إعلانات Zone 4B

[CLOSE]

إعلانات Zone 3B

[CLOSE]
أحدث الأخبار:

إعلانات Zone 2B

[CLOSE]
الرئيسية | ثقافة | رفوف المكتبات | أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان (19 حلقة كاملة)

أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان (19 حلقة كاملة)

آخر تحديث:
image
الكاتب:
عدد المشاهدات: 36159
عدد التعليقات: (1)
قيّم هذا المقال/الخبر:
3.00
حجم الخط: A+ A-
نسخة صالحة للطباعة   نسخة نصية   أرسل إلى صديق
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19
« »

 

رجال السلطة والمال في لبنان - الفصل الرابع: ميشال شيحا وشعب التجار

الفصل الرابع

ميشال شيحا وشعب التجار

 

لبنان بلد تجارة منذ ثلاثة أو أربعة آلاف سنة، ولم يطرأ على ذلك تغير يذكر.. فنحن شعب من التجار..

ميشال شيحا

 

فيما كان الجبل يرزح تحت نفوذ أمراء الحرب والنزاعات الأهلية لعدة قرون، كانت بيروت، خاصة منذ أواسط القرن التاسع عشر، تنمو وتزدهر وترتبط عضوياً بالمركز الاقتصادي الأوروبي، حتى أصبحت موقعاً مالياً وتجارياً عالمياً في القرن العشرين، وتحت التراكم الهائل من التطور الغربي في بيروت "نتيجة النفوذ التجاري والثقافي والتعليمي والسياسي الذي تمتعت به فرنسا وانكلترا ودول أخرى" قبعت شياطين القبلية والطائفية التي أصبحت المدينة ميداناً جديداً لها ابتداء من العام 1920 وفيما كان الجبل موطن أمراء الحرب والتقاليد وملجأ الأقليات ومنطلق الإمارة المعنية والشهابية، كانت بيروت والساحل موطن التجار، أحفاد فينيقيا كما أشار شيحا، منظر تجار لبنان بامتياز: نحن شعب من التجار، فحصل التلاقي التاريخي في لبنان الكبير بين الإرث الفينيقي وحقبة الإمارة وبين التجار والمجموعات الدينية، أما ما هو خارج هذا التلاقي فهو مجرد تفاصيل في الرواية الرئيسية.

 

ظهور التجار

منذ احتل الأتراك العثمانيون المشرق عام 1516 بدأ التغلغل التجاري الأوروبي مستنداً إلى سلسلة اتفاقات مع السلطنة،  فقد منح العثمانيون امتيازات مفصلة للدول الأوروبية كفرنسا وبريطانيا والروسيا والإمارات الإيطالية، ما مهد للغزو الثقافي والاقتصادي والعسكري فيما بعد.

وكان لمعظم هذه الدول علاقات مبكرة مع المشرق منذ الفترة الصليبية "الفرنسيين والإمارات الإيطالية كالبندقية وجنوى وبيزا[1]" ولذلك عندما فتح العثمانيون المنطقة للتجارة كان الطليان والفرنسيون هم الأكثر استعداداً، وكانت بيروت في القرن السادس عشر تحت نفوذ آل عساف السنة التركمان الذين استوطنوا الساحل شمال بيروت ترافقهم قبائل كردية، فرمموا وسطها المهدم وما تبقى من الطريق الدولي الروماني وأطلال كنيسة مار يوحنا وبعض الأبنية الأخرى، وبنى أمير الحرب منصور عساف مسجداً باسمه فكان بنو عساف أول من أعاد الحياة إلى ذلك الجزء من بيروت بعد خرابه قبل قرون، ومع مطلع القرن السابع عشر، تحول المشرق القديم الذي كان نقطة صراع بين البيزنطيين والفرس والصليبيين والمسلمين، إلى نقطة لقاء تجاري ومصالح مشتركة بين الشرق الأدنى وأوروبا.

درج استعمال عبارة المشرق بمعناها التجاري الضيق عام 1413 عندما أسس تجار البندقية شركة كبرى للتعامل مع مرافئ المشرق وأسواقه تدعى IL COMPAGNIA DEL LEVANTE أي شركة المشرق في البدء كان لقب مشرقي باللغات الأوروبية LEVANTINE يطلق على موظفي هذه الشركة وأصحابها من الطليان، فكان أهل البندقية الذين يزورون المشرق أول من حمل لقب "ليفنتي" باللغة الإيطالية، ومع مرور الوقت أصبح هذا الاسم يطلق على كل تاجر أوروبي في بيروت وحلب وطرابلس والاسكندرية طالما اعتقد الناس أنه يعمل مع الشركة الإيطالية، وفي القرن السابع عشر، تطور معنى هذه العبارة وأصبح يطلق فقط على التاجر الأوروبي الذي يقيم بصفة دائمة في المشرق أو المشرقي المتحدر من الصليبيين وليس التاجر الزائر فحسب، وظهرت في أحياء المدن الساحلية فئة من التجار الأوروبيين المرتبطين مع التجار المسيحيين المحليين فكان الاثنان يمثلان نموذجاً ثقافياً جديداً "ليفنتيا" لم يكن أوروبياً خالصاً ولكنه ليس محلياً صافياً.

ظهر فئة التجار المحليين من اليهود والمسيحيين العرب في لبنان وفلسطين وسورية والاسكندرية، إضافة إلى الأرمن والجاليات الإيطالية واليونانية وأقليات أوروبية أخرى احتكرت التجارة مع أوروبا، وأصبح تعبير "ليفنتي" يطلق على المجموعات الاثنية الأوروبية والمحلية غير المسلمة التي ارتبطت ثقافة وتجارة مع أوروبا، وفي نهاية القرن التاسع عشر أصبح للقب دلالة على الشطارة في التجارة والمهارة في إدارة الأعمال ومعرفة اللغات المحلية "العربية والأرمنية والتركية والكردية" واللغات الأوروبية الرئيسية، فكانت سائر المدن الرئيسية المشرقية التي قطنتها أقليات مسيحية وأوروبية كبيرة جزءاً مما عرف بالمشرق في اللغات الأوروبية، بما فيها الاسكندرية التي كانت حسب هذا المفهوم المدينة المشرقية الليفنتية بامتياز.

ففي الاسكندرية تماذج اليونانيون والطليان واليهود والمصريون الأقباط في بوتقة تجارية ثقافية عايشها كثيرون ومنهم أدباء انكليز كفورستر ودوريل ووصفها ادوارد سعيد في مذكراته[2].

كانت الإمارات الإيطالية "جنوى والبندقية وبيزا وتوسكانا" الأكثر نشاطاً في التجارة مع مناطق السلطنة، وقد أثبتت أحياناً حياديتها حتى في تجار السلاح ونقل السكان من مكان إلى آخر في أزمنة الحرب، وكما رأينا كان لإمارة توسكانا تأثير واضح في العمران المدني اللبناني في القرن السابع عشر، من طرق وأبنية في فترة شهدت توسكانا تقدماً فذاً بريادتها للنهضة الأوروبية.

ولأسباب متعددة، كان المسيحيون ومنهم متمولون أصبحوا تجاراً، ينتقلون من الجبل والعمق السوري إلى بيروت التي زاد عدد سكانها إلى خمسة آلاف نسمة عام 1635 "وهو رقم أصغر بكثير مما كانته صيدا وطرابلس ودمشق وحلب في تلك الفترة" واتخذ النشاط التجاري طابعاً غير ديني حيث اختلط التجار من كل الطوائف في اتفاق ضمني هو مشروعية الربح، وازدهرت الصناعة إلى جانب التجارة والخدمات وخاصة صناعة الحرير وتجارته مع الإمارات الإيطالية ومع فرنسا، وفي العام 1660 تأكدت أهمية بيروت بأن أصبحت عاصمة سنجق جديد اسمها ضمن ولاية صيدا "التي ضمنت سناجق صيدا وبيروت وصفد.

