إعلانات Zone 4B

[CLOSE]

إعلانات Zone 3B

[CLOSE]
أحدث الأخبار:

إعلانات Zone 2B

[CLOSE]
الرئيسية | ثقافة | رفوف المكتبات | أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان (19 حلقة كاملة)

أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان (19 حلقة كاملة)

آخر تحديث:
image
الكاتب:
عدد المشاهدات: 36173
عدد التعليقات: (1)
قيّم هذا المقال/الخبر:
3.00
حجم الخط: A+ A-
نسخة صالحة للطباعة   نسخة نصية   أرسل إلى صديق
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19
« »

أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان - الفصل الثاني: أمراء الحرب الشيعة والدروز

 

الفصل الثاني

أمراء الحرب الشيعة والدروز

 

المشرق هو التسمية التي أطلقت فيما مضى على تلك السبحة من المدن التي احترفت التجارة وتغلغل عبرها الرحالة الأوروبيون إلى الشرق، من اسطنبول إلى الاسكندرية مروراً بإزمير وأضنة وبيروت، كانت هذه المدن مراكز انصهار ثقافي حيث تجاوزت اللغات والعادات والديانات، ولكن العوامل المتجذرة التي سبقت التاريخ عادت لتصبغ هذه المدن ببطء وتصميم، وصولاً إلى تدميرها.

 

أمين معلوف[1]

 

المشرق

حظيت منطقة شرق المتوسط عبر التاريخ بتسميات مختلفة أطلقتها الشعوب التي مرت أو أقامت على الساحل أو في العمق الجغرافي فكان اسم LEVANTE الذي أطلقه البنادقة "تجار البندقية في إيطاليا" مباشرة بعد الحملات الصليبية في القرن الثاني عشر، وكانت تسمية "بلاد الشام" أو"المشرق" التي أطلقها أهل الجزيرة العربية[2]، كما أسماها المؤرخون سورية الجغرافية واستعمل الفرنجة الصليبيون عبارة OUTREMER فيما استعمل الفرنسيون في القرنين الماضيين عبارة PROCHE- ORIENT أي الشرق الأدنى، أو ببساطة كلمة LE LEVANT أي اتجاه شروق الشمس، وعبارة المشرق بمدلولها الإيطالي والفرنسي هي الكلمة المناسبة لغاية هذا الكتاب، ليس لأنها مرتبطة بالموقع الجغرافي الدال على شرق المتوسط فحسب، بل لأنها تحمل مضموناً حضارياً عن المجتمع الخلاق والموزاييك الثقافي الذي نما في المنطقة، كما أن كلمة المشرق تذكر بالتغلغل التجاري الأوروبي الذي قاده الطليان والفرنسيون، ففاق في نفوذه ووقعه تأثير جيوش الإمبراطوريات ومنذ القرن السابع عشر أصبح المشرق مسرحاً لتوسع وتقلص الإمارة اللبنانية.

امتد المشرق طولاً على مسافة 600 كم من الاسكندرون في تركيا إلى غزة جنوباً، على امتدا ساحل المتوسط وعرضاً لمسافة 100 كم في العمق الجغرافي الممتد من البحر إلى حدود الصحراء، ويقيم في المشرق حسب تقديرات الأمم المتحدة للعام 2005 ما يقارب 40 مليون نسمة[3].

ويزين المنطقة الساحلية مدن تاريخية أبرزها اسكندرونة واللاذقية وطرطوس وطرابلس وبيروت وصيدا وصور وعكا ويافا وغزة، أدت هذه المدن ولا تزال دوراً هاماً كمرافئ ومراكز تجارية لمدن الداخل الأسطورية مثال أنطاكيا وحلب وحماة وحمص وبعلبك ودمشق والقدس وعمان[4]، ويعتبر المشرق الوليد الهجين لتأثيرات تاريخية قديمة من الشرق والغرب، كما أن شعوب الشرق الأوسط كانت تنتقل وتهاجر باستمرار عبر المشرق وآسيا الصغرى وبلاد ما بين النهرين ووادي النيل والجزيرة العربية وبلاد فارس.

ويعتبر المشرق في أسفار التوراة نطاقاً جغرافياً سكانياً مفتوحاً ومسرح أحداث مقدسة جرت في مصر والعراق وفلسطين ولبنان وسورية وغيرها من مناطق الشرق الأوسط، في توصل حضاري وجغرافي حيث يسافر الناس للتجارة والسكن والتعارف، وهذا يشرح المودة الحضارية القديمة بين سكان الجزيرة العربية والمشرق ووادي النيل وبلاد ما بين النهرين، وبدرجة أقل، بلاد الإغريق والمشرق، ولكن لا يجب التقليل من شأن النفوذ الإغريقي، إذ كانت بلاد اليونان وآسيا الصغرى أكثر التصاقاً بالمشرق من شعوب أوروبا الأخرى.

إلى الجنوب من المشرق ثمة جسم جغرافي ضخم هو شبه الجزيرة العربية، مجتمع قبلي بسيط، خضع لفترات زمنية طويلة للنفوذ المصرية والروماني وحتى الحبشي "احتل الحبشيون اليمن وأغاروا على الحجاز مراراً، وكانت آخر غزوة حبشية على مكة عام 570 ميلادية قادها أبرها.

وفي القرن السابع جهز سكان شبه الجزيرة العربية قوة بشرية بقيادة النبي محمد وإلهام الدين الإسلامي غزت المناطق الجغرافية المجاورة، وخلال السنوات العشر بعد وفاة النبي محمد استطاع العرب قهر امبراطوريتي ذلك العصر: البيزنطيين في معركة اليرموك في جنوب دمشق والفرس في معركة القادسية في جنوب العراق، وقد اعتمد نظام الحكم العربي مبادئ الدين الحنيف وروحية مجتمع البادية، مقلداً نهج الخلفاء الأربعة الراشدين: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب.

كانت سيطرة العرب على الإمبراطورية الإسلامية قصيرة، فكان من أسباب انحسار سلطتهم صراعاتهم الداخلية، ومنافسة شعوب الحضارات الأخرى التي غزاها العرب خاصة في آسيا "الفرس والترك" ولقد بدأت حرب أهلية ومعارك بين العائلات والقبائل مباشرة بعد وفاة النبي محمد عام 632، كما أن بعد المسافات بين أطراف الإمبراطورية الإسلامية سمحت المحليين التمتع بحكم ذاتي متزايد على حساب السلطة المركزية في مكة ودمشق، فقويت العناصر غير العربية في الأقاليم البعيدة، وزاد الوضع سوءاً اختلاف أشراف العرب على تسمية الخليفة الذي يحكم باسم الإسلام بعد وفاة النبي محمد، وهذا الخلاف قسم المسلمين إلى سنة وشيعة وما زال التقسيم قائماً إلى اليوم فانحسر نفوذ شبه الجزيرة المباشر على رأس الإمبراطورية الإسلامية عام 660 أي 28 عاماً بعد وفاة النبي.

ورغم انحسار دور شبه الجزيرة العربية، استمر انتشار اللغة العربية في المشرق وأصبح الإسلام ديانة أعداد متزايدة من السكان بعدما كانت المسيحية هي الغالبة في المشرق والعراق ومصر واليمن، وهكذا حقق عرب شبه الجزيرة ما عجز عنه الإغريق، الذين كانوا يحاولون ومصر واليمن.

وهكذا حقق عرب شبه الجزيرة العربية ما عجز عنه الإغريق، الذين كانوا يحاولون هلينة شعوب المشرق، وفي ظل الحكم العربي، اعتنق الكثيرون من المشرقيين الإسلام فيما حافظت مناطق كثيرة على ديانتها المسيحية وخاصة في جبال سورية ولبنان، كما أن معظم سكان المشرق تكلموا العربية والسريانية قبل الغزو العربي، إذ لم يكن ثمة خط جغرافي فاصل أو مناطق ثقافية مغلقة بين شبه الجزيرة والمشرق، وكان عدد من قبائل المشرق من المسيحيين فيما كانت لغتهم الأم العربية "مثال الغساسنة والمناذرة" كما أن عدداً من قبائل شبه الجزيرة العربية تبع الدين المسيحي وانتشرت الكنائس في اليمن قبل الإسلام، واستعمل المسيحيون العرب اللغة العربية في صلواتهم وطقوسهم ودراسة اللاهوت وكان عدد من قبائل شبه الجزيرة العربية ينطق باللغة السريانية التي لم تكن مقتصرة على أهل المشرق.

وباستثناء الفترة الصليبية "1099-1291" والغارات الصليبية المتقطعة فيما بعد، يمكن اعتبار المشرق منطقة جغرافية داخل الدولة الإسلامية منذ القرن السابع وحتى العام 1919، عشية هزيمة الإمبراطورية العثمانية، ولقد حكم المصريون المشرق بعد رحيل الصليبيين، ولكن في العام 1516 انحدر الأتراك العثمانيون من جبال آسيا الصغرى وهزموا الجيش المصري في مرج دابق قرب دمشق وأعلنوا الخلافة الإسلامية باسم آل عثمان في اسطنبول، وبسبب العلاقات التي توارثها المشرق من الصليبيين بعد قرنين من وجودهم فيه وتعددية الإمبراطورية العثمانية الأثنية والدينية، بدأ النفوذ الأوروبي التجاري والثقافي يتغلغل في المشرق بشكل غير مسبوق ابتداء من القرن السادس عشر، ونما هذا النفوذ خلال القرون اللاحقة مستفيداً من التراجع البطيء للحكم العثماني، وإذا كان المشرق وليداً هجيناً لتزاوج الثقافتين العربية الإسلامية والمسيحية الأوروبية، فإنه ليس بالأمر السهل تحديد أي من الثقافتين كانت الأكثر حضوراً وتأثيراً في كيانات المشرق الحديثة، بل يتوقف ذلك على المناطق الجغرافية والجماعات الأثنية والدينية التي تأثرت، بمستويات مختلفة بالنفوذين العربي والأوروبي.

ورغم استمرار العلاقات التجارية بين المشرق وأوروبا والتي لم تنقطع منذ الحملات الصليبية، فإن النفوذ الأوروبي المعاصرة بمظاهره العسكرية والديبلوماسية والاقتصادية في المشرق لم يبرز بشكل ملفت إلا في القرن السابع عشر، مع عصر النهضة الأوروبية "انطلاقاً من إيطاليا" ونهوض الدول المتطورة والمجهزة عسكرياً في القارة الأوروبية "فرنسا وبريطانيا وروسيا والنمسا والدويلات الإيطالية".

 

جبل لبنان

وسط التيارات التاريخية الكبرى، ثمة جبل صغير وجميل يتربع بعظمة على ساحل المشرق، ممتداً مسافة مائة كيلو متر، ومرتفعاً 11 ألف قدم إلى السماء[5]، دعي هذا الجبل "جبلة" GABLA باللغة الفينيقية "المعروفة بالكنعانية، وهي لغة سامية شقيقة للعربية، وهو اسم ورثته مدينة جبيل التي كانت مرفأ للفينيقيين، وورد ذكرها مراراً في وثائق فرعونية تعود إلى القرن الثامن عشر قبل الميلاد، فكان بحارة  السفن القادمة من مصر يلمحون الثغر الصغير ووراءه الجبل المهيب.

كما احتفظت بهذا الاسم مدينة وجبلة على الساحل السوري الذي كان جزءاً من فينيقيا في ذلك الزمان أما في التوراة فقد كان اسم المنطقة أرض الصيدونيين نسبة إلى صيدا، المدينة الفينيقية الأهم، في عهد الملكين داود وسليمان، أو ليبانوس LIBANUS بلغة الرومان اللاتينية، أو جبل لبنان باللغة العربية، ومهما كانت طريقة لفظ لبنان فهو مشتق من جذر سامي مشترك يعني لبان أو لبن، أي اللون الأبيض، باللغات العربية والآرامية والسريامية والعبرانية، إشارة إلى الثلج الأبيض الذي يكلله في فصول البرد، وهو منظر نادر في المشرق خاصة للوافدين من الجزيرة العربية ووادي النيل.

ومنذ خمسة آلاف عام أقامت في جبل لبنان قبائل عدة، تعود جذورها إلى مناطق أخرى في المشرق أو في الجزيرة العربية والعراق، وترأس هذه القبائل أمراء حرب أشداء شنوا حملات نفوذ بعضهم ضد البعض الآخر وشاركوا في صراعات دموية دعماً للإمبراطوريات التي سادت في المنطقة في مراحل تاريخية عديدة، ورغم أن جبل لبنان كان نواة لبنان الحديث كما نعرفه اليوم، فإنه لم يتطور إلى مجتمع متوحد على مصير مشترك وشخصية وهوية جامعة، فاستغل الغزاة الخصامات المحلية للسيطرة على الجبل وتأليب أمراء الحرب بعضهم ضد البعض الآخر.

