إعلانات Zone 4B

[CLOSE]

إعلانات Zone 3B

[CLOSE]
أحدث الأخبار:

إعلانات Zone 2B

[CLOSE]
الرئيسية | ثقافة | رفوف المكتبات | أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان (19 حلقة كاملة)

أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان (19 حلقة كاملة)

آخر تحديث:
image
الكاتب:
عدد المشاهدات: 36223
عدد التعليقات: (1)
قيّم هذا المقال/الخبر:
3.00
حجم الخط: A+ A-
نسخة صالحة للطباعة   نسخة نصية   أرسل إلى صديق
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19
« »

أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان - الفصل الثامن: يوسف بيدس وأزمة القطاع المصرفي

 

الفصل الثامن

يوسف بيدس وأزمة القطاع المصرفي

 

كلما كبرنا كثر عدد أعدائنا في لبنان، مئة عائلة تعتبر نفسها مالكة هذا البلد الصغير، يحاربون بعضهم بعضاً ولكنهم يتحدون ضد الدخلاء[1].

يوسف بيدس

 

صعود بيدس وهبوطه المذهل كان نذيري شؤم للصراع اللبناني الفلسطيني في السبعينات[2].

إدوار سعيد

 

أنا مقتنع أن أزمة إنترا كانت بداية انهيار لبنان وأن أسلوب الحكم البدائي قد دفع البلاد إلى حرب أهلية هددت بقائها كدولة مستقلة[3].

نجيب علم الدين

 

يعتبر القطاع المصرفي قلعة (جمهورية التجار) الحصينة التي لم تهتز حتى في أسوأ الأزمات بل مثلت دوماً طرق النجاة لعودة الاستقرار في كافة مراحل القرن العشرين، وعندما كان الأذى يصيب القطاع المصرفي فذلك كان في معظم الأحيان، بسبب سعي فريق من أمراء الحرب إلى إضعاف القاعد الاقتصادية لفريق آخر من أمراء الحرب حتى ولو على حساب الاقتصاد الوطنين، وحتى (العصر الذهبي) للاقتصاد الذي بدأ مع عهد شمعون واستمر في عقد الستينات مع فؤاد شهاب وشارل حلو، كان ازدهار عشوائياً غير عادل لا يهدف إلى النمو العاقل الذي يحقق الاستقرار والبحبوحة لمعظم السكان، إن لم يكن لكل السكان، في أوج هذه الازدهار كان القلق حول المستقبل ملازماً لأصحاب الأمر في البلاد، حيث كانت فترة التينات أفضل عقد اقتصادي في القرن العشرين وفي نفس الوقت حقبة احتشدت فيها التناقصات وجذور الأزمات السياسية والاجتماعية التي ستنفجر فيما بعد.

في 1966 وقعت أزمة مصرفية كبرى أدت بسمعة وقوة أكثر القطاعات اللبنانية حيوية وأهمية، عرفت باسم (أزمة إنترا) إشارة إلى أكبر مصرف تجاري في لبنان والشرق الأوسط في تلك الفترة، وسنتناول هذه الأزمة في هذا الفصل على أهميتها كأمثولة عن ممارسات أمراء الحرب والتجار في لعب أدوار تنافي تماماً المصلحة الوطنية، لقد كشفت أزمة إنترا والتحقيق الذي تلاها أساليب العمل والسلوك الهابط ليس في أوساط أصحاب المصارف والتجار في ذلك الوقت فحسب بل على مستوى قادة البلاد، وكان حجم بنك إنترا كأكبر مؤسسة مصرفية هو ما جعل مجلس إدارته في رأس القائمة المتهمين بإحداث الأزمة، فتعاملت الدولة بشدة مع إنترا فيما اعتبر كثيرون أن بنك إنترا كان ضحية أمراء الحرب والتجار الذي رفضوا مصرفاً أسسه رأس المال الفلسطيني دعمه جماعة النهج الشهابي، فرأوا أن يفلس وينهار رغم أنه كان تاج الاقتصاد اللبناني، وأنه كان بالإمكان تلافي الأزمة وإنقاذ البنك لو شاء هؤلاء التدخل[4]، فكان للازمة تداعيات تركت أثراً عميقاً في الاقتصاد اللبناني حتى اندلاع الحرب عام 1975.

 

القطاع المصرفي

تعود جذور القطاع المصرفي اللبناني إلى الدكاكين المالية التي ازدهرت باكراً في القرن التاسع عشر في بيروت، وأثناء الحكم المصري (1831-1840) ظهرت مؤسسات حسم discount houses   finance  كانت نواة السوق المالية وقدمت خدمات مصرفية عالمية لتسهيل التبادل التجاري بين أوروبا (وخاصة إيطاليا وفرنسا) والشرق الأوسط، فاستفاد تجار المشرق من سوريين ولبنانيين وفلسطينيين من هذه الخدمات ودورها في تنمية الاستيراد والتصدير، وعام 1856 افتتح في بيروت أول مصرف أوروبي حديث هو (البنك العثماني) برأسمال فرنسي، كما افتتح فرع لبنك credit Lyonnais الفرنسي عام 1875 وبعد ذلك توسع النشاط المصرفي في سوق بيروت برأسمال لبناني وسوري وظهرت عائلات مصرفية لتمويل الصناعة و الخدمات منها شيحاً وفرعون وسرسق، وأثناء هذه الفترة كان البنك العثماني في مبناه الجميل في حي الزيتونة على شاطئ بيروت أكبر مصرف في المشرق.

وعام 1924 أثناء الانتداب الفرنسي، غير الفرنسيون اسم البنك العثماني وجعلوه (بنك سوريا ولبنان) الذي لعب دور مصرف مكري لسورية ولبنان بعد حصوله على امتياز إصدار عملة البلدين وإشرافه على سيولة الدولتين من نقود وذهب، وبلغت حصة الفرنسيين الإنكليز من أسهم هذا البنك 85 بالمائة وحصة اللبنانيين والسورين 15 بالمائة، ولئن جعل رئيس البنك ومجلس إدارته مكان إقامتهم ومكاتبهم في أوروبا، منحت كافة السلطات التنفيذية للمدير العام المقيم في بيروت، وتوزع نشاط بنك سورية ولبنان على 6 فروع في لبنان و6 أخرى في سورية وأدت المعاهدات التي وقعتها فرنسا مع كل من سورية ولبنان عام 1936 و1937 والتي تضمنت وعوداً بالاستقلال واعترافاً بسيادة البلدين، إلى تقوية بنك سورية ولبنان بأن جعلته مصرفاً رسمياً وعالمياً مالياً وسورية، وبعد ذلك تعاملت حكومتا البلدين مع البنك، كل على حدة فأصدر البنك إبتداء من 1938 عملتيين مستقلتين للبلدين تحمل عبارة (بنك سورية ولبنان) وتولى البنك إصدار البنكنوت من العملة الورقية وسك العملة النحاسية.

جلب الاستقلال ونهاية الحرب العالمية الثانية الاستقرار والازدهار والاستثمارات الأجنبية إلى لبنان.

ومنذ الخمسينات وحتى 1966 كان عدد المصارف يزداد كل عام تقريباً من 21 مصرفاً عام 1954 إلى 99 مصرفاً عام 1966 كما ارتفعت الودائع من 392 مليون ل.ل عام 1954 إلى 1585 مليون ل.ل عام 1963 أما الجانب المظلم من هذه الفورة المصرفية البكرة في حياة الجمهورية، فكان ضآلة القروض الممنوحة للقطاعات المنتجة للبضائع كمشاريع الصناعة والزراعة، إذ أن معظم الودائع كانت مستثمرة في أوروبا والذهب والقطع الأجنبي، وفي الخمسينات أصحبت بيروت سوقاً دولياً للذهب في حين أصحبت المراهنات بالعملات الأجنبية نشاطاً مربحاً، وكانت المؤسسات المالية تستعمل العملات الأجنبية في التسليف المحلي لأنها اعتبرت الودائع بالعملة الصعبة جزءاً من السيولة التي تحملها وجاهزة للتحويل إلى الليرة اللبنانية وهو نشاط ندر ما مارسته المصارف الأجنبية حتى في بلدانها حيث يجب منح القروض بالعملة الوطنية ، واستغلت المصارف هذا السلوك، فكانت تحول ودائعها بالعملات الأجنبية لتسدد طلبات السحوبات متى كانت سيولتها بالعملة الوطنية لا تسمح بذلك، كما كانت نسبة كبيرة من الودائع محفوظة في استثمارات خارج لبنان وهو سلوك استمر حتى التسعينات من القرن العشرين.

عام 1950 وقعت القطيعة الاقتصادية بين لبنان وسورية وأسفرت عن ثلاث نتائج متعلقة بالقطاع المصرفي:

1ـ وقف السياسة النقدية المشتركة.

2ـ إقفال مكتب القطع المشترك في (بنك سورية ولبنان).

3ـ إنهاء العمل بالوحدة الجمركية بين البلدين.

وسارع الجانب اللبناني إلى رفع كافة العوائق أمام التبادل بالعملات وتحرير سوق القطع وتحويل الأموال لزيادة حجم التجارة ، فاكتمل هذا المسعى في 17 أيار/ مايو 1952، وفيما استمر بنك سورية ولبنان في إذاعة السعر الرسمي للعملات الصعبة، أوقفت الحكومة اللبنانية العمل بهذه الأسعار في الأسواق وأبقت على هذه الأسعار الرسمية لتحديد تعريفات الجمارك وضبط جداول المالية العامة في وزارة المالية، ولكن الحكومة اللبنانية أبقت دور دائرة القطع في بنك سورية ولبنان في احتساب عمليات الدولة اللبنانية بالعملات الأجنبية مثل إتاوات البلدان، سوريا ولبنان، ظهريهما عن الإشكاليات الخلافية للتركيز على بناء المؤسسات الرسمية وإضعاف بنك سورية ولبنان في السياسة النقدية المحلية، ذلك أن هذا البنك منذ اتخاذه دور المصرف المركزي والعميل المالي لسورية ولبنان عام 1925 وحتى العام 1956 استغل غياب القوانين المنظمة للسوق regulatory framework وعمل على مبدأ الربحية الذي كان في معظم الأحيان مناقضاً للمصلحة الوطنية للبلدين وحاجياتهما النقدية، وعلى سبيل المثال، قام هذا المصرف بعمليات حسم وقروض أضرت بأهداف الاستقرار النقدي، فرفع السيولة بنقل الأوراق المالية إلى دائرة الإصدار ما أدى إلى المزيد من عرض النقد في فترة كان فيها تضخم الأسعار يشغل بال الحكومة ويهدد معيشة المواطنين.

وبدلاً من التعاون على حلول مشتركة تضاعف بوقعها التحسن الاقتصادي في البلدين، انصرف كل من سورية ولبنان إلى سياسات نقدية مختلفة وأنظمة اقتصادية متناقصة، لعل كبرياء سورية الوطنية جعلتها تفرض على لبنان أفكارها الاشتراكية والتأميمة والوحدة الاقتصادية في تلك المرحلة، ولكن ما حدث في الفترة 1952 إلى 1956 تبعت نهجاً قومياً توتاليتارياً فأصدرت القانون 151 الذي فرض رقابة صارمة جداً على سوق القطع وحركة الرساميل وأسس المصرفي المركزي السوري وأنهى أية تبعية لبنك سورية ولبنان، ثم عمدت سورية إلى القيام للمصالح الخاصة ألحقت ضرراً كبيراً بالهيكلة الاقتصادية.

وبالمقابل أخذ لبنان وجهة معاكسة نحو لبرالية نقدية وتنظيم سطحي للأسواق المالية، فكان لبنان يشد عود استقلاله بتطوير اقتصاده على أساس السوق المرتبط بالتوبول الغربي العالمي، فمضى إلى المزيد من تحرير أسواق الرساميل لتحفيز الاستثمار الأجنبي، وساعد في ذلك قانون سرية المصارف الذي صدر في 3 أيلول/ سبتمبر 1956 وبذلك لم يعد ممكناً كشف الحسابات المصرفية بدون موافقة أصحابها وجعل هذا القانون لبنان مستودعاً للمودعين الذين أرادوا حصانة وحماية لثرواتهم الشخصية، وكان توقيت القانون رائعاً إذ جاء في فترة بداية الطفرة النفطية وهجمة الاستثمارات الأجنبية، لاسيما الأميركية، في المنطقة وهروب رساميل أغنياء العرب إلى العراق ومصر وسورية وفلسطين إلى بيروت.

وكما رأينا في الفصل السابق، فلقد شهدت المنطقة في الخمسينات بركاناً من الثورات والانقلابات والحروب وأصبحت الاشتراكية والقومية العربية نموذجاً يحتذي وبنجاح ثورة تموز/ يوليو 1952 في مصر قام شبان متحمسون في معظم الدول العربية بانقلابات أو بمحاولات إنقلابية لتقليد النموذج المصري[5]، وأصبحت بيروت جنة آمنة للثروة العربية مدعومة بنظام حكم ليبرالي نسبياً ومستقر أيضاً نسبياً مقارنة بالدول العربية الثورية، واستعملت الشركات الأجنبية ببيروت كنقطة انطلاق لأعمالها واتصالاتها في المنطقة.

ورغم النمو الملحوظ لسوق بيروت المالية، إلا أن هذا النمو كان عشوائياً بغياب الضوابط بشكل سطحي وجزي بقاع بات الأهم بين القطاعات اللبنانية كما أن القطاع المصرفي اعتنى في الخمسينات من مسألة السيولة وحماية الودائع لأن المصارف التجارية لم تأبه لقاعدتها المرسملة فأبقت على نسبة مئوية صغيرة من الاحتياط واستثمرت، بعكس ما هو متوقع من بنك يقبل الودائع، في مسائل تخضع للمضارب، وخارج الاستثمارات التقليدية للمصارف (كأوراق مالية قصيرة الأمد) ما شكل مجازفة بأموال الناس، ووقعت حوادث صغيرة كانت مؤشراً مخيفاً للأزمة القادمة والصعوبات التي واجهها القطاع المصرفي ، فكانت بضع مؤسسات مصرفية مهددة بالإفلاس لأنها احتفظت باحتياطي صغير للغاية ولم تقدر على مواجهة سحوبات مهمة من المودعين ، وانظر الأمر، كما أشرنا حتى عهد فؤاد شهاب حيث بوشر العمل عام 1962 بقانون يفرض على المصارف التجارية من فئة (أ) أي تتعامل مع الجمهور مباشرة أن تكون عضواً في دائرة مخاطر القروض في بنك سورية ولبنان[6]، وقانون تجاري يتضمن بنوداً مصرفية حول الودائع في المؤسسات المالية والقروض التجارية لدى البنوك فأصبح شرط الانضمام إلى دائرة المخاطرة هو الالتزام بقاعدة رسملة لدى بنك سورية ولبنان هي مليون ليرة لبنانية (حوالي 350 ألف دولار في تلك الفترة) يستحق نصفها فوراً[7]، وبهذا التحسن في تنظيم السوق أخذ بنك سورية ولبنان يتدخل للإنقاذ في حال شكا أي مصرف من السيولة أو كان مهدداً بالعجز عن الدفع، فكان يدعم هذه المصارف الأجنبية بإعادة حسم أوراقها المالية ما يسمح بزيادة سيولتها، وخارج بنوك الفئة (أ) كانت المصارف الأجنبية المتواجدة بكثرة في بيروت والتي لم تكن مسجلة لدى دائرة المخاطر، تعالج مشاكل السيولة بالتعاطي مباشرة مع فروعها الرئيسية في بلدتها الأصلية.

وفي الستينات أصبح القطاع المصرفي هو الأكبر في لبنان (قبل الطفرة السياحة في أوائل السبعينات) فكانت مكاتب البنوك في بيروت وصالات العمل داخلها مراكز اجتماع لعقد الكثير من الصفقات المشبوهة أحياناً، وضمن بيئة ذات نسبة عالة من المخاطر ركز أصحاب المصارف وإداراتها العامة على نشاطات ريعية كإصدار الأوراق التجارية والقروض القصير الأمد، وصرفوا النظر عن القروض الطويلة الأمد لمساعدة المواطنين على شراء المنازل والبضائع الدائمة غير القابلة للتلف السريع (كالسيارات) أو للراغبين في استثمار في قطاعات تحتاج إلى أمد طويل للنضوج والوصول إلى الربحية في الصناعة والزراعة[8].

وتعاملت الحكومة مع الأزمات والصعوبات في القطاع المصرفي بشكل فردي ويومي في غياب قوانين وهيئات رسمية منظمة للسوق إذا كان الهدف في الفترة الممتدة من عام 1948 وحتى أوائل الستينات إنهاء التبعية المالية والنقدية لفرنسا والفرنك الفرنسي وإطلاق حرية الأسواق المالية، فكان قانون سرية المصارف عام 1956 عاملاً مساعداً لجذب الرساميل العربية والأجنبية ودخول العملات الصعبة بوفرة، ولذلك بات الأمر ناضجاً في بداية الستينات لتنظيم القطاع المصرفي والأسواق المالية بدون عرقلة أو إضعاف الاستثمارات الأجنبية المباشرة في القطاعات المنتجة أو استثمارات البورتفوليو (ودائع وسندات وأسهم وأوراق مالية).

