إعلانات Zone 4B

[CLOSE]

إعلانات Zone 3B

[CLOSE]
أحدث الأخبار:

إعلانات Zone 2B

[CLOSE]
الرئيسية | ثقافة | رفوف المكتبات | أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان (19 حلقة كاملة)

أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان (19 حلقة كاملة)

آخر تحديث:
image
الكاتب:
عدد المشاهدات: 36278
عدد التعليقات: (1)
قيّم هذا المقال/الخبر:
3.00
حجم الخط: A+ A-
نسخة صالحة للطباعة   نسخة نصية   أرسل إلى صديق
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19
« »

أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان - الفصل السادس: كميل شمعون وإميل البستلاني وعودة أمراء الحرب

 

 

سمح خروج الانتداب الفرنسي من لبنان والاستقلال عام 1943 بتبلور حجم اللاعبين المحليين بعدما تضاعف عددهم إذ اقتصرت الساحة لعدة قرون على أمراء الحرب الموارنة، والدروز والشيعة، أما في الكيان الجديد والموسع فلقد انضم إلى هؤلاء التجار المدنيون إضافة إلى زعماء السنة والأرثوذكس وساعد في نمو الأمراء والتجار ونفوذهم حرص الموارة على استمالة جميع الشخصيات والأسر النافذة إلى الكيان الجديد وبلغ عدد اللاعبين ما يقارب المائتي شخص أو بيت استقطبوا السلطة والثروة في لبنان في القرن العشرين وأوائل الحادي والعشرين، ولم تلتق مصالح هؤلاء مراراً مع المصلحة العامة فكانوا يحسمون الأمر في غياب الحل السلمي بالمبارزة العسكرية[1].

 

القبلية في سلالات أمراء الحرب والتجار

يلاحظ طغيان ظاهرة سلالة الدم في أمراء الحرب والزعماء والتجار بأسلوب الـ DYNASTIE أي المحافظة على استمرارية البيت عبر خط الأبناء الذكور، وفي حال تعذلا ذلك، فعبر الأخ أو الزوجة أو الأخت أو الابنة وأحياناً عبر الن الأخ وابن الأخت، فمن كميل شمعون إلى ابنيه داني "اغتيل 1992" ودوري ومن بيار الجميل إلى بشير "اغتيل 1982" فزوجته صولانج فابنه نديم، ومن أمين فابنه بيار "اغتيل 2006" ومن نظيرة جنبلاط إلى كمال "اغتيل 1977" وابنه وليد جنبلاط، ومن مجيد أرسلان إلى طلال أرسلان، ومن حميد فرنجية إلى أخيه سليمان فابنه طوني اغتيل 1978 ثم ابن طوني سليمان الحفيد، وابن حميد سمير فرنجية، ومن أحمد الأسعد إلى ابنه كامل الأسعد ومن علي سلام إلى سليم سلام فصائب سلام ثم ابنيه فيصل وتمام ومن عبد الحميد كرامي فابنه رشيد كرامي "اغتيل 1987" فشقيقه عمر، ومن إميل البستاني "قضى في حادث طائرة عام 1963" إلى ابنته ميرنا في مقعده النيابي ومن رينيه معوض اغتيل 1989إلى زوجته نايلة ومن رفيق الحريري اغتيل 2005 إلى ابنه سعد، وولي العهد بمعناه القبلي موجود في الدول العربية ذات الأنظمة الأميرية والملكية ولكنه موجود أيضاً في بعض الأنظمة الجمهورية كآل الأسد في سورية وصدام حسين وأسرته "من 1978 حتى 2003" في العراق وحسني مبارك وابنه في مصر ومعمر القذافي وابنه في ليبيا، وهي ظاهرة تكاد تنعدم في الغرب الديمقراطي وليست من سمات المجتمع الحديث باستثناءات قليلة "آل كينيدي وآل روكفلر وفورد وبوش في أمريكا".

بدأ الفساد يعيث في جسد الطبقة الحاكمة في لبنان مباشرة بعد الاستقلال خاصة وسط سيطرة المصالح الخاصة لأمراء الحرب وقاعدتهم المذهبية، والتجار وعلاقاتهم المحلية والإقليمية والغربية وكان الفساد واضحاً في عهد بشارة الخوري وخاصة المتاجرة بالنفوذ وتنفيع صلات القربى والعلاقات الواسعة بين رئيس الجمهورية وبلاطه وكبار التجار، حيث عممت الفائدة الخاصة وتراجعت الخدمة العامة، ولقد استلم محاسيب الخوري أفضل الوظائف وأكثر المشاريع ربحاً، في حين استفاد أعوانه وأفراد عائلته من نفوذهم للتأثير في الإدارة الرسمية لمصلحتهم، ولعب شقيقه سليم الخوري دوراً كبيرا، حيث لقب بالسلطان سليم، تذكيراً بالعهد التركي لشدة فساده فيما حققت زوجة الرئيس لور، وهي شقيقة ميشال شيحا ثروات كبيرة هذا الفساد لم يغضب المعارضة بل أغضب العديد من مناصري الخوري ومنهم ميشال شيحا والوزيران هنري فرعون وكميل شمعون، وجرت في أيار /مايو 1947 انتخابات برلمانية كانت الأولى في لبنان بعد جلاء الفرنسيين، فكانت فضيحة حيث مارست الحكومة التزوير على نطاق واسع للمجيء بمجلس لتعديل الدستور والسماح للخوري بتجديد ولايته المنتهية في 1949، وعارضت شخصيات مارونية تعديل الدستور لرغبتها في الوصول إلى الرئاسة، وعلى رأسها كميل شمعون كما عارض شيحا مسعى قريبه بشارة الخوري من منطلق الحرص على الديموقراطية والدستور، ونصح قريبه هنري فرعون وموسى دي فريج بالتصويت ضد التعديل ولكن مناورات أمراء الحرب والتجار وإن اتخذت طابعاً محلياً ضيقاً جرت في إطار أحداث إثليمية وعالمية ابتدأت عام 1947 واستمرت لغاية 1958 ما سيثبت مراراً أن ما يقع في لبنان على صغر حجمه وأهميته هو حدث دولي، واستناداً إلى أطروحتنا فإن سلوك اللاعبين المحليين يتأثر بالأحداث العالمية والإقليمية فلم يكن لبنان مجرد ساحة للكبار ولا كان اللاعبون المحليون مجرد متفرجين أو عملاء للخارج كما يتهمون بعضهم البعض عند الأزمات.

 

لعبة الأمم

بدا لبنان في منتصف الأربعينيات يشعر بوطأة الحرب الباردة بين الجبارين الجديدين، الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي الذي ورث الإمبراطورية الروسية وسيطر على شرق أوروبا، فكان الروس يسعون إلى تصدير الشيوعية ومد نفوذهم، في حين أخذ الأمريكيون مواقع الإنكليز والفرنسيين في المنطقة، وكان لنجاح التغلغل الأمريكي في الشرق الأوسط عدة عوامل منها خدماتهم الثقافية والتربوية منذ أواسط القرن التاسع عشر، وغياب تاريخ إمبريالي لأمريكا في المنطقة وارتباطات المغتربين اللبنانيين والسوريين في الولايات المتحدة بوطنهم الأم، وقوة أمريكا الاقتصادية الهائلة التي تمثلت بمشروع مارشال الضخم لبناء أوروبا ونشاط الشركات الخاصة في قطاعات النفط والبناء والتنمية في الشرق الأوسط، وكانت بريطانيا قد سلمت مفاتيح المنطقة لأمريكا في شباط/ فبراير 1947 وأبلغت واشنطن رسمياً أنه لم يعد باستطاعتها تمويل حكومتي اليونان وتركيا لصد الخطر الشيوعي الذي يغذيه السوفيات/ وأخذت أمريكا المبادرة لملء الفراغ الذي خلفه الإنكليز والفرنسيون في المنطقة لأن اليونان وتركيا كانتا خط الدفاع الأول، وفي حال سقوطهما سيتهدد الشرق الأوسط حيث أكثر من نصف مخزون العالم من النفط، وخلال أسبوعين 12 آذار/ مارس أعلن الرئيس الأمريكي هاري ترومان تقديم مساعدات مالية ضخمة لليونان وتركيا، وفي 2 نيسان أعلنت بريطانيا عن عدم استطاعتها إدارة الوضع في فلسطين، فصوتت الأمم المتحدة في ايار /مايو 1947 لصالح قيام دولة يهودية هناك[2]، وكان اللبنانيون من أشد المعارضين لقيام مثل هذه الدولة حيث برز مسيحيوه بعملهم لصالح القضية الفلسطينية وعلى رأسهم ميشال شيحا وكميل شمعون وشارل مالك وبشارة الخوري وحميد فرنجية وآخرون، وخاض الجيش اللبناني بجدارة حرب فلسطين وكانت وسائل الإعلام العربية تلقب كميل شمعون بـ فتى العروبة الأغر وتشيد بجهوده.

وخلال ست أشهر أصبحت المنطقة العربية وسائر مناطق آسيا المحاذية لجنوب الاتحاد السوفياتي باستثناء الصين نقاط نفوذ أمريكية اليابان والباكستان وأفغانستان وإيران وتركيا واليونان وبرزت حاجة دعم الدولة التي تقع خلق هذا الخط الدفاعي ومنها العراق وسورية ولبنان والسعودية ومصر ولم يقف السوفيات ساكنين فما كادت الحرب العالمية الثانية تنتهي حتى اتجهوا إلى تثبيت مواقعهم ونشر نفوذهم في العالم عبر الأحزاب الشيوعية والعلاقات المباشرة مع الدول الجديدة، ورويداً بدأ السوفيات يتغلغلون في تركيا واليونان وإيران ومصر واليمن والعراق، ما جعل المنطقة من أكثر الساحان سخونة في الحرب الباردة بين الجبارين ودعم الأمريكيون إسرائيل الناشئة كقاعدة عسكرية متقدمة ضد السوفيات كما دعموا دولاً عربية موالية للغرب لتمكينها من الصمود في وجه التغلغل الشيوعي الذي لجأ إلى أحزاب محلية تبث دعاوى عن تخلف الأنظمة العربية وانحطاطها وتحض على الثورة.

كانت وزارة الخارجية الأمريكية تعلم مدى هشاشة الأنظمة العربية حيث جاء في أحد تقاريرها: يدعي السياسيون في سورية ولبنان والعراق ومصر أنهم جاؤوا إلى السلطة بالانتخاب ولكن أي انتخاب يتحدثون عنه إذا كان الفائزون عملاء لقوى أجنبية أو طبقة إقطاع تفرض نفسها على الناس كي يصوتوا لها بالقوة، أو محتالين يشترون أصوات الناخبين بالمال؟ شعوب هذه البلدان بدأوا يعون أوضاعهم وباتوا مستعدين للديموقراطية[3].

وبهذا التوصيف بدأت المخابرات الأمريكية CIA الاتصال بزعماء هذه الدول التي تبع معظمها للإنكليز: الملك فاروق في مصر ونوري السعيد في العراق وشكري القوتلي في سورية ومحيط بشارة الخوري في لبنان، وكان هدف أمريكا إقناع هؤلاء بتحرير عملية الانتخاب وتطوير المؤسسات الديموقراطية حتى تتحصن الجبهة الداخلية على المستوى الشعبي وتقف في وجه الشيوعية[4].

