إعلانات Zone 4B

[CLOSE]

إعلانات Zone 3B

[CLOSE]
أحدث الأخبار:

إعلانات Zone 2B

[CLOSE]
الرئيسية | ثقافة | رفوف المكتبات | أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان (19 حلقة كاملة)

أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان (19 حلقة كاملة)

آخر تحديث:
image
الكاتب:
عدد المشاهدات: 33747
عدد التعليقات: (1)
قيّم هذا المقال/الخبر:
3.00
حجم الخط: A+ A-
نسخة صالحة للطباعة   نسخة نصية   أرسل إلى صديق

إعلانات Zone 6B

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19
« »

 

رجال السلطة والمال في لبنان - الفصل الخامس: الزعماء السنة والروم الارثوذكس

الفصل الخامس

الزعماء السنة والروم الارثوذكس

 

 

التحول الديمغرافي

فقد الموارنة تفوقهم السكاني الهائل في دولة جبل لبنان عندما أصبحوا في كيان أكبر تشاركهم فيه أعداد كبيرة من المسلمين في المناطق التي ضمت إلى لبنان عام 1920وأصبح من الضروري كسب ودهم كما أصبح الروم الأرثوذكس أكثر عدداً أيضاً حيث أضيف أرثوذكسيو المناطق المضمومة، وكان الموارنة الطائفة الوحيدة التي انتشر أتباعها في كافة الأراضي اللبنانية بدون استثناء، إذ أنهم ومنذ القرن السابع عشر هاجروا جنوباً إلى الشوف الدرزي واستقروا بكثرة بين الشيعة في مناطق بعلبك وجبل عامل وبين السنة في البقاع وعكار ومعظم مدن الساحل، وبين الروم الأرثوذكس في الكورة وبيروت، إضافة إلى مواطنهم الأصلية في شمال لبنان وكسروان.

وكان المسلمون السنة والروم الأرثوذكس يمثلون الطائفتين الإمبراطوريتين[1]، استقروا في مراحل تاريخية قديمة في المناطق الأكثر صلاحية للسكن والتجارة، ففيما تمتع الجبل بمناظر طبيعية خلابة ومياه متدفقة، كانت الحياة عليه قاسية لا توفر لسكانه المستوى الاقتصادي الذي وسم أهل المدن الساحلية أو تلك في الداخل السوري حيث يقطن المسلمون السنة، وهذا ما يشرح سبب غياب السنة بنسبة مهمة في جبل لبنان طيلة القرون السابقة وما جعل انضمام مناطق بأغلبية مسلمة كانت سابقاً جزءاً من ولاية دمشق وولاية بيروت إلى دولة لبنان الكبير عام 1920 سابقة أحدثت تغيراً ديمغرافياً مهماً.

ولم يكن تكبير لبنان عام 1920 هو السبب الوحيد لانخفاض نسبة المسيحيين وخاصة الموارنة في الكيان الجديد، ذلك أن الحرب العالمية الأولى قد أدت إلى كوارث ديمغرافية عميقة قتلت ثلث سكان لبنان حوالي 100 ألف نسمة فكان في بلدة البترون قبل الحرب 5000 نسمة بقي منهم 2000 وفي عبدلي كانوا ألفي نسمة فأصبح سكانها لا يزيدون عن 150 نسمة بعد الحرب[2]، لقد استمرت الكوارث منذ إعلان الحرب وحتى العام 1917 حيث توقفت فوراً المساعدات المالية والعينية من المهجر وتراجع عرض المواد الغذائية وفرض الأتراك عملة ورقية وصودر الشبان للعمل في السخرة وجرت إعدامات كثيرة بحق الوطنيين عامي 1915 1916 وصادر الجيش التركي مؤن الأهالي ومواشيهم، فتناثرت جثث اللبنانيين في كل مكان وانتشر التيفوئيد والتيفوس والطاعون والملاريا واجتاح الجراد لبنان في نيسان /إبريل 1915 وبقي يجوب الجبل لعدة شهور فترك البلاد بلقعاً، وأقفلت طريق البحر واحتجز الإنكليز سفينة محملة بالأطعمة والملابس فالتف ما حملته وأخيراً رفع الأتراك الحظر وسمحوا بدخول القمح إلى لبنان من سوريا عام 1917[3]، وبقي من سكان المتصرفية في نهاية الحرب 400 ألف نسمة في مساحة 5000 كلم مربع منها أقل من 4 بالمائة فقط صالحة للزراعة.

وفي عام 1920 عندما وسع الفرنسيون الكيان أضيف حوالي 350 ألف نسمة، معظمهم يقيم في طرابلس وصيدا وبيروت[4] وأراض شاسعة صالحة للزراعة، وعام 1908 كان عدد سكان بيروت 136 ألف نسمة انخفضوا إلى أقل من مائة ألف بعد الحرب العالمية الأولى ويقدر البعض مساحة الدولة الجديدة التي أعلن حدودها الجنرال غورو[5] في أيلول 1920 في قصر الصنوبر- بيروت بحضور البطريرك الماروني ومفتي السنة مصطفى النجا وشخصيات، بحوالي 11 ألف أو 12 ألف كلم مربع، واتفق فيما بعد الفرنسيون والإنكليز على اقتطاع منطقة وادي الحولة اللبنانية الغنية بالمجاري المائية[6] ومنحها إلى الانتداب البريطاني في فلسطين لتصبح جزءاً من إسرائيل فيما بعد، ما يفسر الجيب الفلسطيني الذي يمتد داخل الأراضي اللبنانية عند مرجعيون فتقلص الكيان إلى 10400 كلم مربع[7].

وقدر عدد سكان لبنان "ضمن حدود المتصرفية" عام 1919 بـ 415 ألف نسمة، شكل المسيحيون منهم 4و79 بالمائة، وتوزع السكان كالتالي: موارنة 242 ألفاً أو 4و58 بالمائة، وأرثوذكس 52 الفاً أو 6و12 بالمائة، وكاثوليك 32 ألفاً أو 7و7 بالمائة، ودروز 47 ألفاً أو 4و11 بالمائة وشيعة 23 ألفاً أو 6و5 وسنة 14 الفاً و 5و3. بالمائة وبروتستانت 3 آلاف أو أقل من واحد بالمائة[8]، أما المناطق الملحقة عام 1920 فكانت الأغلبية الساحقة من سكانها من السنة والشيعة والأرثوذكس، حيث أظهر الإحصاء الفرنسي أن عددهم هو 312 الف نسمة، منهم 201 ألف من المسلمين و 112 ألفاً من المسيحيين، توزعوا كما يلي: 106 آلاف من السنة و85 ألفاً من الشيعة و 43 الفاً من الموارنة و 41 الفاً من الأرثوذكس و 26 ألفا من الكاثوليك و 10 آلاف من الدروز وألفان من البروتستانت و 8 آلاف من الأقليات وقدر الإحصاء عدد سكان الكيان الجديد "جبلا وساحلاً وأطرافاً" من المقيمين 580 ألف نسمة والمهاجرين 131 ألفاً[9] ما مجموعه 711 الفا.

وبين الإحصاء الفرنسي للمقيمين عام 1921 أن نسبة الطوائف المسيحية قد انخفضت من 80 بالمائة تقريباً في دولة جبل لبنان إلى 52 بالمائة في دولة لبنان الكبير أو أقل من ثلاثمائة ألف مسيحي مقابل 265  ألف مسلم وساهمت الهجرة خاصة في صفوف الموارنة في تضاؤل نسبة المسيحيين باستمرار في سنوات الانتداب الأولى حتى أعادت الهجرة الأرمنية من تركيا وشمال سورية إلى لبنان في ذلك الوقت بعض التوازن، وهكذا بلغ عدد سكان لبنان المقيم عام 1925 "598 ألفاً" منهم 178 ألفا من الموارنة "30 بالمائة أي حوالي نصف نسبتهم في المتصرفية" و 123 ألفاً من السنة "21 بالمائة" و102 ألف من الشيعة "17 بالمائة" و 70 ألفاً من الأرثوذكس  (7و11 بالمائة) و 40 ألفاً من الكاثوليك (7و6 بالمائة) و 39 ألفاً من الدروز (5و5 بالمائة) و 4 آلاف من البروتستانت (أقل من 1 بالمائة) و 42 الفاً من الأقليالات منهم 33 ألف أرمني[10], فيكون عدد المسيحيين عام 1925 بمن فيهم الأرمن الذين حصلوا على الجنسية فيما بعد 325 ألفاً أي ما يزيد عن 54 بالمائة بقليل (أو 49 بالمائة من دون الأرمن) والمسلمين 264 ألفاً أي ما يزيد عن 44 بالمائة بقليل، ولكن عدم تجانس المجموعات المسيحية أو المجموعات المسلمة ضمنياً عنى أن الكيان الجديد أصبح متنوعاً لا ثقل لأي طائفة بمفردها ما اقتضى تقارب الطائفتين الكبيرتين، الموارنة والسنة.

كان الموارنة والسنة يمثلون اللطائفتين الأكثر عددا في دولة لبنان الكبير حيث بلغ عددهما معاً 301 الفاً عام 1925 أو أغلبية 3و50 بالمائة من مجموع السكان، ولقد أجرت سلطات الانتداب إحصاء آخر عام 1932 كان الأخير في لبنان أظهر أغلبية مسيحية باهتة هي 3و51 بالمائة مقابل 7و48 بالمائة من المسلمين، كما بلغت نسبة السنة والموارنة معاً 4و51 بالمائة (الموارنة 29 بالمائة  والسنة 4و22 بالمائة والشيعة 6و19 بالمائة والأرثوذكس 10 بالمائة[11])  ولقد تضاءل عدد الدروز حتى أصبحوا يشكلون أقل من 7 بالمائة من السكان في إحصاء 1932 وفي حين لعب المسيحيون غير الموارنة دوراً في دولة لبنان الكبير وفي النشاط الاقتصادي، بقي الشيعة بدون راع خارجي وبقاعدة اقتصادية لا شأن لها، رغم أن حجمها الديمغرافي لم يبتعد كثيراً عن حجم السنة (وهي مسألة سيستغلها زعماء الموارنة، لاسيما أميل إده فيما بعد، ولذلك كان من الطبيعي أن يكون السنة والموارنة المصدر الرئيسي للشرعية الشعبية لأي نظام سياسي سينبثق عن الانتداب، وأن يلعب الدروز دوراً أكبر من حجمهم الديمغرافي "وخاصة بسبب تولي آل أرسلان بقيادة المير مجيد وآل جنبلاط بقيادة الست نظيرة لواء مصالحهم".

وأصبح الأرثوذكس في الكيان الجديد الطائفة الكبرى الرابعة إلى جانب الموارنة والشيعة والسنة، ففيما ارتبط الموارنة بالقرى والمناطق الجبلية والريفية كان الارثوذكس أكثر التصاقاً بالمدن، متخذين أسماء عائلية من المهن التي احترفوها "حداد، حجار، نجار، خياط، إلخ..) إذ عندما لم تسنح لهم فرصة الحصول على الوظيفة الرسمية في الدولة العثمانية كانوا يعملوت بموجب المثل الفرنسي الذي طبقته معظم الأقليات في دولة الإسلام، إذ لم تستطع أن تصبح ملكاً فكن طبيباً:

SI VOUS POUVEZ ;PAS DEVENIR ROI, FAITES MEDECIN.

لقد شكل أبناء طائفة الروم الأرثوذكس جزءاً من الديانات الرسمية في الدولة "وهو إرث حافظوا عليه منذ فترة الإمبراطورية البيزنطية قبيل الفتح الإسلامي وجدده لهم الخلفاء المسلمون المتعاقبون" ولذلك فإنهم أقاموا في المدن العثمانية الكبرى إلى جانب المسلمين السنة، وإذ كان الارثوذكس أقلية مسيحية صغرى في جبل لبنان حيث كان الموارنة هم الأغلبية، إلا أنهم فاقوا الموارنة عدداً في المشرق الأوسع، وتعود أصول الروم الأرثوذكس المنتشرين في أنحاء لبنان إما إلى الكورة قديماً أو إلى الداخل السوري من حوران ودمشق وحلب وغيرها حيث اختلطوا بعفوية وسهولة مع سنة المدن وخاصة في التجارة والإدارة.

