إعلانات Zone 4B

[CLOSE]

إعلانات Zone 3B

[CLOSE]
أحدث الأخبار:

إعلانات Zone 2B

[CLOSE]
الرئيسية | ثقافة | رفوف المكتبات | أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان (19 حلقة كاملة)

أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان (19 حلقة كاملة)

آخر تحديث:
image
الكاتب:
عدد المشاهدات: 33655
عدد التعليقات: (1)
قيّم هذا المقال/الخبر:
3.00
حجم الخط: A+ A-
نسخة صالحة للطباعة   نسخة نصية   أرسل إلى صديق

إعلانات Zone 6B

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19
« »

أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان - الفصل السابع: فؤاد شهاب والاقتصاد الريعي الخدماتي

 

في النصف الثاني من القرن العشرين اتخذ التجار دور الوسيط بين الشرق الأوسط والغرب ما ينسجم مع رسالة زعموا للبنان عن استمرارية دور التاجر منذ أقدم العصور، فكان النمط الذي اختاروه مفرطاً في الليبرالية المتوحشة، لا يمت بصلة إلى العالم الحديث، وكأن التوكيد على خصوصية لبنان وتميزه عن الدنيا قد تسلل إلى علم الاقتصاد، فبات الإهمال الرسمي ودور الدولة المتفرج بدعة لها قدسيتها، والحقيقة أن التجار يدعمهم أمراء الحرب قد فرضوا مصالحهم ما جلب لهم المنفعة على حساب التطور الصحي للقطاعات الاقتصادية الهمة وللبنان الطرفي، كما سيتبين في هذا الفصل، لقد تمسك التجار بأقصى درجات القلتان الاقتصادي، وبالأخص تحرير التجارة الخارجية من كل قيد أو عقبة، رافضين أي تدخل للدولة، معادين للتشريع وخاصة الضرائب والرسوم أو لأي إنفاق حكومي على البرامج الاجتماعية أو تكبير الإدارة العامة، لكون هذه جميعها تستدعي مزيداً من الضرائب فكان على الدول اختصار وظائفها إلى حدها الأدنى.

كما ذابت أثناء الانتداب، والعقدين الأولين من الاستقلال، الفوارق بين أمراء الحرب والزعماء من جهة والتجار من جهة أخرى، إذا انتمى الكثيرون إلى الفئتين في آن معاً، ذلك أن تصور التجار لدور الدولة لم يعن امتناعهم عن التدخل في السياسة بل مارسوا دوراً مميزاً لتأمين مصالحهم، من خلال الصلة المباشرة بالسلطة بأدواتها التشريعية والتنفيذية والقضائية.

وأصبحت تضاريس لبنان المالية والاقتصادية مرسومة بتقاطع مصالح لم تلتق في معظم الأحيان مع حاجيات التنمية وتعطش البلاد إلى التطور الاقتصادي على أسس علمية، فكان النمط الاقتصادي المتبع يتعمد إهمال الزراعة والإنماء المتوازن جغرافياً، حيث أفاق سكان لبنان الطرفي (البقاع وعكار والجنوب) ومدن ساحلية كطرابلس وصيدا على الحقيقة المرة، أنهم بعدما أصبحوا جزءاً من الكيان عام 1920 باتوا الآن ينتمون إلى لبنان بالاسم فقط دون أن يتمتعوا بخيراته، وبأفضل الأحوال كانوا مواطنين من الدرجة الثانية، مهما كان انتماؤهم المذهبي (حرمان قرى مارونية في أقصى الجنوب وسنية في ودي خالد وشيعية في الهرمل).

نقدم هذا الفصل عوامل الخلل في الاقتصاد اللبناني ومحاولات فؤاد شهاب الإصلاحية ضد تكتل أمراء الحرب والتجار.

 

الاقتصاد الخدماتي الريعي:

يفترض الاقتصاد المنتج توظيف رأس مال بشري ومالي، مع أخذ زمام المبادرة والمخاطرة في الصناعة والزراعة والخدمات، أما الاقتصاد الريعي فهو يوفر أموالاً للنخبة في البلاد دون أن يتطلب ذلك نشاطاً إنتاجيا، إذا يعتمد الاقتصاد الرعي (reenter economy) على (منحة) ليعيش، إما مباشرة من الطبيعة (مورد طبيعي كالنفط والمواد الأولية) أو من البشر (تصدير أبنائه إلى الخارج ليقوموا بتحويل الأموال) أو عبر أموال وافدة من خارج الاقتصاد  (وكذلك من نشاطات بدون قيمة مضافة).

تجدر الإشارة إلى عائق نفسي يتعلق بالنظرة الاجتماعية المضلـــّلة إلى العمل اليدوي إذ تبع اقتصاد لنبان مفهوم التجارة (الليفنتية) الماركنتيلية في انحيازها السافر إلى الخدمات كوصفة فربح للقطاع الخاص (ولو إلى حين) وكان رجال الأعمال يزدرون مهن الزراعة والصناعة التي تشوب اليدين ويفضلون مهناً (نظيفة) في التجارة والمصارف والإدارة العامة.

 ولم يكن المفهوم السائد يحبذ الصناعة والزراعة أساساً، حيث اقترنت هاتان المهنتان في أذهان الناس من كل الطوائف بعرق الجسد والتراب وضعة النفس والمركز الاجتماعي الصغير (حيث استعملت عبارات دونية في اللهجة العامية لوصف المهن، شغيل، صانعة، شوفير، زبال، فلاح، ناطور، مرمطون، خزمتجي، عتال، بدلاً من عبارات محايدة: مزارع، موظف، عامل صناعي، (ميتر) وكيل عقار، مربية، الخ) ورغم أن معظم السكان في سورية ولبنان هم من أصول فلاحيه حيث بقت النسبة الغالبة من اليد العاملة السورية في الزراعة، إلا أن الوضع اختلف في لبنان، إذا إن أمراء الحرب والتجار لم يمارسوا العمل اليدوي قط وتوارثوا هذا السلوك فأصبح قطرة ثابتة حتى لدى المواطن اللبناني العادي وأحد أسباب تراجع التصنيع في لبنان وهيمنة البضائع المستوردة وانحياز التجار إلى البيع والشراء والترانزيت والخدمات الريعية، فإذا سئل أحدهم عن سبب كثافة العمالة الأجنبية في لبنان مرحلة من المراحل جاء جوابه سطحياً بأن الشباب اللبناني لا يهوى هذا النوع من الأعمال أو ذلك.

وعدا عن الموقف السيكولوجي، هناك أسباب هيكلية وعوامل مختلفة أدت إلى هيمنة الاقتصاد الريعي الخدماتي في الثلاثينيات من القرن العشرين، تأسست مرافق عامة باستثمارات خاصة أجنبية مشتركة، مثل شركات الكهرباء والمياه والمنطقة الحرة في مرفأ بيروت وإدارة حصر التبغ، وهي شركة لبنانية تأسست لاستبدال زراعة القطن الفاشلة وخاصة في جنوب لبنان، وطبع اقتصاد لبنان منذ تلك الفترة هيمنة واضحة لقطاعات الخدمات، التي نمت وتشعبت من النشاط التجاري.

وفي العام 1936 ولتحسين دور بيروت الخدماتي افتتح مطار في خلدة جنوب المدينة وفي العام 1938 تم توسيع مرفأ بيروت من حوض واحد إلى حوضين لاستقبال المزيد من السفن، وبعد نيل الاستقلال، استفاد لبنان من ظروف الحرب العالمية الثانية، حيث تواجدت جيوش الحلفاء في الأراضي اللبنانية واحتاجت إلى خدمات وبضائع لوجستية، فكان مجموع ما أنفقه الجيشان الفرنسي والبريطاني 607 مليون ل.ل[1].

وعندما أعن المستوطنون اليهود دولة إسرائيل في فلسطين عام 1948 لجأت عائلات فلسطينية ثرية ومتعلمة إلى لبنان في حين أخذت بيروت دور مرفأ المنطقة بعدما قاطع العرب مرافئ فلسطين التي سيطر عليها اليهود.

ولقد انتشرت في الأربعينات، تبجحاً ومباهاة، قصة عن بعثة بلجيكية عام 1947 درست الاقتصاد اللبناني وقيل إنها فشلت في فهم المعجزة اللبنانية، ونصحت بترك كل شيء كما هو طالما أنه يعمل، ولكن حقيقة هذه الطرفة السمجة التي مازال البعض يستعملها اليوم كإشارة إلى التميز اللبناني وقصور العلوم تجاهه، هي أن الحكومة اللبنانية قد استلمت تقريراً مفصلاً من هذه البعثة ينصح بتنمية القطاعات الإنتاجية من أجل تخفيف الاتكال على التجارة والترانزيت والنشاط الريعي، ووقف التقلبات الحادة[2]، فاختير ما هو مناسب من التقرير لدعم الرؤية المهيمنة وأهمل الباقي.

وساهمت أحداث الشرق الأوسط في التوجه الريعي والخدماتي، حيث أدت ثورة عبد الناصر إلى زوال الأسرة الخديوية وأفول دور الجاليات الأوربية في مصر ما أزال المنافسة المصرية لدور بيروت، وانتقل بعض أثرياً مصر (منهم نسبة كبيرة من أصل لبنان) وأصحاب الأعمال إلى بيروت، وفي تلك الفترة غرقت المنطقة في صراعات الحرب الباردة (النظر الفصل السادس) والصراع العربي – الإسرائيلي، وقامت أنظمة عسكرية اشتراكية، فتدفق إلى بيروت أثرياء العرب بحثاً عن الاستقرار والازدهار، ومع انهيار الجاليات الأوروبية واليهودية في شرق المتوسط، حافظ لبنان على النمط الماركنتيلي وبقي أفضل وريث للنمط (الليفنتي) الذي أصبح ثقافة بحد ذاتها في التجارة والحياة الاجتماعية والهندسة العمرانية والتاريخ، ومزيجاً من الفكر الغربي وعالم الغرابة الشرقية، فكانت هذه العناصر هي أساس شخصية بيروت الكوزموبولينية التي أعجبت الناس من الشرق والغرب، وفي الخمسينات أصبحت المدينة الممثل الأوحد للحضارة الليفنتية المشرقية بعد توقف أزمير واللاذقية وحلب ودمشق وطرابلس وصيدا وعكا والقدس والإسكندرية عن المنافسة. 

أما إقناع أصحاب الأمر بجدوى النظام الذي اختاروه للبنان فقد وفرته لهم تجربته عهد كميل شمعون (1952-1958) التي تميزت بانفتاح اقتصادي شامل وبدخول الاستثمارات الأجنبية على نحو غير مسبوق، ويقرن اللبنانيون هذا العهد بمرحلة تطور اقترنت بولادة قانون سرية المصارف واستيراد البضائع الاستهلاكية الأجنبية (كأجهزة التبريد المنزلية والتلفزة) وبحملة واسعة للأشغال العامة، من أبطالها إميل البستاني ونعيم مغبغب، أوصلت الطرق إلى كافة المناطق اللبنانية (خاصة بعد زلزال مدمر عام 1956) وكذلك افتتاح مدينة كميل نمر شمعون الرياضية جنوب بيروت التي أصبحت مفخرة للبنان وبداية للعروض الرياضية العالمية التي دعا إليها شمعون الملوك والرؤساء عربا وأجانب[3]، كما بدأ العمل بالأتوستراد الدولي على الساحل 1956 وهو مشروع لم يكتل حتى في العام 2006 .

ومنذ السنوات الأولى للاستقلال رأي خبراء كثيرون إشكالاً كبيراً في الاتجاه الاقتصادي رغم نجاحه الطرفي وطالبوا باتجاه إنتاجي، ومن هؤلاء نعيم أميوني، وهو كادر هام في وزارة الاقتصاد اللبنانية، ففي عام 1946 دعا إلى (تنمية القطاعات الانتاجية في الزراعة والصناعة وتحقيق أكبر مقدار ممكن من الاكتفاء الذاتي في إنتاج المواد الغذائية الحيوية وتنويع الصادرات[4]). 

ولم يفت أميوني السخرية من المقارنة السطحية المصرفية والسياحية، مذكر أن سويسراً هي بلد لهم تسميه بلدهم سويسرا الشرق بالإشارة إلى مناظرها الطبيعية ينبغي أن يتذكروا أن سويسرا الحقيقة هي في المقام الأول بلد بالغ التطور وأن معظم ثرواته تأتية من الصناعة وليس من السياحة[5] (وسنرى في هذا الفصل أن خبراء اقتصاديين آخرين، كتوفيق كسبار، طوروا نقد أميوني إلى أطروحة متكاملة[6]).

وعزا أميوني تراجع الزراعة إلى توسع شبكة المصالح التجارية وسيطرتها، حيث تكاثر عدد الوسطاء والسماسرة بين المنتج والمستهلك ما رفع الأسعار بنسب بلغت 150 إلى 220 بالمائة، وأن الملاك العقاريين باتوا يستثمرون مداخليهم ومدخراتهم في قطاعات التجارة والمال والخدمات بدلاً من توظيفها في الدورة الزراعية لتقويتها: وقال أميوني (إن التجارة هي قاطرة الاقتصاد ولا يمكن أن تكون الاقتصاد ذاته) وإن ثمة استيرادا كثيفاً للمواد الاستهلاكية والكمالية الفاخرة، وتحسر أميوني على عدم الاهتمام بالصناعة الناهضة في تلك الفترة وأن نسبة ضئيلة من اليد العاملة اللبنانية تساهم في إنتاج الثروة المادية في حين تتعاطى الأغلبية في العمل الإداري والمضاربات والريوع، وكان شاغل أميوني هو ضرورة الاهتمام بكافة القطاعات، مع المحافظة على دور لبنان الخدماتي الذي كان يحذر من مغبة التمويل الجارف على أهميته ومن مسألة عدم استعمال كافة قدرات البلاد.