بدا لأمريكا أن سورية هدف سهل لأنها الدولة الأولى في خط الدفاع عن تركيا واليونان كما أن إزالة جماعة الإنكليز في مصر والعراق كان صعباً، وجرت عدة اجتماعات بين الأمريكيين والقوتلي أول رئيس لسورية بعد الاستقلال، ومعاونيه استمرت ستة أشهر، وكان القوتلي زعيماً وطنياً محباً لبلاده أبدى استعداده للتعاون إلا أنه لم يفعل شيئاً عملياً لتطوير النظام ولم يفهم أن البلاد باتت على حافة انفجار اجتماعي، واستنتج الأمريكيون أن الوضع في دمشق يترواح بين حلين إما أن تقوم ثورة دموية انتهازية يسلحها السزوفيات، أو أن يقوم الجيش السوري بانقلاب عسكري ضد القوتلي يدعمه الأمريكيون على شرط أن يمهد لانتخابات ديمقراطية وتغيير سياسي هادئ يسمح بوصول الطبقة الوسطى إلى الحكم، ودعمت المخابرات الأمريكية انقلاباً قام به رئييس أركان الجيش السوري حسني الزعيم وهو كردي من حلب خدم في الجيش الفرنسي، في 30 آذار/ مارس 1949 ورمى حسني الزعيم القوتلي في السجن وأصدر بلاغات وعدت بإصلاحات ولكن اتضح للجميع أن حسني الزعيم كان دكتاتوراً لا يتمتع بشعبية وأنه لن يقوم بإصلاحات ديمقراطية.

في تلك الأثناء كان الوضع متشنجاً في لبنان لعدة عوامل أهمها الانقسام حول التجديد لبشارة الخوري وحرب فلسطين الخاسرة والأزمة الناشئة بين الحزب القومي والسلطة وإذ فشلت الجيوش العربية في منع قيام دولة إسرائيل عام 1948 مزح 104 آلاف فلسطيني إلى لبنان كلاجئين ريثما تسمح الظروف بعودتهم إلى بلادهم، وكان لنجاح بشارة الخوري في تجديد ولايته ثمن باهظ وتر الأوضاع لعدة أعوام، كما بدأت أزمة دموية بين الحزب القومي والسلطة عام 1949 وكان هذا الحزب قد تعرض للاضطهاد في الثلاثينيات ما اضطر مؤسسة أنطون سعادة للاغتراب مجدداً في أمريكا اللاتينية ثم عاد عام 1947 بطموح أكبر[5] ورأى الخوري والصلح آخرون في تحدي سعادة وحزبه تهديداً للكيان اللبناني وتركيبته الطائفية التقليدية حيث كان يدعو إلى نظام علماني وتغيير جذري في السياسة والمجتمع، فوقعت مواجهات متقطعة بين أعضاء الحزب وقوى الأمن خلال 1947 و 1948 وتفاقمت في 1949 وفي 10 حزيران / يونيو 1949 جرى صدام محدود، قيل أنه مفتعل، بين الحزب القومي وحزب الكتائب في حي الجميزة في بيروت، فتدخلت السلطة وطاردت أعضاء الحزب وقيادته في كل لبنان بتهمة التآمر على النظام العام، وصدر قرار بسحب رخصة الحزب ومطاردة أعضائه وقيادته ولجأ أنطون سعادة مع عائلته إلى دمشق في 12 حزيران/ يونيوحيث طلب المساعدة من حسني الزعيم[6].

وكان حسني الزعيم يريد أن يعلن نفسه رئيساً على سورية يعاونه مستشاره محسن البرازي وهو كردي مثله وعلى علاقة قربى برياض الصلح عبر مصاهرتهما لآل الجابري، فكان البرازي ينقل إلى الصلح تحركات القوميين في سورية، هذه الاتصالات مهدت لمصالحة بين حسني الزعيم وبشارة الخوري وتم الصلح في شتورة في 24 حزيران/ يونيو ما أحدث تطوراً إيجابياً في العلاقات بين البلدين ودعماً لبنانياً لسعي حسني الزعيم للرئاسة "قيل لحسني الزعيم أنت لست من الخامة التي يريدها أنطون سعادة فهو سيذبحك ويأخذ مكانك، وبعدما أصبح حسني الزعيم رئيساً في 26 حزيران/ يونيو وعين البرازي رئيساً للوزراء، طلب سعادة موعداً لتهنئته فلم يستجب الطلب، وفي أول تموز/ يوليو أعلن سعادة الثورة القومية الاجتماعية ودعا إلى العصيان المدني في لبنان ما أدى إلى اشتباكات مسلحة بين عناصر الحزب وقوى الأمن في مختلف المناطق اللبنانية ولم يدرك سعادة تماماً خلفية حسني الزعيم وتقربه من السلطة اللبنانية وظروف الحكم في سورية في ذلك الوقت إذ أن الزعيم وعده خيراً في البدء وأهداه مسدسه وما إن طلبت الحكومة اللبنانية تسليم سعادة حتى قام السوريون باعتقاله وتسليمه في 6 تموز /يوليو ضمن صفقة تبادل خدمات وأحضر سعادة مخفوراً إلى بيروت وأعدم محاكمة في الثامن من تموز /يوليو بعد 24 ساعة من تسلمه بتهمة السعي لقلب النظام، وأعدم أيضاً ستة آخرون من أعضاء الحزب.

تلت هذه الأحداث تداعيات كثيرة ففي سورية حيث كانت نسبة كبيرة من العسكريين والضباط أعضاء في الحزب القومي وقع انقلاب ضد حسني الزعيم بعد 36 يوماً من إعدام سعادة فقد قام عسكريون مقربون من الحزب القومي في 14 آب 1949 بقتل حسني الزعيم في منزله كما قتلوا رئيس وزرائه محسن البرازي، وظهر سامي الحناوي كقائد للانقلاب مدعوماً من العقيد أديب الشيشكلي وهو عضو في الحزب القومي، الذي قال للمخابرات الأمريكية، إننا نقدم لكم خدمة بمعاملة حسني الزعيم كعميل فرنسي لا كعميل أمريكي، حيث دفن حسني الزكعيم في المقبرة الفرنسية، وانتخب البرلمان السوري رئيساً شكلياً للبلاد هو هاشم الأتاسي فيما حكم العسكر ولكن بعد أربعة شهور كانون الأول /ديسمبر 1950 قام الشيشكلي بانقلاب ضد الحناوي وأعوانه في تحد سافر للرئيس الأتاسي، ثم دبر اغتيال الحناوي الذي لجأ إلى لبنان فنفذ الجريمة قريب لمحسن البرازي الذي قتله الحناوي سابقا.

وتلا إعدام سعادة في لبنان قيام السلطة بحل حزبه وكذلك حل حزبي الكتائب والنجادة لفرض الأمن في البلاد، ما دفع كل هؤلاء إلى صفوف المعارضة، ولم ينته الأمر عند هذا الحد، إذا اعتبر أعضاء الحزب القومي وأنصاره أن سرعة إعدام سعادة هي دليل على الوجه الدموي لنظام الحكم في لبنان وأن رياض الصلح لم يفسح في المجال لمحاكمة قانونية عادلة ضد شخصية فكرية من طراز أنطون سعادة كان من الممكن أن تستفيد منها البلاد.

وإضافة إلى احتجاج القوميين على تصرف الحكومة اللبنانية استجوب النائب الشاب كمال جنبلاط الحكومة في البرلمان حول ظروف إعدام سعادة في حين حوكم غسان تويني صاحب صحيفة النهار بسبب افتتاحية كتبها عن سعادة[7] بالسجن ثلاثة أشهر، وحوكم تويني مجدداً في شباط/ فبراير 1950 لنشر تصريحاً لأحد قادة لحزب القومي ومقالاً افتتاحياً بعنون الجراح التي لم تندمل وكان من محامي الدفاع صلاح لبكي ونعيم المغبغب، فحصل تويني على البراءة،[8] وأثناء ولاية الخوري الثانية سعى أعضاء من الحزب القومي للثأر، فحاولوا اغتيال رياض الصلح في 9 آذار/ مارس 1950 وقاموا بمحاولة ثانية في 17 تموز/ يوليو 1951 أدت إلى مقتله أثناء زيارته إلى عمان في الأردن، وبعد هذه التجربة لم تقدم حكومة لبنانية أو محكمة لبنانية على إعدام أي بقائد حزب أو زعيم فئة في لبنان إذ إن ضرر الإقدام على مثل هذه الخطوة كان أكثر من فائدتها خاصة بعدما اتخذت هذه المسائل طابعاً طائفياً تقسيمياً.

وفي تشرين الثاني/ نوفمبر 1951 وقع انقلاب رابع في سورية قاده الشيشكلي واعتقل رجال الدولة الرئيسيين، فاستقال الأتاسي، وخلق الشيشكلي نظاماً دكتاتورياً عسكرياً مباشراً بتحالف مباشر مع القوميين السوريين، وحقق استقرارا سياسياً سمح بإصلاحاات أساسية وأصدر 257 قانوناً لتطوير البلاد، ثم دبر انتخابات نيابية سمحت بفوز أعوانه ومن ثم انتخب رئيساً للجمهورية عام 1953 بنسبة فاقت 99 بالنائة وكان فاتحة هذه النسبة المئوية في الدكتاتوريات العربية فيما بعد، ولكن قمعه للمعارضة واستعماله الأسلحة الميدانية والطائرات الحربية ضد الدروز جنوب دمشق كادا يؤديان إلى حرب أهلية في سورية، فانقلب عليه قائد أركان الجيش السوري شوكت شقير، وهو درزي فلجأ الشيشكلي إلى لبنان في شباط/ فبراير 1954 متنقلاً من السعودية إلى فرنسا والبرازيل حيث اغتاله عام 1964 نواف غزالة وهو درزي من السويداء مغترب في البرازيل[9].

وعاد شكري القوتلي من القاهرة حيث كان لاجئاً بحماية عبد الناصر فاستقبال الأبطال وانتخبه البرلمان السوري عام 1955 رئيساً للجمهورية وتوج القوتلي علاقته بعبد الناصر بأن تنازل عن الرئاسة في شباط/ فبراير 1958 وأصبحت سورية إقليماً في الجمهورية العربية المتحدة، ولكثرة الانقلابات في سورية في الفترة 1949- 1970 لم يعد الرأي العام العربي والعالمي يحصي عددها، وسنرى كيف طغت لعبة الأمم في سورية على الساحة اللبنانية وخاصة في عهد الرئيس كميل شمعون.

 

كميل شمعون وإميل البستاني

ولد كميل شمعون عام 1900 في دير القمر أكبر بلدات الشوف من عائلة مارونية، والده نمر شمعوت الذي كان في منصب مساو لوزير مالية في حكومة جبل لبنان وأمه أنطوانيت ديب نعمة، من عائلة كبيرة نسبياً في البلدة، في العام 1916 نفي نمر شمعون وأفراد عائلته إلى بر الأناضول بسبب نشاطه المناهض للأتراك ثم عادوا إلى لبنان عام 1918 فانتسب كميل إلى كلية الحقوق في الجامعة اليسوعية وتخرج عام 1923 ليمارس المحاماة عام 1924 وابتداء من العام 1926 مارس الكتابة في صحيفة لو ريفاي الصادرة باللغة الفرنسية[10]، وانتخب كميل شمعون نائباً في البرلمان عن الشوف عام 1929 وتزوج زلفا تابت عام 1930 ابنة الأرستقراطي البيروتي تابت، ورزقا لاحقاً بولدين، داني ودوري، وفي الثلاثينيات والأربعينيات أصبح شمعون وزيراً ونائباً في عدة دورات ووزارات وتولى حقائب هامة، كما كان سفيراً للبنان وعضواً في كتلة الخوري وصاحب صداقات مهمة في أوساط الإنكليز ولمع في الأوساط العربية والدولية كديبلوماسي نشط لصالح القضية الفلسطينية.

بدأ نجم شمعون يسطع في الأوساط المارونية في الأربعينيات وكان منافساً جدياً لبشارىة الخوري وإميل إده على رئاسة الجمهورية عام 1943 فبدا أن الإنكليز كانوا يحبذونه لولا حاجتهم لمراضاة بشارة الخوري، وأدار شمعون حملات معسكر الخوري الانتخابية فاكتسب خبرة عميقة وأصبح شاهداً على مناورات الأمراء والزعماء في استغلال نظام اللوائح لتفصيلها على مقاساتهم واختيار من يشاؤنه من المرشحين، فبات نفوذ هؤلاء سيفاً مصلتاً لا يرد، فهم كانوا وراء انتخاب برلمان 1947 الذي جدد للخوري وسد الطموح في وجه شمعون، حتى بات أعداء هذا الأخير للإقطاع السياسي من طبيعته، وعارض شمعون الذي كان وزيراً في حكومة رياض الصلح التجديد لبشارة الخوري لأنه كان ضد سابقة اللعب بدستور البلاد من أجل مصلحة فرد فاستقال من منصبه في 19 أيار/ مايو 1947 وفي رسالة استقالته إلى الصلح فصل شمعون الإصلاحات المطلوبة ومنها تغيير قانون الانتخابات الذي سمح للإقطاع بالهيمنة على مناطق كبرى عبر تركيب اللوائح، وتحالف كميل شمعون مع كمال جنبلاط الذي برز على الساحة.

