إعلانات Zone 4B

[CLOSE]

إعلانات Zone 3B

[CLOSE]
أحدث الأخبار:

إعلانات Zone 2B

[CLOSE]
الرئيسية | ثقافة | رفوف المكتبات | أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان (19 حلقة كاملة)

أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان (19 حلقة كاملة)

آخر تحديث:
image
الكاتب:
عدد المشاهدات: 36179
عدد التعليقات: (1)
قيّم هذا المقال/الخبر:
3.00
حجم الخط: A+ A-
نسخة صالحة للطباعة   نسخة نصية   أرسل إلى صديق
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19
« »

 

أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان - الفصل الأول: تفكيك أحجية السيف والمال

 

الفصل الأول

تفكيك أحجية السيف والمال

 

يعتبر العام 1975 نقطة فاصلة في تاريخ لبنان الطويل يفصل بين ما جرى قبله من أحداث وبين كوارث جسام أصابته، من حرب محلية إقليمية طويلة وأزمات اقتصادية وسياسية متفجرة أحياناً، ما زال لبنان يعالجها حتى اليوم.

حتى العام 1975 المصيري، كانت بيروت غنية ومتحررة وكوزموبوليتية تضج بالحياة والثروة والنشاط وتشكل نطاقاً مفتوحاً للاتجاهات والتيارات من الشرق والغرب، لقد نام اللبنانيون ليلة 12 نيسان 1975 على أحلام مستقبل سعيد وبحبوحة متزايدة، واستيقظوا يوم 13 نيسان على حرب ضروس استمرت 15 عاماً، قضى في هذه الحرب 150 ألف شخص وهاجر ما يناهز المليون شخص وجرح وأصيب بعاهة ما يقارب 200 ألف شخص، وقاربت خسائر لبنان الاقتصادية الـ 75 مليار دولار بين دمار وخراب ونهب وإنتاج فائت، وتعتبر هذه الخسائر البشرية والمادية خطيرة وجسيمة قياساً إلى عدد سكان لبنان ومساحته.

ولم يسجل العام 1990 نهاية المصائب، فقد ظهرت أزمات اقتصادية مهلكة في غياب مشروع مالي ودولي لإعادة الإعمار، واستمرت إسرائيل في احتلال جزء مهم من لبنان حتى العام 2000 وعملت سوريا على تثبيت نفوذها عبر التأثير على مجريات النظام السياسي اللبناني وبالتالي على مجمل النشاط الاقتصادي والاجتماعي.

ووصلت الأمور إلى ذروتها عام 2005 حيث أدت سلسلة أحداث تاريخية إلى اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري في شباط فبراير وخروج القوات السورية من لبنان في نيسان/ابريل وعودة قوى سياسية لبنانية إلى ساحة العمل، وارتباط مصير لبنان بصورة أوضح بالقرار الدولي عبر قرارات مجلس الأمن والدور المتعاظم لفرنسا والولايات المتحدة، وصولاً إلى حرب أخرى مع إسرائيل في صيف 2006.

بعض من قرأ النسخة الإنكليزية من الغربيين تساءل إذا ما كان أمراء الحرب في لبنان سيرون في فيلم العرب للمخرج فرنسيس فورد كوبولا مرآة لذاتهم، ربما لا يشبه أمراء الحرب في لبنان زعماء المافيا الإيطالية التي زرعت الرعب في الولايات المتحدة الأمريكية في العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين، والتي مارست القتل وارتكبت الجرائم الآثمة ولكنهم سيشبهون حتماً الدونات Dons أي القبضايات الذين حكموا وديان كالبريا وصقلية في إيطاليا وفرضوا سلطتهم بقوة رجالهم المسلحين وبدعم رجال الدين على قرى وبلدات تمتد على مساحات واسعة في الجنوب الإيطالي، وأقاموا في قصور مبنية على تلال وجبال تطل على البحر الأبيض المتوسط.