وتجدر الملاحظة أن عبارة "جبل لبنان" خضعت بدورها لتطور تاريخي فقد اقتصرت حتى نهاية القرن السادس عشر على المنطقة الشمالية من الجبل، جبيل والبترون وبشري، التي سكنتها أغلبية مارونية، في حين كان لبقية المناطق تسميات مستقلة عن جبل لبنان: بلاد كسروان وبلاد الشوف وبلاد الشقيف وجبل عامل وبلاد بشارة إلى الجنوب، وبلاد عكار وبعلبك والهرمل وسهل البقاع، وكان جبل الشوق يعرف بتسمية كانت أكثر استعمالاً هي "جبل الدروز" وأميره بـ "أمير الدروز" وفيما تسمية "إمارة جبل لبنان" متداولة محلياً في العقد الثاني من القرن السابع عشر، وأصبح أميرها "أمير جبل لبنان" لم يغير هذا الواضع شيئاً بنظر السلطنة العثمانية التي استمرت حتى نهاية عهد الإمارة عام 1842 في إصدار الواقع فرمانات بتعيين أمير الدروز على جبل الدروز ذلك أن هذا التعيين قد ابتدأ عام 1516 عندما أطلق السلطان سليم العثماني هذا اللقب على فخر الدين المعني الأول، وبقي اسم أمير الدروز لقباً رسمياً حتى عندما أصبح أمير جبل لبنان مارونياً كما كانت الحال مع الأمراء الشهابيين ابتداء من العام 1770[6].

في ظل الانتداب الفرنسي أطلق الأب اليسوعي البروفسور هنري لامنس مفهوم لبنان الوطن- الملجأ، زاعماً أن لبنان يدين بوجوده ككيان لدوره كملجأ للأقليات المضطهدة في المشرق[7].

وكان هذا المفهوم أطروحة الانتداب الفرنسي لمنح بعد أيديولوجي لإعلان دولة لبنان الكبير، إذ بعد الحرب الأهلية عام 1860، بات تحقيق آمال المسيحيين الموارنة عنصراً طارئاً ومهماً في تأسيس كيان لبناني حديث ومستقل عام 1920، فلقد أصابت مجازر 1860 1861 المسيحيين في الصميم ولحقت لهم الأذية أكثر مما لحقت بالجماعات الأخرى وكان سكان دمشق المسيحيون هدفاً مباشراً لمجازر ارتكبها جيرانهم المسلمون رغم أنهم لم يشاركوا في حرب لبنان بين الدروز والموارنة، ولذلك ظهرت الحاجة إلى تأسيس وطن يشعر فيه المسيحيون بالأمان ويتمتعون بقدر نسبي من الحرية والسيادة، وهكذا كان دور أمراء الحرب جوهرياً في صنع الكيان منذ القرن السابع عشر، كما سنرى لاحقاً.

أما نظرية الملجأ التي تقدم بها لامنس فهي لا تصمد أمام معطيات التاريخية التي صنعها أمراء الحرب وتعود إلى ألف عام.

صحيح أن الموارنة استوطنوا التخوم الشمالية لجبل لبنان بشكل كثيف ابتداء من القرن التاسع وأقاموا علاقات وثيقة مع فرنسا في القرون التالية، ولكن نواة الإمارة اللبنانية أطلقها الأمراء الدروز التنوخيون والمعنيون المتحدرون من قبائل عربية بمساعدة الموارنة، وشارك الموارنة الدروز، لاسيما منذ القرن السابع عشر، في الدفاع عن الكيان اللبناني، ومنذ أواخر القرن الثامن عشر حتى أوائل القرن العشرين، كان الدور الماروني هو الأبرز، إذ لولا مسعى الموارنة لبقي جبل مجرد موقع جغرافي، لا يتميز عن الجبال الأخرى في المشرق التي كانت هي أيضاً، والمناسبة ملاجئ للأقليات ولم تصبح كيانات منفصلة أو دولاً مستقلة، وبالفعل فبعد الحرب العالمية الأولى، فكرت فرنسا ملياً في مشروع إنشاء كيان علوي في جبل النصيرية، وكان درزي في جبل العرب جنوب دمشق، وكيان مسيحي في جبل لبنان، ولكن الحس الوطني ومقاومة المشروع الفرنسي في سوريا ربحا الرهان ضد المذهبية فذابت هذه الملاجئ في كيان دولة سورية الحديثة.

من جهة أخرى، فإن جبال المشرق ليست الهملايا، وليست لها المنعة لصد الغزوات العسكرية عبر التاريخ، وفي معظم الأحوال عندما شاء الصليبيون أو العرب أو غيرهم اجتياح مناطق مجتمعات الجبل، فإذا النجاح كان من نصيبهم، وعلى سبيل المثال جاء في كتاب الخوري بولس قرأ لي: وعلم الأمير فخر الدين أن في جبال العلويين قبيلة امتنعت في هضابها الوعرة وتحصنت في قلاعها الصليبية وعصت، فلا تقبل حاكماً غريباً ولا تدفع ضريبة، فقصد إليها بنفسه في السنة 1630 مع طول المسافة ومشقة الطريق قممها وتسلم قلاعها.

فجاء مقدموها صاغرين طائعين، كما شهد الدويهي والقنصل التوسكاني[8].

لم يجد إذ أمراء الحرب المحليون صعوبة في غزو مناطق بعضهم البعض في فترات النزاع، ورغم أن المعتقدات الدينية كانت أحد أسباب استيطان مجموعات عديدة في جبل لبنان، إلا أن الاقطاعيات التي قامت اخترقت الولاء الديني وأصبحت مختلطة طيلة  قرون، حتى حصول الشرخ الدرزي الماروني الكبير في القرن التاسع عشر، وتحديداً منذ العام 1825.

وإضافة إلى مفهوم الوطن الملجأ تطور في القرن العشرين مفهوم آخر هو الفكرة اللبنانية التي سعت إلى خلق إطار ثقافي اجتماعي تاريخي مستقبل للكيان اللبناني ويتأرجح هذا المفهوم بين المغالاة في فصل لبنان عن محيطة تماماً تاريخاً ومجتمعاً "راجع الفصل الثالث" والاعتدال في الطرح الذي يقول على سبيل المثال الأب يواكيم مبارك حول بلورة الفكرة اللبنانية، وتأطير نشأة لبنان منذ إمارة الجبل في القرن السابع عشر، وفي الربع الأخير من القرن العشرين اشتد النقاش بين المؤرخين اللبنانيين، وارتدى طابعاً طائفياً بعض الأحيان، ولكنه في معظم الوقت استند إلى أبحاث أكاديمية ووثائق تاريخية.

ويعتبر بعض المؤرخين اللبنانيين، كوجيه كوثراني وأحمد بيضون[9]، أن إمارة الجبل "كما أطلقها الأمير فخر الدين في القرن السابع عشر، لم تكن كيانا مستقراً ولا تكفي كحجة تاريخية لنشأة لبنان، ويقولون إن تمدد وتقلص الإقطاعيات الجغرافية كان يحدث مراراً في ظل السلطنة العثمانية، لا في الجبل فحسب، بل في المشرق العربي بمجمله، ويشرح كوثراني أن سلطة الأمير استندت إلى واقعين:

1 ـ واقع توازن قائم بين عصبيات عائلية وبيوتات عريقة، يؤدي إلى اختيار أحد أركان العائلات القوية أميراً قادراً على محورة العصبيات الأخرى حوله وضبطها، أو قمعها لمصلحة تحصيل الضرائب السلطانية، وتحقيق الأمن.

2 ـ واقع تكريس هذا الاختيار بفرمان سلطاني مركزي، يضفي الشرعية عليه وفق مفهوم الإقطاع وصيغة الالتزام والجباية في الإسلام، ويضيف كوثراني: هذه السلطة لا يتحدد إطارها الجغرافي سلفاً، فهي تتوسع بمقدار نجاح الأمير في وظيفته أي بمقدار ما يضم إلى نفوذه من عصبيات عائلية أخرى عبر التحالف أو عبر كسر شوكة هذه العصبيات وإدخال مقاطعاتها في فلك "التزامه" وجبايته للضرائب السلطانية[10].

يعتبر كوثراني أن أمير الشوف، الإقطاعية الصغيرة، استطاع أن يصبح الأمير الكبير أو بمنطق كتابنا هذا أمير أمراء الحرب، عبر ترؤسه لتحالف عصبي عائلي طائفي ضم بيوتات "نافذة" درزية ومارونية وشيعية وغيرها من البيوتات في مقاطعات عديدة في سورية ولبنان وفلسطين.

وإذا نوافق كوثراني على تشخصيه لدور أمراء الحرب "الملتزمين والمشايخ والعائلات القوية" ولكننا نختلف معه في تقليل شأن هؤلاء ودورهم بقيادة الأمير الكبير والعائلات القوية، ولكننا نختلف معه في تقليل شأن هؤلاء بقيادة الأمير الكبير في صنع حقيقة تاريخية هي استمرار الكيان اللبناني بعد انكسار قوة الجبل  العسكرية، ونجاح هذا الكيان في أن يصبح دولة عصرية بعد انهيار السلطنة العثمانية في القرن العشرين، في حين زال كل أثر لإقطاعيات محلية أخرى في دول المشرق.

إذ نزعم أن مساهمة أمراء الحرب، وعلى رأسهم الأمير الكبير في صنع التاريخ اللبناني، كانت أساسية ولم يكزن قيام الإمارة مجرد حدث محلي خارج السياق التاريخي العام، ومن الطبيعي أن يقوم مؤرخون ومفكرون في بلورة الهوية اللبنانية كما يفعل ذلك أي مجتمع في العالم.

ويبقى أن المفاهيم المتعددة حول الوطن الملجأ والفكرة اللبنانية والانتماء إلى المحيط الأكبر، إلخ تحمل مجتمعة أجزاء من الحقيقة.

 

أمراء الحرب

لعدة قرون قام الموارنة والشيعة والدروز بتأسيس مجتمعات محا ربة يقودها أمراء حرب وتشبه نظام إقطاعيات الساموراي في اليابان وأمكنة أخرى في أوروبا وآسيا، وتجدر الإشارة إلى أن مفهوم أمير الحرب لم يقتصر على جبل لبنان بل كان الظاهرة الأكثر انتشاراً في مجتمعات القرون الوسطى في أوروبا وآسيا[11]، فإلى الشمال من الإمبراطورية الرومانية المقدسة، طغت القبائل الجرمانية في مناطق شاسعة المساحات امتدت من حدود بولندا إلى نهر الراين ومن بحر البلطيق إلى جبال الألب، يحكمها أمراء الحرب kriegsherren في مقاطعات فاق عددها أحيانا الثلاثمائة "معظمها أصبح جزءاً من ألمانيا الحديثة" والجذر الألماني هو أصل العبارة الإنجليزية WARLORDS والفرنسية SEIGNEURS DE GUERRE ويلاحظ من الاستعمالات الأجنبية أن ترجمتها الفعلية هي سيد الحرب، إلا أن عبارة أمير الحرب غلبت في العربية، لأن كلمة أمير كانت الأكثر تداولاً في لبنان القديم، كما استعملها الكاتب غسان تويني في الربع الأخير من القرن العشرين للدلالة على زعماء ميليشيات الحرب التي ابتدأت في لبنان عام 1975[12].

 وكان لأمراء الحرب في لبنان عدة ألقاب، أهمها "أعيان" و"مشايخ" و"ملتزمون" و"مقاطجية" نسبة إلى الإقطاعات أو المقاطعات الصغيرة SEIGNEURIES حيث أشار طنوس الشدياق في أخبار الأعيان في جبل لبنان إلى وجود 24 مقاطعة من الكورة شمالاً حتى جبل الريحان جزين جنوباً تدير كل واحدة منها عائلات أمراء الحرب، وجراء تفكك هذه الإقطاعيات بفعل الوراثة، فاق عددها العشرات في القرن التاسع عشر، وعلى سبيل المثال تفككت إقطاعية الجرد وأصبحت تحت نفوذ 33 مقاطعجياً[13]، كما ذكر كمال جنبلاط جذور مشيخة عائلته في الشوف بأن إقطاعية آل جنبلاط امتدت من عاليه إلى الشوف، ولكن أملاكهم عام 1975 لم تتعد 35 هكتاراً إضافة إلى القصر[14].