وكان العام 1963 بداية جديدة لقطاع الخدمات المالية والسياسة النقدية في لبنان ، إذ شهد ولادة قانون النقد والتسليف المنظم للخدمات المالية ومؤسساتها في لبنان وأذن القانون بتعيين مجلس النقد والتسليف الذي كان أول واجباته خلق مصرف مركزي لبناني ينهي التبعية لبنك سورية ولبنان وأعلن عن تأسيس مصرف لبنان في نفس العام فابتدأت المؤسسة الجديدة وبصورة مطردة في استلام مهامها: استقرار العملة الوطنية وحيوية الأسواق المالية وتولي سياسة تنظم القروض ما يتلاءم مع المصلحة الاقتصادية الوطني في ضبط التضخم في الأسعار وفي توظيف عوامل الإنتاج، ورغم أن النقاش مستمر إلى اليوم حول دور لمصارف المركزية في تأمين مؤشر أسعار عام مستعر ومتدن ونسبة توظيف للعوامل الإنتاجية (لا سيما لليد العاملة) بدرجة عالية، والتشكيك في مقدرة المصارف على تحقيق هدفين متناقصين أحياناً ، فسنرى أن مصرف لبنان فشل في مهمته فشلا ذريعاً، فمنذ تأسيس مصرف لنبان اعترضت جمعية مصارف اللبنانية على دوره، مفصلة التخفيف من تدخل الدولة في الاقتصاد، ومعترضة على سلطاته المنظمة للأسواق فلازم التعاون بين الجانبين حيزاً من العداوة تجاه أي رغبة من مصرف لبنان في سياسة لا تخدم الفلسفة الاقتصادية الربعية، واستمر حتى اليوم منطق غريب مفاده أنه طالما أن العملة مستقرة والقطاع المصرفي بخير، فالاقتصاد اللبناني، بخير بصرف النظر عن كافة المؤشرات الأخرى، كما أن منح القطا المصرفي مدة خمس سنوات لترتيب أموره سمح بأجواء أدت إلى الانهيار عام 1966.

وكانت العلاقة الاقتصادية بين أمراء الحرب والتجار تنمو بصورة مطردة فم يعد هناك من حاجز أخلاقي يفصل بين قرارات تعيينات مجلس إدارة مصرف لبنان ونفوذ أصحب المصارف التجارية، وكانت الحياة الاجتماعية الليلية في بيروت مناسبة للقاء أمراء الحرب وأصحاب المصارف وعقد الصفقات المتنوعة، فحفلات الكوكتيل والعشاء التي ضمت هؤلاء وأولئك ملأت الصفحات الاجتماعية للصحف اليومية والمجلات الأسبوعية.

وكأن لأمراء الحرب نفوذ قوي على الفئتين، وإضافة إلى (أخوية المال) تطور ناد معنوي عكس تعاضد الأثرياء من أفراد وعائلات، واستبعد باقي فئات المجتمع فإن الأخوية كانت موجودة أساساً في علاقة قربى الدم وتحالفات العائلات والتضامن الطائفي، وكان لأصحاب المصارف نفوذ ونشاط امتداد إلى قطاعات وشؤون أخرى بعيدة عن النشاط المصرفي، فيما كانت بعض المصارف مجرد واجهات لنشاطات جمعت الخدمات المالية بالعمل التجاري البحت.

ولم يقتصر تأسيس مصرف تجاري على شروط الربح والخسارة بل كان ثمة عوامل أخرى تدخل في قرار المستثمر حتى لو بدت المسألة خاسرة، إذ كان بعض المتمولين يعتبر إنفاقه مبالغ ضخمة في افتتح بنك بمثابة بطاقة تمكنه من دخول نادي أمراء الحرب والتجار، وتمنحه شهرة اجتماعية تفتح أبواباً أخرى فالمحافظة على (البرستيج) كان من بديهيات العضوية في نادي أمراء الحرب وخاصة بعد انتقال لبنان من المجتمع الإقطاعي في القرون السابقة إلى القرن العشرين، حين وجب الوصول إلى الوظيفة العامة الرفيعة (نائب أو وزير أو مدير عام) أو إلى ملكية مؤسسة تجارية أو مصرفية، وحتى النجاح المهني في القطاع الخاص أو الشهرة الدولية من عبقرية أدبية أو فكرية لم تكفيا للانضمام إلى نادي السلطة والمال، فكما كان السعي إلى عضوية البرلمان يتطلب إنفاق المال كان السعي إلى تأسيس مصرف يتضمن عاملاً لا علاقة له بالعمل المصرفي، وهو دخول النادي لتحقيق فوائد طويلة الأمد.

فالمركز السياسي والاقتصادي هو باب إلى PUBLIC RELATIONS علاقات عامة مهمة تؤدي في النهاية إلى الثروة والجاه والمال، كما أن دخول العمل المصرفي خول صاحبه الانضمام إلى جمعية المصارف صاحبة النفوذ في لبنان، بالتالي إلى لقاء أمراء الحرب والزعماء والتجار الآخرين فيسعى صاحب المصرف بناءً على مقدرته المستجدة إلى الاتصال بأصحاب النفوذ في البلاد لبناء شبكة علاقات، ويستطيع بالصبر والمناورة الحصول على توقيعات وموافقات ووسائط تمكنه في النهاية من تحقيق الثروة والشهرة، ولذلك فمن الممكن أن يكون ثمن تأسيس مصرفي مرتفعاً للغاية إلا أن الكثيرين استطاعوا تأمين المبالغ المطلوبة لهذا النوع من الاستثمار البالغ التعقيد في عضوية النخبة المالية السلطوية، وهذا السلوك وغيره كان واضحاً في التحقيقات الرسمية عامي 1967 و 1968 بع وقوع الأزمة.

لقد انطبقت مواصفات الاستثمار في القطاع المصرفي لأهداف غير مصرفية على بعض الأثرياء المغتربين العائدين لتوظيف ثروتهم في لبنان، فكانت وسائل الإعلام تبرزهم فور وصولهم على أساس أنهم أعضاء محتملون في نادي السلطة والمال، ومن يعلم فقد يكون هذا الشخص العائد أو المغترب هو مشروع رئيس وزراء أو رئيس جمهورية مقبل أو صاحب مصرف أو شركة كبرى في طريق الافتتاح وفي نهاية الستينات والسبعينات من القرن العشرين حقق مغتربون عائدون أو زائرون شهرة واسعة حيث كان بعضهم يعمل في أدغال أفريقيا والأمازون في البرازيل لمدة عشرين عاماً، وظهرت برامج إذاعية وتلفزيونية عديدة في الستينات وأوائل السبعينات تجري أحاديث على الهواء من مطار بيروت أو مراكز الاصطياف مع المغتربين العائدين وتبث الأغاني الفولكلورية اللبنانية التي انتشرت في دنيا الاغتراب، ولم يستقبل المفكرون والأدباء من اللبناني في دنيا الاغتراب بنفس الحفاوة والتقدير من نادي أمراء الحرب والتجار والذي صب اهتمامه على أصحاب الثروة المادي دون استقطاب الأدمغة (وهذا سيتغير مع أمراء الحرب الجدد فيما بعد).

وحتى عندما كان المصرف ناجحاً بأهدافه التجارية المحضة، فإن ذلك النجاح حمل ارتباطات سياسية وطموحات سياسية، فكان القطاع المصرفي جسراً لكثيرون دخلوا المناصب العالمة السياسية، في الستينات بلغت نسبة السياسيين من وزراء ونواب ممن بدئوا حياتهم المهنية في القطاع المصرفي 25 بالمائة من العدد الإجمالي ، وعلى سبيل المثال، كان ميشال شيحاً نائباً في البرلمان ومهندساً للدستور وفيلسوفاً للقومية اللبنانية وبقي مصرفياً طيلة حياته ، وكذلك قريبه هنري فرعون، النائب فرعون النائب والوزير، كما كانت شقيقة شيحا لور زوجة لرئيس الجمهورية وابنها ميشال الخوري مصرفياً وحاكماً لمصرف لبنان فيما بعد (1997-1984-1991-1994) وكان الياس سركيس مستشاراً رفيعاً للرئيس فؤاد شهاب (1964- 1958) ثم حاكماً لمصرف لبنان (1966- 1967) ورئيساً للجمهورية (1976-1982) كما كانت لسليم الحص جذور مصرفي فأصبح رئيس هيئة الرقابة المصرفية (1967-1976) ثم رئيساً للوزراء أربع مرات حتى العام 2000 وفؤاد روفايل مؤسس البنك اللبناني الفرنسي أصبح وزيراً للمالية في عهد الياس سركيس، وبالقابل تمكن الكثير من السياسيين بعد مغادرتهم الحكومة أو البرلمان أن يمارسوا العمل المصرفي كأعضاء مجلس إدارة أحد المصارف أو بصفة استشارية كمحامين، إلخ، وهي خطوة حذقة في عالم المال اللبناني إذ أن المصرف سيستفيد من خبرة هذا السياسي السابق في الحكم ومن علاقاته العائلية والسياسية والاقتصادية.

ومنذ الاستقلال لعب أصحاب المصارف دوراً هاماً ليس في النفوذ السياسي والاقتصادي فحسب بل في تمويل الحملات الانتخابة عبر المنح والقروض وشبكة العلاقات، وفي لبنان تأتي مسألة (ردة الجميل) و(حفظ المعروف) في مرتبة القداسة في حلقة من تبادل المنافع بين النخبة، حتى أصبح الإنفاق على الحملات الانتخابية الأعلى في العالم، وربما ضعف ما ينفقه المرشحون الأميركيون في انتخابات الكونغرس[9].

هذا الخلفية لصعود القطاع المصرفي في لبنان مهدت لأزمة إنترا 1966.

 

يوسف بيدس

 يوسف بيدس، رئيس بنك إنترا وشريك مؤسس، كان فلسطينياً من القدس من عائلة أرثوذكسية، وكان والده خليل بيدس من أدباء اللغة العربية وضليعاً في اللغة الروسية، وابن خال والده المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد، ويقول إدوارد سعيد في مذكراته إن قريبه بيدس مارس نفوذا قوياً في لبنان قبل انهيار إمبراطوريته المالية، وإنه توفي بداء السرطان في لوسرن، سويسرا حيث اعتنت به عمة إدوارد سعيد نبيهة[10].

ولد يوسف بيدس في كانون الأول / 1912 وتلغي قليلاً من التعليم المدرسي، ما جعله عندما أصبح في قمة نجاحه المهني يحتقر حملة الشهادات الجامعية والأكاديميي ، بداً مهنته في القطاع المصرفي كموظف في بنك باركليز فرع القدس حيث عمل 11 سنة، واكتسب خبرة مكنته من استلام منصب البنك العربي المحدود في المدينة عام 1943، ونال بيدس رضا مسؤولين البنك بتفوقه في عمله وجذبه زبائن باركليز فحصل على ترقيات في فترة زمنية قصيرة، وبعدما أصبح من المدراء العامين في البنك العربي بني علاقات هامة مع مؤسسات وأفراد في مواقع حساسة حتى ذاع صيته المصرفي في فلسطين في الأربعينات، وفي تلك الفترة تزوج من وداد سلامة ، إبنه أخت النائب اللبناني منير أبو فاضل.

عندما وقفت نكبة فلسطين عام 1948 هاجر بيدس إلى لبنان، حاملاً معه بعض المال و20 عاماً من الخبرة في القطاع المصرفي، وافتتح مؤسسة للصيرفة في باب إدريس في وسط بيروت التجاري مع شركاء فلسطينيين آخرين وسرعان ما تحولت هذه المؤسسة الصغيرة إلى شركة استيراد وتصدير جمعت الخدمات المالية إلى شؤون التجارة الخارجية تحت اسم INTERNATIONAL TRADERS  وعنوانها البرقي INTRA  (انترا)، وخلال عامين استقر بيدس واستعمل علاقاته العربية الواسعة وكون صداقات في بيئته اللبنانية الجديدة، وأخذت شركته تتعاطى في الخدمات المصرفية، وفي العام 1951 اجتمعت عوامل محلية أفسحت المال لتتحول هذه الشركة إلى مصرفي لبنان وأبقى الاسم البرقي لشركته (أنترنا شنال تريدرز) (التجار الدوليين) وهو (إنترا) وكان إنترا ثمرة رأس المال لبناني فلسطيني مشرك، حيث أعلن افتتاحه في 7 تشرين الثاني/ نوفمبر 1951 كل من يوسف بيدس واللبنانيين منير الخوري أبو فاضل، خال زوجة بيدس الذي أصبح فيما بعد نائباً لرئيس مجلس النواب اللبناني، وأيد رخصة بنك إنترا ليباشر بأعماله المصرفية الوزراء عبد اللـه اليافي، وفيليب بولس والرئيس بشارة الخوري، وخلال ال15 عاماً التالية أثبت بيدس أنه تاجر فريد من نوعه، من تلك النوعية التي ولدها المشرق وكان من أبطالها كما رأينا ميشال شيحا وإميل البستاني، كان بيدس مدمناً على العمل وحتى في الوقت القليل خارج العمل كان يستغل النشاط الاجتماعي لعقد المزيد من الصفقات ومناقشة أمور التجارة والاقتصاد، فأصبح خلال فترة قصيرة معروفاً في الأوساط المصرفية والاقتصادية في لبنان، وكان حديثة المفضل هو فسلفته الخاصة عن المال، فكان يقول إنه كان يؤمن بنصيحة الملياردير الأميركي بول غيتي أنه (قيمة المال الحقيقة هي استثمار وليس في إنفاق).

في مهنته الطويلة في المصارف أصبح لبيدس مكاتب وشقق سكنية في عدد كبير من الواصم العالمية وبنى علاقات صداقة شخصية مع رجال أعمال كبار في أميركا وأوروبا وكان يكره السماسرة والوسطاء، بعكس عقلية الوسيط السائدة في بيروت ويفضل أن ينهي الصفقات بنفسه وكان صاحب رؤية حين تنبأ منذ الخمسينات بالطفرة النفطية القادمة وضرورة أن يستغلها العرب لتطوير اقتصادهم في العام 1963 قال لديفيد روكفلر رئيس تشايس مانهاتن بنك، وكانا صديقين في ذلك الوقت (في المستقبل القريب ، سيقوم وزراء المالية ورجال أعملا أوروبا والولايات المتحدة بزيارة الكويت والرياض والدوحة وأبو ظبي بحثاً عن فرص استثمار وقروض[11]) ، وهذا ما صف بالضبط فيما بعد.

وفي غياب خلفية أكاديمية ومعرفة النظريات المتنوعة والقوانين التي تحكم على المال والتجارة كان أسلوب بيدس تبسيطياً لمسائل معقدة ما جعله مبدعاً في أساليب مصرفية مبتكر لم يسمع بها أجد من قبل أكانت ابتكاراته ناجحة أم فاشلة؟

 

التوسع أميركاً

 وفي العام 1960 بات بيدس مستعداً لتوسيع نشاط بنك إنترا إل الولايات المتحدة الأميركية، وذهب إلى نيويورك عام 1961 للمباشرة بافتتح فرع هناك، بمساعدة عدد من الأشخاص منهم يوسف سلامة، قريب شريكه منير أبو فاضل عبر وداد سلامة زوجة بيدس وشرح بيدس لسلامة أن بنك إنترا سيتحول إلى لاعب دولي وأن الخطوة في هذه الاتحاه هي دخول السوق الأميركي من خلال بوابته المالية نيويورك، وقال بيدس أن إنترا أصبح على علاقة ممتازة مع مؤسسات مصرفية عديدة تراكمت منذ افتتاحه عام 1951 وأفضل هذه العلاقات هي مع بنك أوف أميركا وتشايس منهاتهن، وكان يوسف سلامة خريجاً من كلية إدارة أعمال أميركية، وموظفاً في شركة استثمار في نيويورك تخصصت في الأسهم والسندات، ما عكس خبرته بالسوق الأميركي، فشرع بدوره لبيدس أن القطاع المصرفي الأميركي مختلف عن أوروبا والشرق الأوسط وإن إدارة فرع لإنترا في مدينة نيويورك ستحتاج إلى خبرات تقتنيه محلية ومعرفة بالأوضاع والقوانين وهي أمور لا تتوفر في طاقم إنترا.