ولم يكن لهم كانتونات في الجبل كالدروز والشيعة والموارنة، ولم يعانوا من سيكولوجية الأقلية المضطهدة التي دفعت غيرهم إلى المرتفعات، فكان موقفهم من الكيان الجديد مقارباً لموقف السنة، وفي القرن التاسع عشر وحتى القرن العشرين، انتعشت وازدهرت جماعات كبرى من الروم الأرثوذكس في سائر مدن المشرق، حيث شكلوا أحيانا ثلث عدد السكان في دمشق وحلب، ونسبة مئوية هامة في بيروت والقدس وغيرها من المدن، وبطبيعة الحال كان وضع الروم الأرثوذكس الاقتصادي متيناً، منهم الأغنياء وأصحاب المعارف والمهن الرفيعة.

وظهرت عائلات أرستقراطية أرثوذكسية عديدة منها في بيروت كما أن مناطق يسكنها أبناء هذا المذهب أصبحت جزءاً من دولة جبل لبنان عام 1864 "الكورة وأقليم الخروب".

 

صراع الموارنة والسنة على الفكرة اللبنانية

انطلق الموقف السني من الكيان اللبناني من ذاكرة السنة الجماعية في مرحلة تاريخية طويلة دامت أكثر من 400 سنة، شكل المشرق أثناءها جزءاً من الإمبراطورية العثمانية حالة راية الإسلام في العالم، فكان المطلوب منهم في دولة لبنان الكبير تناسي هذا التاريخ والانضمام إل كيان جديد بأغلبية مسيحية صنعته دولة أوروبية ساهمت في هزيمة الخلافة الإسلامية في الشرق، ولقد ظهرت أبحاث ودراسات في لبنان حول ظروف انحسار الدولة العثمانية عام 1918، خلصت إلى موقفين: الأول يقول إن المشرق ومناطق أخرى في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا خضعت للنير التركي والظلم والعدوان والاحتلال لعدة قرون، فيما تعرضت الأقليات الدينية لاسيما المسيحيين للاضطهاد والحرمان والمعاملة الذمية.

وفي ظل هذا الموقف يرى مؤرخون مصريون وسوريون ولبنانيون أن بلادهم فقدت مكانتها ودورها وتعرضت للتدهور على المستويات كافة منذ استولى عليها الأتراك عام 1516، وأن الدولة العثمانية هي التي جنت على نفسها في أوائل القرن العشرين عندما بدأ الأتراك التصرف بمنطق قومي شوفيني تجاه عناصر السلطنة الأخرى كالأرمن والأكراد والعرب.

والموقف الثاني "المستجد نسبياً في الربع الأخير من القرن العشرين، خاصة بعد انحسار الفكر القومي العربي وصعود الأصولية الإسلامية" يقول إن سيادة الأتراك على العالم العربي لم تكن احتلالاً اثنياً الترك على العرب، بل تدرجاً طبيعياً لما وصفه بحكم الدولة الإسلامية، وأن رعايا السلطنة كانوا ينظرون إلى الباب العالي كدولتهم الطبيعية المستمرة منذ أيام النبي محمد، هذا المنطق تطور في العقدين الأخيرين من القرن العشرين إلى تيار أيديولوجي إسلامي ينفي عن الأتراك صفة الاحتلال بل يرى في مجيئهم إلى العالم العربي فتحاً في تاريخ الإسلام وتوطيداً لآخر خلافة إسلامية "الخلافة العثمانية" وأن هذا الفتح حمى العرب والمسلمين من السقوط في أيدي الصليبية الجديدة، ويتحسر القائلون بهذا الرأي على سقوط الخلافة العثمانية التي كان من الممكن أن تحمي فلسطين التي تعد نكبة الإسلام في العصر الحديث من السقوط في أيدي اليهود، وأنه مهما تكن أوجه النقد الموجهة لفترة الحكم العثماني للعالم العربي فإن ذلك الحكم ساعد على إيجاد وحدة سياسية واقتصادية من نوع خاص بين الولايات العربية لأول مرة ربما ضعف الدولة العباسية[12].

ولئن اعتبر السنة المحيط السوري الأوسع وطنهم فيما آمن كثيرون منهم بأمة عربية أو إسلامية أكبر، شكل كسبهم لصالح الفكرة اللبنانية  تحدياً كبيراً للموارنة.

في مواجهة الحس السني والأرثوذكسي في الانتماء إما إلى وطن سوري، أوسع أو إلى مشروع عربي يضم الجزيرة والمشرق والعراق، كانت النخبة المثقفة المارونية في بداية القرن العشرين تطور مفهوم فكرة لبنانية تفصل لبنان عن تراث عربي مشترك، وتبرز جذوراً لبنانية خالصة تعود إلى الفترة الكلاسيكية التي تشبه تلك التي عاشتها بلاد الإغريق القديمة، وانتقد معارضو هذا الاتجاه "التأريخي الرومنطيقي" ومعظمهم من الطوائف الأخرى، هذا التركيز على التراث الكلاسيكي "الفينيقي والمقدوني والبيزنطي والروماني وصولاً إلى الفترة الصليبية" الذي مسح 1400 سنة من التراث العربي والإسلامي في لبنان، ورغم أن تخريج وإبراز التراث الكلاسيكي قد خدم الفكرة اللبنانية في توقها إلى عقيدة قومية خاصة، إلا أن هذا المسعى قد أدى إلى غربة أجزاء واسعة من الشعب اللبناني عن جذوره وولد حالة هجينة لا هي عربية ولا أوروبية، ولكن الفكرة اللبنانية انتصرت بمساعدة فرنسا واستمرت حتى العام 1975 على الأقل عندما دخلت في مخاض دموي أسفر عن فكرة أخرى عام 1989 مازالت تحتاج إلى التوضيح وعرضة للتجارب حتى اليوم.

ومنذ بداية القرن العشرين وحتى السبعينيات ظهرت كتابات شتى وضعها مثقفون ومفكرون موارنة، خلقت مكتبة متينة عن أصل لبنان الفينيقي، كما ازدهرت في نفس الفترة كتابات مضادة تقلل من أهمية هذا الخليط وتتكلم عن تاريخ إقليمي أوسع، وأن تراث 7000 سنة ليس وقفاً على لبنان وأن مواطن الفينيقيين لم يقتصر على لبنان، هذا الخلاف الذي بدأ أكاديمياً ساهم في الانفصام العميق في الشخصية اللبنانية الحديثة فكانت المناهج التربوية تقلل في محتوى مادة التاريخ من التراث العربي والإسلامي الذي كان حاضراً في لبنان ابتداء من القرن السابع في ذاكرة نصف السكان في دولة لبنان الكبير، وتركز على حقبة أمراء الجبل المعنيين والشهابيين "1516-1842" فتمر قرون عامرة بالتاريخ الحي من دون التفاتة ويصبح تاريخ مناطق الأطراف ذا صلة فقط منذ ضمها إلى دولة لبنان الكبير.

ومنذ الثلاثينيات إلى السبعينيان من القرن العشرين، كان الاغتراب النفسي يتعمق حيث كان أساتذة بعض المدارس يقطبون حواجبهم أمام احتمال انتماء تاريخ لبنان إلى محيط مشرقي وعربي، حتى أن بعض المدارس وذوي الطلاب كانوا يشجعون الأطفال على التحدث بالفرنسية دون العربية وعلى تعلم تاريخ وثقافة فرنسا، في حين كان التراث العربي الإسلامي يأتي في سياق الشعوب والإمبراطوريات التي مرت على لبنان، وتهمل حقيقة تركه أثراً عميقاً في وجدان المجتمع اللبناني الحديث، ولم يخل الأمر من ظهور كتب مدرسية غطت المساحة الجغرافية الأوسع وتناولت الحقبات الأموية والعباسية[13]، ولكنها قليلة في مواجهة طغيان التاريخ المميز والخاص الذي يلعب فيه الفينيقيون وأمراء الجبل دور البطولة.

واليوم يمكن القول إن الفكرة اللبنانية هي التي كسبت الرهان حتى بعد 30 سنة من انهيار لبنان بما هو شراكة مارونية سنية عام 1975 لم يعد وارداً في أذهان أصحاب الأمر في بداية القرن الواحد والعشرين التشكيك في نهائية الكيان.

ولئن عكست هذه الأفكار مواقف طائفية في كتابة الرواية الرسمية التاريخية للكيان "انظر تشخيص أحمد بيضون[14]" فقد ظهرت محاولات عدة لدمج الموقفين، بدأت قبل العام 1975 واستمرت تحت باب السعي إلى تأليف كتاب تاريخ موحد لكل اللبنانيين، والمقولة التوفيقية تنطلق من حقيقة أن الفينيقيين نطقوا بلسان سامي ولم يكونوا أوروبيين، بل شاركوا سكان الشرق الأوسط بالعادات والتقاليد والثقافة، وأن للبنان ميزات خاصة ولكنه يشارك محيطه في الثقافة والتاريخ والجغرافية، وأن الموارنة هم أبناء المشرق المتأصلون بجذورهم فيه وليسوا من أوروبا، وإذا كان من أصل أوروبي لأي عائلة لبنانية، فهذا ناجم عن بقاء بعض الصليبيين في المشرق وانضمامهم إلى هذه أو تلك من الطوائف المسيحية أو اعتناق بعضهم للإسلام، وإذا كان العربي هو من يتكلم العربية كلغة أم ويعيش في المناخ الثقافي العربي العام، مسيحياً كان أم مسلماً فإن كل اللبنانيين، باستثناء الأرمن، هم أولاد عرب، إما بالأصل القبلي أو بالإرث اللغوي الثقافي.

وفي حين أن الموارنة ضليعون في الثقافة الفرنسية "ومنهم عشرات أبدعوا في آداب اللغة الفرنسية[15]" إلا أنهم يشاركون بقية اللبنانيين صفاتهم قهم أهل جبل يفخرون بكرم الضيافة العربية، والشرف والكرامة، والأخلاق الاجتماعية والروابط العائلية "فلا يعقل أن ينسى الأمير بشير أو الأمير فخر الدين نسبهما الشريف إلى قبائل عربية عريقة لصالح تاريخ فينيقي أو لرباط ثقافي مع فرنسا، والموارنة لا يتكلمون غير العربية كلغة أم، رغم تراثهم السرياني ويأكلون الطعام المشرقي مع سورية وفلسطين والأردن، كما أن الموارنة ومثقفي المسيحيين بشكل عام، قد أنقذوا اللغة العربية من اضمحلال أكيد تحت الهيمنة التركية وأعمال التتريك، كما أن المسلمين عانوا أيضاً من الظلم التركي وكان منهم شهداء لأجل لبنان ويتمسكون بهويتهم العربية ويتميزون عن غيرهم بعطفهم وغيرتهم ودفاعهم عن بني قومهم من المسيحيين، وكانوا من بناء الكيان اللبناني، حتى أن من مثقفيهم من ساهم في إصدار الإنجيل باللغة العربية "يوسف الأسير".

وأخيراً من ناحية العنصر، لا يمكن تمييز اللبنانيين عن غيرهم من سكان المشرق، حيث جرت دراسات أنتربولوجية عديدة حول قياسات الرأس والحواس ومزايا أخرى، بينت غلبة ما يسمى بعنصر شعب البحر المتوسط على سكان المشرق مع بعض التنوعات بسبب الهجرات وخاصة الأرمن، كما أن تعرض لبنان لغزوات لا حصر لها وموجات هجرة واستيطان حدثت عبر آلاف السنين، جعل من الصعب قبول منطق الصفاء العنصري، ويؤيد ميشال شيحا مبدأ الخليط وعدم صحة أسطورة العنصر اللبناني باعتباره أن اللبنانيين هم منوع من منوعات شعوب البحر الأبيض المتوسط، كما يقول العلماء.

