إعلانات Zone 4B

[CLOSE]

إعلانات Zone 3B

[CLOSE]
أحدث الأخبار:

إعلانات Zone 2B

[CLOSE]
الرئيسية | ثقافة | رفوف المكتبات | أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان (19 حلقة كاملة)

أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان (19 حلقة كاملة)

آخر تحديث:
image
الكاتب:
عدد المشاهدات: 33800
عدد التعليقات: (1)
قيّم هذا المقال/الخبر:
3.00
حجم الخط: A+ A-
نسخة صالحة للطباعة   نسخة نصية   أرسل إلى صديق

إعلانات Zone 6B

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19
« »

 أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان - الخاتمة: تفكيك أحجية السيف والمال - اكتمال "تبلّر" نظام أمراء الحرب

 

الخاتمة

اكتمال "تبلّر" نظام أمراء الحرب

 

أثبت نظام أمراء الحرب والتجار متانته وقوته خللا قرون من الزمن وصمد أمام التقلبات المحلية والإقليمية والعالمية، اقتصادية أم اجتماعية، منذ الربع الأول من القرن العشرين، إلى الوضع العالمي الجديد في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين.

لقد سبقىت الإشارة في الفصلين الرابع عشر والخامس عشر إلى التجدد الدائم في صفوف أمراء الحرب الموارنة "وتبلر" أمراء الحرب الشيعة والدروز الجدد في الثمانينات والتسعينيات، واقتضى الأمر انضمام السنة إلى لائحة الطوائف الكبرى التي أصبحت أجساماً تعرف بنفسها ضمن الكيان اللبناني ليكتمل هذا التبلر، بدأت هذه الدائرة تكتمل منذ انفصام عقد الترويكا الحاكمة عام 1998 وعجل بها الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 ومن ثم الجريمة الوحشية التي أودت بحياة رفيق الحريري في بداية 2005.

في 14 شباط/ فباير 2005، وقع انفجار ضخم في حي الفنادق على واجهة بيروت البحرية أودى بحياة رفيق الحريري ومعه النائب باسل فليحان وعشرون آخرون، في عمل إرهابي جبان، وقدرت قوة العبوة الناسفة بألف كلغ أحدثت خراباً في المنشآت السياحية والبنية التحتية وأدت إلى تداعيات كبرى.

هكذا انتهت حياة الرجل الأكثر إثارة للجدل في لبنان منذ انتهاء الحرب، أثناء اجتيازه المسافة من ساحة النجمة حيث يقع مبنى البرلمان في وسط بيروت التجاري إلى منزله في رأس بيروت، في موكب سيارات مصفحة وعبر شوارع جسدت جهد الجزء الأكبر من حكوماته الخمس.

كن فوز الحريري ووليد جنبلاط وحلفائهما في انتخابات برلمان 2000 وعودته إلى رئاسة مجلس الوزراء مسألة شكلية بالنسبة لدمشق إذ إنها كانت مطمئنة إلى الاستقرار الذي حققه رئيس الجمهورية العماد إميل لحود ومعه الأجهزة الأمنية، مدعوماً من حزب اللـه وحلفاء سورية في لبنان، فكما في سورية كذلك في لبنان، أصبح لرؤساء الأجهزة الأمنية اللبنانية يد أقوى من السلطة المدنية المنتخبة في البلاد "وهو أمر اشتكى منه سليم الحص كما اشتكى منه غيره" وكان جميل السيد أبرز القادة الأمنيين وهو شيعي من البقاع برز على الساحة عندما أشرف على أمن الرئيس الهراوي بعد انتخابه رئيساً للجمهورية، ثم أصبح نائب رئيس جهاز المخابرات العسكرية عام 1992 وكانت العلاقات قد توترت في مطلع عام 1997 بين رئاسة الحكومة وقيادة الجيش بسبب تجميد الحريري ترقية نائب رئيس جهاز المخابرات العقيد جميل السيد إلى رتبة عميد، ويقول الرئيس الهراوي إن وزير الدفاع محسن دلول حمل مرسوماً بترقية سبعة ضباط بيتهم جميل السيد إلى الحريري الذي أعاد طبعه بعدما حذف اسم السيد ووقعه الاثنان قبل إرساله إلى الهراوي فأقام السيد دعوى لدى مجلس سورى الدولة وربحها.

وإذ أيد السيد انتخاب الرئيس لحود عام 1998 كان له دور أساسي في مراقبة الطاقم السياسي اللبناني لصالح سورية "راقب لحود عندما كان الأخير قائداً للجيش" فقد اعتبر الحريري ومعه جنبلاط أن جميل السيد وهو منسق التحركات السياسية والإعلامية والنقابية ضده[1]"  وتولى جنبلاط إطلاق التصريحات شبه اليومية ضد النظام الأمني وحكم العسكر، إضافة إلى السيد، عين لحود ريمون عازار وهو ماروني في منصب رئيس جهاز المخابرات العسكرية فكان السيد وعازار نقطتي الاتصال مع غازي كنعان في موقعه في بلدة عنجر في سهل البقاع.

وبعد أن رقى لحود جميل السيد إلى منصب المدير العام للأمن العام حاول رئيس الجمهورية ومعه رئيس الحكومة سليم الحص نقله من هذا المنصب فيما بعد، ولكن غازي كنعان منعهما قائلاً للحود: جميل السيد هو عيني وأذني[2]، كما كان لكنعان رجله في بيروت رستم غزالة الذي أخذ مكان الأول فيما بعد لأن كنعان اعتبر بأنه مقرب من الحريري، وعين لحود مصطفى حمدان، الذي تربطه صلة عائلية بجميل السيد قائد لحرس القصر الجمهوري، وفي كانون الأول/ ديسمبر 1998، رقى لحود العميد ميشال سليمان إلى رتبة عماد وقائد للجيش اللبناني.

وفيما ارتاحت سورية إلى التركيبة الأمنية والعسكرية الجديدة، من رئاسة الجمهورية إلى الأجهزة المختلفة كان دور هذه الأجهزة الأمنية متشبعاً: من مصالحة رجال السياسة في لبنان الذي عادة ما يختلفون ويشتكي واحدهم ضد الآخر لدى دمشق، إلى ضبط تحركات رئيس الوزراء مع استحالة ضبط حليفه وليد جنبلاط، إلى تصعيد المناورة بين لحود والحريري وبري وعلى المستوى الإقليمي قامت الأجهزة بتنظيم الارتباطات مع حزب اللـه شريك سورية في صراعات المنطقة، وكان مبرر سورية في قيام المنظومة الأمنية هو تحقيق الاستقرار في لبنان ومسك الساحة اللبنانية بعدما أثبت نظام الطائف وحكم الترويكا صعوبة التماسك الوطني طالما أن الولايات المتحدة ودور القرار الإقليمي والدولي قد سلمت الملف اللبناني لدمشق منذ حرب الكويت عام 1990.

ولكن المشكلة كانت أن فكرة النظام الأمني كانت منافية لطبيعة نظام أمراء الحرب والتجار القائم في لبنان على شبكة من الصفقات والمصالح والتوازنات إلى ما لا نهاية، وأن ثمة درساً من محاولات الرئيسين كميل شمعون وفؤاد شهاب في استعمال الأجهزة الأمنية في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، إما للفوز في الانتخابات وضرب المعارضين "شمعون" أو لتحقيق الإصلاحات التي تطلبت الحد من نفوذ أمرءا الحرب "شهاب" وأن هذه المحاولات واجهت رداً عنيفاً من قبل طاقم أمراءالحرب والتجار وفشلت فشلاً ذريعاً "راجع الفصول 6و 7و 8" مع الفارق السلبي بين شمعون وشهاب من ناحية ولحود من ناحية أخرى، أن الأخير أضاف بعداً آخر لمن سبقه في هذا الطريق، وهو أن الرأي العام اللبناني اعتبر النظام السياسي في لبنان محكوماً بأوامر ووصاية من نظام دكتاتوري مجاور، فكانت هذه التركيبة هي بمثابة قميص عثمان الذي وحد معارضة واسعة قفزت إلى الواجهة في أواخر 2004 وأوائل 2005.

