إعلانات Zone 4B

[CLOSE]

إعلانات Zone 3B

[CLOSE]
أحدث الأخبار:

إعلانات Zone 2B

[CLOSE]
الرئيسية | ثقافة | رفوف المكتبات | أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان (19 حلقة كاملة)

أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان (19 حلقة كاملة)

آخر تحديث:
image
الكاتب:
عدد المشاهدات: 36192
عدد التعليقات: (1)
قيّم هذا المقال/الخبر:
3.00
حجم الخط: A+ A-
نسخة صالحة للطباعة   نسخة نصية   أرسل إلى صديق
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19
« »

 

رجال السلطة والمال في لبنان - الفصل الثالث: أمراء الحرب الموارنة

الفصل الثالث

أمراء الحرب الموارنة

في بداية القرن السابع عشر كان الموارنة يشكلون الأغلبية في سكان جبل لبنان، إلا أنهم لم يسودوا إلا في الربع الأخير منه، أي منذ أصبح أمير لبنان مارونياً من العام 1770 حتى انتهاء عهد الإمارة عام 1843.

وإذا كان أمراء الحرب الدروز قد وضعوا لبنان على الخريطة وسط الحروب والصراعات المحلية في المشرق، فإن الموارنة قد أسسوا للفكرة اللبنانية ولاحقاً لولادة لبنان الكبير، وقد استغرق بناء الكيان الكبير 70 عاماً امتدت من 1816 حتى 1930، حيث خلقت مجازر 1860 حالة طارئة لدى المفكرين وأصحاب الشأن من الموارنة في حياكة نوع من الفكرة القومية الحديثة الفريدة بلبنان، مرتكزة على تراث الكنيسة المارونية والروابط التاريخية مع أوروبا.

وبعد العام 1930، أضافت حفريات أركيولوجية قام بها علماء آثار فرنسيون في جبيل خيطاً جديداً إلى القومية اللبنانية بأن أساس لبنان هو الحضارة الفينيقية القديمة، وهو خيط لم يثره أحد سابقاً في الجبل بل بلوره تجار بيروت كما سنرى في الفصل الرابع.

 

الكنيسة المارونية

ظهر المعتقد الماروني في وادي العاصي في شمال سورية في القرون المسيحية الأولى حيث عاش ناسك يدعى مارون قرب أفاميا في القرن الرابع ودعا إلى حياة زهد وعبادة، وبعد وفاته عام 410، أقام أتباعه ديراً في أفاميا قرب حماة، بحماية الامبراطور البيزنطي، وبرزت المارونية بعد المجتمع الخلقدوني "نسبة إلى قرية خلقدونيا قرب مدينة القسطنطينية" عام 451 الذي حدد طبيعتي المسيح البشرية والإلهية، وكانوا يجارون اليعاقبة في السكنى على ضفاف نهر العاصي.

وكان اليعاقبة يفوقون الموارنة عدداً وينادون بطبيعة وحيدة للمسيح بعكس المؤتمر الخلقدوني، وفي العام 517، تعرض رهبان دير أفاميا الماروني لمجزرة على يد اليعاقبة، فقتل 350 من أتباع مارون[1]، واستمر صراع اليعاقبة والموارنة طيلة القرن السادس وفترات من القرن السابق، ما دفع الموارنة للهجرة جنوباً باتجاه شمال لبنان الذي أصبح المواطن الدائم للموارنة.

وتجدر الإشارة إلى أن المشرق بأكمله، قبل هذه الانقسامات، كان مسيحياً على المذهب الأرثوذكسي البيزنطي، حيث أظهرت الحفريات عن وجود كنائس من القرون المسيحية الأولى في اهدن وحدث الجبة سبقت المذهب الماروني.

وينسب تأسيس الوجود الماروني في وادي قاديشا إلى قديس يدعى يوحنا مارون الذي كان بطريرك الموارنة الأول توفي عام 707، ويقول حتّى إنه درس السريانية والإغريقية في انطاكيا قبل أن يلتحق بالدير في أفاميا، ثم درس في القسطنطينية "عاصمة الإمبراطورية البيزنطية واسطنبول اليوم" وعين مطراناً على شمال لبنان، متخذاً سمار جبيل ثم كفر حي مركزاً له، وفي فترة مطرانيته، اشتد الصراع حول طبيعة المسيح وأصبح الموارنة خارج رضى الإمبراطور البيزنطي جوستنيان الثاني، فتعرض دير أفاميا لهجوم جديد عام 694، وتقدم العسكر البيزنطي نحو جبل لبنان فصدهم رجال الموارنة في قرية أميون "منطقة الكورة في شمال لبنان".

ومنذ ذلك العصر تحصن الموارنة في الجبال، وقاوموا اضطهاد الإمبراطوريات المتعاقبة في المشرق، وفي القرن الثامن، امتد الوجود الماروني من وادي العاصي حتى شمال لبنان، وفيما كانت الهجرة المارونية جنوباً باتجاه لبنان، متواصلة تسارعت في القرن العاشر عندما تعرض الموارنة عام 939 إلى غارات خطيرة من الجيش البيزنطي أدت إلى مقتل الكثيرين وحرق مراكز العبادة في وادي العاصي[2].

خضع معظم المشرق للخلافة الأموية منذ القرن السابع، حيث قبل الحكم الإسلامي معظم السكان المعتنقين لمذهب الروم الأرثوذكس والذين يتحدر معظمهم من قبائل عربية وسريانية، أما الموارنة فلم يقبلوا الحكم الإسلامي بشكل عام، وقاوموه في عدة مراحل تاريخية.

وفي نفس الفترة، شنت قبائل مدعومة من البيزنطيين غارات على المناطق الخاضعة للحكم الإسلامي في شمال سورية وكان هؤلاء يدعون المردة أو الجراجمة نسبة إلى قرية جرجومة في جبل اللكام شمال سورية، وهناك عدد من المراجع التاريخية يربط الموارنة بالمردة وكأنهم أصل واحد دون تحديد أحداث تاريخية معينة تثبت ذلك.

وحتى فيليب حتي ينتقل بدون تمهيد من وصفه الأقليات التي استقرت في شمال لبنان ودخول المردة إلى القول: "من هذا المزيج ظهرت جماعة الموارنة[3]"، وكان الأب يوسف محفوظ يذكر أن المردة هم قوم أتوا أصلا من بلاد الفرس، استوطنوا شمالي سورية ولبنان على دفعات متتالية وفي أوقات مختلفة، وطغى اسم المردة على لقب الجراجمة لأنهم كانوا عمالقة ذوي بطش، جبابرة، غزاة، وقد برزوا في المعارك فكانوا رجال بأس وشجعاناً يتقنون الفنون الحربية واستعمال السلاح ورمي السهام[4].

بالمقابل كان الموارنة الأوائل من السريان منصرفين إلى التعبد، وبما أنهم وقعوا ضحايا الاضطهاد والعنف، راحوا يسعون إلى الاستقرار في جبل لبنان، ولكن يوسف محفوظ يذكر في نفس الصفحة أن المردة اعتنقوا المذهب الماروني منذ القرن السابع أي أنهم كانوا شعباً سريانيا، آرامي اللغة وخلقدوني في العقيدة التي كان يتزعمها آنئذ الموارنة، وأنهم تنصروا على أيدي رهبان دير مار مارون، في حين أصبح المردة القاطنين في آسيا الصغرى "روم مردة[5]".

ويشرح أحمد أبو سعد أصول الموارنة وبعض المسيحيين بأن بعض أجدادهم جاء من اليمن وجنوب شبه الجزيرة العربية، وكان ذلك حوالي القرن السادس للميلاد، فسكنوا ربوع سوريا ومنها عبروا إلى لبنان كآل أبي الغيث الذين تفرع منهم بنو المعوشي وحرفوش وعاد وبدر وملحمة وفياض وجرمانوس وأبي شلحا وشلق وبيروت وغيرهم، وكآل المشروقي الذين منهم بنو السمعاني وعواد ومسعد وعشقوتي وعفريت وغيرهم، وكآل الدحداد الذين هم من عرب اليمامة وآل حبيش المتحدرين من هوازن وهم فخذ من قريش وكآل هاشم المتحدرين من هاشم بن عتبة، وفروعهم آل غصوب وبرو وقربانة وقهوجي، وبعضهم الآخر جاء من آشور وبابل والعراق وبلاد ما بين النهرين كآل زوين وداغر وعبد النور ومحفوظ وباخوس وفخري وعجني والدويهي والزري والضاهر[6].

وساهم الموارنة في الحملات الصليبية وحاربوا في صفوفها ضد الحكم المسلم في نهاية القرن الحادي عشر وبداية القرن الثاني عشر، فدفعوا غالياً ثمن موقفهم هذا عندما عاد المشرق إلى الحكم الإسلامي في نهاية القرن الثالث عشر، إذ عاقب المماليك، كما رأينا في الفصل السابق الموارنة عام 1921 وقتلوا الآلاف منهم وهاجموا مناطقهم الجبلية شرق طرابلس واعتقلوا البطريرك الماروني دانيال الحدشيتي في حدث الجبة واضطروا الكثيرون إلى الهجرة إلى قبرص.

ومثل الجماعات الأخرى في لبنان، لم يختلط الموارنة بالطوائف الأخرى عبر التزاوج، ولكنهم منذ القرن التاسع عشر بدأوا الاختلاط بطائفة الروم الكاثوليك والطوائف الكاثوليكية الأخرى.

وفي الواقع فإن الموارنة قد رفعوا لواء الكثلكة في المشرق فكانوا الجماعة المسيحية الأكبر، ومنذ القرن الثامن عشر كانوا يشجعون على اتباع روما.

أما حول سلوكهم الاجتماعي فبعكس الصورة الطاغية عن المجتمع اللبناني الحديث بأن اللبناني متعلق بالمظاهر المالية والمتع الشخصية وفرحة الحياة، فإن الطقس الماروني مرتبط بشكل حميم بالحياة الروحية وطهارة السيد المسيح وتعاليمه وخاصة أمثلته القائدة في التواضع والتقوى.

ومن هنا فإن البطاركة الموارنة والمطارنة والرهبان وسائر الإكليروس، أخذوا مسألة طقوس العبادة والطريقة المسيحية في الحياة بمنتهى الجدية، ما جعل الفاتيكان يطوب عدة قديسين من هذه الكنيسة، ويصف زائر فرنسي هو لوران دارفيو لقاءه بطريرك الموارنة في مقره في وادي قنوبين عام 1660:"توجهنا بصحبة البطريرك إلى قاعة كبرى هيأ لنا فيها العشاء، فرأينا كمية كبيرة من اللحم وأنواعاً من الفاكهة والمربى والعسل، وأباريق ملأى بالخمر، فأكلنا بشهية كبرى، وكان البطريرك والأساقفة والكهنة الذين جالسونا، يطلبون بإلحاح لنستفيض في الأكل والشرب، ولكنهم كانوا كثيري التقشف في المأكل والمشرب، كان البعض منهم يشرب الماء، وما هيأوا الوليمة إلا إكراما لنا، ولإظهار روح الضيافة، لأن حياتهم تتصف بالبساطة التامة، وغالباً ما يصومون بطريقة قشفة للغاية، يشتغلون كثيراً ويقومون ليلاً لصلاة الفرض الإلهي، وهم للملأ أمثلة صالحة في الانضباط الكامل[7].

ويصف زائر إيطالي هو جيروم دندني نساء الموارنة في نهاية القرن السادس عشر أنهن محتشمات ولا نسمع عنهن زنى أو جرائم جنس، يتزوجن في سن الثانية عشرة أو الرابعة عشرة متواضعات في لبسهن، ولا يختلف ذوقهن في الزي عن الإيطاليات، وعندما يلتقين برجل لا يعرفنه لا يلتفتن نحوه أو يحجبن وجوههن بغطاء حريري يتواجد دائماً على رؤوسهن، ومستوى أخلاقهن واستقامتهن عال[8].