ولكن هذه المحاولات التوفيقية لم ترأب الصدع بين الحاجة إلى تطوير الفكرة اللبنانية لاستيعاب تعدد الانتماءات إلى المحيط الجغرافي "السوري والعربي والإسلامي" وضرورة إبراز العادات والمزايا التي طبعت الإنسان اللبناني عبر التاريخ، ومن الأسباب الرئيسية لصعوبة إزالة الهوة، الدور الهام الذي لعبه الولاء الديني في انفصام الشخصية اللبنانية، إذ قد يكون بعض مسلمين لبنان من أصول أوروبية "إغريقية أو لاتينية أو فرنجية" أو وافدة من الشرق "فارسية أو تركية أو كردية أو أرمنية" ولكن المسلمين يعتنقون اليوم الحضارة العربية والانتماء والتراث العربي بكل طواعية وبدون تردد، تجدهم ينتسبون إلى تنظيمات تنادي بالعروبة، بدون حاجة إلى تمهيد أو شرح عقائدي، ومن ناحية أخرى بعض موارنة لبنان يتحدر من أصول عربية قدمت من الجزيرة العربية "اليمن مثلاً" أو من شمال سورية أو من العراق، وبعض هؤلاء الموارنة تحدر من عائلات مسلمة تنصرت قبل قرون، ورغم ذلك، فمعظم ميول هؤلاء غربية تجاه أوروبا ومحيطهم اليومي السياسي والاجتماعي في واد غير الوادي الذي نشأ فيه معظم المسلمين، ولذلك تجد قرار انتسابهم إلى أحزاب ذات نزعة قومية لبنانية كحزب الكتائب سهلاً، ولاشك أن انتشار التعليم في لبنان قد دفع الشباب إلى الانضمام إلى أحزاب غير طائفية بقي مفعولها هامشيا في لبنان حتى اليوم.

إن إغفال مفكري لبنان الحديث للمعطيات الدينية لهذا الانفصام الوطني ومحاولتهم فرض قالب أكاديمي غربي على الواقع اللبناني قد أديا مراراً إلى فشل التوصل إلى تفاهم على هوية وطنية موحدة، أما اعتناق المسلمين للفكر القومي الأوسع "قومي سوري أو عربي أو إسلامي" فإن التراث الكلاسيكي والروابط الأوروبية ودور الكنيسة شحذت مشاعر الموارنة في تعريفهم القومية اللبنانية.

وحتى التراث الفينيقي كان موضع خلاف، لأنه حسب البعض لا يقتصر على لبنان ولا يحتكره لبنان، بل تشارك فيه عدة دول "منها سورية مثلاً إلى التي تمثل العمق الجغرافي الحاضر دوماً".

 

المخاض السني الماروني

مع انطلاق الحرب العالمية الأولى، أصبحت الدول الأوروبية في وضع المسيطر على القطاعات الاقتصادية في ديار السلطنة العثمانية أو ما تبقى منها في بداية القرن العشرين، فكان لاستيلائهم العسكري على المشرق إلى جانب اقتصادي هام، وعندما دخل الحلفاء سورية ولبنان عام 1918، أهان أفراد الجيوش البريطانية والفرنسية المسلمين في عدة مناسبات، كوقوف الإنكليز على قبر صلاح الدين الأيوبي في دمشق وتهكمهم بالقول "لقد عدنا يا صلاح الدين" إشارة إلى الهزيمة المذلة لملك إنكلترا ريكاردوس قلب الأسد على يد صلاح الدين عام 1190 وكان رجال فرنسا في لبنان يطلقون تصريحات عشوائية مؤذية، كالمسؤول العسكري الفرنسي روبير كولان الذي أغضب المسلمين عندما قال بأن فرنسا جاءت إلى لبنان لتنقذ أصدقاءها الموارنة[16]، أو قول الجنرال كاترو للبطريرك الماروني إن فرنسا أنشأت لبنان خدمة للموارنة[17]، ما أعطى دخول الحلفاء إلى المشرق مذاقاً صليبياً وكان إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920 مناسبة سعيدة للموارنة ويوماً مشؤوماً للمسلمين الذين رأوا مركزهم ينحدر من أغلبية مطلقة في السلطنة إلى أقلية دولة ذات أغلبية مارونية ومسيحية، منفصلة عن اخوانهم في الدين في العمق السوري، فكان لزواج المصالح الاقتصادية بين الجبل وبيروت نتائج سلبية، ليس فقط عدم رضا المسلمين بل انتقال الجو الاجتماعي المتفجر بين أمراء الحرب في الجبل إلى بيروت التي أصبحت ساحة للتجار أصحاب المبادرة الفردية، وأمراء الحرب الذين ظهروا برداء رجال الدولة الجدد.

لم يقبل سكان المدن الساحلية ما اعتبروه انفصالاً مصطنعاً عن اخوانهم في العمق السوري، فكان مسلمو المشرق يشعرون بانتماء عميق للدولة العثمانية التي يعتبرونها دولتهم، وكان السنة ينظرون إلى مدن الساحل كجزء من ولاية بيروت العثمانية التي يديرها رسميون من الزعماء والبكوات السنة المحليين أو الأتراك، وفي ظل الحكم العثماني، كان المسلمون السنة مواطنين من الدرجة الأولى، يتمتعون بامتيازات ويحصلون على الوظائف الرفيعة والتمثيل في البرلمان العثماني، ولقد عاين السنة الواقع الجديد في الشرق الأوسط في سلسلة مؤتمرات وأيقنوا باستحالة العودة إلى العهد السابق، ليس لانتصار فرنسا وبريطانيا في الحرب فحسب بل للتحول الجذري في تركيا الجديدة بقيادة مصطفى كمال "أو كمال أتاتورك" أي أبو الأتراك، التي أدارت ظهرها للشرق واعتنقت الثقافة الأوروبية، وتخلت عن الحرف العربي وأنهت الخلافة الإسلامية عام 1924، وانتشرت فيها عقائد شوفينية تعتبر الأتراك متفوقين على العرب وأن العرب خانوا السلطنة لمصلحة الإنكليز وشاركوا في قتل الجنود العثمانيين.

كان الحد الأدنى المقبول لدى السنة بعد الحرب هو قيام حكومة عربية مستقلة تضم لبنان وسورية، ووجدوا خلاصاً في الحكومة الفيصلية في دمشق التي أبدت اهتماما ملحوظاً بزعماء بيروت والساحل، ولم يقل زعماء الساحل السنة عراقة وأهمية عن أمراء حرب الجبل، حيث برز زعماء محليون كآل الصلح في صيدا وآل سلام والداعوق وبيهم في بيروت وآل كرامي والأحدب والجسر في طرابلس، وهكذا كان رفض السنة للواقع الجديد مزدوجاً لا لدولة لبنان كبير منفصلة عن بلاد الشام ولا للانتداب الفرنسي، وعلى هذا الأساس دعوا إلى مؤتمر موسع عام 1920 لتطوير الجهود المناوئة للسياسة الفرنسية في الشرق، ورأس هذا المؤتمر الذي سمي المؤتمر السوري العام، زعيم بيروت علي بك سلام، بحضور زعيم صيدا رياض الصلح، وزعماء آخرين من طوائف مختلفة، منهم مسيحيون يفضلون الحكومة الفيصلية.

ومن مقررات المؤتمر إزالة مفاعيل الانتداب وعودة اللحمة مع سورية وجلاء الفرنسيين، وكان زعماء السنة في وضع لا يحسدون عليه، ذلك أن مواقفهم لم تدعمها إمكانيات مادية على الأرض، فهم من عائلات مدينية تتعاطى التجارة أو الوظيفة العامة، وكانت تتكل على الشرطة والعسكر العثماني في تثبيت الأرمن والنظام، ولكن مع زوال السلطنة العثمانية باتوا بدون أمن ونفوذ وأصبحوا تحت رحمة سلطة الانتداب، في حين كان أمراء حرب الجبل في موقع قوة، والدليل على ذلك، اعتيادهم الحياة العشائرية، وامتلاكهم القوة العسكرية الذاتية، والدعم الفرنسي ومقررات عصبة الأمم وقوتهم الاقتصادية المتنامية، ودعم قسم كبير من أبناء المدن المثقفين والمتمولين للانتداب وللكيان اللبناني الجديد.

وحتى قبل ظهور المعارضة السنية للكيان الجديد، كان الفرنسيون والموارنة يدركون هذا التحدي الديمغرافي، لأن السنة كانوا الخاسر الأكبر في دولة لبنان الكبير، تلاهم الأرثوذكس، ولذلك كان ثمة جهود كبيرة بذلها الانتداب والموارنة لمحاكاة السنة ليتعاطفوا مع الجمهورية الجديدة، حيث كانت مسألة الحصول على اعتراف السنة بلبنان مرتبطة بقبول العالم العربي الأوسع، وجله من السنة، لدولة بأغلبية مسيحية في وسطه، واستغرقت هذه الجهود عدة سنوات فيما تحاشى الفرنسيون والموارنة القيام بأعمال تظهر وكأن هذا الكيان خلق للموارنة.

فلم يظهر أي ماروني على مستوى رأس السلطة قبل الثلاثينيات من القرن العشرين، واستقر الفرنسيون والموارنة على التعاون مع زعماء صيدا وبيروت وطرابلس على ترتيب البيت الجديد والتشارك في حكومة لبنانية.

لم يمنح الفرنسيون ضمانة آلية ليكون الكيان الأكبر وطناً تعود فيه الكلمة الأولى للموارنة، إذ ساد الوضع الرمادي حتى بداية الثلاثينيات، كما أن الصراع الماروني- الماروني الذي ابتدأ في ثورة العامية واستمر في عهد المتصرفية بين موارنة الجبل الأوسط "الشوف وعاليه وبعبدا والمتن" الذين تعاونوا مع المتصرف العثماني، والجبل الشمالي حيث طالب أمراء الحرب "تؤازرهم الكنيسة أحياناً" بكيان لبناني منفصل بأمير أو حاكم ماروني، استمر بعزم جديد في دولة لبنان الكبير وفيما كان الفرنسيون أكثر تقرباً من موارنة كسروان والشمال وأشد تفاهماً معهم، تقرب الإنكليز من الدروز ومن الموارنة الأكثر ليبرالية ومارركنتيلية في الجبل الأوسط، ورغم النفوذ الفرنسي في الجبل الذي تعمق في القرن التاسع عشر، لم يمتلك هؤلاء معلومات كافية وخبرة وافية في التعاطي مع الشؤون المحلية، بل احتاجوا إلى عدة سنوات للعامل مع الأحاجي اللبناني كما أن أسلوبهم في الإدارة خلا من الإبداع إذ أنهم حافظوا على التقليد العثماني في تعيين مجلس إدارة من 17 شخصاً يمثلون الطوائف مع فارق أنهم استبدلوا بالموظف العثماني الذي يرأس المجلس موظفاً فرنسياً كمفوض سام.

قاد الصراع الماروني الداخلي في تلك الفترة المحامي اللامع إميل إده الفرنكوفيلي ابنه جبيل شمال بيروت، وبشارة الخوري الأكثر انفتاحاً، من الشوف، وكان إده مناضلاً استقلالياً ضد الحكم التركي، صدر عليه حكم بالإعدام فلجأ إلى مصر وفرنسا في زمن الحرب حيث شارك في عدة نشاطات سياسية مع لبنانيين آخرين، وعاد إلى لبنان على متن بارجة حربية فرنسية عام 1919، حيث عينته فرنسا مستشاراً للمفوض السامي الفرنسي في بيروت، وفيما تمتع إده بشعبية في أوساط موارنة كسروان، كان موارنة الوسط "الشوف وعاليه والمتن" يفضلون بشارة الخوري المتحدر من آل الخوري صالح أمراء حرب جرد الشوف، وقريب حبيب السعد الخوري، وكان بشارة الخوري قد تخرج محامياً واكتسب خبرة في مكتب إميل إده في بيروت عام 1912.