 

المواجهة الكبرى

في السنوات العشر الأولى من الجمهورية الثانية "1989- 1999" بدا الأمر وكأن هناك حكماً فعلياً في لبنان "الترويكا" فيما توهم الرأي العام العالمي أن الحريري هو رئيس فعلي للبنان، ولكن الواقع أن سورية كانت سلطة وصاية على لبنان بمباركة دولية تبدأ في الفاتيكان والرياض وتمر في باريس وتنتهي في واشنطن، وأن الحريري كان تحت رحمة السوريين كشريك صغير في سياستهم الإقليمية، زار دمشق في الفترة من 1992 إلى 2004 أكثر من مائة وخمسين مرة وكان غيره من الرؤساء والزعماء حلفاء لسورية وولاؤهم تحصيل حاصل بالنسبة لدمشق.

ويشير هنري إده إلى ضعف الحريري تجاه سورية في معرض حديث بين الاثنين، حيث سأله الحريري إذا كان يقبل أن يشارك كوزير في الحكومة فقال إده إنه لا يقبل.

وإذ استفسر الحريري عن السبب قال إده: لا أقبل بأي حال أن أتلقى أوامري من دمشق.

قال لي وقد فاجأه موقفي: لكنك لستملزماً أن تذهب إليها والدليل أن بطرس حرب وزير الأشغال لا يذهب.

ورد إده إن رئيس الحكومة أي الحريري ما إن يذهب إلى دمشق ليتلقى أوامرها حتى يصير الوزراء شاؤوا أم أبوا متضامنين مع نهجه، وإني لا أفهم بالضبط لماذا هو نفسه يقبل بتشكيل الحكومة في مثل هذه الظروف[3].

وجاء العام 1998 ليثبت أن النظام السياسي إنما قام على رمال متحركة، تحركها إدارة الرئيس حافظ الأسد للملف اللبناني، فقد صدم الأسلوب الذي أخرج فيه لحود الحريري الدول الكبرى، فرنسا والولايات المتحدة وبريطانيا، ما أثبت أن الحريري احتاج إلى أكثر من المال والدعم الخارجي ليستمر في الحكم في بلد أمراء الحرب والتجار وهو درس تعلمه قبله يوسف بيدس – الفصل الثامن.

عندما عاد الحريري إلى السلطة في تشرين الأول/ أكتوبر 2000 كانت البيئة المحلية والإقليمية مختلفة تماماً عما كانت عليه من قبل، فقد افتتح العقد الأول من القرن الحادي والعشرين بتحولات جذرية انسحاب إسرائيل في أيار/ مايو 2000 ووفاة حافظ الأسد في 10 حزيران/ يونيو 2000 وصعود نجله بشار إلى موقع رئيس سورية، وفوز تحالف الحريري –جنبلاط في انتخابات 2000، وانطلاق صوت البطريرك صفير ضد الهيمنة السورية، ابتداء ببيان شديد اللهجة لمجلس المطارنة ضد سورية في أيول/ سبتمبر 2000، وتركيز دعائم الأجهزة الأمنية اللبنانية بالتعاون مع الأجهزة السورية.

أما حرية العمل داخل الحكومة، فقد قيدها وجود لحود، الذي بات له دور هام في تحضير جدول أعمال مجلس الوزراء، محتفظاً بحقه في تعديله يرأس كل الجلسات، تاركاً للحريري الدور الثاني "مقارنة بتعامل الهراوي الذي أشرنا إلى انسحابه من الجلسة بحجة  موعد طبيب الأسنان عندما أدرج الحريري بنداً يهمه إلى آخر الجلسة، وتقصد لحود التدخل في شؤون الدولة المالية وملفات الخصخصة والخليوي خاصة عندما تعلق الأمر بمصالح أو مرافق عامة تلتقي مع مصلحة رئيس الحكومة الخاصة.

وإذ أطلق جنبلاط الشرارة الأولى ضد سورية من خارج الصف الماروني، بدأت خيوط معارضة تتمظهر على الساحة بين الحريري وجنبلاط ونواب مسيحيين معتدلين في لقاء قرنه شهوان مدعومين من البطريركية المارونية، والبطريرك الماروني الذي كان في موقع قيادي في ذلك الوقت في غياب الأقطاب المسيحيين الذين كان لسورية الدور الأساسي في خروجهم من الساحة: أمين الجميل عام 1988، وميشال عون 1990، وسمير جعجع 1994.

أما نبيه بري فقد مال إلى لحود ونظام الأمر الواقع مع الحفاظ على التحالف الانتخابي القائم مع حزب اللـه دون أن يقطع شعرة معاوية مع الأطراف الأخرى، لقد انطلقت شرارة جنبلاط ضد سورية في 6 تشرين الثاني/ نوفمبر 2000 عندما علق على خلو بيان حكومة الحريري الوزاري من الإشارة إلى إعادة انتشار القوات السورية إلى البقاع بموجب اتفاق الطائف، أثار موقف جنبلاط الذي كانت ركناً أساسيا في سياسة سورية اللبنانية والإقليمية، حفيظة دمشق، ورداً على ذلك أعلنت السلطات السورية أن جنبلاط هو شخصية غير مرغوب بها في دمشق في حين وجه عاصم قانصوه وهو نائب في البرلمان اللبناني ورئيس جناح حزب البعث السوري في لبنان تهديداً ضد جنبلاط[4]، ثم انتشرت قوات سورية في الشوف للمرة الأولى بعدما غادرته عام 1991 وتلقى أكرم شهيب وهو أحد كبار مستشاري جنبلاط ووزير سابق طرداً ملغوماً عام 2001.

كان التململ والانتقاد الذي وسم الصف الماروني تجاه سورية والحكم اللبناني منذ نهاية الحرب قد تغلغل في أوساط الدروز والسنة، حتى أن عليا الصلح، كريمة رئيس وزراء الاستقلال رياض الصلح كتبت افتاحية شديدة اللهجة تجاه الدور السوري في لبنان في صحيفة النهار[5]، وشهد صيف 2001 تقارباً مارونياً درزياً غير مسبوق منذ حرب الجبل عام 1983 بزيارة البطريرك صفير لجنبلاط وجولته في الشوف،, ورغم تقارب المعارضين لسورية، لم يفقد لحود وبشار الثقة في إمكان احتفاظهم بالسيطرة على الأرض، فقامت القوى الأمنيىة بضربة في آب/ أغسطس 2001 واعتقلت مئات الناشطين المسيحيين خاصة في صفوف التيار الوطني الذي يديره ميشال عون من باريس والذي اعتبر المناوئ الرئيسي للوصاية السورية ولنظام الطائف، وفي خطاب ألقاه في حفل تخرج ضباط في الجيش السوري، أعلن وزير الدفاع مصطفى طلاس باسم بشار الأسد، أن دمشق تقف إلى جانب الرئيس لحود والجيش اللبناني الشقيق بقيادة ميشال سليمان ضد التحركات المشبوهة لجهات تأكدت ارتباطاتها بأطراف خارجية معادية للبنان والأمة العربية[6]،  وبعد وقوع حادثة 7 آب، أكد النظام الأمني الذي بات مسيطراً على لبنان رسوخه كما قامت جماعات موالية لسورية كما حزب اللـه والأحباش بتظاهرات مضادة ظهرت السواطير والفؤوس في تظاهر الجماعة الأخيرة.

ولكن الوضع كان قد بدأ يتغير حتى بالنسبة لسورية عام 2001 محلياً وإقليمياً:

محلياً، كان انقلاب الرأي العام في الشارع السني والدرزي لغير مصلحتهما,، فقد كان بإمكان الشباب المسيحي أن يعبر عن سخطه على الهيمنة السورية، وهذا ما لم يكن ممكناً في صفوف الشباب المسلم الذي كان محاصراً تماماً بالقوى المالية لسورية في عالم أمراء الحرب والتجار[7]، ولكن أن يرى العام العالمي، ومنذ العام 2001، أن المسلمين أيضاً باتوا لا يريدون الوصاية السورية على الدولة اللبنانية فهو تحول خطير.

