إعلانات Zone 4B

[CLOSE]

إعلانات Zone 3B

[CLOSE]
أحدث الأخبار:

إعلانات Zone 2B

[CLOSE]
الرئيسية | ثقافة | قصص وروايات | المغامرة - الجزء الثالث
المصنفة ايضاً في: قصص وروايات

المغامرة - الجزء الثالث

آخر تحديث:
image
الكاتب:
عدد المشاهدات: 1510
قيّم هذا المقال/الخبر:
0
حجم الخط: A+ A-
نسخة صالحة للطباعة   نسخة نصية   أرسل إلى صديق

إعلانات Zone 6B

إدغار ألن بو

لقد وضعتم في اعتباركم حالة روتردام المُضنية، و التي دفعتني للإنتحار. لكن، لم يكن لدي أي تشاؤم للحياة. بل تعرضت إلى مآسي طارِئة تفوق الوَصف. و بالنسبة لحالتي النّفسية هذه، و إذ كنت راجياً أن أحيا، بل و منهوك من الحياة، فقد فتحت تلك المقالة في حجيرة بائع الكتب مدعومة بِعثوري على ابن عمّي الذي من نانتز مَورِداً من الخيال. و أخيراً اتخذت قراري، عازِماً على المغادرة، بل على العيش-لأترك هذا العالَم، بل لأبقى- و باختِصار، للإلقاء بِالمُعضِلات بعيداً، فاعتزمت، بالرّغم من جميع النّتائج، أن أشق طريقي، إن أمكن، إلى القمر. و لئَلاّ أعتَبَر أكثر جنوناً مِمّا أنا عليه، سأشرح لكم بالتّفصيل، و بِقدر استطاعَتي، الإعتِبارات التي دفعتني للظن بأنه يمكن إنجاز رِحلة من هذا النّوع، بالرّغم من صعوبتها، و خطورتها الجزيلة، و التي لم تكن إلا عاجِزة عن ثني روح جريئة بعيدة عن حدود المعقول. فبُعد الأرض عن القمر كان الأمر الأول الذي اهتمّيت بِه. فالبعد المتوسّط الفاصِل بين مركزي الكوكبين هو 59.9643 من كَعبَرة الأرض الإستوائيّة، أو 237000 ميلاً فقط. أقول المتوسّط المركزي،- لكن يجب الأخذ بعين الإعتِبار، أن شكل مدار القَمر و الذي هو كِناية عن انحِراف بيضاوي لا يُعَد أقل من 0.05484 بالنّسبة لِشبه المحور الرّئيسي، و بِما أن مركز الأرض يقع أمامها، إذاً يمكنني استنباط أنه إن تمكنت من بلوغ القمر عند وصوله إلى أقرب نقطة من الأرض، عندئذ تتلاشى المسافة الجوهريّة. و إن لم نتحَدّث عن هذه الإمكانيّة بالذّات، فيمكننا التأكيد، بأنه على جميع الصُعُد، بإمكاني طرح 237000 ميلاً من نصف قُطر الأرض، لِنقول 4000، و نصف قطر القمر، لنقول1080 ،ليكون المجموع 5080 ، فَتكون المسافة الفعليّة الفاصلة للعبور تحت الظروف العادية هي 231920 ميلاً. و قد وجدت أن هذه المسافة ليست بِمسافة استثنائيّة. فسُرعة السّفر على الأرض قد بلغت ستين ميلاً في السّاعة و قد تم تِكرار هذا الأمر مِراراً؛ و بالطبع يستطاع السير بسرعات أكبر. و بالرغم من هذه السرعة، فقد لا يأخذني سوى 161 يوماً لِبلوغ سطح القَمَر. و قد كانت هناك تفاصيل كثيرة حثّتني على الإعتقاد بأن معدّل سُرعة سفري قد تتجاوز الستين ميلاً في السّاعة، و إذ لم تفشل هذه الإعتقادات بترك انطباع عميق في مخيّلتي، فسأشير إليها بالتّفصيل لاحِقاً.

