إعلانات Zone 4B

[CLOSE]

إعلانات Zone 3B

[CLOSE]
أحدث الأخبار:

إعلانات Zone 2B

[CLOSE]
الرئيسية | ثقافة | قصص وروايات | المغامرة - الجزء الرابع
المصنفة ايضاً في: قصص وروايات

المغامرة - الجزء الرابع

آخر تحديث:
image
الكاتب:
عدد المشاهدات: 1983
قيّم هذا المقال/الخبر:
0
حجم الخط: A+ A-
نسخة صالحة للطباعة   نسخة نصية   أرسل إلى صديق

إعلانات Zone 6B

إدغار ألن بو

عند التّاسِعة إلا ثلثاً- أي قبل وقت قليل من إقفالي لِفتحة الغرفة، حدث أن الزئبق في جهاز الضّغط الجوي قد بلغ الحد الأقصى ثم تناقَص ، عِلماً بأنه كما قد ذكرت آنِفاً أن الجهاز كان متطوّراً. ثم أشار إلى ارتفاع 132000 قدماً أو خمسة و عشرين قدماً. و في ذلك الوقت قمت بِمسح لِمساحة الأرض لأجدها قد بَلغت ثلاثمائة- و- عشرين جزءاً من مساحة سطحِها. و عند التّاسِعة كانت الرؤية نحو الشّرق قد تلاشت، و لكن ليس قبل أن أعلَم بأن المنطاد كان يميل نحو الشّمال الغربي. و كان المحيط في الأسفل ما يزال متّخِذاً بكل وضوح الشّكل التقَعّريّ، و ذلك على الرّغم من تشويش الرّؤية الحاصِل بِسبب الغيوم المتحَرّكة جيئة و ذهاباً.

عند التّاسِعة و النّصف حاولت اختبار إلقاء كميّة من الرّيش عبر الصّمّام، لم يطوفوا كما كنت متوّقّعاً، بل سقطوا بِشكل عاموديّ، كالرّصاصة، و بِسرعة كبيرة- بحيث صارت بعيدة عن نِطاق الرؤية في ثوانٍ قليلة. في البداية لم يتسنّى لي تفسير هذه الظاهِرة؛ لم أكن لأتوقّع أن سرعة صعودي كانت بِهذا المقدار المُدهِش. و لكنه تبيّن لي أن الغِلاف الجوي في الخارِج ما عاد ليتحمّل ثقل الرّيش نفسه؛ أي كما ظهر أنهما سقطا بِسرعة عظيمة، و قد كنت مندَهِشاً بالسّرعة المتّحِدة لِسقوطها مع سرعة صعودي.

عند السّاعة العاشِرة وجدت أنه لم يعد يوجد شيء لِلَفت انتباهي بِشكل مَلحوظ، فالأمور كانت تسير بِنجاح. و قد اعتقدت أن المنطاد يسير بِسُرعة متزايدة نحو الأعلى، بالرّغم من عدم وجود دليل. لم أعاني أي ألم من أي نوع على الإطلاق، و كنت أشعر بمتعة لم أشعر مثيلها منذ انطلاقي من روتردَام، و كنت أملأ وقتي بفحص الأجهزة العديدة، و إعادة توليد الضغط الجوي في الغرفة. و قد قمت في الآونة الأخيرة بالإهتمام بِصحّتي كل أربعين دَقيقة، مولياً إيّاها اهتماماً أكثر من إعادة تكييف الغرفة. و في الوقت نفسه لم أجد بُدّاً من ضرب التّخمينات. فالتخيّل ممتِع في الأماكن الموحِشة و الغامِضة في القَمَر. إنّها المخيّلة، حيث تجول بحريّة دون قيود على العجائب الدّائمة التّغيّر لِعالَم الظّلال المُتَقَلّب. فهنا الغابات القديمة ذو الجلال، و الجروف الصّخريّة، و الشَلاّلات الهَدّارة تسقط هاويات بِلا قَرار. و فجأة وجدتُ نفسي قد جِئتُ إلى سكون وقت الظهيرة، حيث لا تَدَخّلٌ لِرياح السّماء، حيث مروج الخشخاش الكثيرة، و الورود الشبيهة بالزنابِق قد انتشرت عبر مسافات شاسِعة. ثم سافرت إلى بلد آخر ، حيث بحيرة قاتِمة و غامِضة، يحيط بها سياج من غيوم. لكن تخيّلات كهذه هي كل ما يمتلِك عقلي. فمخاوف ذات طبيعة قاسية و مروّعة قد تتطفّل على عقلي، هازّة أعماق نفسي لِمجَرّد تصوّر أنهم موجودون بالفِعل. و فوق ذلك لا يمكن أن أدعهم يستقرّون لِفترة طويلة لتخمين أمور كهذه. فالحكم على الأمور بمنطقية هو كاف لإنتباهي المنقَسِم.