إقليمياً وصل المحافظون الجدد إلى الإدارة الأمريكية في واشنطن بقيادة الرئيس جورج دبليو بوش وأثاروا ملف العراق وضرورة إنهاء المهمة التي بدأتها الولايات المتحدة عام 1991 بغزو العراق والتخلص من نظام صدام حسين وسيكون لهذا المنحى للأحداث الدور الرئيسي في السقوط الكبير للأسهم السورية لدى باريس وواشنطن، في تلك الأثناء واصل الرئيس بشار الأسد خطوات تثبيت دعائم حكمه، متخذا أسلوباً مختلفاً عن أسلوب والده في التعاطي مع لبنان، ففيما كان حافظ الأسد يتعالى عن المهاترات والتنافس بين حلفاء سورية اللبنانيين، دخل بشار الساحة بقوة معتبراً إميل لحود والمنظومة الأمنية اللبنانية أساس الشراكة الإقليمية التي تحمي سورية، وفيما كانت علاقة بشار فاترة تجاه الحريري، كانت علاقته متينة وشخصية مع حسن نصر اللـه أمين عام "حزب اللـه" وقيادته.

وكان الحريري قد ارتاح منذ أواسط الثمانينات إلى الرباعي عبد الحليم خدام- غازي كنعان – حكمت الشهابي – علي دوبا ولم يعر بشار اهتماماً لدى بروز هذا الأخير على الساحة منذ العام 1995 واستلامه الملف اللبناني فيما بعد من والده حافظ الأسد، وكان الأسد الأب قد طلب من الحريري أثناء زيارات الأخير العديدة إلى دمشق الاهتمام بنجله بشار، ولكن خدام والشهابي نصحاه بعكس ذلك[8]، ولم يرق هذا الأمر لبشار فكان يزور لبنن ويلتقي الهراوي وبري وسليمان طوني فرنجية ويهمل الحريري ولم يهمل الحريري، ولم يلتق بشار والحريري إلا في مركز المخابرات السورية في عنجر في 12 ايار/ مايو 1997 بحضور غازي كنعان في يوم زيارة البابا للبنان، واعتبر هذا اللقاء تفهيم الحريري لحجمه وموقعه في خارطه سورية اللبنانية وليس سعياً من بشار إلى علاقات خاصة مع رئيس الحكومة اللبنانية.

ورغم هذه التطورات حافظ جنبلط والحريري على علاقات حسنة بالرباعي السوري في قيادة دمشق حيث استقبل جنبلاط عبد الحليم خدام في المختارة في ايار /مايو 2002، ما لم يكن غائباً عن أعين وآذان الرئيس السوري وحاشيته والنظام الأمني في لبنان، ولكن الحريري بحكم علاقاته الواسعة ومركزكه كرئيس للحكومة كان يكتشف منذ أصبح لحود رئيساً للجمهورية، أن الرباعي السوري لم يعد نافذاً في الشؤون اللبنانية كما في السابق، ولم تقصر المعارضة في السعي إلى تثبيت استقلاليتها عن النظام الأمني  وعن سورية في حين رغب الحريري رغم ظروف البلاد، يتدعيم موقه المستقل عن لحود، فقد ساء الحريري أن تتم خطوة 7 آب والاعتقالات بدون استشارته كرئيس للحكومة، وواصل تحركاته الخارجية ليؤكد للرأي العام أنه قد عاد فعلاً إلى رأس الدولة في لبنان بعد مغادرته عام 1998 فقام برحلات عديدة بدون استشارة لحود أو علم وزير الخارجية وبدون تنسيق مع السوريين الذين كانوا يشكون أنه يبحث قضايا إقليمية حساسة مع الأمريكيين والفرنسيين والبريطانيين وكان الحريري يستعمل طائراته الخاصة ويغار البلاد فجأة مع فريق من كبار الرسميين والإعلاميين، وأحياناً كان يغادر لبنان لبضع ساعات في سفر مفاجئ فيقابل الملك السعودي أو رؤساء دول عدة في آسيا وأوربا، وعام 2002 أجرى الحريري عدة لقاءات في واشنطن مع مسؤولين في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والحكومة الأمريكية، ورد الصاع للحود ولم يبلغه عن أي من تحركات أو تفاصيل لقاءاته فأدى التباعد بين الرئيسين إلى شلل في المؤسسات ألحق الأذى بمصلحة لبنان اقتصاداً وشعباً.

في شباط فبراير 2001 انعقد مؤتمر باريس1 للبحث في مساعدة الوضع المتعسر للمالية العامة اللبنانية،, ولكن المساعدة كانت مشروطة بتحقيق إصلاحات مالية وإدارية ملموسة فعادت الحكومة إلى الأفكار الإصلاحية لحكومة الحص السابقة بعدما ألغت معظم مشاريع قوانينها وميزانيتها للعام 2001 وبدلاً من تصغير حجم الدولة، زيدت الضرائب وطبقت ضريبة القيمة المضافة T.V.A في آذار /مارس 2002 وهكذا انعقد مؤتمر باريس2 في تشرين الثاني /نوفمبر 2002 بمساعدة جاك شيراك ومباركة أمريكية، حقق نتيجة إيجابية بتدفق أموال بلغت 3 مليارات دولار تقريباً وانخفاض الفوائد في سوق بيروت القديم، وإقدام المصارف اللبنانية على منح قروض للدولة بدون فائدة بقيمة 4 مليارات دولار، ولكن مفاعيل هذه المؤتمرات كانت مؤقته أمام تصاعد أزمة المالية العامة وتشابك الأمر بالوضع السياسي، وكان الحريري يحافظ على موقعه كزعيم الطائفة السنية، وخاصة إصرارة على حماية صلاحياته الدستورية في مواجهة رئيس الجمهورية، فكان يتهم لحود بأنه يريد العودة إلى الجمهورية الأولى، وهي العبارة اللبقة لـ الامتيازات المارونية، أي الوضع الذي سبق اتفاق الطائف حيث كان رئيس الجمهورية الماروني يملك صلاحيات تنفيذية كاملة.

وكان الوزير السابق أبير منصور قد فصل صلاحيات رئيس الجمهورية في النظام السابق وقال بأنها كانت بدون حدود، استمرت منذ الاستقلال عام 1943 في نظام احتكاري أصبح فيه رئيس الجمهورية شبه دكتاتور، وحتى العام 1989، ولخص منصور صلاحيات رئيس الجمهورية في ظل الجمهورية الأولى بسبع جعلت إدارى الدولة جميعها في يده يمارسها من خارج المؤسسات ودون تحمل أي تبعة أن إمكان مراجعة أو ملاحقة[9].

1 ـ  كان رئيس الجمهورية يتحكم بالقرار السياسي، فيعين رئيس الحكومة والوزراء ويرأس مجلس الوزراء ويمارس الحكم بصفته رئيس السلطة الإجرائية ومتوليها ويتحكم بالمجلس النيابي ورئاسته وأكثريته عبر وسيلة التوزير والصلاحيات الخدماتية الأخرى.

2 ـ يتحكم بالقرار المالي عبر حاكم مصرف لبنان المتصل به مباشرة والخاضع له خارج إطار المؤسسات وعبر مدير عام وزارة المالية المتصل به أيضاً سطوة واستمراراً.

3 ـ يتحكم بالقرار العسكري عبر قائد الجيش المتصل به مباشرة بعد تهميش موقع وزير الدفاع ومجلس الوزراء.

4 ـ يتحكم بالقرار الأمني عبر مدير الأمن العام ومدير مخابرات الجيش والمتصلين به مباشرة خارج إطار المؤسسات والقانون.