لقد وقع العثمانيون ثمانية اتفاقات مع فرنسا شملت عدداً كبيراً من الامتيازات الاقتصادية والاجتماعية أبرزها حق فرنسا في حماية رعايا السلطنة الكاثوليك وعندما التحقت الكنيسة المارونية بروما عام 1736 سعت فرنسا وحصلت عام 1740 على امتياز حماية الموارنة وقد أصبحوا رسمياً تحت جناح روما.

كما حصلت روسيا على امتيازات أكبر من تلك التي حصلت عليها فرنسا في التجارية وحق حماية رعايا السلطنة من الروم الأرثوذكس، وتنازل الباب العالي عن أراض شاسعة لمصلحة روسيا في شروق أوروبا بعد سلسلة الهزائم التي منيت بها السلطنة هناك، ولاحظ الفرنسيون ازدهار بيروت وجهها الليفنتي الأوروبي فسموها PEITI PARIS وهو اسم حملته المدينة حديثاً كـ "باريس الشرق" وعين الفرنسيون الماروني نوفل الخازن عام 1655 قنصلاً لرعاية مصالحهم في بيروت، فتوارث آل الخازن هذا المنصب لمدة مائة عام، وفي العام 1757 احتل هذا المنصب موارنة آخرون.

وفي القرن الثامن عشر ازدهر مرفأ بيروت وأصبح اختلاط المدينة بالجبل واضحاً حيث انضم إلى سكان المدينة الأصليين من الروم الأرثوذكس والسنة، أعداداً من الموارنة والدروز.

وعدا السكان المحليين، انتعشت في بيروت جاليات أوروبية كثيرة منها اليونانيون والطليان والفرنسيون، يعملون جميعاً مع السكان المحليين والأرمن والترك والكرد في التجارة والحياة الاجتماعية، ويتخذون لأنفسهم ولأفراد عائلاتهم منازل دائمة، ومن بيروت انطلق الأوروبيون إلى العمق السوري وخاصة إلى حلب، ليتطورا استثماراتهم وخطوط تجارتهم وحظوظهم من أسواق الاستهلاك، وطالما أن خطوط المواصلات هي مفتاح التجارة، كانت الطرق تمتد في كل اتجاه على الساحل ومع الداخل لتسهيل نقل البضائع وسفر التجار.

 

صعود بيروت الحديثة

في العام 1839، وصل عدد سكان بيروت إلى 15 ألفاً فكانت المدينة الرابعة في المشرق من حيث التعداد السكاني والأولى من حيث حجم المرفأ وحداثته وشبكة المواصلات، وفي تلك الفترة أيضاً بدأ عمران المدينة يمتد خارج وسطها الضيق، وخاصة باتجاه الشرق، حيث بنى المصريون قاعدة عسكرية ومستشفى يضم قسماً للعزل "الكرنتينا" كما أن الأوروبيون بدأوا التعاون مع أصحاب الرساميل من المواصنين لبناء فنادق ووسائل ترفيه غرب المرفأ باتجاه باب إدريس وزقاق البلاط وحي الزيتونة، فيما بقيت المساحات الأخرى وعرة أو بقعاً زراعية انتظرت عقوداً عديدة قبل أن يصلها عمران المدينة المتمدد.

وفي الوقت التي غرق فيه جبل لبنان في صراعات أهلية دامية استمرت منذ رحيل الأمير بشير وحتى دخول الجيش الفرنسي عام 1861، كانت بيروت تشهد افتتاح مصارف وفنادق ومؤسسات تجارية وتطور نشاط البيوت المالية الصغيرة إلى نشاطات مصرفية حديثة وفقاً للشروط الأوروبية، واستثمر الفرنسيون أموالهم في تأسيس "البنك العثماني" في بيروت عام 1856 حيث احتل ابتداء من العام 1863 مبنى جميلاً في حي الزيتونة على كورنيش بحري جديد على بعد ثلاثة كيلومترات من بيروت القديمة، وكذلك افتتح فرع لبنك كريديه ليونيه الفرنسي عام 1875 وعام 1867 افتتح مبنى بلدية بيروت في وقت كانت المدينة تتفوق في الحركة الاقتصادية والعمران ليس على الجبل والساحل فحسب بل على سائل المشرق والعمق السوري.

وواصلت بيروت تمددها غرباً بعيداً عن المرفأ ومحيطه القديم وصولاً إلى برية رأس بيروت "البعيدة عن خطوط المواصلات التي تربط طرابلس بصيدا" وشرقاً باتجاه تلال الأشرفية، وأقام في تلك الأحياء الجديدة، رأس بيروت والأشرفية، الأغنياء من تجار الروم  الأرثوذكس وكبار موظفي الإدارة العثمانية من أثرياء المسلمين السنة.

هناك ناحية أخرى ساهمت في ازدهار بيروت وتمييز جبل لبنان عن محيطه الجغرافي هي انتشار التربية والتعليم، يقول كما الصليبي إن انتشار المدارس ليس قديماً في لبنان عكس ما يقال، فرغم افتتاح بعض المدارس المارونية "كعين ورقة وعين تراز" ابتداء من القرن السابع عشر، إلا أن تعميم التعليم والمعرفة في لبنان لم يبدأ قبل القرن التاسع عشر[3]، وطيلة هذه القرون كان الجهل والأمية سائدين في الجبل خارج الكنيسة، في حين كانت القراءة والكتابة منحصرة في أوساط السنة والروم الأرثوذكس من التجار وكبار موظفي الدولة في صيدا وبيروت وطرابلس، أما في الأوساط الشعبية لدى كل الطوائف فقد انتشرت الكتاتيب أي تلقين تعاليم الدين الإسلامي أيام الجمعة والدين المسيحي في مدارس الأحد مع ما قد يرافق ذلك من تعلم القراءة، وفيما بدأ الموارنة في التوسع التعليمي في القرن التاسع عشر، تخلف الآخرون، فكانت عامة الروم الأرثوذكس في المناطق الجبلية أقل الطوائف اللبنانية حظاً بالتعليم بعد الدروز لعدم سعي كنيستهم إلى إنشاء مدارس خاصة، فكانت العائلات الغنية من الأرثوذكس ترسل أولادها إلى المدارس الخاصة المارونية[4].

وحصلت نهضة تربوية كبرى منذ أواسط القرن التاسع عشر، وإضافة إلى العدد الكبير من المدارس المارونية والإرساليات الكاثوليكية "اليسوعيين واللعازريين" تكاثرت المدارس الأرثوذكسية فأنشأت مدارس في الكورة وبيروت كمدرسة الثلاثة أقمار ومدرسة زهرة الإحسان، كما أسس سنة بيروت جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية لنشر التعليم في أوساط الشباب المسلم ففتحت مدارس في كافة مدن الساحل، وبقي الدروز والشيعة خارج هذه النهضة التربوية، عوض عنها الدروز بالإلتحاق بالمدارس المسيحية فيما بقيت مناطق الشيعة البعيدة عن العمران والمدن أكثر حرماناً وتخلفاً في لبنان حتى أوساط القرن العشرين.

لقد بلغت نسبة التعليم قمماً جديدة عام 1900 عندما أصبح عدد المدارس في لبنان يفوق 650 مدرسة منها 13 مدرسة فقط للدروز والمسلمين[5]، في حين أصبح لبنان أكثر مناطق السلطنة العثمانية تقدماً في انتشار التربية والتعليم، فباتت القراءة والكتابة منتشرة وأصبحت المرحلة الابتدائية مفتوحة لمن يرغب ووصل عدد المطبوعات في بيروت في منتصف القرن التاسع عشر 55 (40دورية شهرية و 15جريدة يومية) في حين كانت عدة مطابع تصدر الكتب الجديدة بشكل منتظم.