في السّاعة الخامِسة، بينما كنت منشَغِلا بإعادة تعبِئة الهواء، اقتنصت فرصة مراقبة الجِراء عبر الصّمام. و قد بدا التألّم بادياً على القِطّة، و لم أدع مجالا للشّك بأن الأمر عائد إلى صعوبة في التنفّس؛ لكن نتيجة تجربتي على الجِراء كانت غريبة، فقد توقّعت، بالطّبع، أن أراهم يُبدون ألَماً قد يكون أقل وطأة من والدتهم، إذ كان الأمر كافياً لتأكيد فِكرَتي عن عن الجهد الإعتيادي المبذول في الضّغط الجوّي. ، لكنّي لم أكن متوَقّعاً أن أجدهم يتمتّعون بِصِحّة ممتازة. يتنفّسون بِسهولة تامّة و انتظام، غير مُعَرّضين لأيّ انزعاج. أستطيع فقط أن أفَسّر الأمر بِبَسط نظريّتي، بالإفتِراض أن الجو العالي النّقاء في الخارِج، قد لا يكون، كما كنت آخذا ً على وجه اليقين، غير كافياً كيميائيّاً لِوجود حياة، و أن إنساناً مولوداً، في حَيّز كهذا، لن يشعُر بانزِعاج في أخذ أنفاسه، و لكن عند سحب الغلاف الجوي، الذي بِجانِب الأرض، قد يشعُر بِآلام شبيهة بالتي حدثت معي. فقَد سبب لي هذا الحادِث الغير ملائم أسفاً عميقاً، في هذا الوقت، وذلك بِخسارتي عائلة الجِراء الصّغيرة التي (اعتادَت على العيش في الغِلاف الجوّي الجديد ، و التي جرّدتني من تَبَصّر في الموضوع الذي يُمكن أن يُكمِل التّجرِبة. و فيما كنت أمُدّ يدي داخِل الصّمام، بِغية إيصال كوب ماء للقِطّة العَجوز، عَلق كُمّ القميص في الحَلَقة الدّاعِمة لِلسّلّة، و بالتّالي أفلتت السلّة من زِرّها، فلو غاب كُل شيء في الهواء، لَمَا قُذِفَ من أمام وجهي بِسرعة فوريّة أشَدّ، و بِكل إيجابية، لم ينقضي عُشْر ثانية بين انفِصال السّلّة و تواريَها بِكل ما تحتويه. و قد تابَعتها كل تمنياتي إلى حين وصولها إلى الأرض، و لكن، بالطّبع، لم يكن لديّ أمل في إمكانية بَقاء القِطّة أو الجِراء على قيد الحياة لتخبِرنا بِقصّتها السيّئة الحظ.

في السّاعة السّادِسة، لاحظت جزءاً كبيراً من الجِهة الشّرقية الظاّهرة للأرض وقد كانت مُكتَنَفة بِالظلال الكثيفة، التي امتَدّت، بِسرعة، حتّى اكتنَفَت السّطح بأكمله في الليل عند السّابِعة إلا خمس دقائق، و لم يمضي وقتاً طويلاً حتّى توقّفت شمس المغيب عن إضاءة المنطاد؛ و لم تَفشَل هذه المناسبة المُنتَظرَة بِمَنحي أعلى درجات السّعادة. و كان واضِحاً أنه في الصّباح،كنت سأشاهد النور الصّاعِد قبل أن يشاهده سكان روتردام بِعِدّة ساعات، وذلك بالرّغم من مكانهم الواقِع إلى حد أبعد نحو الشّرق، لذلك كنت يوماً فيَوماً ، و بالنّسبة للإرتفاع الذي بُلِغ، أتمتّع بِمُشاهدة الشّمس لِفترات أطوَل. و قد عزمت على الإحتِفاظ بِسِجِلّ بِخصوص عبوري، حاسِباً الأيام من السّاعة الأولى إلى الرّابِعة و العِشرين باستِمرار، دون إيلاء مراحل الظّلام حيّز الإهتِمام.