أما النقطة التالية فكان لها الأهميّة الأكثر، إذ كما أشار جهاز الضغط الجوي، نجد أنه، عند االإنطلاق من سطح الأرض، عند ارتفاع 1000 قدم، نترك وراءنا حوالي واحِد على ثلاثين من من ضغط الهواء الجوي الكلّي؛ و عند 10.600، نكون قد صعدنا إلى الثّلث؛ و عند 18,000 ، الذي لا يناهز ارتفاع الكوتوباكسي، نكون قد اعتلينا نصف المادّة، أو، على جميع الأحوال، نصف جسم الهواء القابل للقياس في الكرة الأرضيّة، و قد تم الحِساب على أنه على ارتفاع لا يتجاوز جزء الواحِد بالمئة من قُطر الأرض- أي ما لا يتعدّى الثمانين ميلاً- سيكون انحِراف الأشِعّة قويّاً جِدا بحيث يصبح بقاء الحيوان على قيد الحياة مستحيلاً، و بالإضافة إلى ذلك، فلن تكون آلاتنا الدّقيقة مناسِبة لِرصد وجود الجو. لكني لم أفشل في إدراك أن هذه الحِسابات الأخيرة هي موجودة في معلوماتنا الإختباريّة عن خاصيّات الهواء، و كذلك في القوانين الميكانيكيّة التي تضبِط تمدّدها و انضغاطِها، و كما يُقال على نحو المقارَنة، المناطِق المجاورة للأرض نفسها؛ و من المؤكّد أنه يصعُب للحيوان التكيّف على ارتِفاعات لم يبلُغها أحد سابِقاُ. أما الآن فجميع التعليلات من هذه المعلومات، يجب أن تكون متشابِهة. إن أعلى ارتفاع بلغه الإنسان هو 25000 قَدم، و قد تم بلوغه في حملة طيران ميسيور غاي- لوساك و بيو. إن هذا الإرتفاع يُعتَبَر متوسّطاً، حتى عندما نقارِنه بارتِفاع الثمانين ميلاً، و لا أعتقد بأن الموضوع قد ترك مجالاً للشّك، أو أي مدى للتكهّنات. ولكن، للحقيقة، إنه بلصعوداً لأي ارتفاع يُذكر، فإن كميّة الهواء القابِلة للقياس التي قد تم بلوغها، ليست بأي شكل متناسِبة مع الإرتفاع الذي تم الصّعود إليه، ( كما نجد بوضوح بِخصوص ما دوّن سابِقاً،) و لكن بنِسبيّة آخذة بالتناقُص. إذن، و أتحدّث أدبيّاً، من الواضِح أنه مهما صعدنا، فلن نتمكّن من الإبتِعاد أكثر من الغِلاف الجوي. و فد جادلت في الأمر، إنّ هذا الغلاف لا بد أن يكون موجوداً، بالرّغم من وجود أشِعّة في حالة انكِسار لا متناهي. و من ناحية أخرى، كنت على عِلم بأننا لسنا بحاجة للمجادلات لإثبات أنه يوجد حدود للغلاف الجوي حيث لا يوجد خَلْفَهُ هواء على الإطلاق. لكن ظرفاً معيّناً لم يتم النّظر فيه ، مِن قِبل أولئك الذين يُسَرّون بالإكتِفاء بِهذه الحدود، إذ يبدو لي، بالرّغم من عدم تَوفّر الحجّة الحقيقيّة لِدحض عقيدتهم، أن الأمر يستحق البحث فيه بِجديّة. فإنّه عند المقارَنة بين الزّمن الفاصِل عند الإقتِراب المتكَرر لِمُذَنّب إنْكِ نحو الشّمس، بعد الأخذ بعين الإعتِبار الإضطرابات الناتِجة عن جذب الكواكِب التي يمُر في نطاق جاذبيتها، يتضّح أن الفترات تأخذ بالإضمحلال التدريجي، ليُقال، أن محور القطع النّاقِص(المسار الدّائري البيضاوي) يَقًصُر بِبطئ و بتناقُص بِشكل مُنَظّم. و هذا بالتّحديد ما ينبغي أن تكون الحالة عليه، أي فرضيّة وجود مقاومة ما من ناحية المُذَنّب بسبب وجود حَيّز أثيري نادر منتشِر في نطاق دوران المُذَنّب. فإنه واضِح بأن حيّزاً كهذا، عند إعاقته لِسرعة المُذَنّب، ستتضاعف قوة جَذبِه، مضعِفاً قوّة المقاومة للمُذَنّب، و بكلمات أخرى، ستكون جاذبية الشّمس مُحَقّقة القوة الأكبر، فيَنجَذِب المذَنّب نحوها في كُلّ دورة. و بالتأكيد، لا نستطيع تفسير أي تغيير في المسألة. ولكن، مرة أخرى، إن القُطر الحقيقي لِضبابيّة المُذَنّب، قد روقِبَت و هي تنكمِش لدى اقتِرابِها من الشّمس، و كانت تُمَدّد بِنفس السّرعة لدى مغادرتها باتّجاه النقطة الأبعد من الشّمس. ألم أكن مُبَرّراً في الإفتِراض، مع م. فالز، أن هذا التكثيف الظّاهِر في الحجم يرجع إلى أصل الإنكماش الحاصِل في الحيّز الأثيري كما كنت قد ذكرت سابِقاً حيث الكثافة تكون نِسْبِيّة مع الشّمس؟ و أيضاً ظاهِرة التَحَدّب(الشّكل المتحَدّب)، كما تُدعى أيضاً الضوء الفَلَكي، فلقد كانت أمراً جديراً بالإهتِمام. هذا الإشعاع المَرئي في المناطِق الإستوائيّة، و الذي لا ينبغي الظن فيه بأنه بريق نيزكي، إنه يمتد من الأفق بشكل غير مباشر على نحو عامودي، متّجهاً نحو الخط الإعتِدالي للشمس. وقد ظهر لي جليّاً، كما آمنت إلى أبعد من ذلك عن طبيعة طبقة جويّة نادِرة ممتدّة من الشّمس نحو الخارِج باتّجاه كوكب الزّهرة. بالتأكيد إن هذا الحَيّز، دون الإفتِراض، يقتصِر على المسار البيضاوي لِلمُذَنّب، و على المناطِق المجاوِرة للشّمس. و على النّقيض من ذلك كان يُمكِن تخيّلها منتَشِرة في كافّة مناطِق مجموعتنا الشّمسيّة، و مُتكَثّفة كغِلاف جويّ في الكواكِب نفسها، و ربّما مُتّخِذة تحوّلاً مُعيّناً لإعتبارات جيولوجيّة؛ حتى يمكن القول، متحوّلة أو مُتَغيّرة نِسبياً (من حيث الطّبيعة) بِتقَلّبات في أمور ناتِجة عن الأجرام السّماويّة المعنيّة.