وازدهرت كذلك مؤسسات التعليم العالي، ففي العام 1866 أسست بعثة بروتستانتية أمريكية "الكلية السورية الإنجيلية" وسط أراض زراعية وعرة في رأس بيروت أصبحت فيما بعد "جامعة بيروت الأمريكية" واحتلت مساحة عقارية واسعة في تلك الناحية ما أدى إلى ارتفاع أسعار الأراضي لتكون الأعلى في كل لبنان وساهمت المؤسسات والإرساليات الأمريكية والإنكليزية في نشأة الطائفة البروتستانتية حيث اعتنقها كثيرون من مسيحيي لبنان وسورية ممن درسوا في مدارسها أو عملوا مع الأمريكيين والإنكليز في نشاطات أخرى، واكتسب بعضهم شهرة واسعة، ولم يخل الأمر من التنافس بين البروتستانت والكاثوليك، حيث أسس اليسوعيون الفرنسيون مؤسسة تعليمية شرق المدينة قرب الأشرفية عام 1875 أصبحت جامعة القديس يوسف فيما بعد.

وواصلت الإرساليات والجماعات المحلية عملية تأسيس المدارس ونشر التربية والتعليم طيلة النصف الثاني من القرن التاسع عشر وخاصة في مواد القانون والطب والفنون والهندسة ولكن البعثات الأجنبية اختلفت في توجهاتها، ففيما ركزت البعثات الأمريكية على الأخلاقية البروتستانتية التي ألهمت الرواد الأمريكيين الأوائل، كان محور البعثات الفرنسية لاسيما اليسوعية تفوق الروحية المسيحية التي ألهمت التراث الكولونيالي الفرنسي والتهذيب والتأديب النفسي الذي طبع الآباء اليسوعيين.

وطال الازدهار شبكة الموصلات، حيث أنهى مستثمرون فرنسيون بناء طريق بيروت دمشق لعربات الخيل لعام 1875، في حين تولى رجال أعمال مسيحيون من بيروت بالشراكة مع فرنسيين بناء مرفأ جديد في بيروت مكان الحوض القديم، بات جاهزاً للعمل عام 1892، كما دشنت سكة الحديد من بيروت إلى دمشق والعمق السوري عام 1895[6].

ولقد اعترفت الحكومة العثمانية بأهمية بيروت فجعلتها عام 19888 عاصمة لولاية كبرى هي ولاية بيروت، امتدت على مساحة 30 ألف و 500 كلم مربع من اللاذقية إلى عكا، وضمت مدن طرابلس وصيدا وصور وعكا، بعدد سكان ناهز الـ 900 ألف نسمة، ويلاحظ غرابة حدود هذه الولاية التي كانت عبارة عن شريط ساحلي رفيع للغاية، محافظة من الحكومة العثمانية على تعهداتها للنظام الخاص بجبل لبنان الذي وقعته الدول الكبرى عام 1863 ومهد للمتصرفية وازداد عدد سكان مدينة بيروت من 80 ألفاً عام 1865 إلى 136 ألفاً عام 1908.

وهكذا اقترنت مدينة بيروت في عقول الأوروبيين وسكان البلاد بالتجارة التي حققت الثروة والجاه والثقافة لأصحابها، وبدا تجار بيروت منهمكين في السعي وراء جني المال وانجاز الصفقات المربحة بصرف النظر عن جنسية عملائهم أو اثنيتهم أو ديانتهم، وأصبح التاجر نموذج الشخص الذكي الذي يجيد عدة لغات: العربية والفرنسية والإنكليزية والإسبانية، والإيطالية والتركية والأرمنية والروسية اليونانية، حقاً لم يكن معقولاً أن يكون تاجر مشرقي ناجحاً بدون معرفة ثلاث من هذه اللغات على الأقل، وقد يعجب المرء كيفية اتقان تجار ونخبة هذه المدينة الصغيرة لهذا العدد من اللغات والخبرات في عالم التجارة، وهذا ليس لغزاً فاللغة العربية هي لسان الأم لسكان المشرق، في حين كان قسم من السكان المحليين ينطق الأرمنية واليونانية والتركية كلغة أم بصفتهم أيضاً رعايا السلطنة وسمح انتشار مدارس ومعاهد الإرساليات الفرنسية والإنكليزية والمسكوبية في تعلم اللغات الفرنسية والإنكليزية والروسية، أما بالنسبة للغة الإيطالية، فثمة سببان لانتشارها ورواجها في المشرق، الأول هو قدم التجارة الإيطالية مع المنطقة منذ قرون وإقامة التجار الطليان في المدن الرئيسية خاصة في بيروت وحلب والاسكندرية بشكل دائم، والسبب الثاني هو العلاقة الخاصة بين الإمارات الإيطالية والكنيسة الكاثوليكية مع موارنة جبل لبنان والتي أدت عام 1584 إلى إقامة مدرسة في روما وتخصيص منح لشباب الموارنة للقدوم إلى روما وتلقي المعارف اللاهوتية وغيرها، ودائماً باللغة الإيطالية.

من الناحية التجارية، لم تنتم الفلسفة المشرقية الماركنتيلية في القرن التاسع عشر إلى عرق أو قومية أو دين، بل مثلت الرأسمالية المتوحشة بوصفها الكلاسيكي في ثروة الأمم لآدم سميث، بأن السوق لا يعرف أي عوائق أو حدود جغرافية أو قانونية أو عوارض من أي نوع، والعميل الاقتصادي "التاجر أو الصناعي" يسعى دوماً إلى المزيد من الثروة والتوسع، فكان التاجر اليوناني أو الإيطالي يشعر أنه في بيته وبين أهله في بيروت أو الاسكندرية، وكذلك التاجر المشرقي الذي يزور البندقية أو فلورنسا أو ليون بهدف الربح والتجارة، وكانت ترتسم الفئة التجارية المالية في بيروت المرتبطة برؤوس الأموال الأوروبية في خليط من بيوتات الأثريات الوافدين من العمق السوري والأسر الأرستقراطية البيروتية، فكان جل أثرياء بيروت من الروم الأرثوذكس بالدرجة الأولى إلى جانب الموارنة والروم الكاثوليك والسنة، ومن هؤلاء الأثرياء على سبيل المثال بيت سرسق وبسترس وتقلا وفوعون وتويني وشيحا، وأقامت هذه العائلات علاقات ممتازة مع فرنسا ولكنها أكدت دوماً الروابط الخاصة والحميمية مع العائلات السنة في بيروت ومدن الساحل.

ورغم الصفة الرسمية للانقسام الإداري بين دولة جبل لبنان وولاية بيروت الساحلية، إلا أن ذلك لم يمنع التواصل السكاني الاجتماعي والاقتصادي بين أخل الجبل وبيروت، التي كانت باب التجارة بين أوروبا والجبل والعمق السوري، كما أن تجار بيروت وزعمائها وكبار الموظفين الرسميين فيها قد امتلكوا منازل صيفية في الجبل، وتحدر كثيرون منهم من عائلات جبلية فكان مسقط رؤوسهم إحدى تلك القرى في الشوف أو كسروان أو المتن أو حتى حلب ودمشق والقدس واللاذقية، خاصة من العائلات المسيحية البارزة، ولم يكن الوافدين من الداخل السوري في ذلك القوت أيدياً عاملة رخيصة كما أصبح الحال في النصف الثاني من القرن العشرين، بل محامين وأطباء وتجاراً وأصحاب رؤوس أموال ساهموا إلى حد كبير في صنع بيروت كما أضحت في أواسط القرن العشرين.