كان كمال جنبلاط صغير السن 14 عاماً عندما اغتيل والده فؤاد جنبلاط عام 1931 فتالبع دراسته في حين تولت والدته نظيرة لواء العائلة، يساعدها حكمت جنبلاط ابن شقيق فؤاد وبعد وفاة حكمت ظهر كمال على الساحة نائباً في البرلمان، وقاد كميل وكمال المعارضة ضد بشارة الخوري وطالبا في جلسات البرلمان باستقالته وبفتح تحقيق عن الفساد، عام 1949 أسس جنبلاط الحزب التقدمي الاشتراكي ونادى بالإصلاح والقضاء على الفساد وندد بسيطرة أصحاب المصالح الاقتصادية الكبرى على مقدرات البلاد من منطلق مثالي مصدره دروسه الإنسانية في جامعات فرنسا[11]، وكان بروز كمال جنبلاط في تلك المرحلة تحولاً تاريخياً سيترك أعمق الأثر في الحياة اللبنانية، حيث كان شخصية درزية أكبر من حجم طائفته في الخمسينيات والستينيات وحتى مصرعه الدموي عام 1977.

انضم إلى شمعون وجنبلاط إميل البستاني الذي حمل أيضاً أفكاراً إصلاحية ورغبة في تطوير البلاد، ولد إميل البستاني في قرية الدبية في الشوف عام 1907 من أسرة أنجبت عمالقة النهضة الفكرية كبطرس وسليمان البستاني وكانت توجهاته شبيهة إلى حد بميشال شيحا حول الاقتصاد ولكنه لم يكن إيديولوجياً مثل شيحا إذ لم يكن يرى حسنة في تكريس الانقسام الطائفي والصراعات بين قومية لبنانية وأخرى عربية بقدر ما كان ينظر إلى مستقبل ينهض فيه كل العرب اقتصادياً وثقافياً ويكون للبنان دور مميز، وهي فكرة متطورة لا تبعد كثيراً عما أنجزه الاتحاد الأوروبي.

وكان إميل البستاني قد درس في الجامعة الأمريكية في بيروت وتخرج عام 1928 ثم تابع دراسته العليا ماساتشوستس الشهير للتكنولوجيا في الولايات المتحدة وتخرج عام 1933 ونجح في التجارة والأعمال في عهد الانتداب وسنوات الاستقلال الأولى وساعده نجاحه في انتخابات 1951 مع شمعون وجنبلاط في التأثير على السياسة المحلية خاصة في حرب 1958 حيث قام بمساع للصلح كرجل أعمال وكنائب في البرلمان، واستمر يلعب دوراً إيجابياً ويقول أصدقاؤه إنه كان يتمتع بشخصية جذابة وبمقدرة على الحوار والوصول إلى الحلول، ما خوله كماروني أن يكون مرشحاً محتملاً للرئاسة[12]، فقد كانت علاقته ممتازة مع كل أفرقاء الصراع في لبنان والزعماء العرب بدون استثناء حيث نال إعجاب الرئيس جمال عبد الناصر، فكان يقدم النصح والمشاريع للدول العربية حول التربية والتعليم والتنمية.

وبهذه النوعية من المعارضين، تمت الانتخابات البرلمانية في نيسان/ إبريل 1951 وفاز كميل وكمال وإميل ولكنهم رأوا في القانون الانتخابي الذي اعتمد عام 1951 نواقص سمحت مرة ثانية بسيطرة الإقطاع المعادي للتغيير على اللوائح الكبرى والفوز في البقاع والجنوب والتف حلو شمعون وجنبلاط في البرلمان جوزف شادر، عضو المكتب السياسي في حزب الكتائب وبيار إده نجل أميل إده، عن حزب الكتلة الوطنية وآخرون فعمل هؤلاء على تأليب الرأي العام وحشد الصفوف ضد الخوري، وخلال سنة انضمت إليهم معظم القوى النافذة في البلاد وباتوا يشكلوت ضغطاً هائلاً على رئيس الجمهورية في 16 ايلول/ سبتمبر 1952 دعا المعارضون إلى إضراب عام مطالبين باستقالة الخوري فطلب هذا الأخير من قائد الجيش فؤاد شهاب أن يتدخل لضرب المعارضة، فرفض شهاب وسن بذلك قاعدة غير مكتوبة في لبنان هي أن لا يتدخل الجيش في صراعات أمراء الحرب والزعماء مخافة انقسامه.

فاضطر الخوري إلى الاستقالة بعد يومين ما فتح الباب لانتخابات رئاسية وكان أبرز المرشحين كميل شمعون وحميد فرنجية، وكان ميشال شيحا ذا نفوذ كما رأينا وصاحب رأي في اختيار رئيس الجمهورية فبين حميد فرنجية صاحب الخط الاستقلالي وخاصة في مسألة التعاطف مع العرب واعتماد سياسة حيادية في الحرب الباردة، دعم شيحا كميل شمعون المعروف بصداقاته الغربية خاصة أن شيحا كان يحبذ بناء أفضل العلاقات والروابط مع الغرب ضمن نظرته إلى لبنان كبلد متوسطي أي الانتساب إلى البحر المتوسط وليس إلى الشرق العربي، فأقنع شيحا قريبه هنري فرعون وموسى دي فريج وشارل حلو وحبيب أبي شهلا وآخرين بالتصويت لشمعون الذي فاز.

يمكن اعتبار عهد شمعون من أفضل العهود في لبنان المستقل لولا الظروف الإقليمية والدولية الضاغطة وخلافات أمراء الحرب والتجار إذ واصل شمعون جهده في إصلاح قانون الانتخاب وحصلت الحكومة على صلاحيات استثنائية فأقرت القضاء دائرة انتخابية وقلصت عدد المقاعد إلى 44 وشرعت لأول مرة حق المرأة في الانتخاب، وجرت انتخابات جديدة في تموز/ يوليو 1953 أسفرت نتائجها عن تقلص مقدرة الإقطاع المنطقي في الهيمنة على لوائح كبرى وخاصة نفوذ آل الأسعد وآل حمادة، ما فتح الباب لشمعون لترشيح شيعي من خارج هاتين العائلين، هو عادل عسيران رئيساً لمجلس النواب.

كما شهد عهد شمعون فترة نمو اقتصادي غير مسبوق، واعتبر عقد الخمسينيات مرحلة ازدهار استثنائي حيث دخلت الاستثمارات وانتعشت بيروت وساهم في هذا الازدهار الوضع المتفجر في الشرق الأوسط واستفادة لبنان من دخول الرساميل بعد نكبة فلسطين عام 1948 وانقلابات سورية المتكررة، ومن تدفق النفط في الجزيرة العربية والعراق واتخاذ شركات النفط الأمريركية، والشركات التي تخدمها من لبنان قاعدة لها في المنطقة، وأصبحت بيروت مالياً عالمياً وموقعاً متقدماً للمصالح الاقتصادية الغربية، فكان أي اهتزاز لاستقرار بيروت يحظى بصدى دولي، إضافة إلى الاستثمارات والأموال الوافدة من الدول العربية، بدا أغنياء الكويت والسعودية يقصدون لبنان للسياحة والاصطياف ويدخرون أموالهم في مصارفه، فكان لهذه التحولات أثرها في جذب المزيد من المستثمرين وممثلي الشركات الأجنبية لخدمة المنطقة وأصبحت الولايات المتحدة في ذلك الوقت المستثمر الأكبر في الشرق الأوسط، فبنت أنابيب شركة النفط العربية الأمريكية "أرامكو" من الخليج إلى الزهراني جنوب صيدا TRANS- ARABIAN PIPELINE أو خط التابلاين، واستعد اللبنانيون لهذه الاستثمارات والتغيرات الإقليمية عبر توفيرهم بنية تحتية متطورة فكان الأجانب يجدون في بيروت خدمات لا يجدونها في بلادهم من مصارف تقدم تسهيلات بأعداد أكبر من تلك الموجودة في نيويورك وكان نصف تجارة الذهب في العالم يمر في بيروت[13].

هذا الازدهار لم يكن بلا ثمن، ذلك أن فترة الاستفادة من الوضع الإقليمي لم تستمر أكثر من بضع سنوات ثم بات هذا الوضع العامل الأكثر تخريباً وإرباكاً منذ الخمسينيات حتى اليوم مانعاً لبنان من الوصول إلى استقرار نهائي وكان لبنان في بداية الخمسينيات وفي ذروة الصراع بين العرب وإسرائيل وبين الأمريكيين والسوفيات، بلداً موالياً للغرب حيث كان عدد كبير من اللبنانيين يحبذون علاقات أكثر وثاقاً مع أمريكا، وبمغادرة الخوري ورياض الصلح وصعود كميل شمعون كرئيس قوي ودخول الاستثمارات والانفتاح على شكل لم يشهده لبنان من قبل، لم يعد لبنان منيعاً في وجه تأثيرات المبارزة بين القوى العظمى وفي مواجهة رياح التغيير العروبية خاصة تلك القادمة من القاهرة ودمشق، وكان الأمريكيون يسعون إلى عقد الأحلاف العسكرية الإقليمية ومنها حلف بغداد، الذي كانت غايته ضم بلدان منها العراق والأردن وتركيا وإيران وربما لبنان في حلف ترعاه أمريكا ضد غزو سوفياتي محتمل وضد التغلغل الشيوعي.

ورغم تطويب أمريكا كراعية دولية للشرق الأوسط فإن بريطانيا وفرنسا لم تغادرا مسرح الأحداث بهدوء، حيث اتفقتا عام 1956 مع إسرائيل على مهاجمة مصر، في ذلك الوقت كانت مصر بقيادة زعيم بارز لم يشهد الشرق له مثيلاً منذ فترة طويلة هو جمال عبد الناصر، الذي أنهى نفوذ بريطانيا بإزاحة حلفائها الخديويين على الحكم وعلى رأسهم الملك فاروق ورموز النظام، كما أنه تجاهل اتفاقه مع بريطانيا عام 1954 وقام بتأسيس قنال السويس التي شقها الشعب المصري بدمائه وأمواله[14].

وشنت الدول الثلاثة عدواناً على مصر عام 1956 ووصلت القوات الإسرائيلية إلى الضفة الشرقية لقنال السويس تمهيداً لعودة الإنكليز إلى مصر، ولم يرض الأمريكيون عن هذا العدوان المغاير لمخططاتهم فقاد الرئيس دوايت أيزنهاور حملة دولية منددة بالهجوم ما أدى إلى صدور قرار عن الأمم المتحدة يطلب العودة إلى المواقع التي سبقت العدوان وإلى انسحاب إسرائيل، فانسحبت القوات الثلاث وأعلن عبد الناصر النصر.