5 ـ يتحكم بالقرار القضائي عبر مجلس القضاء ومدعي عام التمييز وهما كذلك على اتصال مباشر به خارج إطار المؤسسات والقانون.

6 ـ يتحكم بالقرار الإداري عبر رئيس مجلس الخدمة المدنية وعبر سلطته في تعيين الموظفين ونقلهم والتحكم بهم.

7 ـ يتحكم بالقرار الإعلامي والتوجيهي عبر مدير الإعلام ورئاسة الجامعة اللبنانية، وقضت الممارسة أن يكونا على اتصال مباشر به ومن خارج أي إطار أو مسؤولية.

وإذ فقد رئيس الجمهورية الياس الهراوي هذه الصلاحيات بموجب اتفاق الطائف وفي ظل الجمهورية الثانية، رغب لحود في التمسك بحذافير ما ذكره الطائف حول ما تبقى من صلاحيات رئيس الجمهورية.

وفيما كانت مرحلة الترويكا 1992- 1998 تسمح للحكومة تعاطي الشؤون الخارجية والسياسة الداخلية حصل تطور غير معلن في أن يترك الملف السياسي والأمني والإقليمي للرئيس لحود والملف الاقتصادي بتشعباته للحريري، فواصلت حكومة الحريري في الفترة 2001- 2004 المساعيلتفعيل النمو الاقتصادي وضبط العجز في الموازنة، والبحث عمن مساعدات مالية وتحسين مناخ الاستثمار، وإذ طرأ تحسن في نسبة النمو الاقتصادي "50 بالمائة عام 2004، وتدفقت أموال بموجب موتمر باريس وودائع عوائد النفط من أثرياء الدول العربية، خلق الانفصام في الحكم معضلة جسدها الفصل السطحي بين الملف الأمني- السياسي والملف الاقتصادي، وهو فصل اصطناعي لبديهية ترابط المسألتين، خاصة إذا كان مشروع استعادة بيروت وجلب السياح والاستثمار هو الحل المنشود، إذ كيف بعد انسحاب إسرائيل من الجنوب، باستثناء مزارع شبعا يمكن التوافق بين خط سورية الإقليمي المتشدد معه حزب اللـه وبين مشروع الحريري الذي يحتاج إلى قد عال من الهدر والاستقرار والانفتاح على شروط البنك الدولي وصندوق النقد الدولي عدا شروط الحكومتين الأمريكية والفرنسية لما للأخيرة من مصالح حيوية في لبنان؟

وفاقم في الأمر أن الحريري رواح مكانه في الملف الاقتصادي في حين أمكن لحود وحلفاؤه الذهاب في المواقف المتشددو إلى أقصى الحدود مهما كان ثمنها الاقتصادي، واستمر حزب اللـه في العمل العسكري المقاوم وصولاً إلى حرب جديدة مع إسرائيل عام 2006، كما غاب التفاهم عن ملفات خصخصة المرافق العامة وتشنجت علاقة الحريري بحزب اللـه خاصة تحفاظته على النشاط العسكري جنوباً.

ففي نيسان /إبريل 2002 أطلق حزب اللـه 1500 قذيفة في مزارع شبعا لدعم الانتفاضة الفلسطينية في وقت كانت فيه إسرائيل ترتكب مجزرة في بلدة جنين في الضفة الغربية، وانتقد الحريري التصعيد في الجنوب الذي يعطي إسرائيل الفرصة لإبعاد الاهتمام الدولي بأحداث الضفة[10]، كما أن مشاريع الإعمار في مناطق يسيطر عليها حزب اللـه باتت تتعثر، ففي حزيران/ يونيو 2002 تعرض ممثلو الحكومة للضرب والشتائم أثناء احتفال لوضع حجر الأساس لجسر في حي الأوزاعي في الضاحية الجنوبية، وسرت أقاويل عن محاولة سنية لإزالة الشيعة من ممدخل بيروت الجنوبي، وكانت الحكومة وأوساطها قد دأبت على تفسير أي معارضة لمشاريع الإعمار إنما هي مشاكل يمكن حلها مع طوائف فثمة معارضة شيعية يقودها حزب اللـه وحركة أمل لأن مشروع إعمار بيروت قد وضع حداً لطموح الشيعة في العاصمة، أو معارضة مارونية ترفض الاعتراف بتغير موازين القوى المحلية[11]، أو تأخر مد عمدة كهرباء أو شبكات طرق في المحافظات ما استدعى التعامل مع مرجعيات أمراء الحرب على الأرض.

وإذ ارتفع الضغط الدولي الذي قادته الولايات المتحدة على دول المنطقة تمهيداً للغزو الأمريكي للعراق، شاءت سورية أن تبرد الساحة اللبنانية وأن يخف التوتر بين الحريري ولحود إلى حده الأدنى دون أن يزول، كما أن بشار أحدث تغييرات في جهاز الأمن السوري في لبنان في نهاية 2002 ما طبع هذه الفترة من استمرار جو الفساد الذي مثلته مافيا لبنانية في سورية على أعلى المستويات، واستبدل بشار بغازي كنعان رستم غزالة كمسؤول عن الاستخبارات السورية في لبنان، وعين محمد خلوف مان غزالة في قطاع بيروت، وتبع خلوف وغزالة مباشرة لآصف شوكت صهر بشار، الرئيس الفعل للاستخبارات العسكرية السورية التي كان قائدها الاسمي الجنرال حسن خليل، وإذ اعتبر غزالة عضواً في مافيا الفساد اللبنانية السورية، لاحقته وأشقاءه اتهامات بعمليات ابتزاز لبنك المدينة اللبناني بقيمة 200 مليون دولار منها 8 ملايين دولار خلال أشهر من استلامه منصبه عام 2002 [12]، أما غازي كنعان الذي كان مقرباً من الحريري وبعيداً عن لحود فقد كان خارج دائرة بشار الضيقة، فعاد إلى دمشق حيث أصبح وزيراً للداخلية في تشرين الثاني/ نوفمبر 2004، في أوج الأزمة اللبنانية السورية التي تفجرت حول التجديد للرئيس لحود في صيف ذلك العام.

كان بشار قبل العام 2003 واثقاً من تحالفاته المحلية داخل لبنان ومن متانة النظام الأمني حتى أنه أمر بتقليض القوات السورية من 30 ألفاً إلى 14 ألفاً وإخراجها من بعض المناطق المسيحية، وإذ تحسنت العلاقات بين بغداد ودمشق في عهد بشار واستفادت سورية من صادرات العراق النفطية عبر أراضيها، بدأت الولايات المتحدة بلسان وزير الخارجية كولن باول تشير إلى الاحتلال السوري للبنان، وهكذا بعدما كانت إدارة سورية للبنان موضع رضى وتقدير في باريس وواشنطن انقلب الوضع رأساً على عقب، ففي كانون الأول/ ديسمبر 2003 وقع الرئيس جورج دبليو بوش قانون محاسبة سورية واستعاده سيادة لبنان وفيما كانت نتيجة تعاون حافظ الأسد مع واشنطن حول الكويت والعراق عام 1990 قد أطلق يده في لبنان كان لانتقاد بشار للغزو الأمريكي ومواقفه المتشددة منه دور في الانقلاب على عام الاستحقاق الرئاسي في لبنن حي تنتهي ولاية لحود في تشرين الثاني/ نوفمبر لقد رأى بشار ومستشاروه أن الأفضل لسورية التجديد للحود، الموثوق به والمجرب  والذي يجمع في شخصه السلطة الأمنية والمدنية، وهو صاحب العلاقة الطيبة مع حزب اللـه بدلاً من البدء مع ماروني آخر قد لا يحقق لسورية أهدافها، كما حصل مع الياس سركيس الذي خرج من الوصاية السورية بعدما دعمه حافظ الأسد ضد ريمون إده عام 1976 وكانت تجربة حافظ الأسد الناجحة في التجديد للياس الهراوي عام 1995 مشجعة لبشار على التجديد للحود.