وساهم في انتشار أمراء الحرب ضعف الإمبراطوريات وعجزها عن فرض سلطتها المباشرة، ونمو القوى النافذة وهو الوضع الذي طبع الإمبراطورية الإسلامية والصين والهند وبورما وحتى الجزر البريطانية بقبائلها المختلفة الإنغلوسكسونية[15].

هذا التطور التاريخي المنسجم مع أطروحة هذا الكتاب كان وراء صراعات طويلة في عدة مناطق جغرافية من العالم القديم في أوروبا وآسيا وشمال افريقيا، وتمخض عن ظهور الدول الحديثة.

وفي الحالة اللبنانية، فإن تضافر مجموعة عوامل تاريخية، أهمها كان من صنع أمراء الحرب أنفسهم، كان المنطلق لولادة الإمارة اللبنانية، ومن ثم الدولة اللبنانية.

وفيما يلي صفات أمير الحرب في لبنان قبل القرن العشرين، وقد ينطبق بعض هذه الصفات على أمراء الحرب في لبنان في أواخر القرن العشرين، وهذا ما سنعود إليه:

1 ـ إن أمير الحرب يمتلك سيطرة مستقلة كاملة على زمرة مسلحة قد يبلغ عديدها بضعة آلاف، تأتمر بأوامره وتمنحه اعترافاً شعبياً شبه شرعي، وقد يكون أمير الحرب قائداً عسكرياً فذا يقود المعارك بنفسه وقد يكون غير عسكري ولكنه يستحضر خدمات مهمة لجيشه الصغير من تمويل وأسلحة وعلاقات خارجية.

2 ـ إن أمير الحرب يتصرف باستقلالية في منطقة جغرافية معينة انسحبت منها السلطة المركزية في البلاد أو إن السلطة موجودة ولكن العسكر المركزي إما لا وجود له أو إن وجوده هو بأعداد قليلة عديمة الفعالية، ويقوم أمير الحرب بشن المعارك دورياً ضد أمراء الحرب المجاورين أو يجازف في مقاومة السلطة المركزية عسكرياً ليحافظ على مكانته ويجدد شرعيته بين الأهلين.

3 ـ يحاول الاستفادة قدر المستطاع من الفوضى السائدة بمهاجمة الكانتونات الأخرى بغية الغزو والنهب أو لتوسيع مساحة أراضيه، في حال ضعفت السلطة المركزية أو انهارت.

4 ـ قد يتهم بمصالحه الفردية فلا يقاتل من أجل مبادئ أخلاقية للجماعة، وقد يمثل أو يدعي أنه يمثل مصالح مذهبية أو مناطقية أو عشائرية.

5 ـ يستعمل العنف والقمع لتدعيم سيطرته ولذلك فهو لا يمتلك شرعية قانونية كتلك التي يمتمع بها الولاة المعنيون مباشرة من السلطة المركزية، بل يستمد سلطانه من مقدرته على فرض الضرائب والنظام عن طريق ممارسة العنف على الأهالي.

6 ـ يعتمد على كادر متين من الأشخاص المقربين ويغدق عليهم المكافآت من وقت لآخر وقد يعاقبهم بقسوة إذا حاولوا شق عصا طاعته.

7 ـ لا يهتم بإصلاح أو تغيير طبيعة الدولة الحاكمة فهو لا يجازف في التخلي عن قوته المحلية من أجل قيام دولة مركزية قوية.

وأمير الحرب هو مؤسسة متكاملة ببنية تحتية بشرية تشكل هرماً من أربع طبقات على رأسه أمير الأمراء أو "الأمير الكبير" والبنية التحتية هذه وجدت منذ قرون ولم تتغير في لبنان القرن العشرين:

1 ـ الأمير الكبير أو أمير أمراء الحرب، الذي يمد سلطته في الأقاليم ويواليه أمراء الحرب المحليون، ويمارس أمير الأمراء السلطة كدولة ضمن دولة إما بسبب وضع مستجد أخرج منطقته عن سيطرة السلطة المركزية، أو نتيجة تطور تاريخي معين سمح بنمو استقلال ذاتي.

2 ـ أمراء الحرب: وهم قادة يتخذون صفة القيادة العسكرية يواليهم الأفراد المسلحون في مجتمع المنطقة الجغرافية التي يسيطرون عليها، وعادة ما يوالون الأمير الكبير.

3 ـ التجار: وهؤلاء هم ممولو أمير الحرب وهم من أصحاب النشاط الاقتصادي، يستثمرون في أعمال العنف أو ينفقون مالاً لتحقيق السلم، وفي الحالتين وفقاً لمصالحهم الخاصة، وقد تلتقي مصالح التجار مع مصالح مجتمع الكانتون أو مع الكانتونات المجاورة فيصبح لدورهم صفة "وطنية" جامعة، وهؤلاء التجار يلعبون دورهم من وراء الكواليس، وفي أضعف الأحوال قد يبذلون الأموال لتجنب أذى أمراء الحرب الذين قد يهددون مصالحهم.

4 ـ الزعماء المحليون: وهؤلاء قد يكونون زعماء تقليديين أو رؤساء طوائف وعائلات أو شيوخ قبائل، يحركون أتباعهم لنجدة أمير الحرب أو للمساهمة في أعمال العنف التي يباشرها، وقد يتحلى هؤلاء بتجربة عسكرية سابقة أو قد يكونون قد شغلوا منصباً عاماً أو إدارياً في السلطة المركزية في السابق.

5 ـ الزمر العسكرية، وقد يكونون منصرفين تماماً إلى العمل العسكري أو أنهم يستدعون لشن غارات أو المشاركة في معارك، يتقاضون مقابل خدماتهم علاوة أو غنيمة أو مبلغاً معيناً، وقد يكونوا مرتزقة.

هذه البنية التحتية حققت فوائد جمة للمجتمعات التي سيطرت عليها، كالأمن الذاتي والاستقرار والحماية من الاعتداءات الخارجية وتأمين بعض الخدمات، وتشغيل الشباب في العسكري المحلي، ولا يصح القول إن البنية التحتية البشرية لأمير الحرب كان دورها سلبياً بالمطلق أو إيجابياً بالمطلق.

وكانت المجتمعات الجبلية في لبنان تتباهى بمظاهر الفروسية والقوة الجسدية الذكورية، فتطورت مع الوقت إلى مناطق إقطاعية يخضع كل منها لأمير حرب قد يكون رأس عائلة بارزة وغنية، وكان التعايش والسلم الأهلي، وليس الخلاف والتناحر، هما أساس العلاقات بين أمراء الحرب في جبل لبنان، حيث كانت المناوشات الأهلية والغزوات الخارجية تحدق في فترات زمنية متباعدة، كما طغى التنافس القبائلي والصراعات العائلية، ولكن هذا النوع من العنف كان غالباً في سائر مناطق المشرق والجزيرة العربية وليس محصوراً في الجبل، أما سبب ارتفاع وتيرة النزاع الأهلي وحدة العنف والقتال في لبنان فكان سببه دخول الأسلحة الحديثة من مدافع وأسلحة فردية ابتداء من القرن الثامن عشر.

استغرق دخول واستيطان الأقليات الدينية في جبل لبنان خمسة قرون وذلك في الفترة الممتدة من القرن السابع إلى القرن الثاني عشر، ولم يكن الجبل أرضاً عذراء بلا سكان قبل تلك الفترة.

فمنذ أقدم العصور لفت نظر الرحالة بأن الجبل كان دائماً مأهولاً بالسكان وحتى في الحقبة الفينيقية كان ثمة 50 قرية في الجبل تفصل بعضها عن بعض أحياناً مئات الأمتار، وهذا واضح من الأسماء الفينيقية القديمة التي احتفظت بها معظم قرى وبلدات الجبل، كما أن سكاناً أصليين عاشوا منذ فجر التاريخ في لبنان غير الذين هاجرون إليه من مناطق أخرى كالفينيقيين والعرب والفرس والترك وغيرهم.

أما بالنسبة للانتماءات الدينية، فهنا أيضاً، كان الأمر مزيجاً من هجرة جماعات دينية اعتنقت قبل قدومها إلى لبنان مبادئ المذاهب المارونية والدرزية والشيعية، أو قبائل محلية اعتنقت مبادئ هذه المذاهب الثلاثة، وتثبت استمرارية الحياة الاجتماعية في جبل لبنان حفريات أركيولوجية كشفت عن أبنية ومصطبات زراعية وجلول تعود إلى 5000 سنة في التاريخ، كما ذكرت مدونات لمؤرخين عاصروا حصار الاسكندر المقدوني لمدينة صور عام 333 قبل الميلاد، أن مقاتلين جبليين كانوا ينحدرون من الجبال المحاذية للساحل لمهاجمة الجيش المقدوني بغية تخفيف الوطأة عن الصوريين[16].

وفي الفترة من القرن الرابع عشر إلى القرن السادس عشر، بدأت الكانتونات القبلية تتبلور وتزدهر ضمن حدود باتت معروفة في جبل لبنان تحت حكم أمراء حرب لكل منهم زمرته العسكرية، فحفظ هؤلاء السلم الأهلي وفرضوا النظام العام وعاقبوا العصاة والمخالفين وحموا كانتونهم ضد الكانتونات الأخرى وجمعوا الجزية والضريبة باسم الحاكم الإقليمي التابع للإمبراطورية السائدة، وساهموا بالرجال والعتاد في حروب الإمبراطورية.

وبمقاييس المشرق، لم يكن لبنان مصدر ثروة كبرى، ولذلك لا يمكن المبالغة بأهمية الحكم الذاتي الذي تمتعت به هذه الكانتونات في ظل الامبراطوريات، إذ أن الامبراطوريات التي سادت في الشرق لم تكن تحتفظ بشكل عام بوجود عسكري دائم في المناطق الخاضعة لها، بل كانت تعين حاكماً إقليمياً، مكتفية بفرض الضرائب حسب مقدرة كل منطقة وقوتها الزراعية والتجارية والصناعية وعدد سكانها، وكان تسديد الجزية أو الضرائب أهم مظهر من مظاهر الولاء للسلطان، يليه الدعاء للسلطان أو الخليفة في أماكن العبادة بالنصر وطيلة العمر[17].

أما مدن الإمبراطورية الرئيسية والطرق الإستراتيجية والمناطق الحيوية فكانت تحت الحكم والإدارة والوجود المباشر للسلطة المركزية.

كان رباط جبل لبنان بالسلطة المركزية واهياً ففي الحقبة التركية العثمانية، تمتع جبل لبنان بحكم ذاتي ضمن الإمبراطورية، أسوة بمناطق أخرى في الدولة العثمانية مثل هنغاريا ورومانيا، كما أن إمبراطوريات ذلك الزمن كانت واسعة المساحة متعددة الإثنيات والديانات، ضعيفة الكيان بسبب صعوبة الاتصالات والافتقار إلى المعدات اللوجستية، فكانت الحكومات المركزية عاجزة عن فرض السلطة المباشرة عن كل مواطنيها في كل وقت وكل مكان، وكانت تنتدب أشرافاً أو أشخاصاً محليين ليقوموا بمهام الحكم، وكان هذا الحكم المحلي محدوداً، إذ كما سنرى كانت الحكومات المركزية ترسل حملات عسكرية تأديبية كلما تأخر تسديد الضرائب أو ظهر عصاة محليون أو فشل مندوبهم، أمير الحرب المحلي، في فرض النظام.

إن طبيعة جبل لبنان الوعرة في القرون الغابرة ومنحدراته الخطرة جعلت تنميته أمراً صعباً، فتخلف مجتمعه عن مجتمع الساحل حيث ازدهرت مدن صيدا وصور وجبيل وبيروت وطرابلس، وبات الجبل ابتداء من القرن الحادي عشر مرتعاً سهلاً وميدانا حراً لهيمنة أمراء الحرب الذين استفادوا من طبيعته للتمتع بح-كم ذاتي نسبياً حرمت منه المدن الرئيسة والطرب الإستراتيجية في المشرق التي خضعت مباشرة للسلطة المركزية.

ولكن هذه العزلة الجغرافية كانت سيفاً ذا حدين لأن الحكم الذاتي تحقق على حساب التنمية، فتعثر التطور الاجتماعي والثقافي والاقتصادي حتى أواخر القرن التاسع عشر، وفي بعض الأحيان حتى أواسط القرن العشرين وبالمقارنة كانت المنطقة الساحلية دوماً مزدهرة ومتطورة، اقتصادياً وثقافياً، منذ أن خاض أول مركب فينيقي عباب البحر في الألفية السابقة للميلاد، فيما فشلت بيئة الجبل القاسية، مناخياً وتضاريسياً واجتماعيا، في إنتاج ثروة كافية لرعاية حضارة ذات قيمة، ولقد بدأت معالم التطور في جبل لبنان تظهر، وراح الحكم الذاتي بنسبتيه المطلقة، ينحسر في القرن السابع عشر عندما جرت محاولات مشتركة قام بها أمراء الحرب الدروز والموارنة لتوحيد الجبل وتكبير مساحة الكيان على مرأى ومسمع من الحكومة العثمانية.