 

الرباط الأوروبي

الرباط اللبناني مع أوروبا لم ينطلق من الفراغ بل هناك حقائق تاريخية دامغة تثبت أن لبنان، بعكس الكثير من دول المنطقة، وهو ملتقى الشرق والغرب، فلقد كان ولمدة ألف عام، محافظة في الإمبراطوريتين الهيلينية والبيزنطية "من العام 333 ق.م حتى 735م" وهذه مرحلة هامة لا يمكن إغافلها حتى لو كان الرباط العربي اليوم أقوى بكثير من الرباط الأوروبي، فبعد الفتح الإسلامي في القرن السابع، حافظ مسيحيو المشرق ومنهم الموارنة على علاقات حميمية ووثيقة مع الإمبراطورية البيزنطية، وساعدوا مساعيها المتكررة لاستعادة سلطتها في المنطقة، كما أن الموارنة ومسيحيين آخرين ساهموا في حملات مكنت البيزنطيين من إعادة السيطرة العسكرية المؤقتة في شمال سورية ووادي العاصي وأحياناً وصولاً إلى البقاع وشمال دمشق، ولئن تعرض الموارنة لاضطهاد البيزنطيين لاختلاف في العقيدة المسيحية، إلا أن الروابط الأوروبية تجددت في المرحلة الصليبية "1099 إلى 1291" لقد عقدت لقاءات بين المبعوثين البابويين من روما والقيادة المارونية في الفترة 1100 إلى 1139، ما سمح بتطوير العلاقة.

وفي العام 1180 اعترف الفاتيكان بالموارنة كأخوة في الدين، ما مهد الطريق فيما بعد إلى توثيق الصلة بين الموارنة والكثلكة، وفي العام 1203، عين البابا مبعوثاً له في مدينة طرابلس، القريبة من وطن الموارنة في الجبل، فاستمر اللقاء وتسهلت سفريات الوفود المارونية إلى روما ومنها زيارة للبطريرك أرميا العمشيتي إلى الفاتيكان عام 1215[9].

وفي العام 1231 تختلف رجال الدين الموارنة حول تسمية بطريركهم الجديد بعد رحيل العمشيتي، وطلبوا من الفاتيكان التدخل في الأمر، ما سمح لتدخلات مستقبلية من الفاتيكان في شؤون الموارنة، وتمت تسمية دانيا الشاماتي بطريركاً جديداً، وفي العام 1251 وجه لويس ملك فرنسا الكاثوليكية رسالة إلى موارنة لبنان اعتبرهم فيها جزءاً من الأمة الفرنسية ومنحهم حمايته[10].

كانت روابط الموارنة بأوروبا تتطور باستمرار، وسط ازدياد العلاقات التجارية حتى بعد زوال الممالك الصليبية من المشرق عام 1291، فبات التجار الطليان والفرنسيون يعرفون طرق المشرق ويشترون بضائعه، وفي العام 1535 وقع فرنسوا الأول ملك فرنسا معاهدة شاملة مع السلطان العثماني سليمان القانوني، لحقتها معاهدة أخرى في أيار 1560، حصلت بموجبها فرنسا على امتيازات تجارية وثقافية كثيرة في المشرق، اعتبرت الأولى من نوعها التي منحتها السلطنة لدولة أوروبية، وسمحت لفرنسا اعتبار نفسها حامية للموارنة، كما تأسست مدرسة مارونية في روما عام 1584.

وفي القرن السابع عشر بدأت الإرساليات الأجنبية تنتشر في الجبل، بدءاً بالكبوشيين عام 1626 واليسوعيين عام 1652 ثم الفرنسيسكان والكرملين واللعازاريين، وجرت أحداث هامة بالنسبة للموارنة في القرن الثامن عشر، قربتهم أكثر بفرنسا وإيطاليا، حيث أعيد تنظيم الكنيسة المارونية المشرقية تحت رعاية الكنيسة الكاثوليكية في روما بعد مجمع كنسي في اللويزة في جبل لبنان عام 1736، وتأسست المدارس في ذلك الوقت وأولها مدرسة عينطورة ومدرسة عين ورقة فانتسب أبناء الموارنة إلى مدارس فرنسية وبدأ نشاط تعليمي غير مسبوق حقق تفوقاً علمياً للموارنة لم تحصل عليه أي جماعة أخرى في الجبل أو في كافة أنحاء المشرق، وكانت لفرنسا سياسة معينة في انتشارها التعليمي خاصة في القرن التاسع عشر، إذ كان الهدف تلقين المجتمعات الأخرى الطريقة الفرنسية في العيش والإدارة والعادات ليصبحوا مع الزمن رعايا فرنسيين، فكان منهج التعليم والمواد التعليمية التي استعملتها المدارس الفرنسية في لبنان هي نفسها التي تستعمل في فرنسا، غريبة عن المشرق ومجتمعه وعاداته ولغته.

وأصبح الفتيان يعرفون عن تاريخ فرنسا وملوكها وشعرائها أكثر مما يعرفون عن بلادهم وثقافتها، وبعد الحرب الأهلية في الجبل في القرن التاسع عشر، كان الكونت سفورزا وزير خارجية إيطاليا يزور المنطقة، فأصيب بصدمة عندما دخل مدرسة في جبل لبنان وشاهد أطفالاً سمراً يقرأون النشيط الوطني الفرنسي بصوت عال: أجدادنا الغاليين كانوا شقر[11].

هذا التطور التاريخي منذ القرون الأولى يشرح غربة المثقفين النفسية في لبنان القرن العشرين، ليس الموارنة فحسب بل بعض المثقفين المسلمين، حيث يلازمهم شعور اللانتماء إلى ثقافة الشرق الأوسط وتاريخه، ومزيج من مشاعر التعالي والتفوق على المجتمع العادي المحيط بهم والذي ينطق باللغة العربية ويتعلق بتقاليده المتوارثة، هذه الغربة ساهمت إلى حد بعيد في انفصام الشخصية الوطنية إلى اليوم، وأصبح المثقفون في جهات متعادية[12]، وهذا كان أحد أسباب تجدد الصراع الأهلي في القرن العشرين.

جدير بالذكر أن رئيساً فرنسيا هو فاليري جيسكار ديستان، نسي أن الموارنة هم أصلاء غير عابرين في المشرق، حيث أعجب بفصاحة زعمائهم باللغة الفرنسية عندما التقاهم عام 1980 وسأل إذا كانوا يتكلمون العربية[13]، هذا رغم أن الفصل الأكبر في إنقاذ اللغة العربية الحديثة من الاضمحلال يعود إلى مثقفي الموارنة والمسيحيين عامة، حيث نجد أن كافة المراجع والقواميس وكتب النحو والإعراب والقواعد العربية التي وضعت العرب مجدداً في عالم المادة المكتوبة في بداية القرن العشرين، كانت من نتاج الموارنة خاصة والمسيحيين المشرقيين عامة، لا سيما الرهبان وأصحاب المهن منهم "إبراهيم اليازجي وبطرس البستاني.. إلخ".

في وقت كانت الحكومة العثمانية تواصل سياسة التتريك وتمنع التقدم العلمي، وفي وقت كانت فيه فرنسا تفرنس شمال افريقيا بدون هوادة، وبالبطش أحيانا، كان موارنة لبنان ينتجون مجلدات ضخمة وموسوعات في الأدب العربي والأبحاث والتواريخ واللاهوت وما يسمى النهضة العربية، في نهاية القرن التاسع عشر، كان في الحقيقة إنما نهض على أكتاف المسيحيين وخاصة الموارنة مثال بطرس البستاني وأحمد فارس الشدياق، ورئيف أبي اللمع وأنطون الجميل وآخرون.

وقد امتدت هذه النهضة إلى مصر عبر المهاجرين المسيحيين، فانتشرت الصحافة المكتوبة والأعمال الأدبية هناك كتأسيس صحف مصر الرئيسية كـ "المقطم والأهرام" الأخوان سليم وبشارة تقلا ويعقوب صروف وفارس نمر وإعادة الاعتبار إلى تاريخ العرب جرجي زيدان وأمين الريحاني[14].

ومن الموارنة من أصبح من عمالقة الأدب العربي في القرن العشرين كجبران خليل جبران وأمين نخلة ومارون عبود، واستعمل المسيحيون تفوقهم العلمي وعلاقاتهم مع الغرب لمساعدة القضايا العربية، كالدفاع في المحافل الدولية عن القضايا الفلسطينية "شارل مالك وكميل شمعون وميشال شيحا" إلى درجة أن كميل شمعون الذي كان سفيراً ووزير خارجية لبنان في الأربعينيان، قام بجهد كبير لنصره القضية الفلسطينية فاستحق لقب "فتى العروبة الأغر" في الإعلام العربي مقارنة بالصورة التي رسمها له الإعلام المسلم في النزاعات الأهلية عامي 1958و 1975.

 

الإمارة المارونية

إن انتشار الموارنة، انطلاقاً من وادي العاصي وفي أرجاء جبل لبنان وأنحاء أخرى من المشرق، وقبرص استمر عدة قرون ولقد انتقل الموارنة من الجبال الشمالية جنوباً باتجاه الشوف وباقي المناطق على أربع مراحل.

كانت المرحلة الأولى عندما سمح لهم المماليك وآل عساف بكسنى كسروان عام 1291.

والمرحلة الثانية كانت بعد العام 1306 عندما طرد الشيعة من مناطق عدة كما جاء سابقاً.

والمرحلة الثالثة كانت في ظل الأمراء الدروز ابتداء من القرن الرابع عشر، وفي القرن السابع عشر ازدهرت صناعة الحرير في جبل لبنان ولكن اليد العاملة الدرزية لم تستطع تلبية الطلب الأوروبي المتزايد على الحرير اللبناني ولذلك استقبل الدروز الفلاحين الموارنة وشجعوهم على الهجرة إلى المناطق الدرزية مع أفراد عائلاتهم.

وبدأت المواجهة الرابعة للهجرة المارونية إلى وسط جبل لبنان حتى جزين خلال فترة النزاع الدرزي الداخلي ومعركة عين دارة عام 1711 إذ بعد تلك المعركة تراجع عدد السكان الدروز وخسروا قسماً كبيراً من يدهم العاملة والمقاتلة.

في العام 1711 قام الأمير حيدر الشهابي "وهو غير المؤرخ حيدر الشهابي صاحب كتاب الغر الحسان، في أواسط القرن التاسع عشر، بتوزيع مراتب المشايخ أو أمراء الحرب المعاطعجية في الجبل بعد معركة عين دارة كالتالي: من الدروز آل جنبلاط في مشيخة مقاطعة الشوف وآل تلحوق في الغرب الأعلى بعد سلخها عن مشيخة آل ارسلان، وآل أبي اللمع في المتن وآل أرسلان في الغرب الأسفل جوار بيروت، وآل عبد الملك في الجرد ومن السنة آل شهاب في وادي التيم ومن الشيعة آل حرفوش في بعلبك ومن الموارنة آل الخازن في كسروان.

ولكن الدروز انقسموا مجدداً إلى حزبين، جنبلاطي بزعامة آل جنبلاط جمع معظمهم المشيخات ويزبكي نسبة إلى يزبك العماد، وضم آل العماد وآل عبد الملك وآل تلحوق.

ورغم استمرار المشيخات الدرزية، فإن الموارنة أصبحوا في القرن الثامن عشر الفئة الأكثر عدداً في جبل لبنان من الشمال إلى الشوف وفيما بعد إلى جزين، وحتى الشوف أصبحوا أغلبية وباتت دير القمر، عاصمة الأمراء الشهابيين، بلدة مارونية تفوق بعقلين، عاصمة آل معن في السكان والثروة، ولم يكن الموارنة أصحاب أملاك وثروة وسلطة سياسية في بدء إقامتهم في الكانتونات الجنوبية، ولكن بعد تحصيلهم المعارف وممارستهم التجارة وتبوءهم المراكز المهمة في الإمارة فتحت لهم الأبواب ليصبحوا أسياد الجبل.

ولم يشعر الدروز بتاتاً بأي تهديد من الموارنة لا بل كان الدرزي يعتبر الماروني أخاً لاه، حيث أشاد رحالة فرنسي زار لبنان في عهد الأمير يوسف الشهابي بانفتاح الدروز على الوافدين المسيحيين الذي لم يقابل دائماً بالمثل من الموارنة، وتسامحهم الديني الذي كان على تباين مع تعصب المسلمين والنصارى[15].

ولم يجد أمراء الحرب المتعددي المذاهب إلى صعوبة في تقبل آل شهاب السنة أمراء على لبنان، إذ كما شاهدنا انتقلت سدة الإمارة إلى الشهابيين السنة بعد وفاة أحمد بن معن عام 1797، فاستلمها بشير شهاب الأول كوصي حتى وفاته عام 1707، ثم حيدر شهاب حتى 1732، وتلاه ملحم شهاب حتى 1754، الذي أعاد توسيع الإمارة مؤقتاً بضم جبل عامل والبقاع عام 1748 وبيروت عام 1749.

