إعلانات Zone 4B

[CLOSE]

إعلانات Zone 3B

[CLOSE]
أحدث الأخبار:

إعلانات Zone 2B

[CLOSE]
الرئيسية | ثقافة | قصص وروايات | المغامرة - الجزء الأوّل
المصنفة ايضاً في: قصص وروايات

المغامرة - الجزء الأوّل

آخر تحديث:
image
الكاتب:
عدد المشاهدات: 1729
قيّم هذا المقال/الخبر:
0
حجم الخط: A+ A-
نسخة صالحة للطباعة   نسخة نصية   أرسل إلى صديق

إعلانات Zone 6B

إدغار ألن بو

المُقَدّمة

 

بقلَم يوسف قبلان سلامة.

 

ولِدَ إدغار ألن بو في ولاية بوسطن، في التاسعة عشر من شهر يناير في العام 1809. أما والِداه فهُما ديفِد و إليزابِث بو. ولِد دايفِد في بالتيمور في الثامنة عشر من  شهر يوليو، العام 1784. و قد جاءت والِدته إلى أمريكا من إنجلترا في 1796، و تزوّجَت بِدايفد بو بعد وفاة زوجها الأوّل في 1805. و قد كان لديهما ثلاثة أبناء، هنري، إدغار، و روزالي.

ماتت إليزابِث بو في 1811، عندما كان إدغار في الثانية من عمره. فقد انفصلت عن زوجِها آخذة معها الأطفال الثلاثة؛ إذ هجرها زوجها، تارِكاً إيّاها تكافِح مرض السّل و الفَقْر. و قد عاش هنري مع جَدّيه، بينما عاش إدغار في كنف أسرة التّاجِر جون آلان. أما روزالي فقد عاشت مع عائلة أخرى. عندما أتم بو السّادِسة سافر و تلِك العائلة إلى انجلترا للدّراسة لمُدّة خمس سنوات. و قد أتقن اللاّتينيّة و الفرنسيّة، مع الرياضيّات و التّاريخ. ثم عاد لاحِقاً إلى أمريكا لِمتابعة دِراسته. دخل إدغار الَن بو جامِعة فرجينيا في العام 1826، و كان آنذاك في السّابِعة عشر من العُمر. و لكن، بالرّغم من حيازة جون الان على أموال كثيرة، إلاّ أنّه لم يُعطي إدغار سوى ثلث ما يحتاجه تقريباً، الأمر الذي أغلَق الباب بِجه إدغار كُليّاً.  و على الرّغم من كفاءة إدغار في اللغتين اللاتينيّة و الفرنسيّة، إلا أنه ناخ تحت وطأة الدّيون نتيجة الإدمان على شُرب الخَمرة. فكان عليه ترك المدرسة في أقل من سنة.

و إذ لك لم يكن لدى إدغار ألن بو مالاً، أو مهارات حِرَفيّة، دَخَل إدغار مُضطراً، تحت ظروف الفقر القاسية، في المدرسة الحربيّة في ولاية بوسطن في العام 1827. و كان آنذاك في الثّامِنة عَشرة. وقد دخل الكليّة تحت اسم مستعار، باسم إدغار أ. بيري، مدعياً أنه يبلغ الثانية و العشرين. و قد خَدَم في قلعة مولتري و في تشارلستون جنوب كارولينا، و هناك رُقي في عمله ليعمل كتاجِر و مُعِدّ ذخيرة، حيث ضوعِف أجره. و هناك أيضاً أصدر كتابه الأول الذي حوى أربعين صفحة، تحت عِنوان تيمورلَنك و فصص أخرى، موقّعا ً قصائده باسم البوسطني.و بِحصوله على درجة رقيب أوّل، قرر إنهاء خِدمته العَسكريّة لِضيق ذات اليَد. و قام بالكشف عن اسمه الحقيقي و عن عُمره،  و البوح بِظروفه المعيشيّة الصّعبة التي دفعته للإستقالة. لكن المسؤول هناك، الملازِم هوارد لم يقبل بِذلك، و اشترط عليه التّصالح مع جون آلان، الذي كان بِدوره قاسياً على إدغار فلم يَرُدّ على رسائل إدغار الأخير نهائيا خِلال أشهر عديدة من الإرسال المتواصِل. كما أن جون آلَن لم يُعْلِمه بموت زوجته؛ أي مُرضِعة إدغار. و لكن رُبّما كانت مشاعِر جون قد رَقّت بعد وفاة زوجته، و قَبِل بمُساعدة إدغار، و ذلك بِشرط دخوله كلية وست بوينت الحربيّة. و حدث قبل دخول إدغار الكُليّة أن ذهب ليسكن مع عمّته الأرملة ماريا كليم و ابنتها البِكر فرجينيا. و هناك قام بتأليف كتابِه الثاني و هو يضم جُزءاً من مجموعته الشِعريّة: الأعراف، تيمورلَنك، و قصائد قصيرة أخرى. كان في ذلك في بالتِمور في 1829. ثم بعد ذلك اتجه إلى كلية وِسنت بوينت حيث عمل كتلميذ في الجيش. و قد ساهَم رِفاقه العسكريين بِالتّبَرع الماليّ له، مضاعفين مدخوله، و ذلك يِشِراء أبياته الشّعريّة.