كان وقع هذه الأحداث على لبنان مميزاً، خاصة أن بيروت أصبحت نقطة ساخنة في سعي مصر المتجدد إلى مد نفوذها في المشرق، وعزم كميل شمعون وحلفائه على منعها عن ذلك مدعومين من الولايات المتحدة، وبدا شمعون مختلفاً عن بشارة الخوري، حيث استعمل صلاحياته الرئاسية كما جاءت في الدستور في حين فضل الخوري إفساح المجال للتعاون مع رياض الصلح والمسلمين فظهرت في الخمسينيات وجه من أوجه النظام اللبناني لم يرق للمسلمين، هو ما اعتبروه "امتيازات الموارنة" في رئاسة الجمهورية وقيادة الجيش ومناصب أخرى، ما أصبح موضوعاً خلافياً فيما بعد، وإضافة إلى الدستور كان شمعون صاحب خبرة طويلة إذ أمضى معظم حياته في المعترك السياسي في ظل الانتداب ومعركة الاستقلال ومرحلة الأربعينيات وبنى علاقات عربية ودولية واسعة من عمله الديبلوماسي وفيما كان يتعامل ندا لند مع شاه إيران وملك اليونان وزعماء تركيا وملوك العرب خاصة من الهاشميين والسعوديين، كان أيضاً معارضاً لأي مشروع وحدوي عربي يقضي على استقلال لبنان ولم يكن مستعداً لسماع مزايدات العروبيين وهو الذي عمل طويلاً في الأوساط الدولية من أجل القضية الفلسطينية ومنع قيام إسرائيل، يضاف إلى رصيده السياسي جهده لمحاربة الفساد وتحالفه في جبهة اشتراكية مع كمال جنبلاط "حتى افترقا" وتكوين علاقات مباشرة مع زعماء لبنانيين من كل الطوائف بقوا مخلصين له تحت أصعب الظروف وحتى وفاته عام 1987 وفي مواجهةشمعون كان معارضوه يدفعون لصالح مشروع وحدوي يقوده عبد الناصر وما يعني هذا من أثر على لبنان الذي تحيطه سورية على مسافة 375 كلم من أصل 454 هي كل حدود لبنان البرية.

بدأ صراع أمراء الحرب وتباشير الأزمة اللبنانية في مؤتمر القمة العربية في بيروت عام 1956 الذي استضافه لبنان لبحث عمل مشترك لوقف العدوان الثلاثي على مصر، وكان رئيس الوزراء عبد اللـه اليافي الزعيم البيروتي السني وأول مسلم يحصل على شهادة دكتوراه دولة من جامعة السوربون قد أبلغ القادة العرب أن لبنان سيقطع العلاقات مع بريطانيا وفرنسا تضامناً مع مصر ما ساعد في إقناع هؤلاء القادة على الحضور وما إن نددت القمة بالعدوان بمشاركة لبنان وأصدرت بياناً مشتركاً حتى اعتبر شمعون أن هذا كاف للتعبير عن تضامن لبنان مع مصر ولا حاجة لقطع العلاقات، وهنا أصر اليافي والزعيم صائب سلام، الذي كان وزيراً على ضرورة استدعاء سفيري لبنان من باريس ولندن على الأقل إذ لم يرغب شمعون في قطع العلاقات فرفض هذا الأخير وأحرج الزعيمان السنيان في مسألة مبدئية تتعلق بالتضامن مع عبد الناصر في محنته، فاستقالا من منصبيهما التزاماً بمواقفهما ولحفظ قاعدتهما الشعبية، ونفى شمعون أنه وعد بقطع العلاقات الذي سيلحق الضرر بمصالح لبنان الحيوية وأن عبد الناصر لم يطلب منه هذه التضحية، ودليل على ذلك كما شرح شمعون حضور إميل البستاني إلى القصر الجمهوري ومعه مبعوث مصري هو مصطفى أمين يطلب وساطتي مع لندن لوقف إطلاق النار، فعملت ما أقدر عليه وخلال 48 ساعة أبلغت عبد الناصر أخباراً جيدة عن وقف النار، وإلا كيف كان باستطاعتي التوسط لو قطعت العلاقات[15].

كان إميل البستاني صديقاً لعبد الناصر يسعى لتطوير العلاقات بين مصر ولبنان فقام في البرلمان يؤكد ما وراء شمعون عن مصطفى أمين: أن لبنان هو أول من دعا لقطع العلاقات مع بريطانيا وفرنسا، ولكن أثناء انعقاد مؤتمر القمة في بيروت لبحث هذا الوضع وصل مبعوث من الرئيس عبد الناصر طالباً تدخل الرئيس شمعون لدى لندن وباريس لوقف العدوان، ولم يكن ممكناً ساعتئذن قطع العلاقات مع هاتين الدولتين لأن ذلك يعني عدم القدرة على التوسط، وأن الخلاف حول هذا الموضوع قد أثاره الرئيس عبد اللـه اليافي لتحقيق مكاسب شعبية.

كان المطلوب إذن أن يكون لبنان أكثر عروبة من الآخرين حيث اختارت معظم الدول العربية الحفاظ على مصالحها الاقتصادية والسياسية، في حين لم يقطع العلاقات مع بريطانيا وفرنسا تضامناً مع مصر سوى سورية والسعودية، واكتفى العراق والأردن بقطع العلاقات مع فرنسا لارتباط البلدين مع بريطانيا التي دعمت الأسرة الهاشمية الحاكمة في بغداد وعمان، وبالطبع استغل معارضو شمعون هذه النقطة بأن العراق، كألد الأعداء العرب لعبد الناصر، قد قطع العلاقات مع فرنسا فما بال لبنان.

وفي خطوة طبعت أسلوبه قبل شمعون استقالة اليافي ومعه سلام وكلف سامي الصلح ابن عم رياض الصلح بتشكيل الوزارة، فاختار الأخير الأرثوذكسي شارل مالك وزيراً للخارجية وفؤاد شهاب، الذي كان قائداً للجيش، وزيراً للدفاع ومجيد أرسلان ونصري المعلوف وهما من أنصار شمعون، وفي حين كان مالك كفوءاً للمنصب نال تعليماً عالياً في جامعة هارفرد الأمريكية وأسس قسم الفلسفة في الجامعة الأمريكية في بيروت وعمل سفيراً للبنان في الولايات المتحدة وفي الأمم المتحدة هاجمته المعارضة بسبب ميوله الغربية وفسرت تعيينه دليلاً آخر على أن شمعون يسعى لمزيد من التعاون مع أمريكا.

وفي الأشهر التالية تلقى شارل مالك سهام المعارضة فيما كان يقوم بالدفاع عن السياسة الخارجية التي أخذت طريقاً أكثر ولاءاً للغرب وخاصة للولايات المتحدة ففي كانون الثاني/ يناير 1957 أعلنت أمريكا مبدأ أيزنهاور الذي يعرض مساعدات اقتصادية وعسكرية على بلدان الشرق الأوسط مقابل إسهامها في وقف المد الشيوعي، وفيما رفضت الدول العربية الانضمام إلى مبدأ أيزنهاور الذي يسمح لأمريكا بالتدخل عسكرياً بناء لطلب دول قد تتعرض لتهديد شيوعي، رحب به سامي الصلح في 24 كانون الثاني/ يناير وأصبح لبنان البلد العربي الوحيد الذي أصدر بلاغاً مشتركاً عن موافقته على مبدأ أيزنهاور في 16 آذار/ مارس 1957 في حين كانت الدول العربية كافة تتجه إلى سياسة عدم الانحياز وتنفيذ وصايا مؤتمر باندونغ الذي دعا إليه الحياد بين الجبارين.

اتخذ الخلاف في لبنان طابعاً انقسامياً ذا طبيعة مذهبية، ففي حين عبر شمعون عن ميل مسيحي للغرب أولوية سيادة لبنان كان تحمس القادة المسلمين لنداء الوحدة العربية ودعم عبد الناصر اقوى من حماسهم للبنان وحرصهم على استمراره كدولة مستقلة، فكان الطرفان يعملان بوتيرة واحدة للابتعاد عن الميثاق الوطني الذي قضى بعدم إذابة لبنان في كيان عربي وعدم جعل لبنان ممراً أو مستقراً للاستعمار الغربي، وأخذ لبنان بسير عام 1957 نحو الفوضى والانقسام في حين كانت الأعمال المخلة بالأمن تزداد رغم حالة الطوارئ المعلنة منذ العدوان الثلاني على مصر، وشعر اليافي وسلام بمرارة من فقدان منصبهما فعملا ما بوسعهما لمعارضة شمعون وطلبا أن يشركهما وبقية المعارضة في القرارات المصيرية.

وبدلاً من الاستجابة لبعض طلبات المعارضة التي كانت تتمتع بشعبية كبيرة، والتحول نحو سياسة تحظى بإجماع الرأي العام، قامت حكومة سامي الصلح بإذكاء النار بتصديقها البيان مع أمريكا حول مبدأ إيزنهاور، ما زاد قوة المعارضة وتحديها، كما أثار شمعون امتعاض مصر التي رأت في سياسته تقسيماً للصف وإضعافاً للموقف العربي حول قضية فلسطين واتجاهااً غير صديق لمصر.

أخذ الصراع بين شمعون وخصومه طابعاً دستورياً حول مشروع قانون يدعمه شمعون وأنصاره يقضي بإعادة رسم الدوائر الانتخابية وزيادة عدد المقاعد من 44 إلى 66 مقعداً في حين فضلت المعارضة مجلساً من 88 مقعداً ورسماً للدوائر يحفظ الحص لأن مجلساً من 66 مقعداً سيسمح لشمعون بالسيطرة عليه، وطالبت المعارضة الحكومة بإلغاء حالة الطوارئ وعدم تقييد حرية الصحافة في مناقشة القانون الانتخابي، فرد سامي الصلح أن إلغاء حالة الطوارئ ليس وارداً نظراً لتدهور الحالة الأمنية في البلاد، وصوت البرلمان على قبول مشروع الـ 66 نائباً في 3 نيسان/ إبريل 1957 فما كانمن نواب المعارضة رشيد ظكرامي وحميد فرنجية وعبد اللـه اليافي وكامل الأسعد وأحمد الأسعد وصبري حمادة وعبد اللـه الحاج إلا أن قدموا استقالتهم في 7 نيسان إبريل وأرفقوا الاستقالة بإعلان جبهة الاتحاد الوطني لإسقاط شمعون وسعوا لضم كافة الشخصيات الدينية والسياسية والشعبية التي توافقهم الرأي، وكان معظم قادة هذه الجبهة من الشخصيات الإسلامية بقاعدة شعبية أغلبها مسلمة، كما ضمت بعض الشخصيات المسيحية مثل حميد فرنجية وفيليب تقلا، وسمح غياب النواب المستقلين بتمرير تعديل الدوائر الانتخابية في جلسة برلمانية أخرى عقدت في 16 نيسان/ إبريل.

بدأت الجبهة المعارضة نشاطها بتوجيه مذكرة تحذيرية إلى شمعون تطالبه بإلغاء حالة حكومة محايدة ومؤقته لرعاية الانتخابات النيابية، والامتناع عن التوقيع أو العمل بأي اتفاق خارجي بانتظار نتائج الانتخابات، ولتدارك الوضع المتفجر قامت حكومة الصلح بخطوات إيجابية فرفعت حالة الطوارئ في 7 ايار مايو وأكدت على أولوية الميثاق الوطني وميثاق الجامعة العربية وعلى عدم توقيع أي معاهدات أجنبية ولكن لم يكن من مصلحة المعارضين نزول السلم بسهولة في فترة الانتخابات فكانت حملاتهم الانتخابية والصحافة التي تؤيدهم تدعو الناخبين إلى معاقبة مرشحي السلطة، وردت وسائل إعلام السلطة أن المعارضة باتت خادمة لمصالح الجمهورية العربية المتحدة وأن التصويت لمرشحي المعارضة هو طعن بسيادة لبنان، وفيما كان ظاهر الصراع يدور حول مبادئ وطنية وقومية كانت المصالح الضيقة المحرك الأساسي والحيوي للأحداث التي كانت تهدد الكيان.

ولم تخل الساحة من العقلاء الذين خافوا من الاتجاه الذي تسلكه الأمور، ومنهم إميل البستاني وهنري فرعون "وزير الخارجية السابق وقريب ميشال شيحا" فسعى فرعون إلى تبريد الاحتقان وأذاع نداء للوحدة الوطنية في 10 أيار /مايو معلناً أن الخلافات والانقسامات لم تمس الثوابت التي يقول الجميع أنهم يوافقون عليها ويتمسكون بها، كحفظ استقلال لبنان وسيادته والتعاون مع الدول العربية في إطار جامعة الدول العربية والتعاون مع الدول الأجنبية في إطار منظمة الأمم المتحدة ومبدأ تناقض الشيوعية مع إيمان اللبنانيين الديني ونظام لبنان السياسي والاقتصادي الحر، وتضمن النداء قبول أي مساعدة اقتصادية من أمريكا طالما أنها لا ترتبط بأي شروط[16].