لم ينته نفوذ أمراء الحرب على شؤون الجبل عبر القرون، بل حافظ على استمراريته على مدى 1200 عام – أي منذ القرن السابع الميلادي وحتى 1843[18].

خلال تلك الفترة برزت ثلاث مجموعات مذهبية قطنت الجبل هي الدروز والموارنة والشيعة، وعلى هذا المقياس برز أمراء الحرب الشيعة[19] في المنطقة من القرن السابع وحتى 1306، في حين ساد أمراء الحرب الدروز حتى العام 1770 يليهم أمراء الحرب الموارنة حتى نهاية الحقبة، أي إلى 1843 أما السنة فلقد انتموا إلى ديانة الإمبراطورية الحاكمة خلال تلك الفترة وسكنوا في مدن الساحل خارج الجبل "صيدا وبيروت وطرابلس" أو في الداخل السوري المزدهر "دمشق وحلب" وكان الباب العالي يختار من زعماء السنة الولاة والباشوات على سناجق وولايات، فكانت سلطتهم الرسمية تفوق تلك التي تمتع بها أمراء الحرب، ذلك أنه مهما قيل عن ازدهار إمارات وإقطاعيات في الجبل فإنها كانت فاقدة الشرعية الإقليمية والدولية وكانت تستمد هذه الشرعية من مقدرتها على تسديد الضرائب إلى الوالي العثماني وضرب العصاة في مناطق نفوذها، وسنأتي على ذكر المسيحيين الأرثوذكس في الفصل الثالث.

 

أمراء الحرب الشيعة

بعد وقوع المشرق تحت الحكم العربي الإسلامي، صدمت الإمبراطورية الإسلامية سلسلة من الأزمات والصراعات الداخلية والاغتيالات[20]، ولم يستمر نظام الحكم الذي وضعه النبي محمد ومارسه الخلفاء الراشدون أكثر من أربعين عاماً، وانتهى عام 660 ليأخذ مكانه النظام الأموي الذي حكم المشرق انطلاقاً من دمشق حتى العام 750 وبعد ذلك سيطر العباسيون على الخلافة الإسلامية وحكموا الإمبراطورية انطلاقاً من بغداد، وفي العام 950، انفصل الفاطميون المنطلقون من تونس عن الخلافة العباسية وأسسوا خلافة جديدة في القاهرة، ثم وسعوا سيطرتهم على المشرق وخاصة في شقه الساحلي من شمال سورية إلى فلسطين.

مرت الديانة الإسلامية في عهد الخلفاء الراشدين بفترات عصيبة أدت إلى ولادة انقسام السني الشيعي الذي ما يزال مستمراً إلى اليوم، بدأ الصراع في صفوف القيادة الإسلامية حول الأحقية في المناصب السياسية بعد وفاة النبي محمد، وكان منصب خليفة رسول اللـه[21] هو الأكثر إثارة للجدل والخصام، ووقفت العائلتان الرئيسيتان في مكة، آل هاشم وآل أمية، على جانبي الصراع حول هذا المنصب ومعهم من يدعم موقفهم ويحارب من أجلهم وباستثناء أبو بكر الصديق، أو الخلفاء الراشدين، قضى عمر وعثمان وعلي اغتيالاً ورغم أن الانشقاق حول الخلافة كان سياسياً وبالإمكان معالجته، إلا أنه مع مرور الوقت تصلبت المواقف وبات كل طرف يتشدد في مطالبه.

وفي العام 660 بات من المستحيل إدارة حوار مثمر بين الحزبين، حيث تمترس بنو أمية بقيادة معاوية في سورية وساحل المشرق وتمترس بنو هاشم بقيادة الإمام علي في مكة "في الجزيرة العربية" والكوفة "في العراق".

وبعد اغتيال علي، وهو ابن عم النبي محمد، تبلور بشكل نهائي انقسام المسلمين ما خلق بيئة مسمومة أدت إلى ولادة معسكرين حزب علي "أي التشيع لبيت آل محمد أو لأهل البيت النبوي من بني هاشم" وحزب معاوية "أو بيت أمية" ومع الوقت أصبح المعسكرات مذهبين دينيين هما السنة والشيعة وليس مجرد حزبين سياسيين وفي العام 750، جعل العباسيون الإسلام السني ديانة الدولة الرسمية، في حين أسس خصومهم الذين اعتنقوا المذهب الشيعي ممالك إسلامية في مصر وتونس والمشرق والهضبة الإيرانية ووسط آسيا.

وتطور الانشقاق عبر القرون فدخل تفاصيل الحياة اليومية والمعتقدات والطقوس ولكن في حين انقسم السنة، وهم الأغلبية في الإسلام من حيث عدد الأتباع، إلى مدارس مذهبية قليلة جدا، تعرضت الأقلية الشيعية إلى انقسامات وانشقاقات بلغت عشرات الفرق، وفيما تعتبر بضع جماعات دينية نفسها ضمن الحظيرة الشيعية إلا أنها لا تحظى باعتراف الجماعات الشيعية الأخرى، بل تتهم بأنها فرق هرطوقية، وكذلك نظر الحكام السنة إلى الشيعة كمنشقين يسعون إلى قلب الدولة الإسلامية، ومن فئات الشيعة هناك الخوارج والجعفرية والاثنا عشرية والإسماعيلية والقرامطة والنصيرية "العلويون" والباطنية والزيدية والفاطمية والموحدون الدروز وجماعات أخرى، ويعتبر التقليد السني مجموع هذه الفئات من الهراطقة.

في الثلاثينيات من القرن السابع لجأ أبو ذر الغفاري، وهو من صحابة النبي محمد المقربين إلى جبل لبنان لاختلافه مع حكام مكة ودمشق في آن معاً، فأصبح جزءاً من تراث الشيعة في لبنان وموضع إجلال وتقدير، وخلال قرن من الزمن انتشرت في جبل لبنان قبائل شيعية تنتمي إلى المذهبين الجعفري والإسماعيلي وبدأت تمارس سيطرة فعلية على مناطق شاسعة.

ومع حلول العام 950 وظهور الخلافة الفاطمية في القاهرة، انتشر الشيعة في جبل لبنان حتى ساحل كسروان وجبيل وطرابلس وصيدا وصور ووادي البقاع ووادي نهر العاصي وجبل عامل وبلاد بشارة جنوب جبل لبنان وجبال النصيرية، ومنذ ذلك الوقت وحتى 1307 سكن الشيعة أيضاً في المناطق الساحلية للمشرق ومنها طرابلس والبترون وجبيل وكسروان وصيدا وصور، ولكن السيطرة الشيعية في جبل لبنان لم تصل إلى درجة إعلان ذاتها مركز قوى أو إمارة أسوة بمصر وتونس وشمال سورية وبلاد فارس، لأن الجبل في ذلك العصر لم ينتج قاعدة اقتصادية تذكر ولم يتمتع بعدد سكان وفير يسمح بتنظيم قوة عسكرية وإدارية فعالة في المشرق، ورغم طغيان عددهم إلا أن الشيعة كانوا مجموعة قبائل بتنظيم مشابه للقبائل الأخرى في الجبل.

وتجدر الإشارة إلى انتعاش إمارة شيعية في شمال سورية في تلك الفترة وذلك في حلب بقيادة بني حمدان وإمارة شيعية أخرى في طرابلس بقيادة بني عمار، ولم يظهر الدروز وهم شق من الشيعة الإسماعيلية، قبل القرن الحادي عشر في ظل الدولة الفاطمية.

عندما سقط ساحل المشرق في قبضة الصليبيين في بداية القرن الثاني عشر، كان جبل لبنان موطناً للشيعة والموارنة والدروز، ولم يتدخل الصليبيون إلا لماماً في شؤون الجبل، في حين مارس الموارنة والشيعة والتجار مع الإمارات الصليبية في طرابلس وصيدا وصور، مفضلين الحكم الصليبي على حكام دمشق من السنة، ولكن في نهاية القرن الثالث عشر، استطاع الأيوبيون السنة بقيادة صلاح الدين الأيوبي والمماليك السنة من مصر هزيمة الإمارات الصليبية في المشرق ووضع نهاية للخلافة الفاطمية الشيعية في القاهرة، وأكمل المماليك انتصارهم على الصليبيين بشن هجمات عسكرية قاسية على سكان جبل لبنان من الشيعة والموارنة، فيما كافأوا الدروز الذين أبقوا على اتصالهم بحكام دمشق إبان الفترة الصليبية ويشرح بعض المؤرخين أن العلاقات بين سكان جبل لبنان وحكام دمشق السنة لم تكن حميمية في تلك الفترة، ونتيجة لذلك، كان هجوم المماليك على الشيعة في لبنان مدعوماً بفتوى من الشيخ ابن تيمية، قاضي دمشق، وصاحب المؤلفات القيمة في التشريع الإسلامي.

وهكذا بدأت سلسلة غارات مملوكية ضد الشيعة والموارنة استمرت أكثر من عشرين سنة من العام 1283 وحتى العام 1306، أسفرت عن مقتل الآلاف من سكان لبنان، وفي الحملة الأخيرة التي قادها السلطان المملوكي الناصر قلاوون واستمرت 17 شهراً عامي 1305 و1306 بلغ عدد القتلى من الشيعة في كسروان وجبيل ومناطق أخرى في الساحل 15 ألفاً، في حين أجبر المماليك من بقي حياً على مغادرة المناطق المتاخمة للساحل والابتعاد إلى المرتفعات الباردة وإلى البقاع لمنع أي اتصال مع الصليبيين الذين كانوا يسيطرون على البحر وعلى جزيرة قبرص.

وباعتبار أن عدد سكان الجبل في بداية القرن الرابع عشر لم يزد عن مائة ألف نسمة، فإن المجازر التي ارتكبها المماليك بحق سكان لبنان كانت بمثابة محاولة إبادة، وبعد أن خلت مناطق الساحل والجوار تقريباً من سكانها الشيعة والموارنة وخلت المدن الكبرى من الصليبيين، بدأ المماليك عملية استيطان ديمغرافي فاستقدموا قبائل كردية وتركمانية من السنة لاستيطان الساحل وحماية الثغور من الصليبيين ومنع الشيعة من العودة وكان وقع حملة المماليك مماثلاً فلي مناطق شمال لبنان ضد الموارنة حيث قتلوا بضعة آلاف، وأخذوا البطريرك الماروني رهينة وفر كثيرون إلى جزيرة قبرص، حيث ما تزال فيها إلى اليوم بضع قرى مارونية.

بعد هذه الأحداث العاصفة، تضاءل عدد الشيعة في جبل لبنان وقاربوا الانقراض بسبب العدد المرتفع في القتلى، وتحول الكثيرين إلى مذهب السنة أو لجوء الكثيرين إلى مذهب السنة أو لجوء الكثيرين إلى الموارنة واعتناقهم لكي يبقوا على قيد الحياة ويتجنبوا التمييز الديني القاتل، وأفتوا باعتماد التقية وهكذا مع انتهاء العام 1306 انتهى دور الشيعة كفئة سائدة في جبل لبنان وابتعد من بقي منهم عن الساحل والمناطق السهلة المنال والمدن الرئيسة ويمكن مقارنة ما حصل للشيعة والموارنة بعد هزيمة الصليبيين في المشرق ونهاية الخلافة الفاطمية في القاهرة، بمصير المسلمين واليهود في الأندلس بعد سقوطها، ومصير اليهود في القرن العشرين في أوروبا، ومن الدلائل على بيئة التعصب في ذلك الوقت ما نجده في كتابات المؤرخ أسامة بن منقذ، الذي اتهم تجار بيروت الماكرين والغشاشين بأنهم شيعة يمارسون التقية[22] (ويقصد أن أي تاجر مخادع وطماع في بيروت في ذلك الزمن لابد أن يكون من الشيعة المتنكرين).

في القرنين التاليين، عاد الشيعة إلى الظهور بأعداد قليلة، وخاصة في تخوم الجبل والبقاع ووادي نهر العاصي وجبل عامل جنوباً، ولكن بدون أي نفوذ سياسي أو اقتصادي، لأن المماليك ومن بعدهم الأتراك أبقوا الشيعة تحت المراقبة ومنعوهم من النهوض.