و قد أثمر زواج جون ألان الثاني عن نزاعات حادّة بين إدغار و جون بسبب متطلبات المنزِل الجديدة اتجاه أطفال الأوّل، الأمر الذي أدى إلى تَخَلّي جون عن إدغار نهائيّاً.

و هكذا، قَرّر إدغار ترك الخِدمة العسكريّة في وِست بوينت. و قد وقف أمام المحكمة العَسكريّة لعَدم التقيّد بالأنظِمة العَسكريّة برفض حضور الصّفوف، و التّشكيل العَسكريّ. لكنه ادّعى البراءة ببعض من التّحايُل لِحَّثهم على فَصلِه، عالِماً بأنّه مُذنِب.

ترك نيويرك في فبراير 1831. و أصدر كتابه الثالِث مسمياً إيّاه "قصائد" و قد ساهم الكثيرين مِن رفاقه في إصدار الكتاب بالتبّرع له بِ57 سنتيماً ، ليصبِح مجموع المبلَغ $170 . وقد طُبِع عليه عِبارة "الّنسخة الثانية". وقد تضمّن في إحدى صفحاته الكلمات التّالية العبارة الآتية: "إهداء إلى سِلك الطّلَبة الأمريكيين". و قد ضَمّ قصتًيّ تيمورلَنك و الأعراف المنشورتين سابِقاً، كما ضم أيضاً سِتّة قصائد لم تكُن قد نُشِرَت سابِقاً مِنها "لى هيلين، إسرافيل، و المدينة التي في البحر.

و في مارِس 1831 لجأ إلى بالتيمور إلى عمّته، و أخيه. و حدَث أن انتاب أخوه عِلّة نتيجة لِمشاكل صحيّة مِن جَرّاء شُرب الخمرة.

لقد عُرِف إدغار إدغار بأنّه أوّل إنسان يتقاضى أجراً من الكتابة فقط. لكنه أعيق بسبب عدم حصوله على حق دولي في نشر كتاباتِه. لا سيما أن طباعة الكتب، آنذاك مَرّت بأزمة حادّة نتيجة النّقل عن الكتب الآتية من انجلترا. و بعد الكتابات الشّعريّة قرر خوض المجال في الكتابة النّثريّة. لكن كثيراً من دور النّشر، آنذاك،  لم تكن  تلتزِم دفع المال لكُتّابِها. مِمّا اضطره إلى الإستِدانة. الأمر الذي ترك على صحّته أثراً سيّئاً جِدّاً.

و في أجرت مجلّة "زائر بلتيمور السّبتي" مسابقة للقِصّة القصيرة، فكوفِئ بخمسين دولاراً". إثر تقدمه بِقِصّة مخطوطة في زجاجة. و في سنة 1836 اقترن بابنة عمّته فرجينيا، و قد ذاع صيته و هو ينشُر في مجلّة الرّسول و هو ينشر من القصص و القصائد و الأبحاث. لكنه طُرِد بسبب إدمانه على الخمرة.