لقد كان التجار وأهل السياسة أكثر اهتماماً بالتجارة والخدمات لا بالزراعة وتنمية الأرياف، حيث أردوا بيروت مركز خدمات للمنطقة العربية ما يلاءم مصالحهم، ولم يكن من داع لتغيير النظام الاقتصادي الذي رأو فيه تفاضلاً طبيعياً، ودعوا إلى ضرورة عدم المس بالأمر الوقع بحجة غياب الموارد الطبيعية (وهي حجة أقبح من ذنب بدليل أن عدداً من الدول الصناعية الناجحة كاليابان لم يملك موارد طبيعية) وخاصة أنه لم يكن ثمة مبرر منطقي للإنماء غير المتوازن جغرافياً أو إهمال الصناعة والزراعة، حيث كان بالإمكان تنويع القاعدة الاقتصادية للبلاد والاستفادة من الأراضي الخصبة وتطوير صناعة تخلق قيمة مضافة وطنية، مع المحافظة  على قطاعات خدماتية نشطة.

ونوضح فيما يلي مواقع الخلل التي رسمت ملامح النظام الاقتصادي اللبناني، نختصرها في 7 نقاط هي: (1) إهمال لبنان الطرفي، (2) إعاقة الصناعة، (3) العجز المزن في الحساب التجاري، (4) الانقطاع عن الجوار الجغرافي، (5) التكثيف العائلي، (6) ضعف بورصة بيروت، (7) سواد الخدمات، ونترك للفصل التالي معالجة القطاع المصرفي على أهميته.

 

1ـ إهمال لبنان الطرفي

 قبل العام 1920 كثر الكلام عن ضرورة تكبير الكيان لأن جبل لبنان احتاج إلى سهل البقاع الخصيب الذي يمثل أهراءات الإمبراطورية الرومانية لسد حاجة السكان إلى الأغذية ومنع تكرار  المجاعات، وكذلك عن ضرورة ضم مدن الساحل إلى الكيان بما تمثل هذه الحواضر من حلم الماضي الفينيقي وأسس النهضة السياحية والتجارية للبنان الحديث.

وتبين فيما بعد أن هذه التبريرات كانت مجرد شعارات وأن ما احتاجه الأمراء والتجار معاً ومدينة بيروت، جوهرة المشرق وبقرته الحلوب، بينما استغل ما تبقى من البلاد (أو على الأقل تلك المناطق الوقعة خارج نواة الجبل القريب وبيروت) ولصالح الاقتصاد الريعي، وطيلة الفترة الممتدة من العام 1930 وحتى 1960 لم يظهر تحسن ملموس في أوضاع سكان لنبان الطرفي ولم يشعروا بتغير في أحوالهم المادية، وبقيت تلك المناطق متخلفة مقارنة بازدهار بيروت والشوف وعالية وبعباد والمتنن وكسروان، وتراجعت الزراعة عما كانت عليه في السابق مصدراً رئيساً لدخل سكان الأطراف حتى أصحبت القطع الأصغر في الاقتصاد  اللبناني دون أن تلقى الهمام الحكومات المتعاقبة ، في العام 1944 أقام 70 بالمائة من سكان لبنان خارج المدن إلا أن الزراعة لم تكن تساهم بأكثر من 20 بالمائة من الدخل الوطني، ثم انحدرت إلى 12 بالمائة  عام 1964 و9 بالمائة عام 1974 وأصبح إهمال الأراضي الزراعية في البقاع وعكار والجنوب وكأنه سياسة غير مكتوبة وقاعدة لم تح عنها الحكومات المتعاقبة.

لقد أشار نعيم أميوني إلى أن لبنان في الأربعينات من القرن العشرين أنتج 3 بالمائة من حاجاته للحبوب وهي نفس النسبة التي أنتجتها محافظة جبل لبنان قبل ضم البقاع عام 1920 وأن لبنان الاستقلال ضيع فرصاً عديدة لتنويع اقتصاده، ففيما كان قبل الحرب العالمية الأولى ينتج من الحمضيات ما يوازي إنتاج فلسطين أصبح بعد الاستقلال ينتج أقل من 10 بالمائة من إنتاج فلسطين، ولوضع هذه المعطيات في إطارهم الصحيح تجدر الإشارة إلى دراسة لسليم نصر وكلود نوبار بينت أن أراضي جبل لبنان الصالحة للزراعة بلغت 80 ألف هكتار وكانت ذات غلات متواضعة، في حين كان أراضي المناطق المضمومة خصيبة وصالحة للزراعة وتبلغ مساحتها 140 ألف هكتار ، أو 64 بالمائة من الكيان الجديد[7].

ما يعني أن توسيع مساحة الأراضي الصالحة للزراعة بمقدار ثلاث مرات تقريباً لم يزد الإنتاج الزراعي ن كما أشار إلى طرابلس التي كانت مرفأ مزدهراً في الماضي وأصبحت تعاني من نسبة بطالة مرتفعة[8]، وحتى الستينات عانى عدد كبير من القرى من غياب خدمات المرافق العامة البديهية كالماء والكهرباء واستمرت تؤمن المياه من الينابيع والآبار.

كان البقاع ثروة وطنية لا تقدر بثمن، حصل عليها عرابو الكيان ولم يدركوا قيمتها، هو أكبر أرض خصبة صالحة للزراعة في المشرق وموطن مناطق أثرية وسياحية هامة بعضها لا مثيل له في العالم كمدينة بعلبك الرومانية، ولولا حاجة تجار بيروت ورأس المال الفرنسي لاختراق السوق الداخلية السورية والعربية للاستيراد والتصدير وتجارة الترانزيت لما تم شق طريق حديثة نسبياً بين بيروت ودمشق عبر وادي البقاع ما خلق ممراً (كوريدوراً) حيوياً في وسط السهل أنعش مدينتي زحلة وشتورة، وإضافة إلى الجمال الطبيعي والسهول الخصبة والآثار التاريخية، فالبقاع هو منبع نهرين كبيرين هما العاصي والليلطاني، ومصدر معظم المياه التي تغذي حوض نهر الأردن وبحيراته، حيث تتجمع كميات ضخمة من مياه الثلوج الذائبة من السلاسل الجبلية المحيطة بالبقاع  في أحواض وسط السهل كل سنة، ولعشرات السنين وحتى كتابة هذه السطور كانت مليارات الليترات من مياه الري والشفة من موارد البقاع تذهب هدراً إلى البحر بسبب الإهمال.

ومنذ عقد الثلاثينات، انتشرت زراعة الحشيش في شمال البقاع فكانت رداً محلياً على إهمال السلطة المركزي للأطراف بارتكاب خطايا مماثلة، وكان انتعاش الزراعات الممنوعة نواة لازدهار صناعة المخدرات في لبنان وصولاً إلى تصدير منتجاتها إلى الدول المجاورة، إلى حد أن الحكومة المصرية قدمت مذكرة إلى الحكومة اللبنانية عام 1940 مطالبة بمكافحة هذه الصناعة، ولكن هذا النشاط لم ينحسر بل أخذ المزارعون والمصنعون والمتاجرون يوسعون أعمالهم، حتى بات لهذه الصناعة، ابتداء من السبعينات، امتداد دولي يستعمل أجهزة حديثة ويضاهي عصابات كولومبيا.

وعندما حل العام 1980 أصبحت هذه الصناعة تدر مليارات الدولارات لأصحابها الذي استغلوا  فلتان الأمن وانهيار الدولة في زمن الحرب، وربما ساهمت مداخل المخدرات في تحسين الوضع الاجتماعي والاقتصادي لبعض سكان شمال البقاع ولكن هذا التحسن تم عن طريق نشر السموم وتعميق الإدمان بين البشر ، فكان لإهمال البقاع المزمن ثمن باهظ للبنان ولدول أخرى.

ولعدة عقود بعد الاستقلال كان واضحا اختلال ميزان العدالة الاقتصادية وسوء توزيع الثروة وغياب التنمية الاجتماعية والاقتصادية بين المركز والأطراف إذ حتى العام 1970 بقيت المحافظات الطرفية غارقة في ريفيتها المنعزلة ومتخلفة في الميادين الاقتصادية والتربوية والصحية، وفيما كان غلاة الوطنية يتغنون بمدن طرابلس وصيدا وصور (عز فينيقيا ومجدها)، وتتبارز المناهج المدرسية في وصفها والكشف عن تاريخها، وتصدر كتب فاخرة الطباعة بالانكليزية والفرنسية مليئة بالصور الملونة عن عظمة هذه المدن، بقت طرابلس وصيدا وصور بلدات هامشية منسية وكأنها مناطق نائية، في أواسط السبعينات، السنوات التي سبقت اندلاع الحرب لم يكن بالإمكان لزائر صيداً أو طرابلس أو صور أن يعثر على مؤسسة سياحية (مطعم أو مقصف أو فندق) مماثلة تلك التي حملة سمعة عالمية في بيروت، كما أن مرفأ صيدا بدا عام 1974 وكأن الصليبيين قد غادروه لتوهم لشدة فقره وتخلفه في حين يلاحظ في الكتيبات السياحية من تلك الفترة مراكب صيد صغيرة في مرفأ صيدا في مشهد يصلح للتذكير بتاريخ الفينيقيين أكثر مما هو مشه فمرفأ المدينة الثالثة في لبنان.

2ـ إعاقة الصناعة

وفيما شدت الصناعة اللبنانية تطوراً في النصف الأول من القرن العشرين وفي الستينات والسبعينات، فإنها لم تكن أوفر حظاً من الزراعة في تعرضها للإهمال الرسمي وضالة الاستثمارات، ففي عهد الانتداب، عملت فرنسا على إبقاء على تبعية لبنان الاقتصادية وإغراق أسواقه ببضائعها، ما أعاق نمواً صناعياً سليماً كان يطل برأسه منذ الثلاثينيات، ولم تقم السلطات بعد الاستقلال بدعم الصناعة عبر قوانين منظمة وتعريفات جمركية لحمايتها من المنافسة الأجنبية السافرة، حيث ساد الاقتصاد الريعي والخدمات وأنماط نشاط مناقضة للصناعة المحلية، كالشحن والترانزيت والاستيراد وإعادة التصدير ودخول البضائع الأجنبية بصرف النظر عن أثر هذه السياسات في تصنيع وطني سليم، وكان تبرير التجار أن قطاعات الخدمات قد تتضرر من الحماية.

وفيما كانت الصانعة هي القطاع الوحيد الذي أظهر أداء جيداً في عقد الأربعينات إلا أن الحكومة قامت بخطوات لصالح التجار دون الالتفاف إلى عواقبها على الصناعة الوطنية وخاصة سياسية تحرير القطع وحركة الرساميل والانفصال الجمركي عن سورية ومنذ الأربعينات وحتى العام 1974 آخر سنة من الهدوء النسبي الذي سبق الحرب لم يزد معدد نمو الصناعة اللبنانية سنوياً عن 2 بالمائة  فيما شهدت دول أخرى في آسيا معدلات نمو تزيد عن 15 بالمائة.

ويشير مسعود ضاهر إلى دور (البرجوازية التجارية اللبنانية) في تقزيم دور الصناعة اللبنانية منذ الاستقلال حيث لم تزد نسبة مساهمة الصناعة في الدخل الوطني خلال 25عاماً من 2 بالمائة من 5و14بالمائة عام 1948 إلى 7و16 بالمائة عام 1974، واتضح أن هذه الصناعة نمت في فقط في ظل عجز الفئة التجارية والوسيطة عن لعب دورها الاقتصادي في الحرب العالمية الثانية بسب إغلاق الطرق الدولية وضعف الاستيراد وما (إن عاد هذه البورجوازية لتمارس دورها بعد الحرب حتى أعادت السيطرة على الاقتصاد اللبناني بالوجه ذاتها بالرغم من الأهمية التاريخية لتطور الصناعة كحاجة وطنية واقتصادية واجتماعية، فعادلت أعمال الترانزيت والخدمات الفندقية وشراء الأراضي وخلافها تتطور بخطوات كبيرة على حساب القطاعات الأخرى[9] ويقول ضاهر إن فئة من التجار والوسطاء قد هيمنت على السلطة فلم يحصل توجيه في البلاد نحو القوى المنتجة الحقيقة.

وكمعظم النشاط الاقتصادي في لبنان، تمركزت المؤسسات الصناعية  على قلة مساهمتها في الناتج المحلي في بيروت والضواحي الواقعة ضمن محافظة جبل لبنان ،فمن أصل 600 مؤسسة صناعة عام 1954، كان 470 منها في بيروت وضواحيها، أي 78 بالمائة من المجموع، مقارنة بنسبة 5 بالمائة في البقاع و5 بالمائة في بلبنان الجنوبي و12 بالمائة في الشمال، وارتفعت نسبة التركيز الصناعي في عقد الستينات حيث كانت حصة بيروت وضواحيها 83 بالمائة من مجموع المؤسسات الصناعية عام 1964 مقابل 3 بالمائة في لبنان الجنوبي و4 بالمائة في البقاع و10 بالمائة في الشمال، وفي غياب الإنماء المناطقي، استقطبت بيروت وضواحيها نسبة أكبر في أوائل السبعينات حيث ظهرت مناطق صناعية دائمة في شرق بيروت (المكلس وسن الفيل وجسر الباشا وتل الزعتر) وجنوبها (كفر شيما والناعمة).