وإذا كانت طبيعة كالبريا وصقلية تناسب أمراء الحرب في لبنان فإنهم يختلفون عن الطليات الذين هاجروا إلى العالم الجديد في العام 1980 وفي مقابلة مع مجلة أمريكية، عبر وليد جنبلاط، زعيم الميليشيا الدرزية، عن خوفه من ركوب قطار الأنفاق، في مدينة نيويورك، و لكنه في إقطاعيته الجبلية جنوب لبنان كان أمير حرب مهيب، يقود آلاف المقاتلين، ويقيم في قصر تاريخي في بلدة المختارة.

ولم يقتصر دور أمير الحرب الذي حكم إقطاعية أوكانتونا على زعيم الدروز، إذ خلال فترة الحرب الممتدة من 1975 إلى 1990 طغى في لبنان عدة أمراء رب ينطبق عليهم، مثل السيد جنبلاط اللقب الإيطالي Don ومنهم على سبيل المثال آل فرنجية وآل الجميل وآل شمعون ونبيه بري وغيرهم.

ويشدد هذا الكتاب على مسألتين: أولاهما أن الشخصيات هي التي رسمت وترسم أحداث هذا البلد، وليست الأحداث هي التي فرضت أمراً واقعاً وكأن الزعامات لا حول لها.

والثانية أن هذه الشخصيات هي الأكثر تأثيراً في أحداث لبنان من الشخصيات الإقليمية والدولية، وسبب هذا التشديد المزدوج على الدور الشخصي لأمراء الحرب والتجار هو غياب كتابات جدية ناقدة حول هؤلاء ودورهم في خلق لبنان، وتالياً في تدميره المادي والنفسي وانهياره المالي.

فما سبق نشره عن لبنان يتعاطى مع أمراء الحرب وكأنهم جزء من قصص محلية طريفة ومسلسلات صغيرة محورها خلافاتهم التي تبدو بلا نهاية، وبتجاهلهم لهذه المسألة، عادة ما انصرف الباحثون إلى معالجة نمطية طولية Linear لأزمات لبنان بأنها صراع بين أيديولوجيات أو ديانات أو قوى إقليمية، ورغم أن هذه المعالجة تحمل جزءاً من الحقيقة ولكنها تغفل احتمال أن يكون أمراء الحرب في لبنان طرفاً نشطاً في لعبة شد حبال إقليمية دولية، وأنهم لم يكونوا أداة طيعة، بل استطاعوا إلى حد ما استغلال القوى الإقليمية ضد بعضها بعضاً لغايات محلية ولكسب المعارك والجولات ضد خصومهم المحليين.

الطبقة الحاكمة في لبنان –سياسية واقتصادية- كانت وما تزال قبلية، تنضج بتجمع عائلات وائتلاف زعامات فردية هي في الحقيقة مجموعة حكام لمناطق يحظى كل منهم باستقلال شبه ذاتي في زمن السلم وشبه كامل في زمن الحرب.

وينضم إلى أمراء الحرب مجموعة أصحاب الأعمال الذين يفضلون تعاطي المناورات وعقد الصفقات المربحة في مكاتبهم الفاخرة في مبان حديثة تزين شوارع بيروت، يساهمون بوسائل مختلفة في الحرب والسلم المحليين.

إن تجذر العقلية التجارية في لبنان هو تقليد قديم يعود إلى النشاط الماركنتيلي الذي بدأ مع الفيفيقيين قبل ثلاثة آلاف عام، واستمر مع تجار دمشق والبندقية منذ القرن الخامس عشر، واستفحل منذ القرن التاسع عشر مع بيروت المشرقية اللفنتية Levantine ولكن لبنان القرن العشرين لم يصل إلى النتيجة الطبيعية لتطور النظام الرأسمالي، ولم يخضع لعملية التحول الرأسمالي المستثمر والمبدع الذي أدى إلى ولادة ديزني لاند مثلاً أو لاختراع التلفون الخليوي وخدماته الالكترونية التي تتطور كل يوم.

ذلك أن التراث التجاري المشرقي الذي استمر في لبنان دون غيره من دول المنطقة، تحول إلى قالب جامد وغير مثير يستعيد ما يظن أنه نجاحات الماضي حيث يلتقي أصحاب النفوذ الاقتصادي والسياسي حول تبادل الخدمات والمنافع والبضائع بدون حوافز نهضة اقتصادية حقيقية كما حدث في تايوان وهونغ كونغ وكوريا وايرلندا ولقد صبغ هؤلاء الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في لبنان حتى أصبحت مسألة الانضمام إلى طبقتهم فناً بحد ذاته ونمط حياة استهلاكية يسعى إليه المواطن.