و إذ كنت بنيت وجهة النّظر هذه على الموضوع، كان قد انتابني شك آخر. إذ بمنحي فرصة التوّجه إلى القمر، ذهبت إلى حقيقة أنه عليّ أن ألاقي هناك نفس الضّغط الجوي الذي للأرض، و ذلك باستخدام جهاز غريم المُبتَكَر، إذ سأتمكّن بكل جهوزيّة من تكثيف كميّات كافية من الهواء للتّنَفّس، الأمر الذي سيزيل العقبة الرّئيسيّة في رحلتي إلى القَمَر. و قد صرفت مالاً و عَمَلاً جباراً لجعل الجهاز لِخدمة الغرَض المطلوب، وبِثِقة تطلّعت إلى إتمام العمل بِنَجاح و ذلك إذا نجحت بإتمام رِحلتي في وقت معقول.- و هذا سيعود بي إلى السّرعة التي ينبغي أن أسافِر فيها.

إنه معلوم أن المناطيد في مرحلتها الأولى، تنطلِق بِسرعة متوسّطة. إن قوّة الرّفع تعتِمد على القوّة الجاذِبة لِضغط الهواء بالمقارَنة مع غاز البالون؛ و من الوهلة الأولى، يبدو أنه من غير المرَجّح أنه كلّما ارتفع المنطاد، بالِغاً بالتتابُع نحو الطبقات الجويّة بِكثافات آخذة بالإضمِحلال- أقول أنه لا يبدو منطقياً أنه في أثناء صعوده هذا، يتوجّب القيام بِزيادة في سُرعتها. و من ناحية أخرى، وَوِفق ما هو مُسَجّل، لست على عِلمٌ بأنه عند انطلاق المنطاد بأقصى سرعة كان قد حدث نقص ما في السّرعة؛ وللتوضيح؛ في أوج سُرعتِه. و على الرّغم من وجود حالة كهذه، فستكون الحالة الوحيدة حين يحدث تسرّب للغاز من خِلال منطاد سيء التّركيب، و مطلي بِمادة ليست بأفضل من الورنيش. لذلك يظهر أن تسرّب هذا الغاز قد يكون بالكاد كافياً لِمواجهة السّرعة المتزايدة الحاصِلة في لحظة تحرر المنطاد الجاذبية الأرضية. و قد أخذت بعين الإعتبار، شَرْطأً و هو إن وجدت هذا الحيّز الذي خمّنت وجوده في الرّحلة، و إذا كان هو بالفعل ما ندعوه بالغِلاف الجويّ، إذن فلن يعود لأمر سرعة الإنحراف عن المسار لَحظة اكتشاف الحيّز الذي خمّنت حقيقة وجوده أي أهميّة- أي أنه بِخصوص قوّة ارتفاعي إلى الأعلى- فقوّة الغاز ليست وحدها المعَرّضة لمسؤولية الإنحراف عن المسار المشابِهة( أي بقدر نسبة التعرّض لتسرّب غاز كما بِتفادي حدوث انفجار أيضاً)، و لكن، بكونها على ما كانت عليه، فستكون في جميع الأحوال أخف من أي مادّة ممكن أن توجد، حتى و لو كانت كميّات قليلة من النيتروجين و الأكسجين. لذلك كان هناك أمل و أرجحيّة قويّة- بأنه لن أصِل في جميع مراحِل صعودي، إلى نقطة يتًشكّل فيها وحدة للأوزان الموجودة في منطادي الهائل مِن الغاز النّادر الذي لا يُصَدَق بِداخِله، أو يكون أيضاً لِمحتوياته، الوزن المُساوي لكتلة الغِلاف الجوي المحيط، فيجب أن يُفهم بأن هذه هي الحالة الوحيدة التي يمكن أن توقِف رِحلَتي. و لكن، إن وصلت إلى تلك النّقطة فباستطاعتي إلقاء أحمال قد تَصِل إلى 300 باوند. و في الوقت نفسه تكون قوّة الجاذِبيّة آخذة بالإضمحلال، بالنسبة مع المسافات المُرَبّعة، و بذلك بِتسارع غير عادي. حيث أصل إلى نقطة تكون فيها جاذِبية القمر قد حلّت مَحل جاذبية الأرض

و هناك مشكلة أخرى حدثت معي مُقلِقةً إياي. فقد لوحِظ أنه في خلال صعود المناطيد إلى أي علوّ شاهِق، قد يترافق الأمر مع صعوبة في التنفّس، مع ضيق و اضطراب شديد في الرأس و الجِسم، مصحوباً بِرعاف من الأنف، و عوارِض أخرى خطِرة قد تتضاعف بالنّسبة للعلو الذي تم بُلوغه. كان هذا ارتِداد لِطبيعة مُروّعة، تُرى هل كان من الممكن أن تأخذ هذه الأعراض بالإزياد للوصول إلى الموت؟ لكني لم أعتقد ذلك في النّهاية، إذ أن أصل الأمر الذي ينبغي النّظر إليه هو حدوث للإزالة تدريجيّة لِضغط الهواء المعروف على الجِسم، و الذي يسبّب تمُدّداً في الأوعية الدّموية- و لكن ليس الأمر كالإختِلال الذي يحدُث للحيوان، كضيق النّفس الحاصِل بسبب كثافة الجو الغير قادِرة على مساعدة إعادة ضخ الدّم إلى القَلب. و لكن إذا أهملنا نقطة الضّعف هذه، عندها لا أجد مانِعا في البقاء على قيد الحياة حتّى في الفراغ، بواسطة بذل جهد عضلي في ما يسمّى الشهيق و الزّفير، و ليس بالتّنفس التلقائي. و بمعنى آخر اعتبَرت أنه مع تكيّف الجِسم مع ضغط الغِلاف الجوي، سيزول الألم تدريجيّاً- و لإحتمال هذا الألم، اعتمَدْتُ بِكل ثِقة على بُنية جِسمي القوَيّة.