وفي المرحلة الانتقالية من دولة جبل لبنان المرتبطة بحكومة دمشق العربية وحتى إعلان دولة لبنان الكبير، عمل بشارة الخوري مساعداً لقريبه حبيب السعد الذي عينته الحكومة الفيصلية حاكماً على جبل لبنان، أما إميل إده فكان في الطرف الآخر وقد ذكره بشارة الخوري في مذكراته بهذه الكلمات: قد يكون خطأ في العقيدة، ذلك أن إده كان ضيق الإيمان بالاستقلال التام الناجز وبديمومة الميثاق الوطني، ضعيف الثقة بدنيا العربي، ولو انقادت إليه الأمور وأصبح في مقدوره تحويل مجرى الحادثات لأنشأ لبناناً أصغر من الكبير، وأكبر من الصغير، يضم بيروت قاعدة له والبقاع الغربي مدى حيوياً ولأحاطه بسياج من الوصايا الفرنسية[18].

 

استمالة السنة والأرثوذكس

بمباركة عصبة الأمم بدأ الانتداب الفرنسي على لبنان وسورية وتم إعلان دولة لبنان الكبير، ثم كان بعد ذلك تحضير دستور للبنان وفقاً لبنود مذكرة الانتداب التي أصدرتها عصبة الأمم لتحويل لبنان إلى دولة، ورأس لجنة صياغة الدستور رئيس المجلس التمثيلي الماروني موسى نمور، ومعه ميشال شيحا وبترو طراد في أمانة سر لجنة الدستور الذي اقتبست معظم مواده من الدستور الفرنسي، وبعدما تأسس برلمان جديد أعلن في 23 أيار /مايو 1926 بدء العمل بالدستور الجديد، وبدأ البحث عن رئيس لبناني للبلاد يجمع قيادات كل الطوائف فأخذت الفئة المتمولة، التي ضمت مسيحيين ومسلمين، على عاتقها مهمة إقناع القيادة الإسلامية السنة والأرثوذكسية المعارضة للوجود الفرنسي ولاحتمال الهيمنة المارونية.

وكان الأرثوذكس قد خسروا حاميتهم الدولية، روسيا القيصرية، عندما قامت الثورة البلشفية وجعلت من روسيا دولة شيوعية عام 1917، وخافوا من هيمنة الموارنة والدعم الفرنسي الواضح للموارنة والكاثوليك بشكل عام، ففضلوا الوحدة مع سورية حيث أكثرية بني طائفتهم، ولذلك عندما بدأ العمل بالدستور رشح الفرنسيون شارل دباس ناظر العديلة رئيساً للجمهورية اللبنانية، ورغم أن دباس كان فرنكوفيلياً من باريس تخرج من باريس وزوجته فرنسية ومقرب من فرنسا، إلا أن الموارنة وبعض الفرنسيين لم يكونوا مرتاحين جدا لهذا الاختيار حيث شارك في المؤتمر العربي في باريس عام 1913 الذي هاجمه الموارنة بشدة.

واعترض البطريرك الماروني على ترشيح دباس وهو راغب في مرشح ماروني إلا أن السلطات الفرنسية أقنعت البطريرك بهذا الاختيار على أن يكون خلفية دباس مارونياً[19]، خفف انتخاب دباس من غلواء المسلمين والارثوذكس ضد فرنسا، وتقديراً لموافقة الموارنة على وصول أرثوذكس للرئاسة الأولى، عين دباس الماروني أوغست أديب "وهو تحوير لاسم ديب من آل نعمة في دير القمر" رئيساً للوزارة اللبنانية الأولى، وكان الهم الأول تهدئة مناطق الدروز المشتعلة بالثورة ضد فرنسا في جبل الدروز ووادي التيم، وكان أوغست أديب لاجئاً في مصر ثم مستشاراً للمفوض السامي في بيروت، ولم تستمر وزارته أكثر من سنة "ولكنه شكل وزارتين متعاقبتين عامي 1931 و1932" وعام 1927 عين دباس ثلاثة موارنة، حبيب السعد وبشارة الخوري وإميل إده في هذا المنصب حتى 1930.

وبرز بشارة الخوري الذي كان مدعوماً من ميشال شيحا وآل فرعون وأصبح وزيراً في حكومة أوغست أديب عام 1926، وشكل ثلاثة وزارات بين 1927 و 1929 استمرت أكثر من سنتين فصعد السلم أسرع من خصمه المتمرس إميل إده.

أما إده الذي كان عضواً في المجلس التمثيلي منذ العام 1922 فتسلم رئاسة الوزارة لمدة خمسة أشهر فقط عام 1929، حيث حظي بدعم الموارنة المتشددين الذين رأى بعضهم لبنان كوطن للمسيحيين مرتبط بفرنسا، كما دعمته بيوتات بيروت المسيحية بعد أن فاق نفوذه في البيئة الأرستقراطية البيروتية الماروني جورج ثابت، وكان الفرنسيون يعلمون أن موارنة الشوف وعاليه والمتن مرتاحون للتعامل مع المسلمين في لبنان والمحيط العربي وأكثر ليبرالية من إده وحلفائه في كسروان وشمال لبنان، ففيما كان إده حليف فرنسا الرئيسي في لبنان يتكلم عن أخطار العرب على مسيحيي لبنان[20]، بأسلوب خلت من الديبلوماسية ما نفر المسلمين، كان بشارة الخوري يصغي لنصح شيحا في التقرب من مسلمين لبنان ماداً يد الصداقة للعرب، واكتشف أمراء الحرب الموارنة الذين نزلوا من الشوف وعاليه والمتن إلى بيروت ليصبحوا جزءا من النظام الجديد، أن أصحاب المال والتجار يحتاجون العرب كشركاء في الأعمال وأن المنطقة العربية تشكل أهم مصادر النمو والازدهار للاقتصاد اللبناني.

ورغم أن فضلاً كبيراً يعود إلى ليبراليي الموارنة ولاستمرارية ونجاح الدولة اللبنانية في سني الانتداب المصيرية، تجدر الملاحظة إلى أن معسكر بشارة الخوري لم يكن أقل حساسية من معسكر إده حول ضرورة المحافظة على كيان لبناني بأغلبية مسيحية ونفوذ مسيحي، ومقاومة أي نشاط وحدوي مع سورية، ولكن الفرق كان في الأسلوب، حيث تبع جماعة الخوري الديبلوماسية والحوار في توجههم، مقارنة بالأسلوب الدوغمائي والأرستقراطي الذي طبع تعاطي إده وأتباعه حيث ذهب بعضهم بعيداً في تعلقهم بفرنسا والثقافة الجزويتية ونظروا إلى المسلمين نظرة دونية تشبه نظرة المستوطنين الفرنسيين إلى سكان البلاد العرب والبربر في الجزائر عندما كانت مستعمرة فرنسية، فكان الخوري يحاول استمالة المسلمين وكسب ودهم فيما بدا إده غير مكترث لهذه الفكرة، مفضلاً السيطرة على هؤلاء بمساعدة فرنسا، فبدا أسلوب الرجلين واضحاً عندما كان كل منهما بدوره رئيساً للوزراء في عهد شارل دباس.

كان الكيان قد بدأ يشهد تطوراً نحو بناء المؤسسات، إلا أن المشكلة الأساسية التي بقيت هي كيفية استيعاب المسلمين، ذلك أن مواقف المسلمين السلبية من الكيان أدت إلى زرع بذور الشك في نفوس الفرنسيين وبعض القادة المسيحيين في إمكانية النجاح بضم البقاع وطرابلس إلى لبنان إذ توصل كبير ممثلي فرنسا في لبنان دوكية عام 1928 إلى قناعة بأن أغلبية المسلمين لا تزال بعيدة عن أن تدين بالولاء للكيان الجديد، فاقترح ضم طرابلس وعكار والبقاع إلى سورية.

وخاف تجار بيروت أن يؤدي ضم طرابلس إلى سورية إلى تقوية طرابلس ومرفأها على حساب بيروت، ولكن بعد صدور إحصاء 1932 قدم باسم عدد من حلفائه مذكرة إلى الخارجية الفرنسية توضح أن عدد سكان لبنان الكبير هو 840 الفاً، منهم 405 ألف مسلم، أي بدون أغلبية مسيحية راجحة، فكان حله الوسط هو أن تصبح طرابلس مدينة مفتوحة يمنح سكانها المسيحيون الجنسية اللبنانية وسكانها المسلمون الجنسية السورية، فيحذف 55 ألفاً من السنة من تعداد السكان، كما يمنح جنوب لبنان حكماً ذاتياً فيحذف 140 ألفاً من مسلمي لبنان وتقتصر دولة لبنان على الجبل والبقاع وما تبقى من الساحل فتصير نسبة المسيحيين 80 بالمائة من السكان.

ولم تلق أفكار إعادة تقسيم لبنان اهتماما، إذ عارضها مسيحيون كثيرون وأبرزهم ميشال شيحا الذي لم ير مشكلة في النسبة العددية بل نظر إلى مصلحة الاقتصاد، ويقيناً منه أن التنوع الطائفي هو مسألة يمكن التعاطي معها، وسينصرف إده عن هذه الأفكار لاحقاً للبحث عن وسائل لاستمالة المسلمين إلى معسكره.

وواقعة جرت في أوائل الثلاثينيات كشفت هشاشة الطبقة السياسية اللبنانية والعودة السريعة إلى منطق أمراء الحرب، ذلك أن إميل إده، وليس بشارة الخوري، قد أيد زعيماً سنياً من طرابلس ليصبح رئيساً للجمهورية مكان دباس، إذ كان الزعماء السنة قد بدأوا يشاركون في الحكم بعد عدة سنوات من الإقناع، وبعد فشلهم في إلغاء مفاعيل الانتداب، وكان دباس قد دعم الشيخ محمد الجسر، زعيم طرابلسي السني ونائبها في البرلمان، أن يصبح رئيساً لمجلس النواب، بسبب خبرة هذا الأخير الطويلة كنائب في البرلمان العثماني عام 1912 ورئيس لبرلمان ولاية بيروت عام 1915[21].

ولكن عندما انتهى عهد دباس عام 1932، خاف إده غريمه بشاره الخوري الذي يتمتع بنسبة عالية من النجاح وخشي أن يحل محل دباس بسبب شعبيته في صفوف نصف الموارنة تقريباً وأغلبية السنة والأرثوذكس داخل البرلمان، وهنا وضعت الفلسفة جانباً وأصبح الهدف قهر الخوري وجماعته، فأعلن إده دعمه للجسر ليصبح رئيساً مسلماً، وعندما قبل الجسر دعم إده لترشيحه، غير المسلمون والأرثوذكس "الذين أيدوا الخوري حتى الآن" موقفهم وأعلنوا تأييدهم للجسر، وهكذا اختلف الموارنة حول اقتناص فرصتهم الأولى ليصلوا إلى السدة الأولى في لبنان.

وصعق الفرنسيون الذين صنعوا لبنان ليكون وطناً لصون المسيحيين، وبأغلبية مسيحية، أن يصل سلوك أقطاب الموارنة إلى دفع البرلمان لانتخاب رئيس جمهورية مسلم، ويعلق كمال الصليبي على نظرة السلطات الفرنسية إلى سلوك الزعماء اللبنانيين، إذ كانت براعة هؤلاء في المناورات الحزبية واستغلال النفوذ السياسي تفوق وعيهم للمشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي تعانيها البلاد واهتمامهم بمعالجتها[22]، إشارة إلى الأزمة العالمية التي ضربت الاقتصاد العالمي عام 1929 وتركت أثراً سلبياً في لبنان دون أن يلفت ذلك نظر الحكومة اللبنانية.

ولمنع احتمال وصول وسلم إلى رأس السلطة تدخل المفوض الفرنسي وكلف دباس الأرثوذكسي برعاية الأمور لمدة سنة، وعطل الدستور وألغي البرلمان، ثم عين خلفه دو مارتيل حبيب السعد، الذي أصبح طاعناً في السن، رئيساً لمدة سنتين، فأظهرت البطريركية المارونية ارتياحها لتعيين ماروني رئيساً، ولقد سمحت الفترة التي حكم فيها الفرنسيون بشكل مباشر في معالجة الصعوبات الاقتصادية وتطوير بعض القوانين، فكان التذكر في تعليق الدستور مصدره السياسيون أكثر من الشعب.