أطروحة هذا الكتاب هي: ثمة عائلات صنعت مؤسسة عليا غير رسمية تجمع أمراء الحرب والتجار وأصحاب الأعمال على المصالح الخاصة، وتلعب هذه المؤسسة الدول الأكبر في الحياة المعاصرة اللبنانية مهما كان حجم النفوذ أو التدخل الخارجيين في لبنان، ومهما عظم شأن الأطراف الإقليمية أو الدولية وقوتها.

ولا يقتصر هذا التوصيف على العقود الأخيرة، فلبنان بلد قديم ذكر مراراً في كتاب العهد القديم، جذوره تعود إلى الزمن ما قبل الكلاسيكي (أي قبل أثينا وروما) في التقويم الغربي، وصعوده الحديث يترافق مع التغلغل الثقافي والاقتصادي الأوروبي في منطقة شرق المتوسط منذ القرن السابع عشر.

ومع مرور الوقت، سمح هذا التغلغل لبيروت أن تصبح مركزاً تجارياً عالمياً، تفتخر بصروح التعليم الجامعي العديدة، وبالمصارف والمؤسسات التجارية التي انتعشت في وسطها.

ولكن هذا النمو أوصل دولة لبنان في القرن العشرين إلى وضع هجين:

فورة اقتصادية سطحية وسط وضع اجتماعي هش غابت عنه المساواة الاقتصادية والثقافية، وقاعدة بشرية متعددة الديانات والولاءات، حتى قبل اندلاع الحرب عام 1975، بدت معالم الأمراض المزمنة واضحة، حيث احتكرت بيروت وبعض ضواحيها الثروة الاقتصادية والمعارف والسلطة، في حين استلمت مناطق الأطراف لحياة الإقطاع والتخلف والحرمان.

قبل ولادة دولة لبنان الحديث عام 1920، كان الوجود اللبناني محصوراً بدويلة، في جبل مغلق لا يطل على البحر تتمتع بالحكم الذاتي المحدود داخل الإمبراطورية العثمانية، وبعد هزيمة الباب العالي في الحرب العالمية الأولى، خضعت المنطقة للنفوذ الفرنسي والبريطاني، وقام الانتداب الفرنسي بتوسيع الكيان بجعل بيروت وساحلها عاصمة له.

وهكذا ارتفعت أهمية بيروت من مرفأ ومركز تجاري إلى عاصمة سياسية لبلد وليد، وخلال فترة بسيطة استطاعت بيروت استعمال نفوذها السياسي والاقتصادي للهيمنة على كل لبنان، وخلال خمسين عاماً أصبحت مسكناً لنصف سكان لبنان ومجالاً حيوياً لمعظم نشاط الجمهورية الاقتصادي والثقافي، كان صعود بيروت السريع سيفاً ذا حدين: ففيما أصبحت محور قوة لبنان في القرن العشرين، كان سقوطها عام 1975 السبب المباشر لموت لبنان.

لعدة قرون كان الجبل موطناً لطوائف وقبائل متعددة، كان الدروز والمسيحيون الموارنة والمسلمين هم الثقل الرئيسي فيه، وقاد هذه الجماعات أمراء حرب إقطاعيون تقوم علاقاتهم على التنافس، وكانت بيروت خارج هذا العالم، ذات تطور اقتصادي تاريخي موجه نحو البحر الأبيض المتوسط وميول ثقافية واجتماعية نحو الغرب الأوروبي، ولقد حافظت الإمبراطوريات التي سيطرت على الشرق الأوسط، منذ القرن الحادي عشر على وضع خاص ببيروت منفصل على صراعات أهل الجبل.