وحتى هذا النشاط الصناعي، على قلته، لم يكن جزءاً من اتجاه بنيوي عقلاني لدى أصحاب المصانع للمساهمة في نظام اقتصادي حديث، إذا انحازت الصناعة اللبنانية نحو البضائع الاستهلاكية ولم يكن بعض الصناعيين بعدين عن العقلية التجارية، وفي الفترة الممتدة من 1918 وحتى 1964 كانت نسبة 75 بالمائة من المنتجات الصناعية اللبنانية مواد غذائية أو أحذية وملبوسات للاستهلاك النهائي، أما البضائع الإنتاجية التي تدخل في صناعات أخرى وتخفف من الحاجة إلى الاستيراد فقد زادت بنسبة ضئيلة في نهاية الستينات وبداية السبعينات[10]، ورغم ذلك بقيت البضائع نصف المصنعة أو المصنعة كليهاً بوسائل وطنية داخلية تشكل نسبة صغيرة من الإنتاج الصناعي فيحين كانت عدة صناعات (كالحلي والمجوهرات) تستند بنسبة 100 بالمائة من الموارد المستوردة (وتسمى على أي حال صناعة الذهب اللبنانية) هذا الضعف البنيوي في علائق القطاعات الصناعية أظهر غياب التواصل العضوي lnput-qutput matrix    وكشف ظاهرة التبعية للخارج (حاجيات المصانع المحلية للمواد الأولية ومنقضيات العملية الإنتاجية) ودور التجار المتفوق بسبب علاقاتهم الخارجية وهيمنتهم على الاستيراد كما أظهر غياب التداخل المحلي في الدورة الصناعية بما هو ضرورة لنهضة صناعية وخاصة عندما يتعلق الأمر بروابط صناعات جزئية ضمن قطاعات كبرى، وعلى سبيل المثال حتى بداية القرن الحادي والعشرين، كان قطاع خدمات الاستشفاء مصدر الطلب الرئيس للأدوية ولكن الأدوية المصنعة محلياً لم تشكل أكثر من خمسة بالمائة من الاستهلاك العام في حين كان التجار يستوردون 95 بالمائة من الأدوية لتلبية السوق اللبناني، وفي قطع البناء استوردت مصانع الدهانات كل ما احتاجته من مواد صناعية وألوان وأدوات، وإذ اشترى متعهدو البناء الدهان والإسمنت من مصانع لبنانية، قاموا باستيراد الحديد والألمنيوم وغيرها من حاجيات البناء.

ويتضح ضعف الصناعة اللبنانية أيضاً في حجم المؤسسات، فرغم العدد الكبير للمصانع إلا أنها كانت صغيرة من ناحية عدد العمال، شابها صراع مزمن بين رأس المال وحقوق العمالة من ضمانات وأجور لم تحسمه قوانين العمل ولا وعود البرامج الاجتماعية، وبين توفيق كسبار أن (الرأسمالية بما هي شكل محدد للعلاقة بين العمل ورأس المال) وذات قوة ذاتية في جذب العمالة والنشاطات من الميدان غير الرأسمالي إلى دائرة نفوذها، لم تكن فعالة في لبنان.

ملاحظاَ ثباتاً كبيراً في حصة العمل المأجور والمنتظم من إجمالي العمالة بين 1951و 1997 حيث لم تزد نسبة العمال بأجر منتظم عن 33 بالمائة والعمال بأجر متم وماهر عن 10 إلى 17 بالمائة من إجمالي العمالة[11]، لقد كان عدد العمال الوسطي في المؤسسة الصناعية اللبنانية عام 1950 عشرة في حين كانت قاعدة رأس مالها مائة ألف ليرة ، وفي العام 1970 بقي عدد العمال الوسطي في المؤسسة الصناعية 10 فيما أصبح رأسماليها 175 ألف ليرة وفي نفس الفترة كانت عدد المؤسسات الصناعية يزداد بمقدار الضعف مقارنة بازدياد عدد العمال الصناعيين، رغم ظهور شركات كبرى في الستينات استخدمت أعداداً أكبر من العمال كمنا يشير مروان إسكندر[12]، فكان وقع زيادة الرسملة وعدم التوسع في استخدام المزيد من العمال من عوامل الضعف بسبب هيمنة المؤسسات الصغرى العائلية على القطاعات الصناعية، فنسبة تركيز عوامل الإنتاج بين رأس المال والعمالة بلغت 7 إلى 1 عام 1950 لصالح رأس المال، ووصلت إلى 16  إلى 1 عام 1970، بزيادة كبيرة في المكونة وزوال بيوت الحرف في فترة زمنية قصيرة، لقد كانت مئات المؤسسات الصناعية عبارة عن مشاغل، يضم كل منها بضعة عمال لا يزيد عددهم عن 5 أو 10 عمل وملكية عائلية في معظم الأحيان لغياب ظاهرة الشرطة المساهمة التي توحد الرساميل وتخلق مقدرة إنتاجية أكبر، كما أظهرت دراسة في السبعينات عن استمرار الطابق العائلي للصناعة حيث كانت 25 شركة صناعة مغفلة هي الأكبر بين مجموع الشركات الصناعية من حيث رأس المال والموجودات، وقد بلغت رؤوس أموالها 180 مليون ليرة لبنانية، أي 15 بالمائة من مجموع رؤوس الأموال الموظفة في مجمل القطاع الصناعي  وبلغت موجداتها  770 مليون ليرة لبنانية  وقدرت حصتها من الإنتاج الصناعي بما يراوح بين 40 و50 بالمائة وكانت 7 مجموعات عائلية تملك تلك الشركات الخمس والعشرين وتسيطر على 13 شركة أخرى أنظر (التكثيف العائلي) في هذا الفصل).

أعاق الواقع البنيوي والقطاعي الاستفادة منeconomies of scale  (وفورات الحجم الاقتصادي للمؤسسة) وأصبح حاجزاً أما تطير صناعة تنافسية لبنانية إقليمياً ودولياً كما كان صغر السوق المحلية حاجزاً أما نمو الصناعة حيث لم تسمح القاعد السكاني بتحفيز طلب كلي يدعم إنتاجاً صناعياً أكبر، ولئن غابت القاعدة الاقتصادية المتنوعة المتينة، وطغت الخدمات، كان وقع الحرب عم 1975 شديد الوطأة على مجمل النشاط الاقتصادي في لبنان.

وحتى بعد الحرب المدمرة، سنرى أن أمراء الحرب والتجار سعوا من  العام 1990 إلى استعادة دور لبنان التاجر الخدماتي الذي على أساسه بنوا وسط بيروت وليس إلى الانتقال الجذري نحو تنمية حقيقة تستفيد من المناطق الطرفية وتبني قاطعات قوية ذات قيمة مضافة عالية وتحقق عدالة اجتماعية اقتصادية عبر برامج وسياسة ضريبية حديثة، ولم يكن ثمة دروس من فشل الماضي بل استعادة ساذجة للخلق الفينيقي التجاري حسب قول أحد كبار المصرفيين: (الرأسمالية اللبنانية ستغزو العالم كما فعلت فينيقيا في السابق.. اقتصادياً[13]).

ولئن عجز لبنان عن النهوض صناعياً منذ الاستقلال، فإنه فقد فرصة تاريخية ليصبح هونغ كونغ الشرق الأوسط وبات اقتصاده (فكرة في طريقها إلى الزوال) في العالم، ذلك أن الاقتصاد الحديث والنمو المستمر يتطلبان حسب توفيق كسبار (نشاطاً إنتاجياً يتحقق في الدول النامية في الصناعة لأنها النشاط الوحيد الذي يمكنه توفير الإنتاج الواسع للبضائع، وباستمرار من خلال تطبيق منهجي للعلوم والتكنولوجيا.. وأن الزيادة في حصة القطاع الصناعي من إجمالي الناتج المحلي قد ترافقت مع تسارع في النمو.. وأن التصنيع هو محرك النمو[14]).

ومن شروط الوصول إلى هذا المستوى من التصنيع يؤكد كسبار على أ همية المهارات حيث (يتطلب التغيير الهيكلي والإنماء قبل كل شيء إنتاج المهارات واستيعاباً متزايداً لها من نشاطات ديناميكية منتجة  لكن ذلك لم يحصل في ظل اللبرالية الاقتصادية في لبنان) حيث تبين من مسح حكومي للهيكلية العمالية، عام 1970 أن 44 بالمائة من القوى العاملة عملت في الصناعة والزراعة وأن 80 بالمائة من مجموع العمال لم يحصلوا أكثر من تعليم ابتدائي.

ويقول كسبار إن ضآلة التحصيل العملي لدى القوى العاملة نسفت الفكرة القائلة والسائدة حتى اليوم بأن قوة الاقتصاد اللبناني تكمن في مهارة قوته البشرية، وأن إحصاءات كهذه كان يجب أن تقلق المسؤولين حول النقص الفادح في المهارات ولكن شيئاً من هذا لم يحدث[15] (ويخصص كسبار فصلاً كاملاً يظهر فيه عمل النظام الاقتصادي اللبناني على تقويض الصناعة).  

1ـ العجز المزمن في الميزان التجاري :

وأمام تراجع الصناعة والزراعة، أصبح العجز في الميزان التجاري سمة من سمات الاقتصاد اللبناني الريعي الخدماتي، حيث استورد لبنان معظم حاجياته واقتصرت الصادرات على بعض المنتجات المحلية، إلى حد أن خبراء اقتصاد تنبئوا أن هذا الوضع قد يؤدي إلى تآكل السيادة الوطنية[16].

ولكن نظرة متمعنة إلى الإحصاءات التجارية في أواخر الستينات وأوائل السبعينات تظهر قوة الطلب من الدول العربية المجاورة على المنتجات الصناعية والزراعية اللبنانية ما كان يبشر بنهضة صناعية زراعية تكاملية مع المحيط العربي، لو شاء أصحاب الأمر ذلك، إذ كانت الأرقام تشير بوضوح إلى أن لبنان يتمتع بفائض تجاري مع الدول العربية ويشكو من عجز مزمن مع أوروبا وأميركا الشمالية منشأً معظم حاجياته المستوردة، وبسبب قاعدته الصناعية والزراعية الضيقة، كان واضحاً أن ازدهار لبنان الظاهري كان مهدداً، حيث كان العجز التجاري مزمناً في ميزان مدفوعاته.

بما أن الخدمات والريوع تستند أساساً إلى الهدوء والاستقرار، فكان أي تهديد للأمن العالمي في البلاد بمثابة خطر سافر على ثلثي الاقتصاد الوطني، وجاء تهديد الأمن الغذائي في المرتبة الثانية بعد الأمن العام (ما كشف مهزلة الفكرة اللبنانية) حول الحاجة إلى سهل البقاع لتدعيم الأمن الغذائي كما أشرنا فالمزارع  اللبنانية في الستينات وأوائل السبعينات على قلتها كانت تهدف إلى الربح الفوري وخاصة بتصديرها إلى الأسواق الخارجية فلم يكن هناك خطة لبنانية لإنتاج زراعي يحقق الاكتفاء الذاتي، فيما كانت المواد الغذائية الأساسية كالحبوب واللحوم، مستوردة بمعظمها، وكان هذا العجز يغطي في الحساب الجاري عبر حركة الرساميل، لا سيما تحويلات المغتربين، لقد بلغت نسبة الصادرات الزراعية إلى مجموع الصادرات 33 بالمائة، في حين استورد لبنان بضائع صناعية ومواد غذائية أساسية من أوروبا وأميركا (سيارات، آليات مواد صناعية، معادن، أدوات كهربائية والكترونية، قمح، لحوم، أجبان.. الخ) وصدر فاكهة وخضروات (لا سيما تفاح وحمضيات وكرز ) ومنتجات صناعية ذات قيمة مضافة منخفضة إلى الدول العربية (مواد بناء، ألبسة، مياه معبأة، الخ..).

فيتضح أن سبب العجز التجاري هو الاستيراد الكبير للمواد الغذائية الإستراتيجية والبضائع الصناعية ذات القيمة المضافة العالية نسبياً وسلع الكماليات وعدم السعي إلى إنتاج هذه الحاجيات محلياً، وحتى في التسعينات من القرن العشرين بقيت الصادرات الزراعية تشكل نسبة عالية من مجموع الصادرات في حين استمر لبنان في الاعتماد على الاستيراد لـتأمين حاجيات الغذاء الأساسية.

ولئن كان الأسواق العربية تستهلك معظم الصادرات الزراعية اللبنانية فإن ذلك ساهم بطريقة غير مباشر في تفاضلية منتجات زراعية محددة في لبنان (بمساعدة مكتب الفاكهة) وكان السوق العربي للفاكهة  اللبنانية ينمو باستمرار في السبعينات ما هيأ لانطلاقة واعدة للقطاع الزراعي الذي نما بنسبة 9 بالمئة سنوياً في الأعوام 1971-1974 في حين نمت الصادرات الزراعية إلى مجموع الصادرات بنسبة 13 بالمائة سنوياً في نفس الفترة، فاستوعبت أسواق الخليج والسعودية والعراق كميات متزايدة وبلغت قيمة الصادرات الزراعية 338 مليون ل.ل عام 1974 كما أن الصادرات الصناعية كانت قد بدأت تسجل تقدماً ملحوظاً في أواخر الستينات وأوائل السبعينات فحتى العام 1965 كان لبنان يصدر كميات ضئيلة من البضائع الصناعية تتراوح قيمتها بين 10 ملايين  ل.ل و30 مليون ل.ل في السنة ولكن في الفترة 1966 – 1974 نمت هذه الصادرات حتى أصبحت تشكل 75 بالمائة من مجموع التصدير، فارتفعت قيمتها إلى 87 مليون ل.ل ، عام 1967 و 129 مليون ل.ل عام 1968 كما نمت بشكل ملحوظ في أوائل السبعينات بنسبة 29 بالمائة سنوياً حتى وصلت قيمتها إلى 5و1 مليار ل.ل عام 1974[17].