وبقي الأمراء الشهابيون على مذهب المسلمين السنة، حتى العام 1756 عندما اعتنق أبناء الأمير ملحم المسيحية على المذهب الماروني وفعل ذلك في نفس الفترة آل أبي اللمع أمراء المتن.

ولدى تنحي ملحم عن سدة الإمارة ليتقاعد في بيروت ويدرس الفقه الإسلامي تولاها شقيقه منصور، ولكن ملحم عاد وسمى عام 1758 ابن أحد أشقائه ويدعى قاسم ليكون أميرا، فتجاهل منصور هذه التسمية وابقى الإمارة لنفسه في حين نزح قاسم إلى غزير حيث أصبح مارونياً عام 1767.

وعندما توفي ملحم في العام 1761 طالب شقيقه الآخر أحمد شهاب بالإمارة، مدعوماً من آل عماد وتلحوق وعبد الملك من الدروز وآل حبيش والدحداح من الموارنة، وهم زعماء ما عرف حينها بالحزب اليزبكي.

أما الأمير منصور فكان مدعوماً من الحزب الجنبلاطي بقيادة آل جنبلاط وآل الخازن، الذين ساعدوه ليستمر في الحكم حتى 1770، وما حصل بعد ذلك كان مفصلاً تاريخياً في الجبل، إذ تولى الإمارة لأول مرة هو يوسف شهاب ابن ملحم الذي اعتنق المسيحية.

وهكذا تحققت سيادة الموارنة على الجبل حيث أصبحوا الأكثر عدداً وعلماً والأكبر ثروة فبدأ عهد الأمراء الموارنة.

كان أساس ثروة الموارنة ازدهار الصناعة وخاصة الحرير، وقدوم المستثمرين بأموالهم من الداخل السوري وقويت التجارة مع أوروبا نتيجة الروابط التي بناها الموارنة وخاصة مع إيطاليا وفرنسا وانضمامهم باكراً إلى الكثلكة عبر توحدهم مع روما، كما أن فرنسا عينت أحد مشايخ آل الخازن قنصلاً على بيروت عام 1655، حيث استمر آل الخازن في هذا المنصب حتى 1758 ثم عينت موارنة آخرين منهم غندور السعد[16] أحد أجداد رئيس جمهورية في القرن العشرين، وازدهر التعليم ما زاد من مهارة الموارنة في الاقتصاد ومن درايتهم في الحكم فاعتمد عليهم الدروز والعثمانيون في شؤون الإدارة والمال.

ولكن السلطة لم تنتقل إلى الموارنة بمجرد وصول يوسف شهاب إلى الإمارة، إذ استمر نفوذ أمراء الحرب الدروز حتى العام 1822، كما أن الشوف بقي نواة السلطة في جبل لبنان، وحرص الشهابيون الموارنة على الظهور بمظهر الدروز[17].

ودلالة على ضعف الموارنة السياسي في جبل لبنان، خضوعهم حتى في مواطنهم الأصلية لأمراء الحرب الشيعة ففي أواخر القرن السابع عشر، وقعت مناطق بشري والبترون وجبيل المارونية والكورة الأرثوذكسية تحت نفوذ آل حمادة الشيعة الذين تولوا التزام هذه المناطق باسم الوالي العثماني، فلم يكن لأمراء حرب الموارنة شـأن يذكر في تلك الفترة إلا في كسروان بقيادة آل الخازن.

وتزامن صعود يوسف شهاب عام 1770 معه حرب كبرى قبل عامين بين السلطنة والإمبراطورية الروسية استمرت ستة أعوام، وكانت جزءاً من سلسلة حروب استمرت قروناً، وانتهت معظم الوقت بتنازل السلطنة العثمانية لروسيا عن أراض في أوروبا الشرقية، وأثناء الحرب، هاجم الأسطول الروسي مدن السلطنة الساحلية ومنها مدن المشرق، وشجع أمراء الحرب المحليين عن العصيان ضد الباب العالي.

ففي تشرين الأول/ أكتوبر 1773 قصف الأسطول الروسي بيروت وصيدا، وكان حليف روسيا المحلي هو أمير فلسطين ظاهر العمر يدعمه أمير جبل لبنان يوسف شهاب وأمير حرب جبل عامل ناصيف النصار وشكل علي بك الكبير والي مصر رأس الحربة في هذه الحملة المشتركة وارسل جيشاً لاحتلال دمشق.

فما إن دخل الجيش المصري بلاد الشام، حتى هاجم يوسف بيروت، وظاهر العمر، يدعمه ناصيف النصار، صيدا، وكان نجاح هؤلاء قصير الأمد، إذ أن الروس أرادوا حصار ثمار انتصاراتهم في الحرب، فوقعوا اتفاقية مع الحكومة العثمانية في بداية عام 1774 وبموجب اتفاقية "كجك كينرجي" قدم الباب العالي تنازلات مؤلمة سمحت للروس بابتلاع أراض شاسعة من السلطنة والحصول على امتيازات مهمة، منها حق روسيا في حماية الرعايا الأرثوذكس داخل الدولة العثمانية.

وبموجب هذا الاتفاق، انسحب الجيش الروسي من بيروت في شباط /فبراير 1774 وسلم الأدميرال الروسي يفجيني المدينة للأمير يوسف شهاب مقابل 300 ألف قطعة ذهبية، وهو يعلم أن أمير الجبل لن يصمد طويلاً أمام عسكر السلطنة العائد وتصرف يوسف بوحي خبرة من سبقه في الإمارة بأن الحكومة ستسمح له بالتزام بيروت مقابل سداده الضرائب.

ولكي يرضي الباب العالي ويسترد ما دفعه للأدميرال الروسي فرض يوسف ضرائب باهظة على بيروت والجبل، فاعتبره مواطنو بيروت متسلطاً لا محرراً، كما أن العثمانيين لم يكونوا ليسمحوا بترك مدينة هامة كبيروت بيد أمير محلي في نهاية القرن الثامن عشر، كما فعلوا سابقاً مع الأمير فخر الدين في بداية القرن السابع عشر.

وقام والي صيدا الجديد، أحمد باشا الجزار وهو من البوسنة من مركزه في عكا بمهاجمة جبل عامل والتنكيل بالأهالي وعام 1776 أخذ الجزار بيروت وطرد يوسف شهاب منها، وفاق الجزار المغول في قسوته وبطشه فكان دخوله بيروت دموياً، حيث قتل الكثيرين وأغار على الأحياء المسيحية والأوروبية وهدم الكنائس محولاً بعضها إلى مساجد وأحداث عطلاً في التجارة اللبنانية مع أوروبا.

وهكذا استطاع الجزار أن يفرض سيطرته المباشرة، حتى تقلصت مساحة إمارة لبنان وخضعت لابتزازه ومزاجه، فحكم بالحديد والنار وأرعب الجبل وساهم في تذكية مؤامرات أمأ

أمراء الحرب ما أضعف الأمير يوسف، خاصة بعد تكاثر مطالبة أمراء شهابيين آخرين بسدة الحكم، وتطور الموقف إلى حرب أهلية عام 1788 وإلى مواجهة بين عسكر يوسف وعسكر الجزار في قب الياس في البقاع، فاضطر الأمير إلى التنحي عن كرسي الإمارة وأعطى الجزار توجيهاً لأمراء الحرب ليدعموا شهابياً آخر هو بشير الثاني، ابن قاسم الذي تنصر وتوفي في غزير، أميراً على الجبل.

ثم أمر الجزار بشير الثاني ليكون هو على رأس حملة من  عسكر الجزار لطرد يوسف من الجبل، فتم ذلك وهرب يوسف إلى حوران عام 1789، ثم قدم يوسف من هناك إلى عكا محاولاً إقناع الجزار بإعادته إلى الإمارة، وفيما وافق الجزار على عودة يوسف لقاء المزيد من الضرائب زايد بشير على يوسف بتسديد نسبة أعلى منها، فأسر الجزار يوسف ولم يصغ إلى توسلاته بالعفو بل أعدمه شنقاً عام 1790.

لم يكن الشاب بشير الثاني مطواعاً كما اعتقد الجزار بل طموحاً يتعلم بسرعة من أخطاء من سبقه، جاء فقيراً من غزير إلى بلاط يوسف، ابن عم أبيه، في دير القمر فعينه الأمير مسؤولا، ثم سمحت الظروف عام 1787 أن يتزوج أميرة ثرية هي شمس شهاب وكانت مسلمة، وعمل سراً مع آل جنبلاط للمطالبة بالإمارة لنفسه، وأصبح بشير أميراً عام 1788 ولكن الجزار لم يتركه وشأنه بل عمد إلى تعيين أبناء يوسف، حسين وسعد وسليم، على إمارة لبنان وعزل بشير عدة مرات.

وفي كل مرة كانت الحرب تشتعل بين أنصار بشير وأنصار أبناء يوسف، كان الجزار يتدخل لإذكاء القتال ويبقى هو سيد الموقف، وتجدر الإشارة إلى أنه لم يواجه أمراء الجبل وال عثماني بشدة وظلم الجزار الذي لم يعترف قط بأي حكم محلي، فهو لم يكتف كسابقيه بتحصيل الضرائب من الأمير وترك الناس وشأنهم، بل تدخل في كل شاردة وواردة وتصرف وكأن الأمير لا شأن له، فكان يضغط على بشير للاستجابة إلى طلباته وأوامره، ثم يهدده إذا تأخر بدعم أبناء يوسف ليحلوا مكانه، فتوسل بشير دعم الدروز وأبناء طاهر العمر في فلسطين ليرد عنه الجزار وأبناء يوسف.

وشهد العام 1798وصول الجيش الفرنسي بقيادة نابليون بونابرت إلى الشرق، ما شغل الجزار عن الاهتمام بشؤون الجبل وكف مؤامراته على بشير فبعد احتلال مصر توجه نابليون إلى ساحل المشرق عبر سيناء وبات يطرق باب الجزار في عكا، ورغم مودة الموارنة لفرنسا الكاثوليكية ودعمهم لأهدافها في الشرق، إلا أن بشير كان يأخذ جانب الحذر لأنه لم يكن متأكداً من استطاعة نابليون هزيمة السلطنة خاصة بعد وصول الأسطول البريطاني إلى المنطقة لنجدة العثمانيين والقتال ضد الفرنسيين.

كما أن بشير رضخ لضغط أمراء الحرب الدروز الذين كانوا يخافون من انتصار الفرنسيين فاعتذر عن مساعدة نابليون، كما اعتذر عن عون الجزار المحاصر ولكنه كان يحسب حساباً لانتقام الأتراك في حال لم يفز نابليون، متذكراً مصير أمراء المنطقة السابقين الذين تجرؤوا على دعم الأوروبيين، وآخرهم يوسف شهاب وظاهر العمر اللذان دعما روسيا عام 1774، وقبلهم فخر الدين الذي تعاون مع الطليان، فقدم بشير المؤن إلى الجيش العثماني الزاحف لطرد الفرنسيين من فلسطين ومصر.

أخطأ الفرنسيون في تقدير قوة عكا وتحصينها وامداداتها ودور الأسطول الإنكليزي في البحر، فهاجموا ولم يفلحوا في أخذها، ثم حاصروها لأربعة شهور حتى بدأت معداتهم ومؤونتهم تتناقص وخل الوباء في صفوفهم، فانسحبوا من فلسطين إلى مصر حيث بقوا حتى 1805، وعاش الجزار نشوة النصر على نابليون وجنى الفوائد من الباب العالي، ثم وجه ناظريه إلى الجبل للانتقام من بشير الذي لم يساعده ضد نابليون فعين على كرسي الإمارة خمسة أمراء شهابيين مناوئين لبشير دفعة واحدة وأوقع لبنان في فوضى عارمة.

ففر بشير بمساعدة الأسطول الإنكليزي عام 1801 وتوسط له سليمان باشا قائد حملة الجيش العثماني على مصر الذي حفظ له معروف تزويده بالمؤن من خيل وقمح لدى مروره بالبقاع، وساعده في العودة إلى الإمارة، ولم يعمر الجزار طويلاً إذ مات عام 1804، ما فتح الباب لبشير ليقوي سلطته المحلية، فشن حرباً ضروساً شملت الجبل وأظهرته مكيافيلياً في أعمال الاضطهاد الفظيع لرموز الجبل وأنصارهم، ممارساً القتل والنهب والتخريب على أوسع نطاق.