وبأسلوبه التبسيطي، لم يكترث بيدس لما قاله سلامة بل طمأنه (لا تقلق على هذه الأمور الآن! مهمتك قصيرة وبسيطة، عليك أولاً أن تسعى للحصول على ترخيص للبنك، وهذا يحتاج إلى تقديم طلب يضم تقريراَ مختصراً عن الاقتصاد اللبناني وعن بنك إنترا وعن دوره في هذا الاقتصاد، وستقدم الطلب إلى هيئة رقابة البنوك في ولاية نيويورك لأن الفرع الذي ستفتح يقع في مدينة ضمن ولاية نيويورك، وطبعاً لا توافق الهيئة أوتوماتيكياً على أي طلب يأتيها وسيحتاج الطلب إلى دعم أميركي، ولقد تحضرنا لهذه الخطوة ولدينا دعم تشايس منهاتن وعدم حاكم ولاية نيويورك نلسن روكفلر، وهو شقيق صديقي ديفيد روكفلر رئيس بنك تشايس والخطة التالية هي شراء مبنى في شارع مهم في مانهاتن في وسط نيويورك وعندما يتم ذلك ستشرف على أعمال الديكور، وتأثيث المكاتب وتجهيزها، وبالنسبة للنقطة التي أثرتها حول الخبرات، أترك لك صلاحية اختيار فريق العمل الذي تراه مناسباً بما في ذلك الدعم التقني من موظفين أميركيين، ثم عليك أن تنشر إعلانات في الوسائل المناسبة عن موعد افتتاح الفرع أما العمل المصرفي، وعندما تنتهي من هاتين المهمتين الرخصة والمبنى عليك أن تراقب الموظفين وتحدد من هو أنشطهم وأكثرهم خبرة وتعينه رئيساً للفرع ثم تطير إلى بيروت وفي بيروت سنستفيد من خبرات، وستعمل معنا في المقر الرئيسي لإنترا[12].

لقد أثبت بيدس بهذه الخطة التي اعتبارها بسطيه عمق صلاته المصرفية ومعرفته بأميركا وأن ما كان يحذر منه سلامة كان مسألة شكلية، ولكي يحصل سلامة على خبرة في العمل المصرفي ساعده بيديس للالتحاق كموظف متدرب في بنك تشايس، فترك سلامة على وظيفته في شركة الاستثمار في نيويورك وبدأ تنفيذ خطة بيدس بمساعدة محام أميركي تعاقد معه بيدس هو وليم ايتون، وخلال 14 شهراً حصلت إنترا على الرخصة وبدأ جهد اختيار موقع في قلب نيويورك وفي أول آذار/ مارس 1963، كان بيدس يزو فرع إنترا في باريس على جادة مونتاين رقم 12، فيما كان سلامة يفاض رجل أعمال أميركي هو وليم زكندورف رئيس شركة عقارية حول شراء ناطحة سحاب على الجادة الخامسة رقم 680 مقابل 4 ملايين دولار وكان هذا العقار معروفاً باسم (كندا هاوس) تملكه مجموع أصحاب أعمال كندية بنتها عام 1957 والآن تريد أن تبيعها فاختارت زكندورف ليمثلها تجاه إنترا.

وبعد ست ساعات من المفاوضات، قوطعت مراراً باتصالات هاتفية من بيدس الذي حان حريصاً على إتمام الصفقة، أصبحت أوراق البيع جاهزة ، ولكن في الساعة الأخيرة أعلن ممثل زكندورف أنه لا يمكن إتمام الصفقة لأن جامعة كولومبيا التي وافقت على إقراض زكنوردف مبلغ 3 ملايين دولار لتمويل الصفقة (75 بالمائة من قيمة العقار) قد سحبت عرضها وفيما بدأ المتفاوضين يجمعون أوراقهم ويستعدون لمغادرة قاعة الاجتماع، قلق سلامة لأن بيدس كان ينظر الأخبار الجيدة لإعلانها إلى صحف بيروت الصادرة في اليوم التالي، فبحث سلامي مع زملائه والمحامي إيتون مسألة تمويل الصفقة بعد انسحاب جامعة كولومبيا وكان بحوزته مليون دولاراً ويجب البحث عن قرض بالمبلغ الباقي من مصدر آخر وتوصل فريق إنترا إلى فكرة إصدار سند بقيمة 3 ملايين دولار باسم إنترا يدفع في نهاية العام مع الفوائد، واعترض إيتون على هذه الفكرة لأن إنترا بصفته فرعاً لمصرف أجنبي في نيويورك لم يفتتح بعد لا يمكنه إصدار مثل هذا السند ولم يصغ سلامة لنصيحة إيتون بل عاد إلى ممثل زكندورف بالفكرة فنقلها هذا بدوره إلى الملاك الكنديين وعاد بعد ساعة بأنهم موافقون على سند يصدره إنترا فتشجع سلامة هذه المرة واتصل ببيدس في باريس ليبلغه أن زكندورف لم يستطع تمويل الصفقة بسبب انسحاب جامعة كولومبيا وأن الحل المقترح هو أن يدفع إنترا مليون دولاراً نقداً ويصدر باقي المبلغ سنداً مدفوعاً في نهاية العام، واعتبر بيدس هذا الحل بمثابة إنجاز، وطلب من سلامة إصدار السند باسم إنترا وإتمام الأوراق ولم يرتح سلام لطلب بيدس إذ كان ثمة عدد من الصعوبات: هل يملك بيدس صلاحية إصدار سند بملاين الدولارات لشراع عقار في أميركا بدون العودة إلى مجلس إدارته في بيروت؟ وثانياً هل يكن لفرع إنترا الذي لم يفتتح بعد أن يصدر هذا السند أم من الأفضل أن يأتي السند من بيروت؟ وثالثاً، هل يمكن لسلامة أن يصدر السند وهو لا يملك الصلاحية القانونية باسم إنترا؟

كان ذكاء بيدس حاداً كالعادة حيث أعطى سلامة التعليمات التالية: هدفنا هو إتما الصفقة وليس هذه التفاصيل، لتوقيع الأوراق عليك إبلاغ الكنديين بأنك ستصدر السند فوراً وأنهم خلال نصف ساعة يمكنهم الاتصال بتشايس مانهاتن بنك، وكيلنا في أميركا ن الذين سيؤكد أنك تملك صلاحية توقيع السند باسم بنك إنترا في بيروت وهكذا قدم بيدس حلاً لصعوبات سلامة الثلاث فوقع جميع الأطراف وتمت عملية الشراء ، وبعد فترة جاء بيدس إلى نيويورك لحضور حفل الافتتاح في أوتيل ولدورف أستوريا أفخم فندق في المدينة ، حضر الحفل كبار رجلا ل أعمال الأميركيين والأجانب وأصحاب مصارف وسياسيين أميركيون والسلك الدبلوماسي من سفراء وقناصل من نيويورك وواشنطن، وغطت صحف بيروت هذا الافتتاح بشكل موسع ، وكان عنوان إحدى الصحف مثيراً (غزو مالي لبناني في قلب العالم الرأس مالي) وبدأ نشاط الفرع فدخل في عمليات تمويل تجارة الحبوب الأميركية إلى الشرق الأوسط وحقق أرباحاً ملفتة، وخلال عام تضاعفت قيمة العقار، وفي أحدى زياراته الدورية لهذا الفرع وقف بيدس في الشارع المقابل يتأمل العلم اللبناني الضخم الذي رفرف فوق المبنى وخاطب مساعده (تبلغ قيمة المبنى الآن 5و10 ملاين دولار! لقد اشتريتها بسعر رخيص! غداً سيأتي أحفادنا إلى هنا وسيشاهدون علم لبنان ويقولون إن بيدس عقد صفقة مربح للغاية[13].

عكست تفاصل افتتاح فرع نيويورك ونجاح هذا الفرع عمق علاقات بيدس الأميركية، في وقت كان بيدس يحسب فيه على الأميركيين، وتجد مقارنة هذه المرحلة بما ستنتهي إلها الأحداث لاحقاً، وكلف كان لأصدقاء بيدس الأميركيان دور هام في انهيار إنترا.

 

إمبراطورية إنترا

 خلال الستينات ضاعف إنترا رسملته ثلاث مرات من 4و6 مليون ل.ل إلى 20 مليون ل.ل (7 ملايين دولا أميركي) وأصبح له فورع ليس فقط في أنحاء لبنان بل في عدد كبير من الدول العربية، منها سورية والأردن والعراق وقطر وسييرالون وفرسنا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا والولايات المتحدة الأميركية، كما افتتح مؤسسات مصرفية وشركات استثمار في لبنان وسويسرا وليبريا ونيجريا والبرازيل والولايات المتحدة، وتخصصت إحدى هذه المؤسسات بتصدير السيارات الأميركية إلى لبنان والشرق الأوسط وبشؤون تجارية أخرى، في بداية 1966 كان بنك إنترا ومتفرعاتة في أوج النجاح وجاءته الودائع من كل مكان، من مواطنين يدخرون أموالهم إلى أعمال ومستثمرين عرب وأجانب ومغتربين كما دخلت نشاطات البنك في قطاعات متنوعة من الاقتصاد اللبناني وخاصة في السياحة والعقارات والصناعة، ونظراً إلى استقرار بنك إنترا وحجمه ونسبة القطاع المصرفي اللبناني، أصبح ملكاً بين البنوك ومحل حسد لا حد له، وتجاوزت موازنته خمسة أضعاف موازنة الدولة اللبنانية في العام 1966 وصل عدد المصارف في لبنان 99 مصرف ب 133 فرعاً، معظمها لبناني ومنها 14 مصرفاً فرنسياً و3 أميركية ومصرفان بريطانيان و10 مصارف من جنسيات مختلفة وكان بنك إنترا أكبر المصارف بـ 40 بالمائة من مجمل ودائع القطاع المصرفي اللبناني (انظر الجدول 10) كما بلغت نسبة احتياطي المصرفي وقيمة ومجوداته 56 بالمائة من النظام المصرفي في البلاد، يفوق ثاني أكبر مصرف في لبنان بمقدار 11 إلى 1 حتى أن المصارف الثمانية الكبرى في لبنان بعد بنك إنترا سيطرت على نسبة 15 بالمائة فقط من قيمة أصول القطاع المصرفي.

وهكذا بعد 15 سنة من تأسيسه أصبح بنك إنترا محور المال في لبنان، يؤثر على أسعار الفائدة وسوق القطع في بيروت ويحدد طبيعة القطاع المصرفي وبالتالي الاقتصاد اللبناني، لقد عمد إنترا إلى تحقيقي هامش مربح على الفوائد التي دفعها على الودائع بتوظيف أموال في استثمارات بعيدة الأمد فامتلك أصولاً مسيطرة في شركة طيرا الشرق الأوسط (الميدل أيست) وشركة مرفأ بيروت ورادو أوريان في بيروت (بعدما كان مؤسسة فرنسية) ومرفأ مرسيليا في فرنسا وشركة بناء سفن فرنسية واستثمارات أخرى في القطاعات العقارية والصناعية والسياحية كفندق فينيسيا في حي الزيتونة المترف، على واجهة بيروت البحرية ومجمع مباني اللعازرية في الوسط التجاري وكازينو لبنان وشركة مستودعات، وكذلك فندقاً من الدرجة الأولى في الوسط التجاري وكازينو لبنان وشركة مستودعات وكذلك فندقاً من الدرجة الأولى في لوغانو في سويسرا وعدة عقارات على جادة الشانزيليزيه في باريس وفندقاً على شارع بارك لاين في نيويورك وعقارات مختلفة في لبنان وفرنسا والولايات المتحدة.

في أوائل الستينات كان بيدس يشعر بالثقة الكبيرة بمستقبل أعماله، فلقد شجعه نجاح بنك إنترا، واعتقد أن المستقبل سيكون مشرفاً للبنك وللبنان وأن بيروت بدون شك ستصبح سنغافورة أو هونغ كونغ على البحر المتوسط وقال بأن طرفة شمعون بأن بيروت ستصبح (كراخانة دولية) (بيت دعارة باللغة التركية ) منفتحة على كل النشاطات الاقتصادية قد تحولت إلى حقيقة الستينات؟ ظن بيدس أن الاستقرار الذي كان البلاد تنعم به في عهد شهاب سيستمر، وأن جماعة النهج سيحكمون لبنان إلى الأبد أو على لأقل في السنوات العشرين المقبلة، وكان اتصالاته ولقاءاته الدائمة مع كبار الحكومة ورموز العهد تمنحه امتيازاً في الحصول على المعلومات عن الوضع السياسي والأمني والاقتصادي في البلاد وعن السياسات المالية والقرارات الحكومية قبل اتخاذها، وبالمقابل كان هؤلاء يأخذون بمشورة بيدس ونصحه ويناقشون رؤيته للأمور.

 

أموال ومهارات الفلسطينيين تهدد (الستايتكو)

 نظر أمراء الحرب والتجار إلى إنترا كدخيل فلسطيني على المسرح اللبناني الذي اعتبره مقتصراً عليهم، رغم الجهد الكبير الذي بذلك بيدس والفلسطينيون الآخرون في إنترا للاندماج في البيئة اللبنانية ورغم دور الرساميل والمهارات الفلسطينية في إنعاش الاقتصاد اللبناني واغناء البيئية الثقافية، فلقد أدخل الفلسطينيون بعد النكبة مبلغ 51 مليون إسترليني وهو مبلغ ضخم بمقاييس تلك الفترة، وأطلق التدفق المالي والمهارات الفلسطينية نشاطاً اقتصادياً كبيراً في بيروت ساعد في ذلك قفل ميناء حيفا ومطار اللد في فلسطين ما حفز نهوض مطار بيروت ومرفئها لقد كره أمراء الحرب، ومن موقع عنصر، النجاح الذي حققه رأس المال الفلسطيني والمهارات الفردية الفلسطينية في لبنان، ومنذ البدء نظروا إلى إنترا كمشروع فلسطيني يطل برأسه في حديقتهم ويهددهم لأنه ليس خاضعاً لمشيئتهم أو تحت جناحهم، ما يقدم دليلاً آخر على مفاضلة أمراء الحرب والتجار لمصالحهم الشخصية على مصلحة لبنان التي كانت في الاستفادة الحقيقية لكل الاقتصاد اللبناني من نزوح الرساميل والمهارات الفلسطينية.

كان بيدس معروفاً بأرجاء فلسطين في الأربعينات كمصرفي ناجح، فلحقته الشهرة في لبنان في أوساط اللاجئين الذي كانوا يقصدونه لتصريف أموالهم أو إيداعهم أو استثمارها في القطاعات الاقتصادية، وكان المصارف الأخرى، لبنانية وأجنبية، تراقب إنترا بحسد وقلق حيث كان نجاح إنترا يتمادى منذ الخمسينات كالجن المارد الذي خرج من قمقم علا الدين، وفيما كانت الفئة المهيمنة قد استقبلت في البداية قدوم رأس المال الفلسطيني فإنها لم تهضم أفراداً فلسطينيين استعملوا عقولهم ومهاراتهم ووظفوا الأموال في المصارف وعالم المال بشكل مستقل ومنفصل لا ينفع المصالح الخاصة، وإن فع إنتر مبالغ طائلة للحصول على الدعم السياسي لاسيما من الشهابيين، وإضافة إلى إنترا، افتتح الفلسطينيون عدداً كبيراً من المؤسسات الاقتصادية منها شركة اتحاد المقاولين وبنك بيروت للتجارة ، والشركة العالمية للتأمين (بدر الفاهوم وباسم فارس) وعرف كثيرون في علام التجارة كأسعد نصر مدير عام شركة طيران الشرق الأوسط وعطا اللـه فريج وغدوين أبيلا ومحمود ماميش[14].

لقد حصل بيدس على الجنسية اللبنانية، اشتغل على تحسين لهجته لتصبح قريبة من اللهجة اللبنانية وبنى علاقات حميمة مع مراكز السلطة في لبنان، ولم يكن بنك إنترا مؤسسة يملكها الفلسطينيون بالكامل بعكس الدعاية المعادية، بل كان ثمة شركاء لبنانيون كما أشرنا، ومن شركاء بيدس الفلسطينيين كان بدر الفاهوم وبديع بولس إميل مسلم ومنير حداد وفريتز مروم وجورج اشتكلف، وباستثناء الفاهوم كانوا كلهم مسيحيين، ورغم أن هؤلاء، إضافة إلى بيدس، تكلموا اللغة العربية بلهجة مشرقية لا تبتعد كثيراً عن اللبنانية إلى أن كثيرين نظروا إليهم كغرباء في لبنان، وكانت لهجتهم الفلسطينية تخونهم في بلد كانت عبارة (شقفة فلسطيني ) تستعمل بين العام _ بعد نكسة فلسطين ودخول اللاجئين إلى لبنان –كإهانة.

وكان منير أبو فاضل، الذي كان في الماضي يزور القدس، من هؤلاء اللبنانيين الذين يعرفون العلاقات الاجتماعية والاقتصادية القوية التي كانت قائمة بين لبنان وفلسطين قبل قيام إسرائيل، فكان متعاطفاً مع شركائه الفلسطينيين، صرف الوقت على مساعدته للاندماج في المجتمع اللبناني، وحصل كثيرون منهم على الجنسية اللبنانية وسجل بعضهم مسقط رأسه في قرى الشوق أو المتن في سجلات الأحوال الشخصية اللبنانية وعلى بطاقة الهوية.