 

ميشال شيحا

ومن أبرز البيوتات المالية التجارية في نهاية القرن التاسع عشر في بيروت أسرتا فرعون وشيحا اللتان لعبتا دوراً حاسماً في نهضة بيروت واتجاه لبنان نحو كيان كبير بعد الحرب العالية الأولى، وآل شيحا أسرة مسيحية آشورية عراقية برزت في بغداد في النشاط التجاري والعمل في البعثات الديبلوماسية الأجنبية، وهاجر أبناؤها إلى سورية ولبنان ومصر ابتداء من القرن الثامن عشر، من أبنائها حبيب شيحا مستشار قنصلية فرنسا في بغداد وواضع مؤلف تاريخ بغداد بالفرنسية "توفي في مصر عام 1909" وفرنسيس شيحا المستشار أيضاً في القنصلية الفرنسية في بغداد ومحام في شركة سكة الحديد العراقية "توفي في دمشق" ومن رجال أعمالهم خليل وإبراهيم شيحا إلا أن المتحدرين من الفرع الدمشقي من آل شيحا هم الذين انتقلوا إلى لبنان في القرن التاسع عشر واستقروا في بيروت حيث تزاوجوا مع آل فرعون وأصبحوا شركاء في الأعمال التجارية، وربما سبق تعارف الأسرتين قدومك آل شيحا إلى لبنان، إذ كان آل فرعون أسرة دمشقية كاثوليكية عريقة تعمل في التجارة بين دمشق وحوران منذ مئات السنين، فحظيت برضا الحكومة العثمانية وأصبح للعائلة سمعة حسنة في أرجاء السلطنة فكان منهم رجال أعمال وإداريون في القاهرة والاسكندرية وبغداد وحلب وزحلة وبيروت، ومن مدن السلطنة وسعوا نشاطاتهم وعلاقاتهم فأصبح لتجارتهم فروع في البندقية وباريس، ومنهم أنطون فرعون مدير الجمارك المصرية عام 1784، الذي امتلك مصرفاً تجارياً يقترض منه رجال الدولة في مصر ثم فتح فرعاً في إيطاليا استقطب الودائع من أثرياء السلطنة العثمانية فبلغت ثروته ثلاثة ملايين فرنك فرنسي ومنحه بابا الفاتيكان لقب "كونت" كما برز الياس فرعون رئيس جمارك الاسكندرية في نهاية القرن الثامن عشر، فمول الحملة النابليونية على الشرق ثم غادر إلى فرنسا حيث استلم مناصب رفيعة في الحكومة الفرنسية ومنحه الملك لويس الثامن عشر أيضاً لقب كونت.

ولذلك عندما استقر آل شيحا وفرعون في بيروت، كانوا يحملون إرثاً تجارياً وثروة مادية ومعنوية هائلة، وأصبح آل فرعون من أبرز البيوتات المالية في المدينة بعد انتهاء الاحتلال المصري وعودة الاستقرار عام 1840 فكانت لهم حصة كبيرة من صناعة الحرير وتجارته ومن السوق المالي في المشرق، وبرز منهم بشارة فرعون الذي كان له دور في تمويل الحرب الأهلية في جبل لبنان عام 1860 وعام 1870 قاد تجار الأسرتين أنطون شيحا وعمه روفائيل فرعون فجنت أعمالهما التجارية أرباحاً طائلة من الحرير واستعملا الرأسمال لتأسيس شركة عرفت فيما بعد باسم "بنك فرعون وشيحا" عام 1876 لتمويل المشاريع الاقتصادية وخاصة تلك المرتبطة بالتجارة الخارجية وأصبحت شركة فرعون وشيحا أكبر مالك لمصانع الحرير، وأبرز مصدر للحرير إلى أوروبا، ومستورد للفحم الحجري من بريطانيا عبر سفينة نقل خاصة[7].

إن الرأسمال أعمى لا يقيم أي وزن للعنصر والدين والقومية، وهذه حسنة في الاقتصاد إذ إن الرأسمال اللبناني عرف مصلحته ومارس صراع البقاء عندما استدعت الظروف ذلك، ولم يكن بعيداً عن التأثير في الشأن السياسي، فلم يكن سعي شيحا وفرعون وغيرهما من التجار معزولاً  عن الأحداث الإقليمية والعالمية، إذ حوالي العام 1900 انتشرت أفكار عديدة في أوساط التجار حول مستقبل العلاقة مع فرنسا وأوروبا ومصير الدولة العثمانية، واقتضت المصالح الاقتصادية "التجارة مع أوروبا والمشاريع المشتركة والأسواق الاستهلاكية وقرب انهيار السلطنة وتفوق الدول الأوروبية في شتى الميادين" النظر في الخيارات المعقولة.

وفيما فضل قسم من المسيحيين وخاصة الأرثوذكس منهم، إقامة مشرق فيدرالي يضم سورية ولبنان تلعب فيه بيروت دوراً مركزياً، رأى آخرون أن يقوم كيان لبناني موسع يضم الجبل والساحل والبقاع، وكان ثمة رأي ثالث ساد في أوساط الموارنة في القسم الشمالي من جبل لبنان منذ نهاية الإمارة الشهابية، دعا إلى دولة في جبل لبنان بأغلبية مارونية، وتزامنت هذه الأفكار التي تبناها مثقفو المسيحيين وتجارهم مع دعوات مفكرين مسلمين إلى كيان عربي أوسع يضم الجزيرة والمشرق والعراق، مركزه مكه وعلى رأسه الأسرة الهاشمية، وركبت انكلترا موجة الفكرة العربية لاستغلالها ضد السلطنة العثمانية، في حين وجدت الأفكار الأخرى التي كان معظم أربابها من المسيحيين آذانا صاغية في الأوساط الفرنسية وفي العقود التي سبقت إعلان دولة لبنان الكبير، قدمت شخصيات لبنانية وسورية عدة مذكرات إلى الحكومة الفرنسية، منها رجال الأعمال السوري جورج سمنة الذي دعا إلى كيان سوري موحد مع وضع خاص لجبل لبنان، في حين كانت أغلبية المذكرات الأخرى تدعو إلى كيان لبناني مستقبل وموسع وعاصمته بيروت.

ومن أبرز التجار الذين سعوا إلى ولادة الكيان اللبناني المنفتح على محيطه وعلى أوروبا والمستقل عن فرنسا كان ميشال شيحا، تحدر شيحا من المصاهرة القديمة بين آل شيحا وفرعون، وهو ابن أنطون شيحا، شريك آل فرعون الأول، وأمه أدما فرعون كريمة روفائيل فرعون، ولد ميشال في قرية بمكين قضاء عاليه عام 1891 ودرس في المعاهد اليسوعية في بيروت، إلا أن وفاة والده المبكرة دفعته إلى الالتحاق بالتجارة باكراً مع خؤولته من آل فرعون، ثم غادر لبنان للعمل في فرع الشركة في انكلترا الذي كان يديره عمه، فدرس اللغة الإنجليزية ومبادئ الاقتصاد والتجارة واكتسب الخبرة وهو لم يبلغ العشرين من عمره بعد، ثم عاد إلى لبنان عام 1910 وأصبح مسؤلاً على بنك فروعون وشيحا في بيروت، وهو المنصب الذي استلمه طيلة حياته، إضافة إلى أشغاله، أصبح ميشال شيحا مفكراً بعيد النظر حيث لاحظ في سنوات الانتداب الذي أيده في البدء أن مستقبل لبنان ليس مع فرنسا ولكن مع المحيط العربي والإسلامي.

كان أساس اهتمام شيحا بمصير البلاد لجوؤه إلى مصر إبان الحرب العالمية الأولى، حيث أصبح صديقاً للبنانيين بارزين في القاهرة، وخاصة الشاعر هكتور خلاط وبشارة الخوري فمارس النشاط السياسي في أوساط الجالية اللبنانية والسورية وأصدر مع خلاط مجلة بالفرنسية ابتداء من العام 1916 وكانت ميل اللبنانيين في مصر بارزة باتجاهين، الاتجاه الأول دعا إلى كيان وحدوي بين لبنان وسورية، ولا بأس إن كان بقيادة الأمير فيصل، أو في دولة فدرالية في ظل الانتداب الفرنسي.

