إعلانات Zone 4B

[CLOSE]

إعلانات Zone 3B

[CLOSE]
أحدث الأخبار:

إعلانات Zone 2B

[CLOSE]
الرئيسية | ثقافة | قصص وروايات | المغامرة - الجزء الثاني
المصنفة ايضاً في: قصص وروايات

المغامرة - الجزء الثاني

آخر تحديث:
image
الكاتب:
عدد المشاهدات: 1858
قيّم هذا المقال/الخبر:
0
حجم الخط: A+ A-
نسخة صالحة للطباعة   نسخة نصية   أرسل إلى صديق
إدغار ألن بو

إلى سعادة فون أندردَك و رابادوب، الرّئيس و نائب الرّئيس في كلية عِلم الفَلَك، في روتردام.

قد يتذكّر سعادتكم مواطن حِرَفي متواضع باسم هانز بي فول، يعمل كمُصَلّح للمنافِخ، الذي كان قد اختفى مع ثلاثة آخرين، منذ حوالي خمس سنوات في روترداَم بِطريقة غامِضة. و لكن إن كان الأمر يَسُرّ حضرتكم، فأنا، كاتِب هذا الكلام، هو هانز بي فول بعينه. إنه معلوم عند معظم زملائي المواطنين، أنه لمدة أربعين سنة كنت أقطن مساحة صغيرة في بناية قرميديّة عند قِمّة زقاق يُدعى سُوِركروت، حيث كنت أسكن في الفترة التي اختفيت فيها. و قد قطَن أسلافي المَنسيين في ذلك الزّمن هناك مُمْتَهنين نفس الحِرفة المُرْبِحة التي شغلتها، ألا و هي تصَليح المنافِخ: و لِقول الحق: لقد ظلّت السياسة هي الشاغِل الوحيد لأفكار سكان روتردام، حتى السّنوات الأخيرة، فَلَم أجد كمواطن شريف أي عمل أفضل من مهنتي هذه . فالأمان موجود، و المهنة لم تتطلّب الكثير من الإحتياجات.و لكن كما قُلت، بدأنا سريعاً نشعُر بِنتائج الحريّة، و بِالخطابات الطويلة، و بالتطرّف في الرأي، و جميع هذه الأشياء. فالأشخاص الذين كانوا عُملاء في السّابِق، لم يعُد لديهم الوقت للتفكير بِنا على الإطلاق. فقد اكتفوا بالقراءة عن الثورات، و مواكبة التقدّم الفكري و روح العَصْر. فإذا احتاجت النار للتهوِئة، فسيتم ذلك بواسطة جريدة، و مع الضّعف الذي اعترى الحكومة، لم يبقى لدي مجالاً للشك بأن الجِلد و الحديد قد اكتسبا المتانة بالنّسبيّة حيال ذلك الأمر- إذ في وقت قصير لم يعد يوجد زوج مِنفاخ يحتاج إلى زردة أو يتَطَلّب الإستعانة بمِطرَقة. فقد باتت الحالة فوق الإحتِمال. و في فترة قصيرة ضرب الفقر سرداقه علَي، و، و إذ كان لدي زوجة و أولاد ينبغي الإعتناء بِهما، أصبحت الأعباء مع الوقت فوق الإحتِمال، و قد أمضيت الساعة تلو الأخرى في التفكير في الطّريقة الملائمة لإنهاء حياتي. و في الوقت نفسه، ترك لي الدّائنون المزعِجون وقتاً قصيراً للترفيه بسبب إلحاحهم الشّديد. كان منزلي محاصَراً من الصباح إلى الليل بكل معنى الكلمة. كانوا ثلاثة رِجال على وجه التحديد، و قد أزعوجني لِدرجة تفوق الإحتمال، إذ كانوا يقومون بالمراقبة على باب منزلي باستمرار، مُهدّدينني بإسم القانون. و قد أقسمت أن أنتقِم من هؤلاء الثلاثة شر انتقام، إذ بات أمر إحكام قبضتي عليهم هو الشيء الأهم و الأسعد في حياتي، و لا أعتقد أنه يوجد شيء في العالم يمكن أن يثنيني عن الإنتحار سوى هذه المُبادرة التي وضعتها نصب عيني للتوّ إذ كدت أفقد صوابي بالجنون. لذلك اعتقدت أنه من الأفضل إخفاء مشاعِر غضبي، و أن أعاملهم بالوعود و الكلمات النّزيهة، حتّى، يتسنّى لي، بنصيب جيّد، الفرصة و القدرة على الإنتقام.