 

اغتيال الحريري

وصل الوضع في لبنان ذروته عام 2004، حيث كانت المارضة ضد التجديد للحود شديدة، يقودها الحريري وجنبلاط وحلفاؤها، فيما كان جنبلاط يهاجم النظام الأمني في لبنان موجهاً عبارات قاسية تجاه لحود، ولم يترك تعاون لحود التام مع بشار في السنوات السابقة أي شعبية له في الشارع الماروني في الأوساط المسيحية، إلى درجة أن الرأي العام بدأ يتندر حول تسويق لحود عام 1998 كمارونيقوي تجاه الزعامات السنية والشيعية[13] كما طغى الوضع في العراق على كل ما عدا في العلاقات بين سورية وواشنطن، رغم محاولات دمشق إبداء الرغبة في التعاون في الشؤون الاستخباراتية وأمن الحدود بين سورية والعراق، وعلى سبيل المثال عندما اشتعلت انتفاضة مقتدى الصدر في الةنجف في آب/ أغسطس 2004 ضد الاحتلال الأنغلو-أمكريكي للعراق طلب بشار من أمين عام حزب اللـه حسن نصر اللـه التدخل لتهدئة مقتدى الصدر كإشارة حسن نية تجاه الولايات المتحدة، ولكن واشنطن نظرت إلى الأمر على أنه وصولية سورية قليلة الأهمية مقارنة بمستوى تعاون آية اللـه علي السيستاني الذي لا تربطه صداقة مع نصر اللـه وجهوده الكبيرة للتهدئة داخل العراق.

في 27 آب/ أغسطس 2004 أهمل بشار التحذيرات الفرنسية الأمريكية من مغبة التجديد للحود، واستدعى الحريري إلى دمشق للحديث حول تعديل الدستور للسماح للحود لتمديد ولايته ثلاث سنوات تنتهي عام 2007، واستناداً إلى تقرير المحقق الدولي بيتر فيتزجيرالد، فإن الرئيس الأسد خاطب الحريري بأسلوب فوقي جارح وهدده بالأذى الجسدي "لحود هو أنا.. إذ أنت وشيراك تريدان أن أخرج من لبنان سأهدم لبنان على رأسك[14]، كما أن الحريري عرج على عنجر في طرؤق عودته إلى بيروت حيث تعرض لتهديدات ممثالة من رستم غزالة[15].

وفور وصول الحريري إلى منزله في فقرا، كان شديد التوتر والانفعال وأبلغ منحوله بنظر السوريين نحن كلنا حشرات، ونفذ الحريري ما هو مطلوب منه، فوافق مجلس الوزراء على التعديل الدستوري للتجديد في جلسة استغرقت عشر دقائق، واجتمع البرلمان وصوت بأغلبيته لتعديل المادة 49 لمرة واحدة للتجديد للحود ثلاث سنوات.

من ناحيتها كانت الولايات المتحدة غير راضية عن الموقف السوري حيال العراق وعلاقة دمشق بطهران وتعاون بشار العميق مع حزب اللـه في لبنان، وأعيد إلى التداول الديبلوماسي والإعلامي دور التنظيمات الشيعية في الثمانينات في تفجير موقع المارينز والسفارة الأمريكية وخطف الأمريكيين في بيروت، وكانت أمريكا قد أصيبت بالخيبة من سورية بعدما كانت تعول في مباركتها للإدارة السورية للبنان على انقلاب دمشق يوماً على حزب اللـه ونزع سلاحه، وأن هذا اليوم قد استحق بنظر واشنطن منذ انسحبت إسرائيل من الأراضي اللبنانية عام 2000 وبات على سورية التنفيذ.

أما فرنسا فقد كانت تسعى منذ بداية رئاسة بشار الأسد إلى تفاهم مع دمشق يسمح بترك مساحة من الاستقلال والسيادة للبنان، واحترام الدور الفرنسي ومصالح فرنسا في بيروت، مقابل دعم فرنسا لسورية في المسائل الإقليمية والصراع العربي الإسرائيلي[16]، وكمؤشرات أقام شيراك استقبال دولة لبشار الأسد ووفد سوري رفيع في قصر الإليزيه وألغت فرنسا الديون السورية ودعمت بقوة المفاوضات بين الاتحاد الأوروبي وسورية حول اتفاقية الشراكة، وفي العام 2002، فاز شيراك بولاية ثانية لمدة خمس سنوات ضد المرشح العنصري جان ماري لوبان والاشتراكي ليونل جوسبان، وكان معارضاً شديداً للغزو الأمريكي للعراق.

ولكن في صيف 2004 اكتشفت كل من واشنطن وباريس أن استثماراتهما في بشار ذهبت هباء، فاتحد الموقفان حول لبنان، رغم الشق الواسع الذي يفصلهما حول العراق، وفي الثاني من أيلول/ سبتمبر 2004 رعت الولايات المتحدة وفرنسا قرار ومجلس الأمن رقم 1559 الذي دعا إلى انسحاب كل القوى الأجنبية من لبنان، ونزع سلاح ما تبقى من ميليشيات وخاصة الجناح العسكري لحزب اللـه وإجراء انتخابات رئاسية حرة بدون تدخل خارجي وساهم هذا الجو الدولي والتجديد للحود في إذكاء نار المعارضة في لبنان، فواصل جنبلاط والبطريرك صفير التنديد بالهيمنة السورية، إلى أن استقال الحريري من منصبه في 20 تشرين الأول/ أكتوبر 2004 منهياً هذه المرة تحالفه الذي بدا سرمدياً مع سورية، معتبراً أن بشار ليس ناضجاً ومتمرساً كوالده[17]، ورغم أن الموالاة اتهمت الحريري بأنه وراء القرار 1559 وأنه شارك في إعداد نصه مع صيدقه جاك شيراك، إلا أنه تجنب قدر الإمكان المشاركة العلنية في المعارضة وفيما ركزت الأجهزة الأمينة على تحركات المعارضة العلنية وخاصة على وليد جنبلاط، قامت قوى الأمنم بحملة اعتقالات في قرى درزية في الشوف في أيلول/ سبتمبر طالت أنصار جنبلاط، وتعرض مروان محمادة، أحد نواب كتلة جنبلاط البارزين لمحاولة اغتيال في أول تشرين الأول/ أكتوبر عندما انفجرت عبوة ناسفة أثناء مرور سيارته وكان حمادة قد استقال من الحكومة احتجاجاً على التمديد للحود، وفي تشرين الثاني/ نوفمبر رفعت المواكبة الأمنية لجنبلاط ما زادمن احتمال تعرضه للخطر ورفعت الأعمدة الإسمنتية التي تحمي منزله في بيروت، وصدم الحريري بهذه التطورات وأدرك أن الأمور لن تعود إلى الوراء، وفيما حاول حسن نصر اللـه التوسط لدى جنبلاط إلا أن هذا الأخير صعد في موقفه من لحود وبدأ سلسلة اتصالات إقليمية ودولية، وسافر إلى أوروبا في 3 كانون الأول/ ديسمبر حيث استقبله شيراك بحفاوة في باريس.

وبرز تكتل معارض واسع شمل تيار المستقبل الذي يقوده الحريري والحزب التقدمي الاشتراكي الذي يقوده جنبلاط ولقاء قرنه شهوان الذي يضم شخصيات نيابية وسياسية مارونية ويرعاه البطريرك صفير، والتيار الوطني الحر الذي يقوده ميشال عون من المنفى الفرنسي وعقد هذا التكتل اجتماعاً حاشداً في أوتيل بريستول في بيروت، وكانت مساندة الحريري لهذا التكتل بما يمثله من قوة مالية وسياسية على الأرض وما يتمتع به من علاقات إقليمية ودولية، إشارة إلى انقلاب هام في الموازين اللبنانية ضد الوجود السوري وضد الرئيس لحود، خاصة قبل استحقاق انتخابات برلمن 2005 وكان الحريري يحضر لهذه الانتخابات ويخطط لحملات قوية مختلفة وقوية لكسب أكثر المقاعد وفي هذا المسعى اشترى كميات كبيرة من الشارات البرتقالية من فرنسا للتشبه بربيع أوكرانيا في الانتخابات وأعلن أن هدفه خروج القوات السورية وتحقيق استقلال لبنان[18].