وفي نهاية القرن السابع عشر، اعترفت السلطنة العثمانية بأهمية بيروت للتجارة والعلاقات الدولية فاعتبرتها من مدن الإمبراطورية الرئيسية أسوة باسطنبول والإسكندرية وحلب وأزمير، وفي أواهر القرن التاسع عشر قامت الحكومة العثمانية بتسمية بيروت عاصمة لولاية كبرى تمتد على الساحل الشرقي للبحر المتوسط، يحكمها زعماء مدن الساحل السنة "صيدا وبيروت وطرابلس وجبلة وطرطروس واللاذقية" ولم تهمل دفع الضرائب بواسطة أمراء الحرب المحليين الذين قدموا ولاءاً سطحياً للامبراطورية.

وهكذا نما جبل لبنان وبيروت منذ القرن الثامن عشر كمنطقتين متجاورتين منفصلتين، الأولى ضمن حكم ذاتي يقوده أمراء الحرب الموارنة، والثانية كولاية عثمانية تحت سيطرة زعماء المسلمين السنة المحليين.

هذا الوضع استمر حتى العام 1920 عندما جمع الفرنسيون الجبل بجزء من ساحل ولاية بيروت وعاصمتها وبمناطق متاخمة شرقاً وجنوباً وشمالاً، ما نجم عنه ولادة دولة لبنان الكبير.

وكان من منجزات الكيان الجديد بناء تحالف بين أمراء الحرب الموارنة وزعماء السنة ترسخ مع الاستقلال عام 1943 وسمح بشراكة استمرت حتى العام 1975، وبتأسيس حكومة لبنانية ضمت ممثلين للطوائف الصغرى، ولكن مع ولادة لبنان الكبير انتقل فيروس الصراع الأهلي من الجبل إلى بيروت والساحل وأصبحت العاصمة مسرحاً للخلافات المتجددة.

ففي الجبل استمر نفوذ أمراء الحرب في أواسط المجموعات الدينية والمناطقية كما كان الوضع في القرون السابقة، كما بقيت حدود الكانتونات بين المناطق والطوائف مستمرة ولو بشكل رمزي تحت إشراف وقيادة أبناء أمراء الحرب التاريخيين وأحفادهم، أما آلية انتقال الصراع من الجبل إلى بيروت فكانت تأقلم أمراء الحرب مع الجمهورية الجديدة وتحولهم إلى رجال دولة عندما استلموا مناصب وزارية أو نيسابية أو صفات رسمية في بيروت، وأجادوا لغة الحكم والحكومة والثوابت الوطنية.

هذه الآلية كانت مرنة جداً إذ سمحت لهم بالعودة دائماً إلى حظيرتهم الإقطاعية كل أسبوع وفي كل مناسبة أو عطلة لمواصلة لعب دور أمراء الحرب، فكانت صفة أمير الحرب على زعيم الكانتون هي الثابتة في حين كانت الصفة الرسمية في الدولة اللبنانية هي المؤقتة، حتى إذا انفجر الوضع عاد أمير الحرب إلى الإقامة الدائمة في إمارته.

وعلى سبيل المثال، سليمان فرنجية الجد كان أمير الحرب في قضاء زغرتا في شمال لبنان وأصبح رئيساً للجمهورية عام 1970، وبشير الجميل كان قائداً للقوات اللبنانية "الميليشيا المسيحية" وأصبح رئيساً للجمهورية عام 1982، كما كان نبيه بري قائداً لحركة أمل فأصبح رئيساً لمجلس النواب، وكان وليد جنبلاط مراراً وزيراً في معظم الحكومات ولكن عمله الدائم وكان قيادة الدروز.

في الفترة الممتدة من 1950 إلى 1975 أصبحت بيروت بالضرورة مركز التقاء المجتمع الإقطاعي الطائفي، وأضحى موقعها الجغرافي الوسطي مفتوحاً على الكانتونات اللبنانية المتعددة، ضمن المحافظة على انفصال نفسي عن باقي المناطق لكونها مخزن الثروة الاقتصادية ونبض النشاط السياسي، ولقد استفاد أمراء الحرب إلى أقصى حد من ميزات بيروت ولكنهم تجاهلوا إشارات الصدم الأهلي التي كان المجتمع اللبناني المتغير يبشر بها، إذ اعتبروا كل ومضة عنف وجولة قتال داخلي "سحابة صيف عابرة" ولكن في يوم من أيام الربيع عام 1975، تراكمت مجموعة عوامل مدمرة منها العداوات التقليدية بين أمراء الحرب واللامساواة الاجتماعية في توزيع الثروة والفرص، ومؤامرات الشرق الأوسط، فانفجرت مرة واحدة لترمي المدينة في أتون العنف.