و في أحد الأيّام، إذ كنت كنت قد أظهرت لهم عجزي التّام، شاعِراً بوهن العزيمة الشّديد، تابعت تجوالي في الشّوارِع النّائية، حتى تسنّى لي العثور في إحدى الزوايا على حجيرة لبيع الكُتُب. و إذ رأيت في مكان قريب كرسياً مخصّصاً للزّبائن، ألقيت بنفسي عليه بإصرار، دون أن أعلم السّبب، ثم فتحت صفحات أول كتاب كان بمتناول يدي. و قد كان كتيّباً لأطروحة عَن عِلم الكون التأمّلي، و قد ألّفه إمّا البروفسور إنكِ البِرليني أو أحد الفرنسيّين الذين يحملون نفس الإسم. و قد كانت لدي معلومات ضئيلة عن أمور من هذا النّوع، و سريعاً، صرت مأخوذاً أكثر فأكثر إلى محتويات الكتاب- فقد كانت قراءتها تتطلّب العودة إليها ثانية لاستيعاب ما يجري حولي. و في هذا الوقت بدأ الظلام يُخَيّم، فتوجّهت نحو منزلي. لكن المقالة ( و بالتزامن مع اكتشافٍ في عِلم الخصائص الميكانيكيّة، كانت قد ذكّرَتني مؤخّراً بِسِرّ هام من قِبَل ابن عم لي و هو مِن نانتز،) تارِكاً انطباعاً في فكري يتعَذّر محوه، و إذ كنت أمشي الهوينا في الشّوارِع الدّاكِنة استرجعت في ذاكرتي التعليلات الغير مفهومة للكاتِب. و يوجد بعض الفقرات الخاصّة التي أثرت على مخيّلتي بشكل استثنائي. فكلما صرفت وقتاً أطول في التأمل فيها زاد شغفي الذي اهتاج في داخِلي. فطبيعة خبرتي المحدودة في الثقافة بالإجمال، و خصوصاً جهلي في المواد المتعلّقة بالفلسفة الطبيعيّة، كان يمنحني الخجل من القدرة على استيعاب ما أقرأ، أو يحثّني، نتيجة لذلك، على عدم الثّقة بِالمفاهيم الغامِضة. الأمر الذي أدّى إلى تحفيز عميق للمخيّلة و كنت عديم الجدوى بما فيه الكفاية، أو ربما منطقياً بما فيه الكفاية، لأشُكّ، بأنه قد يكون لِلأفكار الصّريحة، في العقول ذات الخِبرة القليلة، بجميع أشكالِها، القوّة على تلمّس الواقِع عن طريق الغريزة أو الحَدس.

كان الوقت متأخّراً لدى وصولي إلى المنزِل، فأويت إلى فراشي على الفور. لكن عقلي، كان مستسلِماً للنوم إلى حَدّ كبير، و قد صرفت الليل كله في التأمل. استيقظت باكِراً، مستَعِدّاً للذّهاب إلى حجيرة المكتبة، و قمت بتحضير ما تبقّى لي من مال، لِشراء الكتب التي تُعنى بالميكانيك، و عِلم الفضاء العَملي. و إذ عدت إلى منزلي بعد ذلك بِكُل تلك الأشياء، قمت بتخصيص وقتي لها في كل فرصة مؤاتية، و للتوّ استخدمت كل مهارَتي لِدراسة هذا النوع من الدّراسات، التي أعتقدت أنّها كافية لِتنفيذ المشروع الذي قد يوحيه إلي الشيطان أو مخيّلتي. و خلال هذه المُدّة، بذلت جهداً لإسترضاء دائِنيّ الثلاثة، الذين سبّبا لي الإزعاج الكثير. و قد نجحت في ذلك- إمّا ببيع جزءاً من أثاث بيتي لإشباع قِسماً من متطلّباتِهم، و قِسماً آخر بِوعدِهِم بِسديد المال المستحق عَقِبَ إنهاء المشروع الذي أقوم بتأديته، و متوسّلاً إليهم بتقديم بعض الخدمات لي بِهذا الشأن. و بِهذه الأساليب استطعت أن أكسَبَهُم لِهدَفي (لأنّهُم كانوا من المُتَجاهِلين).