كما أن الحريري سعى للتقرب من حزب اللـه فصارح السفير الإيراني في باريس، أن مشكتله هي مع الوجود السوري وأعماله في لبنان وليس مع حزب اللـه ولم يكن حزب اللـه غائباً عن الصراع لأن الحريري وقف إلى جانب القرار 1559 الصارد عن مجلس الأمن والقاضي بحل المسليشيات وبإنهاء الوجود السوري في لبنان، ويقول حازم صاغية إنه لم يكن عديم الدلالة أن يصطدم رفيق الحريري مبكراً بالحزب المعمم والملثم، وأن يصطدم به الحزب فيمتد نزاعمها على رقعة كبيرة من القضايا تبدأ بإرسال الجيش إلى الجنوب ولا تنتهي عند مسائل البناء والتعمير، وفي الاشتباكات السياسية هذه وفي غيرها، غالباً ما لعب حزب اللـه وظيفة محددة لدى السياسة السورية، فكان مخلب قطها في الشؤون الكبرى الموصوفة بالاستراتيجية تاركاً للسادة عاصم قانصوه وناصر قنديل وغيرهما أن يكونوا المخلب المختص بالشؤون الصغرى، وما أكثرها,..

ففي الداخل يصار إلى اختطاف الطائفة الشيعية ومنعها من الاندراج في إجماع وطني لبناني، تحت طائلة الترهيب ببندقية المقاومة التي كسدت وظيفتها، وهذا ما جلته على أوضح ما يكون، الايام القليلة التي تلت الاغتيال الوحشي لرفيق الحريري ومرافقيه[19].

كان الحريري دوماً يتجول في موكب مصفح حيث كتبت مراسلة مجلة تايم كلارا مالرو في شباط/ فبراير 1993 عن الحريري الرجل المعجزة كل شيء وهو كبير عند الحريري، إن موكبه الاعتيادي ضم ست سيارات ليموزين مصفحة وأربعين حارساً مسلحاً ومجموعة حراسة لقصره، وأن كلفة حراسه في بيروت تبلغ مليوني دولار في السنة يدفعها من جيبه الخاص، وذلك إضالة إلى القوى الأمنية الرسمية التي تقوم بحمايته ومواكبة تحركاته منذ أصبح رئيساً للحكومة في تشرين الأول/ أكتوبر 1992[20].

سيطر على المناخ العام اللبناني في بداية شباط 2005 جو من الاستقطاب العنيف فيما شن حلفاء سورية حملات إعلامي قاسية استعملت فيها عبارات غير مسبوقة ضد الحريري وجنبلاط وحلفائهما "لقب أحدهم الحريري بالبركيل أي الثعبان الكبير" وفي 2 شباط /فبراير 2005 انعقد لقاء بريستول الثالث وصدر بيان يطالب فيه للمرة الأولى بخروج القوات السورية واستخباراتها من لبنان، وفي العاشر من شباط/ فبراير حذر تيري ورد لارسن، مبعوث الأمم المتحدة من أن الحريري في خطر جسدي وأن على الزعماء اللبنانيين أن يتيقظوا وفي ظهيرة 14 شباط قطعت محطات التلفزة برامجها لتبث المشهد الرهيب من حي الفنادق قرب أوتيل سان جورج حيث وقع انفجار مدوي لدى مرور موكب الرئيس الحريري ولبضع ساعات انتشرت صورة الرئيس متفحمة على مواقع الانترنيت عشرات ملايين الدولارات من الحماية والحراسة والحذر لم تمنع أن يقع الحريري ضحية الاغتيال السياسي الذي طالما ضرب لبنان وشخصياته الكبرى.

شكل مصرع الحريري حدثاً من الأحداث النادرة في الشرق الأوسط التي تخلق تداعيات تشكل محركة دومينو: إذ إن الوضع انفتح على نحولات محلية وإقليمية لا حصر لها في الأشهر التالية داخلياً:

1 ـ اغتيالا: أغتيل إضافة إلى الحريري، النائبان باسل فليحان وجبران تويني والأستاذ الجامعي والإعلامي سمير قصير، والأمين العام السابق للحزب الشيوعي اللبناني جورج حاوي، وتعرض لمحاولة اغتيال الوزيران مروان حمادة "في خريف 2004" والياس المر والإعلامية مي شدياق، ووقعت سلسلة تفجيرات استهدفت الأملاك الخاصة في المناطق المسيحية.

2 ـ انتفاضة الاستقلال: سقطت حكومة عمر كرامي الثانية كما الأولى عام 1992 في الشارع في 28 شباط /فبراير 2005 بعد سلسلة تظاهرات شعبية خرجت احتجاجاً على اغتيال الحريري وكان تتويج هذه التظاهرات مهرجانا عارماً في 14 آذار/ مارس فاق عدد المشاركين فيه المليون نسمة وأطلقت خلاله عبارة انتفاضة الاستقلال وقارنها الإعلام الغربي بأحداث أوكرانيا التي أودت النظام الشيوعي، كما أطلقت عليها الخارجية الأمريكية عبارة "ثورة الأرز" وكان قد سبقه انطلاق مهرجان خطابي آخر في بيروت يوم 8 آذار/ مارس بحشودات ضخمة وشعارات الشكر لسورية وأظهر المهرجانان أن الإجماع غير متوفر على القضايا الأسياسية في لبنان، خاصة بعد إعلان بشار الأسد عزم سورية على الخروج من لبنان في خطاب ألقاه في 5 آذار /مارس ما أطلق السؤال الكبير من يحكم لبنان بعد زوال الوصاية السورية؟

3 ـ استقطاب طائفي: أسفر الاستقطاب عن وقوف أمراء حرب السنة وزعماؤهم والدروز والموارنة وحلفاؤهم في ناحية فريق 14 آذار ضد الوجود السوري وضد رئيس الجمهورية وفي ناحية ثانية أمراء حرب وحلفاؤهم فريق 8 آذار يحافظون على علاقاتهم مع سورية ولا يقاطعون رئيس الجمهورية.

4 ـ أكثرية نيابية: جرت انتخابات برلمانية في أيار/ مايو وحزيران/ يونيو 2005 لم تختلف عن سابقاتها في استعمال المال والاستقطاب الطائفي المريض، ولكنها أسفرت عن أكبر انتصار انتخابي لتيار الحريري وحلفائه، حيث تاثر الرأي العام اللبناني بمشاعر الحزب على استشهاد رفيق الحريري، فازت لائحة الحريري بمقاعد بيروت الـ 19 التي ضمت أيضاً أرملة بشير الجميل صولانج عن المقعد الماروني، وخسر حلفاء سورية التقليديون طلال أرسلان وسليمان طوني فرنجية وعمر كرامي "لم يترشح" وآخرون.

5 ـ خروج سمير جعحع من السجن: خرج سمير جعجع من السجن بعد 11 عاماً ليقود حزب القوات اللبننية وتكتلاً من 6 نواب، بالتحالف مع تيار الحريري وجنبلاط.

6 ـ عودة ميشال عون: عاد الجنرال ميشال عون من فرنسا في 7 ايار /مايو ليقود التيار الوطني الحر ويفوز بتكتل من 21 نائباً وكان فوز عون ملفتاً في أقضية مارونية، فقد رأى الناس في عون الرجل المسيحي الذي يمكن أن يعادل زعماء الدروز والشيعة والسنة في لبنان بعد خروج السوري، وإذ حاول تحالف الحريري- جنبلاط جعجع فرض الشروط على عون ابتعد هذا الأخير عنهن وانفتح على حلفاء سورية كسليمان طوني فرنجية وطلال أرسلان وحسن نصر اللـه على أساس أن هدف إخراج سورية من لبنان فقد تحقق.