وسمح الفرنسيون بعودة الحياة الدستورية إلى البلاد على مراحل وبانتخابات برلمانية، وخافت سلطة الانتداب مع معسكر الخوري الذي كان يسعى إلى إنهاء سيطرة فرنسا على لبنان واقتصاده وتحقيق الاستقلال، فقررت دعم إده، وهكذا تم انتخاب إميل إده رئيساً للجمهورية بأغلبية برلمانية ضئيلة عام 1936 ولكن هذا الأخير اكتشف بمرارة أن وصوله إلى الرئاسة جعله أقل استقلالية وأكثر اعتماداً على المفوضية الفرنسية التي كان تدخلها في شؤون لبنان سافرا، أما معسكر الخوري فلقد رد على تدخل الفرنسيين ونجاح إده بإعلان تجمع الكتلة الدستورية للمطالبة بعودة الدستور وقيادة حملة متواصلة لتحقيق السيادة الكاملة، وأصبح بشارة الخوري زعيماً للمعارضة في البرلمان يواصل الضغط من أجل معاهدة مع فرنسا تؤدي إلى الاستقلال، فأيد الإنكليز هذه الكتلة التي أصبحت المعسكر المناهض للانتداب يعاونها ميشال شيحا وعائلات مسيحية بيروتية، وأدى صراع المعسكرين إلى استقطاب الفئات الأخرى في المجتمع اللبناني.

في تلك الفترة كانت صحيفة L'ORIENT المؤيدة لإده تهاجم معسكر الكتلة الدستورية زاعمة أنهم جماعة من المتمولين يريدون السيطرة على لبنان وإدارته لمصالحهم الخاصة، وبالمواجهة كانت صحيفة LE JOUR المؤيدة للخوري ترد بعنف، متهمة إده وأنصاره "الكتلة الوطنية" بأنهم أتباع الفرنسيين يؤمنون بأفكار بالية[23]، وكان يشرف على لوجور الخريج اليسوعي شارل الحلو[24].

ومن توجهات إده كرئيس للجمهورية تشجيعه للإرساليات الأوروبية ولفكرة القومية الفينيقية التي عمل على إدخالها في مناهج التعليم، مدعوماً من شارل قرم الذي اهتم كثيراً ببعث قومية لبنانية بتراث فينيقي، وكان الموضوع الفينيقي شأناً حيوياً، ففي تلك الفترة كان علماء الآثار الفرنسيون منهم موريس دونان يقومون بحفريات أركيوليوجية في أطلال جبيل وبيروت وجوار صور، فأطلقت هذه الاكتشافات شرارة أبحاث عن الفينيقيين في لبنان وأوروبا وخاصة في الأوساط الأكاديمية في فرنسا وألمانيا وإيطاليا.

 

ولادة الشراكة السنية المارونية

في تلك الفترة كان مسلمو لبنان يفقدون صبرهم من مناورات سلطة الانتداب وخلافات الموارنة، ويعودون إلى شكوكهم حول الكيان الجديد، كما أن إده عين عام 1936 البروتستانتي أيوب تابت، الذي اعتبره المسلمون متزمتاً، في أمانة سر الدولة محل السني عبد اللـه بيهم، ومنذ تعليق الدستور، عقد الزعماء السنة مؤتمراً مشتركاً مع شخصيات سورية عام 1933 برئاسة الزعيم البيروتي سليم سلام أسموه مؤتمر الساحل الأول، طالبوا فيه بضم المناطق ذات الأغلبية الإسلامية إلى سورية، وبعد اضطرابات ضد الانتداب ابتدأ سورية وامتدت إلى بيروت وطرابلس وصيدا في بداية العام 1936، وبدأ الفرنسيون مفاوضات مع السوريين، فدعا سليم سلام إلى مؤتمر الساحل الثاني، في آذار /مارس، وانقسم المسيحيون حول هذا المؤتمر الذي سعى إلى إزالة الانتداب وتوحيد سورية ولبنان.

ففيما أرسل الروم الأرثوذكس مبعوثين للمشاركة فضل الموارنة المقاطعة، رغم أن البطريرك الماروني أنطون عريضة بدأ يتقرب من زعماء دمشق الوحدويين ويشن حملة ضد سياسة فرنسا الاقتصادية المضرة بلبنان وخاصة احتكارها لزراعة التبغ على حساب اللبنانيين عام 1935، وكان وقع مؤتمر 1936 شديد حيث أصدر مقررات حازمة وألقى سليم سلام كلمة طالب فيها بإنهار الانتداب وتحقيق الوحدة مع سورية وحرض المؤتمر مشاعر المسلمين على العصيان ضد الانتداب ما أقلق الفئات الموالية لفرنسا.

ولقد تأسست عدة أحزاب في لبنان صبت في إطار الحركات القومية المتعددة التي ولدت من رحم النهضة الثقافية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشر ين، فتبنت الأحزاب التي أسسها أو نظر لها مثقفون من الروم الأرثوذكس أفكاراً أوروبية حول القومية والعلمنة، منهم ميشال عفلق "سوري من دمشق" الذي نظر لأمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة تمتد من المغرب إلى العراق، وأنطون سعادة "لبناني من ضهور الشوير في المتن ومغترب من البرازيل والده خليل سعادة المساهم في النهضة الثقافية العربية" الذي نادة بأمة سورية على أساس جغرافي لا طائفي تغطي المنطقة التقليدية التي كان يسعى لوحدتها سنة الساحل والأرثوذكسيون، فأسس الحزب السوري القومي عام 1932 وأخذ منحى علمانياً جذب المثقفين من الأرثوذكس والبروتستانت وبعض الشيعة والدروز كما جذب عائلات سنية بيروتية اعتادت على الاختلاط مع الأرثوذكسيين، وأعجبت هذه العائلات بشخصية الزعيم الشاب، الذي أقام في حي بيروت، ودعوته المميزة عن الآخرين لوحدة سورية، و هي دعوة كانت حلماً في الأوساط السنية "رغم افتراق العروبيين عن دعوة سعادة المحدودة فيما بعد".

ولم يكن سعادة منغلقاً بلا كان يطور عقيدته استناداً إلى أبحاثه، حيث تغير مفهوم جغرافية الأمة السورية لديه ليشمل ما يسمى الهلال الخصيب وقبرص أي سورية بحدودها الحاضرة زائد لبنان وفلسطين وشرق الأردن وقبرص ولواء اسكندرون وكيليكيا والعراق وعربستان، الأهواز والكويت وشبه جزيرة سيناء، وهي مناطق خاضعة للسلطنة العثمانية ولكنها بعد الحرب العالمية الأولى باتت تقع في بلدان مستقلة عديدة في حين أن بعضها نطق بلغات غير العربية.

كما غير اسم الحزب ليصبح "الحزب السوري القومي الاجتماعي" وكانت كلمة السوري تحذف في مراجل تتطلب لبننة الحزب فاقتصر على اسم الحزب القومي الاجتماعي، ولقد حقق هذا الحزب نجاحاً في الثلاثينيات ولكنه سرعان ما اصطدم بسلطات الانتداب التي اعتقلت قيادته وحظرته عام 1935 فغادر سعادة إلى أمريكا اللاتينية حيث أدار الحزب من هناك، ولم يعد إلا بعد الحرب العالمية الثانية، وشارك هذا الحزب في مؤتمر الساحل عام 1936 وكان مندوبوه أكثر تشدداً من الزعماء السنة في مطالبتهم بضم المناطق اللبنانية كافة وليس فقط المناطق الإسلامية إلى سورية، حيث اعتبروا مطلب السنة ذا مضمون طائفي.

كما تأسس حزب الكتائب "قومي لبناني" عام 1936 بقيادة الماروني بيار الجميل الذي وجد شعبية في الأوساط المسيحية، ولعب دوراً حاسماً في حياة الجمهورية اللبنانية، و كذلك برز حزب النجادة "عروبي" الذي تاسس عام 1937 كرد إسلامي على حزب الكتائب، بقيادة عدنان الحكيم فاستمد قوته من الأحياء الإسلامية في المدن وخاصة في أوساط السنة، واتخذ لنفسه شعار بلاد العرب للعرب.

ومن الأحزاب التي تأسست في تلك الفترة منظمة الغساسنة الأرثوذكسية إشارة إلى عروبة الأرثوذكس حيث كان بنو غسان من القبائل المسيحية العربية، كما أسس هنري فرعون حزب الاستقلال، وخارج إطار الأحزاب القومية النزعة أو الطائفية كان الحزب الشيوعي في لبنان وسورية الذي تأسس عام 1925 وارتبط بروسيا البلشفية نادة بوحدة عالمية للطبقة العاملة.

كانت الثلاثينيات إذا مرحلة أجواء محتدمة، زاد تعقيدها الضغط الإنكليزي على الفرنسيين الذين تجاوبوا مع مطالب معسكر الخوري والمسلمين وزعماء دمشق وأعلنوا قبولهم بمبدأ استقلال لبنان وسورية ووقعوا اتفاقيات وضعت فترة زمنية لتحقيق هذا الهدف مدتها ثلاث سنوات تنتهي عام 1939.

وحددت المعاهدة مع سورية الكيان السوري الذي ضمت إليه جبال العلويين وجبل الدروز، ما رسم أيضاً حدود الكيان اللبناني وأدى لاحقاً إلى قبول مسلمي لبنان بمبدأ الانفصال عن سورية، ولكن توقيع المعاهدة بين سورية وفرنسا في باريس في أيلول/ سبتمر 1936 أشعل المشاعر الإسلامية بأن هذه المعاهدة تكرس نهائياً الانفصالف عن سورية، فقامت تظاهرات عنيفة في بيروت وطرابلس ووقعت صدامات طائفية فعاش لبنان في جو متوتر نتيجة الاحتقان الطائفي والحزبي، وفي تشرين الثاني/ نوفمبر اشتبك متحمسون موارنة ومسلمون بالعصي والسكاكين في حي الجميزة في بيروت وتدخل أفراد من الحزب السوري القومي إلى جانب المسلمين، فوقع قتلى وجرحى من الطرفين، ولكن البرلمان اللبناني أبرم المعاهدة بموافقة أعضائه المسلمين والمسيحيين وعادت الحياة الدستورية تماماً إلى لبنان في كانون الثاني /يناير 1937.

فتحت أواخر الثلاثينيات عيني إده، فأصبح غير إدة العشرينيات، فقد جعلته التجربة أكثر تواضعاً واعتدالاً في التعاطي مع مبدأ الشراكة في لبنان، وبدأ يرى صوابية ما كان يمارسه بشارة الخوري منذ البداية، بأنه من الضروري كسب ود المسلمين وثقتهم للمحافظة على كيان لبناني منفصل عن سورية، ولذلك قام إده بتعيين أول رئيس وزراء سني عام 1937، هو الزعيم الطرابلسي خير الدين الأحدب، وأعطى هذا الاختيار ثماره إذ عندما أخذ على الأحدب، العروبي الهوى مشاركته في حكم يرأسه المتشدد في لبنانيته إميل إده ويأتمر بمشيئة المفوض السامي الفرنسي، رد بالقول: إذا أراد العرب أن يتحدوا، فليس وجودي في سراي لبنان يمنعهم من تحقيقها، أي أن مشاركته في حكومة لبنان لن توقف الوحدة العربية[25].

ويصور البعض شراكة إده والأحدب بأنها خلقت تقليداً في لبنان بأن يذهب منصب رئيس الجمهورية إلى الموارنة ومنصب رئيس الوزراء إلى السنة، ولكن الحقيقة أنه لا يمكن ترك شيء للصدفة في لبنان، ذلك أن الواقع الديمغرافي والاقتصادي هو الذي أنتج وصول الموارنة والسنة إلى المركزين الأولين في الدولة.