من يراقب الوضع في بداية القرن الحادي والعشرين، ومن منطلق العام 2006 تحديداً، سيستنتج أن التبدلات الاجتماعية الكبرى والكوارث الأهلية التي حدثت في الفترة الممتدة من العام 1958 وحتى 2005 لم تؤد إلى تغيير في النظام القبلي الطائفي المستمر منذ قرون، وحتى عندما توصل أمراء الحرب إلى اتفاق وطني عام 1989، كان أساس الجمهورية الثانية وهي تسمية ورثها لبنان من التقليد الفرنسي، هو المزيد من الإغراق في الطقوس التقليدية، ومن المحتمل أن يكون الاحتقان الطائفي في بداية القرن الحادي والعشرين أكثر منه في سبعينيات القرن العشرين إذ أعاد اتفاق الطائف توزيع السلطة استناداً إلى شروط أمراء الحرب وحسب وكان منطق ذلك أن نظام أمراء الحرب قد ساهم في تأمين الاستمرارية الشرعية والشعبية في الحكم خلال ألف عام، ويمكن تغيير هذا النظام ليبدو حديثاً ومتجاوباً مع مطالب قوى التغيير في المجتمع وهكذا ارتدت النسخة المنقحة من النظام التقليدي حلتها الجديدة عام 1989 تحت تسمية اتفاق الطائف، فكان أكبر إنجاز حققه أمراء الحرب في اتفاق الطائف أنه ضمن دورهم في مستقبل لبنان لأجيال قادمة مقابل تراجع أسهم الدولة العلمانية الليبرالية الديمقراطية.

وثمة مقولة مفادها إن الشعب اللبناني لا علاقة له بحروب الآخرين على أرضه والمقصود بالآخرين هم الأمريكيين والإسرائيليين والفلسطينيون والسوريون والعراقيون والإيرانيون الذين خاضوا حروبهم القذرة في لبنان فيما كان الشعب اللبناني المسالم يقف جانباً يراقب ما يحدث وتحمل هذه المقولة جزءاً من الحقيقة، إلا أنها قللت من تعقيدات الصراع الداخلي اللبناني المحض، وهناك أدلة كثيرة ترفض محاولات تقليص مشاكل لبنان إلى مقولة العذاب اللبناني الطويل على أيدي الغرباء الأشرار.

المعضلة كانت لبنان أساساً بمضاعفات إقليمية، إذ لا يمكن نكران الانفجار الاجتماعي المحلي الذي طفا على سطح الأحداث وكان من المسببات الرئيسة للحرب التي بدأت عام 1975 لقد وجه أمراء الحرب الدعوة للأطراف الخارجية للتدخل في شؤون لبنان، كما شجع عمل هؤلاء على الاستفادة من هذا التدخل الخارجي ولو لم يتعامل مباشرة مع التدخل، ولكن في الحالتين والتدخل الخارجي، فسيجد المراقب صعوبة في توضيح سبب استمرار الصراع الأهلي في الثمانينيات بعد خروج الجيوش الأجنبية من بؤر التوتر في لبنان ما منح فرصة تاريخية للبنانيين لرأب الصدع، فالحرب اللبنانية استمرت بعد العام 1982 وقام اللبنانيون بنحر بعضهم البعض على وتيرة غير مسبوقة، وفي معظم الأحيان كانت المعارك تدور بين من كانوا حلفاء الأمس أو بين أبناء طائفة بعينها، حيث عقد الثمانينيات حروباً أهلية صغيرة داخل صفوف المسيحيين والمسلمين.