و إذ سُوّيَت الأوضاع، قمت بتدبير الأمور مع زوجتي بِسريّة تامّة و حَذَرٍ شديد، بالتصرّف بما تبقّى لديّ من مقتنيات، لِطمرِ كميّات قليلة منها، متذرّعاً بحُجج كثيرة، (أقولَها بِخجل)، دون لَفت الإنتباه لأيّ كان، إلى طريقة إيفاء الأموال لأصحابِها، أو حتّى بالكميّة القليلة التي بِحوزتي الآن. و بالوسائل الموجودة حاليّاً بدأت بإدارة العمل، على مراحِل. بتحضير قِطع القماش القطني الممتاز، المجدول ،البالِغ طوله إثني عشر ياردة للقِطعة؛ و كميّات كثيرة من برنيق المطّاط، سلّة كبيرة و عميقة من القش ، صُنِعت للإيفاء بالعَمل، و مواد كثيرة أخرى ضروريّة لِإنشاء و إعداد منطاد بِمزايا استثنائيّة. و قد قمتُ بتوجيه زوجتي لتحضيرها بأسرع وقت ممكن، معطياً إيّاها المعلومات الضّروريّة لكيفيّة إعدادِها. و في نفس الوقت قمت بإعداد الجدائل على شكل شِباك بأبعاد أو أحجام وافية، مجهّزاً إيّاها بالإستعانة بالطّوق المَرِن و بالإستعانة بالحِبال الضّروريّة لذلك؛ و قد قمت بِشراء أدوات و مواد كثيرة لإستعمالها كأدوات اختِبار في الأجواء العليا في السّماء. و قد اقتنصت في الليل فرصة الذّهاب إلى منطقة نائية شرق روتردام لِحمل خمسة براميل حديديّة تبلُغ سِعتها خمسين غالوناً، و برميل آخر بحجم أكبر؛ و قد نقلت سِتة أنابيب من القصدير، ذات قُطر يبلُغ ثلاثة إنشات، و هي مصمّمة على أكمل وجه، و يبلُغ طولها عشرة أقدام؛ ثم كميّات من نوع معدني خاص، أو بالأحرى شِبه معدن لا أريد تسميته، و دَزّينة من الزّجاجات الضّخمة التجاويف( الدامجانة) و هي من حِمضٍ شائع. أمّا الغاز الذي سيتم توليده من هذه المواد فهو غاز لم يقم توليده أي أحد سِواي- أو على الأقل لم يُستعمل في أي هدف مُشابِه. و على سبيل المجازَفة، فهو يتكوّن من غاز الآزوت، الذي طالما اعتُبِر غير قابِل للإنقاص، و تبلُغ كثافته 37.4 مرّة أقل من الهيدروجين. فهو عديم الطّعم، لكنه ليس عديم الرّائحة؛ قابِل للإحتِراق، عندما يكون صافياً، و له لون مائل للإخضرار، و هو قاتِل بِشكل فوري. إنه أمر بالِغ السِريّة كان باستطاعتي كشفه ، و لكن الأمر مُختَص بِمواطِن من نانتز( كما ألمَحْتُ سابِقاً)، في فرنسا، و قد تمّ الشّرطْ أن يكون الحديث بالموضوع معي فقط. و قَدّم ذلك الشّخص نفسه إليّ مُحَدّثاً إيّاي، دون أن يعْلَم بنواياي، عن نِظام لتَصميم مناطيد من غِشاء حيواني، من حيوان معيّن بِحيث يستحيل تماماً نفاذ الغاز عبرَهُ. و لكن، وجدت الأمر بالإجمال مُكلِفاً للغاية، و لم أتأكد إن كان القماش القطني مع صمغ المطّاط قد يكون جيّداً على حَدّ سواء. ذكرت هذه الواقِعة، لأنني ظننت أن ذلك الشّخص المَعنيّ، في وقت لاحِق، قد يقدِم على الصّعود بالمنطاد مستخدِماً غازاً جديداً، و مادّة كنت قد أتيت على ذِكرِها، و لم يكن بِدّي حِمانه من شَرَف اختِراعِ فريد كهذا.