7 ـ دخول حزب اللـه: فاز في انتخابات برلمان 2005 تحالف حزب اللـه –حركة أمل بـ 35 مقعداً منها 23 للحزب و12 للحركة، ولمت في العام 2005 بدت حصة أمل كتنازل من حزب اللـه وليس حجماً انتخابياً للتنظيم الذي يقوده نبيه بري، وفي غياب الدور السوري دخل حزب اللـه الحكومة للمرة الأولى منذ تأسيسه وبات يشكل ثقلاً يهدد باستمرارها وبإسقاطها.

8 ـ سقوط النظام الأمني: في آب/ اغسطس 2005 اعتقلت السلطة اللبنانية رؤساء الأجهزة الأمنية جميل السيد وريمون عازار ومصطفى حمدان وعلي الحاج، باقتراح من تقرير للامم المتحدة أشار إلى احتمال ضلوعهم في اغتيال الحريري.

9 ـ محاولةتغيير رئيس الجمهورية: حاولت الأكثرية النيابية التي قادها سعيد الحريري، نجل الرئيس الشهيد، إكمال المشوار إلى خاتمته بالضغط لإزاحة رئيس الجمهورية إميل لحود، عبر اتهامه بترؤس نظام أمني متحالف مع القيادة السورية، وكان بديل الأكثرية النيابية انتخاب رئيس جمهورية يتوافق مع مبادئ انتفاضة الاستقلال وشعاراتها وإذ برز الجنرال ميشال عون كتقوى برلمانية ومرشح قوي لرئاسة الجمهورية ورفض لحود التنحي، تعطلت مساعي تغيير رئيس الجمهورية فيما استمرت دمشق، بدعم من أصدقائها المحليين الكثيرين، تمارس نفوذاً ملحوظاً على الساحة اللبنانية أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فقد حصلت تطورات جذرية.

10 ـ خروج سورية: فرضت الإدارة الدولية مدعومة من الشرعية الدولية التي يمثلها قرار مجلس الأمن 1559 خروج الجيش السوري وأجهزة المخابرات السورية من لبنان في نيسان/ إبريل 2005 وتوترت العلاقات بين لبنان وسورية فيما تصاعدت الحرب الكلامية وخاصة عبر الإعلام وفي صيف 2005 أغلقت سورية الحدود أمام حركة الترانزيت اللبناني لأسابيع عدة.

11 ـ نهاية الرباعي السوري: أزال النظام الذي أقامه بشار أي نفوذ للممسكين السابقين بالملف اللبناني وما يدره من فوائد على المافيا اللبنانية السورية، فبعد إبعاد غازي كنعان رجل سورية القوي سابقاً في لبنان، بحكم منصبه كرئيس لجهاز الاستخبارات من مركزه في عنجر، وعودته إلى دمشق حيث أصبح وزيراً للداخلية، أعلن في 12 تشرين الأول/ أكتوبر 2005 نبأ انتحاره، لقد انتشرت أقاويل أن كنعان لم يكن يؤيد التجديد للحود وأنه لم يكن على علاقة جيدة بماهر الأسد، شقيق بشار ولا بآصف شوكت، وشوكت هو صهر بشار الذي أصبح رئيس الاستخبارات العسكرية في سورية في نفس يوم اغتيال الحريري مكان حسن خليل الذي أحيل إلى التقاعد، وكان حسن خليل نائباً لعلي دوما عام 2000 عندما أحيل دوبا على التقاعد وأخذ مكانه.

وكان دوبا جزءا من المافيا اللبنانية  السورية حيث أصدر 1500 تصريح عبور لاستعمال الخط العسكري بين لبنان وسورية لتهريب البضائع بقيمة 8000 دولار للتصريح، وتولى ابنه محمد دوبا الأمر من بعده، أما حكمت الشهابي فقد اتهم بالفساد وغادر سورية للإقامة في الولايات المتحدة الأمريكية وانشق عبد الحليم خدام عن النظام السوري نهاية 2005 ليستقر في باريس ويطلق اتهامات كبيرة ضد بشار الأسد وقيادته ويورد تفاصيل عن ضلوع القيادة السورية في اغتيال الحريري وردت سورية باتهام خدام وعائلته، وخاصة ابنه جمال بالفساد والإثراء غير المشروع وحركت الدعاوى لملاحقته قضائياً بتهم عدة تبدأ بالخيانة العظمى وتنتهي باستيراد المواد السامة، وفيما تصاعدت الاتهامات بين سورية بتدبير اغتيال الحريري، لم تحسم التحقيقات الدولية الأمر بعد عامين من التحقيق، فيما برزت سيناريوهات عن دور الأصوليين السنة أو المخابرات الإسرائيلية في الأمر.

12 ـ ازدياد النفوذالأمريكي والفرنسي والسعودي: برز دور باريبس وواشنطن على الساحة اللبنانية بشكل غير مسبوق بعد مغادرة سورية، وارتبطت مسألة لبنان بمحورين إقليميين لا يصلان إلى حد التحالف: محور دمشق- طهران- حزب اللـه- حماس- رئيس الجمهورية إميل لحود من ناحية- ومحور واشنطن- باريس- الرياض- القاهرة- الرئيس الفلسطيني أبو عباس- وليد جنبلاط – سعد الحريري- سمير جعجع من ناحية ثانية، وفيما صور البعض أن لبنان انتقل من وصاية إلى احتلال، لم يكن المحوران أكثر من وجهتي نظر تغطيان النزاع الداخلي بين أمراء الحرب حول من يحكم لبنان بعد خروج سورية وكيف ستتم قسمة السلطة.

 

اكتمال التبلّر

لقد أدى اغتيال الحريري إلى صرخة عارمة في أوساط اللبنانيين وخاصة في الطائفة السنة، وانضم الشارع بأغلبيته إلى صفوف المعارضة المطالبة بإنهاء الوصاية السورية واستقالة الرئيس لحود وتصفية الناظم الأمني، وكان هذا التحرك شديد الأهمية بما يمثله السنة من قوة بشرية تبلغ ربع سكان لبنان لم تتجه بعد إلى التبلر كما حصل للشيعة والدروز والموارنة وبانضمام هذه الطائفة إلى الموارنة والدروز الذين شكلوا 40 بالمائة تقريباً من سكان لبنان، أصبح ثلثا الشعب اللبناني في موقف معارضة سورية والمطالبة بخروجها الفوري وخلال أسابيع خرجت تظاهرات شعبية حاشدة في حجمها التاريخي غير المسبوق في لبنان كانت دائماً تبدو وكأنها تمثل الثلثين، وبالمقابل خرجت تظاهرات معاكسة بأغلبية شيعية يقودها حزب اللـه.

بعد مضي ذكرى الأربعين يوماً على استشهاد الحريري خرجت أسرته ببيان يسمي نجله سعد لوراثة تركته السياسية، فيما يتابع ابنه هاء الاهتمام بأعمال العائلة، ولد سعد الحريري في 18 نيسان/ إبريل 1970 وقضى طفولته في بيت جده في صيدا ثم تابع دراسته في فرنسا والولايات المتحدة، وبعد تخرجه من جامعة جورج تاون في واشنطن تبوأ منصب مدير عام شركة سعودي أوجيه عام 1996 وتابع أعمال الاستثمارات العائدة للامبراطورية الحريرية ةفي 20 نيسان 2005 ورث زعامة والده تأكيد سعودي وفرنسي بأن انتقاله للعمل في الشأن السياسي لن يؤثر على أعمال عائلة الحريري في السعودية ولا غيرها، وأن الملك عبد اللـه قطع بنفسه هذا الوعد.