وبالمقابل نمت الواردات الصناعية مشكلة 30 بالمائة من مجموع الاستيراد فارتفعت فاتورة الاستيراد الصناعي من 150 مليون ل.ل عام 1959 إلى 350 مليون ل.ل  عام 1969 و 1و2 مليار ل.ل عام 1974 ففي العام 1970 كانت فاتورة الواردات خمسة أضعاف فاتورة الصادرات وهذا تحسن عن 1960 عندما كانت فاتورة الواردات عشرة أضعاف فاتورة الصادرات ولقد نما العجز التجاري من ملياري ل.ل عام 1971 إلى 6 مليارات ل.ل في العام 1981 (أنظر الجدول 12 في الملحق الإحصائي)..

ولكن رغم العجز في الحساب التجاري، فإن مجمل ميزان المدفوعات سجل فائضاً في معظم السنوات، باستثناءات قليلة، حيث أمكن لبنان ترشيد سجل حساباته الخارجية عبر تجارة الخدمات وتحويلات المغتربين وتجارة المخدرات، وشكلت التحويلات من اللبنانيين النسبة الكبرى من عوامل تغطية العجز في ميزان المدفوعات، خاصة من هؤلاء العاملين في دول الخليج العربي وغرب أفريقيا، لقد حولت العمالة اللبنانية في الخارج مبلغ 4و2 مليار دولار سنوياً في السبعينات، انخفض إلى 8و1مليار دولا عام 1983 ثم إلى حوالي المليار دولار سنوياً في الثمانينات، كما أن تجارة الخدمات غطت 40 بالمائة من العجز في الحساب التجاري من تليها حركة الرساميل القصيرة الأجل والطويل الأجل إلى جهات رسمية وإلى القطاع الخاص.

لقد وجد المستثمرون العرب والأجانب في لبنان حرية في حركة الرساميل وعملة قوية وسوقاً مالياً محترفاً فاستقطب القطاع المصرفي بملغ 471 مليون ل.ل من مودعين عرب وأجانب عام 1971 ما يفوق ستة أضعاف حجم دخول الرساميل السنوي عن كل عقد الستينات ومنذ 1971 كان هذا الاستقطاب يتصاعد بشكل ملحوظ بالغاً 919 مليون ل.ل عام 1972 وإضافة إلى التحويلات وتجارة الخدمات ودخول الرساميل ساهمت الصادرات غير القانونية كالمخدرات وزراعاتها المزدهرة في تلك الفترة في سد عجز الحساب التجاري وفاتورة الاستيراد الضخمة.

وهكذا كانت تطغى احتفالية صغيرة حول مقدرة لبنان على إطفاء عجز الميزان بهذه الوسائل غير المباشر كلما صدر بيان عن صحة وهمية في ميزان المدفوعات، مع أن الجواب البديهي لمعالجة ميزان المدفوعات والعجز التجاري كان في السعي إلى تنمية الصادرات كما تفعل كل الدول العاقلة وتقليص الاستيراد أو على الأقل نسبته إلى الاقتصاد الكلي فتنفي الحاجة أيضاً إلى سياسية نقد بالية.  

ومن سلبيات اعتماد لبنان في تصحيح ميزان المدفوعات بالتحويلات وحركة الرساميل، عدا عن الضعف الشاذ في هيكليته، تأثر اقتصاده المفتوح بأسعار الفوائد العالمية وسق القطع ويتسلل الحلزون التضخمي  inflationary spiral  وانعكاسه على الأسعار المحلية وخاصة أن معظم عناصر الاستهلاك والإنتاج كانت مستوردة ومرتبطة بتقلبات سوق القطع.


 

4ـ الانقطاع عن الجوار الجغرافي

لطالما تمنى بعض أمراء الحرب والتجار في النصف الثاني من القرن العشرين أن يكون لنبان دولة في أوروبا أو جزيرة في مكان ما، طالما أن معظم مصادر التهديد لاقتصاده الخدماتي الريعي أصبحت جغرافية، وكان التحدي هو كيفية عزل البنية الاقتصادية اللبنانية الهشة عن مؤثرات المنطقة كفيضان اللاجئين والحروب العربية والإسرائيلية والوضع المتفجر دوماَ في الشرق الأوسط.

لقد أشرنا سابقاً إلى الهجرة الأرمنية إلى لبنان على ثلاث مراحل (1915 و1925 و1939) نتيجة المجازر والقمع التركي فحصل هؤلاء على الجنسية اللبنانية وأدخلوا في إحصاء 1932 وأصبحوا من فعاليات الكيان سياسياً واقتصادياً، ولكن مؤثرات الجوار كان أكبر من النصف الثاني من القرن العشرين، حيث شارك لبنان بجيشه الصغير عام 1984 مع الدول العربية الأخرى في حرب فلسطين  لمنع إقامة دولة يهودية هناك فلم تكن نتيجة الحرب لصالحه، ذلك أن لبنان خسر سبع قرى ولجأ إلى أراضيه 104 ألف مواطن فلسطيني وكان اعتقاد الحكم في لبنان وأصحاب الأمر آنذاك أن تلك الهجرة القسرية ستكون مؤقتة وسيعود اللاجئون إلى بلادهم فاعتنت الدول بأمر هؤلاء وجعلت مكان إقامتهم في مخيمات مؤقتة قرب المدن الرئيسية ولم يتنبأ أحد أنهم سيبقون هناك بعد 60 عاماً  من نكستهم.

لطالما ترددت مقولة استفادة لبنان في استقطابه الرساميل والأدمغة الفلسطينية المهاجرة ووراثة بيروت لمرافئ فلسطين ولكن الحقيقة كانت غير ذلك، هذه الاستفادة من مصيبة فلسطين تتضاءل أمام خسائر لبنان الاقتصادية:

1ـ اللاجئون: لقد تضرر لبنان بشكل واسع من نتائج ظهور دولة إسرائيل وتداعيات القضية الفلسطينية حيث شكل دخول أكثر من مائة ألف لاجئ، إرهاقاً لإمكانيات لبنان المحدودة وتهديداً للمعادلة الديمغرافية الدقيقة بين أمراء الحرب، لا بل إن فيضان اللاجئين لم يتوقف إذ دخل الأراضي اللبنانية المزيد من اللاجئين الفلسطينيين بعد حرب 1967 وهزيمة العرب ووقوع القدس الشرقية والضفة الغربية  تحت الاحتلال الإسرائيلي وبعد الحرب الأهلية في الأردن ( 1969-1971 ) وهزيمة المقاومة الفلسطينية هناك في مواجهة الجيش الأردني وهكذا بلغ عدد الفلسطينيين في لبنان في لبنان في السبعينات أكثر من 300 ألف نسمة شكلوا حوالي 15 بالمائة من سكان لبنان في ذلك الوقت وسيكون للقضية الفلسطينية تداعيات كوارثية على لبنان في النصف الثاني من القرن العشرين.

2ـ انقطاع التواصل التكاملي مع الاقتصاد الفلسطيني: لقد أدت حرب فلسطين إ لى تفاقم العجز التجاري اللبناني نتيجة خسارة لبنان السوق الرئيسي لصادراته الزراعية والصناعية إذ شكلت فلسطين، قبل قيام إسرائيل السوق الأول للصادرات للبنانية حيث استوعبت بضائع لبنانية قدرت بقيمة 8 ملايين ليرة عام 1937 مقابل 7و3 ملايين ليرة لفرنسا و 5و1 مليون ليرة لإيطاليا، أما 1947 فزاد استيعاب السوق الفلسطيني للصادرات اللبنانية إلى 6و13 مليون ليرة مقابل 9و2 مليون ليرة لفرنسا وأقل من مليون ليرة لإيطاليا.

3ـ تراجع السياحة: شكل الفلسطينيون النسبة الأهم في الاصطياف العربي في ربوع لبنان وبلغ عدد المصطافين الفلسطينيين 2200 شخص في عام 1936 من أصل 7700 مصطاف عربي و 6300 عام 1947 من أصل 13000 مصطاف عربي وكان هؤلاء يقيمون في فنادق ومنازل مفروشة في بيروت ومناطق الجبل القريبة وينفقون على حاجياتهم[18].

4ـ عزل التواصل مع شمال أفريقيا والجزيرة العربية: إذ إن إقفال الحدود مع فلسطين منذ 1948 أغلق طريق النافورة – عكا ومرجعيون – صفد إلى أنحاء فلسطين ومنها إلى مصر والأردن والدول العربية الأخرى  فخسر لبنان السياحة الفلسطينية والأسواق الفلسطينية التي كسبتها إسرائيل لمصلحة بضائعها، كما سدت في وجهه الطريق إلى الدول العربية وسنرى في الفصل التالي كيف عمل أ مراء الحرب والتجار على تقويض حتى ما استفاد لبنان منه وهو النشاط الاقتصادي الفلسطيني في لبنان، عبر محاربة بنك انترا، المؤسسة الفلسطينية الأهم بلا هوادة.

وفيما كان للانقطاع الجغرافي مع فلسطين مظاهر حادة وبارزة، كان الانقطاع الأكبر والأهم مع الجوار أي مع سوري التي أحاطت بلبنان على ثلاثة أرباع حدوده البرية وما عنى ذلك من منح نفوذ لا حدود له لأي نظام يحكم دمشق على مقدرات لبنان، فكان الجور السوري مصدراً أخر للفوائد الفورية ولكن أيضاً للأزمات المتكررة على مدى القرن العشرين وبداية القرن الحدي والعشرين، في استعادة للمعادلة التي ذكرناها عن فلسطين، ففيما كان صحيحاً أن رؤوس الأموال والأدمغة السورية كانت تلجاً إلى لبنان بعد كل انقلاب عسكري أو قرار تأميم للأملاك الخاصة في دمشق، وأن أكثر من 500 ألف مواطن سوري كانوا يزورون لبنان سنوياً للعمل أو السياحة، وأن قطاعات اقتصادية هامة في لبنان اتكلت على اليد العاملة السورية، ولكن الجغرافية جعلت عصب حياة الاقتصاد اللبناني مع المنطقة العربية بيد دمشق خاصة بعد إقفال أبواب فلسطين، جدير بالذكر أنه في أواخر الأربعينات وأوائل الخمسينات اختلف البلدان حول العلاقات الاقتصادية والمصالح المشتركة.

وأدرك أمراء الحرب والتجار باكراً ومنذ الاستقلال أن عليهم أن يحفظوا (خط الرجعة) مع السوريين فأبقوا على اللياقات وما تبقى من مظاهر الإخوة،  إذ إن الدول العربية كانت تستوعب 84 بالمائة من صادرات بالمائة من صادرات لبنان الصناعية و75 بالمائة من صادراته الزراعية، وعمالة لبنانية هائلة أمنت رساميل ضخمة أودعت في مصارف بيروت، ولم يكن أمام لبنان سوى سلوك الطريق التي تمر عبر سورية ومنها عبر الرمثة إلى الأردن والسعودية أو عبر البوكمال إلى العراق والكويت ودول الخليج، كما أن مرفأ بيروت كان منطلق حركة الترانزيت لكل دول الداخل، سورية نفسها والعراق ودول الخليج، كما كانت الحدود السورية مع لبنان باباً لدخول السياح العرب والعمال اللبنانيين من دول الخليج، وأثبتت الحرب التي بدأت عام 1975 أهمية الدول العربية للاقتصاد اللبناني الذي انقطع عن العالم فأنقذه جزئياً استمرار التواصل العربي.

وكانت سورية تدرك تماماً قوة نفوذها في لبنان وتستعمل إغلاق حدودها ذريعة لأسباب في معظمها سياسية.

وتتحمل سورية جزءاً غير يسير من أسباب انقطاع لبنان مع الجوار الجغرافي أذ فيما اتجه لبنان على إلى النظام البرلماني بحريات نسبية ونظام اقتصادي شديد الانفتاح اتجهت سورية في طريق معاكس، عسكري توتاليتاري واقتصادي موجه، كما رأينا، فكانت نداءات الوحدة والأخوة شعارات إيديولوجية فارغة لا مصلحة للبنان فيها، حتى أن سورية، إضافة إلى انتهاكاتها الفادحة لحقوق الإنسان وقمعها للحريات لجأت عام 1961 إلى وضع قيود صارمة  على التحويلات المصرفية إلى الخارج ووضعت تحديداً رسمياً للعملة السورية لتخرج من النظام النقدي الحر إلى النظام الموجه، ثم أمضت بقية الستينات في سلسلة انقلابات وأعمال عنف واشتباكات مسلحة دامت حتى عام 1970  تخللها أيضاً صراعات دموية طويلة الأمد مع مصر والعراق والحرب العربية الإسرائيلية عام 1967، ومزيد من إقفال الحدود مع لبنان تخلله مع ما رافق ذلك من توغل دوريات سورية في الأراضي اللبناني واشتباكها مع قوى أمن لبنانية.

 واللافت أن تجار دمشق قاموا بإضراب شامل عام 1965 احتجاجاً على قرارات تأميم المؤسسات الاقتصادية التي فرضتها الحكومة البعثية ليرد الرئيس أمين الحافظ (سنسحقهم.. سنقتلهم.. سندوسهم.. بأحذيتنا.. إن هؤلاء الذين يهاجمون الاشتراكية والتأميم هم أذناب وعملاء يعملون بأوامر الاستعمار[19]).

5ـ التكثيف العائلي

ظهرت منذ الستينيات عدة دراسات عن ظاهرة تكثيف الطابع العائلي للاقتصاد، أشار بعضها إلى تكتل أسر تجارية صناعية مالية في الأربعينات والخمسينات، فاز بحصة الأسد من الامتيازات والإعفاءات الاقتصادية وتنفيعات الدولة والتزاماتها، كما تحدث بعضا الآخر عن (كوتا) حزب الاستيراد، وحدد مسح عدد هذه الأسر في الأربعينات بثلاثين عائلة وجهت إليها المعارضة أصابع اتهام وحملتها مسؤولية انحراف عهد بشارة الخوري والإثراء غير المشروع وتهريب الأموال إلى الخارج والفساد والإفساد.

