه الهاتفية؟ وهل في وسعه أن يراعي خطة إنماء شاملة مع مكوناتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ألا يخشى أن يكتفي بتعداد مشاريع متناثرة كيفما اتفق إن من يضع نصب عينيه إغراء أصحاب حسابات التوفير بإعطائهم فوائد عالية جداً، وعملة أقوى من الدولار، يرتكب خطاً جسيماً لأنه في الوقت نفسه يقلل من حماسة المستثمرين للتوظيف في القطاعات المنتجة، ومن يجعل من هذه السياسة وسيلة للابتزاز من أجل الاحتفاظ بالسلطة، ويضع البلاد تحت رحمة سيف دامقليس الرهيب، ويراهن على هذا التهديد للحفاظ على مصالح الخاصة هو أكثر خطراً أيضا[75].

لقد فشل الحريري في إنعاش الاقتصاد اللبناني وفي إصلاح الإدارة العامة،فهو في تجربته السابقة لم يكتسب خبرة في إدارة الأزمات الاجتماعية أو في التعاطي مع النقابات والاتحادات العمالية "حيث إن العمل النقابي ممنوع في المملكة" ذلك عمد أول مواجهة له مع القوى العمالية في الشارع بقمع إضراب عام في تموز / يوليو 1995، هذه المواكجهة كانت أول هزة لموقعه في مخيلة الناس كمنقذ وبابا نويل فوجد الخلاص بمزيد من التقرب من الراعي السوري.

ومن أمثلة نفوذ الحريري لدى السوريين في سنوات حكمه الأولى هو دوره في التجديد للرئيس الهراوي، يقول الهراوي إنه في تموز / يوليو 1994 في اجتماع ضم الهراوي وبري والحريري وخدام وحكمت الشهابي وغازي كنعان وإبراهيم صافي، توه الحريري بالحديث فجأة إلى الهراوي قائلاً: فخامة الرئيس لدينا طلب منك هو أن تمدد ولايتك، ويقول الهراوي: جلت بنظري نت حولي فرأيت عبد الحليم خدام يبتسم موافقاً ونبيه بري ينظر إلى الأرض، ولم يثر الموضوع مجدداً إلا في نيسان/ إبريل من العام التالي عندما فاتحني به الرئيس حافظ الأسد في دمشق[76]، وذلك في جلسة بين الأسد والهراوي استمرت أكثر من 5 ساعات، قال بعدها الهراوي: فليكن التجديد لثلاث سنوات، فأجاب الأسد: لا مانع؟

ويضيف الهراوي: في نهاية اللقاء قال لي الأسد إنه يتمنى تمديد ولاية العماد إميل لحود في قيادة الجيش، فأجبت أني سأمدد له سنة واحدة كما في المرة السابقة، ابتسم ولم يعترض، في هذه الأثناء كان الرئيس نبيه بري يواصل المهمة التي كلفته القيام بها دمشق والقاضية باستشارة النواب وتهيئة الأجواء لتعديل الفقرة الثانية من المادة 49 من الدستور فسحاً في المجال لتمديد ولايتي[77].

في أيلول /سبتمر 1995 في حفلة خطوبة نجل عمر كرامي في طرابلس كان غازي كنعان بين المدعوين وقال لكرامي أمام الحضور إن على النواب أن يجددوا للهراوي ثلاث سنوات وإن التصويت لن يكون سرياً بل على النواب أن يرفعوا أيديهم، وهنا وقف كرامي وقد امتقع لونه وانتهت الحفلة فوراً حيث غادر المدعوون ومنهم مرشحون لرئاسة الجمهورية[78].

ويشرح الهراوي كيف أن أعنف المعارضين للتمديد قلبوا موقفهم واقترعوا إلى جانبه، ذلك أن المعارضين عادوا النظر في مواقفهم يوم نشرت جريدة الأهرام حديثاً مع الرئيس الأسد تحدق فيه إيجاباً عن موضوع التمديد على صفحتها الأولى يوم 11 تشرين الأول/ أكتوبر 1995[79]، ومما قاله الأسد للصحيفة: لا أرى أن تغيير بند أو بندين من الدستور هو من الأهمية بحيث يحتاج إلى نقاش[80].