 

بيدس طرفاً في صراع أمراء الحرب والشهابيين

 تجدر الإشارة إلى مسألتين جوهريتين في طبيعة بنك إنترا في الستينات، إذ رغم حجم المصرف ونموه فإن بنك إنترا عانى من مشكلتين، الأولى أن معظم أصول البنك الطويل الأمد والعقارات قد تم الحصول عليها بمحسوم والتزامات قصيرة الأمد وخاصة ودائع تحت الطلب، وكانت هذه المشكلة في أساس الأزمة التي ضرت النظام المالي اللبناني عام 1966، والمشكلة الثانية والتي قد تبدو كلغز متناقص للوهلة الأولى، كانت يوسف بيدس نفسه فرغم دور بيدس في تأسيس إنترا ونجاحها الفائق، ورغم ديناميكيته وذكائه الحاد، إلا أنه لم يفقه أو يحسب حساباً كافياً لدور أمراء الحرب والتجار وأهمية الشبكات القبلية والعائلية والطائفية في لبنان، لقد صنعت هذه العلاقات والرهانات ليس النظام السياسي في لبنان فحسب بل وزعت السلطة حصصاً وصبغت واقتسمت بشكل فوقي نظامه الاقتصادي، وكان جهله للوضع المحلي خطاً قاتلا عندما وقع الانهيار، ووجد نفسه بدون غطاء سياسي كافٍ، ولكنه لم يفهم جو الصفقات والرهانات التي حكمت سلوك عائلات أمراء الحرب والتجار بل ظل يعتقد أن المسألة تتعلق بقيامه بعمله في القطاع المصرفي في بيروت كأي مدينة كوزموبليتية وأن الآخرين سيتصرفون بقواعد لعبة السوق ومصلحة لبنان ولكن الأمر كان أبعد من ذلك عندما أصبح إنترا الجسم المصرفي الأكبر ويحتاج إلى علاقات ودعم سياسي على أعلى المستويات، لقد برز دور أمراء الحرب في حرم 1958 واستمر في الستينات فتماهل بيدس مع هذه الأجواء وحرص على التعامل باحترام مع أصحاب الفخامة والزعامة والبك والشيخ والمير والباشا، ولكن مصالحه وصداقاته كانت مع العهد الشهابي حيث اعتقد أن دعم فؤاد شهاب وحشيته لبنك إنترا كان كافياً لمنحه مناعة ضد القوة التقليدية، ولم يكن بيدس خاطئاً في حساباته أو مسيئاً في التقدير، إذ كانت البلاد بمؤسساتها وحمكامها وكبار موظفيها وأمنها في عهدة جماعة النهج الشهابي والرئيس شهاب، ورأى بيدس في شهاب رجل دول يمكن الاتكال عليه خاصة عندما برز جانبه الإصلاحي المعادي لقوة الزعماء الساعي إلى بناء دولة رعاية عصرية بمادئ توحد شرائح المجتمع وتتجاوب مع أماني المواطنين، ولم يكن شهاب كما رأينا صديقاً للفئة التقليدية التي اعتبرت جهد تصميماً على إنهاء نفوذها (راجع الفصل السابع) واتهمه التجار بأنه يطبق (اشتراكية مقنعة) أوحاها له (معلمه) في القاهرة جمال عبد الناصر الذي كان له اليد العليا في اختياره رئيساً لخلافة كميل شمعون عام 1958 وكانت القوى التقليدية منقسمة دائما على نفسها بدلالة صراعها بين مؤيد ومناهض لبشارة الخوري في الأربعينات ومؤيد ومناهض لشمعون في الخمسينات، أما في عهد شهاب فلقد توحدوا جميعاً لمحاربة نهجه الإصلاحي.

لقد جعل شهاب الحياة صعبة للعائلات النافذة، حيث قرن خطه الإصلاحي باعتماد كعسكري على المكتب الثاني لحكم البلاد، وكان لهذا الجهاز، أو بدا كذلك لمناهضي شهاب أن له إصبعاً في كل شيء وأن نفوذه يساوم نظام لبنان البرلمان نسبياً ويهدد سلطة القانون، لقد استطاع أمراء الحرب بقدراتهم الواسع تشويه سمعة الشهابية في الإعلام، ما جعل رئيس الجمهورية طرفاً وليس حاكما كما يدعو إليه الدستور.

من ناحيته كان شهاب متقشفاً ساخراً بأساليب أمراء الحرب رغم أنه كأمير شهابي انتمى إلى طبقتهم، ولم يثق بهم، إذ في اليوم الأخير من العام 1961 قاد عناصر من الجيش اللبناني محاولة انقلابية ضد شهاب يدعمهم الحزب السوري القومي وبمباركة كميل شمعون، إذ فشل الانقلاب حضرت وفود إلى منزل شهاب شمال بيروت لتهنئته بالسلامة، وكان شهاب يحلق لحية ولم يشأ أن تزعجه الوفود ولذلك أوعز للحلاق: (أحلق يا ابني هؤلاء كانوا سيأتون على أي حال لتهنئة الحاكم الجديد لو نجح الانقلاب)[15].

ولم يساير شهاب عائلات أمرا ء الحرب والتجار، واستعاض عنهم بتنشئة جبل جديد من المسيحيين والمسلمين حتى يعينوه على الإصلاحات ويعملوا في مؤسسات الدولة الجديدة ويحتلوا مراكز الإدارة والحكومة والبرلمان، أما الجبل الذي يربيه شهاب ليكون قاعدته الإصلاحية لم يكن يتمتع بقاعدة شعبية كما ذكرنا، وفي الانتخابات النيابية عام 1964 اتهم التقليديون شهاب وأجهزة الدول بتدخل سافر كي يخسر بعضهم مقاعده في البرلمان ويفوز أشخاص مخلصون لشهاب ونهجه، وباستثناء استناد شهاب إلى شخصيات قوية مشت معه بضع سنوات كرشيد كرامي وكمال جنبلاط وأحياناً حزب الكتائب، لم يدر في فلك شهب أشخاص من أصاحب الكاريزما القوية، فكان من رجال عهده مدير مكتبه الياس سركيس ومستشاره شارل حلو، والاثنان كانا من خارج عائلات أمراء الحرب التقليدية ولم يحصلا شعبية أو يلفتا نظر الرأي العام (رغم أ نهما أصبحا رئيسي جمهورية -حلو عام 1964 وسركيس عام 1976) بدأ سركيس موظفاً في سكة الحديد وهو القادم من قرية الشبانية الصغير في جبل لبنان، بينما عمل حلو كمحام و صحافي مع خاله ميشال شيحا الذي ساعده ليصبح سفيراً كما رأينا 1946.

وكان بيدس من الجانب الأخر من المعادلة اللبنانية في الستينات، مع الشهابية، حيث دعمته رموزها ورجالها في السلطة فكان صديقاً شخصياً لشهاب ومستشاره وخاصة الياس سركيس وعبد اللـه اليافي (رئيس وزراء وزير المالية) وفيليب تقلا حاكم مصرف لبنان ووزير الخارجية، وكذلك قادة أحراب سياسية وضباط أجهزة المخابرات والجيش، لقد كانت القوى النافذة في البلاد تعد العدة للانقضاض على الشهابيين وضرب نواة سلطتهم الصاعدة، وحتى يحين الوقت لتحرك هؤلاء كان بيدس يشعر بالأمان مع جماعة النهج، لقد كان يعتقد أن المال هو قوة، وطبق مبادئ العلوم المالية بعقل بارد لا ينسجم مع عالم الأحاجي اللبنانية المعقد، وكان يؤمن أن الشعب اللبناني سيقدر خدماته وجهوده لبناء الاقتصاد اللبناني أن أمراء الحرب والتجار والمتم ولين سيقبلونه بسبب نجاحه، ومع مرور الوقت سينسونه في مدينة كبيرة كبيروت.

انتهى عهد شهاب عام 1964 واختير شارل حلو خلفاً له فرضي البرلمان ذو الأغلبية الشهابية بهذا الاختيار رغم الإصرار على التجديد لشهاب، وطالما أن حلو هو خيار شهب فقد اطمأن بيدس ورحب به، ولكن بيدس خدع كما خدعت جماعة النهج لأن حلو لم يكن شهابياً متحمساً وكانت عقيدته سياسية وثقافته الفرنكوفيلية أقر إلى إميل إده منها إلى بشارة الخوري بلغت الثلاثينات، إذا كان حلو شهابياً متردداً حيث كان جزء كبير من عقليته مرتبطاً بنشأته الجزويتية وارتباطه مع الأسر التقليدية، فهو كان من مؤسسي حزب الكتائب عام 1036 ولكنه ابتعد وانضم إلى الكتلة الدستورية بقيادة بشارة الخوري هذه الخلفية جعلت حلو أ كثر انفتاحاً على القوى التقليدية، وبدلاً أن يستمر في مناخ الإصلاح بات موقعاً صبت فيه صراعات أمراء الحرب والتجار ضد الشهابيين الذي استمروا كأصحاب اليد عليا في الدول في عهد حلو ، وفي بداية عهده، لم تتبدل البيئة كثير بالنسبة إلى بيدس إذا إن جماعة شهاب في السلطة كانوا أقوياء واستمرت العوامل الإيجابية بالنسبة لإنترا، ولكن بعد عامين من عهد حلو بدأ الشهابيون يخططون للانتخابات النيابية عام 1968 والانتخابات الرئاسية عام 1970 وكان بنك إنترا جزءاً من حساباتهم لهذه الانتخابات.

في 1966 التقى الياس سركيس وعدد من السياسيين وأصحاب الأعمال وفئات تسير في الفلك الشهابي على ضرورة أن يستمر النهج في قيادة البلاد بعد نهاية عهد حلو عام 1970 ولاحظوا أن الظروف الاقتصادية والاجتماعية مؤاتية لهذه الاستمرارية، خاصة شعبية فؤاد شهاب والوقع الملموس لإنجازاته والتي أفادت المواطنين ، لقد قرر الشهابيون أن يكون الياس سركيس مرشح الرئاسة عام 1970 وأن يتحضر آخرون من جماعة النهج لانتخابات الرئاسة عام 1976، وكان دور بيدس مهماً في توفير المال اللازم لدعم الحملات الانتخابية البرلمانية والرئاسية، لقد سمح قانون النقد والتسليف لمصرف لبنان بأن يقدم الوعود إلى البنوك التجارية -كتسليفات مؤقتة – مقابل ضمانات وبما أن بنك إنترا امتلك ضمانات واسعة كعقارات وشركات مساهمة كان بإمكانه أن يطلب سلفه من مصرف لبنان بقيم 100 مليون ل.ل (35 مليون دولار) كافية لتمويل الانتخابات، أما كيف يساعد طلب القرض من مصرف لبنان في تمويل الانتخابات، فذلك عبر الاستفادة من هوامش الفوائد، فقد كان سعر الفائدة INTERBANK RATE  في بيروت 6 بالمائة أما القرض من مصرف لبنان إلى إنترا فسيتحدد بسعر فائدة 3 بالمائة، مما يخلق هامش ربح مقداره 3 بالمائة وهذا التقرير يوفر لإنترا منحة مجانية قدرها 3 ملايين ليرة في السنة.

وهكذا مع تراكم هذا الفارق لمدة ثلاث سنوات مع الفوائد سيتوفر في الصندوق الشهابي لتمويل الانتخابات مبلغ 10 ملاين ليرة، كما أن المجهود سيستمر لتموين الصندوق بحيث يصبح ممكناً تمويل الانتخابات الرئاسية عام 1976 أيضاً .

ورأى بيدس أن بنك إنترا كان في وضع ممتاز، وأنه يسجد صعوبة في تبرير حاجته إلى قرض من مصرف لبنان كأن هناك مشكلة سيولة، ولكنه رأى مدى أهمية أن تستمر الشهابية كداعم سياسي قوي لبنك إنترا ، ولأنه كان من غير الممكن لبيدس أن يحاول الحصول على السلفة مباشرة من مصرف لبنان لأن ذلك يجر أسئلة واستفسارات دقيقة عن صحة إنترا ووضعه وحاجته إلى السيولة، كان لابد من وساطة سياسية، ورأى الشهابيون أن يكون شارل حلو هو هذه الوساطة، ولم يكن حلو موضع ثقة كاملة لدى الشهابيين فلم يشاركوه أفكارهم ومشاريعهم.

ورغم نفوذهم العارم في الإدارة الرسمية والجيش والبرلمان وجمع مراكز السلطة في البلد رأوا أن يلعب حلو دوراً في تأمين السلفة لإنترا ،وكان من الأفضل أن لا يفاح حلو من رموز الشهابية مباشرة بل أن يأتي الأمر وكأنه طلب من إنترا.

كان إدوار بارودي صلة الوصل بين الفريق الشهابي وبيدس، وكان يستطيع تحديد موعد لبيدس مع شارل حلو، وفي حين وافق بيدس على المضي بخطة الشهابيين للانتخابات وصندوق التمويل، طلب مهلة من الوقت قبل تحديد موعد نهائي مع شارل حلو.

ولكن الأمور تحركت بسرعة أدت إلى عرقلة كل حساباته، إذ عندما حدد بارودي الموعد مع حلو، كانت أزمة القطاع المصرفي تطل برأسها في بيروت، في حين كان بيدس خارج لبنان يتابع أشغاله في باريس ونيويورك، وعندما عاد إلى بيروت وذهب للقاء حلو كانت الأحداث تنذر بعاصفة مدمرة على إنترا.

 

البيئة الإقليمية والدولية

في بداية الستينات واجهت المصارف اللبنانية منافسة حادة من المصارف الأجنبية العاملة في الشرق الأوسط، التي سعت إلى استقطاب أموال النفط العربية وحاولت المصارف اللبنانية مواجهة هذه المنافسة برع أسعار الفائدة على الودائع لجذب الزبائن، ما أدى إلى انخفاض أرباحها وارتفاع أكلافاها، فلجأ عدد كبير من المصارف اللبنانية إلى الاستثمارات المتوسطة والطويلة الأمد التي يمكن أن تثمر عن مردود أعلى من هامش الفوائد، ولكنها جامدة صعبة التسبيل عند الطلب، وازداد الضغط على هذه المصارف عام 1964 عندما عمدت المصارف المركزية في أوروبا والولايات المتحدة إلى فرض سياسية نقدية صارمة ورفعت الفوائد لمكافحة التضخم الذي نجم عن حرب فيتنام.

وباكراً في 1966 ارتفع الدولار الأميركي بشكل ملحوظ في أسواق القط الأوروبية، مسجلاً مكاسب بلغت 8 بالمائة في اليوم الواحد، وتصرفت أسواق بيروت المالية بأسلوب المضاربة بعكس سلوك الأسواق الأوروبية التي تماشت مع حركة الدولار، فكانت البنوك في لبنان تستثمر سيولتها المحلية ضد حركة الدولار أملاً في أن يعود الهبوط فتحقق أرباحاً، ولكن في نفس الفترة كان المصارف الأوروبية والأميركية والشركات المالية الغربية ترسل وفوداً إلى عواصم الشرق الأوسط لعرض خدمات ممتازة وأسعار فوائد أفضل من تلك التي يجنيها المستثمرون العرب والشرق أوسطيون في بيروت وكان من هؤلاء ديفيد روكفلر من تشايس منانهاتن الذ اعتبره بيدس حتى ذلك الوقت من أفضل أصدقائه.

لقد شد ارتفاع الدولار وأسعار الفائدة المستثمرين، فبدأت الرساميل تغدر بيروت إلى أوروبا وأميركا ما أسفر عن كشف للنظام المصرفي اللبناني أدى فيما بعد إلى أزمة سيولة، في تلك الأثناء كان بيدس ومجلس إدارة إنترا مطمئنين إلى وضع بنك إنترا، يتوقعان أن تعبر أزمة السيولة بخير ويعود السوق إلى وتيرته، ولكن الأحداث أثبتت أن مجلس إنترا وبيدس نفسه لم يقدرا حجم التحرك الدولي وبالغا في مقدرة إنترا على مواجهة الأخطار المالية في حين كان الانهيار على مسافة أسابيع فقط.

كان بيدس مدركاً أن العائلات النافذة تضمر العداوة لإنترا، فهويته الفلسطينية وعلاقاته مع الجماعة الشهابية وحجم البنك العملاق وسطوته في القطاع المصرفي، كل ذلك لم يكن موضع ترحيب تلك العائلات، وفي بحثه عن الربحية اصطدم بيدس ليس فقط بالنخبة اللبنانية التي لم تقبله ولكن أيضا مع النخب الفلسطيني حيث كان الشارع الفلسطيني أشد عداءً، إذ رافقت أحداث منتصف الستينات تحولات جديدة في مسار القضية الفلسطينية، حيث انطلق العمل المقاوم في رأس السنة 1965 وتأسست منظمة التحرير الفلسطينية في مرحلة بدأ فيها تسييس رأس المال الفلسطيني والمهارات الفلسطينية، فبدأ رأس المال الفلسطيني يتخلى عن بيدس وسحبت منظمة التحرير وشخصيات أخرى ودائعها من إنترا وافتتحت حسابات في البنك العربي المحدود وكان أيضاً برأسمال فلسطيني[16].