في الستينات كتب الباحث الأمريكي مايكل هدسون (إن السلطة في لبنان تستحوذ عليها مؤسسة من رجال الدين والزعماء السياسيين شبه الإقطاعيين والمصرفين ورجال الأعمال والمحامين، وينتمي أعضاء تلك المؤسسة إلى أقل من خمسين من الأسر الوجيهة). وفي السبعينات كان الحديث عن (المائة أسرة التي تحكمنا[20]).

وتطرف الدارسات إلى (التركيز الاحتكاري) في الاقتصاد اللبناني عام 1973 حيث سطرت 40 أسرة (من مجموع 800 أسرة تملك مؤسسات) على ثلث رؤوس أموال الشركات المساهمة والمغفلة العاملة في لبنان وعلى 70 بالمائة من مبيعاتها وعلى نصف تجارة الاستيراد والتصدير، وكان ثلاث أسر فقط من الأسر الأربعين تسيطر على 22 في المائة من سوق الأدوية والمواد الطبية، ويحتكر 20 ألف تاجراً منها 85 بالمائة من مستوردات المواد الغذائية ومعظم الأسر الثلاثين في الأربعينات، إن لم يكن كلها، كان في عداد الأسر في الأربعين في أوائل السبعينات.

وضمن الثلاثين أسرة التي تربعت قمة البرجوازية التجارية المالية الصناعية في الأربعينات ثمة نواة صلبة من ست أسر تحلقت حول رئيس الجمهورية، وثمة سيادة للبنية العائلية على المؤسسات والمصاهرة بين هذه الأسر ما يوثق على الشراكة في الأعمال ويمنع تبدد الثروات العائلية، ففي جيل واحد،كانت عشر من تلك الأسر الثلاثين مرتبطة بعضها ببعض بعلاقات مصاهرة وشراكات تجارية مع رأس المال الأجنبي.

هناك ربط بين الطابع العائلي والطابع الاحتكاري للاقتصاد وسيطرة التجار على مرافقه المختلفة فيما كانت السلطة السياسية مصدر تلك الامتيازات الاحتكارية، ومن حيث التركيب الطائفي، توزعت هذه الأسر إلى 24 أسرة مسيحية (9 مارونية، 7 كاثوليكية، و4 وأرثوذكسية، وواحدة لاتينية وواحدة بروتستانتية وواحدة أرمنية ) 6 أسر مسلمه (أربع منها سنية وواحدة شيعية وواحدة درزية).

لقد أصبح التفاف الأسر التجارية المالية حول رئاسة الجمهورية (حيث كان هنري فرعون وميشال شيحا مستشارين نافذين لبشارة الخوري في كال ما يتعلق بالحياة العامة للبلاد من أبرز ممثلي ه1ه العائلات)، أحد  المواقع الذي مارست نفوذها من خلاله، وخلال الأربعينات احتل 13 من أبناء الأسر الثلاثين مقاعد نيابية و5 منهم مناصب وزارية وأحدهم رئاسة مجلس الوزراء، كما كان 36 نائباً في الفترة نفسها يملكون أكثرية الأسهم أو يمثلون أكثرية المساهمين في 230 شركة من الشركات الكبرى في لبنان، وإضافة إلى التمثيل المباشر حصلت العائلات على تمثيل سياسي أو اقتصادي غير مباشر من خلال التحالفات:

أـ التحالف مع أمراء الحرب والزعماء الذين دفعوا عن مصالح التجار في البرلمان والوزارة والإدارة، حتى أخذ هؤلاء (يتر سملون هم أنفسهم وينخرطون أكثر فأكثر في الأعمال التجارية والمالية، من خلال الربع السياسي الذي كانوا يتقاضونه لقاء ذاك الدور) (وليس أقله تميل رجال الأعمال لماركهم الانتحارية) وبسبب إغراء قطاع الخدمات الأكثر ربحاً من الاستثمار الزراعي.

ب ـ الدور الخاص الذي أداه المحامون في تمثيل المصالح التجارية، وجدير بالذكر أن معظم هؤلاء المحامين انتمى إلى أسر وجبيه، وأمثلة مبكرة على صلة المحامين والمصالح الاقتصادية الرئيس إميل إده الذي كان وكيل المفوضية السامية والشركات الفرنسية (منها messagerie  maritime ) ووكيل شركة مياه بيروت وعضو مجالس إدارتها، والرئيس بشارة الخوري الذي كان وكيل (البنك المصر لسوريا ولبنان) حتى تولى ابنه خليل مكتبه فيما بعد فحصل على وكالات الشركات الفرنسية ذات الامتياز كشركة الكهرباء والتنوير.

والوزير حبيب أبو شهلا الذي أصبح وكيل شركة التابلاين وأدى دوراً حاسماً في مثيل مصالح تلك الشركة في مفاوضاتها مع الحكومتين السورية واللبنانية لعقد اتفاق نقل النفط السعودي، ورئيس الوزراء عبد اللـه اليافي الذي كان وكيل بنك سوريا ولبنان.

والوزير حميد فرنجية الذي كان وكيل مجموعة (سير ياك) وهي تكتل رجال أعمال لبنانين وفرنسيين يتربع على رأسه رينه بينسون، مدير بنك سوريا ولبنان الذي كان الشخصية الاقتصادية ذات النفوذ الأكبر في سوريا ولبنان، وكانت شركة ( سير ياك ) تحتكر المبادلات التجارية والمالية بين البلدين وفرنسا، إضافة إلى كونها تتمتع بأفضلية الحصول على الأشغال العامة الكبرى في لبنان.

لقد وضعت السفارة الأميركية تقريراً بعنوان (الطبقة التجارية في لبنان وتقدير ثروتها) فكان مجموع ثروة 15 عائلة 245 مليون ل.ل[21] ما يوازي 40 بالمائة من الناتج القومي للبنان للعام 1948 البالغ حوالي 600 مليون ل.ل واستمرت البنية الاحتكارية والعائلية للتجار في الستينات، فكانت الأسر الثلاثين تتموضع حول كل عهد جديد وتتدخل لإنجاح مرشحها لرئاسة الجمهورية والمناصب الأخرى.

وكان تكتل هذه الاسر يزداد أو يتبدل حيث كانت تظهر أسر ومصالح جديدة من خلال انضمام حاشية طاقم العهد الجديد إليها وتوافد أسر وشخصيات اغترابية، واستمرار ظاهرة ترسمل الزعامات السياسية ذات القاعدة الزراعية سابقاً وانخراطها المتزايد في الاقتصاد وكانت تلك المصالح الأسرية في أساس تكوين الشركات في الخمسينات والستينات التي ظلت مطبوعة طويلاً بالطابع العائلي، ورغم توسع أسر التجار، ظلت الأسر الثلاثون تكون نواتها الصلبة وتحتل موقع الأسد في القطاعات الرئيسية للاقتصاد ففي العام 1968 احتلت عشر شركات تملكها العائلات موقع الصدارة بين أكبر شركة مساهمة محلية من حيث رأس المال والموجودات، فما كان عدد العائلات التجارية في لبنان إلى ازدياد في السبعينات، ذكر بعضها منها كمال حمدان، كآل صحناوي وعسيلي وعريضة وعرمان وغندور وجبر ونوفل وكتانة  ونكد طرابلسي[22].

كما أشار سليم نصر وكلود دوبار إلى دراستين عن العائلات التي تتقاسم السيطرة المباشرة على القطاع الصناعي لعامي 1971 و 1974 فدراسة العام 1971 تناولت 25 شركة صناعة أولى من حيث الرأسمال والموجودات بحصة 40 إلى 50 بالمائة من الإنتاج الصناعي، تسيطر على 10 منها عائلات هي: غندور (سنة) وعسيلي (أرثوذكس) وضومط والخوري (موارنه) وصالحة (دروز) وصحناوي (كاثوليك) كما ساهمت هذه العائلات السبع، مباشرة أو بالمشاركة مع الآخرين، في السيطرة على المؤسسات الـ 13 الأخرى، ويعتبر هذا البحث أن (البرجوازية المسيحية) سيطرت على 17 مؤسسة من الشركات الكبرى وحضرت في 24 مؤسسة وأن البرجوازية الإسلامية (السنية) سيطرة على 7 مؤسسات وحضرت في 12 مؤسسة، والدارسة الثانية للعام 1974 تناولت 26 مؤسسة صناعية أ ظهرت أصول أصحاب بعضها من حملة الرساميل الوافدة من سورية ومصر وفلسطين[23].

وأكدت التكثيف العائلي في الاقتصاد دراسات اخرى بأن لبنان في أوائل السبعينات كان يعاني من تركيز شديد للثروة في أيد قليلة، بدرجة أكثر عنفاً من تلك التي بنيتها بعثة ايرفد الفرنسية، حيث أظهر بحث لبناني[24] عن الخلفية العائلية للنشاط الاقتصادي وهمية 438 عائلة على مجالس إدارات أكبر 207  شركات لبنانية ( وعرفت العائلة بأنها نسب الدم المباشر).

كما أن عائلة (3 بالمائة من مجموع العائلات) سيطرت على 50 بالمائة من مجموع الشركات و47 بالمائة من الرساميل المستثمرة و30 بالمائة من الاستثمارات في المصارف والشركات المالية و24 بالمائة من شركات الخدمات و29  بالمائة من شركات النقل و14 بالمائة من الشركات العقارية وكان لخمس عائلات على الأقل ارتباطات بالرأسمال الخارجي، أما بعض هذه العائلات كما ذكرها البحث فهي كالتي: الخوري (مثال بطرس الخوري والشيخ فؤاد الخوري) عريضة وغندور وصحناوي وجبر وكنانة وسنو وجبور وعساف وعسيلي وصالحة وضومط وجلاد، ومن هؤلاء كان ثماني عائلات مسيحية وخمس من المسلمين (2 من السنة و2 من الدروز وعائلة مختلطة) فكانت نسبة التركيز المرتفعة للقوة الاقتصادية في أيدي عائلات قليلة تقابلها نسبة تركية مساوية للقوة السياسية في أيدي عائلات قليلة..

6ـ ضعف بورصة بيروت

كان تركيز التجار على الربح والخدمات عشوائياً، لا يتبع سياسة حكيمة، ويظهر زيف اللبرالية الاقتصادية المتبعة  ذلك أن أي دولة تريد أن تشق لنفسها تفاضلاً دولياً وإقليماً في الخدمات المالية، على سبيل المثال، يجب أن تدرك أن الخدمات المصرفية هي جزء من كل لا يكتمل إلى ببورصة نشيطة للأسهم، وسوق ثانوية للسندات والأوراق المالية، ما يكبر من حجم الرساميل المتوفرة في الاقتصاد وينوع أوجه استثمارها، ورغم وجود بورصة في بيروت منذ العام 1920 إلا أنها كانت صغير بعدد قليل جداً من المؤسسات المشاركة وحتى في العام 1973 لم يزد عدد الشركات المسجلة في بورصة بيروت عن 50 شركة، منها 32 مؤسسة صناعية و 9 شركات عقارية وسبع شركات كهرباء وماء وشركتان بنشاطات منوعة.

وكان مصدر ضعف البورصة هو النمط العائلي للشركات اللبنانية التي منعت من تأسس عدد كبير من الشركات التي تصدر الأسهم والتي توافق على طرح أسهمها في سوق البورصة، إذ لم يكن ثمة رأس مال اجتماعي يتجسد ببناء ثقة وطنية حول بورصة مهامها الرئيسية خلق خزان رأس مال ضروري لبناء شركات كبرى (وهذا يعكس أيضاً طابع العلاقات السياسية حيث دأب أمراء الحرب والزعماء على التعايش في بيئة خوف متبادل ومحاصصة) فكان هم أصحاب المؤسسات الاقتصادية للإبقاء على السيطرة العائلة في حين كان التمويل يتم عبر التسليف المصرفي وليس عبر إصدار الأسهم أو الأوراق المالية في العام 1973 من أ صل 675 شركة كبيرة نسبياً في لبنان فقط 44 منها (أو 5و6 بالمائة) كانت شركات مساهمة.

وثمة أسباب فرعية لضيق سوق البورصة في لبنان في الفترة التي سبقت حرب 1975 منها طبيعة عمل البورصة ودفتر الشروط القانونية للمشاركة، حيث تطلبت المشاركة الإفصاع عن معلومات خاصة بالشركة مثل حجم التداول اليومي وسعر السهم وأسماء المشتركين، وفيما تعتبر مسألة إعلان هذه المعلومات عادية في كل البلدان فإنها لم تكن موضع قبول في لبنان، وعلى سبيل المثال نظر جمعية المصارف إلى التداول العلني لمعلومات البورصة بمثابة خرق لقانون سرية المصارف الذي يحمي هوية المستثمر، وبالتالي امتنعت المصارف عن المشاركة، كما وجدت في بديهية عمل البورصة ما يخالف قوانين التجارة، ويزول العجب من هذا الموقف لما تمثله من منافسة للمصارف في استيعاب الادخار الوطني والرساميل الوافدة في استثمارات الأسهم والأوراق التجارية، ورغم الصعوبات الفائقة المرتبطة بحفظ هوية المستثمر في سوق الأسهم، كانت سلطة بورصة بيروت مستعدة لتخفيف بعض الشروط لإفساح المجل أمام مشاركة عدد أكبر من المؤسسات الاقتصادية، وأملاً  في جذب المصارف والمؤسسات المترددة للانضمام إلى البورصة.

كما  أن بورصة بيروت عانت من مصاعب من نوع آخر، إذ كان ممثلو ووكلاء شركات عالمية أميركية وبريطانية وفرنسية (agents and brokers) يتخذون من بيروت مركزاً إقليماً لبيع الأسهم والسندات والأوراق المالية الغربية، فكان المستثمرون المحليون يثقون بهذه الإصدارات ويقدمون على شرائها في حين كان الوكلاء الغربيون يحولون الأموال لتستفيد منها بورصات أجنبية  وهذا ما حرم السوق المحلي من رساميل هامة كانت ستحرك النشاط في بورصة بيروت وتوفر أموالاً يستعملها أصحاب الأعمال في القطاعات المنتجة.