و بالتّالي، راجياً إرضاء سعادتكُم، قمت يالتلخيص لِحضرتكم بعض الإعتبارات، وليس كلّها، التي حَثّتني للقيام بهذه الرّحلة القَمَريّة. أود الآن المتابَعة بوضع النتيجة أمامكم، لهذه المحاولة ذات الطّابِع الجريء، و الغير مسبوقة في تاريخ البشريّة.

و إذ بلغت الإرتفاع الآنِف ذكره، أي ثلاثة أميال و ثلاثة أرباع الميل- قمت بإلقاء كميّة من الريش، ووجدت بأني ما زلت أصعد بِسرعةٍ كافيةٍ؛ فلم يوجد حاجة لإلقاء أثقال. و كنت فَخوراً بذلك إذ أردت إبقاء أكبر كميّة ممكِنة من الأثقال، وذلك بكل وضوح لأني لم أكن على عِلم مُسبَق بدرجة جاذبية القَمَر، أو كثافته الجويّة. و لم أكن بعد قد شعرت بِضيق جسديّ، إذ كنت أتنفّس بِحريّة تامّة، غير شاعر بأي ألم يُذكَر بالرّأس. و كانت القِطّة مستلقية باحتِشام على معطفي الذي كنت قد قمت بِخلعِه. و كنت أراقب الحَمام بِلا مُبالاة. و هذه الأخيرة التي كانت قد رُبطت بأرجلها، للتأكد من عدم هربها كانت تلتقِط بعض الحُبوب. أظهر جهاز الضّغط الجويّ ارتفاعاً يبلُغ 26400 قدَماً، أو خمسة أميال و كَسْر. وقد بدا مشهد الطّبيعة غير محدود. و بالطّبع يمكن قياسها بواسطة الهندسة الكُرويّة، أي مدى اتّساع مساحة الأرض التي شاهدتّها. فإن السّطح المُحَدّب لأيّ قِسم في الجِسم الكرويّ ، هو نفسه لِلجِسم بِكامِله، و ذلك يُدعى في الرياضيات، "فرق جيب التّمام عن الواحِد"، بالنّسبة لِقُطر الكُرة. و في هذه الحالة، "فرق جيب التّمام عن الواحِد"- لنقول، إن سماكة القِسم الواقِعة تحتي- و هي تساوي الإرتفاع الذي أنا عليه، أو الإرتِفاع من نقطة الرؤية عن السّطح. "فإن خمسة أميال، لِثمانية آلاف" سيُعطي نسبة حجم الأرض التي أشاهدها، و بمعنى آخر فقد شاهدت سِتة عشر بالمِئة من حجم الكرة الأرضية بِرمّتِها. و قد بدا البحر أملَساً كالزّجاج، و ذلك على الرّغم من رؤيته عبر المنظار بادياً في حالة هيجان شديدة. لم تَعُد تلك السّفينة لِتُرى، إذ انحرفت، كما يظهر، بالإتجاه الشّرقي، و قد بدأتُ منذ الآن أشعر بآلام حادّة في الرّأس، لا سيما عند الأذنين- على الرّغم، من أني كنت أتنفّس بِحريّة تامّة. كما لم يبدو على القِطّة و الحمام أي نوع من الإنزِعاج.

في السّابِعة إلاّ عشرين دقيقة، اختَرق المنطاد سِلسِة من الغيوم الكثيفة، الأمر الذي وضعني في مأزِق عظيم، بإتلاف جِهازي، و تعريض جِسمي لِلبَلَلْ. و كان هذا، على وجه التّأكيد، موعِداً فريداً. لأني لم أتوقّع وجود غيمة كهذه على هذا الإرتفاع الشّاهِق. و لكنّي اعتقدت أنه أفضل ما يكمن فِعله هو إلقاء ثقلين يبلُع كل منهما خمسة باوندات، مُحتَفِظاً بِذلك بوزنٍ يبلُغ مِئة و خمسة و ستّين باونداً. و بذلك تجاوزت تلك المِحنة، و عرفت إذ ذاك أني بَلغت سرعة متزايدة عظيمة. و بعد بِضعة ثوان من مغادرة الغيمة، حدَثت ومضة بَرق قويّة منطِلقة من إحدى أطرفِها إلى طرفها الآخر، مُشعِلة الغيمة على جميع جوانِبها، لِصبِح كَكُتلة من الفحم المُشتَعِل. و يجب أن يُعْلَم أن هذا الأمر قد حَدَث أثناء ضوء النّهار السّاطِع. فلا يُمكِن تخيّل صورة السّمو الذي يُمكِن إبداءَه بِظاهرة مُشابِهة وسط عتمة الليل. قد يكون الجحيم هو الصّورة المُلائمة الوحيدة. و على الرّغم من حقيقة الأمر، لقد وقف شعر رأسي لدى مشاهدتي لرؤية هذه الهاويات الفاغِرة، و التي تنحَدِر بالمخيلة مطارِدة تلِلك القاعات المقَنطَرة، و الخُلجان الحمراء، و الصّدوع العميقة الحمراء المروّعة، و النيران الشائنة التي لا يُسْبَر غَورَها. و قد استطعت بالكاد من افلات. فلَو بقي المنطاد في الغيمة لِفترة قصيرة، أي أنه لو لم أفَكّر من حصول البَلَل، وبالتّالي لو لم أكُن مُصَمّماً على إلقاء الأثقال خارِجاً- لَكانت نهايتي هي النتيجة المُؤكّدة. و بالرّغم من عدم أخذ هذه المخاطِر بالنّسبة للمناطيد بِعين الإعتبار، إلا أنه يجب إيلائها أعظم اهتِمام. كنت في هذا الوقت قد بَلغت ارتفاعا شاهِقاً جِداً بِشكل كاف بحيث زالت إمكانية حدوث آلام في الرّأس.