وعاقب بشير أمراء الحرب الدروز لأنهم انقلبوا عليه بإيعاز من الجزار عام 1799، فعمل على إضعافهم وقام بسمل عيون أبناء الأمير يوسف ثم قتلهم وقضى على أنصارهم وصادر أملاكهم وهاجم مشايخ الدروز وسلبهم ثرواتهم ومكانتهم، فانتهى آل أرسلان وتلحوق وعماد وعبد الملك ونكد إلى الذل والخضوع للأمير، ولم يبق سوى أل جنبلاط بزعامة الشيخ بشير جنبلاط يقفون في وجه الأمير.

ربما كان هدف الأمير من إضعاف الدروز والقوى المحلية هو توطيد السلطة تحت مركز مقوي ينهي سطوة أمراء الحرب ويحاكي سلطة محمد علي المركزية في مصر، ولكن الوضع في جبل لبنان كان مختلفاً عن مصر التي تميزت عبر التاريخ بوحدتها الاجتماعية واستواء تضاريسها الجغرافية في حين أن الجبل كان متنوع الجماعات المنعزلة جغرافيا ويحتاج إلى إرادة التعاون بين أبنائه.

وعلى أي حال فإن محاربة أمراء الحرب الدروز أعطى النتيجة العكسية حيث بدأ الدروز ينظرون للمرة الأولى في تاريخ لبنان إلى وضع الجبل على المستوى الطائفي لا الإقطاعي.

ورأوا في بشير شهاب مستبداً مارونياً يريد تحطين موقعهم ونفوذهم في الجبل، رغم أن تحركه استبدل سطوة أمراء الحرب من المشايخ الإقطاعيين بفرض سلطة القانون والعدالة بصرامة ذكرها التاريخ، وكما سنرى، فإن المواجهة بين الأمير بشير وأمراء الحرب الدروز اتخذت طابعاً طائفياً ومهدت للعداوة الطويلة بين المورانة والدروز في القرن التاسع عشر وأحدثت شرخاً طائفياً دامياً في المجتمع اللبناني استمر إلى القرن العشرين.

وبعد استتباب الأمن في الجبل، أصبح بشير أقوى أمير محلي في المشرق، وإذ وثق بمكانته عاد إلى التقرب من الدروز فتعاون مع بشير جنبلاط على نقل الدروز المعرضين للاضطهاد من شمال سورية إلى لبنان عام 1811، للاستيطان في الشوف والمتن.

وفي ظل استمرار الحملات الوهابية القادمة من الجزيرة العربية على المشرق والعراق، بات الولاة العثمانيون أكثر حساسية لدعوة الوهابية الإسلامية فغالوا في اضطهاد المسيحيين وقيدوا حرياتهم وأهانوهم حتى في اللباس، فشجع بشير مسيحيي العمق السوري على الهجرة إلى لبنان والإقامة في الجبل وبيروت[18]، واستمر بشر في الإمارة 51 عاماً فكان أطول عهداً من كل من سبقه، كما أن إمارة جبل لبنان انتهت بنهايته عام 1842.

ومنذ موت الجزار حمل بشير لواء السلطنة العثمانية لمدة 15 عاماً محارباً باسم الباب العالي في غدة مواقع منها عونه لوالي عكا الجديد عام 1804، ودفاعه عن دمشق ضد الوهابيين عام 1810، ولكن الأمور انقلبت عام 1819 بعد تغير والي عكا حيث قام الوالي الجديد، عبد الله باشا، بعزل بشير الذي لم ينجح في جمع ما يكفي من الضرائب لمدة سنة.

ثم بعدما اتفقا أعاده عبد اللـه باشا الذي كان يلقى عطف الباب العالي، ولكن بشير أخطأ في التقدير إذ أن الحكومة تدخلت لمصلحة والي دمشق ضد عبد اللـه باشا فهرب بشير ووجد نفسه لاجئاً في القاهرة، ضيفاً على محمد والي مصر، وتوسط محمد علي لدى الباب العالي لصالح عبد اللـه باشا وبشير، فعاد كل منهما إلى منطقته.

وعاد بشير إلى لبنان عام 1822 متمتعاً بدعم قوي من مصر فبدأ مواجهة مع بشير جنبلاط وأمراء الحرب الدروز بغية إضعاف ما تبقى من نفوذهم فضايق بشير جنبلاط حتى أجبره على الهرب إلى حوران، ثم هاجم المختارة وهدم قصر بشير جنبلاط وصادر أملاك الأسرة في الشوف، ما اضطر جنبلاط للعودة لإعلان الثورة ضد بشير في كانون الثاني /يناير 1825، ولكنه فشل وهرب مع أنصاره مجدداً إلى دمشق، حيث اعتقلوا وسيقوا إلى السجن في عكا فأعدمهم عبد اللـه باشا عند طلب الأمير.

وكان مقتل بشير جنبلاط ضربة مؤلمة لنفوذ الدروز، الذين أصبحوا بدون قيادة فتوقفوا عن التعاون في شؤون البلاد يتحينون الفرص للانتقام من الأمير الماروني الذي سحق جنبلاط الدرزي والذي أصبح العدو المسيحي للدروز.

رأى بشير في قوة مصر الصاعدة والمدعومة فرنسيا رمزاً لقوة يمكن أن تحل مكان العثمانيين، ورغم أن محمد علي استمد شرعيته من الباب العالي مباشرة إلا أن ولاءه للسلطنة كان اسمياً في حين كان هدفه، كغيره من حكام مصر، أن يكون هو السلطان، وقام بشير بعدة زيارات إلى مصر قربته من السياسة المصرية في المنطقة في ستجلب الويلات على لبنان لاحقاً.

 

جبل لبنان والحكم المصري

كان محمد علي قد أنفق أموالاً طائلة في الحملة العسكرية لإخماد الحركة اليونانية، وبعد موقعة فانارون، طلب محمد علي من الباب العالي أن يعوض مصر خسائرها الفادحة في العتاد والرجال، وأن يمنحه ولاية سورية بدل اليونان التي أصبحت بعيدة المنال، وأمام رفض الباب العالي للمطلب المصري الذي اعتبر تمرداً على إرادة الدولة العلية، هاجم الجيش المصري بقيادة إبراهيم باشا فلسطين عام 1831 لأخذ ما أراده محمد علي بالقوة، وكان المصريون ينظرون إلى المشرق كمنطقة نفوذ تاريخي اغتصبها منهم الأتراك عام 1516.

ولارتباط الأمير بشير بالمخططات المصرية في المشرق، أدى دخول الجيش المصري فلسطين إلى ثورة درزية ضد الأمير حيث نشب القتال بين القتال بين الموارنة والدروز في دير القمر والمتن والبقاع، فدخل الجيش المصري إلى الشوف لحفظ الأمن.

وفي حين التحق مقاتلو الدروز بالقوات العثمانية الزاحفة لمواجهة المصريين، اعتبر الموارنة ونصارى المشرق الجيش المصري صديقاً لهم، خاصة بعد وعد إبراهيم باشا بإلغاء القيود عن الأقليات وإعلان مساواتها مع المسلمين، وأصدر محمد علي أمراً صريحاً إلى بشير بالإنضواء في الحملة المصرية وتنفيذ خططها العسكرية، في حين اتجهت وحدات عسكرية مصرية لبنانية مشتركة لاحتلال مدن الساحل.

كان بشير ينفذ تعليمات إبراهيم باشا طيلة فترة الاحتلال المصري، مشاركاً في الزحف على دمشق وحمص حتى أكمل المصريون احتلالهم للمشرق وهزموا الجيش العثماني بمشاركة فعالة من عسكر الأمير، مطاردين فلول الأتراك إلى داخل آسيا الصغرى، وتقديراً لدعمه وصداقته رغب إبراهيم باشا قائد الحملة المصرية في تعيين بشير والياً باسم محمد علي على سائر المشرق، ما يجعل إمارته أكبر من إمارة فخر الدين في أوجها، إلا أن بشير رفض ذلك مفضلاً احتفاظه بإمارة الجبل ومناطقها المحيطة.

استمرت السيطرة المصرية عشر سنوات، وكان حكم إبراهيم باشا متنوراً باصلاحاته الإدارية العديدة المستوحاة من النظام المصري آنذاك المتأثر بالنفوذ الفرنسي مبادئ الثورة الفرنسية التي جلبتها حملة نابليون إلى القاهرة، وفيما يقلل البعض من أثر الحملة الفرنسية على مصر نظراً إلى قصرها، إلا أن النفوذ الفرنسي استمر بازدياد مطرد مع حكم محمد علي الذي وثق تحالفه مع باريس وسعى إلى الاسترشاد بنصح الفرنسيين وأرسل بعثات للتدريب العلمي والعسكري إلى فرنسا أحدثت أعمق الأثر في نهضة مصر في تلك الفترة[19].

وقام المصريون بإزالة معالم السلطنة العثمانية كنظام الملل الذي كان يعترف المذاهب والديانات ولكنه يميز فيما بينها مانحاً امتيازات لبعضها ومضطهداً البعض الآخر من الأقليات المسيحية، فجلب الإصلاح المصري الخلاص من العبودية والاضطهاد تحت النير التركي وزود الإدارة بأسلوب دولة عصرية مقارنة بسلطة أمراء الحرب العشوائية والظالمة، واعتبرت الإصلاحات المصرية من أسباب انطلاقة التحرر المسيحي في المشرق في التجارة والسياسة بشكل غير مسبوق فزالت معالم الذمية والذل.

وعلى صعيد الأحوال المدنية استقدم المصريون قانوناً مدنياً فرنسيا جعل مسيحيي المشرق مساوين للمسلمين في الحقول والواجبات وليس ذميين كما كان حالهم في ظل الأتراك، ولم يرض الكثير من المسلمين هذا الإصلاح، الذي سيترك أثراً سلبياً جداً خاصة على مسيحيي سورية، وفيما ساهمت هذه الإصلاحات في تحسين وضع المسيحيين اشتد غضب الدروز الذين فقدوا الكثير من نفوذهم بسبب الأمير بشير في حين تدهور وضعهم أكثر في ظل المصريين.

في مقابل الإصلاحات التي قام بها المصريون حدثت ممارسات سلبية في ما خص الضرائب والتجنيد الإجباري، ففيما اعتاد اللبنانيون على حكم ذاتي نسبي وسددوا الضرائب للوالي العثماني، فرض المصريون سلطتهم المباشرة في كافة الشؤون، وطلبوا استعمال عملتهم بدل العملة العثمانية المتمثلة بالعملة الذهبية "الليرة وأصلها إيطالي LIBRA" والفضية "ريال وأصلها فرنسي ROYAL" والنحاسية "الغرش أو القرش وأصلها ألماني GROSHEN" وتعني عملة معدنية سميكة.

فاستمر اللبنانيون في استعمال العملة العثمانية ولكنهم استعملوا العملة المصرية أيضاً وأطلقوا عليها تسمية مصاري أو مصريات، وفي حين اكتفى الأتراك من اللبنانيين بالولاء الإسمي وتركوا الأهالي تحت سلطة الوالي المحلي وأمير الجبل، جلب الحكم المصري سياسات أكثر وطأة، منها فرض الضرائب الفادحة لتمويل المجهود الحربي، وتجنيد الأهالي في صفوف الجيش.

ففي العام 1834 فرض المصريون التجنيد الإجباري على سكان الجبل، وهذا ما لم يفعله الأتراك سابقاً، وطلب إبراهيم باشا من بشير، الذي بات عميلاً لمصر، تطبيق نظام التجنيد على الموارنة والدروز وتم اعتقال 1200 شاب درزي بغية إرسالهم إلى السودان لمساعدة الجيش المصري في قمع ثورة كردفان في ذلك الوقت، ورأى الشيعة والدروز في سياسة المصريين انحيازاً ضدهم لمصلحة الموارنة، فاشتد كرههم للحكم المصري، رغم وحدة اللغة والتقاليد، واستعادت الجماعتان ذكرى الحملات المصرية ضد الشيعة عام 1305 وضد الدروز عام 1585.