ويقول فارق محفوظ شاهد تلك الفترة وعضو لجنة الرقابة المصرفية عام 1990 إن القوى المضادة الداخلية والخارجية قد استاءت من تفوق إنترا وبدأت تبث شائعات بأن بيدس يبيع أراضي فلسطين وبيدس يتعامل مع إسرائيل واسحبوا ودائعكم من إنترا قبل إفلاسه[17].

ولم تساعد التحولات في سورية محاولات إنترا لتصحيح وضعه، إذ كانت سورية تحبذ الاشتراكية والنظام الاقتصادي الموجه، في حين اعتبرت السلطات النقدية السورية فتح حسابات سرية في بيروت جريمة يعاقب عليها القانون، وبات واضحاً أن المناورات السياسية في لبنان وسورية وفي أجواء الفلسطينيين غطت الصورة وطغت على القرارات الاقتصادية المناسبة.

ولأسباب متعددة كان المودعون الكبار يدرسون فكرة سحب ودائعهم في إنترا، وفي نفس الوقت كانت الوفود المصرفية السويسرية تزور السعودية وتعرض صفقات مربحة جداً (فوائد وتسهيلات) لا يقدمها إنترا أو أي بنك لبناني آخر. وبدأ مودعون هامون، لاسيما أثرياء العرب، يخططون لتحويل أموالهم من المصارف اللبنانية التي لم تدفع أكثر من 4 بالمائة فائدة، إلى حسابات لدى المصارف الأوروبية والأمريكية التي دفعت حتى 9 بالمائة[18].

وإذ أخذ السعوديون في الحسبان علاقاتهم الأخوية مع لبنان وترددوا في الأمر إلا أن تلك الفترة كانت مشتعلة بين الدول العربية حيث غاب الوفاق (ولقب البعض تلك المرحلة بالحرب العربية الباردة) بين مصر وخصومها العرب، وكان الملك فيصل عاهل العربية السعودية غاضباً من بعض صحف بيروت التي هاجمته وهاجمت المملكة وكالت المديح لغريمه الزعيم المصري جمال عبد الناصر، وكان إنترا مصرفاً لبنانياً ومركزه بيروت حيث يشتم الملك كل صباح فأوعز البعض للسعوديين أن بيدس ومصرفه محسوبان على الشهابيين المدعومين من عبد الناصر.

وكان للكويتيين أسباب مختلفة لسحب الودائع من إنترا، فلقد ضغطت عليهم الحكومة البريطانية لتحويل ودائعهم من بيروت إلى لندن لدعم الجنيه الإسترليني الذي كان يتعرض لضغوط جدية من الدولار الأمريكي القوي ، أما الروس فم يكن لديهم داع للاكتراث بمصير مصرف خاص له خلفية أميركية، إذا ان نظامهم الشيوعي لم يشجع الاستثمار الخاص والنشاطات الرأسمالية بل كان الهدف من ودائعهم في إنترا وغيره جزءاً من سياستهم الإقليمية لتمويل نشاطات تساهم في الحرب الباردة مع الولايات المتحدة وبلغت ودائعهم لدى إنترا 6 ملايين دولار أميركي وهو مبلغ كبير بمقاييس الستينات ورغب الروس سحب أموالهم لأمور تتعلق بالتغيرات الإقليمية وتحالفاتهم في الشرق الأوسط.

وتلخص مجلة تايم الأميركية ضلوع أطراف عديدة غربية وعربية في انهيار إنترا:

(بريطانيا التي تحركت أولاً إذا كانت غير راضية عن رفض بيدس شراء طائرات vs 10 البريطانية لصلاح شركة طيران الشرق الأوسط التي يمكلها انترا ثم تحركت الحكومة الفرنسية التي تمتلك 15 بالمائة من أسهم طيران الشرق الأوسط وتطمع في امتلاك البقية، ولا تحب بيدس الموالي للأميركيين، فجمدت طلب إنترا بناء مركز أوروبي في باريس يحتاج إليه حاجة ماسة ثم تدخلت روسيا، إذ حملت بنك نارودني على سحب 5 ملايين دولار من إنترا، في ذلك الحين كانت متاعب إنترا أبعد من أن يكون ميئوساً منها، لكن رائحة الدم انتشرت في الجو المالي، فقد تذرع السياسيون المؤيدون للملكة العربية السعودية في لبنان بحملات الصحف اليسارية على الملك فيصل لحمل السعوديين على سحب كميات كبيرة من ودائعهم[19].

 

الانهيار

لم يكن ثمة مشكلة سيولة لدى إنترا في بدء حركة الدولار وأسعار الفوائد، حتى عندما تأثرت مصارف لبنانية أخرى، ولكن تحرك الدولار والفوائد العالمية بدآ يضعفان القطاع المالي بأكمله وباتت الحاجة الملحة إلى تدخل من الحكومة والمصرف المركزي، ولم يشارك بيدس في المطالبة بالتدخل الرسمي لأن مساعدة المصرف المركزي للمصارف التجارية كانت مرتبطة بقنوات قانونية وخطوات إجرائية بجب أن تحصل قبل تقديم الدعم، كما كان هناك خطر أن تقدم الحكومة على التحقيق في أزمة السيولة في قطاع ظاهره صحي، وما يجر ذلك من فضح للممارسات التي كانت تقوم بها المصارف، ومنها إنترا ولذلك كان على بيدس ومجلس الإدارة أن يتجها إلى تنظيف البيت وتقويم الممارسات لتتلاءم مع القوانين وطبيعة عمل المصارف وإعادة هيكلة مجلس الإدارة، ورأى بيدس ومعه الكثير أن يتوقف النفوذ السياسي داخل مجل الإدارة، وخاصة من قبل مؤسسي إنترا الذي كانت ارتباطاتهم مع الشخصيات العامة واضحة للعيان وقد تسبب الضرر فيما بعد، كأن تتجه تحقيقات أو استفسارات حكومية عن دور إنترا في السياسية فيتدخل أعداء إنترا لأذيته.

وتشارك بيدس مع معاونيه، ومهم نجيب علم الدين، رئيس شركة طيران الشرق الأوسط (الميدل ايست) وعضو مجلس إدارة إنترا، في ما يجب عمله لتقوية البنك ومواجهة الأزمة، ومن المقترحات كان وضع خطة شاملة عن البنك ومواطن قوته وضعفه واعتماده حلول إصلاحية وتطويرية، فحضر الأميركي بول باركر، نائب رئيس بنك أوف أميركا، ليعد هذه الخطة فحضر أصول البنك ووجدها متينة من ناحية الاستثمارات الجامدة ولكنه وجدها ضعيفة من ناحية السيولة وعندما عرض باركر خطته ونتيجة دراسته للوضع على بيدس في 15 أيلول سبتمبر1966 ختمها بالقول إن إنترا يواجه مشاكل مستعصية لأن الزبائن بدأوا يسحبون ودائعهم وأن هذه السحوبات أصحبت يومية، وأن هذه المعلومات كافية لإلحاق أكبر الأذى بإنترا إذا سربت على الرأي العام، وعندئذ سيخاف المودعون الصغار ما يهدد مقدرة إنترا على الدفع.

أقلق هذا الأمر بيدس كثيراً وعجل في تنفيذ مقترحات باركر فتشكل مجلس إدارة جديد وتم تعيين أصحاب الخبرة والمهارة في مناصب عليا في البنك وقدم بيدس استقالته من رئاسة مجلس الإدارة إمعاناً في استقلالية المجلس، وعين النائب في البرلمان رفيق نجا ونجيب صالحه مكانه، وأكد صالحة أن وضع إنترا قوي وأن الصعوبات الحالية ستزول لأنها مجرد نقص مؤقت في السيولة، وفي الواقع فإن تشخيص صالحة لوضع إنترا كان في مكانه كما يستبين.

قام مجلس الإدارة الجديد بتقويم الوضع، وقرر طلب سلفة من البنك المركزي لمواجهة العجز المؤقت في السيولة مقابل ضمانات من أصوله الأقل سيولة (سندات وأسهم) وفي زعمهم أن إنترا سيعود أقوى مما كان خلال فترة قصيرة، وكان بيدس مدركاً أن طلب السلفة من مصرف لبنان ليس سهلاً، ولذلك فضل أن يأتي الطلب من مجلس الإدارة وهو خارجه، فقد كانت علاقة بيدس سيئة مع مصرف لبنان كما كانت هناك عداوات كثيرة تراكمت مع أمراء حرب تجار وزعماء، ولكن كان خوف بيدس الأكبر أن يستغل أعداء إنترا طلب السلفة لتسريب الخبر إلى الرأي العام ويحصل ما حذر منه باركر من وقع سيكولوجي عارم على صغر المودعين، ورغم مخاوفه، وافق بيدس أن يتدخل لدى أصدقائه السياسيين للمساعدة في طلب السلفة خاج القنوات المكشوفة، وحان الوقت للموعد مع رئيس الجمهورية، فذهب إليه بيدس وكان اللقاء مختلفاً تماماً عن السيناريو الذي رسمه الشهابيون، ففيما انتهى اللقاء بموافقة حلو على النظر في ما يمكنه أن يفعل، ماحصل بعد ذلك أن حلو رمى الكرة في ملعب صهرة جوزف أوغورليان نائب حاكم مصرف لبنان ونفض يده أي ألغى تماماً مسألة التوسط الذي تمناه الشهابيون وجعل المسألة قسراً علاقة أي مصرف بالبنك المركزي.

ويقدم نجيب علم الدين بعض التفاصيل عن لقاء بيدس بحلو، ذلك أنه كان شاهداً على أحداث إنترا والتقى بيدس وحلو مراراً في تشرين الأول/ أكتوبر 1966 فيقول إن الرجلين ناقض واحدهما الآخر حول ما تمت مناقشته في اجتماعهما، إذ عندما التقى علم الدين بحلو قال له هذا الأخير (طلب مني بيدس أن أسأل البنك المركزي ليساعد بنك إنترا لأن إنترا في ورطة حقيقة[20]) وفي نفس المساء اتصل علم الدين ببيدس في نيويورك لمواجهته بما قاله حلو عن أن إنترا في ورطة وأسباب الحاجة إلى القرض، ويقول علم الدين: (بيدس حلف بحياة أولاده أن الحديث مع حلو لم يتم بهذه الصورة التي وصفها حلو وأن الرئيس نفسه هون من طلب من بيدس أن يزيد استثمارات إنترا في لبنان وأن الحكومة ستساعد في هذا الاتجاه، وأن الرئيس ذكر بعد ذلك احتمال سلفة بقيمة 150 مليون ل.ل وأنه قال لبيدس أذهب وقابل أوغورليان[21]) ويؤكد علم الدين في مذكراته أنه يصدق ما قاله بيدس عن اللقاء مع حلو ثم يستعرض علم الدين تفاصيل أزمة إنترا في 35 صفحة يبرئ فيها بيدس تماماً من أي خطاً أو عمل مخالف للقانون.

أما ما جرى في اللقاء من نصح حلو لبيدس بمقابلة أوغورليان فإن بيدس كان موقناً أن أوغورليان كان جزءاً من حلقة أمراء الحرب والتجار في لبنان، وكان يكرهه شخصياً، حتى أن بيدس يذكر بأن اللقاء بينه وبين أوغورليان اتخذ طابعاً عنصرياً، حيث شرح بيدس لوغورليان عن أعمال بنك إنترا وتوقعاته وأن إنترا يدرس مشاريع استثمار داخل لبنان ستجلب الفائدة للاقتصاد وظهر كبرياء أوغورليان عندما رد على بيدس بجفاء، ولماذا تستثمرون في لبنان؟ أنت لست لبنانياً ولبنان لا يريد أن تسيطروا على اقتصاده وكان أوغورليان (الأرمني الأم والأب) ينظر إلى بيدس على أساس أنه فلسطيني بصرف النظر عن أن بيدس حصل على الجنسية اللبنانية ومقيم في لبنان منذ 18 عاما وأنه متزوج من لبنانية وأطفاله لبنانيون، ولكن بيدس وجه النقاش مع أوغورليان نحو طلب إنترا، ولم يستطع هذا الأخير أن يرفض طلبه دون إعطاء سبب موضوعي، إذ أن أوغورليان المتمرس في القطاع المصرفي والشؤون المالية لم يخف عنه أن إنترا كان في وضع ممتاز يحتاج إلى السيولة وأن انهياره سيلحق أكبر الضرر باقتصاد لبنان وقطاعه المصرفي[22]. واتخذ أوغورليان موقفاً رسمياً أنه طالما أن إنترا يسعى إلى وساطة سياسية خارج القنوات الآلية للتعامل مع مصرف لبنان فيجب إشراك الحكومة في الأمر وأنه شخصياً لا يستطيع اتخاذ القرار، ورمى أوغورليان الكرة في مرمى زعامة بيروت السنية، وربما كان موقف أوغورليان حكيماً، فهو إذا وافق على تسلف إنترا فسيغضب أمراء الحرب والتجار من أعداء إنترا، وإذا رفض السلفة فسيغضب ليس فقط الجماعة الشهابية بل سيغضب رأياً عاماً سيرى الأمر هجمة على الرأس المال الفلسطيني ما قد يولد تعاطفاً إسلامياً وتملصاً من قرار اتخذه مسيحيون، ووعد أوغورليان بأنه سينقل الأمر إلى عبد اللـه اليافي الذي كان رئيس مجل الوزراء ووزيراً للمالية.

اتصل أوغورليان باليافي وشرح له الموقف وذكر له أن رئيس الجمهورية على علم بالمسألة وأجاب اليافي أنه سينظر في الأمر، وفيما كان اليافي في صف الشهابيين في السابق إلا أن حساباته السياسية تغيرت، فهو لم ينظر في طلب إنترا كوزير للمالية بل اتصل فوراً بالزعيم البيروتي صائب سلام، الذي أصبح حليفه السياسي ومرشده الأهم، وكان سلام عدواً للشهابين بعدما أبعده فؤاد شهاب مراراً عن رئاسة الوزارة، مفضلاً زعم طرابلس رشيد كرامي، كما أن سلام كان لديه تجربة سلبية مع بيدس الذي رفض طلباً لقرض قدمه سلام، وكان سلام يحتاج إلى المال لبناء قصر في ضاحية الدوحة جنوب بيروت ولم يسلفه إنترا المال، وقيل بتدخل من بيدس[23].

وتجدر الإشارة إلى أن موقف أمراء الحرب والتجار من بيدس وإنترا كعداوة مطلقة مصدرها شعورهم بالخطر من الشهابية وحلفائها، ولكن بعضهم كان على استعداد للسير مع الشهابيين لو وافق هؤلاء على تعزيز مواقعهم الانتخابية أو على مدهم بالمال، وكان رفض بيدس تقديم الخدمات لهؤلاء وبالاً عليه، بل كان يشارك نزرة شهاب إلى العائلات اللبنانية على أنهم آكلة الجبن LES FROMAGISTES وعندما احتاج بيدس إلى المساعدة فإنه لم يجدها حتى لدى الزعماء المسلمين الذين وقفوا ضد شمعون عام 1985 وباكتمال حلقة رفض أمراء الحرب والتجار، مسيحيين ومسلمين، مد يد العون إلى إنترا ، تبخرت احتمالات رفض المساعدة من أطراف أقل نفوذاً في لبنان، إذ بعد رفض الأقطاب دعم إنترا أصبح الموضوع (تابو) أبعد أصدقاء محتملين ومنعهم من تقديم المساعدة لخوفهم من عواقب وخيمة قد يجنونها إذا ساعدوا البنك.

هذه الحلقة من الاستشارات من وراء الكواليس بدءاً بشارل حلو، إلى الزعامة الإسلامية، لم تبق قيد الكتمان، إذ تسرب الخبر عكس مشيئة بيدس، بأن إنترا يطلب سلفة وخرجت إشاعات في السوق المالية بأن بنك إنترا أكبر مؤسسة مالية في لبنان أصبح في خطر ويبحث عن منقذ وذكرت إشاعات أخرى بأن إنترا كان على وشك الانهيار وأن أصوله باتت معروضة للبيع أو باتت تعرض كضمانات للحصول على سلفات، وفي مجتمع يتصف باستعداد دائم لقبول نظريات المؤامرة، صدق العموم بأن إنترا بدأ ينهار.

في تلك الأثناء لم يكن بيدس ومعاونوه بانتظار ثمرة الاتصالات، بل عملوا فوراً على مواجهة الأزمة، إذ بدأ إنترا في تحويل السيولات المتوفرة في الفروع حول العالم إلى بيروت وكذلك تحويل مبالغ متوفرة من استثمارات إنترا المتعددة ودراسة احتمال بيع بعض الأصول غير السائلة أو القريبة من السيولة، فبدأ (المنقذون) والباحثون عن (الاوكازيونات) بمن فيهم ممثلو مصالح أميركية كبرى، يتوافدون إلى بيروت أو يحومون حول إنترا، ليس بعروض إنقاذية تسمح لإنترا بالاستمرار بل إمعاناً في إنتظار سقوطه ما يجعل أصوله، وممتلكاته معروضة للبيع بأسعار رخيصة، فهم كالعقبان والغربان المحلقة في السماء أثناء اللحظات الأخير ة لاحتضار الطريدة.