كنت الآن أصعد يِسرعة، و قد أشار جهاز الضّغط الجوي إلى أني قد بَلغت ارتِفاع تسعة أميال و نِصف. بدأت أشعر بِصعوبة بالتّنفّس. و كان رأسي يؤلِمني بِشِدّة؛ و إذ شعرت بِرطوبة على خَدّاي، ثم مع الوقت اكتشفت أن الدّماء قد خرَجَت من أذناي، و كانت ترشَح من طبلات الأذن بِسرعة. و قد سبّبت لي عيناي إزعاجاً كبيراً. و لى وضعي ليدي عليهما شعرت بأنهما قد بَرَزا من وقبيهما إلى درجة كبيرة. و قد بدا المنطاد نفسه لِعيناي مُشوّها. كانت هذه العوارِض أكثر مِمّا توقّعت، و قد جاءتني على حين غُرّة. و بكل حِكمة و نَظَر، قمت بإلقاء ثلاثة من الأثقال التي يبلغ كل منها خمسة باوندات. و قد بذلك حصلت على السّرعة المتزايدة المطلوبة، فحملتني بِسرعة، و دون تعاقُب كاف في السّرعة، إلى غلاف جويّ عال مُخَلخَل. و قد استولى عليّ تقلّص عضليّ لا إراديّ استمَرّ إلى خمسة دقائق، و حتّى عند انتِهاء هذا الأمر، لم استطع التِقاط أنفاسي سوى على دُفعات، و بِشكل لاهِث- إذ كنت في كل تلك المدّة أنزِف بِشِدّة من أنفي و أذناي، و قليلاً من العينين. و قد كان الألم الشّديد بادياً على الحمائم، و كانت مجاهِدة للهروب، في حين أن القِطّة كانت تموؤ بِشكا مُؤسِف، و كان لِسانها خارِج فمها، مترنّحة جيئة و ذهاباً في المركبة كأنّها في حالة تسمّم. و قد اكتشفت بعد فوات الأوان الذنْب الذي اقترفته بِتهوّر إذ تمَثّل بِقيامي بإلقاء الثّقل. و هكذا، كان هيجاني شديداً، و لم أتوقّع شيئاً غير الموت، بل و في دقائق قليلة. و قد تسبّب لي الألَم الجَسَديّ الذي خًضتُهُ في عدم تمكّني من القيام بأي عمل لأحافِظ به على حياتي. فلم يكن لدي القوة لِلقيام بأي ردّة فِعل، و قد أخذت آلام رأسي بالإزدياد، ووجدت بأن حواسي ستفارقني معاً، و قد قمت بِكلتا يداي بالتشبّث بأحد حبال الصّمامات استعداداً لِمحاولة الهبوط إلاّ أن الحيلة التي أجَزتُها على مُضايقيّ الثلاثة أثناء انطلاقي والنّتائج المترتّبة عليها حيال عودتي قد منعتني من العَودة. كنت مستلقيا على أرضْ المَركبَة مُجاهِداً لإستعادة كافّة قواي. و كان آخر شيء توصّلت إليه هو تجرِبة تَخلّصي من كميّة معيّنة من الدّم. و إذ لم يتوفّر لدي مِشرَطاً، كنت مُجبراً على إجراء العمَليّة على أحسن وجه، و نجحت أخيراً بإحداث فُتحة في وريد يدي اليُسرى، وذلك بواسطة شفرة. و بِصعوبة بدأ الدّم بالتدفّق، الأمر الذي أشعرني بِراحة معقولة، بعد خروج قدر من الدّماء يُعادِل نصف حوض كامِل، إذ ذاك فارقتني جميع العوارِض بِشكل نِهائي. و مع ذلك لم أجد الأمر مُلائماً للوقوف على قدماي على الفور؛ و لكن، وبعدت أن ربطت ذِراعي بأحسن ما أمكنني، استلقيت دون حِراك لِمدّة ربع ساعة. و بعد ذلك نهضت، ووجدت نفسي أكثر تحرّرا من الآلام التي أصابتني خلال السّاعة و الرّبع الأخيرة. إلا أن صعوبة التّنفس كانت قد زالت بِقَدْرٍ قليل، ووجدت أنه ينبغي استعمال جهاز التّكثيف للمساعدة. و في الوقت نفسِه، و لِدهشتي العُظمى، وجدت أن القِطّة قد استغنمَت فرصة وقوعي في ذلك العَذاب مُنجِبَةً ثلاثة جِراء، و كان هذا بالنّسبة لي زيادة غير متوَقّعة في عدد الرّكاب. فقد منحني هذا الأمر فرصة باختبار نظرية تُعتَبَر تخمينيّة، و هي عن سبب الآلام التي تحدُث للحيوان بِسبب فارِق الضّغط الجوي بين الأرض و المسافات المُرتِفعة. و هو الأمر حَثّني أكثر من غيره للقيام بِهذا الصّعود. لذلك إن حدَث أن نالَت الجِراء التي ولِدَت على هذا الإرتفاع آلاماً كالتي تألّمتها القِطّة المعتادة على جو الأرض، إذ ذاك تَفشَل نظريّتي، و عَليّ أن أبحث عن إثباتات أخرى دَعماً لِفِكرَتي.