و في 1838 رحل إدغار مع زوجته و عمّته إلى نيويورك، حيث أنهى روايته الكبيرة " أرثر غوردن بيم". و هناك عمل كطابِع على الحجر، ثم وظّف في "مجلّة الكوارتِرلي". ثم انتقل إلى (مجلّة بِرتون) لِصاحِبها وليم بِتون".

و في 1838 قد صدرت قِصص إدغار في جزئين تحت عنوان (القِصص الزاهية و المستَغرَبة) وقد ظهرَت في مجلّة الجنتلمان و زادت مكانته الأدبية إلى حد عظيم. لكن السيّد برتون كان يُرهِق إدغار كثيراً في العمل ، الأمر الذي اضطر إدغار للتغيّب عن عمله مِراراً، بالرّغم من المجهود الأدبيّ الذي بَذله، و الذي يُقَدّر بِعشرة أضعاف.

و حدَث أن عاد إدغار في أحد الأيّام لِيُبَلّغ عن الإستِغناء عن خدماتِه. فلازَمَهُ  الحُزن و اليأس إدغار لِفترات طويلة.

 و في سنة 1841 ابتاع الشاب جورج ركس غراهام (مجلة الجنتلمان) ضامّاً إيّاها لِمجلة (الحُق)، فَحَملا اسماً جديداً و هو (مجلّة غراهام). و يقال أن برتون لفت أنظار غراهام إلى إدغار، فعرض عليه هذا وظيفة بأجر و قدره ثلاثمائة دولار سنويّاً. و فد رفع قلمه عدد مشتركي المجلّة ِمن خمسة آلاف إلىاثنين و خمسين ألف مُشتَرِك. و قد برز ككاتِب قدير و نَقّادة بَنّاء لم تعرِف البِلاد نظيره؛ و قد لُقّبَه كثيرون بِفَأس الحرب.

لكن، و كما يُقال، فقد تأذى إدغار جِدّاً، من النّاحية المعنويّة و الجَسَديّة،  نتيجة الإدمان على الخمر، فَفَقد على أثر ذلك في وظيفته في تِلك المَجَلّة. وعاد إلى نيويورك حيث عمل في جريدة (مِرآة المساء)، و في سنة 1845 انتقل إلى (مجلّة برود واي الأسبوعيّة) فكان مُحررها في بادئ الأمر ثم صار صاحبها، لكن الأقدار أبت إلا أن تُفقِده إيّاها.

و حدث في تلك اثناء أن ألَمّ المرض بِزوجته، فقد أصيبت بِمرض السّل القاتِل، ذك فَضلاً عن الخوف من سوء المصير و الجدير ذكره هو المساعدة العظيمة التي منحتها لهما الممرّضة ماري لويس شو، حاثّة الأسر الصّديقة على مَدّ يد العون لها.

و حدث في فوردهام أنظم إدغار قصيدته الشّهيرة " الغُراب" و نشرها في مِرآة المساء) فنال شهرة واسِعة في أمريكا و العالَم أجمع، الأمر الذي أغنى دور النّشر العالمية ببيع قِصّته. و قَد لُقّب على إثر ذلك بالغراب بالغُراب. و قد قيل أن القِصّة شكّلَت رُعباً و هَلَعاً بين النّاس و لا سيما الأطفال، فحرمت الكثيرين، من الكبار و الصّغار من النّوم بِسبَب الكوابيس التي كانوا يشاهدونها متوهّمين في كل حين  أن غراباً سيقتحم منزلهم ليلاً.

 و حدث أن ماتت فرجينيا سنة 1847 ، الأمر الذي أثّر على إدغار معنويّا و  مادياً إلى حد كبير. لكن عمّته، السيّدة كليم كانت سَنده الأخير في ساعات الظّلمة، إذ كانت دائمة التشجيع له، مقرضة إيّاه بالمال.  

و قد كان على علاقة فريدة مع أدباء و أديبات عصره، أمثال السيّدة وايتمان، و السيّدة ريتشموند.