قمت بِصورة شخصيّة بِحفرِ حفرة صغيرة، وذلك في الموقِع الذي أردت فيه أن توجد البراميل الصّغيرة فيه بالتتابُع أثناء انتفاخ المنطاد؛ إنها حُفَرٌ تُشَكّل دائرة يبلُغ قطرُها خمسة و عِشرين قدَماً. و في وسط هذه الدّائرة، قمت بتخصيص مكانا للبرميل الكبير، و قد حفرت أيضاً حفرة أعمَق. و في كل حفرة من الحُفَر الصّغيرة، أودعت عُلبة شاي تحتوي على خمسين باونداً، و في الحفرة الأعمق، وضعت برميلاً صغيراً يحتوي على خمسين باونداً من مسحوق المَدفَع. أمّا عُلَب الشاي و البراميل الصّغيرة هذه، فقد قمتُ بوصلِها معاً بِبِطانات مغَلّفة؛ و قد أدخلت في مؤخّرة إحدى عُلَب الشّاي فتيلة، ثم قمت بتغطية الحفرة، واضِعاً البرميل فوقها، تارِكاً الطّرَف الآخر للفتيلة بارِزاً على نحوِ إنش، و بالكاد يمكن رؤيتها وراء البرميل. ثم تابعت تعبِئة الحُفَر المتبقية، و اضِعاً البراميل عليها كما ينبَغي أن تكون.

و بجانب الأشياء السّابِق ذكرها، قمت بِنقل جهاز يُستَعمل لتكثيف هواء الغلاف الجوي إلى المستودَع حيث حفظته كَسِرّ، و هو إحدى التحسينات التي أجراها م. غريم و هو جهاز لِتكثيف هواء الغلاف الجوي. و قد استنتجت أنه ينبغي إجراء تغييرات هامّة فيه قبل الشّروع بالمهمّة التي عزمت عليها. و لكن، مع العمل المُضني و المثابَرة الدّؤوبة، تمكنت في النّهاية من النجاح التّام في جميع تحضيراتي. و قد تم إعداد المنطاد في الحال. و هو قد يحتوي على أربعين ألف قدماً مربّعاً من الغاز، الأمر الذي سينقلني بِسهولة، و ذلك وِفق حساباتي، و مع كل ما قمت بتنفيذه، إذا كنت قد أحسنت الإدارة، بِخمسة و سبعين باونداً من الأثقال في الصّفقة. فقد كلّفت ثلاثة طبقات من الورنيش، و قد وجدت أن القماش القطني سَيَفي بِجميع أغراض الثوب الحريري، من حيث متانتِه و قِلّة تكلُفَتِه.

و إذ بات كل شيء جاهِزاً الآن، أخذت من زوجتي وعداً قاطِعاً من جهة سِريّة جميع ما قمت بِه من اليوم الذي زرت فيه كشك المكتَبَة، و قد و عدتُها، بالعودة بأقرَب فرصة تسمح الظروف بِها. فأعطيتها كل ما تبقى لي من مال، وودّعتُها. و بالطّبع لم أخشى عليها في شيء. فهي سيّدة مرموقة كما يُقال، باستطاعتها معالجة أي شيء دون اللجوء إلى مساعَدتي. و للحقيقة، أعتَقِد بأنها كانت تنظر إلي كرجل خامِل- و مجَرّد حِمل فارِغ- لا يصلُح سوى لِبناء أبراج في الهواء- و أنّها فخورة بالتخلّص مِنّي. كان الليل مُعتِماً حينما ودعتُها، و قد اصطحبت معي الدّائنين الثلاثة، كمساعِدين للتخييم، الدّائنين الثلاثة الذين جلبوا لي المتاعِب الكثيرة. قمنا بنقل المنطاد، مع السيارة و التجهيزات، عابرين ممرّاً دائريّاً إلى المحطّة، حيث كانت الأشياء الأخرى قد وضِعت. و قد وجدناها في مكانها دون أن يعبَث أحد بِها، فباشرت بتنفيذ مُهِمّتي على الفور.