وساهم نداء فرعون في كشف سطحية الخلافات وبأنه لو جهر كل المرشحين بالثوابت التي ذكرها لما كان هناك من فرق بين خط المعارضة وخط الموالاة، ولكن ضجيج الحملات كان أعلى من صوت فرعون إذ واصل الجميع تبادل اتهامات العمالة لمصر أو لأمركيا والارتهان لمصالح خارجية على حساب الميثاق الوطني.

وفيما كانت المعركة الانتخابية مستمرة دعت المعارضة إلى إغلاق المدن والتظاهر لإسقاط الحكومة وخلال التظاهرات وقعت معارك دامية بين قوات الأمن والمتظاهرين كانت حصيلتها عددا من القتلى والجرحى ومئات المعتقلين، فتسلم الجيش مسؤولية حفظ الأمن ووقعت اشتمباكات بالأسلحة امتدت في كافة المناطق فسقط عشرات القتلى والجرحى، ومن الجرحى صائب سلام ونسيم مجدلاني، وفيما اتهمت الحكومة سورية بهذه الأحداث احتج المفتي والبطريرك الماروني على تعامل قوى الأمن مع المتظاهرين وانتقدا أداء الحكومة.

واستمرت أعمال العنف أكثر من عشرين يوماً كان أبرزها وقوع 26 قتيلاً و 50 جريحاً في معركة بالمدافع الرشاشة في كنيسة مزيارة في زغرتا استمرت عدة ساعات بين آل فرنجية ومعوض من جهة وآل الدويهي وكرم المؤيدين لشمعون من جهة أخرى ولاحقت قوى الأمن سليمان فرنجية شقيق حميد ورينيه معوض الذي كان مرشحاً للانتخابات و35 من أنصارهما بتهمة ارتكاب المجزرة ففرا إلى سورية، في حين اتهم حميد فرنجية شمعون بأنه وراء المجزرة لإنهائه كمنافس على رئاسة الجمهورية.

وجرت انتخابات في بيروت والجبل في حزيران/ يونيو 1957 أدت إلى نتائج غير مرضية لأقطاب المعارضة، فخسر عبد اللـه اليافي وصائب سلام بسبب تقسيم بيروت إلى دائرتين وحرمان سلام واليافي من عدد من ناخبيهما وفاز سامي الصلح وخسر كمال جنبلاط أمام لائحة المولاة التي قادها نعيم مغبغب بسبب إعادة رسم الدوائر وحذف جزء من دير القمر وضم جزء من عالية إلى الدائرة التي ترشح فيها جنبلاط.

كما خسر أحمد الأسعد في الجنوب بسبب تقسيم الدوائر حيث اضطر إلى ترك معقله التقليدي في مرجعيون لابنه كامل، وترشح في صور ضد كاظم خليل، حليف شمعون، الذي فار، وتداركاً لهزيمة أكبر للمعارضة في المراحل التالية من الانتخابات، ولعدم رغبته في رؤية البرلمان من لون واحد، أعلن هنري فرعون باسم القوة الثالثة في البلاد دعمه للائحة صبري حمادة في البقاع معللاً بأنه إذا وجد أعضاء المعارضة أنفسهم خارج البرلمان فستجلب البيئة السياسية المستجدة مصائب جدية للبنان[17].

لقد تأكد فرعون أن الانسجام بين الأطراف في لبنان يحققه البرلمان وهذا بات مهدداً خاصة إذا لجأ الخاسرون إلى تصفية الحساب في الشارع ولاحظ أن كمال جنبلاط الذي لم يشارك في معمعة المعارضة حول سياسة شمعون قد بات أكثر استعداداً بعد خسارة مقعده الانتخابي لضم صوته إلى الآخرين بعدما وصل إلى استنتاج مفاده أن شمعون قد تخلى عن مبادئهما المشتركة وهدف إلى الحصول على دعم أمريكي تمهيداً لتجديد ولايته، وكان أبرز مظاهر التدخل الدولي السافر في الانتخابات قيام سفارات مصر والولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا والاتحاد السوفياتي بتوزيع المساعدات المالية ودعم المرشحين وكان عملاء هذه الدول يملؤون شوارع بيروت والمناطق فأصبح لبنان مركزاً للاستخبارات على مستوى دولي حيث اتخذه منطلقاً لعملهم جواسيس من طراز كيم فيلبي.

وبعكس نتائج بيروت، فإن لوائح المعارضة نجحت في عدة أماكن حيث فاز صبري حمادة ومعه أعضاء لائحته، وحميد فرنجية ومعه رينيه معوض الغائب وشيد كرامي ومعه أفراد لائحته، أما في صيدا ذات الأغلبية الإسلامية حيث غلب التيار العروبي ففاز معروف سعد ضد منافسيه نزيه البزري وصلاح البزري اللذين اقتسما أصوات العائلة ولكن النتائج الكاملة رجحت كفة أنصار شمعون ما دفع أقطاب المعارضة إلى اتهام السلطة بتزوير الانتخابات وتحضير نتائجهما سلبفاً وتشويه سمعة المعارضة بتسميتهم مرشحي عبد الناصر.

وبدأت اتهامات بين الخاسرين من الطرفين حول الضغوط والرشوة وإرهاب الناخبين وشراء الأصوات وأكاذيب البروباغندا والتدخلات، أما الحكومة فقد أعلنت أن الانتخابات كانت نزيهة وشريفة ومنظمة وأكد ذلك المعارض فيليب تقلا الذي فاز على لائحة صبري حمادة عن مقعد الكاثوليك في بعلبك ضد منافسه نصري المعلوف بأن الانتخاب كان نظيفاً وأنه لم ير أي تزوير لصالح أي من المرشحين، فيما اتهم نصري المعلوف لائحة حمادة بأنها أنفقت الأموال وأشار إلى تدخل أصحاب النفوذ ودمج بعلبك والهرمل في دائرة واحدة ما أدى إلى خروج العشائر للتصويت بكثافة لصالح لائحة حمادة.

وبعد الانتخابات تعمق الانقسام الشعبي حيث خاف المسيحيون من ولع المسلمين ابتلاع لبنان، واتهم قادة المعارضة شمعون بحرمانهم من حصتهم في الكراسي البرلمانية والوزارية وحذروا من أن يستعمل شمعون الأغلبية البرلمانية ليجدد لنفسه، فيطيل أمد ابتعادهم عن السلطة ما يعني أن الفريق الذي سيطر على مصادر الثروة والسلطة واستعمل أو أساء استعمال آلية الحكم لمصالحه في السنوات الست السابقة سيستمر لولاية أخرى،’ وإذ لم يعبر الخاسرون عن مخاوفهم الباطنية في العلم عمدوا إلى شعارات فوقية كاتهام شمعون بالفساد والخروج عن الميثاق والتخطيط للتجديد والضغط على الناخبين للحصول على أغلبية نيابية، ولم يستطع البرلمان الجديد القيام بدور فاعل فسيطرت على جلساته مناورات لا علاقة لها بالصراعات الإقليمية والمبادئ العامة حيث حاول صبري حمادو وهو صهر أحمد الأسعد الوصول إلى رئاسة منصب رئاسة الجمهورية مرتين ولم ينجح أمام منافسه عادل عسيران الذي فاز بضعف الأصوات مدعوماً من شمعون، وسبب تدخل شمعون في اختيار رئاسة المجلس يعود إلى حاجة رئيس الجمهورية إلى شخص يتعاون معه لمساعدة أو لحجز مشاريع القوانين التي تقدمها الحكومة،, كما كان حميد فرنجية الطامح لرئاسة الجمهورية الذي ذهبت لشمعون عام 1952 متيقظاً لأي تحرك برلماني نحو تعديل الدستور يسمح لشمعون في أن يترشح في الانتخابات الرئاسية في أيلول/ سبتمبر 1958.

أما رشيد كرامي الذي كان من أشد منتقدي شمعون وسياسته الخارجية، وعروبياً بامتياز فلم يكن تجديد ولاية شمعون من مصلحته إذ قد يبعده لسنوات طويلة عن منصب رئاسة الوزارة.

وأعاد شمعون تكليف سامي الصلح بتشكيل الوزارة وقدمت الحكومة بيانها في آب / أغسطس 1957 فكان معتدلاً يعد بالإصلاح والتعاون مع العرب والتخفيف من شأن البيان المشترك مع أميركا حول مبدأ أيزنهاور، ولكن جلسة الثقة أظهرت أن الهوة كانت عميقة إلى درجة أن بضعة نواب حياديين أو متعاطفين مع شمعون سابقاً بدئوا يغيرون مواقفهم، فأخذ أميل البستاني ينتقد الحكومة لعدم مقدرتها على فرض الأمن حيث تكرر انفجار العبوات الناسفة في حين كانت أعمال الشغب والعنف تزداد وكان البستاني، نائب عن الشوف وصاحب شركة كاتس المتخصصة في المقاولات والمعدات الزراعية ومشاريع التنمية، يدعو إلى التعاون مع الولايات المتحدة وأوروبا لتأمين المساعدات الخارجية واستقطاب الاستثمارات لمصلحة لبنان، فدعا الحكومة إلى ضبط الأمن وتنشيط الاقتصاد ولا مها على فشلها في الحصول على مساعدات اقتصادية من والولايات المتحدة، وانضم إلى البستاني نواب آخرون كجوزف شادر وقادة حزب الكتلة الوطنية، ريمو إده وبيار إده وهاد بويز ا لذين كانت لهم نظرة مختلفة في أن المساعدات الاقتصادية الموعودة من الولايات المتحدة، على قلتها لا تستحق ثمن الانضمام إلى مبداً أيزنهاور، وهكذا ازذاد عد النواب المحسوبين على المعارضة، واتهم سامي الصلح جهات خارجية بزرع المتفجرات في لبنان وتميل أعمال الشغب، في حين ذكر نواب موالون أن سورية وومصر تتآمران على لبنان وأن السلاح يتم تهريبه من سورية لاستعماله ضد السلطات الشرعية، فرد المعارضون أن السلطة أيضاً تسلح أنصارها كي يضايقوا أنصار المعارضة.

 عودة أمراء الحرب:

 كان لإعلان قيام الجمهورية العربية المتحدة بزعامة مصر وعضوية سوريا في شباط قبراير 1958 وقع عازم في لبنان والعام العربي حرك الجماهير ودغدغ مشاعر التائبين إلى إمبراطورية عربية كبرى، وكانت وسائل إعلام مصر تتحدث عن بلدان عربية جديدة ستضم إلى الوحدة وتسمى لبنان بالإسم، إضافة إلى العراق والأردن، وهي دول مقربة من الغرب فخرجت التظاهرات الكبرى في المدن اللبنانية وخاصة في أوساط المسلمين واتجهت الوفود الشعبية إلى دمشق لتهنئة جمال عبد الناصر وإعلان تحية الوفاء، ووصل الاتجاه الوحدوي في لبنان إلى ألأوجه فاتخذته المعارضة رداءً في ذخيرة مواجهاتها مع شمعون (وسنرى كيف زالت الشعارات الوحدوية فور تقاسم السلطة من جديد بين أ مراء الحرب والزعماء في أيلول /سبتمبر 1958 /.