ولم ينج الموارنة من هذه السياسة، حيث سعى إبراهيم باشا إلى تجنيد 1500 شاب من المسيحيين، في حين بدأت نقمة مشايخ الموارنة تزداد ضد ضرائب المصريين وضد بشير الخاضع لمشيئتهم، وتدخل البطريرك لدى قناصل أوروبا لثني إبراهيم باشا عن تجنيد المسيحيين، في حين كان جواسيس الإنكليز، وعلى رأسهم ريتشاد وود، يحضرون الأهالي ضد المصريين، وكان وود قد وعد باسم الباب العالي بإمارة يحكمها الموارنة في جبل لبنان تتمتع بحكم ذاتي وجزية قليلة إذا ما انقلب الموارنة على الحكم المصري.

وأمام سعي المصريين لتجنيد المزيد من الشبان وخاصة من الدروز في حوران والسنة في العمق السوري عام 1837 انتفض الدروز مجدداً ضد الحكم المصري وانتشرت ثورتهم إلى دمشق ووادي التيم ومناطق من لبنان بقيادة أمراء الحرب شبلي العريان وحسن جنبلاط وناصر الدين العماد فجند إبراهيم باشا بمساعدة الأمير قوة مارونية من 400 رجل عام 1838 بهدف ضرب الدروز[20]، وكان عدد سكان الجبل الموارنة في تلك الفترة مائتي ألف[21].

ونفذ الموارنة الأوامر وشاركوا مع مسلمي فلسطين في حملة الجيش المصري ضد الدروز الذين أبدوا مقاومة شرسة وقتلوا الكثير من المهاجمين إلا أن الدروز كانوا قليلي العدد والعتاد فهزموا في قرية شبعا في سفح جبل الشيخ ثم أعلن شيعة جبل عامل العصيان ضد المصريين في خريف 1839، فأخضعهم هؤلاء بمعونة بشير.

ولكن الوضع تغير عام 1839 إذ تزايد الغضب الشعبي على المصريين في حين بدأ الباب العالي يحصل على دعم مادي وديبلوماسي من الدول الأوروبية، وأخذ الأتراك المبادرة فشنوا حملة على الجيش المصري في شمال سورية عام 1839، ولكن الحملة التركية فشلت وهزم الجيش المصري الأتراك في نصيبين في تموز 1839، ووقع الآلاف في الأسر ثم استسلم الأسطول العثماني في البحر واقتيد إلى مرفأ الإسكندرية ولاحق المصريون فلول الجيش التركي في آسيا الصغرى "الجزء الغربي من تركيا الحديثة" حيث سقطت قونيا وكوتاهية، ما جعل الطريق إلى اسطنبول مفتوحاً والتفكير بحل يرضي المصريين مطروحاً لدى الباب العالي.

في تلك الاثنان كان الانكليز يتابعون التقدم المصري ويخشون الانهيار التركي، فوجهوا إنذاراً فورياً إلى إبراهيم باشا في 27 تموز /يوليو بضرورة وقف التقدم والانسحاب من سورية ولبنان مع الموافقة باحتفاظ المصريين بفلسطين، ولما يستجب المصريون للإنذار، بدعم قوي من فرنسا، بدأ الإنكليز الاستعداد للحرب.

في بداية العام 1840 بدأ محمد علي يستعد للمواجهة الدولية، فزاد حجم جيشه وأعطى أوامر بتجنيد المزيد من اللبنانيين من جميع الطوائف وأرسل لهذه الغاية بذات عسكرية  ومعدات إلى مرفأي بيروت وطرابلس، وبدأ إبراهيم باشا بتجريد سلاح الموارنة تمهيداً لتجنيدهم فخاف هؤلاء وفروا إلى قراهم واحتفظوا بأسلحتهم وفي نيتهم المقاومة.

ونظر الشيعة والدروز إلى الموقف الماروني بعين الرضى ما سمح بتقارب بين الجماعات الثلاث ضد الأمير بشير وأسياده المصريين، وفي أيار /مايو حاول بشير تجريد سلاح الدروز والموارنة في دير القمر، فاجتمع هؤلاء ورفضوا إلقاء السلاح وقرروا المقاومة، وبعد أسبوع حصل اجتماع موسع شمل كل الطوائف في انطلياس شمال بيروت واتفقوا على الثورة.

فانطلق العصيان المسلح من الشوف وكسروان والتحق به شيعة بعلبك وسنة طرابلس ومسيحيو الشمال، وأمام فشل بشير في قمع الثورة تدخل الجيش المصري وكاد ينجح في ضرب العصاة لولا وصول الأسطول الأوروبي إلى بيروت، إذ انطلقت إلى شرق المتوسط حملة انكليزية نمساوية مشتركة من 31 سفينة حربية تحمل 18000 جندي، وفي آب /أغسطس أحكمت الطوق على الساحل وقطعت خطوط المواصلات مع مصر، قم توقفت بمواجهة بيروت حيث تمركز آلاف الجنود المصريين المجهزين بالمدفعية الفرنسية الثقيلة.

وبدأ الإنكيز توزيع الأسلحة الفردية على السكان المحليين لمحاربة المصريين وبشير، حيث منحوا ثلاثين ألف بندقية للدورز والموارنة "استعملت فيما بعد في النزاع الأهلي" واستمر الحصار حتى فتحت مدافع الأسطول نيرانها في 10 ايلول /سبتمبر وأنزل الحلفاء 8000 جندي في جونيه "شمال بيروت" فالتحقت بهم فئات لبنانية مسلحة تعارض الوجود المصري وحكم البشير الذي قضى على أمراء الحرب المحليين وأنهك الأهالي بالضرائب والتجنيد.

فبدأ الجيش المصري ينسحب من مدن الساحل في حين أدت هزيمة الأسطول المصري إلى إضعاف الدفاعات الساحلية وصمدت بيروت شهراً آخر حتى سقطت في تشرين الأول/ أكتوبر 1840 وكان سقوط بيروت بمثابة المسار الأخير في نعشحقبة الإمارة اللبنانية، وخضع الجبل للحكم التركي المباشر، حيث نقل الإنكليز بشير بحراً إلى المنفى.

 

صمود أمراء الحرب

كانت سياسة شهاب الداخلية وخاصة ضد أمراء الحرب الدروز ودعمه للحملة المصرية، من الأسباب الرئيسة لنهاية حقبة الإمارة في جبل لبنان وبالتالي لزوال مرحلة أمراء الحرب بالمعنى العسكري المحلي الكانتوني لمدة مائة عام ليعاود هؤلاء مظهرهم المسلح في منتصف الخمسينيات من القرن العشرين، ولكن مؤسسة الحرب لم تتوقف بل استمرت بتقمصات جديدة في إدارة الدولة والتجارة كما سنرى لاحقا.

ومع عودة السلطة إلى العثمانيين، غرقت البلاد في صراعات مذهبية إقطاعية وفوضى اجتماعية استمرت 20 عاماً وانتهت بحرب أهلية ومجازر مهولة، وساهم في تدهور الوضع كثافة التسلح لدى جميع الطوائف، فلقد حاول الدروز استعادة قاعدة النفوذ التقليدي في الجبل وتقليص رقعة سيطرة الموارنة التي اتسعت في عهد البشير وأثناء الاحتلال المصري، وعين العثمانيون شهابياً آخر هو الأمير بشير الثالث الذي وعد زعماء الدروز العائدين إلى الجبل بعد فرارهم من المصريين بالاستجابة إلى مطالبهم، وكان من هؤلاء نعمان وسعيد جنبلاط ابنا بشير جنبلاط وحسين تلحوق وأمين أرسلان، ممن فقدوا في عهد الأمير بشير مكانتهم وممتلكاتهم.

ولكن بشير الثالث عدل عن تحسين وضع هؤلاء لا بل واصل سياسة المجابهة مع أمراء الحرب التي اتبعها الأمير بشير، فوقف أمراء الحرب الدروز ومعهم آل الخازن وآل حبيش الموارنة صفاً واحداً في وجه بشير الثالث، ولم يتفق أمراء الحرب على أمير يأخذ مكان بشير الثالث في حين سعى البطريرك الماروني إلى إعادة بشير الثاني من المنفى، فعاد النفور السابق بين الموارنة والدروز وفاقم الأمر سعي الدروز لاستعادة أراضيهم من أصحابها الجدد الموارنة واستعادة سلطتهم الإقطاعية وأمام رفض الموارنة الإذعان لمطالب الدروز يؤازرهم في رفضهم بشير الثالث والبطريرك، اتجه الأمر نحو العنف.

ففي العام 1841 وبسبب حادث فردي هاجم الموارنة من دير القمر بلدة بعقلين الدرزية وقتلوا 17 درزياً واعتذر البطريرك الماروني وأرسل وفداً من آل الخازن وآل حبيش للمصالحة، فأعلن آل جنبلاط وآل أبي نكد عن قبولهم بذلك ولكنهم استعدوا لجولة ثانية، إذ قاموا في 13 تشرين الأول / أكتوبر بمحاصرة دير القمر معقل بشير الثالث وقتلوا أكثر من 100 ماروني وأحدثوا خسائر فادحة في الممتلكات فيما سقط في المعركة 15 درزياً.

وأمام استمرار حصار دير القمر، تحرك المسيحيون من إهدن وزحلة وبعبدا وجزين للدفاع عن دير القمر، فاصطدموا بالدروز وبفرقة عثمانية، ووقعت عدة معارك في أنحاء عدة من لبنان كانت حصيلتها سيطرة الدروز على الشوف والمناطق المجاورة، وبسبب تدخل أهل زحلة إلى جانب دير القمر، زحف الدروز من راشيا بقيادة شبلي العريان فيما تدخل شيعة بعلبك إلى جانب زحلة الكاثوليكية والتقى الطرفان في شتورة في 25 تشرين الأول/ أكتوبر حيث دارت معركة وانهزم الدروز وتراجعوا فتعقبهم الشيعة إلى جنوب البقاع[22].

وفي حين حقق الموارنة انتصارات أخرى في أنحاء لبنان، لم يتغير الوضع في الشوف حيث حافظ الدروز على مواقعهم ولاحظوا عدم حماس الموارنة للدفاع عن بشير الثالث فهاجموا قصره في تشرين الثاني وأساؤوا معاملته ولم يقتلوه، ثم نهبوا قرى مارونية وأحرقوها، وكانت الحكومة العثمانية راضية عن نتائج هذه الأعمال وانتظرت ثلاثة شهور لكي تتحرك فعزلت بشير الثالث وأمرته بمغادرة لبنان في كانون الثاني /يناير 1842 وما إن انطلق الأمير في موكب من دير القمر إلى بيروت حتى هاجمه الدروز وجردوا حرسه من السلاح وأهانوه.

بعد ذلك فرض الباب العالي موظفاً عثمانياً لحكم الجبل بحجة أن الدروز والموارنة لم يتفقوا[23]، ولكن معظم الموارنة بقوا على ولائهم للأسرة الشهابية ولم يتعاونوا مع الحاكم العثماني في حين استغل الدروز الوضع واخذوا يستعيدون بعض امتيازاتهم بمساعدة الحاكم العثماني، ولكن سعي زعماء الدروز إلى تعميق قوتهم ونفوذهم تعارض مع توجهات الإدارة العثمانية التي ساقت نعمان وسعيد جنبلاط، وأحمد وأمين أرسلان وناصيف أبو نكد وحسين تلحوق وداود عبد الملك إلى السجن في نسيان 1842.

وحاول الدروز الثورة بقيادة يوسف عبد الملك، الذي لم يقع في الأسر وطلبوا من الموارنة الالتحاق بهم، فشك هؤلاء بالنوايا الدرزية، ولذلك بدأ الدروز الثورة بمفردهم وحضرت قوات درزية من حوران ووادي التيم بقيادة شبلي العريان وحاصرت الحاكم العثماني في دير القمر، على أمل أن يغير الموارنة رأيهم ويساعدوهم في بداية الحصار استعمل العثمانيون الحوار مع الدروز، ولكن مطالب هؤلاء لم تكن مقبولة "إطلاق سراح زعماء الدروز وإلغاء الخدمة العسكرية ومنع تجريد السلاح وإعفاء الجبل من الضرائب، فجاءت فرقة عثمانية أنهت الحصار وشتت القوة الدرزية، و لم تخمد النعرات الطائفية التي كان يذكيها بين الجانبين القناصل الأوروبيون والجواسيس والإرساليات الدينية، في حين انبرت فرنسا تحمل لواء الدفاع عن الموارنة وفي مواجهتها بريطانيا حامية للدروز، وأسفرت الثورة الدرزية عن بدء مشاورات بين الدول الكبرى، قبل خلالها العثمانيون باقتراح رئيس وزراء النمسا مترنيخ فرض نظام جديد بتقسيم لبنان بعدما بات الإبقاء على كيان موحد أمراً متعذراً.