في نهاية أيلول/ سبتمبر 1966 اتصل هربرت برونل، وزير العدل الأميركي السابق في عهد الرئيس دوايب أيزنهاور، بفرع إنترا في نيويورك بصفته محامياً ومستشاراً لشركات أميركية، وقدم عرضاً باسم رجل الأعمال الأميركي دانيال لودفيغ، وكان لودفيغ يملك عدة مشاريع تجارية منها أن بي سي (national bulk carrier) وطلب برونل تحديد موعد للودفيغ مع بيدس لحبث أمور مهمة تتعلق بالأزمة المالية في لبنان وقدم جدول أعمال حول الأمور التي يود لودفيغ بحثها ولكن لودفيغ كان رجلاً عميلاً على الطريقة الأميركية، إذ عندما حضر للقاء بيدس ومعاونيه لم يكترث لجدول الأعمال، بل عرض فوراً شراء شركة الميدل إيست مقابل أن ينقذ بيدس من أزمة السيولة ولكي يصبح العرض مغرياً أعلن لودفيغ استعداده للعمل مع إنترا للحصول على رخصة استخراج النفط من الحكومة العراقية، وأجاب بيدس بأنه مستعد للبحث في شتى أمور التعاون وأصول إنترا الأخرى إلا في موضوع شركة الميل إيست لأن شركة الطيران لم تكن معروضة للبيع.

وبعد يومين زار بيدس رجل الأعمال اللبناني كارلوس عريضة، الذي قال بأنه على اطلاع على تقارير من مصادر موثوقه بأن وضع إنترا لا يشير بالخير، وأنه مدفوعاً برغبة لعمل الخير، مستعد لشراء شركة الميدل إيست، وأثار عرض كارلوس عريضة فضول بيدس، ذلك أن عريضة كان المالك السابق لشركة طيران صغيرة هي air liban التي اشترتها إنترا قبل سنوات وضمتها إلى الميدل إيست، وكان بيدس يعلم أن إمكانيات عريضة المالية محدودة فسأله عن كيفية تمويل عريضة، وأجاب عريضة بأنه يتمتع بصداقات مهمة مع أثرياء ورجال أعمال وأصحاب نفوذ ممن سيساعدونه في التمويل، وأضاف عريضة أن الأمل يتعلق برغبته في العودة إلى العمل في قطاع الطيران المدني، وشرح بيدس أنه لا يرغب في بيع الميدل إيست وأن قد رفض عرضاً مغرياً من دانيال لودفيغ، فأجاب عريضة بأنه سمع عن عرض لودفيغ ولكن الفارق الآن أن الشركة ستبقى بأيد لبنانية وأن بيدس لن يرفض بيعه الميدل إيست بحكم الصداقة التي تجمعهما، ولكن بيدس تريث في الأمور ولم يوافق على عرض كارولس عريضة، وكانت شكوك بيدس في محلها إذ علم فيما بعد أن عريضة كان يعمل لمصلحة البليونير الأميركي هوارد هيوز الذي أراد شراء الميدل أيست وضمها إلى إمبراطوريته التجارية.

وجاءت عروض لشاء أصول أخرى منها عرض لشراء مبنى فرع مانهاتن ورفض بيدس البيع بل واصل اتصالاته لتأمين السيولة اللازمة لفروع إنترا في لبنان، ومنها اتصالات مع مؤسسات مالية في أوروبا والولايات المتحدة، ولكن هذه الجهود لم تكن كافية، لقد وصلت نسبة السيولة في بنك إنترا في أيلول /سبتمبر 1966 إلى 5و3 بالمائة من الودائع، ما عتبر جريمة في أوروبا والولايات المتحدة، ولذلك كان احتمال السحوبات من المودعين الكبار، السعوديين والكويتيين والروس، يشكل خطراً أكيداً.

في تشرين الأول/ أكتوبر فتح السعودين والكويتيون حسابات في مصارف سويسرية وبريطانيا أودعوا فيها شيكات مقبوضة على حساباتهم في بنك إنترا مع طلب مستعجل لصرف الشيكات وإيداع المبالغ في المصارف الأجنبية خلال عشرة أيام، وفي نفس الوقت سحب الروس ودائعهم، وهكذا استيقظ مجلس إدارة بنك إنترا وأمامه في يوم واحد طلبات سحوبات بلغت 100 مليون ل.ل فأبلغ إنترا مصرف لبنان بالأمر، وصعق حام المصرف ونوابه للأمر ولم يكن يحتاج غير ضخ السيولة في القطاع حيث تمتعت معظم المصارف نوضع جيد، وفي 9 تشرين الأول/ أكتوبر استيقظ لبنان على وقع الأزمة حيث عم الخوف من احتمال انهيار بنك إنترا، أكبر مؤسسة مصرفية في البلاد وأشعلت التطورات خيار الرأي العام فسارع المودعون الصغار لشن هجمات على فروع المصارف في كل لبنان يطلبون سحب أموالهم ما شكل طوابير طويلة من المواطنين الغاضبين في كل مكان.

وكان بيدس في فرع إنترا في باريس يتابع التطورات التي ويجري اتصالاته فوصلته برقيات متتالية من إسكندر أيوب مدير فرع باب إدريس– وهو الأكبر في لبنان، تكشف تفاصيل السحوبات ساعة بساعة، أما فرع رأس بيروت على شارع جاندارك فكان يعاني من هجوم كاسح على السحوبات.

وكان الوضع يهدد إنترا بالأسوأ، إذ في خطوة اعتبرتها أوساط إنترا خديعة ماكرة سرعت في انهيار البنك، وعد أوغورليان نجيب صالحة، رئيس مجلس إدارة إنترا بتقديم سلفة 15مليون ل.ل (10 بالمائة من المبلغ الذي ذكره حلو لبيدس (ليواجه إنترا السحوبات مقابل ضمانات وسندات وأسهم، وأن الأمر سيتم بمنتهى السرية حيث يمكن شحن الأوراق المالية التي بحوزة إنترا إلى مصرف لبنان فيضخ المصرف السيولة المطلوبة ويعتبر البعض أن نجيب صالحة استعجل في قبول عرض أوغورليان إذ لم يكن محنكاً في شؤون المال كبيدس والآخرين، فشحن السندات إلى مصرف لبنان ولكن أوغورليان استغل الأمر وأدخل هذه الأوراق عبر بهو المصرف ليرى الرأي العام أن بنك إنترا يعرض ضمانات مقابل سيولة، وسرى الخبر كالنار في الهشيم بأن إنترا تخلى عن أصوله للمصرف المركزي بمقابل بخس[24].

وتقول مجلة تايم: (وفي محاولة لتجنب أزمة حادة، توجه بيدس إلى البنك المركزي طالباً قرضاً، وهناك اصطدم باخصام قدامى، ولم يعط القرض وسرعان ما بلغ نبأ الرفض زعماء نقابة موظفي المصارف الذين يكرهون بيدس لإيقافه إنترا خارج النقابة ودفعه رواتب مرتفعة لموظفيه، وقد قام هؤلاء على ما ذكر بقيادة اثنين من الزعماء السياسيين كان بيدس قد رفض إعطاءهما قروضاً مالية، بحملة واسعة من بيت إلى بيت لنشر نبأ أزمة إنترا بين صغار المودعين الذين أصابهم الذعر، كما أن صحيفة نيويورك تايمز حملت مسؤولية انهيار إنترا مباشرة لمصرف لبنان الذي (كان رأس الحربة لدفع إنترا نحو وضع يائس[25]).

ويقول تحقيق أوردته النهار: "إن الدولة وخصوصاً المصرف المركزي لو أراد إنقاذ إنترا لفعل ولكنهما لم يريدا ولقد تركاه لمصيره في مهب الريح والانهيار.. وكان الرفض المتواصل لواضع قانون النقد والتسليف النائب الأول لحاكم مصرف لبنان جوزوف أوغورليان دافعاً إلى تعزيز هذا الاعتقاد، حيث كان أوغورليان قاسياً ومتصلباً جداً وهو من تربية بنك سوريا ولبنان، وعندما طلب إنترا مساعدة نقدية وضع صعوبات أمام تأمينها".

وتذكر النهار دراسة موضوعة عام 1978 أن مصرف لبنان يتحمل مسؤولية وضع عراقيل أمام إنقاذ إنترا بحيث عمد أوغورليان إلى معارضة كل اقتراح تم التقدم به إلى الصرف، مانعاً تسليفه أي مبلغ من المبالغ التي فوض المصرف المركزي تسليفها للبنوك الأخرى، مع أنه كان يعلم جيداً عمق ارتباط الاقتصاد اللبناني بإنترا[26].

صبيحة 14 تشرين الأول/ أكتوبر كان إنترا يواجه الانهيار الكامل، وكانت الحكومة قد عزمت على التحرك، فدعا شارل حلو إلى اجتماع طارئ (في القصر الجمهوري تم بناؤه بعبدا) لمعالجة أزمة القطاع المصرفي، وبدت هزالة ردة فعل الحكم للوضع الصعب حيث غاب عن الاجتماع حاكم مصرف لبنان فيليب تقلا لسبب واء هو حضوره اجتماعاً دروياً لصندوق النقد الدولي في نيويورك، وحضر الاجتماع الطارئ رئيس الوزراء وزير المالية عبد اللـه اليافي وعدد من الوزراء ورئيس جميعة المصارف بيار إده، الذي كان عدواً لبيدس، وجوزوف أوغورليان عن مصرف لبنان والياس سركيس ونجيب علم الدين ونجيب صالحة يصطحبه رفيق نجا، وهو نائب في البرلمان عن المقعد السني في طرابلس، واصحاب مصارف وشخصيات سياسية واقتصادية، وأضعف موقف صالحة منع مستشاري إنترا، بول باركر ويوسف سلامه من حضور الاجتماع، رغم أنهما كانا جاهزين بالوثائق والملفات والجداول لعرض وجهة نظر إنترا فوقف المستشاران خارج قاعة الاجتماع، وأثناء الاجتماعات انتشر خبر إعلان إنترا عن إفلاسه، ولكن الاجتماع استمر وكأن شيئاً لم يحصل، وكان الكثيرون يجيئون ويذهبون بمن فيهم أشخاص لا يعرفون شيئاً عن القطاع المصرفي، وكان كره رئيس الحكومة عبد اللـه اليافي لبيدس واضحاً حيث كان يصفه بـ "اللص والحرامي"، وكأن بينهما ثأراً قديماً، وهذا يدعوا للاستغراب إذ لم كين رأي اليافي الشخصي في بيدس سبباً كافياً يمنعه من تخمل مسؤولياته الرسمية والوطنية في بذل المستحيل لإنقاذ أكبر مصارف لبنان من الانهيار ومحاسبة بيدس وغيره فيما بعد، أما صالحة الذي كان مستعداً لمناقشة قضية إنترا بمساعدة مستشاريه الذين منعوا من المشاركة، فحاول مراراً وألح على الوزراء والحاضرين أن يطلعوا على الوثائق التي يحملها باركر وسلامة خارج القاعة، فلم يلتفت إلى طلبه أحد في يحن طلب منه البعض عدم الإلحاح في ذلك لأنهم يعرفون أن باركر هو صديق بيدس ومستشاره ولذلك فلن يكون لكلامه وزن أو موضع ثقة في الاجتماع.

 أثبتت الوثائق التي حملها باركر وسلامة، بأدلة دامغة، أن وضع البنك كان قوياً لا بل ممتازاً بفضل أصوله الكبيرة في لبنان وخارجه، وأنه كان من حق إنترا كأي بنك في العالم أن يطلب سيولة من المصرف المركزي، وكان باركر بأسلوبه القانوني المحاسبي يعتقد أن المسألة في بيروت لا تختلف عن وضع مشابه في الولايات المتحدة، وأنه يكفي الدفاع عن وضع إنترا حسب دراسته ليقتنع أمراء الحرب والتجار وكان مثيراً ومستغرباً أثناء هذه الاجتماعات التي منع عنها محامون إنترا، بما هو مؤسسة لبنانية، أن ينضم إلى الاجتماعات ألفونس عريضة، شقيق كارلوس، وبرفقته دنيال لودفيغ لمفاوضة الحكومة على شراء شركة الميدل إيست، حتى قبل إعلان إفلاس إنترا، ما كشف عن النوايا السيئة التي خيمت على هذه الاجتماعات، وانقض الاجتماع عن قرار لم يكن لصالح إنترا، إذا أعلنت الحكومة عن تحقيق رسمي حول أزمة القطاع المصرفي ولم تتخذ أي خطوة إنقاذية للبنك، فكان موقف الدولة كلاسيكياً، أي أنها لم تتدخل وتركت الأمور تسير إلى خواتيمها التعيسة، وكان بطرس الخوري مشاركاً في الاجتماع وكان صديقاً لبيدس، فما إن غادر القاعة حتى صرح للإعلاميين: لا يجب أن يعود بيدس إلى لبنان لأن هذا الاجتماع تحول إلى مسلخ ضد بنك إنترا، لقد أصبح إنترا الثور الذي وقع وكثر جلادوه وبدلاً من مناقشة الحلول لإنقاذ القطاع المصرفي، كان هم بعض المشاركين من الشخصيات البارزة توجيه أصابع الاتهام إلى إنترا إلى درجة أن الاجتماعات تحولت إلى محكمة تفتيش ضد إنترا، وكان مجلس إدارة إنترا منعقداً في نفس اليوم 14 تشرين الأول/ أكتوبر في المقر الرئيسي في بيروت حيث أدرك أعضاؤه أن الحكومة لا تنوي إنقاذ البنك فقرروا أن ينهوا حالة التريث وأصدر بياناً يعلن عن عجز إنترا عن الدفع، وما إن حل صباح 15 تشرين الأول/ أكتبوبر حتى كان فروع إنترا مقفلة في وجه الزبائن، فأعلن الإفلاس في اليوم التالي

 

نهاية بيدس وتصفية إنترا

قبل الانهيار كان بيدس يتابع الوضع من نيويورك ونصحه بول باركر ويوسف سلامة أن يعود إلى بيروت ويواجه خصومه ولا يترك الميدان للإشاعات والاتهامات، ولكنه تردد بعدما زاره مبعوثون من أمير حرب لبناني معروف أبلغه أنه "سيقتله وأفراد عائلته إذ حط قدماً في لبنان مرة ثانية[27]"، وفي مذكراته التي بقيت محفوظة ولم تنشر في كتاب بل اطلع عليها بعض المقربين، ذكر بيدس أسم أمير الحرب هذا وأسماء عدد كبير من السياسيين اللبنانيين الذين شاركوا في أعمال سلببية ضد إنترا وأعمال مشبوهة ومضرة بالاقتصاد اللبناني[28] ونصحه مستشاره أن يسحب مليوني دولار على الأقل من فرع نيويورك وهو مبلغ ضئيل أمام ثروته المحتلمة من تصفية أصول إنترا وحذروه من أنه سيصبح فقيراً في حال انهيار أمبراطورية إنترا ووضع الحكومة اللبنانية اليد عليها، ولكنه صرف النظر عن هذه الفكرة مكتفياً بما معه من مال.

بعد 15 تشرين الأول/ أكتوبر 1966 راح بيدس نيتقل من بلد إلى أخر وحط الرحال في البرازيل وهو مقتنع بأنه ضحية مؤامرة سياسية اقتصادية، فبعد أن طالبت الحكومة اللبنانية بتسليمه من حكومة البرازيل مثل أمام القضاء البرازيلي ومما قاله: "لقد أيقنت أن الرئيس حلو كان عازماً على تصفيتي كرجل أعمال" ولكن حلو نفى أن انهيار إنترا كان مؤامرة وجاء في مذكراته حسن نية الدول تجاه المصرف وأن انهيار إنترا كان لأسباب عديدة في مقدمها السبب الرئيس لانهيار كل أمبراطورية ألا وهو اتساعها وتحديداً سرعة هذا الاتساع مع ما يرافقه من مغامرات ناجحة في بعض الأحيان وفاشلة في بعضها الأخر وفي بعضها الآخر وخطرة في كل الأحيان.