تجدر هنا العودة إلى بديهيات نظرية: هل جوهر الصراع في لبنان هو التدخل الإقليمي والدولي (بما هو حروب الآخرين واستغلال ضعف الكيان ودخول الفلسطينيين والإسرائيليين والسورين، الخ) أم أن اللاعبين المحليين (أمراء الحرب والزعماء) هم الذين يستدعون تدخلات عربية وغربية لمصلحة طرف ضد طرف محلي آخر؟ ولكن هل الأطراف ستدعون تدخلات عربية وغربية لمصلحة طرف ضد طرف محل آخر ؟ ولكن هل الأطراف الإقليمية والغربية من القباء ببحث تقع في أحابيل اللاعبين المحليين أم أن لها أجندتها لاستغلال الساحة اللبنانية لتحقيق مآربها؟

في ربيع 1958 وصلت الأزمة إلى حائط مسدود حيث بدأ مضي المسلمين في الدفع العروبي يخيف المسيحيين، وكان على المعارضين المسحيين أن يذكروا حلفاءهم المسلمين في جهة الاتحاد الوطني بواجباتهم تجاه بلدهم أولاً، فوجه نسيب المتني صاحب جريدة التلغراف المحسوبة على المعارضة، وهو ماروني وناقد شديد لشمعون، نداءاً إلى المسلمين جاء فيه:

(هؤلاء الذين يذهبون إلى دمشق نسألهم  أن لا يفكروا بأي شيء إلى باستقلال لبنان وان يتصرفوا على هذا الأساس، فإذا قدموا دليلاً على تعلقهم بلبنان فإن المسيحيين لن يكون عندهم أي خوف وسف يخدمون العرب والعروبة، وهؤلاء الذين يتظاهرون من أجل العروبة نقول لهم إن هناك ضرورة ليؤكدوا إيمانكم يوطنهم لبنان أيضاً، وإن بعض المسيحيين يساورهم القلق ويجب ان تمنحوهم الضمانات التي هي من حقهم، كل ما يريده المسيحيون القلقون أن تقولوا لهم إن استقلال وسيادة لبنان لا غبار عليما ولا يدنوهما أي شك وبهذا تختفي فوراً أجواء الاحتقان وانعدام الثقة)[18].

ولكن التصعيد الأمني استمر حيث وقعت اشتباكات في صور بين الدرك ومتظاهرين يحتفلون بالوحدة أسفر عن سقوط قتلى وجرحى، في حين كانت المواجهات بين قوى الأمن وعصابات مسلحة محلية أو متسللة من سورية تتزايد في المناطق، وفي 15 نيسان/ 1958  حذر معروف سعد، نائب صيدا، الحكومة من انتفاضة شعبية ودعا إلى حل البرلمان وإجراء انتخابات جديدة كمخرج من الأزمة، وكان المواجهة العسكرية قد بدأت متقطعة قبل شهور ولكنها كانت تتجهز لحرب شاملة، وتحول الدعم المالي الخارجي الذي استعمل سابقاً لتمويل الانتخابات إلى دعم التخريب وأعمال العنف ، وفيهما كان شمعون محصناً  بقوى الشرعية من جيش وأمن داخلي ودرك، حصلت قوى المعارضة على كميات كبيرة من السلاح  عن طريق سورية.

انفجر العنف الشامل بين أطراف النزاع عشية اغتيال الصحافي نسيب المتني، صاحب جريدة التلغراف في بيروت يوم 7 آيار/ مايو 1958، وكان آخر مقال كتبه رسالة مفتوحة إلى شمعون يدعوه فيها إلى الاستقالة فحملت المعارضة السلطة مسؤولية الجريمة، وانعقد البرلمان صباح 8 آيار، مايو لمناقشة الاغتيال في حين أغلقت طرابلس أبوابها واحتل شوارعها الغوغاء، وطقت أعمال الشغب في عكار حين هاجمت عشيرة الجعافرة مخافر الدرك وسقط عدد كبير من القتلى والجرحى، في حين وقعت اشتباكات بين أهل زغرتا والدرك أيضاً، وفض البرلمان الجلسة عندما نصح النواب الحكومة بالتحرك سريعاً لمواجهة الوضع الأمني المتفجر، ودعا قادة المعارضة من منزل صائب سلام إلى إقفال المؤسسات التجارية والإضراب حتى استقالة شمعون، وأعلنت الصحف الحداد على المتني، وأفاق أهل بيروت على المظاهر المسلحة معلنة انتقال العصيان من الأطراف ومدينتي صيدا وطرابلس إلى مواجهة السلطة المركزية في بيروت، فتوقف النشاط الاقتصادي وتعطلت الحركة التجارية وأغلقت المدينة حيث أقيمت المتاريس بين الأحياء، وخاصة بين البسطة ذات الأغلبية المسلمة وموقع قصر صائب سلام، والأشرفية ذات الأغلبية المسيحية حيث برز بيار الجميل رئيس الكتاب كقوة على الأرض وهكذا أصبحت البسطة  والأشرفية رمزاً للوحدة والانقسام في لبنان، كلما ظهرت بوادر التشقق تحركت هاتان المنطقتان دليلاً على انتقال الحروب الأهلية من الجبل إلى المدينة صمد شمعون في بعبدا واثقاً من قوة أنصاره ومن الدعم الغربي ومن شرعيته وسلطته كرئيس للبلاد وقائد أعلى للقوات المسلحة الرسمية، ورض الوساطة مع أخصامه لئلا يقدم لهم تنازلاً مجانياً، متهما الجمهورية العربة المتحدة  بالتدخل السافر في شؤون لبنان عبر تميل وتسليح عملائها لقلب النظام الديمقراطي والقضايا على استقلال لبنان، ولئن رفض قائد الجيش فؤاد شهاب طلب شمعون التدخل لضرب قوى المعارضة وفتح الطرقات، استعاض موالو شمعون عن الجيش بالتسلح والاستناد إلى قوى الأمن التابعة لوزارة الداخلية نظر شهاب إلى الأمر أنه خلاف داخلي حول التجديد الرئاسي وليس محاولات خارجية لضرب استقلال لبنان، أي أزمة سياسية تحتاج إلى حل سياسي، ولذلك لم يهاجم الجيش قوى المعارضة بل اكتفى بحماية الأبنية والمصالح العامة وإبقاء الطرق الدولية مفتوحة وسير دوريات في شوارع بيروت الرئيسية وخاصة بين المناطق المسيحية والإسلامية لتخفيض احتمالات الإحتكاك، وكانت حكمة شهاب تأخذ بالاعتبار أن الجيش ضم ستة آلاف جندي ثلاثة أرباعهم من المسيحيين والربع من المسلمين ويتمتع باحترام وتعاطف كل اللبنانيين.

وبما أن معظم مسلحي المعارضة كانوا من المسلمين ومعظم مسلحي شمعون من المسيحيين فسيكون لتدخل الجيش لحماية شمعون ضد قوى المعارضة وقع طائفي سيقسمه بلا شك، وبقيت المعركة بين فريق من أمراء الحرب يواجه فريقاً آخر من أمراء الحرب.

ورغم غلبة زعماء السنة على خط المعارضة، فإن بعض أمراء حرب موارنة كانوا أيضاً ضد شمعون ما أعطى المعارضة، على مستوى القيادة على الأقل، وجهاً وطنياً يمثل كل الطوائف وإن بقاعدة شعبية إسلامية طاغية، ولم ينقض اليوم الثالث من الأزمة حتى استعيدت الكانتونات التي ميزت لبنان لعدة قرون بكياناتها المناطقية وزالت سلطة الدولة المركزية:

1ـ في بيروت سيطر الزعماء السنة صائب سلام وعبد اللـه اليافي وحسين العويني وعدنان الحكيم رئيس حزب النجادة على السلطة ومناطق بيروت الغربية ذات الأغلبية المسلمة، يدعمهم مسلحو الأحياء الذين كانوا يقومون بدوريات جوالة ويشتبكون مع أي تقدم من ناحية القوى المؤيدة لشمعون، وكان يدعم هؤلاء الكاثوليكي فيليب تقلا رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان والأرثوذكسي نسيم مجدلاني، نائب بيروت، والسني عبد اللـه المشنوق صاحب جريدة بيروت المساء الناصرية الذي خسر في الانتخابات.

2ـ في طرابلس سيطر رشيد كرامي على وسط المدينة ذات الأغلبية السنية يدعمه مسلحون من الأحياء.

3ـ وفي زغرتا، سيطر حميد فرنجية على الموقف بمساعدة رجاله المسيحيين من آل فرنجية ومعوض.

4ـ وفي الهرمل المحاذية للحدود السورية سيطر صبري حمادة مؤيداً بأعداد كبيرة من عشائر الشيعية في المنطقة.

5ـ وفي راشيا كان شبلي العريان ورجاله في سيطرة تامة على الموقف، وكان العريان قد هزم في الانتخابات عن المقعد الدرزي ولم يكن من أقطاب المعارضة، ولكن منطقته كانت إستراتيجية بالنسبة للمعارضة لمحاذاتها سورية واعتمادها طريقاً لتهريب السلاح والرجال بدون إزعاج من السلطات اللبنانية.

6ـ وفي النبطية ومرجعيون أيد تحرك المعارضة أحمد الأسعد وابنه كامل وأتباعهما من المسلحين، كما انضم إلى المعارضة في بينت جبيل النائب على بزي.

7ـ وفي صيداً سيطر معروف سعد وأنصاره، على الوضع بدعم شعبي عازم من الأغلبية السنية في المدينة.

8ـ أما في الجبل فم يكن كمال جنبلاط في وضع استراتيجي جيد إذ من تخوم شمال لبنان وحتى

تخوم صيداً (باستثناء مناطق في بيروت دانت للمعارضة) سيطر أنصار شمعون، ما دفع جنبلاط إلى التحصين في قصره في بلدة المختاة يقود رجاله المسلحين وقوات دعم أتت من حوران وجبل الدروز في سورية، وكان يدعمه الماروني فؤاد عمون الطامح لرئاسة الجمهورية والذي لم يفز في الانتخابات.

وإن لم يكن التدخل السوري رسمياً حيث لم تشترك وحدات عسكرية نظامية في أزمة لبنان، إلا أن سورية عملت على تأمين إمدادات السلاح والمال الرجال عبر الحدود إلى المناطق التي سيطرت عليها المعاضة في البقاع والشمال وكان شمعون على علاقة جيدة بدكتاتور سورية السابق أديب الشيشكلي، ولكن بعد عودة الوحدوي شكري القوتلي من القاهرة عام 1954 ونجاحه في ضم سورية إلى مصر، تدهورت علاقات شمعون مع سورية.

وكان موقف البطريرك بولس المعوشي مناهضاً لشمعون حيث صرح في 20 نيسان/ أبريل 1958 أن البلاد بحاجة إلى رجال جدد في الحكم لحل الخلافات، انها لايمكن إنقاذ الوطن بتقسيم أبنائه وأن شمعون قد فشل، وكان شمعون قد اتخذ موقفاً سلبيا ًمن البطريرك المعوشي عندما عارض اختياره خلفاً لبطريرك أنطوان عرضية الذي توفي عام 1955 على أساس أن المعوشي تعاطف سابقا ًمع بشارة الخوري، وبينما كان الموشي يطلق من حرصه على إضفاء وجه مسيحي على المعارضة التي أيدتها أغلبية المسلمين في مسعى منه لمنع انزلاق البلاد إلى مواجهات طائفية بشعة، استغل قادة المعاردضة تصريحاته وتشددوا في مطالبهم ضد شمعون في حين كان وقع تصريحات البطريرك سلبياً في الأوساط الشعبية المسيحية.

ولم يفتقر شمعون إلى حلفاء فكان خصماً صعباً للمعارضىة أيدته الأغلبية الساحقة من المسيحيين كما أيده عدد من الزعماء وأمراء الحرب المسلمين فإضافة إلى سامي الصلح الذي كان يتحدث العربية برطانة تركية كان من حلفاء شمعون:

1ـ بيار الجميل ، ماروني ورئيس حزب الكتائب ذي الأغلبية المسيحية، في بيروت والمتن، ولم يكن هذا الحزب موافقاً على سياسة شمعون الداخلية وأداء الحكومة بالنسبة للإصلاحات الإدارية والاقتصادية ولكن طالما أن المسألة باتت تتعلق بتهديد كيان لبنان وسيادته فإن الحزب رمى ثقله مع شمعون.