ويضيف الهراوي إنه بعد انتخابات صيف 1996 وفي تشرين الأول/ أكتوبر أعاد تكليف الحريري رئاسة المكومة مجدداً فاستغرق تشكيلها 14 يوماً، تخللتها أزمات وتجاذبات وعقد متوالية بسبب محاولة الرئيس المكف الانفراد في اختيار غالبية أعضاء الحكومة الجديدة، وذللت العقبات بمساعدة دمشق[81]، في نفس الفترة كانت المعارضة المارونية والتي كان يقودها البطريرك صفير، في غياب سمير جعجع وميشال عون، تتصاعد ضد النظام الأمني الذي تديره سورية في لبنان ولم تفت دمشق ملاحظة والحشود الضخمة التي استقبلت البابا يوحنا بولس الثاني في أيار /مايو 1997، فوقع خيار الأسد على قائد الجيش إميل لحود ليكون رئيس الجمهورية المقبل، كشخصية مارونية تضيف التوازن إلى دولة برز فيها رئيس حكومة سني قوي ورئيس برلمان شيعي قوي، وكان اختيار لحود مفيداً لسورية لأنه سيكون قارداً على جمع السلطات المدنية والأمنية والعسكرية في شخصه وسيكون شريكاً مارونياً ممتازاً  لحزب اللـه في القضايا الإقليمية التي تهم سورية، وهكذا أرسلت دمشق كلمة السر إلى الحريري وبري في 16 أيلول/ سبتمر 1998[82]، في حين اعتقد الهراوي أنه أول من يعلم عندما زار دمشق في 5 تشرين الأول/ أكتوبر والتقى الرئيس الأسد.

بادرني الرئيس السوري القول إن مختلف التقارير التي وردت إليه عن الوضع في لبنان ونتائج استطلاعات الرأي العام التي أجريت تشير كلها إلى أن الشعب اللبناني بأكثريته الساحقة يريد إميل لحود رئيساً للجمهورية، وإنه مع إرادة الشعب التي لابد من الاستجابة لها، وتمنى أن تعدل المادة 49 من الدستور التي لا تجيز انتخاب موظفي الفئة الأولى مدة قيامهم بوظيفتهم ليصبح ممكناً انتخاب قائد الجيش رئيساً، كرر الرئيس الأسد غير مرة ضرورة تلبية إرادة الشعب خلال الاجتماعات الثلاثة التي عقدها ذلك اليوم، وذلك للتأكيد أن خياره نهائي.. غادرت دمشق عن المساء عائداً إلى بيروت بعد الاتفاق على اختيار العماد لحود رئيساً، عند منطقة ضهر الوحش اتصلت من هاتف السيارة بقائد الجيش وقلت له: مبروك، أريد أن أزف الخبر إليك قبل سواك، سنعدل الدستور وأنت المرشح للرئاسة[83].

ولم يرق الأمر للحريري الذي كان معارضاً بشدة لترشح لحود فشكل فريق عمل من عدد من مستشاريه منهم جوني عبدو وزاهي البستاني وباسيل يارد والفضل شلق وفريد مكاري وإجراء اتصالات محلية مع سياسين ورجال دين واتصالات خارجية، ولكت جهود الحريري وآخرين لم تمنع لحود من الوصول إلى سدة الرئاسة الأولى في جلسة برلمانية صوتت بالاجماع في 15 تشرين الأول/ أكتوبر.

وبعد مغادرته الحكم، حل الهراوي ضيفاً على برنامج حواري تديره الإعلامية ماغي فرح فسألته: من اختار الرئيس لحود لرئاسة الجمهورية.

فأجاب بعد لحظة صمت: مين اختار الرئيس لحود؟ .. الروح القدس!

ثم استطردت ماغي فرح: طيب وانت مين مدد لك ثلاث سنوات؟

وأجاب: مين مدد لي؟ الروح القدس، أوحى بذلك إلى النواب فصوتوا للتمديد[84].