وخصص حلو 27 صفحة من مذكراته لقضية إنترا محملاً مجلس إدارته المسؤولية، وإضافة إلى الرئيس حلو كان لائحة أعداء بيدس طويلة: عبد اللـه اليافي وصائب سلام وبيار إده وآل عريضة وسامي شقير ودانيال لودفيغ ودايفيد روكفلر وتشايز مانهاتن، قال بيدس:

"سلام بدأ يهددني وإنضم إلى أعدائي بعدما رفضت تسليمه 3 ملايين ليرة فقام بتوزيع 8 آلاف منشور مليئ بالأكاذيب عن إنترا والممولين ودعم اليافي الذي كان خصموه السياسي شرط أن يأتيه برأسي، وشغير أراد أن يصبح رئيساً لشركة استثمار مرفأ بيروت وعندما جعلته نائباً للرئيس استقال موجها اللوم إلي، وبيارد إده كان يكره منظري وحاول دائماً أن يستعمل جمعية المصارف ضدي، وعريضة جاءني إلى فندق والدورف في نيويورك وعرض على مليوني دولار رشوة لأبيعه طيران الشرق الأوسط ولكنني لست ممن يأخذون مالاً لجيبهم، ودانيال لودفيغ كان يعمل مع تشايس مانهاتن بنك، الذي كان صاحبه دايفيد روكفلر ضدي، وروكفلر هذا كان يطعنني بالظهر ويشارك في المؤامرة لتخريب إنترا، وتصرف بنكه كأنه زمرة من الرعاع في الأدغال، وعبد اللـه اليافي وحكومته عملوا كل مافي وسعهم لقتل إنترا.. إن المؤامرة استمرت في حملة شائعات منظمة، استأجروا أشخاصاً ليتصلوبالناس هاتفياً في بيروت، ووزعوا بينهم صفحات دليل الهانف محرضين الناس على سحب أموالهم.. وقالوا لهم أن إنترا يسقفل أبوابه[29].

غادر بيدس البرازيل ليستقر في سويسرا وتوفي في لوسرن أول كانون الأول/ ديسمبر 1968 عن عمر يناهز 56 سنة، وفي رسالة إلى الشعب اللبناني، نشرتها جريدة النهار بعد وفاته بأربع شهور أوضح بيدس أن منطلق نشاطه كان وطنياً لبنانياً متهماً البورجوازية المالية اللبنانية بمحاربة بنك إنترا لأنه (وجه نشاطاته لتكون فعلاً لمصلحة لبنان واللبناني وليس كالكثير من المشاريع الأخرى التي هي لبنانية بالاسم فقط ولكنها أصابع للمصالح الغربية لقد سعينا إلى تحقيق الاستقلال السياسي للبنان واكتشفنا أن هذا الهدف أمامه عقبات إذ كنا نتحدى ليس قط المصالح الغربية الجبارة بل حاربتنا مجموعة من اللبنانيين الذين اعتمدوا في معيشتهم منذ أيام الانتداب على خدمة مشاريع في لبنان يسيطر عليها الأجانب[30].

وبسبب حجم إنترا وسيطرته على نصف النشاط المصرفي في لبنان كان انهياره حكماً بالإعدام على نهضة قطاع وطني لبناني اعتبر حتى ذلك اليوم مركزاً عالمياً هاماً للخدمات المالية، وخوفاً من أن تتطور الأمور نحو الأسوأ، أمرت الحكومة بإقفال السوق المالي لمدة ثلاثة أيام، وفي تحرك ملفت قام مصرف لبنان بضخ السيولة لكافة المصارف باستثناء إنترا، وهكذا في خريف 1966 باتت الحكومة وكبار المسئولين في البلد أمام انهيار قطاع بكامله بدلاً من معالجة مبكرة لأزمة إنترا بالدجة الأولى.

وعكست التحقيقات الرسمية في العام 1967 النية السيئة تجاه إنترا، وأحضر أعضاء مجلس إدارة إنترا أمام لجنة التحقيق بتهمة التزوير والسرقة والإفلاس المتعمد، وحتى نجيب صالحة صاحب السمعة الحسنة والذي كان متعمقاً بشؤون البنك مثل أمام اللجنة واعتقل وسجن لنفس التهم، وكان صالحة درزياً من رأس المتن ونائباً وزيراً سابقاً ورجل أعمال ثرياً صاحب قصر صالحة الذي اشتراه رفيق الحريري في حي قريطم البيروتي، ومؤسس عدد من المشاريع الاقتصادية في لبنان مثل مصنع الكولا وفندق فينيسيا ووصل الأمر إلى درجة أن أحد محامي الحكومة، إلياس سلامة أدعى أن أصول وأملاك إنترا في الخارج لم تكن موجودة أساساً فقال بأن ناطحة السحاب في نيويورك كمثيلاتها من العقارات، من اختراع اللص بيدس.

ولكن عندما وليم إيتون محامي فرع انترا في نيويورك بالوثائق التي تثبت ملكية إنترا للمبنى على الجادة الخامسة في مانهاتن، تلعثم سلامة وقال بأنه يعلم ذلك ولكن هيئة الرقابة على المصارف في ولاية نيويورك وضعت يدها على المبنى ما يمنع الحكومة اللبنانية من مصادرته وحتى الفندق في لوغانو في سويسرا اعتبره المدعي العام أنه من أكاذيب بيدس، فواجهه بول باركر مستشار إنترا بالوثائق الثبوتية عن وجود الفندق وقيمته فاقتنع المدعي العام ولكنه اعترض على أن قيمة الفندق، وكانت 14 مليون دولار، مبالغ بها. وكانت هذه الوثائق من بعض الملفات التي حضرها مستشارو إنترا لاجتماعات القصر الجمهوري قبل عام لو وافقت الحكومة على الاستماع إلى إنترا.

ويقول فاروق محفوظ إن الإقطاع السياسي كان يبتز بيدس وإن هذا الأخير دفع أموالاً طائلة حتى ضاق بهم ذرعاً وتقول مصادر لجريدة النهار إنه كان (هناك قرار سياسي مبيت بإنهاء بيدس وأن الشعبة الثانية كان يمولها البنك ثم يبدو أنه أوقف تمويلها.. وكانت أجهزت استخباراتية اشتغلت في القضية، وإلى جانب نواب ووزراء سابقين كان أعضاء في مجلس الإدارة مثل نجيب صالحة ورفيق نجا ومنير أبو فاضل، أفاد موظفون في البنك أن ثلث مجلس النواب كان يقصد إنترا في نهاية الشهر ليقبض المال[31]) ويقول جورج عشي، وهو رئيس سابقة لجميعه المصارف وعضو مجلس إدارة بنك عودة مؤلفات في تاريخ القطاع المصرفي والنقد اللبناني (لقد بلغ الأمر أن أصبح لإنترا خمسة وزراء في مجلس الوزراء كان لديه أنصار في مجلس النواب، كان هناك جو أن هذا البنك يريد أن يأكل البلد فعندما سقط كانت هناك شماتة به[32]).

لقد وضعت ا لحكومة اللبنانية يدها على إنترا لتصفية أصوله ودفع المستحقات خاصة لأصحاب الودائع، فتأسست لجنة وصاية لإدارة وتسيير أعمالة برئاسة 4 أشخا : بشارة فرنسيس وشوكت المنلا (قاض متقاعد) وإلياس سركيس وبيار داغر، وكانت مهمة هؤلاء تتضمن تعين مجلس جديد للإدارة وتخمين وبيع كل الأصول العائدة لإنترا وتكليف شركة استشارية للقيام بهذه المهمة، واختيرت شركة الاستشارة الأميركية كدر بيبودي لتخمين الأصول وبيعها واقتراح خطة عمل لمستقبل إنترا، وعينت الشركة الأميركية وكيلها روجيه تمرز مستشاراً لمتابعة الملف باسمها، وكان تمرز قد عمل لفترة لدى هان سلام، شقيق صائب سلام (وسيلعب دوراً في الشؤون المصرفي في لبنان في الثمانينات) وقدم تمرز مشروع شركة كيدر بيبودي لتصفية إنترا وملخصة إقامة شركة جديدة وحاول بول باركر، المستشار الأصلي لإنترا، أن يقدم مشروعاً بديلاً يعيد إلى الشركة قوتها قوتها ويشفيها من العلل.

وكان خطة باركر أن تقوم الحكومة ببرنامج دعم مؤقت بمبالغ محدودة تمكن البنك من مواصلة نشاطاته كالسابق ما يعيد إلى بيروت مركزها الدولي، على أن يأخذ القضاء مجراه تجاه المخالفين للقانون، فرفض مشروع باركر لأنه محسوب على بيدس والإدارة السابقة وهكذا تم اعتماد مشروع الشركة الأميركية كما قدمه ممثلها روجيه تمرز، ولم يذهب مشروع كيدر بيبودي بالاتجاه المعاكس تماماً لما اقترحه باركر إذ ثبت أن إنترا لم يتعثر تماماً وانه ليس من الحكمة بيع الأصول لتسديد المستحقات للدائنين وأصحاب الودائع وتصفية البنك نهائياً فقد استنتجت الخطة الأميركية إن إنترا واجه أزمة سيولة وعجز عن الدفع ولكنه تملك أصولاً هائلة والحل هو في تحويل هذه الأصول إلى أسهم وأصحاب الودائع إلى شركاء كل حسب مبلغه وكان اعتراض الحكومة هو كيف يمكن إقناع أصحاب الودائع بقول أسهم مقابل الودائع وردت الشركة الأميركية أن الحكومة اللبنانية لا تحتاج إلى إقناع المودعين بالحل إذ يمكنها أن تفرض هذا الحل، إذا أعجبنها، بقوة القانون يعني ذلك أنه يمكن تحويل الودائع بموجب مرسوم حكومي إلى أسهم.

لقد جنت شركة كيد بيبودي ملايين الدولارات لقاء استشارة كان يكن أن ترفض لو قدمت أمام القضاء الأميركي أو الكندي، ذلك أن القضاء كان سيتجه نحو محاكمة المسئولين في الحكومة والمصرف المركزي على عدم تحركهم السريع والحاسم لإنقاذ والحاسم لإنقاذ مؤسسة اقتصادية انترا، خاصة بعدما أثبتت الوثائق والتحقيقات وحتى اقتراحات كيدر بيبودي أنه كان بالإمكان إنقاذها.

وهكذا باسم القانون فقد الأصحاب الشرعيون ومؤسسو انترا كل ممتلكاتهم وأسهمهم في انترا وأودع بعضهم في السجن بتهم مختلفة وتم تعيين مجلس إدارة جديد لتمثيل المساهمين الجدد، أصحاب الودائع السابقين وخلال فترة زمنية استرجع صغار المودعين أموالهم وبقيت مبالغ كبيرة بعد تسديد كافة مستوجبات انترا فاحتفظ بها المساهمون الجدد كأرباح.

وعلى سبيل المثال وضع المبنى في مدينة نيويورك في المزاد بعدما وضعت يدها عليه هيئة رقابة المصارف في ولاية نيويورك وبيع بـ 15 مليون دولار لتسديد مستوجبات الفرع وتبين أنه لم يكن من داع لهذه الخطوة كل أن كل المستوجبات قد سددت ولم تتجاوز 6 ملايين دولار وبقى من قيمة البيع 8 ملايين دولار ،أي ضعف القيمة التي دفها بيدس قبل سنوات كما أن هذا المبنى أصبح جزءاً من مركز روكفلر وقدرت قيمته ب 100 مليون دولار عام 1987 وربما بإضعاف ذلك اليوم أما ما تبقى من الأصول فقد توزعت إلى نشاطات مصرفية محضة تحت اسم (بنك المشرق) (والذي كان عبارة عن كونسرتيوم مشترك بين ممولين لبنانيين وشركة مورغان غارتني تراست نيويورك) والى نشاطات استثمارية محضة تحت اسم شركة انترا للاستثمار واحتفظت الدولة ب 45 بالمائة كحصة في الكيان الجديد لإنترا وكانت حصة الكويت 25 بالمائة وقطر 10 بالمائة.

تجدر الإشارة إلى أن إمبراطورية انترا استمرت طويلا بعد الأزمة وبعد زوال عدد من أبطالها من الساحة، حتى منتصف الثمانينات عندما شهدت الأزمة المصرفية الثانية في خضم الحرب اللبنانية إذ حتى بعد تحويل الملكية إلى المودعين الكبار، بقيت انترا أكبر شركة مالية في لبنان على الأقل لفترة ربع قرن بعد العام 1966 في الثمانينات كان من الإبطال الرئيسيين لأزمة الجديدة التي ضربت إمبراطورية انترا روجيه تمرز نفسه، ممثل شركة كيدر بيبودي الذي ساعد في إعادة هيكلة انترا عام 1966 إذ بعد انتشار اسمه عام 1966 أصبح تمركز من رجال الإعمال المعروفين في الشرق الأوسط وفي العام 1983 أصبح رئيس مجلس إدارة انترا الجديدة (راجع الفصل 13).

 

تداعيات الانهيار وصعود مصرف لبنان

أسفرت أزمة انترا عام 1966 عن جملة تداعيات في غاية الأهمية، منها نهاية القطاع المصرفي اللبناني الهوية وخضوعه للهيمنة الأجنبية وصعود مصرف لبنان كقوة فاعلة في السوق وتقلَص إجمالي الودائع إلى درك خطير بعدما تحوَلت إلى المصارف الأجنبية في لبنان وخارجه. وكشفت أزمة 1966 عجز مصرف لبنان عن معالجة جذور الأزمات قبل وقوعها، وافتقاره إلى الصفة القيادية في تطبيق قانون النقد والتسليف كما لًلت المصَارف التجارية من شأن البنك المركزي ونظرت إليه كعقبة أمام العمليات المربحة فخلقت في وجه السلطة النقدية حواجز تمنعها من القيام بواجبها الرقابي على السوق . وشخص جورج عشي طبيعة العمل المصرفي في تلك الفترة حيث يرى:

(أن أزمة انترا نشأت أساسا من سوء إدارة مجلس أدارته لجهة استعمال ودائع قصيرة الأجل الإجراء توظيف ذات أجل طويل ولا سيما توظيفات من النوع العقاري لكن هذه الأزمة لو نشأت اليوم (عام 2003) لكان أمكن استيعابها نتيجة التشريعات الموجودة حاليا والتي مكنَت مصَرف لبنان من معالجة أكثر من 30 وضعا مصرفياً أكثرها يحتاج إلى معالجة جذرية ناتجة من أزمات بنيوية إن تعثر انترا جرى في وقت لم يكن مصرف لبنان قد بدأ يمارس صلاحياته بالتطبيق الكامل لقانون النقد والتسليف الذي كان قد صدر عام 1963، ذلك أن هذا القانون أعطى المصارف مهلة 5 سنوات كي تسوَي أوضاعها مع الأوضاع المستجدة بموجب القانون وهذا يعني أنَه في الأعوام الخمسة التي شهدت أزمة انترا كان لا يزال هناك فلتان مصرفي[33].

ويؤيد سمير مقدسي هذا التشخيص عن غياب البيئة المنظمة للسوق (مع أن المصرف المركزي قد أنشئ في مستهل العام 1964 فان السياسة النقدية كانت غائبة عموماً حتى العام 1967 باستثناء مراقبة محدودة للنشاط المصرفي... وبعد أزمة بنك انترا في العام 1966، وجدت السلطات نفسها أمام اتخاذ إجراءات عدَة تضَمن بموجبها سلامة الأعمال المصرفية وكان من ضمنها إجراءات تفرض على المصارف أن تكون قادرة على الاستجابة لمتطلبات إضافية من السيولة وإجراءات أخرى تهدف إلى تنقية القطاع من المصارف الضعيفة وضمان الرقابة الفعالة لعمل المصارف) منها قانون 67/ 28 لـ 9 أيار /مايو 1967 الذي تم بموجبه إنشاء الهيئة المصرفية العليا مع صلاحية وضع اليد على المصارف ذات الوضع غير السليم ولجنة الرقابة على المصارف مع صلاحيات مراقبة المصارف والإشراف عليها وصندوق ضمان الودائع[34].

لقد اعترفت الحكومة متأخرة بضعف مصرف لبنان وعزمت على منحه أسنانا يفرض عبرها القانون في العام 1967 استقال فليب تقلا من منصب حاكميه مصرف لبنان فأخذ الياس سركيس مكانه، وساهم هذا الأمر في تبريد الأسواق واستعادة بعض الثقة لما لسركيس من مكانه في أوساط أصحاب المصارف، كما تمَ تعيين لجنة الرقابة على المصارف في نفس العام برئاسة سليم الحص للتحقيق في الممارسات المخالفة للقانون في القطاع المصرفي والعوامل التي أدَت إلى أزمة 1966 وكشف دفاتر وعمليات عدد من المؤسسات المصرفية.

أظهرت التحقيقات الحكومية معلومات مقلقة للغاية حيث كانت مجالس إدارة بعض المصارف غير موجودة بل مجرد أسماء على ورق في حين كانت موازنات بعض المصارف فبركة وضعتها مخيلة المدراء وفي جلسات عقدتها اللجنة، ردَد محامون الحكومة نفس الاتهام ضد عدد من المصارف بأن أصولها كانت حبراً على ورق وكانت دعاوى الحكومة صحيحة في كثير من القضايا فقد أظهرت ملفات بعض المصارف أنها طلبت وحصلت على سلفات من البنك المركزي لتسديد بعض القروض والمتوجبات ولكن هذه الطلبات كانت غير قانونية لأن الأسباب كانت مختلقة.