كان يوم الأول من إبريل. و كان الليل كما كنت قد ذكرت، دامِساً؛ و لم يكن في السّماء نجمة تُرى، و مطر خفيف يهطِل على دُفُعات، الأمر الذي سبب لنا إزعاجاً كثيراً. لكن تلهّفي الشّديد كان للمنطاد، الذي على الرّغم من أنه محميّاً بالورنيش، كان وزنه آخِذاً بالإزياد بسبب الرطوبة؛ و المسحوق كان أيضاً عُرْضَة للتّلَف. لذلك طلبت من مُضايقيّ العمل باجتِهاد، بسَحق الثّلج حول البرميل، و تحريك الأسيد في الأخرى. لكنهم لم يتوقّفوا، مُلِحّين بأسئلتهم عن قصدي في استِعمال هذا الجِهاز، مُظهِرين استياء كبيراً للعمل الرّهيب الذي دفعتهم للقيام بِه. إذ لم يستطيعوا إدراك (كما قالوا) الفائدة الناتِجة من البلل الذي غمرهُم، لِمجَرّد المشارَكة في شعوذات كهذه. بدأت أشعر بالإضطراب، وبذلت قصارى جهدي بالعمل بعيداً، إذ اعتقدت حقّاً أن هؤلاء الأغبياء ظنّوا بأنني قد عقدت معاهدة مع الشيطان، و هذا العمل الذي كنت أعمله حيث أنا، هو باختِصار، ما كان يجِب أن أبقى عليه في موقِعي. لذلك كنت في ريبة كُبرى من تركهم إياي معاً. فوجدت وسيلة ألا و هي تهدئتهم بِدَفع جميع المستحقّات الماليّة كاملَة، وذلك فور إتمام هذا العمل. و كانوا يفسرون هذه الأقوال كل حَسب رأيه، ظانين، أن ما ستؤول إليه نتائج الأحداث لي هي امتلاكي لِكميّات ضخمة من الأموال؛ فضلاً عن إعطائهِم كل ما أملك، بالإضافة إلى كميّة تافِهة أخرى لِقاء خدماتِهِم، لكني أقول بجرأة أنهم لم يبالوا سوى قليلاً بِما قد يحدُث لي أو بِجسدي الذّبيح. و في حوالي أربع ساعات وجدت أن المنطاد قد نُفِخ، فقمت بتعليق المَركَبة بِها، واضِعاً كل ما نويت عليه فيها- المنظار؛ مقياس الضّغط الجوي، مع بعض التعديلات الهامّة عليه، أداة مقياس الكهرباء، بوصلَة؛ إبرة مغناطيسيّة، ساعة للثواني؛ جرَس؛ بوق للكلام؛ إلخ...- و أيضاً كُرة زجاجيّة، فارِغة من الهواء، و محكمة الإغلاق بواسطة سِدادة، غير ناسياً جهاز التكثيف، و بعض الجير غير المُطفأ، و عصا لِشمْعِ الختم، و زاد من المِياه الوفيرة، و كمية كبيرة من المُؤَن، كاللحم المفروم مع الدّهن المُذوّب، حيث يتوفر فيه غِذاء وفير في حجم صغير نِسبيّاً. و قد حفظت في المَرْكَبة زوج حمام و قِطّة.