في العام 1843 قسم العثمانيون الجبل إلى منطقتين، شمالية بأغلبية مارونية يديرها قائمقام ماروني هو الأمير حيدر أبي اللمع، وجنوبية بأغلبية درزية يديرها قائمقام درزي هو الأمير أحمد ارسلان "بعدما تعذر تسمية سعيد جنبلاط وأطلقوا سراح زعماء الدروز، كان القصد من هذا الإجراء فرض حل على سكان الجبل يمنع الاحتكاك، ولكن الصعوبة كانت في التطبيق العملي إذ أن القائمقامية الدرزية ضمت تجمعات سكانية مارونية كبيرة كما أن الكثير من قرى وبلدات الدروز كانت ضمن القائمقامية الشمالية، ولم يمنع هذا التقسيم استمرار العنف وارتكاب الجرائم المختلفة.

وتدخلت السلطة مجدداً وعينت في كل منطقة وكيلا مارويناً وآخر درزياً يعملان مباشرة مع القائمقام ولكن أحداث العنف استمرت حتى اندلعت حرب أهلية جديدة في نيسان/ إبريل 1845 وفيما كانت القوى العسكرية متكافئة بين الموارنة والدروز، استطاعت قوة مارونية من جزين الوصول إلى المختارة بعتدما نهبت وحرقت 14 قرية درزية واشتبك موارنة الشحار وبعبدا بقيادة أمراء شهابيين، مع الدروز في عبيه، واقتحمت قوات من المتن وزحلة عددا من قرى الدروز وأحرقتها، وفيما كان الدروز دوماً في موقع الدفاع، تدخل الجيش التركي إلى جانبهم في عدة مواقع وقلب ميزان القوى فبات الدروز يهاجمون القرى المسيحية في المتن وينهبونها ويشعلون فيها النيران.

وضغط القناصل الأوروبيون في بيروت على السلطة العثمانية لوقف الحرب، فاستغرقت المفاوضات عدة أشهر فيما المعارك مستمرة، وأخيرا تم التوصل إلى اتفاق في 29 تشرين الأول /أكتوبر أبقى على نظام القائمقاميتين، على أن يعاون كل قائمقام مجلس من 12 عضواً "قضاة ومستشارين" يمثلون الطوائف وأصبح هؤلاء موظفين مدى  الحياة يتقاضون مرتباً شهرياً.

ولئن قام المجلس بمهمة تقدير الضرائب وتوزيعها على المناطق وجبايتها، والنظر في الدعاوى القضائية على أساس مذهبي، كانت النتيجة مزيداً من الإضعاف لأمراء الحرب الذين كانوا يمارسون هذه الصلاحيات سابقاً وهكذا حل القائمقام مكان أمير الأمراء ومجلسه محل المشايخ أمراء الحرب.

ولكن عائلات أمراء الحرب لم ترض بالحال الجديد الذي هدد مكانتها، فعملت على تخريب هذه الإجراءات، وقام المشايخ بإعادة فرض الخوة على الفلاحين حيث استطاعوا، كما رفضوا التعاون مع السلطة، وفيما اقتضى نظام القائمقامية إجراء إحصاء سكاني ومسح الأراضي لترتيب مالية وأعمال الكيان، عمل أمراء الحرب ما في وسعهم على إفشال هذه الخطوة التي شكلت مزيدا من التهديد لنفوذهم.

وحضرت البعثة الحكومية العثمانية المولجة بالإحصاء إلى لبنان عام 1847 وغادرت بعد ثلاث سنوات دون أن تحقق ذلك، ورويداً عادت سلطة المشايخ في المناطق الدرزية والمارونية، في حين اشتد نفوذ القناصل الأجانب، حتى أن أصغر أمور لبنان كانت موضع اهتمام وتدخل الأوروبيين، وتشير إلى ذلك رسالة من أحد أمراء الحرب إلى البطريرك الماروني: لقد أصبحت أمورنا في هذه الأيام تابعة لانكلترا وفرنسا، وأنه إذا ضرب أحدهم رفيقه تصير المسألة انكليزية وفرنسوية.

وربما قامت انكلترا وفرنسا من أجل فنجان قهوة يهرق على الأرض[24]، وتوزع أمراء الحرب الموارنة من الشمال حتى كسروان كالتالي: آل الضاهر في الزاوية (فيما انحسر نفوذ آل حمادة الشيعة الذين احتفظوا بجبة المنيطرة) وآل أبي صعب في القويطع وآل الدحداح في الفتوح وآل خازن في كسروان وآل حبيش على غزير، وأمراء الحرب في الجبل الجنوبي كالتالي: آل أبي اللمع "وهم موارنة من أصل درزي" في المتن والشوف البياضي، وآل شهاب في ساحل بيروت "وكانوا موارنة من أصل سني" أما الشوف ومناطق أخرى فكانت تحت آل جنبلاط وأرسلان وتلحوق ونكد وعبد الملك وعماد وكلهم من الدروز ويعتبرون "المشايخ الكبار".

إن جذور الحرب الأهلية بين الموارنة والدروز عام 1860 لم تكن لأسباب محض طائفية، بل امتدت داخل القائمقامية المارونية وبين الموارنة أنفسهم، ففي أواخر الخمسينيات تصاعدت حدة الشكوى الاجتماعية في أواسط الفلاحين والفقراء ضد أمراء الحرب الإقطاعيين وخاصة ضد آل الخازن الذين لم يستجيبوا للمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية في لبنان والمنطقة وأوروبا واستمروا في أسلوبهم الاستبدادي "الذي يعود إلى أيام فخر الدين الذين وكلهم في كسروان عام 1611" وكان عقد الخمسينيات من القرن التاسع عشر بمثابة فترة استعداد للحرب الأهلية الكبرى، إذ في الفترة 1850- 1858 دخل لبنان 120 ألف بندقية و 20 ألف مسدس وتزامنت المناوشات الطائفية مع صعود بطريرك جديد على رأس الكنيسة المارونية له سلطة روحية في الأوساط الشعبية عام 1854، وكان البطريرك بولس مبارك مسعد يدعم مسعى الفلاحين إلى تحسين ظروفهم بمواجهة المقاطعجية أكانوا موارنة أم دروزاً وكان شديد الإيمان ومن أصول عائلية متواضعة يشعر مع الناس العاديين ويشاهد ظلم المشايخ، تولى البطريركية في عمر 49 سنة، وأعلن عداءه للإقطاع، فانحاز رجال الكنيسة إلى جانب الفلاحين ضد أسر أمراء الحرب.

وكان أكثر الأعمال عنفاً تلك التي قامت بها حركة العامية بقيادة طانيوس شاهين "شيخ شباب" ريفون، ووقف البطريرك مع الثورة ضد آل الخازن الذين أساؤوا معاملته[25]، في حين وفرت الكنيسة المارونية دعماً كاملاً لانتفاضة الفلاحين وشارك الخوارنة في صياغة مطالب الثورة.

وسرعان ما تحولت الحركة الفلاحية إلى أعمال بشعة في كانون الثاني يناير 1859 حيث هاجم الغوغاء منازل آل الخازن وقتلوا زعماءهم وهجروا من بقي حيا واستمرت أعمال العنف ثلاثة شهور حتى تم طرد آل الخازن وحلفائهم من كل كسروان.

واعتبر شاهين الفوز على قسم من أمراء الحرب بأنه قضاء على اقطاع المشايخ وأعلن عامية برئاسته المطلقة، فتحمس أنصاره وقرروا توسيع رقعة انتفاضتهم إلى مناطق أخرى يقطنها الموارنة ولكنها تقع بمعظمها في مناطق نفوذ أمراء الحرب الدروز في القائمقامية الجنوبية وهنا اختلف الوضع، فما بدأ كانتفاضة شعبية ضد الإقطاع وأمراء الحرب وبدون خلفية دينية، تحول في القائمقامية الجنوبية  إلى صراع مذهبي أطلق شرارة حرب أهلية أشعلت الجبل، فمع نهاية العام 1859 اشتدت المشاعر المذهبية بين الدروز والموارنة، حيث أبى الدروز أن ينقسموا إلى فلاحين ومشايخ، في حين كانت وتيرة العنف إلى ازدياد.

شهدت الحرب الأهلية الجديدة عام 1860 مجازر ومجازر مضادة وصفها مراقب أوروبي أنها حرب بين جماعتين يزايدان على بعضهما البعض في الوحشية وطبعاً لم يكن الأوروبيون مجرد مراقبين إذ أن الإنكليز كانوا يحرضون الدروز ويمدونهم بالسلاح والنصح العسكري في حين تلقى الموارنة الدعم من الفرنسيين، وقد اختلف الإنكليز في دعم الدروز فكان جزءا من سياسية بريطانية العامة في الإبقاء على وحدة السلطنة وضرب التوجهات الفرنسية فيما كان الفرنسيون يتصرفون انطلاقاً من مصالحهم وبصفتهم الدولة الحامية لرعايا السلطنة من الكاثوليك ومنهم الموارنة[26].

ورغم أن الموارنة كانوا الأكثر عدداً في الجبل إلا أنهم افتقروا إلى التنظيم والوحدة الاجتماعية، رغم مقدراتهم على حشد 25 ألف رجل مقارنة بالدروز الأقل عدداً والذين حشدوا قوة بلغت 15000 رجل فكان الموارنة في كل مكان ينظمون فرقاً صغيرة في القرى من بضعة رجال بإمرة شيخ الشباب في حين كان الدروز في تنظيم دقيق جمع فرقاً من حوران ودمشق ووادي التيم والجبل، يدعمهم سراً الأتراك وبريطانيا.

في الأشهر الأولى من 1860 استطاع الدروز حسم الموقف لصالحهم في البقاع وفي المناطق الخاضعة للقائمقامية الجنوبية جنوب طريق بيروت –دمشق باستثناء زحلة، ثم حاول الدروز التقدم إلى القائمقامية المارونية فهاجموا حيث أقام عدة أمراء شهابيين وارتكبوا مجزرة، ولم يكن سوء تنظيم الموارنة هو السبب الوحيد في مصابهم، بل كان انقسامهم الداخلي أحد عوامل الفشل، ففي حين كان الدروز يهاجمون بعبدا، كان طانيوس شاهين زعيم الحركة العامية يحضر لنجدة بلدات مسيحية محاصرة في البقاع ولكن موارنة الشمال في بشري وغزرتا بقيادة يوسف كرم، أمير حرب إهدن، كانوا غاضبين على شاهين لما ارتكبه بحق آل الخازن وزعماء آخر ين في كسروان، وكان الدروز وحلفاؤهم يحاصرون زحلة الكاثوليكية في البقاع، التي دعي أهلها إلى الصمود إلي حين وصول يوسف كرم وآخرين لنجدتهم.

ولكن هذا الأخير وجه اهتمامه إلى تصفية حسابات وكسروان، تاركاً زحلة لمصيرها في حزيران/ يونيو 1860 حيث دخلها الدروز وحلفاؤهم حاملين بيارق الموارنة التي غنموها في معارك سابقة.

فظنهم أهل زحلة عسكر يوسف كرم واستقبلوا، فاقتحم البلدة آلاف الرجال وعملوا فيها نهباً وتقتيلاً وحرقاً، وهرب أهل زحلة في الجبال إلى المتن وكسروان.

وهكذا في صيف 1860 استعاد أمراء الحرب الموارنة نفوذهم في كسروان وسط انكسار المسيحيين على كل الجبهات الأخرى، واعتبرت فرنسا أن وضع الموارنة يتجه إلى الكارثة إذا لم يحصل تدخل لوقف العنف، حيث لم تفلح النداءات المتواصلة المواجهة إلى الباب العالي لإرسال قوى نظامية وإعادة الأمن وكانت التقارير الديبلوماسية والصحافية التي تصل أوروبا تشرح احتمال تدهور وضع المسيحيين في المشرق، وبعد انتظار طويل بدأ تحرك دولي لوقف الحرب في لبنان فيما توسطت الحكومة العثمانية بين الموارنة والدروز، الذين قبلوا بوقف القتال في تموز /يوليو وفيما الحكومة تعلن عن الاتفاق، وقعت كارثة كبرى في دمشق هزت الرأي العام العالمي وأدت إلى التحرك الفوري في العواصم الأوروبية، إذ هاجم مسلمو دمشق أحياء المسيحيين يوم 9 تموز / يوليو وارتكبوا مجازر أسفرت عن مقتل ستة آلاف مسيحي[27].