في الثالِث من أكتوبَر عام 1849 وجِد في شوارِع بالتيمور في حالة هذيان، و بِحاجة ماسّة للمُساعَدة. و ذلك بِحسب ما قاله السيّد جوزيف و. ووكر؛ و قد تم نقله إلى كُليّة واشنطن الطِبيّة في السّاعة الخامِسة صباحاً. لكن حالة إدغار الصحيّة الصّعبة لم تُمَكِنه من البوح بما حصل له. و الغريب أيضاً، أنه كان على غير عادته، مُرتدياً لباساً ليس له، و قد سُمع أنه كان يُرَدّد اسم (راينولدز) عند موته في تلك الليلة في الشّارِع، لكن، لم يُعرَف البَتّة القصْد من ذِكر هذا الإسم. و قد أدلت مصادِر عديدة بأن كلماته الأخيرة كانت: أيّها السيّد أعِن نفسي الفقيرة."

حَقّاً: لقد كافح إدغار ألان بو كفاحاً جِهادياً عظيماً في سبيل المساعدة التنويرية الإنسانيّة. حيث يستشِف القارئ من كتاباته تبَصّراً و كشْفاً لأعماق النّفس للنهوض بِها  بإرادة الإنسان إلى الوعي؛ فالسّير على الصّراط المستقيم. فعاش حياة محبّة طاهِرة. أما كتاباته فقد نُعِتت بأنها ابتكاراً للقِصّة القصيرة العالَميّة.

 

 

 

ترجمة يوسف قبلان سلامة.

 

مغامرة هانز بي فول الغير مسبوقة

 

بِقلب متقّد بالخيال،

 

الذي به أنا قائد،

 

بِحَرْبَةٍ مُلْتَهِبَةٍ و حِصانٍ من نِسيمٍ

 

أرتِحُلُ إلى البريّة.

 

أغنية لِتوموبِدلام.

 

وِفْقَ الرّوايات الأخيرة من روتردام، تبدو المدينة في حالة عالية من الحماس الفلسفي. حقّاً، فقد حدثت هناك ظاهِرة غريبة غير متوقّعة على الإطلاق- و غير مألوف للغاية- و على تفاوت كُلّي مع الإعتقاد المُسبَق- فمِن فترة طويلة، لم يَدَع لي هذا الأمر مجالاً للشك ، أن أوروبا في حالة اهتياج، و أن علم الفيزياء هو في مرحلة النّشوء، و أن التعليلات و عِلم الفَلَك قد باتا قاب قوسين أو أدنى من الآذان.

يبدو أنه في يوم--- من --- ، (لسْتُ على عِلم بالتاريخ تماماً،) احتشد جمهور غفير، لأسباب غير مذكورة على وجه التحديد، مجتمعين في ساحة (المُقايضة) العظيمة في مدينة روتردام ذات الجو العليل. كان اليوم دافِئاً- على الرّغم من قِلّة وجود نسمة هواء؛ و كان الحشد في حالة مرَح إذ كان جو الألفة  مخيّماً في في تِلك اللحظات الخاطِفة وسط سقوط  كُتَل بيضاء هي غيوم موزّعة بِغزارة حول قبّة السّماء الزّرقاء. و مع ذلك، و عند الظهيرة تقريباً، حدث هياج طفيف و ملحوظ في الجمعيّة؛ فقد آلَ هذر الألسنة إلى نجاح، و بعد ذلك بِلحظة، شخص عشرة آلاف وجه نحو السّماء، كما أنزِلَ عشرة آلاف غليون معاً من الأفواه، و انطلقت صرخة يمكن مقارنتها بضجيج نياغارا، بِصدى يدوم طويلاً، عالٍ و مُحتد عبر كافّة مدينة روتردام و ضواحيها.