كان الفجر قد حان، و اعتقدت بأنه الوقت الأنسَب للإقلاع. فقمت بإسقاط سيجار مشتعل على الأرض، كأنه عن غير قصد، مُستَغْنِماً فُرصَة التقدّم للإلتقاطِها، و قد كان ذلك لإشعال الفتيل الذي كان بارِزاً خلف الحافّة كما كنت قد ذكرت سابِقاً. لكن المناورة لم تُفْهَم مِن قِبَل المزعجين الثلاثة؛ و بِقفزة إلى السيارة، قمت للحال بِقطع الحبل الذي يربطني بالأرض، و كنت مسروراً بانطلاقي عامودياً بِسرعة لا تُصَدّق، حامِلاً مئة و خمسة و سبعين باونداً من الأثقال الرّصاصيّة، و قابِلاً لِحمل أثقال أخرى. و لدى مغادرتي الأرض، و قف مقياس الضّغط الجوي على ثلاثين إنشاً، و مقياس حرارة الجو على تسع عشرة درجة مئويّة. وما أن بلغت ارتفاع خمسين ياردة بِصعوبة بالِغة حتّى حدث فوقي صرير هدّار صاخِب إلى الدرجة القصوى، و قد أتبعه بركان ناري، و حصباء، و خشب محتَرِق، و بريق معدن، و حُطام أطراف، الأمر الذي سَمّر الدم في عروقي، و سقطت تحت المَركبة، مرتجِفاً من الخوف. و بكل تأكيد تصوّرت أني قد بالغت بِعمَلي، و أن النتيجة الأساسيّة لِهذه الصّدمة لا بد آتية. ووفقاً لذلك، و في أقل مِن ثانية، شعرت أن الدّم قد انتتقل إلى الجزء العلوي من جِسمي، وبالتّالي، حدَثت هَزّة عنيفة في الليل كادت تمزّق الجَو تمزيقاً. و إذ كان لدي بعد ذلك وقتا للتأمل، لم أفشل في أن أعزو شِدّة الإنفِجار، بالنّسبة لي إلى السّبب المُلائم- أي وجودي عندها مباشرة، و في مَجرى قوتها العُظمى. لكن في الوقت الحالي فكّرت فقط بالحِفاظ على حياتي. ففي البداية انهار المنطاد، ثم تمَدّد بِقوّة شديدة، دار دورات عدة بِسرعة تدعو للغثيان، و أخيراً، ترنّح بِذهول كالرجل السّكران، قاذفاً بي إلى حافّة السيارة خارِجاً، تاركاً إياي متدليا على ارتفاع شاهِق، و رأسي إلى أسفل، ووجهي إلى الخارِج، بواسطة حبل ضعيف يبلغ طوله حوالي ثلاثة أقدام، كان معلّقاً صُدفة خلال شَقّ في أسفل المركبة، بِجانِب حبل الفتيل السّفلي. حيث، لِحسن الحظ، علقت رجلي اليُسرى، حين سقوطي. يصعب التكهن تماماً بحالة الذعر التي اكتنفتني. و قد تلهّفت بتوق شديد لإلتقاط أنفاسي المختَلِجة، كما انتابتني رجفة شبيهة بالبرداء، سبّبت لي اهتياجاً في كافّة أعصابي- و قد شعرت بأن عيني قد خرجتا من وقبيهِما، و اجتاحني غثيان رهيب- و بعد ذلك غرقت في غيبوبة.