التنافر بين الحريري ولحود كان حتمياً إن لم يكن لدى الأخير القادم من صفوف الجيش أي تعاطف مع رئيس الوزراء الملياردير الذي نعته بالمقاول الجيد وصرح لحود في بداية عهده عام 1998 أنه سيحارب الفساد والهدر وأنه سيستعمل صلاحياته حسب دستورالطائف بحذافيرها، على أساس إعادة هيبة الرئاسة الأولى، كما أن لحود أراد أن يرفع شعبيته في صفوف الطبقة الوسطى والفقراء والموارنة، وأوضح لحود للحريري أن عليه أن يقبل بسلطة أقل إذا أراد العودة كرئيس للوزراء، وتزامنت تلك الفترة مع صعود بشار الأسد الذي كلفه والده بشؤون الملف اللبناني الذي أزيح عنه عبد الحليم خدام، وإذا كان خدام وحكمت الشهابي وهما سنيان في القيادة السورية، مقربان من الحريري عمل بشار والموالون له في مجلس النواب اللبناني على إبعاد الحريري عن رئاسة الحكومة فيما تصاعدت النداءات لبدء حملة ضد الفساد الذي استشرى في الدولة اللبنانية في المرحلة السابقة[85].

وكان الفريق الجديد الذي يمثله بشار ومحيطه يرتاب لعلاقة الحرير الوثيقة جداً مع السعودية والولايات المتحدة ولقربه من المواقف الغربية تجاه الصراع العربي الإسرائيلي[86] وقرأ الحريري ما هو مكتوب على الحائط خاصة بعدما ترك عددمن النواب الخيار للحود في تسمية رئيس الوزراء فانسحب وأصبح سليم الحص رئيساً للوزراء.

وكانت حكومة الحص تحمل مشروعاً إصلاحياً في الإدارة العامة والمال والاقتصاد وترغب في العمل بدءاً من انطلاقتها في 4 كانون الأول/ ديسمبر 1998[87] ولم يكن الحص من الشخصيات المحسوبة على سورية، بل ضمت حكومته تشكيلة من شخصيات عصامية مستقلة وبعضها من أصدقاء سورية أو من وزراء الحكومات الحريري "ميشال المر وسليمان طوني فرنجية ونجيب ميقاتي" وإذ أعلنت حكومة الحص عزمها على وقف الهدر وملاحقة الذين أساؤوا أمانة المنصب الرسمي، وقامت بالتعاون مع رئيس الجمهورية، بفتح بعض الملفات الساخنة كالمحروقات "سبق الإشارة إليه" والخليوي في العام 1999 وتمت ملاحقة مهيب عيتاني المدير العام السابق لمرفأ بيروت "أعلن القضاء براءته في دعوى ساروماولم في أيار/ مايو 2005 وفي 9 تموز /يوليو 1999 وصل التحقيق إلى نقولا سابا محافظ بيروت السابق وصاحب علاقة بالحريري في قطاع الفندقية والأوتيلات الفخمة في قضية استثمار أملاك بحرية على كورنيش بيروت بسبب منحه الموافقة[88]، وعبد المنعم يوسف وآخرين واعتبر أنصار الحريري أن فتح الملفات هو عملية انتقامية من الحريري ونهجه، كما بدأت حكومة الحص مطالبة شركتي الخليوي بموجب اتفاق BOT "ابن، شغل، وسلم" دفع تعويضات للحكومة بسبب سوء تطبيق الاتفاق.

لم يقف معسكر الحريري وحلفاؤه مكتوفي الأيدي بل قاموا بحملة ضد حكومة الحص وصوروها بأنها اغتصبت بما هو ليس لها "أي السلطة" وهاجموها يومياً في البرلمان والصحف ووسائل الإعلام وعبر المنابر المتعددة في لبنان وخارجه[89]، ويتحدث جورج قرم الذي كان وزيراً للمالية في حكومة الحص، عن الحرب الكلامية التي تعرض لها وكأنني مغتصب خبيث خطف كرسي وزارة المالية من أصحابها الدائمين الشرعيين[90]، وإذ وحد الحريري جهوده مع وليد جنبلاط معارضة برلمانية، تحدث حكومة الحص عن التقشف  في الانفاق العام سخر جنبلاط إذا ما كان التقشف سيطال الانفاق على الاجهزة الأمنية أيضاً التي كانت تستوعب إضافة إلى الجيش ثلث الموازنة العامة[91]، وفي وقت بدأ تركيز المعارضة على النظام الأمني الذي يبنيه رئيس الجمهورية بمساعدة دمشق.