ولقد أثار فضول الجنرال سبيرز الذي التقى الزعماء السنة في تلك الفترة قبولهم بالكيان اللبناني وكفهم عن المطالبة بالاتحاد مع سورية، فاستنتج أنهم عندما رأوا ما هو معروض عليهم من مناصب ونفوذ في الكيان اللبناني، مقابل دور ثانوي محتمل في ظل قادة دمشق، الذين قبلوا بكيانهم كما رسمته الاتفاقية مع فرنسا، فضلوا دعم استقلال لبنان، ومنذ بداية الانتداب كان لتجار دمشق وعائلاتها النافذة موقف سلبي من الأعمال المناهضة للفرنسيين عام 1925 بأن مقاومة الفرنسيين ضرب من الجنوب وبالتالي يجب الرضوخ لقرارات مؤتمر السلام[26]، في حين كانت ردة فعل زعماء دمشق باردة إزاء التحركات الشعبية في لبنان المطالبة بالوحدة مع سورية عام 19363، فلم يدعوا إلى تظاهرات مماثلة في سورية.

 

احتضان الشيعة والدروز

لم يقتصر انفتاح إدة والموارنة على زعماء السنة، بل فهموا أهمية حجم الشيعة رغم ضعف هؤلاء الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في الكيان، وكان الشيعة قد أيدوا الوحدة مع سورية بشدة في بداية الانتداب وشاركوا في أعمال عنف مع الدروز ضد الفرنسيين عامي 1919 و 1920 وفي الثورة الكبرى عام 1925، حيث ثار الدروز في الشوف وحاولوا اغتيال المفوض السامي وأميرال الأسطول الفرنسي اللذين كانا يزوران المنطقة، كما هاجمت فرق من الشيعة الفرنسيين وقرى مسيحية في جنوب لبنان اتخذت وجهة طائفية، ولكن حادثة معينة قلبت الموازين في وجه فرنسا، هي قيادة الشاب أدهم خنجر من المروانية "المجاورة لقصر نبيه بري اليوم" هجوماً على قاعدة فرنسية في صيدا فدمر منشآت وحرق طائرة كما اتهمه الفرنسيون بمحاولة قتل الجنرال غورو، قائد القوات الفرنسية في الشرق، فهرب مع شاب درزي هو شكيب وهاب إلى جبل الدروز لاجئاً في دار سلطان باشا الأطرش، ويقال إن احتمال خنجر الشيعي بالدروز كان شرارة الثورة السورية الكبرى ومصدرها نخوة سلطان الأطرش وحفاظه على الشرف وحمايته لكرامة أدهم، إذ عندما اعتقل الفرنسيون أدهم في السويداء جنوب دمشق وحاولوا نقله إلى دمشق بالمصفحات طالبهم سلطان الأطرش بإطلاق سراح ضيفه على أن يقدم لهم أي فدية، وفي حال رفض الفرنسيون رابط لهم رجال الأطرش وقتلوا أربعة منهم ولكن الفرنسيين نجحوا في نقل أدهم بطائرة من السويداء إلى دمشق ومن هناك إلى بيروت حيث أعدموه فوراً يوم 29 آب/ أغسطس 1922، وكان له من العمر 27 سنة[27].

وكان من نتيجة هذا العمل أن ثار سلطان الأطرش واعتبر فرنسا أمة غدارة فخاض ضد الجيش الفرنسي معارك حامية استمرت سنوات وتطورت إلى ثورة سورية كبرى استمرت أصداؤها في أوساط الدروز في جبل لبنان حتى أواخر العشرينيات.

ولم يكن موقف الشيعة من مطلب الوحدة مع سورية حاسماً كموقف السنة حيث لم يكن هناك ما يخسره الشيعة عندما تفتتت الإمبراطورية العثمانية كما أن بعضهم لم يرغب بالوحدة ورأى حسنات في دولة حسنات في دولة لبنان الكبير مشابهة بتلك التي رآها الموارنة، فهناك ذكرى مؤلمة هي ذكرى قرون الاضطهاد العثماني والتمييز السني للشيعة في مراحل سابقة، وخاصة عدم اعتراف الأتراك بملتهم، وإخضاع أحوالهم الشخصية لتصرف قضاة الشرع السنة.

من هنا حرص الفرنسيون على تشجيع شيعة لبنان باكراً بأن منحوهم صوتاً مستقلاً عن السنة عام 1926 بجعلهم واحدة من العائلات الروحية اللبنانية، ولم تكن هذه البادرة نحو الشيعة لتقلل من معارضة السنة للانفصال عن سورية[28]، لا بل إن زعماء السنة كانوا يتحدثون باسم جميع المسلمين بسبب غياب أصوات شيعية قوية، ولقد أحدث الفرنسيون تعديلاً في نظام الملل العثماني حيث فرضوا على الطوائف الإسلامية أن يكون لها قيادة روحية تنطق باسمها أسوة بالمسيحيين، وحيث لا كنيسة في الإسلام، إذ إن مسلم يمارس شعائره هو "رجل دين" فلقد سمى الفرنسيون مفتي السنة "مفتياً للجمهورية" ومفتي الدروز "شيخاً للعقل" ومفتي الشيعة "مفتياً جعفرياً" وعلى هذا الأساس لا غرابة في قبول مفتي طرابلس عبد الحميد كرامي ليكون زعيماً سياسياً ورئيساً للوزارة، فأصبحت الزعامات الروحية بمثابة برلمان ظل للطبقة السياسية الجديدة.

وبسبب وضع الشيعة التعس في المرحلة السابقة فقد أيقن صانعو السياسة الفرنسية أن الشيعة سيكونون مواطنين سعداء في الكيان الجديد[29]، وسيستعملون الاعتراف الجديد بهم كجماعة روحية لتحسين وضعهم الاجتماعي قياسياً إلى  الطوائف الأخرى، ولكي لا يبقى الشيعة ذخيرة في مسعى السنة لمناوأة الانتداب والانفصال، دأب الفرنسيون والشخصيات المارونية على جذبهم للعب دور أكبر في الحياة السياسية وجني فوائد للمناطق الشيعية، واقتصر تركيز الموارنة والانتداب على التقليديين الشيعة من أمراء الحرب والإقطاعيين الذين تعاملوا بسهولة مع قوى الأمر الواقع، وأهملوا المثقفين أو المنادين باستقلال البلاد، فقد كان واضحاً أن أغلبية السكان الشيعة كانت شديدة الولاء للإقطاع على أساس قبلي، فكان استرضاء زعمائهم ضرورياً لاستمالتهم، ولقد لاحظ اسكندر رياشي سياسة كسب ود الشيعة.

لا شك أن قوة الشيعة كانت مسؤولة عن توطيد لبنا على أسس متينة بعد مغادرة الفرنسيين، وكان الفرنسيون قد خافوا على مصير الكيان لأنهم فرضوه بالقوة على المجموعتين الإسلاميتين اللتين شكلتا نصف عدد السكان ورفضتا خلق دولة منفصلة لا تحقق أحلامهم وولاءهم الوطني، ولذلك يجب أن نشكر إميل إده لأنه كان الأول في اتباع سياسة تجاه شيعة لبنان فاستطاع أن يجمع حوله في البرلمان كل القادة الشيعة من الجنوب وبعلبك، باستثناء صبري حمادة عضو الكتلة الدستورية "معسكر الخوري" ولقد ساعد الفرنسيون إده في اكتساب الشيعة لأنهم كانوا يعتقدون أنه لا يمكن جذب السنة إلى قضية لبنانية محضة منفصلة عن الداخل السوري[30].

وطبعاً لم تكن المناصب والاعتراف بالحقوق الطائفية كافية لإبعاد الشيعة عن القضايا الكبرى، حيث دعموا بحمس واشتركوا في أحداث 1936 في سورية ولبنان وفي مؤتمر الساحل الثاني فكانت دعوة الوحدة العربية أقوى من الهوة المحلية بين السنة والشيعة.

وفي الثلاثينيات بدأت الساحة تسجل عودة للدروز وخاصة بعد بروز آل أرسلان وآل جنبلاط ففي سنوات ما بعد الحرب برز فؤاد جنبلاط قائمقام الشوف فقتل خطأ برصاص كان موجهاً إلى ضابط فرنسي أثناء الحملة ضد الانتداب عام 1922، فاضطلعت بزعامة آل جنبلاط زوجته السيدة نظيرة، علماً أن ابنهما كمال جنبلاط كان في الخامسة من عمره، ولقد قامت نظيرة بدور كبير في عودة الدروز إلى مسرح الأحداق يعاونها صهرها حكمت جنبلاط الذي أصبح نائباً في البرلمان عام 1934 وزيراً أكثر من مرة حتى توفي عام 1943 عندها برز ابن نظيرة الشاب كمال جنبلاط كزعيم ناري لم يعتد عليه لبنان وطبع الحياة العامة حتى مصرعه عام 1977.

كما برز آل أرسلان وكانوا من أمراء الجبل ففاقوا في النصف الأول من القرن العشرين آل جنبلاط في تمثيلهم للدروز ليس في لبنان فحسب بل على المستوى الإقليمي.

فكان منهم في الفترة الانتدابية توفيق قائمام الشوف عدة مرات، ونسيب أرسلان مدير الشويفات الذي أصبح زعيماً في الحركة العربية بمواجهة الحكم العثماني، ساهم في عدة صحف عربية وأصدر بعض دواوين الشعر، وسامي أرسلان مترجم المتصرفية وعضو مجلس إدارة جبل لبنان، ثم نائب في برلمان دولة لبنان الجديد، وكان أبرز الأرسلانيين في تلك الفترة الأمير شكيب أرسلان الذي عين قائمقام الشوف عام 1902 ولكنه اصطدم مع الأتراك وهاجر إلى مصر ثم إلى ليبيا للنضال ضد الاحتلال الإيطالي، ولكنه عاد نائباً في البرلمان العثماني، عن منطقة حوران التي أصبحت مركز الثقل الديمغرافي الدرزي، ثم أصبح سفيراً للسلطنة في برلين فتنقل في أوروبا متحدثاً باسم القضايا العربية ومشاركاً في المؤتمرات، وكان عضواً في أهم المجتمعات العلمية وكاتباً غزيراً في المسائل الفكرية فصدرت عنه أبحاث في اللغة الأجنبية كمثال للنضال العربي والنهضة الثقافية.

كما برز عادل أرسلان الذي كان شاعراً وقائداً في الجيش العربي عام 1919 وفي الثورة السورية الكبرى عام 1925، فحكم عليه الفرنسيون بالإعدام غيابياً ثلاث مرات ولكنه بقي في سورية، ثم اعتقله الفرنسيون ونفوه وعاد بعد الاستقلال وزيراً في حكومة سورية ونائباً عن الجولان، أما في بيروت فبرز توفيق أرسلان كعضو في مجلس النواب عام 1929 وفؤاد أرسلان الذي غضب عليه الأتراك بسبب عمله الوطني ونفوذه إلى بر الأناضول، ثم عاد إلى لبنان بعد الحرب وقبل الانتداب شرط أن يكون مساعدة وإرشاداً وليس استعماراً واستعباداً، فخذله الفرنسيون فانقلب عليهم واستطاع أن يفوز في الانتخابات البرلمانية رغم محاربة الفرنسيين لترشيحه، وظل يحتل مقعداً حتى وفاته عام 1930 وبسبب تاريخه النضالي أقيم له تمثال عند مدخل جنوب بيروت، وورث النيابة المير مجيد في عمر 22 سنة الذي تسلم حقيبة في كل وزارة لبنانية تقريبا، وكان نائباً في كل الدورات حتى وفاته عام 1983[31].

وبخلاف بداية الانتداب، أصبح الأمير الدرزي مجيد أرسلان رمزاً لبنانياً كبيراً عندما تصدى ببطولة للجيش الفرنسي دفاعاً عن الاستقلال فخلدت تلك المرحلة صورة له متمنطقاً بالسلاح والرصاص يطبع قبلة على العلم اللبناني الجديد من موقعه في بشامون.