ويختصر جهاد الزين اكتمال التبلر، بانضماكم السنة إلى الآخرين مع صعود سعد الحريري:

كان الرئيس رفيق الحريري حتى عام 1998 ينظر إلى نفسه وباعتزاز وبدون عقدة نقص على أنه براني حتى في موقع رئاسة الوزراء، أما بعد فلم يذهب فقط إلى الاندماج الكامل بالطبقة السياسية اللبنانية واضطراره إلى الغاء أي بعد تناقضي معها فحسب، بل خطط أيضاً وبنجاح كبير لكي يصبح أحد أعمدة النظام السياسي الطائفي بهذا المنطق السياسي، وهذا ما بدأت بتكريسه انتخابات العام 2000، وأكمل تحول النظام السياسي الذي كان قد بدأ عام 1958 مع حزب الكتائب وصعوده العام كأول حزب ممتد على مستوى الطائفة المارونية ريفاً ومدينة وبالتالي على مستوى المجموعة المسيحية وبالتوازي مع ظاهرة الحزب التقدمي الاشتراكي بقيادة كمال جنبلاط كمرجعية أساسية للطائفة الدرزية وعام 1984 مع 6 شباط الذي أطلق حركة أمل عام 2000 أصبخ تيار المستقبل لأول مرة حزباً انطلاقاً من بيروت، حزباً ذاهباً نحو توحيد لا سابقة له بهذه الطريقة للمجموعة المسلمة السنية في النظام الطائفي أصبح جزءاً أساسياً من النظام السياسي اللبناني.

سعد الحريري من الوجهة السياسية ورث لحظة سياسية كان والده متجهاً فيها إلى مد المؤسسة الحريرية كحزب سياسي نحو الأرياف السنية لو بقي على قياد الحياة خصوصاً مع نجاح النظام العالمي الجديد بإخراج الجيش السوري من لبنان عبر التحالف الأمريكي الفرنسي، الآن سعد الحريري هو أمام هذا الدور الذي تكرس مع انتخابات 2005، امتداد المؤسسة الحريرية إلى الأرياف والمدن الريفية، هذه المؤسسة إذن هي أمام خيارين: فالسيد سعد الحريري أإما أن تتطور الأمور أمامه من سيء إلى أسوأ في المنطقة ويجد نفسه زعيماً أكيداً وقوياً على مدى سنوات لمؤسسة رئيسية من مؤسسات النظام الطائفي اللبناني تدير نوعاً من الحرب الأهلية غير المعلنة بين الطائفيات اللبنانية خصوصاً أنها الآن تستند، كالأحزاب الطائفية الأخرى إلى العمق الريفي، أو أن يكون كما يريده التفويض الدولي عنصر توازن لسلم أهلي مديد[21].

في 2006 بدا واضحاً أن نظام أمراء الحرب والتجار في لبنان كان في وأج حيويته ودينامياته، وقد اجتمع ممثلو الطوائف حول طاولة حوار بمثالة مجلس ملي مماثل لذلك الذي ابتدعته الدول الكبرى لجبل لبنان بعد حرب 1860 يلغي دور المؤسسات الدستورية أو يؤجل دورها إلى حين الاتفاق على وثيقة حكم جديدة ولم تكن الحرب مع إسرائيل في صيف 2006 إلا فاصلاً في مسلسل الصراع المحلي.

ها قد اكتمل تبلر الطوائف الأربع الكبرى وبات ممكناً فتح صفحة جديدة من فيدرالية طوائف نصف مكتوبة وعصر جديد لأمراء الحرب والتجار في البلد الصغير.

 

[1] مجلة الوسط 27 كانون الثاني/ يناير 1997.

[2] مقابلة مع عصام نعمان في صحيفة الرأي العام 5 أيلول/ سبتمبر 2005.

[3] هنري إده، المال إن حكى ص 126 – 127.

[4] الحياة 7 تشرين الثاني/ نوفمبر 2000 دمشق غاضبة من مواقف جنبلاط ونائب بعثي يتهمه بالعمالة ويهدده.

[5] النهار 20 آذار/ مارس 2001.

[6] الحياة 20آب/ أغسطس 2001.

[7] GEORGES CORM, LE LIBAN CONTEMPORAIN – HISTOIRE ET SOCIETE, PARIS. LA DECOUVERTE, 2003, P. 274.

[8] مجلة الشراع، 25 أيلول /سبتمبر 2005.

[9] ألبير منصور الانقلاب على الطائف، بيروت، دار الجديد 1993 ص 46 – 47 ومقال عماد مرمر السفير 22 أيار مايو 2003 الحريري يرى في لحود صورة الجمهورية الأولى.

[10] الحياة 5 نيسان/ إبريل 2002.

[11] GEORGES CORM OP, CIT., P 259.

[12] WILLIAM HARRIS THE NEW FACE OF LEBANON,. HISTORY’S REVENGE PRINCETON, N. J., MARKUS WEINER BUBLISHERS 2006 P. 298.

[13] NEIL MACFRQUAHAR BEHIND LEBANON UPHEAVAL: 2 MENS FATEFUL CLASH NEW YORK TIMES 20 MARCH 2005.

[14] PETER FITZGERALD, REPORT OF THE U.N FACT-FINDING MISSION TO LEBANON NEW YORK UNITED NATIONS 25 FEBRUARY -24 MARCH 2005 P. 5.

[15] WILLIAM HARRIS IBID P. 298.

[16] WILLIAM HARRIS IBID P. 299.

[17] النهار 26 شباط/ فبراير 2005.

[18] الحياة 21 فبراير / شباط 2005.

[19] حزب اللـه وشركاؤه في المشروع، حازم صاغية الحياة 109 شباط / فبراير 2005.

[20] CARLA MARLOWE. TIME MAGAZINE 8 FEBRUARY 1993, MR MIRACLE, EVERYTHING ABOUT HARIRI IS BIG.

[21] جهاد الزين ما يقارن بين فؤاد شهاب ورفيق الحريري النهار 6 نيسان/ إبريل 2006.

 

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19
« »
المصادر او الهوامش

معلومات النشر:

اعداد: العنكبوت الالكتروني

عنوان الكتاب: أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان

تأليف: كمال ديب

الناشر: دار النهار للنشر

تاريخ النشر: 01/02/2007

إشترك في خلاصة التعليقات عدد التعليقات: (1 منشور)

avatar
joe bloe
الثلاثاء, 10 كانون الثاني / يناير 2017, 07:45:PM
يسمح لنا الأخ وليد جنبلاط بالنسبية اذا أراد ان ينمو البلد ويتطور. جورج واشنطن وابراهام لينكلن كانوا اباء الحضارة الأميركية ولن نرى أحدا من احفادهم يتزعمون فئة في الحكومة الأميركية. نريد دم جديد يحكم البلد, ولا دور للآقطاعية. نرجو من الكل ان يفهموا ذلك. استفردوا بالبلد فامتصوا دماء شعبه. لا يجب ان يكون أي شخص فقير اذا كان يوجد إدارة حسنة للمال العام. فما ذنبهم؟ أخاف عليكم من كثرة ذكائكم.
المجموع: 1 | عرض: 1 - 1

إكتب تعليق

البريد الالكتروني يبقى سرّي و لا ينشر
  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

- التعليقات الواردة من القراء هي مسؤولية أصحابها ولا تعبر عن رأي إدارة الموقع بالضرورة
- تتم مراجعة تعليقاتكم قبل نشرها عن طريق إدارة الموقع

- (سياسة نشر التعليقات)

تابعونا

  1. دول خليجية تحذر رعاياها من السفر إلى لبنان (5.00)

  2. وفاة "ملكة الديسكو" دونا سمر عن 63 عاماً (5.00)

  3. معارض صيني ضرير بمطار بكين متوجهاً لنيويورك (5.00)

  4. الاكتئاب لدي المراهقين .. له إشارات يجب الانتباه لها (5.00)

  5. صحف العالم: أمريكا "تعاقب" باكستان بعدد سنوات سجن أفريدي (5.00)

  6. فيلم منتظر يكشف تفاصيل اغتيال بن لادن (5.00)

  7. أستراليا: التيار الوطني الحر في سيدني ينعي فقيده المفكر و المناضل والاعلامي المخضرم الأستاذ بطرس عنداري (5.00)

  8. الرحيل المفاجئ (5.00)