ولئن وقف العسكر العثماني في دمشق على الحياد بل ساهم في نهب المسيحيين، سرت إشاعات في أنحاء سورية أن ه9ناك حركة لإبادة المسيحيين، وخلال بضعة أيام بلغ عدد القتلى المسيحيين في سورية 11 ألفاً، وفي آب /أغسطس 1860، أرسل نابليون الثالث 7000 جندي فرنسي نزلوا في بيروت، فيما بدأت الحكومة العثمانية في توزيع المساعدات على الضحايا وإلقاء القبض على المجرمين في دمشق وجبل لبنان من ضباط الجيش العثماني والمشاركين في المجازر، ثم بدأ الفرنسيون هجوماً واسعاً على الشوف، معقل الدروز الرئيسي واحتلوه وشارك مقاتلو الموارنة في الحملة الفرنسية ولكنهم أخذوا ينهبون القرى الدرزية ويرتكبون الجرائم، ولم ينتظر أمراء الحرب الموارنة استتباب الوضع وتحقيق حد أدنى من التفاهم، بل عادوا فوراً إلى منازلهم في دير القمر وبلدات أخرى في الشوف إمعاناً في إهانة الدروز.

أدت الحرب الأهلية في لبنان من 1858 إلى 1860 إلى نتائج سلبية خطيرة فمن أصل عدد سكان بلغ 400 ألف، سقط 33 ألفاً نتيجة المعارك أو ضحية الجوع والمرض، منهم 17 ألف ماروني و9 آلاف درزي و 5 آلاف أرثوذكس أو كاثوليك و 2000 من المسلمين الشيعة والسنة الذين شاركوا في بعض المعارك في جنوب لبنان والبقاع ومواقع أخرى، منهم 15 ألفاً عام 1860 كما أصبح 100 ألف مواطن من المهجرين، و 10 بالمائة أي 50 ألفاً تركوا لبنان بشكل دائم وهاجروا إلى مصر وأمريكا وبلدان أخرى، وحتى العام 1908 بلغ عدد الذين غادروا لبنان مائة ألف كلهم مسيحيون وأغلبهم موارنة[28].

كما أن مخاض هذه المرحلة قد أصاب الدروز في الصميم حيث تقهقر حجمهم السياسي والاقتصادي وتقلص عددهم إلى 50 ألف نسمة تقريباً بعد هجرة الكثيرين إلى حوران قوتهم المقاتلة التي كان يشد عضدها أمراء الحرب.

 

متصرفية جبل لبنان

في أيلول سبتمبر 1860 انعقد مؤتمر دولي في بيروت وضع أمامه الهدف الفوري لتحقيق السلام الدائم في الجبل[29] وظن كثيرون أن الفرصة سانحة لعودة الحكم الذاتي إلى جبل لبنان بقيادة أمير ماروني كما كان الحال قبل العام 1843، وساهم في تشجيع هذا الظن تعيين يوسف كرم قائمقام على قائمقامية الموارنة محل بشير أبي اللمع إلى حين انتهاء المؤتمر وسعى كرم ليكون هو أمير جبل لبنان، ولكن بعد ثمانية أشهر من النقاش خرج المؤتمر بقرارات منها تعيين موظف عثماني مسيحي غير لبناني حاكماً على جبل لبنان، يعاونه مجلس من أمراء الحرب الرئيسيين كممثلين لطوائفهم ويقسم الجبل إدارياً إلى سبع مناطق تعكس جغرافية طائفية تاريخية تشبه كانتونات أمراء الحرب.

وفيما رحب الدروز بنظام المتصرفية انقسم حوله الموارنة، حيث أيده الموارنة المعتدلون في الشوف وبعبدا الذين ذاقوا ويلات الحرب، وعبروا عن استعدادهم للتعاون وعارضه موارنة كسروان والشمال الذين لم تنلهم الويلات، بقيادة يوسف كرم وحلفائه بدعم من الكنيسة المارونية، لأنه لم يستجب لطموحاتهم، واعتبر هؤلاء قبول فرنسا بنظام المتصرفية خيانة لقضيتهم.

ولم يكن الوضع يسمح بالاستجابة لأماني الموارنة الرافضين، لأن الدول الكبرى رأت أن السماح بقيام إمارة في الجبل يحكمها الموارنة هو دعوة أكيدة لتجدد الحرب الأهلية، وفيما تراجعت فرنسا عن رغبتها في دعم دولة مسيحية دائمة في جبل لبنان خارج السلطنة تحت ضغط بريطاني، أصرت على أن يكون الحاكم مسيحياً، حتى لو لم يكن لبنانيا لتجنب تجدد النعرات، وأن يتمتع الكيان ببعض الاستقلال المالي وأن ينظم جهاز درك محلي على أن يتمركز الجيش في الطرق الرئيسية.

واتخذت نهاية "أمراء الحرب" في دورهم المحارب طابعاً رسمياً، إذ نصت المادة الخامسة من النظام الأساسي لجبل لبنان على إلغاء امتيازات الإقطاعيين والإمتيازات العائدة للمقاطعجيين[30]، ولكنهم عوضوا عما فقدوه من التزام مباشر لإقطاعياتهم ومن قوة عسكرية ذاتية عبر انخراطهم في مؤسسات دولة جبل لبنان، فلبست الكانتونات رداء تقسيمات إدارية جديدة كأقضية ونواح ووجد الأمراء والمشايخ أصحاب المقاطعات سابقاً في وظيفة قائمقامقام القضاء ومدير الناحية استمراراً لجانب من وظيفتهم القديمة، وأخذ المتصرف دور أمير الأمراء وكسب ود أمراء حرب الجبل بأن عينهم جميعاً، وكان عددهم 16، في مجلس إدارته، فكان منهم مجيد شهاب، ابن الأمير بشير، وحسن شهاب وقيس شهاب وعبد اللـه أبي اللمع ومراد أبي اللمع وملحم أرسلان.

وطيلة عهد المتصرفية الذي استمر نصف قرن شغلت وظائف الدولة ذات الشأن شخصيات من عائلات شهاب وأبي اللمع وجنبلاط وعبد الملك وأرسلان ونكد وتلحوق وعازار وخازن وحبيش والدحداح، فمن بين 37 قائمقاماً خلال هذه الفترة كان 23 بينهم ينتمون إلى عائلات أمراء الحرب و 14 من التجار، أما في وظائف مدراء النواحي فقد كان 260 مديراً ممن ينتمون إلى عائلات أمراء الحرب في حين كان 77 منهم من التجار[31].

وشكلت إدارة جبل لبنان الحقل الجديد للصراع بين أمراء الحرب وقد انضمت إليهم فئة التجار "راجع الفصل الرابع عن فئة التجار" واستمرت الزعامات المناطقية بأشكال وأنماط جديد حيث بقي الولاء الفلاحي والشعبي للعائلات التقليدية وللقوى الاقتصادية الجديدة وسيستمر هذا الصراع على السلطة والمكاسب في ظل أنظمة الحكم المختلفة حتى الخمسينيات من القرن العشرين عندما عاد إلى الظهور نمط أمراء الحرب في قالبهم المحارب.

اعتبرت فرنسا أن القبول بالمتصرفية سيكون لمصلحة الموارنة حتى لو ضحوا بمطالب يوسف كرم وحلفائه، وكان واضحاً أن موارنة كسروان والشمال لم يتمتعوا بنفوذ ومقام موارنة الشوف وعاليه والمتن، وبالفعل كان للمورانة الحصة الكبرى في وظائف الكيان الجديد ففي جهاز الدرك الذي لم يتجاوز الألفي عنصر كان عدد الموارنة 1200 والدروز 200، والشيعة 60 عنصراً وباقي المسيحيين "الروم الأرثوذكس والروم الكاثوليك" 350 عنصراً وأصبح أفراد جهاز الدرك بمثابة أزلام أمراء الحرب السابقين ودخلوا في صلب المعادلات الاجتماعية الجديدة ولعبوا سنداً للعائلات النافذة، فأصبح لتعبير "ابن حكومة" سمعة سلبية.

واستمرت المعارضة المارونية لنظام المتصرفية، وحافظ يوسف كرم على خطه واستمر في مواجهة عسكر المتصرفية التي لم يعترف بها، مدعوماً من الكنيسة المارونية حتى كسر شوكته درك المتصرفية عام 1866، ورغم نصح الفرنسيين له بقبول نظام الجبل ورغم تخلي الكنيسة عنه، إلا أن أي حل لا يجعل يوسف كرم أميراً على لبنان لم يكن مقبولاً لدى هذا الأخير.

ويقول المؤرخ سمعان الخازن أن يوسف كرم قام بمحاولة أخيرة للتعاون مع الأمير عبد القادر الجزائري المقيم في دمشق والذي أنقذ مئات المسيحيين من المجازر، لإقامة مملكة عربية مستقلة تتخلص من سلطة الباب العالي ويكون عبد القادر على رأسها ويوسف كرم أميراً على الجبل[32].

وأخيراً نفي كرم إلى أوروبا عام 1867 حيث مات في نفس العام، وفيما تلاشت المقاومة العسكرية إلا أن إصرار موارنة كسروان والشمال، تدعمهم الكنيسة على كيان بأغلبية مسيحية استمر وكان من أسباب قيام دولة لبنان الكبير فيما بعد.

في فترة المتصرفية من العام 1861 وحتى 1914 تمتع جبل لبنان بفترة طويلة من السلم الأهلي والازدهار، وأخذ مجلس أمراء الحرب برئاسة المتصرف مكان الكانتونات المتناحرة التي صبغت الجبل في القرون السابقة، وكان معظم رجال الحكومة من موارنة الشوف وبعبدا، وخاصة من آل شهاب وخوري وبستاني، واستمر هؤلاء في شغل مناصب الدولة الرفيعة في العقود التالية وما يزالون حتى اليوم.

وحتى مقلب القرن العشرين لم يحظ موارنة الشمال بأي منصب رفيع أو بتمثيل ذي أهمية في مسائل الحكم، بل كان أمراء الحرب المحليون في كسروان وزغرتا وبشري يستلمون وظائف عادية من رتبة قائمقام في مناطقهم.

وفيما استمر نفوذ آل وفاة أسعد انقسم موارنة الشمال جغرافياً فأصبحت زغرتا واهدن تحت زعامة قبلان فرنجية، ينافسه مخايل معوض، المدعوم من آل كرم وآل الدويهي وآل بولس، في حين كانت بشري تحت زعامة نجيب ضاهر ينافسه آل عريضة وكيروز وجعجع، وكان موارنة بشري الأقل نفوذاً بين موارنة جبل لبنان في تلك الفترة، حيث اعتبرت تلك المنطقة من الجرد العالي الأقل ثروة وعلماً وازدهاراً بين المناطق المارونية.

لقد تفوق موارنة المنطقة الوسطى "الشوف وعاليه والمتن" على موارنة المناطق الأخرى بفضل التعليم والقرب الجغرافي من بيروت وتوفر فرص العمل والاستثمارات وعلى سبيل المثال فضل المتصرفون تعيين رجال موارنة غير معروفين مثل نمر شمعون من دير القمر كوزراء للمالية بسبب علمهم، في حين أهملوا أمراء الحرب العريقين من موارنة كسروان والشمال ولكن الوضع المهيمن لموارنة الوسط تغير عام 1970، عندما بدأ موارنة الشمال تحقيق مكاسب سياسية هامة، فكان منهم رؤساء جمهورية "كسليمان فرنجية ورينيه معوض" ووزراء في الحكومة، حتى أن شاباً من بشري "سمير جعجع" استطاع أن يصبح الزعيم الماروني غير المنازع للمليشيا المسيحية عام 1986.

ورغم ترحيبهم بنظام المتصرفية وتفوقهم في حرب 1680، إلا أن الدروز لم يستعيدوا موقعهم التاريخي حيث كانوا العامل الأساسي في ولادة الإمارة في القرن السابع عشر، ويعود ذلك إلى التحولات الديمغرافية التي شهدناها من انتشار الموارنة في الجبل وزيادة عددهم مقابل تضاؤل عدد الدروز وهجرتهم إلى جبل الدروز وبيعهم الأراضي إلى الموارنة "حتى أن الباب العالي بدأ ينظر إلى مناطق الدروز جنوب دمشق بأنها أكثر أهمية من مناطقهم في جبل لبنان فترشح الأمير شكيب ارسلان عن حوران لعضوية مجلس المبعوثان العثماني عام 1908، وفي عهود المتصرفية والانتداب الفرنسي تقاسم آل أرسلان وآل جنبلاط زعامة الدروز.