و قد تبيّن سبب هذا الصّخب بِشكل كافٍ. إذ خلف كتلة الغيوم المتكاثِفة بِشدة و التي تم ذكرها، شوهدت كتلة صلبة لشيء غريب التركيب؛ غير متجانِس، بدأ يَظهر بِبِطئ في حَيّز أزرق واسِع. و قد رُكّب بشكل غريب يصعب فهمه تماماً و بشكل لم يُعجِب المواطنين الذين وقفوا من أسفل فاغِرين أفواههم. إذ ما يمكن أن يكون هذا؟ بِحق جميع شياطين روتردام، و عمّا يمكن أن تُنبِئ؟ إذ لا عِلم لأحد بِه؛ و لم يكن لأحد أن يتخيّله؛ كما لم يكن حتّى للعُمدة مِنهير سوبِيربَس فون أندردَك- أي أدنى دليل لِكشف هذا اللغز؛ إذ، لم يكن يوجد أي حل منطقي. قام كل رجل بوضع غليونه في فمه بِعناية محدّقاً بثبات على الظّاهِرة، نافِثاً الدّخان، متوقّفاً، و متبختِراً، و مشخّراً بشكل ملحوظ- ثم متبختِراً مَرّة أخرى، و مُشخّراً، متوقّفاً، و أخيراً- نافِثاً الدّخان مُجَدّداً.

في الوقت نفسه، و مع ذلك، بانخفاض و انخفاض أكثر باتّجاه المدينة الفاضِلة، أتى ذلك الشيء المصاحِب لذلك الفضول و المُسَبّب للدّخان الكثيف. و في وقت قصير جداً وصل بحيث باتت واضحة للعيان. لقد بَداَ كَ- نعم! كان نوعاً من المناطيد دون شك. لكن، بالتأكيد، لم يُشاهَد منطاداً كهذا في في روتردام على الإطلاق. لذلك، دعني أسأل، من هو الذي سمِع بمنطاد مصنوع بشكل كامل من الجرائد القَذِرة؟ بالتأكيد ليس رجل من هولندا؛ و فوق ذلك،  تحت أنوف الشّعب، أو بالأحرى فوق أنوفهم بقليل، ظَهَرَ موضوع السّؤال الذي هو هذا الشيء بعينه، و كان مكوّناً، أقولها بِكل قوة مقنِعة، من تلك المادّة التي لم يعرف البتّة أنها تُستَخدم لِهدف مثيل- كانت إهانة فظيعة بالنّسبة لنوايا مواطني روتردام الحسنة. أما بالنسبة لِشكل هذه الظاهرة، فقد كانت مستحقة لِلّوْم. إذ بدت ربّما أفضل قليلاً من شيء كالقبّعة مقلوبة رأساً على عَقِب. و ظل هذا التشبيه راسِخا دون التقليل من أهميّته لا سيما بعد المراقبة بإمعان، إذ شاهد الجمهور شَرّابة تتدلّى من قمّتها، و، حول الحافّة العُليا أو قاعدة المخروط، كانت هناك حلقة من أدوات صغيرة، شبيهة بأجراس الأغنام، كانت تَرُنّ باستمرار على نغمة بِتي مارتِن. و الأسوأ من ذلك- تدَلّت قُبّعة هائلة الحجم و باهتة اللون، ذات حافة واسعة جِدّاً، و تاج نصف كروي مع رِباط أسوَد و مشبك فِضّي. و قد عُلّقت هذه القبّعة بِمَرْكَبة مربوطة بأشرطة زرقاء عند نهاية هذه الآلة الرّائعة. حقّاً إنّه لِشيء لافت للنظر، و هو أن كثيرين من سكّان روتردام أقسموا بأنّهم شاهدوا هذه القُبّعة عينها في السابِق مِراراً؛ و بالتأكيد فقد اعتبرت الجمعية أن هذا الأمر مألوفاً؛ في حين  "جريتّل بِفول" التي كانت مُحَدّقة،  قد عبّرت عن دهشة و بهجة عُظمى لدى رؤية هذا المشهد، مُعلِنة أنها قبّعة زوجها الصّالِح بِعينها. أمّا الآن فيجب مراعاة هذه الحالة بالذّات، إذ انه منذ خمس سنوات حدث أن تمّ اختِفاء بِفول مع ثلاثة من أصدقائه، بِطريقة مفاجِئة جِدّاً و غير مسؤولة. و إلى حَد تاريخ هذه الرّواية، كانت جميع  جهود الإستقصاء في البحث عنهم قد ذهبت أدراج الرياح. و للتأكيد، عُثِر على بِضعة عِظام كان يُظَن أنها تعود إلى بَشَر و كانت مخلوطة بِنفايات ذات شكل غريب في موضِع منعَزِل في شرق المدينة؛ و قد ذهب بعض الناس بالتأويل إلى أن جريمة ما حدثت هناك، و أن الضحايا هم هانز بِفول و شركائه بكل تأكيد.- لكن و للعودة.