 

تعاون أمراء الحرب والتجار

بعد المخاض الذي استمر 15 سنة تقريباً بدأت نتيجته تظهر في تقارب الموارنة والسنة ومعهم الأرثوذكس والشيعة والدروز، وفي الحقيقة لم يكن في نية الفرنسيين التخلي عن إمبراطوريتهم في الشرق، مع التذكير أن فرنسا في تلك الفترة كانت دولة إمبريالية بامتياز، تسيطر على تونس والجزائر وعلى مساحات شاسعة في إفريقيا السوداء والهند الصينية، ولذلك عندما اندلعت الحرب العالمية الثانية عام 1939 استغل الفرنسيون الفرصة لصرف النظر عن وعد الاستقلال وفرضوا حكماً عسكرياً مباشراً على لبنان، وأغضبت هذه الخطوة إميل إده الذي أصبح الآن في وادي الوطنيين الذين يطالبون باستقلال لبنان الةناجز عن فرنسا، فترك مقر الرئاسة وذهب إلى منزله بعدما لاحظ أن الفرنسيين لا يتعاملون معه باحترام كرئيس لدولة لبنان وتجاهل دعوات المفوض السامي الفرنسي المتكررة للاجتماع معه ثم استقال من منصبه عام 1941 وأعاد افتتاح مكتب المحاماة في بيروت، وعين الفرنسيون الماروني ألفرد نقاش رئيساً للدولة والسني أحمد الداعوق رئيساً للوزراء وإذا استقال الداعوق بعد عام بسبب الأزمة الاقتصادية عينوا مكانه زعيماً سنياً من صيدا هو سامي الصلح.

لم يقف الإنكيز موقف المتفرج إزاء السياسة الفرنسية في لبنان، فسجلوا اعتراضهم على عدم إنهاء فرنسا لانتدابها في لبنان وعام 1942 قامت الحكومة البريطانية بالاعتراف باستقلال de facto  للبنان وسموا الجنرال السير إدوارد سبيرز وزيراً مفوضاً في بيروت، وانقسم اللبنانيون بين أنصار لبريطانيا يطالبونها باستقلال لبنان وعلى رأس هؤلاء بشارة الخوري ومساعده المحامي الماروني والنائب كميل شمعون، وأنصار لفرنسا يطالبونها بحفظ العلاقة معها وعلى رأس هؤلاء إميل إده وكتلته الوطنية، وكان سبيرز يروج لفكرة استقلال لبنان واستطاع معسكر الخوري بالتعاون مع الزعماء السنة وعلى رأسهم رياض الصلح، استطاع التوصل إلى صيغة أن لبنان جزء من الأمة العربية مع خصائص تستدعي استقلاله التام.

وفي نيسان/ إبريل 1943 شجع سبيرز الحكومة اللبنانية على الدعوة للانتخابات البرلمانية وسمحت بذلك السلطات الفرنسية بعدما أقالت ألفرد نقاش وسامي الصلح من منصبيهما وعينت أيوب ثابت رئيساً للدولة فشكل حكومة تشرف على الانتخابات وبدأ ثابت بإهانة المسلمين بأن قلص حصتهم في البرلمان وزاد حصة المسيحيين مانحاً السنة والشيعة والدروز 22 مقعداً مقابل 32 مقعداً للمسحيين، فغضب المسلمون وتنادوا إلى مؤتمر في بيروت كاد يؤدي إلى فتنة وقاد حزب النجادة الحملة ضد ثابت، وجاء الفرنسيون بالأرثوذكسي بترو طراد في تموز/ يوليو الذي أعاد التوزيع إلى 30 مقعداً للمسيحيين و 25 مقعداً للمسلمين "أي نسبة ستة إلى خمسة، التي استمرت إلى اتفاقية الطائف في العام 1989 عندما أصبحت مناصفة".

وجرت الانتخابات في أيلول/ سبتمر في ظل الوجود العسكري البريطاني، وانقسم الفرنسيون والإنكليز حول منصب رئيس الجمهورية، فدعم الفرنسيون إده في حين كان الإنكليز يدعمون الكتلة الدستورية، وكما كان متوقعاً فاز بشارة الخوري في 21 أيلول بأغلبية 44 صوتاً وأصبح الزعيم السني رياض الصلح رئيساً للوزراء ثم قدمت الحكومة مشروعاً للبرلمان بتعديل الدستور وإعلان الاستقلال فوافق عليه.

ورد المفوض السامي الفرنسي على هذا التصرف باعتقال أعضاء الحكومة اللبنانية بمن فيهم رياض الصلح وعاد عسيران وكميل شمعون وسليم تقلا في منازلهم حيث تولت فرقة من 50 جندياً فرنسياً اقتحلم منزل رئيس الجمهورية حيث يقيم وأسرته وساقوه مخفوراً إلى راشيا، وكذلك اعتقل صديقه عبد الحميد كرامي نائب طرابلس الذي علم الفرنسيون أنه سيثير الشغب، وبقي طليقاً حبيب أبو شهلا ولمير مجيد أرسلان وكذلك رئيس مجلس النواب صبري حمادة، ثم قام المندوب العام لفرنسا الحرة بمصالحة إميل إده وعينه رئيساً في 11 تشرين الثاني/نوفمبر 1943 وعاش لبنان عشرة أيام عصيبة بدأن برفض النواب لأعمال فرنسا اللاغية لاستقلال للبنان "وكانت بتوجيه من الجنرال شارل ديغول رئيس حكومة فرنسا الحرة المقيم في الجزائر الذي أراد الحفاظ على نفوذ بلاده في المشرق" وأقر النواب أن تستمر الحكومة بحبيب أبو شهلا يمارس صلاحيات رئيس الجمهورية ورئيس الوزارة معاً ومعه الوزير المير مجيد، وقام صبري حمادة وبعض النواب باختراق حصار العسكر السنغالي لمبنى البرلمان وأقروا علماً لبنانياً جديداً ثم انتقلوا إلى منزل الزعيم صائب سلام حيث منحوا أبو شهلا الحملة لإطلاف القيادة السياسية من موقعهما في بلدة بشامون بمعونة الجنرال سبيرس والجيش البريطاني المرابط في المنطقة حيث توجد مدرسة للجالية البريطانية في شملان.

وفي نفس الوقت خرج المواطنون إلى الشوارع وأقفلت المؤسسات التجارية فمزق المتظاهرون صور شارل ديغول، وفيما حاول صبي إنزال صورة ضخمة لديغول صرعه رصاص ضابط فرنسي، فغضب الناس وأخذوا يتصدون لسيارات الفرنسيين ويحرقونها ولقاطرات التراموي ويحطونها فدفع الفرنسيون بدباباتهم وسياراتهم المصفحة لمواجهة أعمال الشغب وأطلق العسكر السنغالي الرصاص على المدنيين فسقط القتلى والجرحى وأعلن حظر التجول في العاصمة.

وأمام هذا الواقع حصل اتفاق نادر بين أطراف متخاصمة كالكتائب والنجادة على تنظيم التظاهرات ومساعدة الحكومة، فرد الانتداب باعتقال بيار الجميل رئيس الكتائب بعدما كاد السنغاليون يقتلونه في المواجهات، فيما قادت زلفا شمعون زوجة الوزير المعتقل كميل شمعون تظاهرة نسائية انتهت في بكركي حيث اتخذ البطريرك عريضة موقفاً ضد الانتداب الفرنسي معتبراً أن ليس في لبنان رجل واحد –وأنا في طليعتهم- من يرضى عن عمل الفرنسيين[32]، وانعقد مؤتمر وطني ضم شخصيات من مختلف الطوائف فتألفت لجان سياسية ومالية وإعلامية[33]، فيما استمرت التظاهرات رغم الحظر وخروج طلاب المدارس إلى الشوارع فتصدى لهم الجنود وقتلوا منهم ثلاثة وجرحوا آخرين.

وعبر الشعب عن غضبه على ممارسات الانتداب بعدة أساليب حيث قامت مجموعة سرية من الشباب بأعمال عنف ضد الفرنسيين كرمي القنابل وإطلاق الرصاص على منشآتهم، فيما أصدر زهير عسيران ونعيم مغبغب صحيفة ".." تنطق باسن ثوار بشامون وتغطي أحداث البلاد بعدما منع الفرنسيون الصحف الوطنية من الصدور.

أما في بشامون فلقد حشد المير مجيد بصفته وزيراً للدفاع 400 مسلح يعاونه نعيم مغبغب ومنير تقي الدين وأديب البعيني، وقام الفرنسيون بهجوم على بشامون في 15 و 16 تشرين الثاني/ نوفمبر فصده المقاومون وما إن ذاع هذا النبأ على إذاعة الإنكيز في فلسطين حتى كسب لبنان عطفاً عربياً وعالمياً، فبدأت التحركات الديبلوماسية وعلى رأسها الجنرال سبيرز الذي بدأ منذ اليوم الأول بمطالبة الفرنسيين بإطلاق المعتقلين واستقبال الوفود اللبنانية فيما استنكرت حكومات بريطانيا والولايات المتحدة وروسيا سلوك فرنسا في لبنان، وحاول مبعوثو الجنرال ديغول معالجة الوضع لمصلحة فرنسا حتى جاء إنذار إنكليزي حاسم إلى ديغول يوم 21 تشرين الثاني قلب الطاولة على الفرنسيين، إذ لم يلب مطلب الحكومة البريطانية قبل نهار الاثنين 22 تشرين الثاني فسيعلن إخضاع البلاد لسيطرة القائد العام للقوى البريطانية في الشرق الأدنى، وإذا لم يطلق رئيس الجمهورية والوزراء اللبنانيون قبل الساعة العاشرة من صباح الاثنين في 22 تشرين الثاني فإن القوات البريطانية تتولى تحريرهم[34].

وأسقط في يد الفرنسيين في بيروت حيث عجزواعن ضبط الوضع لمصلحتهم واضطروا عكس تعليمات ديغول أن يطلقوا سراح أفراد الحكومة في تشرين الثاني/ نوفمبر وعاد الخوري والصلح إلى بيروت، وفي كانون الأول/ ديسمبر 1946 انسحبت القوات الفرنسية والبريطانية من لبنان، وكان ميشال شيحا المستشار الفعلي لبشارة الخوري في كافة المسائل السياسية والاقتصادية، وعام 1944 نفذ الخوري نصيحة شيحا وهنري فرعون وعين عبد الحميد كرامي مكان رياض الصلح رئيساً للوزراء لضرورة مشاركة طرابلس في الحياة الوطنية، ويذكر أن رياض الصلح كان حليفاً لإميل إده وأن ظروفاً طرأت عشية الاستقلال قضت بأن يكون رياض الصلح رئيساً للوزراء رغم مشيئة شيحا وفرعون والخوري، وكان هنري فرعون حليفاً لكرامي، ومع مجيء هذا الأخير إلى الحكم أصبح فرعون وزيراً للخارجية كما أن علاقة شيحا بكرامي كانت عميقة.

وبعد الاستقلال لم يعد معسكر الخوري يعرف باسم الكتلة الدستورية بل أصبح جماعة النهج ومنذ الستينيات جماعة النهج الشهابي نسبة إلى فؤاد شهاب عندما أصبح رئيساً للجمهورية عام 1958 وخلال أكثر من نصف قرن من الاستقلال كان معظم رؤساء لبنان من جماعة النهج باستثناءات قليلة وأقام النهجيون تحالفات أخذ بعضها شكلاً عائلياً، فمنذ عهد الانتداب تحالف بشارة الخوري مع آل أرسلان من الدروز وآل الأسعد من شيعة الجنوب وآل حمادة من شيعة البقاع، وآل كرامي من طرابلس، وتحالف إده مع آل الأحدب من سنة طرابلس وآل جنبلاط من دروز الشوف وآل لحسيني من شيعة جبيل وفريق من آل الخازن من موارنة كسروان وآل تقلا من كاثوليك الذوق، واستمرت هذه التحالفات بشكل أو بآخر في لبنان الاستقلالي، فعلى سبيل المثال بقي ريمون إده نجل إميل إده على علاقته مع آل جنبلاط في حملة ضد النهج الشهابي ومنحاه العسكري في الستينيات.