ورابع مصاعب بورصة بيروت، كان ضعف المكنونة وضآلة المعلومات الديناميكية عن حركة الأسهم والشركات التي كانت تسمح لو توفرت باتخاذ الشاري قرارات مناسبة، فعدا عن تفاصيل حيوية مهمة أصدها قطاع الخدمات المالية (وخاصة التقارير الفصلية للمصارف) كانت المعلومات عن تطور أسعار الأسهم وقوت المؤسسات المشاركة قليلة، كما أن ضمانات حماية شاري الأسهم كانت غير متوفرة، فلم يكن هناك مراسيم حكومية تنظم عمل البورصة وتضع شروطاً إدارية ومقاييس لتشجيع الاستثمار في الإصدارات ولم يكن ثمنه مفوضية سندات securities commission تراقب السوق فكان حجم سوق الإصدارات الخاصة غير معروف، ما جعل العموم ينظرون إلى البورصة وكأنها بازاراً يبيح كل شيء تحت اسم التجارة، وكان مفهوم البورصة الحديثة التي تجذب الاستثمارات وتحول الادخار الكلي في الاقتصاد إلى استثمارات مفيدة في القطاعات المنتجة غير متواجد، إذ سادت شريعة تحقيق الربح السريع والمنافسة غير الشريفة في بورصة بيروت، ولم يكن السعي إلى الحصول على معلومات من داخل البورصة inside information  أمراً يعاقب عليه القانون كما في الدول الغربية، في حين كانت المعارك بين المستثمرين تؤدي إلى مضاربة واهتزاز متواصل في أسعار الأسهم تعني شيئاً حين كان التداول عشوائياً وحجمه متقلب، حيث هبط حجم التداول بنسبة 57 بالمائة عام 1969 مقارنة بالسنة السابقة، ولكنه ارتفع 404 بالمائة عام 1970 و36 بمالئة 1971 و199 بالمائة عام 1972 ثم انخفض مجدداً بنسبة 173 بالمائة عام 1973 كما انخفضت الأسعار بنسبة 71 بالمائة، ورغم أن السنوات السابقة لم تربط بأي  مؤشرات اقتصادية كلية لتفسير الحركات الحادة، إلا أنا الهبوط عام 1973 ارتبط  بالوضع الأمني في البلاد، حيث بدأت اشتباكات بين الجيش اللبناني والمقاومة الفلسطينية في نيسان 1973 تحولت إلى إقفالات في الأسواق وحظر تجول وحرب مفتوحة في أيار/ مايو وحزيران/ يونيو وإذ هبط حجم التداول بنسبة 65 بالمائة في ربيع 1973 لم يزد حجم التداول في ذلك العام عن 6و51 مليون ل.ل[25].

7ـ سواد قطاع الخدمات 

 حتى اليوم  ما يزال الكثيرون يتمنون أن يكون لبنان بمثابة هونغ كونغ  أو سنغافورة على ساحل المتوسط، لأن موارده الطبيعية معدومة وقاعدته التصنيعية ضعيفة وليس أمامه إلا قطاع الخدمات، ولكن هؤلاء أهملوا حقيقة أن هونغ كونغ وسنغافورة هما بلدان صناعيان بالدرجة الأولى بدون أدنى حد من العشوائية في نظامها الاقتصادي كما هي الحال في لبنان ولكن في أواخر الستينات وأوائل السبعينات كان النمو الهائل الذي أنجزه القطاع الخدماتي كافياً لإقناع هؤلاء بأولوية الخدمات، رغم أن المنطق قضى بتنويع القاعدة الاقتصادية بتكامل النمو الخدماتي الإيجابي ينمو مماثل في القطاعات الأخرى، وبلغت نسبة الخدمات إلى الناتج المحلي القائم 5و68 بالمائة عام 1974  بما فيها الخدمات السياحية والمصرفية، وهما أكبر قاطعين في اقتصاد لبنان، بلغت نسبتهما إلى الناتج 30 بالمائة، ومن ناحية أخرى لعبت القطاعات غير الخدمية  دوراً ثانوياً في الاقتصاد اللبناني، فتراجعت الزراعة تدريجياً من 16 بالمائة عام 1957 إلى 9 بالمائة عام 1974 في حين كبرت نسبة مساهمة الصناعة في الناتج المحلي من 15 بالمائة عام 1975 (السنة التي سبقت حرب 1985) إلى 23 بالمائة عام 1974، ولكن نمو التصنيع كان بطيئاً للغاية يعاني من ضعف بنيوي هائل كما أوضحنا، لقد شكلت نسبة العاملة في الصناعة والزراعة 40 بالمائة من القوى العاملة في لبنان، حيث بلغت قيمة البضائع المصنعة سنوياً 85و1 مليار ل.ل  عام 1974 وبلغ  عدد العمال الصناعيين 120 ألفاً ، بزيادة 24 ألفاً عن 1970.

وفي حين نما الاستثمار الصناعي 15 بالمائة سنويا في الستينات انخفض إلى 8 بالمائة في أوائل السبعينات، ولقد صدر مرسوم عام 1971 برفع نسبة التعرفة الجمركية على بضائع الكماليات أو البضائع المصنعة محلياً، ولكن اللوبي التجاري عارض هذه المرسوم في حين خالفه كثيرون عبر التلاعب بأوراق الاستيراد واعتما طرق ملتوية تخفض من قيمة الاستيراد أو من نوعية البضائع المستوردة للتهرب من الضريبة، فكانت محاولات الحكومة لجم الاستيراد وتحسين شروط المنافسة للصناعة الوطنية بدون جدوى، خاصة أن الدولة كانت أعجز من أن تفرض سياستها الجمركية أما لوبي التجار المعوم من أمراء الحرب.

بالمقابل بلغت قيمة الإنتاج الزراعي 754 مليون ل.ل عام 1974 وعدد العمال الزراعيين  130 ألفاً، وعدا ضآلة الاستثمارات في الزراعة، عانى القطاع من التوسع العمراني على حساب الأراضي الخصبة، حيث بدأت الأبنية الإسمنتية البشعة تغطي الأراضي الزراعية وتغزو مناطق ذات مناظر خلابة محدثة أضرار فاد في البيئة ومفسد عوامل نهضة زراعية، فكان تطوير الأراضي في الستينات وأوائل السبعينات لصالح العقارات المبنية يعمل باستمرار ضد التوسع الزراعي، وكانت النتيجة ارتفاع أسعار الأراضي لاسيما تلك المفروزة، ودخول المضاربة والسمسرة.

لقد اعتبر مالكي الأراضي الخصبة الاستثمار الزراعي، غير مربح وفضلوا فرز الأملاك للمضاربة أو لبناء الشقق السكنية، وفي غياب الاستثمار الخاص في الزراعة، كانت الأملاك للمضارب أو لبناء الشقق السكنية، وفي غياب الاستثمار الخاص في الزراعة كانت مساهمة الدول مخجلة، إذ قدمت المؤسسات الرسمية منحاً صغيرة بلغ مجموعها 25 مليون ليرة للأعوام 1961-1965 و123 مليون ليرة في1965-1966.

ذكر توفيق كسبار أن النمو والإنماء في لبنان في الفترة 1948-1974 لم يكونا بتاتاً بذلك الامتياز المزعوم في أن نظام الليبرالية الاقتصادية والمهارات التي يتمتع بها اللبنانيون كانت السبب في أداء مميز في غياب الثروات الطبيعية، فقال إنه لا يمكن لنظام الاقتصاد الليبرالي أن ينتج نمواً قوياً عندما يعمل في ظل رأسمالية متخلفة ومؤسسات سياسية بالية ولقد جعل كسبار هذا الرأي أطروحة كتابه حيث شرح أن النمو والإنماء اللذين تحققا كانا نتيجة ظروف مؤقتة وخارجية مؤتية، أكثر مما كانا نتيجة عملية إنتاجية مستمرة، حيث للمهارات فيها دور متعاظم وفاعل، ويصل كسبار إلى استنتاج أن النظام الاقتصادي اللبناني كان سيئاً إلى درجة أنه أعاق عملية النمو ولم ينتج المنافع ويوزعها على الناس كما يفترض أن يفعل نظام السوق[26].

وحيث كان اقتصاد لبنان ينمو بشكل صحي بعد الحرب العالمية الثانية ويشهد صناعة قوية ووضعاً مالياً قوياً ومستوى أمية منخفضاً نسبياً في ظل أسواق عربية مرحبة بالصادرات اللبنانية ودخل فردي من الأعلى في الدول النامية، جاء العمل التخريبي الذي قام به أمراء الحرب والتجار بتكريس نمط اقتصادي يخدم مصالحهم الفردية يعيق النمو الصحيح، ويكشف كسبار أن أوضاع لبنان في الستينات والسبعينات وحتى في التسعينات لا تتوافق أبداً مع الانطلاقة الجيدة التي بدأها في الأربعينات.

وفي تفنيده لمزاعم منجزات هذا النظام يذكر كسبار فشل النظام الاقتصادي في إفادة غالبية السكان من الحد الأدنى من شبكة الضمان الصحي حيث لم يزد عدد المضمونين حتى العام 1997عن 14 بالمائة وبعكس الاعتقاد السائد فإن نسبة النمو الاقتصادي في لبنان قبل 1975 كانت عادية لا بل هي من النسب الأدنى في دول الشرق الأوسط[27].

 ويشرح كسبار سبب التناقص بين الاعتقاد بمقولة النمو المميز والمستوى المعيشي المرتفع في لبنان وبين حقيقة الأرقام التي تؤكد عدم صحة ذلك إلى أن معظم المراقبين يكتفون بتسجيل تطور بيروت وجبل لبنان المحيط بها ويهملون مسألة سوء توزيع الثروة ومستوى مهارات العمال المتواضع، وبين كسبار أن نسبة الأمية في لبنان تراجعت بشكل طفيف فقط خلا 35 عاما ًمن 30 إلى 40 بالمائة في أواخر الأربعينات إلى 32 بالمائة عام 1970.


 

فؤاد شهاب ومحاولة الإصلاح

 يعتبر عهد فؤاد شهاب (1958 – 1964) رمزاً يكاد يكون يتيماً للإصلاح السياسي والاقتصادي في القرن العشرين، كان شهاب اختيار سعيد لحل أزمة 1958 لأنه كان ماروناً غير مسيس، يتمتع كقائد للجيش بثقة للمسلمين والمسيحيين فخاض عهده مواجهة صعبة عندما توحد في وجهه معظم أمراء الحرب بعدما انقسموا بين مؤيد ومعارض في عهد كميل شمعون، كان شهاب رئيساً قوياً من نوع جديد رغم أنه لم يأت من خارج بيئة أمراء الحرب التجار (إذا كان كثيرون من هذه الفئة كما رأينا وسنرى، متنورين أفادوا بلادهم) فهو أمير الحرب وريث الأسرة الشهابية، متحدر من الأمير حسين شقيق بشير شهاب أمير جبل لبنان (راجع الفصل الثالث) وهناك طرفة عن تشابه ظروف فؤاد شهاب بالأمير بشير شهاب.

 فالأمير بشير تحالف مع مصر وفرنسا ضد بريطانيا والدولة العثمانية في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وفؤاد شهاب كان ضد السياسية البريطانية ومكروهاً من أصدقاء الإنكليز في لبنان ومتزوجاً من فرنسية، وجاء إلى الحكم بدعم قوي من مصر عبد الناصر ومباركة أميركية عام 1958 في زمن كانت ترث فيه واشنطن مكانة الإنكليز في المنطقة.

سعى فؤاد شهاب إلى بناء دولة مؤسسات وتطوير الاقتصاد وتحسين الوضع الاجتماعي للموظفين، وأصبحت قضية الإنماء في عهده هاجساً رسماً على أعلى المستويات، وكان الفكر الإصلاحي راسخاً في ذهنه في مرحلة باكرة من حياته، إذ تأثر أثناء دراسته في فرسنا بالتيار الكاثوليكي الاجتماعي الذي نادى بطريق ثالث بين الاشتراكية الدكتاتورية والرأسمالية الليبرالية نحو دولة الرعاية، وتزوج من سيدة فرنسية وتحسس القضايا الاجتماعية لدى عودته حيث رأى وراء النزاعات والمشاكل في لبنان تكمن المشاكل لاجتماعية والاقتصادية والفرو قات الكبيرة بين الطبقات والفئات والمناطق فالأعجوبة اللبنانية والازدهار الظاهر في قسم من بيروت كانا يخيفان أوضاعاً اقتصادية واجتماعية خطيرة، وطغيان قطاع الخدمات على القطاعين الزراعي والصناعي[28].

وكان شهاب بحكم خدمته في الجيش في مناطق البقاع، متفهماً أهمية المطالب الاجتماعية والحرمان، وكادت قضة إنماء المناطق تؤدي إلى صدام مع كميل شمعون في الخمسينات، ففي العام 1952 عندما كان شهاب قائدا للجيش زاره شمعون لاستطلاع موقفه من ترشيحه لرئاسة الجمهورية وكان مطلب شهاب الوحيد ان يصدر شمعون، إذ أصبح رئيساً للجمهورية عفواً خاصاً عن مطلوبين عشيرة الدنادشة في الهرمل، وكان شهاب كقائد الجيش مسؤولاً عن ضبط الأمن في المناطق الحدودية والجردية وكان مقتنعاً بأنحرمان هذه المنطقة من كل الحقوق التي تفرضها مواطنتهم على الدولة لا يجير ملاحقتهم ومحاكمتهم، بل يجب على الدول أن توف لهم الحد الأدنى من أسباب العيش والحياة قبل أن تحاسبهم وتدينهم وتطاردهم.. والحقيقة أ ن الرئيس شمعون لم يكن يولي القضية الاجتماعية وإنماء المناطق المحرومة الأولوية في اهتمامه[29]، وكادت قضية الهرمل تودي بالعلاقة بين شهاب وشمعون إذ تمنع شمعون عن إصدار العفو حتى بعد عامين من وصوله إلى الرئاسة فاعتكف شهاب في منزله حتى تدخل أصدقاء مشتركون.