عند السّاعة الثّامِنة كنت قد بَلَغْتُ ارتِفاع سبعة عشر ميلاً عن سطح الأرض. لذلك فقد اتضح لي أن سرعة صعودي لم تكن في تسارُع فَحَسْب، بل إن التَقَدّم في الأمر كان سيحصُل بوضوح إلى حَد ما دون الحاجة بي إلى إلقائي للأثقال. و قد عاودتني آلام الرّأس و الأذن بِشِدّة، على مراحِل، و استَمَرّ نزيف الأنف بين حين و آخر؛ و لكن بالإجمال، كانت مُعانتاتي أقل مِما كان متوقّعاً. و لكَنّي كنت أتنفّس في كل لَحظة بِصعوبة أكثر من سابِقتها بِتقَطّع مُزعِج من الصّدر، و قمت للحال بإفراغ جهاز التكثيف من حقيبته، مجهّزاً إياه للإستِخدام الفوري. كان منظر الأرض، في لَحظة صعودي جميلاً حقّا. إذ بالإتّجاه الغربي، و الشّرقي، و الجنوبي، و على مدى رؤيتي، كان يوجد صفحة ملساء لا نهائية من المحيط، و كانت في كل لَحظة تكتسب لوناً خفيفاً مائلاً للزّرقة. و إلى مساحة كبيرة نحو الشّرق، و بالرّغم من رؤيتها واضِحة، امتَدّت جُزُر بريطانيا العُظمى، و جميع شواطئ الأطلَسي لِفرنسا و إسبانيا، مع جزء صغير من الجزء الشّمالي من القارّة الإفريقيّة، إلا أنه لم أستطِع أيجاد أي أثر للصّروح الضّخمة، فالمُدُن المتفاخِرة قد تلاشت تماماً عن وجه الأرض.

و مِمّا أذهلتي حقّاً من المناظِر في الأسفل، هو تَقَعّر حافة الأرض. فقد ظننت دون تفكير بأن يكون منظر تَحَدّبها واضِحاً عند الصّعود، و لكن بتمعّن بسيط يمكن شرح تناقُض الأمر. فبرسم خط من مكاني باتّجاه عاموديّ نحو الأرض، بحيث تكون القاعِدة هي الأُفق، و أن يكون وتر المُثَلّث مُنطلقاً من الأفُق باتّجاهي. مع الأخذ بِعين الإعتبار أنه لن يكون لِطولي أي فاصِل بالموضوع؛ و بكلمات أخرى، فإن القاعِدة و الوتر سيكونان بالِغيّ الطّول، بالمقارنة مع الخط العامودي، في حين يشكّل الأوّلان شِبه خط متوازي. و على هذا النّسَق سيبدو الأفق أمام و جه الطيّار. و بِما أن النّقطة الواقِعة تحته تَماماً ستبدو بالِغة البُعد، كذلك ستبدو بعيدة عن الأفق أيضاً. و بالتّالي، الإنطِباع المأخوذ عن منظر التَقعّر؛ سيظل مُستَمِرّاً، حتى يصِل الإرتفاع إلى نِسبة كبيرة مع الأفُقْ، فَتختفي الموازاة بين القاعِدة و الوَتَر.

بِما ن الحمائم كانت تكابِد عذابًاً شديداً في هذا الوقت، عزمت على إفلاتهما. فَحَللت ربطة أحدهما، حمامة جميلة مُنَقّطة، و اضِعاً إياها في طرف حافّة الفتيلة، و قد كان الإنزعاج الشّديد بادياً عليها، متطلعة حولها بِقلق، مرفرفة بِجناحيها، و مُصدرة هديلاً عالياً، لكن غيرقانِعة بإمكانية مغادرة السيّارة. و في النهاية أمسكت بِها و ألقيت بِها إلى مسافة سِت ياردات من المنطاد، لكنها لم تحاول الهبوط كما خَمّنت، بل جاهدت بِشِدّة للعودة ثانية مُصدِرة أصواتاً حادّة و ثاقِبة، و بِذلك ناجِحة بالعودة إلى محطّتها على الحافّة. و ما أن فَعَلَت ذلك بِصعوبة بالِغة حتّى سَقَط رأسها على صدرها و ماتت في السيّارة. لكن الأخرى لم تُثبِت أن حظّها كان مُشابِها، فأمسكت بِها ملقياً إيّاها بِكل قوّتي باتّجاه الأسفَل، و قد سُرِرت بِرؤيتي إيّاها تتابِع سقوطها، بِسرعة كبرى، مستعينةً بِجناحيها، بِسهولة، و بِشكل طبيعي، و في وقت قليل كانت قد غابَت عن الأنظار، و ليس لديّ أدنى شك بأنها وصلَت بأمان. أما القِطّة التي بَدَت في أحسن حال صحية بعد مرضِها، وجدت طعاماً جيّداً من الطائر المَيْت، ثم أخلَدَت للنوم بِرضى تامّ.

كانت جِراء القِطّة هادِئة مُفعَمةً بالحيويّة، و لم يبْدُ عليها أي أثر للمُعاناة.

و في الثّامِنة و الرّبع، قمت بتعديل جِهاز التّكثيف حول السيارة، إذ لم يكن باستطاعتي التنفّس مِن دون بذل جُهدٍ كبير.