لقد دفع لبنان باهظاً للمعايير النمطية التي ابتعها الإعلام الغربي والحكومات الغربية بشغف وهذا ما برز بوضوح بعد نهاية الحرب الأهلية عام 1990، فقد غاب لبنان عن رادار وسائل الإعلام العالمية التي توجهت إلى بؤر أخرى سخونة في العالم في التسعينيات رغم مآسيه الاجتماعية والاقتصادية المستمرة.

أما قصة لبنان كمجتمع فقد اختفت وأهمل وضع الشعب اللبناني ومعاناته الطويلة، فلم يكن هناك مشروع مارشال دولي لإعادة الإعمار والتنمية في سنوات ما بعد الحرب، كما حدث لأوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، فغرقت الدولة بالديون في التسعينيات، لأسباب متعددة منها المحاولة الجبارة لتنفيذ مشاريع كبرى حيوية وضرورية لعودة عجلة الاقتصاد إلى سابق مجدها، دون إغفال دور الهدر والفساد في التدهور المالي.

سنحاول في فصول الكتاب بناء تفسير وتقييم لدور أمراء الحرب والتجار في لبنان دون الانشغال بموضوع صراعات القوى المختلفة التي سيطرت على البلد، وهذا ما نجحت في عرضه عدة مؤلفات أخرى ذلك أن تقديم الصورة الكبرى للوضع اللبناني هو موضوع أكثر إغراء للكتابة والتحليل.

هذا الكتاب إذن هو محاولة لوصف عقلاني للأحداث التي وقعت في لبنان في الفترة 1975 و2006 من زاوية اقتصادية وبيئية يلعب فيها أمراء الحرب والتجار الدور الأهم، ففي بلد صغير المساحة قليل السكان حيث يعرف الناس بعضهم البعض يصبح الفرد أكثر أهمية، ويكتسب الزعيم المحلي أو رجل الأعمال شهرة لن يجدها في أي بلد آخر.

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19
« »
المصادر او الهوامش

معلومات النشر:

اعداد: العنكبوت الالكتروني

عنوان الكتاب: أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان

تأليف: كمال ديب

الناشر: دار النهار للنشر

تاريخ النشر: 01/02/2007

إشترك في خلاصة التعليقات عدد التعليقات: (1 منشور)

avatar
joe bloe
الثلاثاء, 10 كانون الثاني / يناير 2017, 07:45:PM
يسمح لنا الأخ وليد جنبلاط بالنسبية اذا أراد ان ينمو البلد ويتطور. جورج واشنطن وابراهام لينكلن كانوا اباء الحضارة الأميركية ولن نرى أحدا من احفادهم يتزعمون فئة في الحكومة الأميركية. نريد دم جديد يحكم البلد, ولا دور للآقطاعية. نرجو من الكل ان يفهموا ذلك. استفردوا بالبلد فامتصوا دماء شعبه. لا يجب ان يكون أي شخص فقير اذا كان يوجد إدارة حسنة للمال العام. فما ذنبهم؟ أخاف عليكم من كثرة ذكائكم.
المجموع: 1 | عرض: 1 - 1

إكتب تعليق

البريد الالكتروني يبقى سرّي و لا ينشر
  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

- التعليقات الواردة من القراء هي مسؤولية أصحابها ولا تعبر عن رأي إدارة الموقع بالضرورة
- تتم مراجعة تعليقاتكم قبل نشرها عن طريق إدارة الموقع

- (سياسة نشر التعليقات)

تابعونا

  1. دول خليجية تحذر رعاياها من السفر إلى لبنان (5.00)

  2. وفاة "ملكة الديسكو" دونا سمر عن 63 عاماً (5.00)

  3. معارض صيني ضرير بمطار بكين متوجهاً لنيويورك (5.00)

  4. الاكتئاب لدي المراهقين .. له إشارات يجب الانتباه لها (5.00)

  5. صحف العالم: أمريكا "تعاقب" باكستان بعدد سنوات سجن أفريدي (5.00)

  6. فيلم منتظر يكشف تفاصيل اغتيال بن لادن (5.00)

  7. أستراليا: التيار الوطني الحر في سيدني ينعي فقيده المفكر و المناضل والاعلامي المخضرم الأستاذ بطرس عنداري (5.00)

  8. الرحيل المفاجئ (5.00)