وفي القرن السادس عشر، عاد بعض الشيعة إلى أراضيهم في كسروان فاستطاع التركمان السنة الذين اعتنق بعضهم الديانة المسيحية دفعهم نحو الجرود العالية حيث بقوا إلى اليوم.

وشجع التركمان موارنة شمال لبنان على القدوم والاستيطان، وكانت عودة السيطرة الشيعية على مناطق شاسعة في البقاع وجبل عامل ممكنة لأن المشاعر ضدهم بردت والثقة بعدم عودة الصليبيين تجذرت، كما أن شيعة لبنان بدأوا يتلقون دعماً وتشجيعاً من الدولة الصفوية في إيران اعتنقت مذهب الشيعة بتبشير من رجال دين شيعة من لبنان، وباتت تناهض السلطنة العثمانية وتأمل في دفع ملكها غرباً نحو المشرق.

ومنذ بداية الحقبة العثمانية في بداية القرن السادس عشر، استقر وضع الشيعة نسبياً في المناطق الجغرافية التي يقيمون بها اليوم، وكان أمراء الحرب الشيعة، آل حمادة في شمال البقاع (بعلبك والهرمل) وآل الصغير وشكر ونصار وشكر في بلاد بشارة وجبل عامل في جنوب لبنان يثيرون المشاكل في وجه الحكام العثمانيين المحليين الذين كانوا يدفعون أمراء حرب آخرين لمهاجمة الشيعة.

وأصبح جبل عامل هدفاً للمهاجمين بسبب سهولة مواصلاته وازدهاره النسبي مقارنة بمناطق آل حمادة الوعرة والأقل تطوراً في مناطق الهرمل وبعلبك وجرود جبل لبنان.

فكان حكام صيدا وعكام العثمانيون يهاجمون شيعة جنوب لبنان مروراً لقمع طموحاتهم.

وفي القرن الثامن عشر، وكأقلية مضطهدة أيد الشيعة جهداً عربياً مشتركاً من الحكم التركي العثماني، ورغم أن الشعور القومي كمفهوم ظهر في أوروبا في القرن التاسع عشر ولم يعتنقه المفكرون العرب والترك إلا بعد ذلك، فإن الأقليات الأثنية والدينية في ظل الامبراطورية العثمانية الواسعة أقامت تحالفات على أساس قضايا مشتركة كاللغة والعرق والمذهب، وكان الشيعة في لبنان يفخرون بأصولهم العربية وتاريخ بني عاملة[23].

وثمة جذور تاريخية للنزعة نحو مناهضة الحكم العثماني في الجبل، إذ لطالما شكا الموارنة والدروز والشيعة، وجلهم من العرب، من الحكم العثماني منذ بدايته عام 1516، ولقد وقف الشيعة وقفة تاريخية عام 1760، عندما التحقت زمرة شيعية يقودها أمير الحرب ناصيف النصار من جبل عامل بجيش يوسف شهاب، أمير جبل لبنان، الذي ضم الدروز والموارنة، في حلف مع أمير شمال فلسطين ظاهر العمر، في حرب ضد سيطرة السلطنة العثمانية.

وطبعاً لم يكن ممكناً لهذه الفئة الصغيرة أن تواجه الامبراطورية، بل إن هؤلاء المتحالفين، من لبنان وفلسطين، كانوا يأملون أن تنجح الحملة المصيرية آنذاك بقيادة والي مصر علي الكبير في إقصاء السيطرة العثمانية[24].

ولكن والي عكا البشناقي الأصل أحمد باشا الجزار سحق التمرد الشيعي قرب صيدا وأتبع ذلك بغزو مناطقهم في جبل عامل وحرق مدارسهم العلمية والدينية وخاصة في بلدتي جزين وجباع، وصادر مئات الكتب والوثائق الدينية والعلمائية وأمر باستعمالها وقوداً في أفران عكا إمعاناً في إذلال الشيعة، ولكن الهجوم المصري لم يتوقف، إذ هاجمن علي الكبير دمشق فيما هاجم تحالف يوسف شهاب بيروت بمعونة الأسطول الروسي كما سنرى في الفصل الثالث، ولم يتحرك الشيعة ومجدداً بشكل لافت إلا عام 1838 لمساندة الدروز ضد الاحتلال المصري لجبل لبنان[25].

 

أمراء الحرب الدروز

قاد الدروز المرحلة الثانية في تطور جبل لبنان ككيان سياسي، منذ العام 1306، إذ باكراً في القرن الحادي عشر، استقر الدروز في وادي التيم وجبل الشوف وحققوا مع الزمن نجاحات لم يحققها الشيعة، ومن بقعة الشوف الصغيرة وسعوا نفوذهم على كافة مناطق الجبل وامتدوا في عهد الإمارة المعنية إلى مناطق عديدة في المشرق وصلت إلى حلب شمالاً وصفد والجليل جنوباً، ويعود أصل الدروز إلى الشيعة الاسماعلية وإلى مصادر صوفية في الإسلام.

ففي القرن العاشر، انتصرت فرقة اسماعيلية تعرف بالفاطمية في شمال افريقيا وأسست خلافة جديدة تمتد من تونس إلى القاهرة، وخلال فترة وجيزة استطاع الفاطميون ضم ساحل المشرق وجبل لبنان حيث أقامت بضع قبائل تدين بالمذهب الشيعي الاسماعيلي.

وفي العام 996، تبوأ الحاكم بأمر اللـه، وله من العمر 11 سنة، منصب الخليفة الفاطمي في القاهرة، وخلال سنوات بدأ التبشير بمذهب الموحدين فتبعه الكثيرون من سكان لبنان، وأصبح هؤلاء عرضة لاضطهاد السلطات السنية في دمشق.

وللدفاع عن مناطق نفوذهم في المشرق أرسل الفاطميون حملة عسكرية بقيادة أنشتكين الدرزي[26] الذي أقام معسكره في وادي التيم في جنوب لبنان، وعام 1029 انتصر انشتكين على قوة عسكرية من دمشق في معركة سميت "الاقحوانة" نسبة إلى قرية تقع على بحيرة طبرية في شمال فلسطين، وترك الانتصار في هذه المعركة أثراً إيجابياً في وجدان طائفة الموحدين وفخراً في قلوبهم، فنظروا إلى انشتكين الدرزي بوقار وتبجيل، ومنذ ذلك الوقت أطلقوا على معتقدهم اسم مذهب الدرزي وأتباعه الدروز.

في العام 1021، اختفى الخليفة الحاكزم بعد خروجه في رحلة إلى جبل المقطم شرق القاهرة، ولم يتردد ابنه الذي خلفه عن إصدار الأوامر بمطاردة الدروز وقتلهم في لبنان، ولحفظ حياتهم من خطر الموت، اعتمد الدروز مبدأ التقية وأخفوا ديانتهم عن عموم الناس، وأصبح المذهب الدرزي يعرف بأنه دين مخفي حتى اليوم وبأن باب الدعوة قد أقفل .

ولكن يمكن الافتراض أنه حتى لو عرفت تفاصيل المذهب الدرزي فإنها لم تشكل مفاجأة، وذلك لأن المذهب الدرزي يستند أساساً إلى مبدأ التوحيد ويجمع ما بين الدين الإسلامي "إذ يمارس الدروز بعض الطقوس الإسلامية ويحتفلون بمناسبات إسلامية" والفلسفات الأخلاقية والمدارس الصوفية التي انتشرت في الشرق الأوسط، والغنوصية المسيحية، ويعتبر كمال جنبلاط أساطنة الإغريق كسقراط وأفلاطون من المساهمين في هذا المذهب، وأن المعرفة فضيلة فهي تؤدي إلى معرفة الخير والسعي إليه، في حين الجهل إلى التخبط وربما السعي إلى الشر.

ولذلك يدعى رجل الدين الدرزي ليس شيخاً فحسب بل شيخ عقل نسبة إلى أهمية العقل والتعقل في الدرزية التي تصنف المجتمع إلى عقال وجهال، كما يضفي المذهب الدرزي هالة قدسية على الخليفة الفاطمي الحاكم ويشارك الشيعة في تبجيل الإمام علي بن أبي طالب، ويعتبر كمال جنبلاط من الضليعين في الفقه الدرزي، وقد أضاف إليه من أبحاثه واهتمامه في الفلسفات، الهندية التي اعتبرها مصدراً من مصادر الدرزية[27].

في بداية عهدهم في لبنان، انتشر الدروز في وادي التيم جنوباً وحتى تخوم جبال طوروس في شمال سورية، ويقيمون اليوم في الشوف ووادي التيم وحاصبيا في لبنان وفي جبل العرب والسويداء جنوب دمشق وفي الجليل في إسرائيل إضافة إلى جماعة صغيرة في المملكة الأردنية الهاشمية وجنوب تركيا.

في الفترة من 1306 وحتى 1516، حكمت الشوف عائلات أمراء الحرب الذين هادنوا الحكم المملوكي ومباشرة إلى الشمال من منطقة النفوذ الدرزية، انتشر التركمان يقودهم بنو عساف الذين اعتنق بعضهم الديانة المسيحية وتمركزوا في كسروان حيث أقامت قبائل من الموارنة وكان أمراء الحرب الموارنة من آل حبيش يتمتعون بعلاقات حسنة مع بني عساف.

في هذه الأجواء دخل الأتراك العثمانيون إلى الشرق الأوسط عام 1516 واحتلوا خلال سنوات المشرق والعراق ووادي النيل والجزيرة العربية وشمال افريقيا وكان هذا التحول الكبير بداية مرحلة جديدة في لبنان عرفت بحقبة أمراء الجبل الدورز والموارنة والتي امتدت، كما ذكرنا، حتى العام 1843، وكان الدروز هم أول من طور مفهوم الكيان اللبناني، ففي القرن السابع عشر، وفي ظل الأمير فخر الدين المعني، برز جبل لبنان كقوة ضاربة في الشؤون الإقليمية.

وكان معظم سكان الجبل من الناطقين باللغة العربية خاصة بعد وفود قبائل من الجزيرة العربية والعراق إلى لبنان من القرن الثامن وحتى القرن الثاني عشر، وبعد اعتناق بعض السكان للمذاهب الإسلامية، وفخر أمراء الدروز بانتسابهم إلى قبائل عربية مهمة في شمال سورية والعراق والجزيرة العربية، حيث استمروا إلى اليوم ينطقون بلهجة قريبة إلى الفصحى لاسيما في لفظ الأحرف الصعبة كحرف القاف.

في القرن العاشر نزح آل تنوخ من العراق إلى لبنان، وعام 1056 حلّ آل شهاب السنة في وادي التيم وعلى سفوح جبل لبنان من ناحية البقاع، كما استوطن آل معن الدورز في الشوف في قرية بعقلين عام 1120، واستطاع المعنيون والشهابيون بناء إمارة في جبل لبنان استمرت قروناً، وتمددت أو تقلصت جغرافياً، حتى أفلت عام 1843، وكان أبرز أمراء لبنان فخر الدين ابن قرقماس بن معن، وبشير شـهاب.

في القرن السادس عشر، قسم العثمانيون المشرق إلى ثلاث ولايات إدارية هي حلب ودمشق وصيدا، أشرف على كل منها حاكم عثماني تختاره السلطة مباشرة من أمراء الحرب التركمان، أو الأكراد من السنة، وتوزعت هذه الولايات أجزاء من لبنان فكان البقاع من حصة دمشق، والمناطق إلى الشمال من بيروت من حصة ولاية حلب، أما صيدا وجبل عامل وجبل لبنان جنوبي بيروت فمن نصيب والي صيدا.

وعين الولاة العثمانيون أمراء الحرب المحليين كجباة ضرائب وأعيان "من جمع عين السلطة" أي مراقب، لفرض الأمن والنظام فأصبح بنو سيفا وهم من السنة التركمان، مشرفين على طرابلس وعكار وبنو عساف من السنة التركمان على كسروان وساحلها وصولاً إلى بيروت.

وتبع الساحل إلى الجنوب من بيروت لوالي صيدا، أما مناطق الجبل البعيدة عن الساحل فكان أمراء الحرب المحليون، من أصول عربية، أعياناً و جباة للوالي العثماني، وتميزت منطقة الشوف عن غيرها من المناطق بلعب دور الرئيسي والحاسم في تحديد مستقبل لبنان منذ ذلك الوقت.

وأسبغ دور أمراء الحرب كأعيان وجباة ضرائب على مناطق الجبل نوعاً من اعتراف رسمي بسلطتهم التي كانت ذات أساس قبلي فيما مضى واتصف القرن السادس عشر بالتعاون السلمي بين أمراء حرب الجبل والولاة العثمانيين المحليين، خرقته حركات عصيات درزي وشيعي بين الفينة والأخرى.