وعندما أصبح شهاب رئيساً للجمهورية عزم على مهام إصلاحية متعددة، فصدرت عشرات المراسيم الشرعية والقوانين التي مهدت لقيام دولة المؤسسات، إلى درجة يمكن معها القول إنه إذا كان من مؤسسات رسمية استفاد منها المواطن اللبناني فيما تبقى من القرن العشرين، فإنها حتماً تلك التي أسسها شهاب ومن المؤسسات التي ظهرت في العامين الأولين من عهد شهاب: مصلحة الإنعاش الاجتماعي، ومكتب الفاكهة، ومكتب القمح، ومصالح المياه والتفتيش المالي، وكلية الحقوق في الجامعة اللبنانية، وديوان المحاسبة، جهاز رئاسة الجمهورية، ومعرض طرابلس الدولي، ومجلس تنفيذ المشاريع الكبرى، ومجلس القضاء الأعلى، ومجلس الشورى ومجلس الخدمة المدنية، وهيئة التفتيش المركزي، ومعهد الدروس القضائية، والمحاكم الشرعية، وقانون الإرث لغير المسلمين، ومجلس التخطيط والإنماء الاقتصادي، ومكتب الإنماء الاجتماعي.

ونفذت في العامين الأولين أيضاً مشاريع عمرانية كبناء الحوض الثالث لمرفأ بيروت ومرفأ جونية وإتمام أجزاء كبيرة من الأوتوستراد الساحلي وخطة التنمية الشاملة لإنارة المناطق وإيصال المياه والكهرباء والطرق المعبدة إلى مناطق نائية ومحرومة وبناء عدد كبير من المدارس في الأرياف.

وستأتي الرزمة الأكبر من الإصلاحات والمؤسسات فيما تبقى من عهده بعدما تسنى للعهد درس الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في لبنان، ويبدو أن فريق شهاب قد بدأ من الصفر في هذه الدراسات، إذ منذ الاستقلال وحتى العام 1962 لم تحاول الدولة اللبنانية جمع الإحصاءات الاقتصادية بشكل مبرمج ومنظم، فكانت المعلومات التفصيلية والجزئية عن مواطن ضعف وقوة الهيكلة الاقتصادية ضئيلة أو معدومة، فقبل الستينات صدرت إحصاءات عن قسم الأبحاث الاقتصادية في جامعة بيروت الأميركية عن الدخل الوطني للسنوات 1948 -1950 مع استشرافات إلى 1958 كما قام القسم التجاري في السفارة الأميركية في بيروت بإصدار جداول إحصائية عن الفترة 1954-1957 أما دور الدولة في الإحصاء الاقتصادي فكان غائباً حتى تقرر في عهد شهاب إنشاء دائرة إحصائية تعتمد في عملها على نوذج مبسط للنظام الفرنسي في المحاسب العامة، وابتدأت مديرية الإحصاء المركزي نشاطها عام 1962 فكانت باكورة عملها تقارير فصلية غطت تفاصيل الدخل الوطني والنشاطات الاقتصادية (راجع الجدولان 1و2) وبدأ مصرف لبنان الذي تأسس عام 1964 أيضاً نشر بيانات دورية ابتداء من 1965 تبين أ ن الناتج المحلي القائم قد ارتفع من 2و3 مليار ل.ل عام 1964 إلى 5و3 مليار ل.ل عام 1965 وأن مجمل النمو الاقتصادي بلغ 158 بالمائة في الفترة 1950 -1966 (حوالي 10 بالمائة سنوياً) ولكن توزيع الدخل بقي مزرياً.

لم ترق لفؤاد شهاب الرأسمالية المتوحشة ومسألة عدم تدخل الدولة في الاقتصاد التي كانت من سمات اقتصاد لبنان الريعي فكان الوضع الاجتماعي في صلب اهتمامات الحكومات المتعاقبة في عهده وخاصة في مسألة سوء توزيع الدخل الوطني ولكنا لم تلق أذنا صاغية.

ومن أصحاب هذه الدعوات حميد فرنجية ا لذي كان يحمل أفكاراً تقدمية وانفتاحية، فنجح بصفته وزيراً للمالية في خريف 1944 في اعتماد ضريبة مباشرة على الدخل والأرباح بنسبة 15 بالمائة فحسب، إذ يجب على الطبقات الأكثر يسراً من شعبنا أن تدفع الضرائب إلى الخزينة العامة لكي تستطيع هذه أن تنفقها لصالح الطبقات الأفقر[30].

سبقت خطوات الحكومات في عهد شهاب دراسات حددت مواقف الخلل وأسباب التدهور الاجتماعي وأساليب معالجته ، وباشر شهاب عهده بدعة مؤسسة أيرفد الفرنسية [31]IRFED  

لدراسة عوامل التنمية الاجتماعية في لبنان وبدأت أيرفد عملها عام 1959 وأتمته خلال ثلاث سنوات وصدر تقريرها في سبعة مجلات عام 1961 أصبح في العقدين اللاحقين مرجعا أساسيا يذكر دائما بضرورة تنمية لبنان الطرفي ومعالجة سوء توزيع الداخل الوطني وتطوير النظام الضريبي وقوانين العمل وبرامج الخدمات الاجتماعية، وكانت الأمراض التي كشفها التقرير في صلب الطائف عام 1989 الذي حدد أهمية الإنماء المتوازن وقد يدعي البعض اليوم أن تقرير أيرفد وتقارير أخرى في الستينات والسبعينيات قد أصبحت قديمة ولكن الحقيقة إن مسالة توزيع الدخل وإنماء المناطق مازالت حاضرة بقوة اليوم، كما أن نسب الفقر التي وردت في أيرفد أكدت استمرارها تقارير جديدة عن الأمم المتحدة والبنك الدولي ونقابات العمال في التسعينات.

حذر تقرير أيرفد من فقدان التوازن الاجتماعي والمناطق في التنمية وقدم إحصاءات مقلقة حول الثروة الوطنية، لقد قامت البعثة بمسح شامل للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في لبنان شملت أوضاع الدخل الصحة والسكن وخدمات المرافق العامة والتعليم والثقافة والخدمات الاجتماعية واستخدم الباحثون140 مؤشرا ووزنوا كل مؤشر من الأدنى إلى الأعلى أو من الصفر (وهو وضع معدم) إلى 4 (وهو وضع ممتاز)كالتالي: صفر:غياب كلي للإنماء، 1: تخلف كبير في الإنماء، 2:إنماء جزئي، 3: مستوى إنمائي جيد، 4:مستوى إنماء مرتفع.

وغطى مسح مدن لبنان الكبرى و80 منطقة ريفية ببلداتها الرئيسية فكان الوزن الوسطي لكل هذه المؤشرات بعد تثقيلها واحتسابها لكل لبنان حسب عدد سكان كل وحدة جغرافية هو 92و1 (أي دون 2 هو المؤشر الوسطي[32]) وكشف المسح بوضوح الفرق الشاسع بين لبنان الوسطي (بيروت والجبل) ولبنان الطرفي حيث كانت مؤشرات الثقافة والترفيه والخدمات العامة و المجتمعية اقل من 1 الى 4 في المناطق الريفية في حين كانت تسجل كل المؤشرات 2 من 4 أو أعلى في بيروت وجبل لبنان وكان التباين الاقتصادي والاجتماعي كبيرا بين الريف حيث أقام 60 المائة من سكان لبنان آنذاك والمدن بشكل عام وبرز أيضا إن لبنان كان مختلفا في الأوضاع الاجتماعية والثقافية ويعاني نقصا في التجهيزات الصحية ما جاء معاكسا لصيته كمركز ثقافي إقليمي.

كما أظهرت أيرفد هوة سحيقة بين قمة الهرم في استقطاب الثروة والتي لا تشكل أكثر من 4 المائة من السكان والقاعدة الفقيرة التي مثلت 49 المائة من السكان، لقد اظهر التقرير إن 18 المائة من السكان يسيطرون على 60 المائة من الدخل الوطني منهم 4 المائة سيطروا على 32 المائة من الدخل، في حين توزع نصف اللبنانيين نسبة 22 من الدخل  وجاء في مقدمة التقرير بقلم الأب لوبريه رئيس البعثة (فئة من اللبنانيين تعيش في مستوى المجتمع الأمريكي الميسور والى جانبها في الأرياف والضواحي لبنانيون يعيشون كما كان الناس في عهد النبي إبراهيم[33]).

وفي حين أهمل من السجال العام موضوع الفقر ونسبته مرتفعة حتى في التسعينيات من القرن العشرين والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين (كتعليق رئيس الجمهورية في التسعينيات على آخر تقارير الأمم المتحدة عن الفقر في لبنان بان مطاعم لبنان مليئة بالرواد) بقي رقم الـ 4 المائة تهمة متكررة في أدبيات معارضي السلطة والنخب الحاكمة و المهيمنة على الاقتصاد.

ونرى كمال جنبلاط بعد 15 عاما من نشر تقرير أيرفد يقود جبهة سياسية واسعة ضد (عصابة الأربعة المائة التي ابتلعت 40 المائة من الدخل الوطني[34]) وإذ اقتصر الثراء الفاحش على4 المائة من السكان أو 80 إلف شخص في الستينيات و150الفا في الوقت الحاضر فكان هؤلاء سوقا هاما للبضائع والخدمات الكمالية  قادرا على إقناع زوار بيروت بان لبنان بلد متطور ومطاعمه مليئة  ويرى كثيرون إن الـ4 المائة هم مجموعة عائلات التي برزت واستقرت في السياسة والاقتصاد.

ولم يتوقف شهاب عند التقرير,بل طلب من الأب لوبريه إعداد مقترحات مفصلة كحلول وقوانين ومشاريع لمواجهة المسائل التي أثارها التقرير، وذكر شهاب لمستشاريه انه سيقضي الفترة المتبقية من عهده محاولات لتنفيذ المقترحات، وتعاطى فؤاد شهاب مع مقترحات أيرفد والإحصاءات ونتائج الأبحاث الاقتصادية والاجتماعية بمنتهى الجدية، وكانت معظم قراراته وتوجيهاته وفترة عهده محاولات خطط ومشاريع تنموية فظهرت قوانين جديدة ومجالس ومؤسسات رسمية لتحسين المعادلة التنموية في البلاد ومنها برامج تحسين العمل والخدمات ووزارة التصميم العام والتعليم العالي والمجلس الوطني للسياحة ووزارة  الإعلام والمجلس الوطني للبحوث العلمية والتنظيم المدني وقانون النقد والتسليف وإنشاء مصرف لبنان المركزي وافتتاح بنائه(1964) ومديرية الرياضة والشباب وتنظيم العمالة الأجنبية والمخطط التوجيهي لمدينة بيروت ومعهد المعلمين وتعاونية موظفي الدولة والضمانات الصحية والاجتماعية والأمومة والبطالة والشيخوخة.

استغرق العمل لإطلاق صندوق الضمان الاجتماعي حتى 1971 ولكنه أصبح من أهم  مؤسسات الدولة لتحسين الوضع الاجتماعي حيث بلغ عدد المشتركين 340 ألفا عام 1974 يعملون أجراء في قطاعات خارج نطاق الزراعة وكانت هذه الإصلاحات مسالة صراع البقاء بالنسبة لعدد كبير من المواطنين أثناء الانهيار الاقتصادي في الثمانيات وأصبح البقاع محط اهتمام الدولة في عهد فؤاد شهاب فظهرت مشاريع تنموية كالمشروع الأخضر ومشروع الليطاني ولكن إنماء البقاع لم يتعد خطوات يتيمة لم تتجه إلى الحيز الاقتصادي الاستراتيجي كما توسع الإنفاق على التربية والتعليم فزاد عدد الطلاب في المدارس الحكومية بشكل كبير وحاول شهاب توجيه الإدارة العامة على أسس حديثة ضد الفساد والخراج الوظائف العامة من الارتهان للزعماء السياسيين والطائفيين وإدخال العناصر الشابة والكفاءة إلى الإدارة وكسر احتكار بعض الطوائف لمراكز هامة في الدولة وإرساء المؤسسات والتخطيط الإنمائي والعدالة الاجتماعية.

ورغم اعتبار الكثيرين لعهد شهاب بأنه مثل التدخل الأكبر والأهم للدولة اللبنانية في شؤون الاقتصاد بدليل ولادة عشرات المؤسسات الرسمية وزيادة النفقات في الموازنة العامة من 200 مليون ل.ل عام 1959 إلى 520 مليون ل.ل عام 1964[35] يقول توفيق كسبار إن الاتجاه التنموي لعهد شهاب لم يؤدي إلى تدخل الدولة كثيرا في السوق بل يمكن اعتبار منجزاته بمثابة تحديث البني التحتية والمؤسسات العامة التي قدمت الإطار الناسب لأداء فعال للسوق[36].

وهناك أدلة على صحة مقولة كسبار حول الوقع الدولتي لعهد شهاب ففي حين ارتفع الدخل الوطني في الفترة الممتدة من 1963 و 1966 تدهور توزيع الثروة حيث بلغت نسبة ذوي الدخل  الأدنى 57 المائة مقارنة ب49 المائة عام 1963.