و بما أني كنت قد شعرت بالنّعاس، عند السّاعة العاشِرة، صممت على الإستِلقاء طِوال الليل، و الذي كان يبدو واضِحاً أنّه، غاب عن اهتِمامي إلى هذه اللحظة التي أتكلّم فيها. فكيف سيتِم إستعادة الضّغط الجوي في الغرفة بِشكل مُؤقّت؟ و للتنفّس لِمدة ساعة، على أبعد حَد، سيكون أمراً مستحيلاً؛ أو حتّى لو بقيت لِمدّة ساعة و رُبع على هذا النّحو سيكون فالأمر سيكون مُهلِكاً. إن اعتِبار ورطة كهذه قَد أقلقتني إلى حَدّ كبير، و كان يصعُب تصوّر أن مشكلة جِديّة كهذه قد تُجبِرني على التّخلي عن مشروعي الأساسي و بالتّالي المباشرة بالهبوط. لكن هذا التّرَدّد كان وقتياً. فقد استنتجت أن الإنسان هو عبد للتقاليد على النحو الأقصى، و أن مسائل كثيرة في نمط حياتِه تُعَدّ هامّة بِشكل أساسي، و ذلك لإعتِمادِه إيّاها كَعادَةٍ، إذ كان من المؤكّد بأن الأمر لن يحول دون نَوْمي؛ لكن كان باستطاعتي أن أن أشعِر نفسي بعدم الحاجة للإستِراحة طيلة ساعة الإستِرخاء. إذ كان إعادة توليد الضّغط الجويّ يتطلّب خمس دقائق فقط- و المشكلة الحيقيّة الوحيدة كانت تكمُن بإيجاد وسيلة لإيقاظي في الوقت المناسِب للقيام بِهذا العمل. لكني أعتَرف بِجسارة أن مسألة كهذه لم تكن لِتشكّل لي أي مُشكِلة. و للتأكيد، كنت قد سمعت بالتّلميذ الذي، إذ أراد أن يمتنع عن النوم أثناء قِراءته للكتُب، قام بِحمل كُرة نحاسيّة في يده، بحيث تسقُط هذه الكُرة، لَحظة نومه، في وعاء من المادّة نفسها بِجانب الكرسيّ على الأرض، الأمر الذي يَدعه يَجفُل مستيقِظاً، وذلك في اللحظة التي يُغالَبه النّعاس في أي لَحظة من اللحظات. لكنّ، بكل تأكيد، كانت المسألة مختَلِفة تماماً؛ إذ لم أشأ البقاء مُستيقِظا، بل لأستيقِظ من قيلولتي على مراحِل مُنتَظِمة. و في النّهاية توَصّلت إلى الحيلة التّالية، و التي بِكل بَساطة، نالَت ترحيبي، فكانت بالنّسبة لي بِمكانة اختِراع التلِسكوب، أوالمُحَرّك البُخاري، أو فن الطّباعة بِحَدّ ذاته. فمن المهم الإرتكان إلى أن صعود المنطاد، في بلوغِه لِهذا الإتِفاع، يتُم بِشكل أفقي دون أن ينحَرِف، و أن المَركَبَة تتبعه بِشكل كامِل لِدرجة أنه يمكِن كشف أدنى تأرجُح. و قد كان هذا الوضع في صالِحي لأضع المشروع حَيّز التّنفيذ. كان مورِد المياه موضوعاً في براميل صغيرة محفوظة بأمان داخِل السيّارة. قمت بِحَلّ إحداها، و بواسطة حَبلَيْن، قمت بِربطِها على الحافّة التي للفَتيلة، من الجانِب الأوّل إلى الآخر، واضعاً أيّاهما بِشكل متوازٍ ليُشَكّلا رَفّاً، واضعاً عليهِما البرميل الصّغير، و مُثَبّتاً إيّاها في وضع أفقي. و على مسافة ثمانية إنشات أسْفَل الحَبلين، و أربع أقدام فوق أسفل السّيارة، و قمت بِربط رَفّ آخَر- لكنه مصنوع من لوح رقيق، إذ كان اللوح الوحيد المُشابِه المتوَفّر لدَيّ. و على هذا اللوح، و تحت إحدى حافّات البرميل الصّغير، قمت بإيداع إبريق صغير. ثم أحدثت ثُقباً في نهاية الإبريق، مُدخِلاً فيه سِدادة من الخَشَب النّاعِم، قد تَم قُصّها على شكل مغزَليّ أو مخروطي. و بعد عِدّة اختِبارات على إدخال السِدادة و إخراجها، كانت قد وصلَت إلى درجة تامّة من الإحكام بِحيث كانت المياه الرّاشِحة من الثّقْب و السّاقِطة في الإبريق تملأه إلى حافتِه في مدة قدرها ستّين دَقيقة. كان هذا الأمر بالطّبع، مؤكّداً، و ذلك بالإنتباه إلى نسبة امتِلاء الإبريق في أي زمن معيّن. كنت قد وضِعته بتدبير على أرض المركبة، بحيث اضع رأسي، مباشرة تحت فم الإبريق، و يبدو من الواضِح أنه بعد انتهاء السّاعة، و لامتِلاء الإبريق، سيتم اندِفاعها للإنسِكاب على فم الإبريق الذي كان أدنى من حافّته. و بالطّبع بانسكابها عن ارتفاع أربعة أقدام ستسقط على رأسي، و ستكون العاقِبة إيقاظي على الفور، حتّى من أشد الهجعات وطأة في العالَم.