يصعب تحديد المدة التي استغرقت فيها حالتي هذه، لكن، لا بد أن تكون قد أخذت وقتاً قليلاً، إذ عند استعادتي جزءاً من إدراكي، وجدت أن النهار كان في بدايته، و المِنطاد على ارتفاع مذهِل، فوق الغابة و المحيط، و لم يكن بالإستطاعة اكتشاف أرض ما على مدى الأفق البعيد و الواسِع. كنت على الرغم من ذلك أستعيد حواسي، و لم تكن زاخِرة بالعذاب كما كان متوقّعاً. و بالطبع، يمكن استعراض الحالة التي أصبحت عليها ووصفها بالجنون. إذ رفعت يدي إلى عينيّ، واحِدة تلو الأخرى، مستغرِباً عن سبب حدوث تورّم في عروقي، و السّواد الرّهيب في أظافِري. ثم قمت بِرفق بتفحّص رأسي، هازّاً إيّاه بشكل متكرّر، و متحّسّساً إياه بانتباه لافِت، حتى استطعت أن أقنع نفسي، أنه لم يكن بِحجم المنطاد كما توهّمت بعض الشيء. و عرفت أيضاً أنه قد فُقِد من سروالي لائحتان، و علبة لعيدان الأسنان، و قد جاهدت لمعرَفة سبب اختفائها، لكن دون القدرة على معرِفة السّبب، فشعرت، بانزعاج يفوق الوصف. و قد ظهر لي أني أعاني قلقاً من ناحية كاحِلي الأيسر، ووعي خافِت بِخصوص حالتي بدأ يضيء بوهن في عقلي. و لكن الأمر الغريب! أني لم أكن مذهولاً أو مأخوذاً بالخوف. فإذا أحسست بِشعور ما، فهو ذلك الرّضا الشّخصيّ الناتِج عن البراعة في انتشال نفسي من هذا المأزِق؛ و كسؤال هو عُرضة للشّك لم أنظر و لو للحظة إلى سلامتي الشّخصيّة. و لدقائق قليلة بقيت مغموراً بالتأمّل العميق. و لديّ ذِكرى مميّزة عن الضّغط على شفتاي، واضِعاً إصبع السّبابة على أنفي، مستَخدِما إيماءات و تجّهمات شائعة للإنسان، و ذلك عند عندما يكونون مرتاحين في كراسيهِم، أو يتأمّلون في أمور معقّدة و هامّة. و إذ كنت قد استجمعت أفكاري بشكل كافٍ، قمت بانتباه و ترَوّ عظيمين، بوضع يداي خلف ظهري، فاتِحاً المشبك الحديدي لرباط الخصر لِسروالي، و قد كان لِهذا المشبك ثلاثة أسنان صَدِئة، الأمر الذي جعلها تدور حول محورها بِصعوبة بالِغة. ووجدت صعوبة قليلة في شَدّ تلك الأسنان لتأخذ شكلاً عامودياً مع جِسم المِشبَك؛ لِتُربَط أمام جِسمي ، و كنت سعيداً لِثباتِها في ذلك الوضع. و بالإحتِفاظ بواسطة أسناني بهذه الأداة التي التي حصلت عليها، قمت بِفَك عقدة ربطة عنقي. كان عليّ الإستراحة مِراراً قبل تنفيذ هذه الحَرَكة، و لكنّها تمّت في النّهاية. و قد قمت بِشد طرف ربطة العنق بالمشبَك، أما الطّرَف الآخر فقد ربطته حول مِعصمي، و ذلك للأمان. و بشد جسمي إلى الأعلى بِبذل مجهود عضلي استثنائي، نجحت، من المحاولة الأولى، بإلقاء المشبَك على المَركَبَة، و قمت بِعقدها، بِسرعة، في الحافة الدّائريّة للفتيلة.

كان جِسمي الآن منحَدِراً على جانِب السيارة، بزاويه خمسة و أربعين درجة، لكن لا ينبغي أن يُظّن بأنني كنت على درجة خمسة و أربعين باتّجاه الدّرَجة العاموديّة، بل كنتُ تقريباً موازياً للأفق؛ و بِسبب تغيير وضعي الحالي، صار قاع السّيارة بعيداً عن موقعي، الأمر الذي تسبّب لي بخطر وشيك. و لكن يجب تِذَكّر أنه في حين سقوطي من السّيارة؛ أيّ إن سقطت و كان وجهي متّجهاً صوب المنطاد، عِوض توّجهه خارِجاً (بالإتجاه المعاكِس)، كما هي الحالة في الواقِع، الآن- أو إن كان قد جاء في المكان الثّاني، أي إذا صادَف أن الحبل الذي عًلّقتُ بِه قد جاء فوق الحافّة العُليا، في داخِل المركبة، بدل أن يكون عبر الفتحة بالقرب من أسفل السيارة، أقول أنه يجِب أن يُفهم أنه في كِلتا الحالتين ما كنت لأحقق ما استطعتُ إنجازه، كما أن هذا الأمر كان قد يَحولُ دون وصولِه للأجيال القادِمة. و قد توفّرَت لديّ جميع دوافِع الشّكر، بالرّغم من أني بالحقيقة، ما زلت غبيّاً لأكون شيئاً ما، إذ ما زلت مُعلّقاً في هذا الوضع الإستثنائي، لِرُبع ساعة تقريباً، دون القيام بأي مجهود، أو أي عمل فريد مُرْضٍ و هادئ. لكن هذا الشّعور لم يضمَحِل بِسرعة، و بِذلك، الخوف المنتَصِر، و الحيرة، و اليأس، و الإنهيار. و في الحقيقة، فإن الدّم المتراكِم في الأوعية الدّمويّة لِرأسي و بلعومي، و الذي حتى هذه اللحظة عَزّز شعوري بالهذيان، بدأ الآن بالتّراجع إلى أقنيته المناسِبة، و أن وضوح فهمي لِطبيعة الخطر، قد خَدَم في تجريدي من الأنانيّة و الشّجاعة لِمجابَهة الخَطَر. لكن ذلك الضّعف، و لِحسن حَظّي، لم يأخذ وقتاً طويلاً. بل في وقت اليأس، و أثناء صرخات شديدة الإهتياج، استطعت أن أقذف بنفسي إلى الأعلى، حتى أنه بعد الجهد، و بالتمسّك بالحافّة المبتغاة، تمكّنت من الإلتفاف حولَها، شاعِراً بانقلاب رأسي إلى وضعه الطبيعي، بارتِعاد داخِل المَركَبة. لم يمض وقتاً طويلاً حتى استعدت عافيتي بشكل كاف، للإهتمام بمتطلّبت المنطاد. فقمت بتفحصه بانتباه، لأجدة، مع كل ارتياحي، سالِماً. كانت أدواتي بأمان، و لِحسن الحظ، لم أفقد أي من الأثقال أو الممتلكات. حقاً، لقد حفظْتُهُم بأمان في أمكنتهم، لتبدو هذه الحادِثة خارِجة عن الذّكر. نظرت إلى ساعتي فإذا بِها تشير إلى السادِسة. و كنت في صُعودٍ سريع، و قد أشارَت آلة الضغط الجوي إلى ارتفاع ثلاثة و ثلاثة أرباع الأميال. و تحتي في المحيط، كان قد بُسِطَ شيء أسود، شبه مستطيل، كشكل الدومينوز، و هو شبيه بهذه الدّمَى. أحضرت منظاري لتحديد ماهيتها، لأتبيّن أنها البارِجة البريطانيّة تسعة و أربعين، كابات مُبحِرة بالإتّجاه الغرب جنوب غربي. لكني لم أستطع مشاهدة أي شيء يِجانِب السّفينة سوى البحر و السّماء، و الشّمس، التي بزغت منذ وقت بعيد.