كما ظهرت في السبعينيات دراسات جديدة رسمت صورة قاتمة للواقع الاجتماعي اللبناني قبل حرب 1975 أحداها دراسة سليم نصر وكلوددوبار[37]، كما أشار توفيق كسبار إلى أنه بعكس النظريات الاقتصادية التي ظهرت في الخمسينيات من القرن العشرين بان نظام السوق يرشح مع الوقت عن TRCKLE DOWN توزيع أكثر مساواة  في الدخل والثروة فإن أكثر من 894 المائة من إجمالي الادخار كان بيد 3 إلى 4 المائة من الأسر حتى منتصف الستينيات.

كما انه في العام 1974 حصل 5 المائة من المستفيدين على ثلثي  القروض المصرفية التجارية في حين لم تزيد نسبة اللبنانيين الذين بإمكانهم فتح حساب مصرفي عن 14 المائة من إجمالي الأسر في أحسن الأحوال وكما في الاقتصاد كذلك في السياسة حيث اظهر مسح انه من أصل 359 نائبا تم انتخابهم خلال خمسين عاما من الحياة البرلمانية كان أكثر من 300 نائب قد ورثوا مقاعدهم من ذويهم[38].

ومن أسباب فقدان النهج الشهابي لوهجه الإصلاحي، تصدي أمراء الحرب والتجار للواقع الجديد قد صدر عام 1960 قانون انتخابي جديد رفع عدد مقاعد البرلمان  من 66 إلى 99 ومهد الطريق  لانتخابات نجمت عنها عودة كافة الزعماء وأمراء الحرب إلى البرلمان وعاد معهم طغيان الإقطاع المذهبي والمنطقي ,هذه المرة مستقويا بروحية حرب 1958 وذهاب هيبة الدولة من قلبه إذ بمناهضة أمراء الحرب والتجار لفؤاد شهاب الذي جهر علنا بفكرة الإصلاحي وسعيه إلى إنهاء الإقطاعي والسياسة المسيطرة في البلدة وتحول إلى مصدر إزعاج لها وبدا شهاب كأنه يتراجع حتى في سنيه الأولى إذ شرح اضطراره للعمل مع الفئات المناهضة للإصلاح كالتالي:

(اعرف مأخذكم انتم الشباب الداعين إلى قيام دولة حديثة على تعاوني مع الطقم السياسي والزعماء التقليديين وجوابي هو إني مجبر على التعاون معهم لأنهم مازالوا موجودين وبقوة على الساحة السياسية وأمام عيني تجربة كميل شمعون غير الموفقة يوم اسقط بعض الزعماء والتقليدين في الانتخابات لقد حرصت على إدخال وجوه شابة وكفاءة من خارج العائلات السياسية التقليدية تأكيد على ضرورة تطوير وتحديث الطقم السياسي، ولكني لا استطيع تغير الطقم السياسي برمته لاسيما إذا كان الشعب مازال ينتخبه ولذلك ركزت على الإدارات العامة والمؤسسات الحديثة وتحريرها تدريجيا من الخضوع للزعامات وتطعيمها بالعناصر الكفوءة)[39].

ولكن الشهابية نجحت في خلق حلفاء من ثلاث فئات:

1ـ الطبقة الوسطى الجديدة التي بدأت تتكون لترفد الاقتصاد الحديث ضمن مفهوم مواطنية جديدة، ذلك أن توسيع مهام دولة الرعاية وزيادة الإنفاق الاجتماعي، والإنشائي منح فرص العمل والصحة الجيدة والتعليم العالي لفئات كانت محرومة سابقاً، كما فسح المجال لولادة نشاطات اقتصادية جديدة فكانت الدولة أمهم بالمعنى المجازي وليس الطائفي أو الزعيم أو أمراء الحرب.

2ـ التكتل الجديد من عناصر كفوؤة مغمورة محلية واغترابية كان احتكار أمراء الحرب والتجار للسلطة الاقتصادية عقبة أما تقدمها الاجتماعي والسياسي، وأصبحت تعرف بجماعة النهج الشهابي.

3ـ نخبة الجيش اللبناني والمكتب الثاني والمكتب الثاني (شعبة المخابرات في الجيش) والذي كان دوماً على مسافة القوى التقليدية.

 ولئن افتقدت هذه القوى الثلاث إلى قاعدة شعبية كتلك التي يتمتع بها أمراء الحرب والزعماء تكتلت حول شهاب وكبار موظفي الدولة والأجهزة الأمنية والعسكرية كوسيلة لقرض نفسها ومصالحها، ولعلها المرة الأولى التي يبرز فيها تكتل جديد ينافس القوى التقليدية على السلطة والنفوذ والمال في لبنان، وسنرى بلوغ النزاع بين المصلحتين أوجه خلال أزمة انترا وبعدها، في عهد شارل حلو الذي لم يسر تماماً في خطى شهاب.

 


 

[1] وعلى سبيل المثال بنى الحلفاء سكة حديدية من بيروت إلى الناقورة ما ساعد في خلق فرص عمل لآلاف اللبنانيين بإشراف مهندسين إنكليز وذكر مسعود ضاهر أن نفقات هذه الجيوش في سورية ولبنان في تلك الفترة بلغت 125 مليون جنيه استرليني أو 1350 مليون ليرة لبنانية سورية (نال لبنان منها أقل من النصف كما ذكرنا في النص) في: مسعود ضاهر، لبنان الاستقلال الصيغة والميثاق، بيروت، دار المطبوعات الشرقية 1984 ص 71.

[2] فواز طرابلسي صلات وصل، بيروت رياض الريس للكتب والنشر ص 59، وذكر مرجعاً لصحيفة الأوريان لوجور في 25 نيسان/ إبريل 1947 ذكرت توصيات البعثة البلجيكية.

[3] أهملت المدينة الرياضية في سنوات الحرب واستعملتها المنظمات الفلسطينية مستودعاً للأسلحة والمعدات ومركزاً تدريبياً، وفي العام 1982 أغارت الطائرات الحربية الإسرائيلية على المدينة الرياضية ودمرتها وأعيد بناؤها عام 1995 في حلة وهندسة أفضل بكثير مما كانت عليه قبل العام 1975 كما جرت محاولات لتغيير الاسم في مدينة بيروت الرياضية ليستقر اسمها الأساسي.

[4] فواز طرابلسي صلات بلا وصل ص 76 .NAIM AMYOUNI A BRIEF REVIEW OF OUR ECONOMIC ISSUES BEFORE AND AFTER THE WAR LECTURE AT JUNIOR COLLEGE 3 JULY 1946 ALSO SUMMARIZED IN A U.S GOVERNMRNT REPORT.

[5] المصدر نفسه.

[6] توفيق كسبار اقتصاد لبنان السياسي 1948- 2002 في حدود الليبيرالية الاقتصادية بيروت دار النهار 2004.

[7] سليم نصر وكلود دوبار الطبقات الاجتماعية في لبنان- مقاربة سوسيولوجية تطبيقية بيروت مؤسسة الأبحاث العربية 1982 ص 32.

[8] طرابلسي صلات بلا وصل ص 76.

[9] مسعود ضاهر لبنان الاستقلال الصيغة والميثاق بيروت دار المطبوعات الشرقية 1984 ص 37- 38.

[10] يظهر الجدول الإحصائي رقم 9 القطاعات الصناعية في الفترة 1918 إلى 1964 بينما يظهر الجدول 8 عوامل الإنتاج.

[11] توفيق كسبار اقتصاد لبنان السياسي ص 110.

[12] مروان اسكندر الدور الضائع لبنان وتحديات القرن الحادي والعشرين، بيروت رياض الريس للكتب والنشر 2000، ص 183، يشير اسكندر إلى بروز شركات لبنانية ببضعة آلاف من العمال في الخمسينيات والستينيات منها "كات" لصاحبها أميل البستاني التي كانت متنوعة النشاط بعدد عمال ناهز 18 ألف موظيف وشركة قرم وشركاه وشركة طيران عبر المتوسط وشركة الميدل إيست وشركة بنك انترا وغيرها كما كان لهذه الشركات فروع حول العالم.

[13] يوسف سلامة حدثني ي. س قال دار نلسن 1988 ص 76.

[14] توفيق كسبار اقتصاد لبنان السياسي ص 104.

[15] توفيق كسبار اقتصاد لبنان السياسي ص 105- 106.

[16] NADIM KHALAF ECONOMIC IMPLICATIONS OF THE SIZE OF NATION WITH SPECIAL REFERENCE TO LEBANON, LONDON, E BRILL 1971, PP. 1-25.

[17] توزعت الصادرات الصناعية اللبنانية كالتالي: 23 بالمائة منتجات معدنية، 14 بالمائة منتجات نسيجية، و 9بالمائة منتجات منجمية و 7 بالمائة مواد كيماوية و 7 بالمائة ملابس و 16 بالمائة مواد غذائية مصنعة، و 4 بالمائة صحف وكتب ومجلات و 7 بالمائة منتجات جلدية، (أحذية وحزامات وجزادين) و 16 بالمائة منتجات صناعية منوعة.

[18] مسعود ضاهر لبنان الاستقلال الصيغة والميثاق ص 75.

[19] كامل مروة، قل كلمتك وامش الجزء الخامس، بيروت، دار الحياة للطباعة والنشر 1988، ص 79- 80.

[20] فواز طرابلسي "التكون الطبقي للسلطة السياسية بعد الحرب" مجلة أبعاد، عن المركز اللبناني للدراسات، العدد السادس أيار/ مايو 1997 ص 79- 92.

[21] فواز طرابلسي، صلات بلا وصل ص 143.

[22] كمال حمدان الأزمة اللبنانية، بيروت دار الفارابي، 1998 ص 88.

[23] سليم نصر وكلود دوبار، الطبقات الاجتماعية في لبنان ص 98- 101.

[24] كمال حمدان وروجيه الحاج، الطغمة المالية في لبنان، مجلة الطريق رقم 7 ، 1979 ذكره كمال حمدان الأزمة اللبنانية ص 116 – 117.

[25] غرفة الصناعة والتجارة، بيروت، التقرير الاقتصادي اللبناني والعربي 1973 بيروت.

[26] DAVID LAMB, THE ARABS, NEW YORK, RANDOM HOUSE, 1988.

[27] توفيق كسبار، اقتصاد لبنان السياسي ص 88.

[28] توفيق كسبار، اقتصاد لبنان السياسي ص 94.

[29] باسم الجسر، فؤاد شهاب، بيروت، مؤسسة فؤاد شهاب 1998، ص 51- 55.

[30] باسم الجسر، فؤاد شهاب، بيروت، مؤسسة فؤاد شهاب 1998، ص 21- 22.

[31] NABIL ET ZEINA FRANGIE, HAMID FRANGIE L’TUTRE LIBAN, 2 VOLUMES, FRANCE, EDITION FMA, 1993, P 160. مرجع ذكره فواز طرابلسي، صلات بلا وصل، ص 170.

[32] INSITUT INTERNATIONAL DE RECHERCHE ET DE FORMATION DU DEVELOPPEMENT- IRFED.

[33] توفيق كسبار، اقتصاد لبنان السياسي ص 101.

[34] باسم الجسر، فؤاد شهاب، ص 52.

[35] KAMAL JOUMBLATT, POUR LE LIBAN, PARIS STOCK, 1978.

[36] باسم الجسر، فؤاد شهاب ص 52.

[37] توفيق كسبار، اقتصاد لبنان السياسي ص 77.

[38] سليم نصر وكلود دبار الطبقات الاجتماعية في لبنان.

[39] باسم الجسر، فؤاد شهاب ص 48.

 

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19
« »
المصادر او الهوامش

معلومات النشر:

اعداد: العنكبوت الالكتروني

عنوان الكتاب: أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان

تأليف: كمال ديب

الناشر: دار النهار للنشر

تاريخ النشر: 01/02/2007

إشترك في خلاصة التعليقات عدد التعليقات: (1 منشور)

avatar
joe bloe
الثلاثاء, 10 كانون الثاني / يناير 2017, 07:45:PM
يسمح لنا الأخ وليد جنبلاط بالنسبية اذا أراد ان ينمو البلد ويتطور. جورج واشنطن وابراهام لينكلن كانوا اباء الحضارة الأميركية ولن نرى أحدا من احفادهم يتزعمون فئة في الحكومة الأميركية. نريد دم جديد يحكم البلد, ولا دور للآقطاعية. نرجو من الكل ان يفهموا ذلك. استفردوا بالبلد فامتصوا دماء شعبه. لا يجب ان يكون أي شخص فقير اذا كان يوجد إدارة حسنة للمال العام. فما ذنبهم؟ أخاف عليكم من كثرة ذكائكم.
المجموع: 1 | عرض: 1 - 1

إكتب تعليق

البريد الالكتروني يبقى سرّي و لا ينشر
  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

- التعليقات الواردة من القراء هي مسؤولية أصحابها ولا تعبر عن رأي إدارة الموقع بالضرورة
- تتم مراجعة تعليقاتكم قبل نشرها عن طريق إدارة الموقع

- (سياسة نشر التعليقات)

تابعونا

  1. دول خليجية تحذر رعاياها من السفر إلى لبنان (5.00)

  2. وفاة "ملكة الديسكو" دونا سمر عن 63 عاماً (5.00)

  3. معارض صيني ضرير بمطار بكين متوجهاً لنيويورك (5.00)

  4. الاكتئاب لدي المراهقين .. له إشارات يجب الانتباه لها (5.00)

  5. صحف العالم: أمريكا "تعاقب" باكستان بعدد سنوات سجن أفريدي (5.00)

  6. فيلم منتظر يكشف تفاصيل اغتيال بن لادن (5.00)

  7. أستراليا: التيار الوطني الحر في سيدني ينعي فقيده المفكر و المناضل والاعلامي المخضرم الأستاذ بطرس عنداري (5.00)

  8. الرحيل المفاجئ (5.00)