أما الإتجاه الثاني بمواجهة الوحدويين والفدراليين، فكان أصحابه متفقين على خصوصية لبنان ولكنهم انقسموا أيضاً إلى فئتين الأولى دعت إلى الفكرة اللبنانية الأصغر وحبذت فكرة إمارة الجبل المسيحي بحماية فرنسية، ودعمها غلاة كاللبناني فردينان تيان الذي رأى أن لبنان فرنسي اللغة والانتماء ون سكانه المسيحيين والموارنة منهم خاصة، فرنسيو القومية منذ فجر التاريخ، وقد طالب تيان بإلحاق جبل لبنان بفرنسا كمحافظة شبيهة بالجزائر وبأن يخير سكانه من غير المسيحيين بين تعلم الفرنسية أو المغادرة.

والفئة الثانية في الاتجاه اللبناني كانت جماعة من الفرنكوفيليين أصدقاء فرنسا وخاصة الموارنة الذين حصلوا تعليماً فرنسيا، فكانوا كثيري العدد تدعمهم الكنيسة المارونية، ارتبط بعضهم بالمصارح التجارية الفرنسية مباشرة، وكان هدفهم توسيع الجبل ليضم جزءاً من البقاع ومدينة بيروت ليصبح لبنان يوماً مقاطعة فرنسية.

وفي مواجهة هذين الاتجاهين كان ثمة طرف نقيض للجهتين دعا إلى أمة إسلامية أو عربية وإلى محاربة الاستعماريين الفرنسي والبريطاني.

وبين دعاة الوحدة الإسلامية أو العربية أو السورية، ودعاة لبنان الصغير، كان ثمة قوة ثالثة، تحبذ توسيع الجبل ليصبح دولة لبنان الكبير، ولعل من آباء هذا المصطلح بولس نجيم الذي وضع حججاً عام 1908 لقيام كيان سياسي كان موجوداً بالقوة منذ الإمارتين المعنية والشهابية، وحجمه الحكم الذاتي في المتصرفية، وليكون اقتصاده الوطني صالحاً للحياة لابد من ضم بيروت والساحل والمناطق الزراعية شرقا وجنوباً، ومن أبز دعاة هذه الفكرة في تلك الفترة يوسف السودا والشيخ أنطون الجميل من بكفيا اللذان أسسا في القاهرة تنظيم "الاتحاد اللبناني" الذي قام باتصالات ديبلوماسية لافتة، ووجد شيحا نفسه ميالاً إلى الاتحاد اللبناني في القاهرة بعدما قرأ مذكرة يوسف السودا في سبيل لبنان، فتعاون مع هكتور خلاط على نشرها وترجمها إلى الفرنسية ويعتبر النص الذي وضعه السودا عصارة الفكرة اللبنانية كما تبللورت فيما بعد ملخصها أن لبنان يتمتع بحدود طبيعية تاريخية تضم إلى جبله البقاع والساحل وعكار، ويمتد تاريخه إلى الزمن الفينيقي وحقبة الإمارة، وفسر السودا "عشوائياً على الأرجح بسبب وجود تفسيرات أخرى" مراحل تاريخ الجبل بأنها كانت سعياً نحو الاستقلال، وأن بشير شهاب هو أبو الاستقلال وأن حرب 1860 كانت نضالاً وطنياً ضد الاحتلال العثماني، وأن تدخل الدول الأجنبية، لاسيما فرنسا كان للدفاع عن استقلال لبنان[8].

وعاد ميشال شيحا إلى عمله في بيروت عام 1918 بعد انهيار الدولة العثمانية وخضوع لبنان وسورية لجيوش الحلفاء، وزاول عمله التجاري ولكن العمل السياسي استهواه فبدأ كتابة المقالات في صحيفة  LE REVEIL الصادرة بالفرنسية وتزوج من ابنة خاله مرغريت فرعون، ابنة فيليب فرعون، وشقيقة هنري فرعون "الذي سيبرز في الجمهورية اللبنانية".

ومع فوز منطق الكيان الموسع وولادة دولة لبنان بإشراف فرنسا عام 1920 انضم دعاة الكيان الصغير والكيان الكبير إلى صف الانتداب وكان من أبرز دعاة الكيان الكبير إميل إده وبشارة الخوري وميشال شيحا وأوغست أديب وغيرهم فيما دعا يوسف السودا وبولس نجيم إلى استقلال لبنان عن فرنسا.

وفي العام 1921 ساهم شيحا في تأسيس حزب الترقي وشعاره "في سبيل لبنان مع فرنسا" (يلاحظ المعنى التمديني الكولونيالي لاسم الحزب وشعاره ما يعكس منطق تهذيب الشعوب المحلية MISSION CIVILISATRICE واقتصرت عضوية الحزب على الموارنة والكاثوليكي، وجسد تحالف تجار المدينة وأمراء الحرب الوافدين من الجبل وانضمام محامين وأشخاص نافذين من الجبل إلى الحياة السياسية في بيروت، ومن قادته كان إميل إده وبشارة الخوري وإلفرد نقاش وجان دي فريج ويوسف الجميل وميشال شيحا وشكري قرداحي، وكانت لشيحا خمس شقيقات متزوجات من أسر التجار وأرستقراطيي المدينة، فشقيقته لور كانت متزوجة من بشارة الخوري الذي أصبح رئيساً للجمهورية فيما بعد، وشقيقته أليس من رئيس الحزب جان دي فريج، وشقيقته آدال من فريد شقير.

خلال هذه السنوات كان شيحا مخلصاً لفرنسا بشغف، وإلى جانب حزب الترقي كان عضو في نادي الفينيقيين الجدد الذي أصدر مجلة بالفرنسية برئاسة تحرير الشاعر شارل قرم اسمها revue phenicienne وضم النادي مثقفي بيروت من الأسر التجارية أمثال المهندس ألبير نقاش وفؤاد الخوري "شقيق بشارة الخوري" الذين عملوا على تطوير الفكرة اللبنانية بما هي انتماء إلى أجدادنا الفينيقيين ودور لبنان الاقتصادي بما هو استمرار فينيقي للنشاط التجاري والخدماتي والعلاقة مع البحر، وانصب نشاط النادي على تمييز الكيان عن محيطه العربي وعن اللغة العربية بما هي لغة آسيوية فرضها الإسلام على اللبنانيين بحد السيف حسب تعبير شارل قرم، وأن لبنان حفيد فينيقيا يتماهى مع الحضارة الأوروبية والمتوسطية عكس الداخل الآسيوي صنو البربرية، وهو مفهوم أدرجه قدامى الفلاسفة الإغريق عن سكان آسيا من فرس وعرب، وانسحب شيحا من النادي الفينيقي ومعه فؤاد الخوري للالتحاق بمعسكر بشارة الخوري فيما استمر النادي بشارل قرم وإميل إده وانضم إليهما من الجبل فؤاد أفرام البستاني القائل بالأصل الفينيقي وإدوار حنين القائل بأن لبنان هو الجبل وشعبه هو الشعب الماروني، ولم يكن البستاني وحنين في هذه الآراء التي كانت تلقى قبولاً واسعاً.