لقد آن الأوان يا أصحاب السّعادة أن أشرح لكم الهدف من رحلتي...

 

إشترك في خلاصة التعليقات عدد التعليقات: (0 منشور)

المجموع: | عرض:

إكتب تعليق

البريد الالكتروني يبقى سرّي و لا ينشر
  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

- التعليقات الواردة من القراء هي مسؤولية أصحابها ولا تعبر عن رأي إدارة الموقع بالضرورة
- تتم مراجعة تعليقاتكم قبل نشرها عن طريق إدارة الموقع

- (سياسة نشر التعليقات)

تابعونا

  1. دول خليجية تحذر رعاياها من السفر إلى لبنان (5.00)

  2. وفاة "ملكة الديسكو" دونا سمر عن 63 عاماً (5.00)

  3. معارض صيني ضرير بمطار بكين متوجهاً لنيويورك (5.00)

  4. الاكتئاب لدي المراهقين .. له إشارات يجب الانتباه لها (5.00)

  5. صحف العالم: أمريكا "تعاقب" باكستان بعدد سنوات سجن أفريدي (5.00)

  6. فيلم منتظر يكشف تفاصيل اغتيال بن لادن (5.00)

  7. أستراليا: التيار الوطني الحر في سيدني ينعي فقيده المفكر و المناضل والاعلامي المخضرم الأستاذ بطرس عنداري (5.00)

  8. الرحيل المفاجئ (5.00)

يوسف قبلان سلامة

يوسف قبلان سلامة

يوسف قبلان سلامة - مكان الولادة:أبوظبي، الإمارات العربيّة المتّحدة تاريخ الولادة:28-04-1978 الجنسيّة:لبنانيّ التحصيل العِلمي إسم المدرسة: السّنة: 1.إيستوود كولدج(المنصوريّة، لُبنان) 1995-1996 2.المركز الدّولي للعلوم التّقنيّة(الدّورة، لبنان) 2006-2006 اللغات: المستوى: 1.اللغة العربيّة جيّد 2.اللغة الإنجليزيّة جيّد الشاهادات: حاصِل على شهادة بكالوريا القسم الثّاني من مدرسة إيست وود كولدج، منصورية-المتن الشّمالي، لبنان حاصِل على شهادة مُحاسب عام من المعهد الدّولي للعلوم التّقنيّة في العام 2005، في الدّور،بيروت، لُبنان الهوايات: قراءة الكُتُب، الكِتابة، العزف على آلة القيثارة

المزيد من اعمال الكاتب