كانت الشراكة المارونية السنة في صلب ولادة الهدف المشترك بين المعتدلين من الطرفين وهو جمهورية لبنانية برلمانية مستقلة عن الانتداب الفرنسي، ومتعاونة مع محيطها العربي، فهو لم يعد ذلك الكيان المسيحي كما ظهر قبل الحرب العالمية الأولى بل بلد مستقل متعدد الديانات، وكان من الطبيعي أن يكون هذا الموقف الوسطي بعيداً عن فئات مارونية تريد المزيد من الالتحاق بفرنسا وفئات مسلمة تريد الوحدة مع سورية وتسعى إليها، وكان في عمق التفاهم على الاستقلال عام 1943، اتفاق بين رئيس الجمهورية الماروني ورئيس الوزراء السني بتخلي المسلمين عن مطلب الوحدة مع سورية وتخلي المسيحيين عن الحماية الفرنسية، وفيما اعتبر الاتفاق ميثاقاً اجتماعياً بين آباء الاستقلال، فات هؤلاء عامل الزمن والتغيير الديمغرافي المستمر الذي حكم طبيعة القوى في جبل لبنان والذي سيحكم العلاقات في الجمهورية الجديدة، ويقول كمال الصليبي إن الشعب اللبناني لم يكن في الماضي أمة واعية لكيانها، موحدة في أهدافها وإنما مجموعة من الطوائف جمع بينها حلف هو أقرب ما يكون إلى العقد الاجتماعي[35].

ويضيف مسعود ضاهر أن أزمة النظام الطائفي في لبنان مازالت تحاول حتى اليوم أن تخفي الصراع الحقيقي في لبنان، والذي هو صراع اجتماعي طبقي بالذات، والنظام الطائفي الذي ولد مع ولادة دولة لبنان الكبير ليس تعبيراً عن مصالح طوائف لبنانية، بل هو مصالح الفئات الرأسمالية العليا التي تتعاطى التجارة الوسطية خاصة في بيروت، وعن مصالح كبار الإقطاعيين في الريف اللبناني، الذين كانوا دعامة ذلك النظام اللبناني على الصعيد الداخلي وأن هؤلاء ليسوا من طائفة واحدة لا يربطهم رابط ديني[36].

وخلال عقد من الزمن بعد نيل الاستقلال، عاد السنة إلى تأكيد علاقاتهم العضوية مع المحيط العربي في وقت كان نجم القومية العربية يسطع في سورية والعراق ومصر، وأنظمة وحدوية تظهر في القاهرة برئاسة جمال عبد الناصر وفي دمشق وبغداد فيما بعد بقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي.

من ناحيتهم فإن قادة الموارنة، الحذرين من الارتباطات العربية، جددوا تعاطفهم مع الغرب وأسسوا علاقات اقتصادية حميمة معه منذ العام 1948 وسعوا إلى الالتحاق بالمشاريع الأمريكية والأحلاف الغربية في الشرق الأوسط ومصادقة الأنظمة العربية المغرقة في التقاليد وفي تبعية الغرب.

وكان لأنظمة التربية والتعليم في المرحلة الاستقلالية دور في مراوحة الانفصام النفسي بين الموارنة والسنة في القرن العشرين، ففيما ذهب أبناء الموارنة إلى مدارس الإرساليات والبعثات الأوروبية، أم أبناء السنة مدارس المقاصد الخيرية الإسلامية ومثيلاتها، ولم يعتبر أمراء الحرب الموارنة مدينة بيروت السنية- الأرثوزكسية عاصمة لهم، نظروا إليها كنافذة تجارية، حيث عادت بعبدا عاصمة المتصرفية مركزاً لرئيس الجمهورية ولقيادة الجيش في حين اتخذ رئيس الوزراء السني مركزه في قلب المدينة في السراي العثماني القديم، أمثلة لا تحصى يمكن ذكرها عن التعايش بين السنة والموارنة بمعنى المساكنة، كل طائفة في غرفة منعزلة كما يوحي كتاب كمال الصليبي بيت بمنازل عديدة، في انقسام ثقافي كان يزداد ترسخاً وسلبية بعد الاستقلال ففي حين سعت النخبة المارونية إلى تعميق مفهوم ضيق للمواطنية اللبنانيسة من منطلق الفكرة اللبنانية احتضن السنة فكرة وطنية مرتبطة بالعروبة.

ومنذ استقلال لبنان أصبح تجار بيروت وزعماءالسنة وأمراء حرب الجبل حكام البلاد الجدد وبلغ عدد سكان لبنان عام 1943 مليون و64 ألف نسمة يقطن أكثر من ثلثيهم في المناطق الريفية فيما أصبحت بيروت مدينة عصرية يقيم فيها 220 ألف نفسمة وفيما أصبح الاستقلال ناجزاً لم يقم هؤلاء الذين سعوا إلى تحقيقه بتحسين ظروف مناطق الأطراف التي ضمت إلى الجمهورية اللبنانية وأحوال الموانين العاديين بشكل عام، بل انصرفوا في السنوات العشر التالية إلى زيادة ثرواتهم المادية ونفوذهم السياسي، يحيط بهم أعوانهم وحلفاؤهم.




[1]يكنى الأرثوذكس بالملكيين نسبة إلى الامبراطورية البيزنطية التي كانت على هذا المذهب في حين كان سلاطين الأتراك والخلفاء والعباسيون والمماليك على مذهب السنة، وفي أواخر القرن السابع عشر قام المطران يوثيميوس الصيفي من حلب بحركة انفصال عن الكنيسة الأرثوذكسية والتحق بكنيسة روما فتبعه كبار التجار من مواطنيه واضطهد الروم الارثوذكس أعضاء الروم الكاثوليك في حلب وأنحاء سورية فاضطر الكثيرون إلى اللجوء إلى لبنان وتمركزا في شرق صيدا وزحلة "كمال الصليبي، تاريخ لبنان الجديد ص 169".

[2]مسعود ضاهر، تاريخ لبنان الاجتماعي، ص 20.

[3]لبيب عبد الساتر، التاريخ المعاصر بيروت دار المشرق 1986 ص 11-12.

[4]مسعود ضاهر، نفس المصدر ص 41.

[5]باسم الحكومة الفرنسية أحييه في عظيمته وقوته من النهر الكبير إلى ابواب فلسطين وقمم لبنان الشرقية، ذلك هو لبنان يجلبه سهل البقاع الخصيب بمدينة بيروت المرفأ العظيم للدولة الجديدة ومقر حكومتها، بمدينتي صيدا وصور صاحبتي الماضي الشهير، إعلان الجنرال غورو، بشارة الخوري حقائق لبنانية، 14960 ص 286- 287.

[6]يشار إلى أن تلك المنطقة وحتى بحيرة طبريا وصفد كانت دائماً جزءاً من الإمارة اللبنانية منذ عهد الأمير فخر الدين الثاني.

[7]مسعود ضاهر، نفس المصدر ص 45- 46.

[8]مسعود ضاهر، نفس المصدر ص 49.

[9]مسعود ضاهر، نفس المصدر ص 52.

[10]قمنا بتدوير الأرقام نحو أقرب ألف عن مسعود ضاهر نفس المصدر ص 54.

[11]سعيد مراد، الحركة الوحدوية في لبنان، بيروت، مركز الدراسات العربية 1986، ص 210.

[12]محمد عفيفي، عرب وعثمانيون رؤى مغايرة، القاهرة، دار الشروق، 2005.

[13]لبيب عبد الساتر، الحضارات "للمرحلة الثانوية" بيروت، المطبوعات الشرقية 1974.

[14]أحمد بيضون، الصراع على تاريخ لبنان، منشورات الجامعة اللبنانية.

[15]راجع صفحة الويب التالية للائحة من عشرات المبدعين اللبنانيين باللغة الفرنسية:  HTTP: WWW.NAJJAR.ORG/ SELF

[16]كريم بقرادوني، لعنات وطن، بيروت، عبر الشرق 1991.

[17]كمال الصليبي، تاريخ لبنان الحديث، ص 207.

[18]بشارة الخوري، حقائق لبنانية، الجزء الثاني ص 83-84.

[19]لبيب عبد الساتر، التاريخ المعاصر، ص 205.

[20]كمال الصليبي تاريخ لبنان الحديث ص 217.

[21]أحمد أبو سعد، معجم أسماء الأسر والأشخاص ولمحات من تاريخ العائلات، بيروت، دار العلم للملايين، 1997 ص 192.

[22]كمال الصليبي، تاريخ لبنان الحديث ص 223.

[23]ذكرها كمال الصليبي، تاريخ لبنان الحديث، ص 225 نقلاً عن صحيفتي لوريان ولوجور.

[24]مذكرات شارل الحلو الصادرة تقرأ وكأنها سيرة رجل دولة فرنسي متقاعد، شارل حلو، حياة في ذكريات بيروت، دار النهار 1995.

[25]كمال الصليبي، تاريخ لبنان الحديث، ص 230.

[26]مسعود ضاهر، تاريخ لبنان الاجتماعي ص 36.

[27]أحمد أبو سعد، معجم أسماء الأسر والأشخاص ص 299-300

[28]LEILA M. MEO, LEBANON- IMPROBABLE NATION A STUDY IN POLITICAL DEVELOPMENT, WESTPORT CONNECTICUT, GREENWOOD PRESS, PUBLISHERS "INDIANA UNIVERSITY PRESS" 1965, P.51.

[29]LEILA MEO, IBID., P60. 

[30]اسكندر الرياشي، قبل وبعد، بيروت، مكتبة العرفان 1955، ص 215 "مذكرات صحافي من الفترة 1918 حتى 1941.

[31]أحمد أبو سعد، معجم أسماء الأسر والأشخاص.

[32]لبيب عبد الساتر، التاريخ الحديث، ص 235 – 236.

[33]لبيب عبد الساتر، التاريخ الحديث، ص 224 – 225.

[34]لبيب عبد الساتر، التاريخ الحديث، ص 236 – 237.

[35]كمال الصليبي، تاريخ لبنان الحديث ص 28.

[36]مسعود ضاهر، تاريخ لبنان الاجتماعي ص 56.

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19
« »
المصادر او الهوامش

معلومات النشر:

اعداد: العنكبوت الالكتروني

عنوان الكتاب: أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان

تأليف: كمال ديب

الناشر: دار النهار للنشر

تاريخ النشر: 01/02/2007

إشترك في خلاصة التعليقات عدد التعليقات: (1 منشور)

avatar
joe bloe
الثلاثاء, 10 كانون الثاني / يناير 2017, 07:45:PM
يسمح لنا الأخ وليد جنبلاط بالنسبية اذا أراد ان ينمو البلد ويتطور. جورج واشنطن وابراهام لينكلن كانوا اباء الحضارة الأميركية ولن نرى أحدا من احفادهم يتزعمون فئة في الحكومة الأميركية. نريد دم جديد يحكم البلد, ولا دور للآقطاعية. نرجو من الكل ان يفهموا ذلك. استفردوا بالبلد فامتصوا دماء شعبه. لا يجب ان يكون أي شخص فقير اذا كان يوجد إدارة حسنة للمال العام. فما ذنبهم؟ أخاف عليكم من كثرة ذكائكم.
المجموع: 1 | عرض: 1 - 1

إكتب تعليق

البريد الالكتروني يبقى سرّي و لا ينشر
  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

- التعليقات الواردة من القراء هي مسؤولية أصحابها ولا تعبر عن رأي إدارة الموقع بالضرورة
- تتم مراجعة تعليقاتكم قبل نشرها عن طريق إدارة الموقع

- (سياسة نشر التعليقات)

تابعونا

  1. دول خليجية تحذر رعاياها من السفر إلى لبنان (5.00)

  2. وفاة "ملكة الديسكو" دونا سمر عن 63 عاماً (5.00)

  3. معارض صيني ضرير بمطار بكين متوجهاً لنيويورك (5.00)

  4. الاكتئاب لدي المراهقين .. له إشارات يجب الانتباه لها (5.00)

  5. صحف العالم: أمريكا "تعاقب" باكستان بعدد سنوات سجن أفريدي (5.00)

  6. فيلم منتظر يكشف تفاصيل اغتيال بن لادن (5.00)

  7. أستراليا: التيار الوطني الحر في سيدني ينعي فقيده المفكر و المناضل والاعلامي المخضرم الأستاذ بطرس عنداري (5.00)

  8. الرحيل المفاجئ (5.00)