لقد كان الاقتصاد اللبناني يتدهور لفي منحى بدأ منذ 1996 واستمر في ظل حكومة الحص وما بعدها، في حين كان الدين العام يواصل صعوده التراماتيكي والأزمات الاجتماعية تتفاقم مع موجة هجرة في صفوف الشباب غير مسبوقة وبطالة متصاعدة ومزمنة واستقطاب للثروة في أيدي القلة ما ألغى أي أمل قريب في استعادة مكانة الطبقة المتوسطة في لبنان.

وما إن أطل العام 2000 ولاح استحقاق الانتخابات النيابية في الأفق، حتى بدأت حرب إعلامية شعواء على الحص ووحكومته تضمنت ربط كل ما أصاب لبنان من مصائب اقتصادية وهجرة وخراب زراعي وصناعي وديون، إلخ بحكومة الحص التي كانت في عامها الثاني متهمة الحص بأنه ضعيف تجاه رئيس الجمهورية لا يدافع عن مصالح الطائفة السنية وصور بأنه مغتصب اختطف كرسي رئاسة الوزراء من صاحبها الشرعي وقد عاش طوال السنتين تحت الضغط اليومي لهذه الحملات التي أدت في النهاية إلى حالة الهيستيريا الجماعية المسؤولة عن سقوطه في الانتخابات وانضم إلى جوقة أخصام الحص ثلاثة وزراء في حكومته موالون لسورية ميشال المر وسليمان طوني فرنجية ونجيب ميقاتي، وساهم الرئيس الفرنسي جاك شيراك في هذه الأجواء فقد اعتبر إخراج لحود للحريري من السلطة بأنه تصرف غير صديق لفرنسا فبردت العلاقات ما بين البلدين في فترة حكومة الحص، حتى عادت إلى طبيعتها مع عودة الحريري إلى الحكم في نهاية 2000.

وإذ استعد الحريري وجنبلاط وحلفاؤهما لانتخابات برلمان 2000، عمل اللواء غازي كنعان رئيس فرع الأمن والاستطلاع السوري في لبنان، والرئيس لحود على قانون انتخاب قسم بيروت لإضعاف كتلة الحريري ولم يستطع كنعان زحزحة وليد جنبلاط في الجبل، وكان هذا الأخير يتقرب من القيادات المارونية وينتقد الدور السوري[92]، في حين انتصر الحريري في بيروت، وكانت النداءات قد بدأت تتصاعد منذ الانسحاب الإسرائيلي من لبنان في أيار/ مايو 2000، إلى ضرورة أن ينتهي الوجود والنفوذ السوري في لبنان، ولم يستند فوز الحريري وجنبلاط إلى أسباب سياسية محضة "عدم رضى الرأي العام بالدور السوري وبأداء الرئيس لحود" بل كانت هذه الانتخابات الأكثر فساداً في تاريخ لبنان لشدة استعمال المال السياسي حيث جرى شراء واسع لأصوات الناخبين وإذ أنفقت معظم اللوائح الانتخابية أموالاً غير مسبوقة، فاق جهاز الحريري الجميع بإنفاقه مائة مليون دولار لحملته الانتخابية، ورأى الناس أفيشات عملاقة غطت واجهات الأبنية مطبوعة خصيصاً في باريس ومهرجانات جماهيرية ضخمة تشبه تلك التي يقيمها الحزبان الجمهورية والديمقراطي في الولايات المتحدة، وفاز الحريري بهامش كبير جداً ضد اللوائح المضادة وخطف دوائر بيروت الثلاث، في حين فشل رئيس الحكومة سليم الحص فشلاً ذريعاً فخسر مقعده وخرج من السلطة.

 

[1] محمد سعيد اللحام، مسيرة الشهيد رفيق الحريري، بيروت المركز الثقافي اللبناني 2005، عناوين أجزائه هي: من الميلاد إلى الاستشهاد، المؤسسات، الحكم والمسؤولية، الرحلات الدولية، تصريحات الرئيس، آراء ومواقف، نشاطات الأسرة الاجتماعية والإنسانية، من قتل رفيق الحريري؟ الاغتيال وردود الفعل، الوداع الأخير.

[2] مروان اسكندر الدور الضائع، لبنان وتحديات القرن الواحد والعشرين، بيروت، دار رياض الرئيس للكتب والنشر، 2000، ص 231.

[3] نجاح واكيم، المصدر نفسه ص 225.

[4] GEORGES CORM, LE LIBAN CONTEMPORAIN – HISTOIRE ET SOCIETE, PARIS. LA DECOUVERTE, 2003, P. 226.