إن المنطاد (و بكل تأكيد أنه كذلك) قد هبط إلى مِئة قدم عن الأرض، سامِحاً للحشد أن يميّزوا الراكب بكل وضوح. كان هذا شخصاً استثنائياً حقّاً. إذ لا يمكن أن يتعَدّى طوله القدمين؛ و قد كان من الممكن أن يختل توازن المنطاد من هذا الإرتفاع و أن يرميه إلى حافة المَرْكَبَة،  لكن اعتِراض الحافة الدّائريّة البالِغة إلى صدره و المرفوعة بواسطة حِبال قد حالت دون ذلك. لقد كان جِسم ذلك الإنسان الصّغير مائلاً إلى العراضة نسبياً، و قد أخذ طابِعاً  بديناً غاية في الغرابة. و بالطبع لم تكن قدماه لِتظهران على الإطلاق. كانت ذِراعاه طويلتين للغاية. كان شعر رأسه رمادياً، مضفوراً خف رأسه. كان أنفه بالِغ الطول، مُلتوٍ و ذو التهاب؛ و عيناه كامِلتان، حادّتان، و رائعتان؛ أما ذقنه و خدّاه، فقد كانا عريضين، سمينين، على الرّغم من تجعّدهما بسبب التقادُم في السّن، أما بالنّسبة للأذنين فلم يكن لهما أثر على كل وجهه. كان هذا الرجل الغريب مرتدياً معطَفاً حريريّاً ضيّقاً ذو لون أزرق سماوي، مع بنطال ضيّق للملاءمة، و كان مربوطا بِمَشابِك عند الرّكبة. كانت سُترته من مادّة صفراء لامِعة، و قبّعة بيضاء من النسيج الحريري الصقيل قد وضعت بِرشاقة على أحد جوانِب رأسه، و لإكمال عُدّته، كان ملتَفّا حول رقبته بِمنديل حريري ذو لون أحمر كالدّم، و كان مُتَدَلٍ بأناقة على حضنه، بِعُقدة أنشوطيّة رائعة ذات حنايا بارِزة بامتياز.

و ما أن هبط، كما ذَكَرْتُ سابِقاً، إلى نحو مئة قدم عن الأرض، حتى استولى الذّعر على ذلك الرجل العجوز فجأة، و قد بدا مُحْجِماً عن الإقتراب إلى الأرض. لذلك، قام بإلقاء كمية من أكياس القماش خارِجاً، حامِلاً إيّاها بِصعوبة بالِغة، و في لحظة أصبح دون حِراك. ثم قام بسرعة و ارتِباك بإخراج كُتيّب صغير من القماش الفاخِر من سترته الحريريّة. حامِلاً إيّاه باتّزان مريب؛ ثم تفَرّس فيه بدهشة عجيبة، وواضح أنه كان مذهولاً من وزنه. و فتحه أخيراً مُخرِجاً رسالة كبيرة الحجم مختومة بالشّمع الأحمر، و مربوطة بشريط أحمر، لتسقط تحديداً عند قدميّ المواطن سوبِبُس فون أندِردَك. انحنى سعادته لتناولها. لكن الطيّار، و إذ كان ما يزال منزعِجاً، و إذ كان واضِحاً أنه لم يكن لديه أي عمل ليَتِمّ احتَجَازه في روتردام بسببه، قام بالإستعداد السّريع للإنطلاق، و كان من الضّروري الإلقاء ببعض الأثقال للتمكنّ من الصعود مجدّداً. و قد قام بإلقاء الأكياس دون تفريغها من محتوياتها، الأمر الذي أدّى إلى سقوط معظمها على ظهر ذلك المواطِن، ليتدحرَج مِراراً و تِكراراً لِسِتّ مرّات أمام وجه كل فرد في روتردام. و لكنه لا يُعتَقَد، أن يمر هذا الأمر من جهة أندردَك العظيم على حِساب الرجل العجوز بِعِقاب، بل على العكس، إذ يُقال أنه كان خِلال دورانِه ست مرّات كان مهتَماً بغليونه فقط بحيث كان ينفث دخان الغليون ست مرّات على الأقل، و مُتَمَسّك به بكل قوّته بل أنه كان عازم على ذلك( بإذن الله تعالى) إلى يوم مماته. و في تلك الأثناء صعد المنطاد كالقُبّرة، محلّقاً بعيداً فوق المدينة، و  بعد مُدة اتجهت بهدوء خلف غيمة كانت شبيهة بتلك التي بَرَزَت منها بشكل غريب، ثم اتوارَت إلى الأبد أمام الأعين الشّارِدة لِسُكّان روتردَم الصّالِحين. كل الإنتباه الآن كان متجّهاً نحو الرّسالة. فذلك الهبوط و النتّائج المترتّبة حول الأمر، قد برهنَت على هبوط منزِلَة و كرامة سعادة، الفون أندردَك. لكن، ذلك الشّخص ذو المنصِب، لم يفشل خلال دورانه حول نفسه، أن يمنح فِكراً لِحفظ الرّسالة، و التي شوهدَت بعد المراقبة تسقُط  بين الأيدي المعنيّة، إذ كانت موجّهة له و للبروفسور رابادوب؛ أي لتكون تحت عاتِق المسؤولَيْن كرئيس و نائب رئيس في كليّة روتردَم لِعلم الفَلَك. و بناء على ذلك قام هذان المكرّمان بِفتح الرّسالة للحال، ليجدوا أنها تحتوي على هذا الحديث الفريد و الجاد:-