وللرد على حالات العصيان، شن الولاة العثمانيون حملات تأديبية عسكرية مكلفة ضد الشوف وجبل عامل، وفيما واجه جبل عامل القمع العسكري العثماني القادم من جهة صيدا، كان الشوف محاطاً بالأعداء من كل الجهات: وحدات الانكشارية النظامية من عكا عبر صيدا وبني عساف من بيروت وكسروان، وبني سيفا في عكار، وفرق الانكشارية من دمشق عبر البقاع، وهاجم هؤلاء إقطاعات الدروز والشيعة طيلة القرنين السادس عشر والسابع عشر، كما ضايق بنو عساف الدروز مراراً من موقعهم المحصن في بيروت.

في العام 1584، أدى تآمر أمراء الحرب من أعداء المعنيين إلى تدهور خطير في وضع الدروز، إذ في ذلك العام تعرضت قافلة محملة بالضرائب للنهب في طريق ساحل عكار، وكانت القافلة تنقل أموالاً لتسلمها إلى الخزينة العثمانية في اسطنبول، فكان حادث النهب موضع اهتمام مركزي من السلطنة واستغل بنو سيفا، يقودهم يوسف سيف، الأمر واتفقوا مع منصور الفريخ أمير حرب البقاع والجليل ونابلس على اتهام الدروز.

ووسط هذا الإجماع المعادي اقتنع الباب العالي بحجج سيفا وفريخ وأمر والي مصر بشن حملة تأديبية على الدروز لاسترداد مال الدولة وحضرت كتيبة مصرية إلى لبنان فلجأ قائدها إلى الحيلة أولاً ووعد الدروز باللين إذا سلموا أسلحتهم، وما إن سلموا معظمها حتى هاجمت القوة مناطق الدروز بشراسة، ولم يفلح تحالف الشيعة مع الدروز في التصدي للحملة إذ تمكن المصريون من قتل الكثيرين ومنهم الأمير قرقماس المعني[28].

ولقي مصرع الأمير قرقماس تعاطعاً كبيراً في أوساط سكان الجبل وغضباً متجدداً على يوسف سيفا، فزاد مقتله من شعبية آل معن في الجبل وأفسح الطريق لابنه فخر الدين[29] لاعتلاء كرسي إمارة الشوف بعد خمس سنوات مدعوماً من أمراء حرب الجبل عام 1590.

وفخر الدين هو أعظم أمراء الجبل[30] ونحتاج إلى تفصيل أعماله وعلاقاته بأمراء الحرب وبالدول الأوروبية، بسبب دوره في بناء الإطار الجغرافي والاجتماعي للبنان الحديث في القرون التالية، رافق اعتلاؤه كرسي الإمارة انحسار الغضب العثماني على الدروز، وتجدد الحاجة إلى أمير معني يضع حداً للمشاكل وحالات العصيات ويفرض الأمن، بعدما تولى الشوف بعد مقتل قرقماس خال فخر الدين، الأمير سيف الدين بن تنوخ، وبعد توليه الإمارة أقسم فخر الدين أنه سينهي تهديدات أمراء الحرب المجاورين أمثال بني سيفا والفريخ ويعزز دفاعات إمارته لمنع تكرار الحملة المصرية عام 1585، وفي الفترة الممتدة من 1590 وحتى 1608، وسع الأمير منطقة نفوذه وبنى إمارة قوية تمددت خارج الجبل إلى مناطق سورية وفلسطين.

فعام 1592، مر والي دمشق الجديد مراد باشا بصيدا فقصده فخر الدين، وهو لا يزال فتى، وشرح له ظروف الإمارة ومؤامرات الفريخ وسيفا واعتداءاتهما على أراضيه، فما إن وصل مراد إلى دمشق حتى أمر بإعدام الفريخ ورد الاعتبار إلى إمارة فخر الدين ومنحه مدينة صيدا، التي انتقل إليها فخر الدين وجعلها عاصمته، ولكن يوسف سيفا كمن ست سنوات حتى انتقل مراد باشا إلى ولاية أخرى، فزحف بقواته لضرب إمارة فخر الدين، واستعد هذا الأخير فأغار على بني عساف الموالين لسيفا وطردهم من بيروت ثم لحق فلولهم وهزمهم شمال بيروت، وهناك أقام كميناً، لقوات سيفا في وادي نهر الكلب الضيق وانضم إليه حلفاؤه من آل شهاب وحرفوش ومقدمي جبيل، فمنع آل سيفا من التقدم نحو بيروت لعدة شهور ثم انسحب منها، ولكن يوسف سيفا انتقم من حلفاء فخر الدين فأغار على مقدمي جبيل وشيعة البقاع عام 1601، فواقعه فخر الدين في جونيه عام 1605، وهزمه وانتزع منه نهائياً كسروان والفتوح[31].

وكان يوسف سيفا ومعه الولاة العثمانيون في دمشق وحلب يعبرون عن قلقهم الدائم من تحرك الدروز في جوارهم، إذ أن إمارة درزية في جوار حلب، يقودها آل جانولاد "جنبلاط" الأكراد باتت تسيطر على مدن داخلية هامة شمال حلب هي عينتاب ونصيبينو وكيليس[32].

وكان آل جانبولاد بقيادة علي جانبولاد وأخيه حسين، يثيرون القلاقل بوجه والي حلب، مثلما كان الأمير فخر الدين يثير المشاكل بوجه والي دمشق ويوسف سيفا، كما أن علي وحسين جنبلاط قد سيطرا على حلب وامتد نشاطهما العسكري على مساحات واسعة، من الموصل في شمال العراق عبر منطقة الجزيرة ونهر الفرات شرقاً، وجزيرة قبرص لدعم الوجود التجاري الإيطالي غربا، ولتطويق يوسف سيفا، حالف فخر الدين آل جانبولاد، فشكا سيفا تحركات الدروز[33] إلى الباب العالي وحصل على ضوء أخضر لمهاجمتهم، فكانت معارك قرب حماة ودمشق بين الطرفين.

كانت أوروبا

تتابع أحداث المشرق باهتمام، وأحياناً تقدم الدعم والسلاح لأمراء الحرب العرب، وكان فردناند الأول دي مديشي أمير توسكانا قد أشهر عداءه للسلطنة العثمانية بسبب سياستها الساعية إلى إنهاء النفوذ التجاري الإيطالي القديم في شرق المتوسط، إذ أسست إمارات البندقية وبيازا وتوسكانا في أيام الصليبيين علاقات تجارية متينة مع المشرق ابتداء من العام 1110، وهي علاقات احترمها المماليك طويلا، تاركين للطليان حرية التحرك طالما احترموا النظام العام ودفعوا الرسوم، ولكن مع وصول الأتراك إلى المشرق عام 1516، احتاجت اسطنبول مراضاة دول أوروبية أخرى كفرنسا التي حتى ذلك الوقت، لم تدعم تحركات العصاة ضد العثمانيين ما أكسبها امتيازات عديدة في ديار السلطنة.

وأثارت السياسة التجارية التي اتبعها الباب العالي غضب الإمارات الإيطالية لأنها أنهت احتكار الطليات لتجارة الحرير والتوابل والبضائع الأخرى مع المشرق[34]، وزاد الأمر تدهوراً إقفال السلطات العثمانية في الفترة من 1605 إلى 1615 محطات التجارة القديمة التي أقامها الطليان في قبرص، بعدما أصبحت لجزيرة جزءاً من السلطنة.

أمام هذا الوضع المتأزم، وجه الطليان اهتمام إلى الثورات المحلية وأعمال الشغب ضد الأتراك، وخاصة سياسات فخر الدين وآل جانبولاد التي كانت تؤذي الباب العالي وتفيد الإمارات الإيطالية، فأرسل فردناند دي مديشي سفراء عام 1607 وقعوا اتفاقات تجارية ذات مضمون عسكري مع علي جانبولاد، ولدى هزيمة هذا الأخير أمام جيش عثماني طرده من حلب، أرسل فردناند بعثة ثانية إلى فخر الدين لتوقيع اتفاقات مماثلة فبدأ الأمير تنفيذ المعاهدة وفتح مرفأي بيروت وصيدا لكافة الإمارات الإيطالية، تعويضاً لها عما خسرته من تجارة في المشرق.

وكان الطليات متشوقين لدعم أعمال الشغب والعصيان ضد الحكومة العثمانية، فدعموا بالسلاح حملات فخر الدين في عيندارة وأماكن أخرى، ومدوا الموارنة والدروز بأسلحة صنعت في البندقية، كان تهريبها إلى لبنان يتم عبر المحطة التجارية البندقية في قبرص.

ووصلت آلاف البنادق إلى أمراء الحرب في لبنان والمنطقة، فيما وعدت توسكانا الدروز بأنها ستكون معهم في حال تعرض مناطقهم للغزو، ولم تكن الحكومة في اسطنبول غافلة عن أحداث جبل لبنان وحلب، ولم يرق لها استعمال فخر الدين للمدن الساحلية لتوسيع علاقاته مع الإمارات الإيطالية فطلبت من والي دمشق أن يضع حداً لنفوذ آل معن.

وكان فخر الدين مستعداً لهذا الاحتمال، فاشتبك رجاله مع عسكر الانكشارية وهزمهم في عيندارة في أعالي الشوف عام 1609.

وعام 1610، بات فخر الدين يسيطر على بيروت وصيدا والشوف وكسروان وصفد والجليل[35]، ويوسع اتصالاته مع الطليان ومنهم قزما الثاني دي مديشي والبابا بولس الخامس حيث تطور تفكير الطليان إلى محاولة إزاحة الأتراك عن المشرق وعودة الممالك الصليبية إلى فلسطين وقبرص، ومع انتهاء عهد مراد باشا الصدر الأعظم وصديق الأمير عندما كان والياً على دمشق، عاد التآمر ضد فخر الدين فنزع منه الصدر الأعظم الجديد، نصوح باشا سنجقي حوران وعجلون فيما بدأ والي دمشق، أحمد الحافظ بمضايقته.

وفي العام 1613 حاول فخر الدين استعادة ملكه في تلك المناطق، فأمر الصدر الأعظم بتجريد حملة كبيرة ضد لبنان، في ذلك الوقت باتت السلطات العثمانية مقتنعة بأن سياسة فخر الدين إنما هدفت إلى التآمر لإقصاء السلطنة عن المشرق.

فظاهرياً بدا فخر الدين مطيعاً للسلطة، يدفع الضرائب بانتظام ويعامل الرسميين العثمانيين الذين يزورونه باحترام وتبجيل ويحلف باسم السلطان ويواليه، ولكن اتصالاته الأوروبية النشطة كانت مريبة، والاعتداءات على فرق الانكشارية في مناطق نفوذه كانت ازدياد، في حين كان مسعاه إلى تقوية شوكة المسيحيين الشرقيين وتشجيع تكاثرهم في لبنان لا يتوقف.

وفيما كانت الهجوم في أوجه والدعم العسكري الإيطالي لم يحضر، رأى فخر الدين دفاعاته تنهار أمام الإنكشارية فأمر معاونيه برفع الراية البيضاء حقناً للدماء وفرّ إلى إيطاليا عبر مرفأ صيدا، مع معاونيه وأفراد عائلته، ووصل إلى ليفورنو، مرفأ إمارة توسكانا في تشرين الثاني/ نوفمبر 1613 حيث اقام في قصر في فلورنسا عاصمة توسكانا ضيفا على الأمير قزما دي مديتشي وسعى هذا الأخير إلى عقد لقاءات بين فخر الدين وشخصيات أوروبيا بغية أوروبية بغية الاتفاق على تجريد حملة عسكرية يترأسها الأمير تعيده إلى وطنه وتساعد الأوروبيين في احتلال فلسطين وقبرص، ولكن تجهيز هذه الحملة كان يحتاج إلى سنوات في حين كانت القوى الأوروبية فاقدة الإجماع على مثل هذا الأمر.

استمرت إقامة فخر الدين في إيطاليا خمس سنوات، متنقلاً بين فلورنسا ونابولي وباليرمو عاصمة جزيرة صقلية التي كانت تابعة للعرش الأسباني، وجزيرة مالطا، وتمتعت قضيته بدعم وتعاطف أوروبي واسعين، وسرت شائعة في أوروبا أنه من الفرسان الصليبيين الذين هربوا من المشرق ضحية الظلم العثماني، حيث كان ظهور مثل هؤلاء الفرسان في أوروبا يحدث مراراً، خاصة أنهم كانوا يتجمعون في جزيرة مالطا، وتواترت في أواسط أمراء جنوب أوروبا رواية تقول إن الدروز هم أحفاد قائد صليبي من الفرنجة بقوا في المشرق، وإن أمير الدروز هو حفيد COMTE DE DREUX الذي ازدهرت إمارته في الشوف منذ الحقبة الصليبية[36].