2ـ أسد الأشقر ، نائب ماروني عن المتن الأعلى ورئيس الحزب السوري القومي العلماني النزعة وكان هذا الحرب يتمتع بميليشيا عسكرية منظمة ومدرية، وعادة ما تشرح المراجع العربية والأجنبية وقوف هذا الحزب مع شمعون عام 1958 بأنه يتعلق برفض الحزب وحدة عربية بقيادة مصر التي لا تنتمي إلى الأمة السورية، والحقيقة كانت أبعد من ذلك، إذ كان ثمة عداء مستأصل بين الحزب القومي وحزب البعث الذي اضطهد القوميين وقياداتهم داخل سورية بعدما كانوا أصحاب نفوذ واسع منذ الإطاحة بحسني الزعيم عام 1949.

وكان البعثيون قد ساهموا في إنهاء حكم الشيشكلي عام 1954 ثم اتهموا القوميين باغتيال عدنان المالكي العقيد في الجيش السوري في دمشق عام 1955 فنكل البعثيون بالقوميين وطاردوهم وسحقوا وجودهم ثم سجنوا جوليات المير، وهي عقيلة أنطون سعادة التي بقيت لاجئة سورية منذ إعدام زوجها، فاستمر سجنها لغية 1963 وكان القوميون في لبنان يريدون منع ذوبان لبنان في جمهورية عربية متحدة يقودها عبد الناصر الذي حظر العمل الحزبي ومعه بعثيو دمشق.

3ـ الأرمن الذين أيدوا شمعون بأغلبيتهم، وخاصة في أحيائهم السكنية شرق وشمال بيروت، وكان هؤلاء منقسمين سياسياً بين حزب الطاشناق المناوئ للشيوعية الدولية، وعدوه التقليدي حزب الهنتشاق اليساري، وعام 1958 أخذ الحزبان يصفيان حساباتهما ويخوضان اشتباكات بعضهما ضد البعض الآخر.

3ـ نعيم المغبغب، أحد أبطال الاستقلال وهو من عين زحلتا، نبع الصفا، ونائب عن مقعد الكاثوليك في الشوف، حيث رأس لائحة شمعون التي هزمت جنبلاط في انتخابات 1957 وكان لمغبغب أنصار مسلحون شكلوا مع مليشيا الحزب القومي ومسلحي آل أرسلان طوقاً على جنبلاط، وصمد المغبغب في منطقته حتى انتهت الأزمة.

5ـ آل الدويهي وكرم الموارنة، خصوم آل فرنجية في زغرتا.

6ـ المير مجيد أرسلان زعيم أل رسلان الدروز والناوئ التقليدي لزعامة آل جنبلاط في الجبل، وكان المير مجيد وزيراً في عدة حكومات في المراحل الانتدابية والاستقلالية، نسق المجهود العسكري مع مسلحي المغبغب من المسيحيين لتطويق جنبلاط، ولكن مع بدء المعارك كان الانتماء الطائفي أقوى من التحالفات السياسية حيث توصل آل أرسلان وآل جنبلاط وإلى هدنة فترك أرسلان المغبغب والقوميين في مواجهة جنبلاط فبدأ الصراع في الجبل معركة الدروز والمسيحيين.

7ـ كاظم الخليل وآل الخليل الشيعة في صور خصوم آل الأسعد التقليديون.

خلال أيار / مايو غطت المعارك معظم المناطق اللبنانية ، وخلال تلك الفترة كانت قوى المعارضة قد سيطرت على البقاع والشمال والجنوب وعلى المدن الرئيسية باستثناء بيروت في حين كان كمال جنبلاط في موضع صعب لمجاورة منطقته للعاصمة ولإحاطته بميليشيات قوية ومناطق هي نقطة ثقل الموارنة في الشوف وعاليه وبيروت والمتن وكسر وان.

وعقد البطريرك المعوشي مؤتمراً صحافي في 30 آيار / مايو حضره الإعلام الأجنبي هاجم فيه شمعون وأكد أن الأزمة اللبنانية هي مسألة داخلية ولا داعي لتدويلها، وأن عبد الناصر[19] قدم ضمانات حول سيادة لبنان، وأن حل الأزمة يبدأ بأن يقوم شمعون برحلة إلى الخارج، وكالعادة آثار التصريح البطريرك المسيحيين ولقي ثناء قادة المعارضة وبالمقابل ثابر الرؤساء الروحيون السنة والشيعة والدروز منذ بداية الأحداث على إطلاق التصريحات المناهضة لشمعون وعلى دور السلطة في تسليح أنصاره وأرسلوا مذكرات إلى الأمين العام للأمم المتحدة وإلى الرئيس الأمريكي وأعضاء الكونغرس الأمريكي ينددون فيها بسعي شمعون إلى تدويل الأزمة ويؤكدون على الطبيعة المحلية للأزمة.

وفي 6 حزيران/ يونيو  اجتمع 28 من المفتين وعلماء الدين المسلمين وأصدروا فتوى تتهم سامي الصلح بممارسة السلطة ضد إرادة الشعب وتأجيج المشاعر الطائفية ونقض مصالح المسلمين في لبنان، وتدعوه إلى الاستقالة للتعجيل في إنهاء الأزمة لأنه كان الزعيم السني الوحيد الذي يتعاون مع شمعون (وندعو الشبع إلى رذله ومقاطعته لأنه تخلى عن مبادئ الإسلام واتبع سلوكاً مخالفاً للصراط المستقيم[20]) (ما يعادل الحرمان الكنسي عند المسيحيين).

ولكن الحكومة قدمت شكوى إلى مجلس الأمن ضد الجمهورية العربية المتحدة في 11 حزيران / يونيو، ثم فوضت شمعون في 16 منه بالاستنجاد بـــــــ(القوى الصديقة ) إشارة إلى طلب المساعدة العسكرية الأميركية، وحاول إميل البستاني وفوزي الحص، رجل الأعمال والوزير السابق، التوسط بين شمعون وخصومه، يعاونهم ممثلو الشركات الأمريكية الكبرى في بيروت ودبلوماسيين غربيون.

واستغرقت الوساطات طيلة 1958 وكان بين الوسطاء ساندي كامبل رئيس شركة التابلاين فكان السفير الأميركي ينصح بعدم تضييع وقته في أمر محال: (ماذا تتوقع يا ساندي)؟ أن تأمل أن ينبذ اللبنانيون العنف يعني أنك تصدق بأن الكلاب لن تطارد القطط[21].

 وكان رجال الأعمال الأمريكيون والغربيون الذي عملوا مع البستاني والحص ونجيب علم الدين وغيرهم من رجال الأعمال اللبناني وكونوا صداقات محلية، رأوا فيمن تعاملوا معهم في لبنان بأنهم مخلصون في سعيهم إلى الربح والنجاح في التجارة، وتبين للساعين إلى الوساطة أن الحل كان بأيدي مصر والولايات المتحدة وليس بأيدي شمعون والمعارضة.

وواصلت القوة الثالثة سعيها بقيادة هنري فرعون وشارل حلو ومعهما غبريال المر وجورج نقاش ويوسف حتي يوسف سالم وبهيج تقي الدين وغسان تويني ونجيب صالحة محمد شقير، وكانت القوة الثالثة قد وصلت إلى استنتاج أن على شمعون أن يرحل لأنه استقطب عناصر السلطة في يده وبات نقطة خلاف، فدعت إلى تكليف قائد الجيش فؤاد شهاب بتشكيل حكومة وحدة وطنية تجمع المعارضة والموالاة وتوقف هدر الدم وتعيد الأمن والاستقرار، وتحفظ كيان لبنان على الصعيد الاقتصادي والسياسي وتمهد لانتخابات رئاسية.

وأمام فشل الجامعة العربية والأمم المتحدة في وقف الحرب وتواصل تهريب السلاح، تطور الوضع في بداية تموز/ يويلو عندما حققت قوات جنبلاط تقدما على الأرض، فبات يطل على سوق الغرب وبعبدا موقع قصر الرئاسة، ولكن في 14 تموز/ يوليو وقع انقلاب دموي في العراق خلط الأوراق مجدداً في لبنان، إذ إن هذا الانقلاب أطاح بالعائلة الهاشمية الموالية للغرب، فهلل لها إعلام الجمهورية العربية المتحدة، بأنه بعد سقوط نوري السعيد وعملاء الانكليز في بغداد (جاء دور شمعون والحسين ملك الأردن) وفيما جدد هذا التطور زخم المعارضة، خاف شمعون من سقوط البلاد بأيدي خصومه وطلب من الولايات المتحدة الأمريكية مساعدة عسكرية فورية بحجة أن لبنان يتعرض لمؤامرة شيوعية دوليها يحركها عبد الناصر.

وكانت الولايات المتحدة قلقة من الوضع في الشرق الأوسط تغذيها سفاراتها بما تنقل لها من صور مشوهة عن الخطر الشيوعي، فصدر الأمر  للمارينز بالتدخل في لبنان حيث كان الأسطول الأمريكي مرابطاً في شرق المتوسط فاستغرق وصوله إلى بيروت 24 ساعة.

وعندما نزل عشرة آلاف من المارينز عند الشاطئ تصوروا أنهم سيواجهون جيش عبد الناصر الذي يريد اختطاف لبنان بالقوة ونقله خارج النفوذ الأميركي، وكان الأمر عكس ما توقعوا إذ وجد المارينز بلاجات يرتادها الناس بالمئات بينهم سيدات بألبسة بكيني أوروبية حديثة يمارسن رياضة الإستجمام تحت الشمس، وشباناً بملابس أوروبية يدخنون السجائر الفرنسية، وفيها هبط الجنود الأميركيون من حافلاتهم مدججين بالسلاح والذخيرة والمعدات هاجمهم سرب من الأولاد والباعة الجوالين يحملون صناديق الشوكلاتة والتشيكلس والمرطبات، وخلال أيام انتشر الأميركيون في العاصمة التي بدت شديدة الهدوء في حين اختفى المسلحون من الشوارع بسرعة فائقة.

وفي الشهرين التاليين خيم على لبنان هدوء شامل نسبياً وبات اجمع الأفرقاء مستعدين للحوار، خاصة أن موضوع الوحدة مع الجمهورية العربية المتحدة تبخر ليعود الصراع التقليدي بين أمراء الحرب والزعماء حول المكاسب والمناصب، ونجحت وساطة البستاني والحص وآخرين في العثور على حل يرضي الأميركيين وعبد الناصر وينهي الأزمة في لبنان، حيث اتفق الجنبان على فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية، فاجتمع البرلمان 31 تموز/ يوليو  1958 وانتخب شهاب وكلف هذا الأخير رشيد كرامي، زعيم المعارضة في طرابلس، رئيساً للحكومة، وغادر المارينز لبنان (بدون طلقة رصاص) كما تبجح السفير الأميركي.

 

عادوا ليبقوا

أظهرت حرب 1958 أنه بعد 12 عاماً من جلاء جيوش الانتداب عن لبنان كان اللبنانيون قد تخلو عن ميثاقهم الوطني الذي حقق لهم الاستقلال عام 1943 وعاد أمراء الحرب إلى الساحة بقواهم العسكرية الذاتية وكانتوناتهم، وسيتبين فيما بعد أن هؤلاء قد عادوا إلى الساحة ليبقوا، فحافظوا على أسلحتهم وتنظيماتهم ليظهروا مجدداً بشكل سافر ابتداءً من العام 1968.