ولكن هدف المدينة كان أبعد من توسيع الكيان في ظل فرنسا، إذ بعد سنوات بدأوا يسعون إلى تحقيق الاستقلال عن فرنسا وإنهاء الانتداب بسبب ارتباط مصالحهم مع المحيط المسلم، ولأن فرنسا كانت تريد السيطرة على الأسواق المحلية وقمع النهضة الاقتصادية الوطنية لمصلحة تجارها وشركاتها، وفهم تجار بيروت هذا الأمر أكثر من أمراء الحرب وتبين لهم أن فرنسا ليست الأم الحنون ومنقذة المسيحيين، بل قوة إمبريالية تسعى إلى الهيمنة وفرض التبعية على مستعمراتها لإغناء شعبها الفرنسي، في حين سيبقى أي مؤيد لفرنسا من أهل البلاد تابعاً ذليلاً فحسب، فخلال فترة بسيطة سيطرت البضائع الفرنسية على أسواق لبنان وسورية وفرض الانتداب ضرائب كثيرة أنهكت المكلف اللبناني والسوري، كانت تحول إلى الخزينة في باريس.

من تبريرات فرض الضرائب كان تمويل إدارة الانتداب، رغم أن كثيرين رأوه أنه احتلال أجنبي، وتسديد ديون الدولة العثمانية لفرنسا ومصالحها عبر تحصيل أموال من ولايات السلطنة السابقة، فعشية الحرب العالمية الأولى كانت السلطنة العثمانية غارقة بالديون لفرنسا وإنكلترا وبريطانيا، حيث كانت حصة فرنسا من الديون المستحقة على الدولة 51 بالمائة وعلى الشركات الخاصة العثمانية 60 بالمائة، في حين بلغت قيمة الاستثمارات الفرنسية في أراضي السلطنة 3 مليارات فرنك ذهب[9].

وأضحى الفرنسيون يملكون جميع شركات المناجم العاملة في السلطنة و 89 بالمائة من أسهم شركات المياه و68 بالمائة من أسهم شركات المرافئ والأرصفة و47 بالمائة من رؤوس الأموال العاملة في السكك الحديد و38 بالمائة من رأسمال المصارف و63 بالمائة من أسهم باقي المشاريع الأخرى، ولذلك كانت مصالح فرنسا الحيوية ضخمة جداً، جزء كبير منها في لبنان وسورية قدر بقيمة 200 مليون فرنك فرنسي، في حين كانت معظم تجارة البلدين مرتبطة بالمتبروبول الفرنسي، كما أن اتفاق سايكس بيكو الذي عقدته فرنسا مع الإنكليز عام 1916 تضمن تقاسم مصالح النفط في شمال العراق بالاتفاق مع الولايات المتحدة[10].

كانت أساليب فرنسا السلبية هذه في صلب أسباب السعي المحلي لإنهاء الانتداب ما سمح بوحدة بين المسلمين والمسيحيين لاسيما في صفوف التجار الذين دعموا شخصيات سياسية تطالب بالاستقلال، ويرى روجر أوين أن اقتطاع الفرنسيين لبنان الكبير عن محيطه الداخلي طبيعي عزز هيمنة بيروت المالية والتجارية على الجبل، وأطلق اليد العليا لنشاط اقتصادي سوف تخضع فيه الزراعة والصناعة أطراداً للمال والتجارة[11]، ولم يكن الشاب ميشال شيحا يؤيد الكيان المؤسس بشكل اعتباطي عمومي، بل رأى بعد سنوات أن استعمال فرنسا للبنان ليس لمصلحة اللبنانيين "بل لمصلحة قلة من طلاب المناصب والوظائف بين اللبنانيين وحفنة من الرأسماليين الاحتكاريين الفرنسيين الجشعين[12]".

وفيما فصلت القوانين في ديمقراطيات الغرب بين المصلحة ومهام المنصب العام وعدم جواز العمل في الإدارة والمناصب الرسمية لمن يمارس نشاطاً تجارياً، فإن هذا الفضل لم يكن ممكناً في الكيان الجديد، بل كان معظم رجاله يجمعون المصلحتين، فعام 1925 أصبح ميشال شيحا نائباً في البرلمان عن أقليات بيروت، مدعوماً من الزعيمين السنيين عمر بيهم وعمر الداعوق "كان ميشال شيحا كاثوليكيا على المذهب اللاتيني المرتبط مباشرة بكنيسة روما وليس على مذهب الموارنة أو الروم الكاثوليك" والتحق فوراً بلجنة صياغة الدستور كما أوصت بنود انتداب عصبة الأمم، وعام 1926 ظهر نص الدستور وبدت لمسات شيحا واضحة في الدستور اللبناني الجديد حيث ذكر أن اللغة العربية هي لغة لبنان الرسمية وأكد على حيادية الدولة في المسائل الدينية وعدم وجود دين رسمي وأن التوظيف في الإدارة العامة يرتكز إلى الكفاءة والنزاهة وليس إلى الانتماء المذهبي، وكانت فلسفة شيحا تصب في هدف جلب المسلمين كشركاء في الجمهورية الجديدة[13]، وقام ميشال شيحا بإعادة صياغة المادتين و 10 المتعلقتين بحرية العبادة والأحوال الشخصية وحرية التعليم الديني وتوسيع صلاحيات رئيس الجمهورية ومنعه التجديد لولاية ثانية كما هي الحال في فرنسا[14]، ولكن تجربته البرلمانية انتهت سريعاً حيث عاد في العام 1929 ليركز نشاطه في التجارة والمصارف فعام 1932 أصبح عضواً في مجلس إدارة بنك سورية ولبنان وفي مجلس إدارة شركتي الترامواي والإنارة في بيروت وفي بورصة بيروت التي أسهم في تأسيسها وتولى مجلس إدارتها عند الاستقلال وكان مساهماً رئيسياً في الشركة الفرنسية اللبنانية للنسيج FRALITEX وهي شراكة بين مؤسس فرعون وشيحا للحرير وشركة غيران الفرنسية وتعتبر أكبر شركة للحرير في لبنان في ذلك الوقت[15].

وعام 1934 شارك شيحا في إصدار صحيفة لوجور وعين المحامي الماروني الفرنكوفيلي شارل حلو رئيساً للتحرير في البدء اكتفى شيحا بمقال أسبوعي ولكنه عام 1937 اشترى الجريدة مع أصدقاء وبدأ يكتب الافتتاحيات ويمول الصحيفة حتى وفاته في كانون الأول/ ديسمبر 1954 كما أسس صحيفة بالإنكليزية هي إيسترن تايمز، وكانت لوجور منبر معسكر صهره بشارة الخوري، شن شيحا عبرها حرباً ضروس على إميل إده ومعسكره، فيما كانت فلي المواجهة صحيفة الأوريان بقيادة جورج نقاش واتخذ النزاع بين الطرفين المسيحيين منحى عقائدياً فهو بين عالم طبقة العائلات الكبرى في حي سرسق ذات التراث الموروث، تتمتع عائلاته الكبيرة الاسم بثرواتها وتعيش بمعزل عن هذه الأمة في حياة ترف وبذخ ومباهج، في الوقت الذي كان فيه عالم فرعون وشيحا وشقير وكتانة عالم الصناعة والتجارة والمصارف والشركات وهدفه الرئيسي هو المتاجرات والسباق في حلبة الأشغال[16].