كذلك طلبت بعض المصارف من البنك المركزي السماح لها بتخفيض احتياطي السيولة بحجة أن الودائع هبطت ولم يكن هذا صحيحا وأظهرت الملفَات أنَ موظفي بعض المصارف حرَروا شيكات تجاه ودائع في المصارف (وهذا أسلوب مورس مراراً، لاحقا، خاصة في ملف بنك المدينة عام 2002) وأن ((لبنك الأهلي) منح سلفات وصلت قيمتها إلى عشرات الملايين الدولارات لموظفيه ومدرائه وأعضاء مجلس إدارته[35].

وبعض المصارف المحترمة ظاهريا والتي تأسست بأسلوب قانوني وشرعي كانت فردوسا للسرقة والتزوير والممارسات غير القانونية. مبالغ ضخمة ذهبت في بالوعة الممارسات السيئة في معظم الحالات المثبتة في محاضر لجنة الرقابة. عدا عن فضائح بعض البنوك في لوائح الرشاوى والهدايا النقدية إلي سياسيين وأصدقاء ووسطاء. حيث تورط 20 نائبا على الأقل في الأعمال غير الشرعية وتبين أنهم استعملوا دفاتر وهمية مختلفة لشركات وهمية بدون رأس مال للحصول على خدمات مصرفية والمشاركة في أعمال مالية وتجارية متنوعة مخالفة لفانون النقد والتسليف.

كانت القضية الرئيسية التي ثبت أن معظم المصارف تقريبا كان يمارسها هي الاستثمار في مشاريع طويلة الأمد، وبدون أي مردود في الأمد القصير، إلى درجة أن وجود أو شطب هذه المبالغ من أصول المصرف ما كانا ليغيرا شيئاً في القيمة الفعلية السائلة للمصرف ما جعل الودائع تحت الطلب معَرضة للمخاطر وحتى عندما كانت المصارف تقدَم ملفات متكاملة من فواتير وجداول ووثائق عن قروض طويلة الأمد لم يكن ممكناَ للحكومة استدعاء هذه القروض خلال فترة زمنية معقولة.

وخرج تقرير لجنة الرقابة المصرفية وتضمن عدة توصيات منها إقفال 10 من أصل 85 مصرفا عاملا في لبنان وتقليص نشاط 4 مصارف إلى الحد الأدنى من الخدمات المصرفية ورفع السرية المصرفية عن 4 مصارف أخرى لترضخ لتحقيق كامل لملفاتها من قبل خبراء الدولة كما أن عددا من المصارف المتبقية تم مساعدته أو إنقاذه من الإفلاس. ووضعت أسس جديدة فرضت حدودا لأوجه الاستثمار التي يحق للمصارف ولوجها، كما منعت القيود مزج النشاط المصرفي بإعمال التجارة والأعمال وخاصة الاستثمار في القطاع العقاري وفرض على كل المصارف العاملة في لبنان بان ستتحصل على ترخيص كمؤسسات مسجلة (ش م ل) وبرأس مال لا يقل عن 3 ملايين ل.ل. (رفع إلى 5 ملايين ل.ل.عام 1972).

بعد العام 1966 نمت قوة مصرف لبنان بمساعدة لجنة الرقابة المصرفية فأصبح بالإمكان تنظيم المؤسسات المالية ومراقبتها ولاكتمال الحلقة المنظمة، كان مصرف لبنان الهيئة المسئولة عن أعمال لجنة الرقابة وميزانيتها مع تدقيق دوري لدورها وساهمت اللجنة في تنظيم السوق المالي وتثبيت سلطة البنك في مراقبة توسع التسليف وعرض النقد. وتبعا لاقتراح م لجنة الرقابة المصرفية، قررت الحكومة فرض حظر على تأسيس مصارف تجارية لبنانية جديدة لمدة عشر سنوات تنتهي عام 1977 بعد ثلاث سنوات من الأزمة المصرفية، هبط عدد المصارف اللبنانية من 55 إلى 38 بسبب التعثر والدمج أو لوقوعها تحت سيطرة مصارف أجنبية، لقد أظهر تقرير قدمه سليم الحص أن نسبة عدد المصارف حيث أغلبية الأسهم تعود إلي لبنانيين انخفضت من 60 بالمائة في تشرين الأول /أكتوبر 45 بالمائة فقط عام 1968.

كما أدى قرار الحكومة منع تأسيس مصارف لبنانية إلى ارتفاع عدد المصارف الأجنبية حيث سجلت الفترة من 1968 إلى 1974 أن عدد المصارف الغربية لاسيما الأميركية ارتفع بشكل ملحوظ وباتت تمارس نفوذا طاغيا على القطاع المصرفي في لبنان، فانقلبت النسبة وأصبحت المصارف الأجنبية تسيطر على أكثر من ثلثي النشاط المصرفي في لبنان والرأسمال العربي على 20 بالمائة فيما لم تعد السيطرة اللبنانية تتجاوز 15 إلى 20 بالمائة من السوق[36].

وأصبحت المصارف الرئيسية في لبنان أميركية الهوية -بنك أوف أميركا، تشايس مانهاتن، وسيتي بنك. لقد أصبح النفوذ الغربي طاغيا في وقت ظهرت تقارير وتصريحات أن بعض المصارف الأوروبية والأميركية كان له يد في انهيار انترا وكان لهذا الوضع انعكاسات سلبية حيث كتب على سبيل المثال هشام البساط دراسة اتهم فيها الولايات المتحدة أنها أشعلت الأزمة لتهيمن على سوق بيروت المالي وتخدم من خلاله الشرق الأوسط وخاصة أموال النفط ومشاريع التنمية كما أن عدداً من المصارف الأجنبية تعرض لهجمات إرهابية (ومنها بنك أوف أميركا) ولعمليات نهب في السبعينات.

تجدر الإشارة إلى رواسب هامة للأزمة تركت آثاراً عميقة في السبعينات والثمانينات:

ـ في حين أقنعت أزمة 1966 الحكومة اللبنانية بالتدخل مباشرة في القطاع المالي الهام الذي لا يجب أن يتعرض لأي هزات من هذا النوع لكن السلطات والقوة التي حصل عليها مصرف لبنان بعد الأزمة كانت محط نقمة عدد من الذين كانوا يفضلون العمل فوق القانون. إذا اجتمعت شبكات من المصالح الشخصية بين أمراء الحرب والتجار في السنوات اللاحقة واستطاع أصحاب بعض المصارف أن يوقفوا مراسيم أو قوانين أو سياسات نقدية اعتبروها تبالغ في تدخل المصرف المركزي أو الحكومة.

ـ من ذيول أزمة 1966 كان نضوب الموارد المالية الضرورية لتنمية الاقتصاد الوطني حيث أصبحت معظم أموال الادخار والأرباح اللبنانية مستثمرة في مصارف أجنبية وبالتالي القطاعات التي يستثمر فيها الرأسمال الأجنبي وخاصة التجارة والخدمات وربما بعض الصناعة ما زاد من نسبة الهيمنة الأجنبية على القطاعات الاقتصادية كما أن التدفق السابق لرسا ميل المنطقة إلى لبنان قد نضب وتم توجيه إلى استثمارات أوربية وأميركية ما يزال فيها حتى اليوم (قدرت توظيفات العرب في سندات وودائع واستثمارات في دول الغرب الصناعي بأكثر من 1100 مليار دولار قبل حرب العراق 2003) في حين تعتبر المصارف أهم قطاع اقتصادي في لبنان أدت أزمة 1966 إلى إزالة لبنان كنافذة أو وسيط للقوى الرأسمالية الغربية لدى العرب إذا ترسمل العرب وتعاطوا مع الغرب مباشرة حتى اعتبر كثيرون انهيار إنترا بداية النهاية للدولة اللبنانية.

ـ لقد أسفرت الأزمة المصرفية 1996 عن انهيار إمبراطورية إنترا والرأسمال الفلسطيني في لبنان، إلا أن الفلسطينيين عادوا في السبعينيات بمؤسسة أكبر هي البنك العربي المحدود تدعمه منظمة التحرير الفلسطينية التي أضحت دولة الداخل وأكبر مودع في البنك فتأدلج الرأسمال الفلسطيني في السبعينيات بعيداً عن فلسفة بيدس التجارية التي صبغت إنترا . ويعتبر إدوارد سعيد (صعود بيدس وهبوطه المذهلين بأنهما نذيرا شؤم للصراع اللبناني الفلسطيني في السبعينيات[37]).

انتهت المواجهة في عهد شارل حلو إلى انتصار التكتل التقليدي عام 1970 الذي سعى إلى تنظيف الدولة من الجماعة الشهابية تحت شعا محاربة سيطرة المكتب الثاني ولكن القوى الاجتماعية الجديدة التي خلقها الإصلاح الشهابي كانت تتحول يساراً وتتأثر بالتيارات الإقليمية إذا تمكن تحالف أمراء الحرب والتجار من إنها الاتجاه الإصلاحي إلا أن الطريق باتت مفتوحة في بداية السبعينيات أمام أزمة سياسية اجتماعية اقتصادية خانقة امتزجت مع عوامل إقليمية جبارة فولدت حرباً مدمرة في السبعينيات.

&كانت مصالح أمراء الحرب والتجار تأخذ المكانة الأولى والأولوية أي انتباه إلى آمال الأجيال المستقبلية إذ مهما كانت محولات تجميل الحديقة اللبنانية من تطوير للاقتصاد وبناء دولة الأمن والقانون يبدو أن الأعشاب الضارة القديمة كانت تعود دائماً إلى هذه الحديقة لتخنق براعم الزهر.

 

[1] هالة حمصي، ملحق النهار، 17 تشرين الثاني/ نوفمبر 2003.

[2] EDWARD SAID, OUT OF PLACE, NEW YORK, ALFRED KNOPF, 1999, P. 113.

[3] NAGIB ALAMUDDINE, THE FLYING SHEIK- STORY OF MIDDLE EAST AIRLINES, LONDON, QUARTET BOOKS 1987, P.140.

[4] ABDUL AMIR BADRUDDIN, THE BANK OF LEBANON: GENERAL BANKING IN A FINANCIAL CENTRE AND A FINANCIAL ENTREPOT, LONDON, PINTER, 1984.

[5] كمال ديب، زلزال في أرض الشقاق، دار الفارابي بيروت 2004.

[6] مرسوم اشتراعي 9860 حزيران يونيو 1962 ومرسوم اشتراعي 10412 آب/ اغسطس 1962.

[7] مرسوم اشتراعي 8004.

[8] إضافة إلى المصارف التجارية ظهرت في تلك الفترة 4 مؤسسات مصرفية لغايات اقتصادية لتوسيع القروض للمشاريع الزراعية والصناعية منها الشركة اللبنانية للتسليف الزراعي والصناعي وبنك التسليف الزراعي والصناعي والمالي.

[9] MICHAEL HUDSON THE PRECARIOUS REPUBLIC- POLITICAL MODERNIZATION IN LEBANON, NEW YORK RANDOM HOUSE, 1972.

[10] EDWARD SAID, OUT OF PLACE, NEW YORK, ALFRED KNOPF, 1999, P.113.

[11] يوسف سلامة، حدثني ي.س قال ص 67.

[12] يوسف سلامة حدثني ي.س قال ص 72.

[13] لم يدرك بيدس آنذاك أن أحفاد اللبنانيين لم يتمكنوا من مشاهدة العلم اللبناني فوق هذا المبنى بعد وقوع أزمة انترا وقيام السلطات المصرفية في ولاية نيويورك بمصادرة العقار وأي مبالغ في الفرع لمواجهة المستحقات، يوسف سلامة، حدثني ي.س قال ص 72.

[14] صقر أبو فخر، القدس العربي، 5 نيسان/ إبريل 2002.

[15] فؤاد عوض، الطريق إلى السلطة، بيروت، 1976، ص 213.

[16] يوسف سلامة المصدر نفسه.

[17] هالة حمصي، ملحق النهار، 17 تشرين الثاني/ نوفمبر 2003.

[18] TABITHA PETRAN, THE STRUGGLE OVER LEBANON, NEW YORK, MONTHLY REVIEW PRESS, 1987P. 63.

[19] مجلة تايم عدد تشرين الثاني نوفمبر 1966 ذكره ملحق النهار هالة الحمصي، 17 تشرين الثاني/ نوفمبر 2003.

[20] NAGIB ALAMUDDINE, THE FLYING SHEIK- STORY OF MIDDLE EAST AIRLINES, QUARTET BOOKS, 1987 P.135.

[21] NAGIB ALAMUDDINE, THE FLYING SHEIK, P. 136-137.

[22] ORGHOURLIAN, JOSEPH, HISTOIRE DE LA MONNAIA LIBANAISE, TOULOUSE, EDITIONS ERES, 1983.

[23] يوسف سلامة، المصدر نفسه.

[24] ALAMUDDINEP. 146.

[25] NEW YORK TIMES, OCTOBER 18 AND OCTOBER 22, 1966; SEE ALSO THE ECONOMIST, OCTOBER 17 AND NOVEMBER 22, 1966; E. GHATTAS, LEBANON’S FINANCIAL CRISIS IN 1966- A SYSTEMIC APPROACH, MIDDLE EAST JOURNAL, WINTER 1971, THESE SOURCS ARE QUOTED IN TABITHA PETRAN, OTHE STRUGGLE OVER LEBANON, NEW YORK MONTHLY REVIEW PRESS, 1987, P 390

[26] هالة حمصي، ملحق النهار، 17 تشرين الثاني/ نوفمبر 2003.

[27] ALAMUDDINE P. 139.

[28] ALAMUDDINE P. 139

[29] هالة حمصي، يوسف بيدس أسطورة إنترا مات مقهوراً ومديناً: متى يسقط مصرف، بيروت ملحق النهار 17 تشرين الثاني نوفمبر 2003.

[30] النهار 4 نيسان/ إبريل 1969.

[31] هالة حمصي، ملحق النهار 17 تشرين الثاني/ نوفمبر 2003.

[32] هالة حمصي، المصدر نفسه.

[33] مقابلة مع جريدة النهار، هالة حمصي 17 تشرين الثاني/ نوفمبر 2003.

[34] سمير مقدسي، بين الاقتصاد والحرب والتنمية- العبرة من تجربة لبنان، بيروت، دار النهار 2004، ص 45.

[35] يوسف سلامة، المصدر نفسه.

[36] توفيق أسعد، وزير الصناعة والنفط، تقرير عن مدى الهيمنة الأجنبية على القطاع المصرفي حتى نهاية 1972، قدم إلى مجلس الوزراء في كانون الثاني /يناير 1974، نشرته ملخصاً مجلة آراب أيكونومست وذكرته تابيثا بتران، ص 390.

[37] EDWARD SAID, OUT OF PLACE, NEW YORK, ALFRED KNOPF, 1999, P113.

 

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19
« »
المصادر او الهوامش

معلومات النشر:

اعداد: العنكبوت الالكتروني

عنوان الكتاب: أمراء الحرب وتجار الهيكل؛ رجال السلطة والمال في لبنان

تأليف: كمال ديب

الناشر: دار النهار للنشر

تاريخ النشر: 01/02/2007

إشترك في خلاصة التعليقات عدد التعليقات: (1 منشور)

avatar
joe bloe
الثلاثاء, 10 كانون الثاني / يناير 2017, 07:45:PM
يسمح لنا الأخ وليد جنبلاط بالنسبية اذا أراد ان ينمو البلد ويتطور. جورج واشنطن وابراهام لينكلن كانوا اباء الحضارة الأميركية ولن نرى أحدا من احفادهم يتزعمون فئة في الحكومة الأميركية. نريد دم جديد يحكم البلد, ولا دور للآقطاعية. نرجو من الكل ان يفهموا ذلك. استفردوا بالبلد فامتصوا دماء شعبه. لا يجب ان يكون أي شخص فقير اذا كان يوجد إدارة حسنة للمال العام. فما ذنبهم؟ أخاف عليكم من كثرة ذكائكم.
المجموع: 1 | عرض: 1 - 1

إكتب تعليق

البريد الالكتروني يبقى سرّي و لا ينشر
  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

- التعليقات الواردة من القراء هي مسؤولية أصحابها ولا تعبر عن رأي إدارة الموقع بالضرورة
- تتم مراجعة تعليقاتكم قبل نشرها عن طريق إدارة الموقع

- (سياسة نشر التعليقات)

تابعونا

  1. دول خليجية تحذر رعاياها من السفر إلى لبنان (5.00)

  2. وفاة "ملكة الديسكو" دونا سمر عن 63 عاماً (5.00)

  3. معارض صيني ضرير بمطار بكين متوجهاً لنيويورك (5.00)

  4. الاكتئاب لدي المراهقين .. له إشارات يجب الانتباه لها (5.00)

  5. صحف العالم: أمريكا "تعاقب" باكستان بعدد سنوات سجن أفريدي (5.00)

  6. فيلم منتظر يكشف تفاصيل اغتيال بن لادن (5.00)

  7. أستراليا: التيار الوطني الحر في سيدني ينعي فقيده المفكر و المناضل والاعلامي المخضرم الأستاذ بطرس عنداري (5.00)

  8. الرحيل المفاجئ (5.00)