إن هذا الجِهاز يتطلّب شرحاً قليلاً، و أرجو أوّلاً من حضرتكم بالتفضّل بالوضع بعين الإعتِبار أن هدفي من هذا الأمر هو إحاطة نفسي و المَركَبة بِحاجِز من أجل التّنفّس، لاسيما بأنني أجتاز غِلافاً جويّاً أقل كثافة. فباستخدام هذا الجهاز يُمكِن تكثيف بعضاً من هذا الغِلاف الجويّ لأجل التّنَفّس. و من أجل هذا الغَرَض، قمت بإعداد كيس صمغي لَيّن و مُحكَمٍ لِحِفظ الهواء. و بِهذا الكيس ذو الحجم الكبير، يمكن احتواء المَركَبة بأكمَلِها. أي بِتغليف القِسم السّفلي للمنطاد، ثُمّ صعوداً إلى جوانِب السيّارة، وصولاً إلى الحافّة العُليا أي ( فُتحَة البالون الغازيّة؛ حيث يدخُل غاز المنطاد) حيث الشّبَكَة. و بِفرش الكيس بِهذه الطّريقة، مُغَلّفاً المنطاد من من جميع جوانِبِه، مع الجزء الأسفل، كان عليّ الآن ربط فُوّهتِه، وذلك بِتمريرِه على طوق البالون أو شبكة المنطاد- و بِمعنى آخر، بين الشّبكة و الطّوق. و لكن إذا كانت الشّبكة مُنفَصِلة عن الطّوق، لِفتح ثغرة، فما الذي كان سيحفظها عند ذلك؟ فالشّبكة لم تكُن مُحكَمة الرّبط بالطّوق، بل معلّقة بِسِلسِلَة من العُرَى و الأناشيط. لذلك، قمت بِفَكّ بعض هذه العُرى لبَعض الوقت، تارِكاً السيّارة مُعَلّقة بالباقي، و إذ قمت بإدخال جزءاً من قماش الكيس لِتشكيل الجزء الأعلى منه، قمت بإعادة رَبط العُرى- و لكن ليس إلى الطّوق، لأن هذا الأمر كان مستحيلاً بِسبب التّخَلّل الحاصِل من القماش،- و إذ كان يوجد عدد من الأزرار الكبيرة، المُثَبّتة في القماشة نفسها، بِنحو ثلاثة أقدام أسفل الكيس، كانت المساحات الفاصِلة بين الأزرار مطابِقة للمساحات التي للعُرى من حيث التّصميم. المُعَد لأجل هذا الغرَض. و بِإنجاز ذلك، و مع فَكّ عُرىً اخرى من الحّافة، و إدخال جزءاً آخر من القُماش، مع ربط العرى التي أفْلِتَت للتوّ بالأزرار، أصبَح إذ ذاك بالإمكان إدخال الجزء الأعلى من الكيس بين الشّبَكة و فُتحة بالون المنطاد. و قد بات جَلَيّاً أن فتحة البالون ستنزِل في السيّارة، فيما سيكون وزن المركَبَة بِمحتوياتِها مُعَلّقاً باعتمادٍ على قوّة الأزرار. قد يبدو الأمر من الوهلة الأولى، أن هذا الإعتِماد غير ملائم؛ لكن لا يمكن أن يكون الأمر كذلك، إذ أن الأزرار لم تكن قويّة فَحَسْب، بل كانت قريبة من بعضها البعض بِحيث كان كل زِر يحمل جزءاً بسيطاً من الوزن، و بالتأكيد، فلن أكون منزَعِجاً تحت هذا الظّرف حتّى لو كان كان وزن محتويات المركبة لأكثر بِثلاثة أضعاف من وزنها الحالي. لقد قمت الآن بِرَفع طوق الغاز ليتناسب مع الكيس المَرِن، سانِداً إيّاها لِتعود لِعلوّها الطّبيعي باستِخدام أعمدة خفيفة كانت قد أعِدّت خِصيصاً لِهذا الغرَض. و قد تَمّ ذلك، بالطّبع، لإبقاء الكيس منتفِخاً في الأعلى، و لِحفظ الجزء السّفلي للشّبكة في مكانه المناسِب. و كل ما تبَقّى الآن هو رَبط فتحة الفوّهة، و قد تم ذلك بِجَمع طَيّات الثّوب و ربطها فوق بإحكام بِواسطة عاصِبة ثابِتة. و على جوانِب الغِطاء الذي حول امركبة، تمّ إدخال ثلاثة ألواح زجاجيّة سميكة لكن شَفّافة، و ما ذلك إلاّ لكي أستطيع المُشاهدة بِوضوح أمامي في جميع الأنحاء الأفقيّة عبر الكيس. بالإضافة إلى نافِذة سفليّة رابِعة مُشابِهة لِتكون في أسفل الكيس، و تكون أيضاً مُنسَجِمة مع واحد آخر موضوع في فتحة في أرض السيارة، و ذلك للتمكّن من المُشاهدة العاموديّة للأسفَل. و إذ وجدت أمر عمل أي اختراع لِوضع نافِذة فوق رأسي مستحيلاً، بِسبب عملية الإقفال و الفَتح الغريبة، و التجاعيد الموجودة في القماشة هناك، لم أتوقّع وجود أي أداة فوقي لمشاهدة القِمّة. لكن نتائج هذا الأمر ضئيلة، فلو تمَكّنت مثلاً من وضع زجاج في الأعلى، لَمنعني المنطاد نفسه من الإستفادة من الأمر.