إضافة إلى الآلة الإعلامية التي مثلتها لوجور، كان بنك فرعون شيحا يمول الحملات الانتخابية فاتهم ميشال شيحا بأن سلطة المال سمحت له بأن يختار شخصياً ثلاثة أرباع أعضاء البرلمان وبأن 24 نائباً كانوا يتقاضون مبالغ من شيحا وبأن بنك فرعون شيحا كان المسير الفعلي لسياسة الدولة الاقتصادية ومقرر تشريعاتها الضريبية[17]، حتى أن النائب الشيخ يوسف الخازن "مؤيد لإده" اقترح جلسات البرلمان باسم مصرف فرعون شيخا لا باسم الشعب اللبناني كما أن جورج نقاش رئيس تحرير الأوريان اتهم شيحا بالانتفاع من عضويته في مجالس إدارة كبريات الشركات الفرنسية لتحقيق مآربه، وبالفعل كان شيحا وراء معظم القوانين والبرامج والقرارات الرسمية التي صنعت هيكلية الاقتصاد اللبناني كما نعرفه اليوم، وحتى عندما لم يكن المهندس الرئيسي لكل ما له علاقة بالسياسة المالية والنقدية والاقتصادية، فعلى الأقل لم يكن شيء ليتم بدون مشورته وموافقته، كقوانين التجارة والقطع الأجنبي وضريبة الدخل المنخفضة "ما وجه الخزينة نحو الدخل الجمركي والرسوم منذ البداية" وحماية الصناعة الوطنية، وضرورة تغطية العملة اللبنانية بالذهب، ولذلك أحاطت هالة من الاحترام والتقدير اسم ميشال شيحا في العقود التالية واستمرت طويلاً بعد وفاته.

عوض شيحا عن ابتعاده عن النادي الفينيقي بتأسيس جمعية البحر المتوسط، مع شارل حلو وشارل مالك، الأستاذ في الجامعة الأمريكية في بيروت، ورينه حبشي، والحقيقة أن شيحا كان يقوم بمهام رسمية بين حين وآخر إذ كان يرفض الوظيفة العامة الثابتة فأرسل بمهمة إلى الفاتيكان عام 19465 وأقام علاقات ديبلوماسية بين لبنان والفاتيكان، وعندما عاد إلى بيروت دعا ترشيح شارل حلو ليكون ممثل لبنان لدى الكرسي الرسولي ورعى أيضاً تعيين شارل مالك مندوباً للبنان إلى مؤتمر الأمم المتحدة عام 1945 وبقي هذا الأخير سفيراً للبنان في واشنطن ومندوب لبنان لدى الأمم المتحدة حتى عينه الرئيس كميل شمعون وزيراً للخارجية.

كما تولى شيحا دوراً كبيراً في الندوة اللبنانية التي أسسها عام 1946 ميشال أسمر فعقدت 500 ندوة خلال 25 سنة، والجمعية اللبنانية للاقتصاد السياسي مع شارل حلو والفرد نقاش ورغم كل هذه النشاطات الفكرية والثقافية لم يكتب شيحا إلا باللغة الفرنسية "مع إلمامه بالعربية حيث كتب مقال رثاء لصديقه عبد الحميد كرامي زعيم طرابلس" فهو خريج المعاهد اليسوعية وصاحب ثقافة كاثوليكية غرفت من كتابات فلاسفة ومستشرقين فرنسيين، وأجاد شيحا اللغة الإنكليزية وكان مطلعاً على أساليب الإنكليز التجارية ومبادئ الاقتصاد الليبرالي.

وتعتبر مساهمة شيحا ودوره نقطة التحول في خلق لبنان الجديد، بعيداً عن رومانسية أمراء حرب الجبل وأوهامهم حول الوطن الماروني والإمارة اللبنانية كما أن اسم شيحا اقترن خطأ بنموذج الفكرة اللبنانية الحالمة والمثالية التي سعت إلى الارتباط بفرنسا وبفينيقيا بأسلوب مغرق في اللاواقعية، فاستطاع المؤالفة بين الشاغل المسيحي الأقلوي في المشرق والمصلحة التجارية وبين نظام التعدد الطائفي والاقتصاد الليبرالي[18]، كما ساعد في إرساء رسالة لبنان الاقتصادية كتقديس للمبادرة الفردية وطغيان قطاع الخدمات على الصناعة والزراعة وحرية التجارة، حيث عارض أي تشجيع للصناعة الوطنية يكون على حساب حرية التبادل التجاري وإذ شجع الشركات المساهمة وخاصة مع الفرنسيين اتهم بأن أحد أهدافه كان تخفيف العب الضريبي عن الشركات الفرنسية العاملة في لبنان والتي كان هو من أكبر المساهمين فيها.

ويرى كثيرون في شيحا "أحد المهندسين الرئيسيين للنظام السياسي والاقتصادي الذي أرسيت قواعده في العهد الاستقلالي الأول" وأن فكره مارس تأثيراً حاسماً على الأجيال التالية، إذ كانت أفكاره وأطروحاته وشعاراته محركاً للفكر السياسي والاقتصادي اللاحق ومصدر إلهام للعديد من تلامذته الذين احتلوا المناصب الأولى في الدولة والإدارة[19].

 

جمهورية التجار

حدد شيحا إذن لبنان التاجر بأنه بلد يطل على البحر ويرتبط بماضيه الفينيقي، ويمتد في الانتشار اللبناني في العالم، ويحظى نشاطه الاقتصادي بالأولوية، في حين عرف النشاط الاقتصادي اللبناني بأنه ما يقوم به التجار من خدمات وبيع وشراء وليس الصناعة والزراعة، وبأن قاعدة لبنان التجارية هي الأفراد والمبادرة الفردية لا الجماعات، وبأن عصب البلاد هو المال بالمقابل يتضح من كتابات شيحا رؤيته إلى أمراء الجبل بأنهم يمثلون تحدياًَ مستجداً للكيان، وأن أساسهم هو حقبة الإمارة في الجبل بما هو ملجأ للأقليات وأن شغلهم هو السياسية وليس التجارة وأن قاعدتهم هي الطوائف وليس المال، وأنهم يعملون ضمن جماعات لا كأفراد كالتجار، وأن دورهم في الكيان الجديد يقتصر على البرلمان والمناصب العامة وبأنهم مخزن للتقاليد والتركة الدينية.

أما الحل الشيحوي للفئتين "أمراء الحرب والتجار" فهو يقوم على إرادة العيش المشترك القائمة على الخوف السياسي المتبادل والمنفعة الاقتصادية المشتركة، ولعل في هذا التشخيص المبكر لتلاقي الجبل والساحل بعد نظر بقي ثابتة لبنانية حتى اليوم، فالخوف ينطلق من فكرة أن كل الطوائف هي أقليات فليس هناك فئة طاغية محلية على كل الآخرين، والكل يخاف من ارتباط الطوائف الخارجي، أي ارتباط السنة بالعالم العربي السني والموارنة بالغرب المسيحي والشيعة بإيران والعرب الشيعة، والحقيقة أن شيحا لم يتنبأ بأن الخوف المتبادل لن يبقى نظرياً بل سيؤدي فيما بعد إلى تفجيرات نتيجة التحولات الديمغرافية أو سعي إحدى هذه الجماعات إلى مزيد من التمثيل وإن فكرة قيام أي شكل من أشكال السلطة باتت مستحيلة بدون المشاركة الجماعية لكل الطوائف بشكل يرضي أمراء الحرب والزعماء.

ورغم تفكير شيحا المتطور والذي ظهر بوضوح في مئات المقالات، حيث أطلق تسمية الإقطاع السياسي على أمراء الحرب والزعماء، ولكنه كان برغماتياً يبجل هؤلاء ويصر على استعمال الألقاب التاريخية كالمير والبيك والشيخ لدى مخاطبته لهم، فهو يرى الدور الأبوي الأساسي لأمراء الحرب في توزيع الخدمات والهدايا من المحاصصة على رعاياهم إضافة إلى سطوتهم وسيطرتهم على مناطقهم وقمعهم القديم المتوارث المساهم في لجم التطلعات نحو العدل والمساواة وتحضرنا عبارة المرجعية التي درجت في العقود الأخيرة كأحد مظاهر إنهيار الدولة، فلكي يتمكن وزير الداخلية أن يمارس صلاحياته في أي منطقة عليه أن يطلب إذنا من أمير حربها لاعتقال فار من العدالة أو مرتكب جريمة.