في القرن التاسع عشر لم يكن من دور يذكر للشيعة، الذين بقوا على هامش الأحداث، يقودهم أمراء حرب تقليديون كان جل همهم في ظل المتصرفية الحصول على الوظائف الرسمية لا تحسين ظروف مناطقهم وتطويرها.

وكالموارنة كان الشيعة منقسمين شمالاً وجنوباً، فكان شيعة بعلبك والهرمل والجرد تحت زعامة آل حمادة، وشيعة جبل عامل وباقي الجنوب تحت زعامة آل الأسعد، وفي بداية القرن العشرين كان سعيد حمادة زعيم شيعة بعلبك والهرمل "خلفه قريبه صبري" ينافسه آل الحسيني في الجرد، في حين كان كامل الأسعد زعيم شيعة الجنوب "خلفه أخوه عبد اللطيف ثم ابن أخيه أحمد ثم حفيده كامل، ينافسه آل الخليل في صور.

مع اندلاع الحرب العالمية الأولى في أوروبا وانضمام الامبراطورية العثمانية إلى هذه الحرب إلى جانب ألمانيا عام 1914 انتهى ما يعرف بدولة جبل لبنان بمتصرف مسيحي، حيث احتل لبنان الجيش التركي بقيادة أحمد باشا وعين متصرفين مسلمين، وفي فترة الحرب عانى سكان لبنان ويلات استمرت حتى 1917 وهلك عشرات آلاف المواطنين من المرض والجوع، ومن هذه الويلات غزو الجراد وحصار بحري وحكم عسكري مباشر فرضه أحمد جمال باشا الملقب بالسفاح ومصادرة الأتراك للمواد الغذائية والعملات المعدنية وفرض العملة الورقية.

لم يصمد الجبل المغلق أمام هذه المصاعب غير العادية وخاصة إقفال البحر في وجه الاستيراد وعدم إمكانية زرع ما يكفي من الحبوب والمواد الغذائية، ورغم أن الزراعة وإنتاج الحرير كانا نشاط سكان لبنان الرئيسي إلا أن كمية الغذاء المنتجة محلياً لم تلب حاجة أكثر من ثلث السكان في حين وقع الآخر ون في الفقر والمجاعة، وكان أمراء الحرب يعيشون حياة وثيرة تبعد عنهم شر الويلات.

 

دولة لبنان الكبير

بعد هزيمة تركيا عام 1918 وانسحابها نهائياً من البلاد العربية، وضعت عصبة الأمم "المنظمة الدولية الذي سبقت منظمة الأمم المتحدة" المنطقة تحت الانتداب الفرنسي البريطاني، الذي قسمها إلى مقاطعات جغرافية بموجب اتفاقية سايكس بيكو، فكان لبنان وسورية من نصيب فرنسا، ورحب الموارنة بالانتداب الفرنسي على لبنان، واستقبلوا القوات الفرنسية كمحررة من قرون الاستعباد التركي، أما الدروز والمسلمون سنة وشيعة، والروم الأرثوذكس فلقد أعلنوا ولاءهم للحكومة العربية في دمشق بقيادة الأمير فيصل بن الحسين شريف مكة، وحتى بعض الشخصيات المارونية، ومنهم حبيب باشا السعد أعلن الولاء أيضاً للحكومة الفيصلية وأعلن الاستعداد للعمل معها.

وبدعم الفرنسيين، سعت شخصيات مارونية وأثوذكسية إلى توسيع كيان الجبل le petit liban لخلق دولة قادرة على الحياة، ولم يرض أمراء الحرب وتجار بيروت يدعمهم البطريرك الماروني الياس الحويك عن الحكومة العربية في دمشق، بل أصروا على لبنان كبير منفصل بمساحة أكبر وواجهة بحرية، ودفعت عائلات بيروت المسيحية، بسترس وسرسق وتويني وشيحا وفرعون وغيرها، إلى خلق دولة لبنانية تضم بيروت، وكان ثمة عائلات تأسست في بيروت بمعزل عن أمراء الحرب في الجبل باتت تتمتع بقدرات اقتصادية، معظمها مسيحية وتضم بعض المسلمين ومن هذه العائلات بسول وفرعون وحلو وطراد ونقاش وتابت وصباغ وبيهم وفياض ولحود[33].

هذه العائلات وغيرها وقعت عرائض قدمتها إلى الحكومة الفرنسية للمساعدة في إنجاز هدف تكبير لبنان، واستجاب الفرنسيون الذين ربطتهم بكاثوليكي المشرق لاسيما الموارنة منهم علاقات تاريخية، سياسية اجتماعية واقتصادية، ووسعوا الجبل ليضم مساحات من ولاية بيروت وولاية دمشق.

وأسفر التعاون الفرنسي مع مسيحيي لبنان عن ولادة دولة لبنان الكبير le grand liban الذي بات يمتع بمزايا جمة، منها تضاعف عدد سكانه من 300 ألف نسمة إلى 600 ألف، وضم مدن تاريخية هامة "بيروت وصيدا وطرابلس وصور" ومساحات زراعية خصبة "البقاع وعكار وبلاد بشارة- انظر الجدول رقم 16 في الملحق الإحصائي" واستبدلت العملة العثمانية بعملة جديدة في سورية ولبنان تعتمد قيمتها على الفرنك الفرنسي في حين بات اقتصاد الكيان الجديد أكثر ارتباطاً باقتصاد المتربول الفرنسي.

ولم يقبل الدروز بالانتداب الفرنسي، فهم رحبوا بتحرير البلاد من الحكم التركي، ولكنهم لم يثقوا بطغيان الموارنة في الكيان الجديد بمساعدة أصدقائهم الفرنسيين فأعلنوا المقاومة المسلحة ضد ما اعتبروه احتلالاً فرنسيا للبلاد.

أما في لبنان فكان رأس المعارضة الأكبر للانتداب الفرنسي هم زعماء السنة في المدن الساحلية، خاصة بيروت وطرابلس وصيدا، الذين كانوا، حتى قيام دولة لبنان الكبير يتمتعون بالاستقرار والثروة والمناصب الرسمية العثمانية، وكما سنرى في الفصل التالي، كان ثمة صعوبة في إقناع زعماء السنة بالقبول بدولة مستقلة ليس فقط عن الباب العالي بل منفصلة عن إخوانهم في سورية.

 

 


[1] PHILIP HITTI, LEBANON HISTORY, LONDON, MACMILLAN 1967, P. 248.

[2] يوسف محفوظ، مختصر تاريخ الكنيسة المارونية، الكسليك، مطبعة جامعة الكسليك، 1984، ص 37 وبطرس ضو، تاريخ الموارنة الجزء الأول بيروت دار النهار 1970.

[3]HITTI P 246.

[4] يوسف محفوظ ص 43.

[5] يوسف محفوظ ص 73.

[6] أحمد أبو سعد، معجم أسماء الأسر والأشخاص ولمحات من تاريخ العائلات، بيروت دار العلم للملايين 1997 ص 10.

[7] يوسف محفوظ ص 59- 60.

[8]HITTI, P. 407.

[9] كمال الصليبي منطلق تاريخ لبنان بيروت دار نوفل 1992 ص 180 – 185.

[10] محفوظ ص 112.

[11]NOS ANCETRES GAULLOIS ETIENT BLONDS!, CITED ABDUL LATIF TIBAWI, ISLAMIC EDUCATION- ITS TRADITIONS AND MODERNIZATION INTO THE ARAB NATIONAL SYSTEMS, NEW YORK, LUZAC PUBLISHERS 1969.

[12]GEORGES CORM, LE LIBAN CONTEMPORAIN HISTORIS ET PARIS LA DECOUVERTE 2003 P. 21.

[13] كريم بقرادوني لعنة وطن.

[14] مسعود ضاهر، هجرة الشوام إلى مصر، بيروت منشورات الجامعة اللبنانية.

[15] كمال الصليبي تاريخ لبنان الحديث ص 43.

[16] كمال الصليبي ص 42.

[17] كمال الصليبي ص 43.

[18]كمال الصليبي ص 55.

[19]مسعود ضاهر، النهضة العربية والنهضة اليابانية تشابه المقدمات واختلاف النتائج، الكويت عالم العرفة 1999 ص 85.

[20]تقدر مصادر أخرى حجم القوة المارونية بـ 4000 رجل "كمال الصليبي، تاريخ لبنان الحديث ص 166".

[21]كوثراني ص 35.

[22]كمال الصليبي، تاريخ لبنان الحديث ص 83.

[23]هو الكرواتي ميخائيل لاتاس الذي اتخذ اسماً عثمانياً هو عمر باشا النمساوي.

[24]كمال الصليبي، تاريخ لبنان الحديث ص 114.

[25]البطريرك بولس مبارك مسعد العمشيتي، ولد 1805  في عمشيت وتوفي 1890 وكان بطريركاً على الكنيسة المارونية من 1854 إلى 1890 محفوظ ص 50- 51.

[26]كوثراني ص 59.

[27]ويعكس عدد الضحايا عدد المسيحيين في دمشق تلك الفترة، وحتى بعد هذه المجازر بعشر سنوات استمرت التواجد الكبير للمسيحيين في دمشق، حيث بلغ عام 1873 حوالي سبعة آلاف نسمة "كوثراني ص 30".

[28]كوثراني ص 78.

[29]كمال صليبي تاريخ لبنان الحديث ص 147- 148.

[30]كوثراني ص 65.

[31]كوثراني ص 69- 70.

[32]إذا رأت فخامتكم أن تعين على الأقاليم العربية أمراء مستقيلين يدفعون إليكم أموالاً مقررة ويوحدون صفوفهم تحت رايتكم ضد كل تعدي، قبل أن تتدخل بأمورنا الدول الأجنبية، سمعان الخازن، يوسف بك كرم في المنفى، طرابلس 1950، ذكره كوثراني ص 129.

[33]كمال حمدان الأزمة اللبنانية، بيروت دار الفارابي 1998، ص 80- 81.

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19
« »
المصادر او الهوامش

معلومات النشر:

اعداد: العنكبوت الالكتروني

عنوان الكتاب: أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان

تأليف: كمال ديب

الناشر: دار النهار للنشر

تاريخ النشر: 01/02/2007

إشترك في خلاصة التعليقات عدد التعليقات: (1 منشور)

avatar
joe bloe
الثلاثاء, 10 كانون الثاني / يناير 2017, 07:45:PM
يسمح لنا الأخ وليد جنبلاط بالنسبية اذا أراد ان ينمو البلد ويتطور. جورج واشنطن وابراهام لينكلن كانوا اباء الحضارة الأميركية ولن نرى أحدا من احفادهم يتزعمون فئة في الحكومة الأميركية. نريد دم جديد يحكم البلد, ولا دور للآقطاعية. نرجو من الكل ان يفهموا ذلك. استفردوا بالبلد فامتصوا دماء شعبه. لا يجب ان يكون أي شخص فقير اذا كان يوجد إدارة حسنة للمال العام. فما ذنبهم؟ أخاف عليكم من كثرة ذكائكم.
المجموع: 1 | عرض: 1 - 1

إكتب تعليق

البريد الالكتروني يبقى سرّي و لا ينشر
  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

- التعليقات الواردة من القراء هي مسؤولية أصحابها ولا تعبر عن رأي إدارة الموقع بالضرورة
- تتم مراجعة تعليقاتكم قبل نشرها عن طريق إدارة الموقع

- (سياسة نشر التعليقات)

تابعونا

  1. دول خليجية تحذر رعاياها من السفر إلى لبنان (5.00)

  2. وفاة "ملكة الديسكو" دونا سمر عن 63 عاماً (5.00)

  3. معارض صيني ضرير بمطار بكين متوجهاً لنيويورك (5.00)

  4. الاكتئاب لدي المراهقين .. له إشارات يجب الانتباه لها (5.00)

  5. صحف العالم: أمريكا "تعاقب" باكستان بعدد سنوات سجن أفريدي (5.00)

  6. فيلم منتظر يكشف تفاصيل اغتيال بن لادن (5.00)

  7. أستراليا: التيار الوطني الحر في سيدني ينعي فقيده المفكر و المناضل والاعلامي المخضرم الأستاذ بطرس عنداري (5.00)

  8. الرحيل المفاجئ (5.00)