 

 يتبع...

إشترك في خلاصة التعليقات عدد التعليقات: (0 منشور)

المجموع: | عرض:

إكتب تعليق

البريد الالكتروني يبقى سرّي و لا ينشر
  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

- التعليقات الواردة من القراء هي مسؤولية أصحابها ولا تعبر عن رأي إدارة الموقع بالضرورة
- تتم مراجعة تعليقاتكم قبل نشرها عن طريق إدارة الموقع

- (سياسة نشر التعليقات)

تابعونا

  1. دول خليجية تحذر رعاياها من السفر إلى لبنان (5.00)

  2. وفاة "ملكة الديسكو" دونا سمر عن 63 عاماً (5.00)

  3. معارض صيني ضرير بمطار بكين متوجهاً لنيويورك (5.00)

  4. الاكتئاب لدي المراهقين .. له إشارات يجب الانتباه لها (5.00)

  5. صحف العالم: أمريكا "تعاقب" باكستان بعدد سنوات سجن أفريدي (5.00)

  6. فيلم منتظر يكشف تفاصيل اغتيال بن لادن (5.00)

  7. أستراليا: التيار الوطني الحر في سيدني ينعي فقيده المفكر و المناضل والاعلامي المخضرم الأستاذ بطرس عنداري (5.00)

  8. الرحيل المفاجئ (5.00)

يوسف قبلان سلامة

يوسف قبلان سلامة

يوسف قبلان سلامة - مكان الولادة:أبوظبي، الإمارات العربيّة المتّحدة تاريخ الولادة:28-04-1978 الجنسيّة:لبنانيّ التحصيل العِلمي إسم المدرسة: السّنة: 1.إيستوود كولدج(المنصوريّة، لُبنان) 1995-1996 2.المركز الدّولي للعلوم التّقنيّة(الدّورة، لبنان) 2006-2006 اللغات: المستوى: 1.اللغة العربيّة جيّد 2.اللغة الإنجليزيّة جيّد الشاهادات: حاصِل على شهادة بكالوريا القسم الثّاني من مدرسة إيست وود كولدج، منصورية-المتن الشّمالي، لبنان حاصِل على شهادة مُحاسب عام من المعهد الدّولي للعلوم التّقنيّة في العام 2005، في الدّور،بيروت، لُبنان الهوايات: قراءة الكُتُب، الكِتابة، العزف على آلة القيثارة

المزيد من اعمال الكاتب