أما الوجه الثاني الإيجابي حول التشارك في المنفعة فهو ما يجلبه التجار إذ أن كل اللبنانيين يربطهم التشارك الاقتصادي، إذ أن لبنان شركة، وهو التشارك الذي يسمح بتعزيز كيان مستقل منفصل عن سورية ولكنه متحرر من النفوذ الفرنسي يستفيد أبناؤه مادياً من العرب والغرب على السواء، ووجد المؤرخ ألبرت حوراني تعريفاً مرادفاً للبنان هو جمهورية التجار حيث رأى العيش المشترك حصيلة تفاعل وتبادل اقتصادي وخدماتي بين الطوائف على أرضية السوق[20],ولكن مصالح هؤلاء التجار المتضامنين رغم انتمائهم لطوائف مختلفة، متأثرة دوماً بعمل أمراء الحرب والزعماء الذين يلعبون دوراً حيوياً في البرلمان "التشريع والموازنة" والحكومة الإنفاق والضرائب والعلاقات الخارجية والإدارة العامة "المحاصصة في وظائف الدرجة الأولى حسب التوازن الطائفي".

وهنا أيضاً كان شيحا مثالياً لقد اعتقد شيحا أن ضبط جموح أمراء الحرب والزعماء يكون في قوانين ومواد دستورية تضع الكفاءة مبدأ للتوظيف وضبط الإنفاق ومحاربة ضرائب الدخل، إلخ، ولكنه عبر السنين اكتشف التركيبة السرطانية لدولة أمراء الحرب والتجار، حتى في أقرب الناس إليه عندما عم الفساد حاشية الرئيس بشارة الخوري، صهر شيحا، وسعى لتعديل الدستور ليجدد ولايته، فكانت حقيقة الأمر مخالفة لأماني شيحا والتجار لأن نشاط أمراء الحرب كان يعني بالدرجة الأولى التصرف ككانتونات جغرافية أحياناً ومعنوية أحياناً يعمل كل منهم لجماعته بتوزيع المنافع والخدمات والوظائف وابتلاع مقدرات الدولة بدون حدود حتى لو أدى هذا التصرف إلى الانهيار المالي كما سنرى، أو إلى الاستدانة القاتلة للاستمرار في الإنفاق لنفع مناطق ومشاريع وتمويل جهات، هو إذن نظام المحسوبية أو الزبائنية CLIENTELISME[21].

وما خرج فعلاً من تزاوج الأمراء والتجار مناقض لمبدأ الاقتصاد الليبرالي الذي يوفر للتجار الجو السياسي المناسب لعملهم فيما يعملون في تنمية قطاعات منتجة لا ريعية، وما حصل هو العكس فلا الدولة كانت دولة رعاية ولا دولة ليبرالية، بل هجين مافيوي يتقاسم الجبنة، ولم يكن شيحا مثاليا وفي واد غير هذا الوادي حتى لو ابتعد عن النشاط السياسي المباشر وعمل في الصحافة، ذلك أنه استمر يمارس نفوذه على الفئة الحاكمة في أعلى مستوياتها في أمور ظن هو أنها الأفضل للبنان.

هكذا ولد التلاقي الكبير بين تجار المدينة وأمراء الجبل في بيروت في بداية القرن العشرين، وانتهت دولة الجبل بما هي شراكة مارونية درزية لتبدأ دولة لبنان الكبير عام 1920 بما هي شراكة سنية مارونية استمرت حتى 1975، فيما بقي في الخلفية دوماً مصير المسيحيين في المشرق.


[1]Jan morris the Venetian empire, London, penguin booke, 1990.

[2]EDWARD SAID, OUT OF PLACE, NEW YORK, VINTAGE BOOKS, 2000.

[3]كمال الصليبي، تاريخ لبنان الحديث، ص 165.

[4]كمال الصليبي، تاريخ لبنان الحديث، ص 166- 171.

[5]TABITHA PETRAN, THE STRUGGLE OVER LEBANON, NEW YORK, MONTHLY REVIEW PRESS, 1987, P 31.

[6]كمال حمدان، الأزمة اللبنانية، بيروت دار الفارابي  1998، ص 80.

[7]فواز طرابلسي، صلات بلا وصل، ميشال شيحا والإيديولوجية اللبنانية، بيروت، رياض الريس للكتب، 1999 ص 17.

[8]طرابلسي، ص 21.

[9]مسعود ضاهر، تاريخ لبنان الاجتماعي 1914- 1926 بيروت دار المطبوعات الشرقية 1984 ص 15.

[10]مسعود ضاهر، ص 17.

[11]ROGER OWEN, ESSAYS ON THE CRISIS IN LEBANON, P. 24 MENTIONED IN TRABOULSI P. 133.

[12]يوسف السودا، في سبيل الاستقلال، ذكره طرابلسي ص 21.

[13]MICHEL CHIHA, VISAGE ET PRESENCE DU LIBAN, BEYROUTH, 1964.

[14]EDMOND RABBATH, LA FORMATION HISTORIQUE DU LIBAN POLITIQUE ET CONSTUTIONNEL, UNIVERSITE LIBANAISE, BEYROUTH, LIBRAIRIE ORIENTALE, 1986, P 392.

[15]طرابلسي ص 33.

[16]فقرة من اسكندر الرياشي، قبل وبعد، ص 64، ذكره طرابلسي صلات بلا وصل، ص 28.

[17]طرابلسي ص 28.

[18]طرابلسي ص 28.

[19]طرابلسي، صلات بلا وصل ص 12.

[20]طرابلسي ص 189-191.

[21]طرابلسي ص 212.

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19
« »
المصادر او الهوامش

معلومات النشر:

اعداد: العنكبوت الالكتروني

عنوان الكتاب: أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان

تأليف: كمال ديب

الناشر: دار النهار للنشر

تاريخ النشر: 01/02/2007

إشترك في خلاصة التعليقات عدد التعليقات: (1 منشور)

avatar
joe bloe
الثلاثاء, 10 كانون الثاني / يناير 2017, 07:45:PM
يسمح لنا الأخ وليد جنبلاط بالنسبية اذا أراد ان ينمو البلد ويتطور. جورج واشنطن وابراهام لينكلن كانوا اباء الحضارة الأميركية ولن نرى أحدا من احفادهم يتزعمون فئة في الحكومة الأميركية. نريد دم جديد يحكم البلد, ولا دور للآقطاعية. نرجو من الكل ان يفهموا ذلك. استفردوا بالبلد فامتصوا دماء شعبه. لا يجب ان يكون أي شخص فقير اذا كان يوجد إدارة حسنة للمال العام. فما ذنبهم؟ أخاف عليكم من كثرة ذكائكم.
المجموع: 1 | عرض: 1 - 1

إكتب تعليق

البريد الالكتروني يبقى سرّي و لا ينشر
  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

- التعليقات الواردة من القراء هي مسؤولية أصحابها ولا تعبر عن رأي إدارة الموقع بالضرورة
- تتم مراجعة تعليقاتكم قبل نشرها عن طريق إدارة الموقع

- (سياسة نشر التعليقات)

تابعونا

  1. دول خليجية تحذر رعاياها من السفر إلى لبنان (5.00)

  2. وفاة "ملكة الديسكو" دونا سمر عن 63 عاماً (5.00)

  3. معارض صيني ضرير بمطار بكين متوجهاً لنيويورك (5.00)

  4. الاكتئاب لدي المراهقين .. له إشارات يجب الانتباه لها (5.00)

  5. صحف العالم: أمريكا "تعاقب" باكستان بعدد سنوات سجن أفريدي (5.00)

  6. فيلم منتظر يكشف تفاصيل اغتيال بن لادن (5.00)

  7. أستراليا: التيار الوطني الحر في سيدني ينعي فقيده المفكر و المناضل والاعلامي المخضرم الأستاذ بطرس عنداري (5.00)

  8. الرحيل المفاجئ (5.00)