أكثر من 4000 شخص لاقوا حتفهم عام 1958 في حين غادرت كميات كبيرة من الأموال الأجنبية والوطنية وتضاءلت الاستثمارات وظهرت الصعوبات الاقتصادية، واستغل من تبقى من الأميركيين هدوء الوضع في خريف 1958 وبداية 1959 ليحزموا حقائبهم ويغلقوا 120 فرع شركة أميركية، في حين بدأت شركات أخرى في مراجعة جدوى البقاء في بيروت، ولكن مع مرور الوقت وعودة الاستقرار الأمني  اطمأن الأجانب وبدؤوا يعودون إلى بيروت كواحة غريبة ليبرالية مقارنة بأماكن أخرى في الشرق الأوسط المتفجر، إذ كانت بيروت مستقرة نسبة إلى المجازر في بغداد والحرب في اليمن والنقلابات التي لا تنتهي في سورية، والمد الثوري الاشتراكي العسكري في العالم العربي، وأخذ أثرياء العرب وأصحاب الرساميل  يأتون إلى بيروت، وإلى الاستقرار السياسي كان لبنان بتمتع بأقوى نظام مصرفي في المنطقة ويقدم خدمات مالية ولوجستيه وإدارية وغيرها، بمستوى لم تستطعه عواصم العرب ولا حتى تركيا واليونان وقبرص تقديمه.

كرس عقد الخمسينيات في لبنان قاعدة بين أمراء الحرب اختصرها كمال الصليبي كما يأتي:

(إن الحساسية التقليدية التي تسود العلاقات بين العائلات والطوائف في لبنان تقضي بتناسي الزلات السياسية مهما عظمت، كما  أن الترابط الاقتصادي في المجتمع اللبناني بين مختلف الطبقات يفترض، في كثير من الأحيان، غض النظر عن أخطاء البعض حتى لا ينهار الكل[22]).

وهذه القاعدة تشرح سبب افتراق حلفاء الأمس، كميل وكمال، عندما أصبح شمعون رئيساً للجمهورية عام 1952 فإن الجبهة الاشتراكية التي أسساها هي التي أوصلت شمعون إلى الرئاسة وكان مبدأها محاربة الفساد ومحاكمة المخالفين والإصلاح، ولكن شمعون سرعان ما وجد نفسه محاطاً بنفس الحاشية التي دعمت الخوري مكتشفاً استحالة محاربة منظومة متكاملة من أمراء الحرب والزعماء والتجار، فأصلح قدر الإمكان وقبل بالأمر الوقاع حتى انقلب عليه جنبلاط، ولقد أصبحت قاعدة تغاضي أمراء الحرب عن خطايا بعضهم البعض أكثر أهمية في العقود التالية خاصة بعد الأحدث الكوارثية، والاغتيالات بالجملة التي أصابت لبنان بين 1970 و 2005  وكانت عملية المحاسبة والمساءلة تزداد صعوبة فكان من مصلحة الجميع لفلفة جرائم القتل والمجازر والاختلاسات والفساد لتلاقي الوصول إلى ما لا تحمد عقباه.

لم يعن خروج شمعون ومجيء فؤاد شهاب رئيسا ً للجمهورية أن حسابات الحرب انتهت، فرغم أن فؤاد شهاب قد أصدر في أو عهده عام 1958 مرسوما ًبالعفو الشامل عن كل الجرائم وخاصة تلك التي انطوت على طابع سياسي (وفي مقدمها مجزرة مزيارة) إلا أن العنف السياسي استمر، ففي 27 تموز /يوليو 1959 كان نعيم المغبغب يمر بسيارته في بلدة معاصر الشوف فعرفه الناس وأردوه قتيلاً بالرصاص ثم سحبوا جثته على الطريق وانهالوا عليها بالحجارة، وفي أيار/ مايو قتل ثلاثة أشخاص في اشتباك بين الكتائب وقوى الأمن في الأشرفية، وسجلت أحداث عنف وخطف متبادل.

لقد تصالح أمراء الحرب والزعماء في أواسط 1959 بعد إعادة الاعتبار لقوى الموالاة وثورتهم المضادة، فحصل (تبويس اللحى) وأعلن صائب سلام خاتمة سعيدة لحرب 1958 (لا غالب ولا مغلوب) و(لبنان واحد لا لبنانان).

الكل ربح أو هكذا كان التصور، فقد اطمأن الموارنة إلى التحرك الغربي تقوده أميركا في حين اطمأن السنة وحلفاؤهم أن مصر وسورية لم تتخليا عنهم، لقد زال خوف الموارنة والسنة ومن يحالفهم واطمأنوا إلى أوضاعهم ، فعاد التجار إلى نشاطهم اليومي، ولكن الجمهورية اللبنانية عام 1960 أصبحت غير متصرفية الجبل ومجتمعها الإقطاعي التقليدي عام 1860 وغير دولة لبنان الكبير عام 1920، فقد برزت في لبنان الخمسينيات قوى اقتصادية ومالية واجتماعية خلقت مطالب جديدة من طوائف خارج إطار الشراكة المارونية السنية، وخاصة في صفوف الشيعة والدروز، وكان تعامي أمراء الحرب والزعماء والتجار عن حقائق القوى الاجتماعية الجديدة في الوطن الصغير واضحاً في حشد القوة التقليدية ضد الرئيس الإصلاحي فؤاد شهاب في الستينيات الذي سعى لتقليص قوة هؤلاء، وسيطغى على الساحة في السنوات التالية، كما سنرى، صراع الطوائف المهشمة ومناطق الأطراف مع الطوائف الطاغية في المركز الجغرافي، مدعومة من عوامل إقليمية عدة، ما ضخ دماً جديداً في علاقات أمراء الحرب والزعماء والتجار وصولاً إلى انفجار 1975.

 

[1] هذا المنطق ساد في نيسان /إبريل 1975 لننزل إلى الساحة ونر من يكسب الرهان وأدى إلى 15 عاماً من الحرب.

[2] كامل مروة قل كلمتك وامش دار الحياة للطباعة والنشر بيروت 1988 المجلد الخامس ص 21- 24.

[3] MILES COPELAND, THE GAME OF NATIONS LONDON, WEIDENFELD AND NICHOLSON. 1969 PP. 28- 35..

[4]. MILES COPELAND, OP. CIT. P. 41

[5] ومن طرائف لبنان أن أنطون سعادة رغب في العودة إلى لبنان مباشرة بعد الحرب العالمية الثانية وطلب جواز سفر من السفارة اللبنانية في البرازيل، والمفارقة الأولى أن سفير لبنان هناك كان يوسف السودا أحد مفكري القومية اللبنانية وقادتها وامتنع السودا عن منحه جوزاً ما آخر هذا الطلب حتى العام 1947 والمفارقة الثانية أن القنصل الذي تدخل لمنح جواز السفر كان الشاعر فكتور خلاط الذي كان زميلا للسودا في مصر وصديقاً لميشال شيحا

[6] أنطون بطرس، قصة محاكمة أنطون سعادة واعدامه 8 تموز، يروت طباعة مؤلفة 2002 ص 51- 62.

[7] غسان تويني، النهار سعادة المجرم الشهيد 9 تموز/ يوليو 1949.

[8] ملحق النهار 29 كانون الأول 2002.

[9] http://asharqalarabi.org.uk/center/rijal-adibhtm أيضاً وليد المعلم سوريا 1918- 1958 التحدي والمواجهة دمشق 1985، ص 133-170.

[10] كتابة المقالات الصحافية تقليد فرنسي أصبح منتشراً في أوساط الشخصيات اللبنانية كما رأينا في الفصلين السابقين، وهو تقليد مستمر حتى اليوم حيث تبرز الصحف أحياناً مقالا لأشخاص في مواقع رفيعة أو رؤساء سابقين.

[11] كمال الصليبي، تاريخ لبنان الحديث، ص 241-242.

[12] EMILE BUSTANI MIDDLE EAST SEMINAR, HTTP://WEB.MIT.EDU/SHASS/TEMP/BUSTANI/BUSTANI_SEMINAR.HTM.

[13] صدرت في بيروت نشرات خاصة لا يمكن الحصول عليها إلا عبر اشتراك مرتفع الكلفة لأنها كانت تعطي معلومات قيمة وأحياناً سرية عن الاقتصاد والأوضاع السياسية وفرص الاستثمار، لا تنشرها الصحف اليومية ولا يتداولها الناس أو رجال السياسة، هذا النوع من المنشورات موجود اليوم بكثرة في أوروبا والولايات المتحدة واليابان.

[14]   سيطر الإنكليز ومعهم الشركات الفرنسية على قنال السويس بالخدعة وبتساهم أسرة الخديوي، راجع مسعود ضاهر النهضة العربية والنهضة اليابانية.

[15] LEILA MEO, LEBANON- IMPROBABLE NATIONS, WESTPORT, CONNECTICUT, GREENWOOD PRESS 1965 PP. 98-99.

[16] LEILA MEO, OP. P. 135.

[17] PHARAON TAKLA ET MAALOUF TIRENT LA LECON, I’ ORIENT, BEIRUT, JULY 17 1957.

[18] Jeila meo, op, pp. 159-160.

[19] باسم الجسر في برنامج حرب لبنان على محطة الجزيرة التلفزيونية بث عام 2000 "رحنا على مصر يومتها، المعارضة وجبهة الاتحاد وأذكر جيداً قاعدين رشيد كرامي كان اللـه يرحمه يعني عامل معارضبطرابلس فحاول أحد الحاضرين ما بعرف مين يومتها هيك يلطش كلام، وقام الرئيس كرامي بلش يشرح أنه نحن بلبنان.. نحنا عروبتنا وكذه بتذكر يومها عبد الناصر قال له، عمل له على ركبته وقعد جنبه، قال له: رشيد بيك ما فيش داعي تحكي، يا إخوان الوحدة الوطنية عندكم بلبنان قبل الوحدة العربية –حرفياً- لأنه إذا اتخربت الوحدة الوطنية عندكم في لبنان ح تضروا حالكم وتضروا العروبة، هيداعبد الناصر حرفيا يعني.

[20] Leila meo, op, cit. p. 172.

[21] MILES COPLAND OP. CIT P. 199.

[22] كمال الصليبي تاريخ لبنان الحديث ص 243.

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19
« »
المصادر او الهوامش

معلومات النشر:

اعداد: العنكبوت الالكتروني

عنوان الكتاب: أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان

تأليف: كمال ديب

الناشر: دار النهار للنشر

تاريخ النشر: 01/02/2007

إشترك في خلاصة التعليقات عدد التعليقات: (1 منشور)

avatar
joe bloe
الثلاثاء, 10 كانون الثاني / يناير 2017, 07:45:PM
يسمح لنا الأخ وليد جنبلاط بالنسبية اذا أراد ان ينمو البلد ويتطور. جورج واشنطن وابراهام لينكلن كانوا اباء الحضارة الأميركية ولن نرى أحدا من احفادهم يتزعمون فئة في الحكومة الأميركية. نريد دم جديد يحكم البلد, ولا دور للآقطاعية. نرجو من الكل ان يفهموا ذلك. استفردوا بالبلد فامتصوا دماء شعبه. لا يجب ان يكون أي شخص فقير اذا كان يوجد إدارة حسنة للمال العام. فما ذنبهم؟ أخاف عليكم من كثرة ذكائكم.
المجموع: 1 | عرض: 1 - 1

إكتب تعليق

البريد الالكتروني يبقى سرّي و لا ينشر
  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

- التعليقات الواردة من القراء هي مسؤولية أصحابها ولا تعبر عن رأي إدارة الموقع بالضرورة
- تتم مراجعة تعليقاتكم قبل نشرها عن طريق إدارة الموقع

- (سياسة نشر التعليقات)

تابعونا

  1. دول خليجية تحذر رعاياها من السفر إلى لبنان (5.00)

  2. وفاة "ملكة الديسكو" دونا سمر عن 63 عاماً (5.00)

  3. معارض صيني ضرير بمطار بكين متوجهاً لنيويورك (5.00)

  4. الاكتئاب لدي المراهقين .. له إشارات يجب الانتباه لها (5.00)

  5. صحف العالم: أمريكا "تعاقب" باكستان بعدد سنوات سجن أفريدي (5.00)

  6. فيلم منتظر يكشف تفاصيل اغتيال بن لادن (5.00)

  7. أستراليا: التيار الوطني الحر في سيدني ينعي فقيده المفكر و المناضل والاعلامي المخضرم الأستاذ بطرس عنداري (5.00)

  8. الرحيل المفاجئ (5.00)