[5] GEORGES CORM, OP, CIT., P. 269.

[6] النهار 3 تموز/ يوليو 1996.

[7] RENE NABAA, RAFIC HARIRI HOMME D’AFFAIRE PREMIER MINISTRE, PARIS, L’HARMATTAN, 1999, P. 16.

[8] RENE, NABAA, OP, CIT., P. 19.

[9] GEORGES CORM OP, CIT., P 248.

[10] مروان اسكندر ، المصدر نفسه، ص 237.

[11] مروان اسكندر، المصدر نفسه، ص 237- 239.

[12] وكلن بهاء قد خرج من جامعة بوسطن فتبرع رفيق الحريري بكلفة مبنى كلية الإدارة فأطلقت الجامعة اسم الحريري على  المبنى بعد إنجازه.

[13] HTTP: WWW.SAUDIOGER.COM

[14] كان قصر صالحة الأفخم في بيروت، يقوم على مرتفع تندرج على أحد سفوحه الجامعة اللبنانية الأمريكية، وتطل بواباته الرئيسية على شارع مدام كوري الذي يقع فيه فندق البريستول، اشترى الحريري العقارات المتاخمة نزولاً من العقار الذي يقع باتجاه شارع اللبنان، وعلى العقارات الإضافية ارتفعت طبقات عدة ومكاتب للمستشارين والمعازنين وأجنحة فاخرة بعضها مخصص للضيوف الكبار وقد حل في أحد هذه الأجنحة ولي العهد السعودي الأمير عبد اللـه بن عبد العزيز لدى انعقاد القمة العربية في بيروت عام 2002.

[15] نجاح واكيم، المصدر نفسه ص 22.

[16] RENE NABAA, OP. CIT. P. 97.

[17] نجاح واكيم، المصدر نفسه، ص 26.

[18] GEORGES CORM OP. CIT., P 258.

[19] RENE NABAA, OP. CIT. P. 20- 21.

[20] هنري إده، المال إن حكم، بيروت، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر 1999، ص 129.

[21] RENE NABAA, OP. CIT. P. 148.

[22] RENE NABAA, OP. CIT. P. 23.

[23] GEORGES CORM OP. CIT., P 270.

[24] RENE NABAA, OP. CIT. P. 153.

[25] الياس الهراوي، عودة الجمهورية من الدويلات إلى الدولة، بيروت، دار النهار، 2002، ص 114.

[26] الياس الهراوي، المصدر نفسه، ص 316.

[27] RENE NABAA, OP. CIT. P. 21.

[28] الياس الهراوي، المصدر نفسه، ص 322.

[29] الياس الهراوي، المصدر نفسه، ص 267.

[30] نجاح واكيم، المصدر نفسه، ص 6.

[31] الياس الهراوي، المصدر نفسه، ص 386.

[32] الياس الهراوي، المصدر نفسه، ص 352- 353.

[33] AS’AD ABUKHALIL. LEBANON ONE YEAR AFTER THE ISRAELI WITHDRAWAL, MERIP, MAY, 29, 2001.

[34] كما أن برلسكوني كان أول رئيس نيوليبرالي محافظ في إيطاليا منذ 34 سنة، وتبع نفس سياسات شيراك من ناحية تخفيض الضرائب ووضع قيود على المهاجرين وسياسة اجتماعية ضيقة وتسهيل القيود على الشركات الخاصة وسياسة موالية للولايات المتحدة "خاصة في مسألة غزو العراق" ويعتبر مواقبو إيطاليا أن محطات التلفزة التي يملكها برلسكوني لعبت الدور الأبرز في نجاحه في الانتخابات، حتى أنه سعى عندما أصبح رئيساً للوزراء إلى السيطرة على تلفزيون الدولة الإيطالية، RAI TV وفيما عمل برلسكوني حسب القانون واستقال من سائر شركاته وأعماله التجارية، إلا أنه بقي مالكها الرئيسي وصاحب معظم أسهمها وعين أفراد عائلته وحاشيته في كل مناصبها الهامة.

[35] PETER GOMEZ AND MARCO TRAVAGLIO, 2005 INCUICIO, ROMA, BUR BIBLIOTECA UNIVERSALE RIZZOLI 2005.