في أسفل أحد النّوافِذ الجانبيّة، كانت هناك فُتحة دائريّة، بِقُطر ثلاثة إنشات. و قد تم فيها إدخال آنية معدنيّة نحاسيّة ذات فتحة لِلبُرغي، و قد تم تثبيت الأنبوب الكبير لِجهاز التكثيف فيها بِواسطة برغي. عِلْماً بأن الآلة كانت، بالطّبع، بِداخِل الكيس المطّاطي. و يوجَد بِداخِل هذا الأنبوب كَميّة من غاز الغِلاف الجويّ النّادِر المحيط بالمنطاد، كان قد سحبه بِواسطة الشّفاط المُعَدّ داخِل الجهاز، ثم أعيد إخراجه، بَعد تكثيفه، ليمتَزِج بالهواء الذي بِداخِل الغُرفة. و قد تم إعادة هذه العمليّة عِدّة مَرّات. و خِلال الوقت تَمّ تكييف الغرفة بالهواء الكافي لِتأمين جميع مُتطلّبات عمليّة التّنفّس. و إذ، بِمساحة صغيرة كهذه، لا بد أن يصبح الهواء غير صالِح للتنفّس لا سيما بالنّسبة للرئتين، فسَيَتِمّ إخراجه من خِلال صمام في أفل السيارة؛- بحيث يغرَق الهواء الكثيف في الغِلاف الجوي الرّقيق خارِجاً. و لكن لِتفادي خطأ حدوث شفط كامِل للهواء بِداخِل الغرفة، لم تتم عملية التطهير هذه دُفعة واحِدة، بل على دُفُعات،- إذ يتم فتح الصّمام لثوان معدودة، ثم يتِمّ إقفاله مُجَدّداً، في حين يقوم الجهاز بضَخّ شوط أو اثنين لإستِبدال الهواء الغير النّافِع. و من أجل هذه التّجرِبة، قمت بِوضع القِطّة و الجِراء في سَلّة، معلّقاً إياها بواسطة زِرّ بِجانِب الصمّام، بحيث يمكنني إطعامهم في أي وقت لازِم. قمت بِهذا مُخاطِراً، و كان ذلك قبل إقفال فُتحة الغُرفة، بوصولي أسفل المركَبَة مُستعيناً بأحد الأعمِدة المعلّقة بواسطة مِعلاق، التي كنت قد ذكرتها سابِقاً. و بذلك تم تسَرّب الهواء الكثيف بِحيث صار وجود فتحة البالون و الأعمِدة غير ضرويّة ؛ إذ أن تمدّد الأجواء في الدّاخِل كانت تُمَدّد الكيس المطّاطي تِلقائيّاً.

و عند إتمامي لهذه التّرتيبات، بِمَلئ الغرفة كما كنت قد شرحت. احتاج الأمر إلى عشر دقائق من التاسِعة. و طِوال المُدّة التي عَملتُ فيها، جاهدت للحصول على نفس، بِمَرارةٍ كثيرة كنت أندَم على تجاهلي لأمر التّنفّس، أو التهوّر، إذ كنت مُذنباً بِحق ترْك هذه الأمور البالِغة الأهميّة للنّهاية. و لكن مع الإنتهاء من تنفيذها، بدأت أحصُد الفائدة من اختراعي. و مُجَدّداً، استطعت أن أتنفّس بِسهولة تامّة- و بالتّأكيد، لِمَ لا؟ و قد كنت حتّى الآن مُندِهِشاً لِزوال الآلام الرّهيبة التي اجتاحتني. لكن ألَماً خفيفاً في الرأس، مع انتفاخ في المعصمين، و الكاحِلين، و الحَلْق، كان كل ما يمكنني أن أشكو منه. و هكذا كان من الواضِح أن ناحية كبيرة من الضيقات التي حدثت لَدى محاولتي إخراج ضغط الهواء الجوي كانت قد زالت. و كما توقعت، فإن الآلام التي تعرضت لها كانت كُلّها نتيجة ضعف في التّنَفّس.

يتبَع...

 

إشترك في خلاصة التعليقات عدد التعليقات: (0 منشور)

المجموع: | عرض:

إكتب تعليق

البريد الالكتروني يبقى سرّي و لا ينشر
  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

- التعليقات الواردة من القراء هي مسؤولية أصحابها ولا تعبر عن رأي إدارة الموقع بالضرورة
- تتم مراجعة تعليقاتكم قبل نشرها عن طريق إدارة الموقع

- (سياسة نشر التعليقات)

تابعونا

  1. دول خليجية تحذر رعاياها من السفر إلى لبنان (5.00)

  2. وفاة "ملكة الديسكو" دونا سمر عن 63 عاماً (5.00)

  3. معارض صيني ضرير بمطار بكين متوجهاً لنيويورك (5.00)

  4. الاكتئاب لدي المراهقين .. له إشارات يجب الانتباه لها (5.00)

  5. صحف العالم: أمريكا "تعاقب" باكستان بعدد سنوات سجن أفريدي (5.00)

  6. فيلم منتظر يكشف تفاصيل اغتيال بن لادن (5.00)

  7. أستراليا: التيار الوطني الحر في سيدني ينعي فقيده المفكر و المناضل والاعلامي المخضرم الأستاذ بطرس عنداري (5.00)

  8. الرحيل المفاجئ (5.00)

يوسف قبلان سلامة

يوسف قبلان سلامة

يوسف قبلان سلامة - مكان الولادة:أبوظبي، الإمارات العربيّة المتّحدة تاريخ الولادة:28-04-1978 الجنسيّة:لبنانيّ التحصيل العِلمي إسم المدرسة: السّنة: 1.إيستوود كولدج(المنصوريّة، لُبنان) 1995-1996 2.المركز الدّولي للعلوم التّقنيّة(الدّورة، لبنان) 2006-2006 اللغات: المستوى: 1.اللغة العربيّة جيّد 2.اللغة الإنجليزيّة جيّد الشاهادات: حاصِل على شهادة بكالوريا القسم الثّاني من مدرسة إيست وود كولدج، منصورية-المتن الشّمالي، لبنان حاصِل على شهادة مُحاسب عام من المعهد الدّولي للعلوم التّقنيّة في العام 2005، في الدّور،بيروت، لُبنان الهوايات: قراءة الكُتُب، الكِتابة، العزف على آلة القيثارة

المزيد من اعمال الكاتب