كان الباب العالي بحاجة إلى بادرة حسن نية تجاه الدول الأوروبية، فصدر فرمان بإعادة الاعتبار للأمير فخر الدين والسماح بعودته إلى دياره عام 1614، إلا أن الأمير لم يعد إلا في أيلول سبتمبر/ عام 1618، بعدما تبوأ محمد باشا منصب الصدر الأعظم في اسطنبول بدل نصوح باشا، وكان فخر الدين مشبعاً بأفكار النهضة الأوروبية من عمران وثقافة وانفتاح، وأكثر تصميماً على بناء إمارته، وعلم أن يوسف سيفا استغل غيابه في إيطاليا، فاستولى على كسروان وحاول احتلال الشوف مركز الإمارة وبعد أشهر من عودته إلى لبنان عقد فخر الدين تحالفات مع أمراء حرب الجبل من دروز وموارنة وشيعة سمحت ببناء قوة عسكرية "بلغ عدد أفرادها حسب بعض التقديرات المبالغة 25 ألفاً وربما كان النظامي منها لا يزيد عن بضعة آلاف[37] وهاجم الأمير آل سيفا في كانون الأول /ديسمبر من نفس العام ثم واصل حملته إلى طرابلس وعكار، فهزمهم وهدم قصور زعمائهم، وبعد هذه الحملة، ضم بيروت وكسروان والسفوح الشمالية من بشري حتى عكار، موحداً للمرة الأولى معظم الجبل تحت الإمارة اللبنانية، وعلى الصعيد الاقتصادي، استفاد فخر الدين من نصح المستشارين والمهندسين الطلبات وأطلق مشاريع عمرانية في بيروت وصيدا على الطراز الإيطالي، كما اتخذ قراراً تاريخياً غير مسبوق، بجعله بيروت وصيدا عاصمتي الإمارة.

وكان فخر الدين الذي تقدم في السن والخبرة يحذر من تكرار مغامراته العسكرية الفاشلة التي خاضها على أمر تدخل إيطالي مباشر ضد السلطنة، ولكنه سعى لاستعادة ما فقده أثناء سفره، وغلب عليه والي دمشق الذي سيطر على وادي البقاع، فقاد فخر الدين قوة عسكرية من أربعة آلاف رجل في تشرين الثاني/ نوفمبر 1623 وهزم جيش مصطفى باشا والي دمشق في عنجر وأوقع الوالي في الأسر ثم أطلقه، واستغل فخر الدين غضب الباب العالي على يوسف سيفا لتأخره في تسديد الضرائب، فدعم الحملة العثمانية ضد آل سيفا، وعندما توفي يوسف سيفا في تموز /يوليو 1625 بعد حكم استمر أكثر من أربعين عاماً، سارع الأمـير لاحتلال طرابلس وهزم أبناء سيف وضم قلاعهم وحصونهم في عكار وحمص.

وكان التفاهم بين فخر الدين والسلطنة يقضي أن يحكم إمارة جبل لبنان باسم الباب العالي وليس ضده، وأن يدفع الضرائب ويحفظ الأمن كما يتوقع من خدام السلطنة المطيعين أن يفعلوا وأن يوالي سياسة الباب العالي الخارجية ولا يقيم علاقات جانبية مع الدول الأوروبية.

ولئن قام فخر الدين بالدور الذي رآه العثمانيون، فلقد أسبغوا عليه شهادة جديدة بتأكيده حاكماً على الأراضي التي يسيطر عليها[38] فبسط فخر الدين حكم إمارته على كافة المناطق من جوار حلب وجبال العلويين إلى فلسطين جنوباً وتدمر شرقاً كما ضم طرابلس عام 1627، فنشط تجارتها وصناعتها، وفي تلك الفترة أفل نجم آل جانبولاد في شمال سورية، حيث قامت فرق الانكشارية النظامية عام 1625 بطردهم وإنهاء إمارتهم في المنطقة وحتى لا يتعرض آل جانبولاد للفناء الكامل، لجأوا إلى حليفهم فخر الدين الذي رحب بهم ومنحهم أراضي في الشوف فكانت أولى مراكزهم مزرعة الشوف والمختارة.

ولم تتوقف اتصالات فخر الدين مع الإمارات الإيطالية التي كانت ترغب في عودة مملكتي القدس وقبر الصليبيتين، فتراسل مع أمير صقلية والبابا أوربانوس الثامن وأمير توسكانا وجدد علاقاته التجارية وتبادل السفراء واستقدم الخبراء الطليات في الهندسة والصناعة والزراعة وبناء القصور والقلاع.

وبدا عام 1629 وكأنه سلطان ثان ضمن السلطنة وكانت الحكومة العثمانية في تلك الفترة تزمع على توقيع مهمة مع الدول الأوروبية، فأوغر الوشاة صدر السلطان مراد الرابع ضد الأمير التي أمر بإرسال حملة كبرى لتأديبه بقيادة والي دمشق عام 1633، وكان عديد القوة العثمانية المهاجمة أربعة أضعاف عديد قوة فخر الدين، فحاول فخر الدين كسب الوقت ريثما تصل المعونة الإيطالية، فقدم لوالي دمشق المال وتنازل عن بيروت وصيدا، إلا أن المساعدة الإيطالية لم تصل ولقي جيش الأمير الهزيمة ووقع فخر الدين أسيراً وسيق إلى اسطنبول.

لم يضيع والي دمشق وقتاً بعد سيطرة الانكشارية على إمارة جبل لبنان، بل سارع إلى تعيين علي علم الدين لحفظ الأمن والنظام ولجباية الضرائب باسم السلطان، فقاد آل علم الدين حملة ضد المعنيين وحلفائهم وقتلوا شخصيات بارزة من آل معن وآل بحتر وبينهم أخوال فخر الدين، وإذ بز علم الدين رجال الانكشارية في القضاء على سلطة فخر الدين، عينه الوالي جابي ضرائب ولكن بدون السلطة السياسية و الأمنية بانتظار قرار من الباب العالي حول مصير فخر الدين، ولكن الجبل انفجر بأعمال الشغب أمام استفزازات عسكر الانكشارية وآل علم الدين وأعوانهم.

في تلك الأثناء استطاع الأمير الدفاع عن نفسه دفاعاً بليغاً في اسطنبول، فعفا عنه السلطان وساهم في هذا العفو أنباء عن اشتعال الموقف في جبل لبنان بين أتباع فخر الدين والانكشارية ومن عاونهم من أمراء الحرب المحليين فاقترح الأوروبيون وبعض الإداريين العثمانيين أن من الأفضل لجبل لبنان أن يعود فخر الدين إلى منصبه.

ولكن خبر قرب إطلاق سراح الأمير لم يصل إلى لبنان في الوقت المناسب، إذ كان آل معن ينظمون انتفاضة بقيادة الأمير حسين بن فخر الدين والأمير ملحم ابن أخيه يونس فطوقوا هؤلاء الانكشارية في الجبل وقادوا حملة على بيروت، ولم يستسغ السلطان هذا التصرف فأمر بإعدام فخر الدين وأفراد عائلته في نيسان/ إبريل 1635 والقضاء على العصاة من آل معن[39].

وقد بلغ الأمير من العمر آنذاك 63 سنة، ولكن إعدام الأمير كان خطوة متسرعة، إذ كان المطلوب استقرار لبنان فأعيد الاعتبار لآل معن ولكن بدون كاريزما ونفوذ فخر الدين، ورغم استمرار الوجود العسكري العثماني في لبنان، ترسخت حقيقة ثابتة أن فخر الدين خلق إمارة لبنانية ذات جغرافية وشخصية وطنية في المشرق أن هذا الكيان سيبقى من بعده.

استمر حكم آل معن بعد رحيل فخر الدين حتى نهاية القرن السابع عشر، ولكن رغم أن قاعدة السلطة بقيت في أيدي أمراء الحرب الدروز طيلة هذه الفترة، إلا أن مقتل الأمير فخر الدين وأحداث الثلاثينيات من القرن السابع عشر قسمت الدروز على نحو غير مسبوق، حيث أصبحوا معسكرين: الأول بقيادة آل جنبلاط "جانبولاد" سابقاً، حلفاء المعنيين، والثاني بقيادة آل علم الدين، وتطور الشرخ الدرزي عام 1697 عندما توفي الأمير أحمد بن معن، تاسع الأمراء المعنيين وآخرهم، واختلف أمراء الحرب حول خلف له.

وتجدر الإشارة إلى أنه لم يكن ممكناً تبوأ آل جنبلاط كرسي الإمارة لأنهم كانوا من المشايخ وليس من الأمراء، وتدخلت السلطة العثمانية مخافة تطور الخلاف إلى أعمال عنف، واختارت الأمير حيدر شهاب بن شقيقة أحمد معن، وله من العمر 12 سنة فانتقلت سدة الإمارة من أمراء آل معن الدروز، إلى حلفائهم أمراء آل شهاب المسلمين السنة ومركزهم وادي التيم في شرق لبنان، ولصغر سن الأمير، أخير أمير شهابي آخر وصياً عليه يدير أمور السلطة بالنيابة، وفيما ارتاح المعسكر الجنبلاطي لهذا التدبير الذي حافظ على نهج المعنيين، عارضه معسكر علم الدين الذي دعم اختيار أمير آخر من آل شهاب.

ولذلك بدأت أعمال عنف ومناوشات متقطعة في الجبل بين المعسكرين، استمرت من العام 1697 وحتى 1706 عندما بلغ حيدر سناً تخوله اعتلاء كرسي الإمارة وكان حيدر محبذا للمعسكر الجنبلاطي، ساعياً للانتقام لأخواله المعنيين عاقداً النية على مقاتلة آل علم الدين وحلفائهم، وكانت الواقعة بين الطرفين عام 1711 في عيندارة عندما هزمت قوات حيدر والمعسكر الجنبلاطي آل علم الدين وحلفائهم، وكافأ حيدر شهاب أمراء الحرب بمنح بعضهم لقب أمير ومنهم آل أبي اللمع وآل أرسلان.

أنهى حيدر في عيندارة عشرين عاماً من التقاتل الداخلي الدرزي، إلا أن هذه المعركة كانت مؤشر شؤم للوجود الدرزي في الجبل، وذات مدلولات ديمغرافية بعيدة الأمد، إذ أن هزيمة آل علم الدين أدت إلى هجرتهم وهجرة حلفائهم إلى البقاع والداخل السوري جنوب دمشق.

ونتيجة ذلك انخفض عدد السكان الدروز في جبل لبنان مقارنة بالموارنة الذين كانت أعدادهم في تلك الفترة إلى ازدياد.

وهناك عوامل أخرى لزيادة عدد السكان الموارنة ففي العام 1610 هزم فخر الدين آل عساف وأزاح أمراء الحرب والموارنة الذين يقودهم آل حبيش وعين مكانهم آل الخازن من الموارنة لينوبوا عنه في كسروان، ومنذ ذلك الوقت أصبح موارنة كسروان والجوار بقيادة آل الخازن حلفاء دائمين للمعنيين وللدروز إجمالاً وكان التعامل معهم على هذا الأساس، بما فيه السماح لعائلاتهم بالهجرة جنوباً نحو المتن وعالية والشوف والساحل ليعيشوا في وسط الدروز.

 


[1]AMIN MAALOUF LES ECHELLES DU LEVANT, PARIS LIVRE DE POCHE, 1998, P.3.

[2] يقال "الشام" أي الشمال، مقارنة باليمين أي اليمين، قياساً إلى موقع مكة الجغرافي في الجزيرة العربية.

[3]وهذا يشمل لواء الاسكندرون في تركيا والجمهورية اللبنانية والمملكة الهاشمية الأردنية وإسرائيل والضفة الغربية وغزة.

[4]PHILIP HITTI, HISTORY OF SYRIS INCLUDING LEBANON AND PALESTINE, NEW YORK, MACMILLAN, 1951.

كان الرومان أول من استعمل عبارة سورية الجغرافية في القرون المسيحية الأولى للدلالة على الجزء من إمبراطوريتهم المطل على الساحل الشرقي للبحر المتوسط، وقبل هذه التسمية، كان المشرق مجموعة دويلات مدينية أقامها الفينيقيون على امتداد الساحل من رأس شمرا شمال اللاذقية وحتى عكا، كما أقامتها شعوب أخرى في الداخل،وعلى سبيل المثال مملكة داود وسليمان في فلسطين ومملكة آرام في دمشق، وأختار الرومان اسماً شاملاً وكان جغرافيا لأنه استعمل لغايات إدارية وليس لأسباب ثقافية أو تاريخية.