[36] VOLKER PERTHES MYTHS AND MONEY: YEARS OF HARIRI AND LEBANON’S PREPARATION FOR NEW MIDDLE EAST, MERIP MIDDLE EAST REPORT 203, SPRING 1997.

[37] رفيق الحريري، الحكم والمسؤولية، "رفيق الحريري يكتب بالوقائع والأرقام، بيروت 2000.

[38] RENE NABAA, OP. CIT. P. 30.

[39] GEORGES CORM OP. CIT., P 255.

[40] نجاح واكيم، المصدر نفسه ص 108.

[41] جهاد الزين، ما يقارن وما لا يقارن بين فؤاد شهاب ورفيق الحريري، النهار 6 نيسان/ إبريل 2006.

[42] GEORGES CORM OP. CIT., P 227.

[43] هنري إده، المصدر نفسه ص 119- 120.

[44] GEORGES CORM, RECONSTRUCTION DE I’ETAT SOUS TUTELLE: INQUIETUDES LIBANAISES, LE MONDE DIPLOMATIQUE P. 32, JANVIER 1992.

[45] نجاح واكيم، المصدر نفسه ص 85 – 86.

[46] نجاح واكيم، المصدر نفسه ص 115.

[47] نقولا ناصيف، النهار 10 تموز/ يوليو 1998 في نجاح واكيم، نفس المصدر ص 122- 123.

[48] يشير نجاح واكيم "المصدر نفسه ص 217" إلى مقابلة مع جيرار وربس رئيس مجموعة سويز المالية المالكة الوحيدة لمصرف أندوسويز في فرنسا أجرتها صحيفة الحياة أن مبالغ قد تم تحويلها من بيروت هي التي أنقذت وضع إندوسويز.

[49] نجاح واكيم، المصدر نفسه ص 220.

[50] نجاح واكيم، المصدر نفسه ص 223.

[51] ألين حلاق، الخلوي أشهر فضائح العصر: 400 مخالفة، بيروت، شركة المطبوعات 2003.

[52] RENE NABAA, OP. CIT. P. 52.

[53] نجاح واكيم، المصدر نفسه ص 258.

[54] RENE NABAA, OP. CIT. P. 59.

[55] توفي في 5 أيار/ مايو وفي تأبينه صحيفة النهار أنه الوزير الثاني في لبنان الذي تعرض للإقالة من الوزارة عام 1993 بعد هنري إده عام 1973.

[56] الياس الهراوي، المصدر نفسه، ص 339.

[57] RENE NABAA, OP. CIT. P. 62.

[58] تصريح لدلول في 11 كانون الأول / ديسمبر 1997، في نجاح واكيم، المصدر نفسه، ص 279.

[59] RENE NABAA, OP. CIT. P. 61.

[60] RENE NABAA, OP. CIT. P. 62.

[61] VOLKER PERTHES OP. CIT., P 3.

[62] RENE NABAA, OP. CIT. P. 21.

[63] RENE NABAA, OP. CIT. P. 69.

[64] تصريح لصاحبها الرئيسي غبريال المر لتلفزيون الجديد في أول أيار 2006 على برنامج حدا يسمعنا.

[65] IF YOU CAN’T BEAT’EM BUY EM LEBANESES PRIME MINISTER RAFIK HARIRI’S RAFIK HARIRI’S EFFORTS TO CONTROL THE MEDIA: AN ARTICLE FROM COMLUMBIA JOURNALISM REVIEW BY MARK DENNIS MAY 1, 1994.

[66] الياس الهراوي ص 401.

[67] هنري إده، المصدر نفسه.

[68] هنري إده، المصدر نفسه ص 97.

[69] هنري إده، المصدر نفسه ص 100.

[70] هنري إده، المصدر نفسه ص 150- 106.

[71] هنري إده، المصدر نفسه ص 107 – 108.

[72] هنري إده المصدر نفسه ص 116 – 117.

[73] FREDREIC EDELMAN, LE MONDE, SAMEDI 4 JUILLET 1998. UNE RECONSTRUCTION CHAOTIQUE DEFIGURE LE LIBAN.

[74] هنري إده، المصدر نفسه ص 102- 103.

[75] هنري إده، المصدر نفسه ص 104- 105.

[76] الياس الهراوي، المصدر نفسه ص 389 – 390.

[77] الياس الهراوي، المصدر نفسه ص 402 – 403.

[78] الحياة، 2 تشرين الأول/ أكتوبر 1995.

[79] الياس الهراوي، المصدر نفسه ص 404 – 405.

[80] الأهرام، 11 تشرين الأول/ أكتوبر 1995.

[81] الياس الهراوي، المصدر نفسه ص 488.

[82] السفير 28 ايلول/ سبتمبر 1998.

[83] الياس الهراوي، المصدر نفسه ص 603 – 604.

[84] من مقدمة غسان تويني لكتاب الياس الهراوي نفس المصدر ص 17.

[85] الحياة 31 تشرين الأول/ أكتوبر 1998.

[86] GEORGES CORM OP. CIT., P 267.

[87] شربل نحاس، حظوظ اجتناب الأزمة وشروط تخطيها، سيرة تجربة في الإصلاح، مقدمة لوثيقة برنامج العمل للتصحيح المالي حزيران 1999، بيروت، دار النهار/ 2003.

[88] RENE NABAA, OP. CIT. P. 48.

[89] انظر تجربة سليم الحص، للتاريخ والحقيقة تجربة الحكم ما بين 1998 و2000 بيروت، شركة المطبوعات، 2001 وجورج قرم الفرصة الضائعة في الإصلاح المالي في لبنان، بيروت، شركة المطبوعات، 2001، وسليم الحص محطات وطنية وقومية، بيروت، شركة المطبوعات 2002.

[90] جورج قرم، الفرصة الضائعة في الإصلاح المالي، ص 13.

[91] ذكر الحريري في الحكم والمسؤولية أن حكومته أنفقت على القوى المسلحة الرسمية مبلغ 5 مليارات دولار خلال ست من أصل حوالي 16 مليار دولار انفاق، وأن نفقات الجيش اللبناني خلال هذه الفترة بلغت 5و2 مليار دولار أو 14 بالمائة من الموازنة.

[92] AS’AD ABUKHALIL, OP. CIT.

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19
« »
المصادر او الهوامش

معلومات النشر:

اعداد: العنكبوت الالكتروني

عنوان الكتاب: أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان

تأليف: كمال ديب

الناشر: دار النهار للنشر

تاريخ النشر: 01/02/2007

إشترك في خلاصة التعليقات عدد التعليقات: (1 منشور)

avatar
joe bloe
الثلاثاء, 10 كانون الثاني / يناير 2017, 07:45:PM
يسمح لنا الأخ وليد جنبلاط بالنسبية اذا أراد ان ينمو البلد ويتطور. جورج واشنطن وابراهام لينكلن كانوا اباء الحضارة الأميركية ولن نرى أحدا من احفادهم يتزعمون فئة في الحكومة الأميركية. نريد دم جديد يحكم البلد, ولا دور للآقطاعية. نرجو من الكل ان يفهموا ذلك. استفردوا بالبلد فامتصوا دماء شعبه. لا يجب ان يكون أي شخص فقير اذا كان يوجد إدارة حسنة للمال العام. فما ذنبهم؟ أخاف عليكم من كثرة ذكائكم.
المجموع: 1 | عرض: 1 - 1

إكتب تعليق

البريد الالكتروني يبقى سرّي و لا ينشر
  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

- التعليقات الواردة من القراء هي مسؤولية أصحابها ولا تعبر عن رأي إدارة الموقع بالضرورة
- تتم مراجعة تعليقاتكم قبل نشرها عن طريق إدارة الموقع

- (سياسة نشر التعليقات)

تابعونا

  1. دول خليجية تحذر رعاياها من السفر إلى لبنان (5.00)

  2. وفاة "ملكة الديسكو" دونا سمر عن 63 عاماً (5.00)

  3. معارض صيني ضرير بمطار بكين متوجهاً لنيويورك (5.00)

  4. الاكتئاب لدي المراهقين .. له إشارات يجب الانتباه لها (5.00)

  5. صحف العالم: أمريكا "تعاقب" باكستان بعدد سنوات سجن أفريدي (5.00)

  6. فيلم منتظر يكشف تفاصيل اغتيال بن لادن (5.00)

  7. أستراليا: التيار الوطني الحر في سيدني ينعي فقيده المفكر و المناضل والاعلامي المخضرم الأستاذ بطرس عنداري (5.00)

  8. الرحيل المفاجئ (5.00)