[5]تنتمي جبال لبنان إلى سلسلة من المرتفعات التي تمتد من جنوب جبال طوروس في تركيا مروراً بجبل العلويين في سورية، وصولاً إلى جبل عامل وتنحدر لتصبح تلالاً في الجليل والقدس.

[6]ذكره وجيه كوثراني، الاتجاهات الاجتماعية والسياسية في جبل لبنان والمشرق العربي، من المتصرفية العثمانية إلى دولة لبنان الكبيرة، بيروت منشورات بحسون الثقافية، طبعة جديدة، ص 11 ومرجعه كمال الصليبي، تاريخ لبنان الحديث، بيروت دار النهار 1969 ص 12.

[7]HENRI LAMMENS, LA SYRIA , VOLUMES I AND II, BEIRUT, IMPRIMERIE CATHOLIQUE 1921.

[8]الخوري بولس قرالي، فخر الدين المعني الثاني حاكم لبنان، بيروت، دار لحد خاطر 1992 ص 32.

[9]أحمد بيضون، الصراع على تاريخ لبنان أو الهوية والزمن في أعمال مؤرخينا المعاصرين، بيروت منشورات الجامعة اللبنانية قسم الدراسات الفلسفية والاجتماعية دراسة رقم 19، 1989، ص 385.

[10]كوثراني ص 14-15.

[11]مسعود ضاهر، النهضة العربية والنهضة اليابانية، الكويت، منشورات عالم المعرفة رقم 252، 1999.

[12]افتتاحية غسان تويني في النهار آب 1976.

[13]كوثراني ص 19.

[14]KAMAL JOUMBLATT, I SPEAK FOR LEBANON, LONDON ZED PRESS, 1982, P 31. .

[15]A. P. SMYTH, WARLORDS AND HOLY MEN, SCOTHLAND AD 800-1000, EDINBURGH, EDINBURGH UNIVERSITY PRESS, 1984; G. ELISON AND B.L. SMITH "EDS" WARLORDX ARTISTS AND COMMONERS JAPAN IN THE SIXTEENTH CENTYRY, HONOLULU, UNIVERSITY PRES OF HAWAII, 1981; AND JOHN RICH AND GRAHAM SHIPLEY "EDS"; WAR AND SOCIETY IN THE ROMAN WORLD, LONDON AND NEW YORK, ROUTLEDGE 1993.

[16]AGNES SAVILL, ALEXANDER THE GRAET AND HIS TIME, NEW YORK, DORSET PRESS, 1990, P. 36.

[17]منذ أيام الفرس بزرت عادة في الشرق الأوسط هي بدء الصلاة والمشاعر الدينية بالدعاء للحاكم، فأدخل الإغريق كلمة كيرياليسون في القداس مديحاً للسلطان الفارسي يايروس، وفي عهد الإسلام بدأ أئمة المساجد صلاة الجمعة بالدعاء بطول العمر للخليفة أو السلطان أو الملك وبالنصر على أعدائه.

[18]وما الدولة التي وبلدت بعد ذلك، وتجددت تحت مسميات عدة وصولاً إلى القرن الحادي والعشرين، إلا تمظهر جديد لأمراء الحرب الذين فقدوا جزءاً من سيادتهم.

[19]أثناء عهد الإمارتين المعنية والشهابية كان الشيعة يسمون متاولة نسبة إلى ولائهم لشرعية خلافة الإمام علي ولآل البيت ولكن في الربع الأخير من القرن العشرين لم تعد عبارة متاولة ومتوالي تستعمل إلا للتحقير والعنصرية، لارتباطها في أذهان الشيعية بعصور الطغيان والحرمان تحت سلاطة الأتراك.

[20]في البدء كانت لفظة العرب تطلق على سكان الجزيرة العربية، وأصبحت فيما بعد صفة للناطقين باللغة العربية بصرف النظر عن العرق والدين.

[21]أي رأس السلطة التي كان يقودها النبي محمد حتى وفاته ومن يأتي بعده في هذا المنصب إنما يخلفه في الحكم ويقال له خليفة ويتمتع بسلطات زمنية وروحية كأمير للمؤمنين وقائد لجيوشهم.

[22]ذكره محمد شبارو ،تاريخ من أقدم العصور إلى القرن العشرين، بيروت دار مصباح الفكر 1987.

[23]محمد جابر آل صفا، تاريخ جبل عامل، بيروت دار النهار 1998 ص 25.

[24]درج مؤرخ أحداث جبل لبنان والمشرق في سردهم لمعارك أمراء الحرب فيما بيهم أو ضد الولاة العثمانيين على ذكر الأصل العربي لعسكر إمارة جبل لبنان كقولهم "هجم أولاد العرب يقودهم الأمير فخر الدين".

[25]لمزيد من التفاصيل عن تاريخ لبنان في العصور الوسطى يرجى مراجعة البيبلوغرالافيا المثبتة في آخر الكتاب، كما يشرح الفصل الثالث الظروف في ظل الاحتلال المصري عام 1831.

[26]يقول كمال الصليبي إن ثمة التباساً في اسم قائد الحملة الفاطمية، فهناك أنشتكين الدرزي والمعروف باسم محمد بن اسماعيل المطهري، هو عالم دين ومعرفة في مذهب الموحدين، اغتيل في القاهرة عام 1017، وهناك أنشتكين الدربزي "أضاف الصليبي حرب ب كما أثبتت مراجعه" القائد الفاطمي الذي خاض الاقحوانة عام 1029 راجع كمال الصليبي منطلق تاريخ لبنان، بيروت دار نوفل 1992 ص 69.

[27]KAMAL JOUMBLATT, I SPEAK FOR LEBANON, LONDON ZED PRESS, PP 33-35.

[28]ذكر الخوري بولس قرالي نقلاً عن عدة مراجع تاريخية بعضها أوروبي أن عدد قتلى ضحايا الحملة المصرية بلغ ستين ألفاً، وكرر هذا الرقن كمال جنبلاط في مذكراته، ولعله رقن مبالغ به لما يعني من إبادة جماعية منظمة طالت تجمعات سكانية كبرى وليس حملة تأديبية كعادة تلك الأيام، وهذا التقدير الكبير لا تدعمه القاعدة الديمغرافية للجبل أو الرقعة الجغرافية التي هاجمها المصريون، وإذ لم نعثر على رقم معقول، لا نقلل من أهمية هذه المجزرة التي من الواضح أنها كانت من عوامل خفض عدد الدروز في لبنان وقد يكون عدد ضحاياها مساوياً لضحايا الشيعة في القرن الرابع عشر جراء حملات مصرية أيضا.

[29]ولد فخر الدين بن قرقماس بن فخر الدين بن معن ونسبه تنوخ عام 1572، وكان يبلغ من العمر 13 عاماً عندما قتل والده فلجأت الأسرة إلى مشايخ كسروان من آل الخازن الموارنة حيث أقام فخر الدين وشقيقه يونس لعدة سنوات.

[30]لأعمال موسعة عن عهد الأمير فخر الدين يراجع مؤلف الخوري بولس قرالي، فخر الدين المعني الثاني حاكم لبنان، بيروت دار لحد خاطر 1992، ومؤلف أحمد الخالدي الصفدي، لبنان في عهد الأمير فخر الدين المعني الثاني، كما راجعه أسد رستم وفؤاد أفرام ال والبستاتي، بيروت منشورات الجامعة اللبنانية 1969، وفيما يختص كتاب الخالدي بوضع الإمارة الداخلي، درس قرألي مخطوطات إمارة توسكانا وعلاقات الأمير بأوروبا.

[31]قرألي ص 14.

[32]وتقع هذه المدن اليوم في جنوب تركيا وتسمى غازي عنتب ونصيب وكليس.

[33]يؤكد كمال جنبلاط درزية آل جانبولاد ويذكر دليلين، أولا لأن باب الدعوة قد أقفل في القرن الحادس عشر فلا يمكن أن يكون آل جانبولا قد اعتنقوا المذهب الدرزي بعد مجيئهم إلى الشوف، والثاني هو استمرار الوجود الدرزي في نفس المناطق التي حكمها آل جانبولاد "نصيبين وكليس وعينتاب" وهي اليوم في تركيا حيث ذكر جنبلاط أن عددهم هناك بلغ 80 ألفاً عام 1975.

[34]حول إمارة البندقية   JAN MORRIS THE VENITIAN EMPIRE, PENGUIN, 1989.

[35]الخوري بولس قرألي ص 26.

[36]حول صيت فخر الدين في أوروبا انظر الخوري بولس قرألي الباب السادس  WHO'S WHO IN LEBANON 1991, BEIRUT, PUBLITEC, 1991.

[37].نعتقد أن رقم 25 ألف جندي مبالغ به ككثير من الأرقام المراجع التاريخية عن لبنان، والأرجح أن يكون الرقم أقل من ذلك بكثير نظراً لقاعدة لبنان الديموغرافية وأوضاع ذلك العصر من ناحية التكلفة اللوجستية ويؤكد قرألي شكوكنا حيث ذكر نقلاً عن رحالة إيطالي يدعى ماشنجي أن عدد جيش الأمير ثلاثة آلاف ينال الواحد منهم شهرياً ار بعة ريالات، إضافة إلى إمكانية حشد عشرين ألفاً من السكان لمهمات عسكرية في الظروف الاستثنائية ولفترات قصيرة جداً كما يذكر رحالة إيطالي آخر هو سانتي أكبر نفقة يتكبدها الأمير ناتجة عن إبقاء ألف وخمسمائة راجل تحت السلاح ومائة وخمسين فارساً براتب ثلاثة سكوت في الشهر، وذكر الخالدي أن عدد جيش الأمير في معركة عنجر كان 4500 رجل "قرألي ص 66-67. 

[38]أعداد الباب العالي لقب سلطان البر إلى فخر الدين الذي كان العثمانيون قد منحوه إلى جده فخر الدين الأول عام 1516

[39]يعتبر فخر الدين بطلاً وطنياً في لبنان، ظهرت عنه مؤلفات ومسرحيات غنائية وأطلق كمال جنبلاط اسم جيش فخر الدين على الميليشيا الدرزية عام 1976، كما استعملت ميليشيا الكتائب أقوال فخر الدين وأعماله في البروبأغندا.

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19
« »
المصادر او الهوامش

معلومات النشر:

اعداد: العنكبوت الالكتروني

عنوان الكتاب: أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان

تأليف: كمال ديب

الناشر: دار النهار للنشر

تاريخ النشر: 01/02/2007

إشترك في خلاصة التعليقات عدد التعليقات: (1 منشور)

avatar
joe bloe
الثلاثاء, 10 كانون الثاني / يناير 2017, 07:45:PM
يسمح لنا الأخ وليد جنبلاط بالنسبية اذا أراد ان ينمو البلد ويتطور. جورج واشنطن وابراهام لينكلن كانوا اباء الحضارة الأميركية ولن نرى أحدا من احفادهم يتزعمون فئة في الحكومة الأميركية. نريد دم جديد يحكم البلد, ولا دور للآقطاعية. نرجو من الكل ان يفهموا ذلك. استفردوا بالبلد فامتصوا دماء شعبه. لا يجب ان يكون أي شخص فقير اذا كان يوجد إدارة حسنة للمال العام. فما ذنبهم؟ أخاف عليكم من كثرة ذكائكم.
المجموع: 1 | عرض: 1 - 1

إكتب تعليق

البريد الالكتروني يبقى سرّي و لا ينشر
  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

- التعليقات الواردة من القراء هي مسؤولية أصحابها ولا تعبر عن رأي إدارة الموقع بالضرورة
- تتم مراجعة تعليقاتكم قبل نشرها عن طريق إدارة الموقع

- (سياسة نشر التعليقات)

تابعونا

  1. دول خليجية تحذر رعاياها من السفر إلى لبنان (5.00)

  2. وفاة "ملكة الديسكو" دونا سمر عن 63 عاماً (5.00)

  3. معارض صيني ضرير بمطار بكين متوجهاً لنيويورك (5.00)

  4. الاكتئاب لدي المراهقين .. له إشارات يجب الانتباه لها (5.00)

  5. صحف العالم: أمريكا "تعاقب" باكستان بعدد سنوات سجن أفريدي (5.00)

  6. فيلم منتظر يكشف تفاصيل اغتيال بن لادن (5.00)

  7. أستراليا: التيار الوطني الحر في سيدني ينعي فقيده المفكر و المناضل والاعلامي المخضرم الأستاذ بطرس عنداري (5.00)

  8. الرحيل المفاجئ (5.00)