عند إكمالي لِتلك التّحضيرات، كانت السّاعة تشير إلى الحادية عشرة بالتّمام، فأويت إلى سريري، و كُلّي ثِقة بنجاح اختِراعي. فلم أكن خائب الأمل. فكنت أستيقظ كل ستين دقيقة على وجه الدّقة، بأداة قياس الزّمن الأمينة هذه، مُفْرِغاً ما تبَقى مِما في الإبريق في البرميل الصّغير عبر سِدادته، و مكَمّلاً ترتيباتي بِخصوص المُكَثّف. و هكذا عدت مجدّدا إلى سريري. لكن هذه التقطّعات الجارية أثناء قيلولتي لم تجلِب لي ذلك الإنزعاج المتَوَقّع؛ و عند نهوضي في نهاية ذلك اليوم كانت السّاعة تشير إلى السّابِعة، و الشّمس كانت قد بَلَغت درجات كثيرة فوق الأفق.

الثالِث من إبريل، كان المنطاد قد بَلَغ إرتفاعاً هائلاً، و أمّا تَقَعّر الأفق فكان قد أصبح على بيان لافِت للنظر. و في المحيط إلى أسفل، كانت هناك بقعاً سوداء، و قد كانت دون شك جُزُراً. و كانت السّماء من فوقي على حلكة شديدة من السّواد، و كانت النّجوم تسطع بِوضوح، و بالطّبع كانوا كذلك منذ اليوم الأول من صعودي. و باتّجاه الشّمال، رأيت خطّاً أو شريطاً أبيضاً ذو لمعان شديد، على حافّة الأفق، و لم أشُك لحظة في أنه قَرْص ثلج للقارة القطبية الجنوبيّة. و قد أثيرَت حماستي، إذ كانت لدي آمال باجتياز الجهة الشّماليّة، و إمكانية المكوث، في وقت من الأوقات، فوق القارّة القطبية الشّمالية. و قد رثيت إلى حقيقة ارتِفاعي الشّاهِق الذي حال دون تمكنّي من إجراء المَسح الدّقيق الذي كنت أتطلّ إليه. و لم يجري أي حادِث فريد آخر خلال ذلك اليوم. و كان الجهاز يعمل على نحو جيّد، و كان المنطاد في تصاعد دون حدوث انحراف إثر التأرجُح. كان البَرْدُ شديداً، مُجبِراً إيّاي على لَف معطف حولي بإحكام. و عند حلول الظّلام أويت إلى فِراشي، على الرّغم من السّاعات الطويلة التي ستَمُر قُبَيل انبِثاق الفجر بالنّسبة لِمَكاني. كانت السّاعة المائيّة دقيقة في عملِها، و قد نِمْتُ بِارتياح إلى الصّباح، باستثناء الإعتِراضات الدوريّة.

الرّابِع من إبريل. نهضت بِصحة جيّدة و معنويّات عاليّة، و كنت منذَهِلاً من الشّكل الفريد لِهيئة البَحر. فَقَدْ فَقَدَ إلى حد كبير لونه الأزرق الغامق الذي كان قد اكتُسيَ بِه حتى الآن، إذ صار الآن مائلاً إلى الرّمادي المُبيَض، ببريق مُبهِرٍ للأبصار. و قد بدا ظاهِراً مِن تقَعّر المُحيط أن المياه ستسقُط في هُوّة الأفق بِغير ترَدّد، لِدرجة أني ألفَيْتُ نفسي مُصغياً لِسماع أصداء ذلك الشّلال واقِفا على أطراف أصابِعي. لم تَعد الجُزُر لِتُرى، فإمّا أنها مَرّت باتّجاة الأفق نحو الجنوب الشّرقي، و إمّا أن يكون الإرتفاع المتزايد قد حجب الرّؤية عنّي، إذ يستحيل تَحديد السّبب. و قد كنت ميّالاا إلى الفِكرة الأخيرة. كانت رؤية حافّة الثّلج نحو الشّمال تتضّح شيئاً فشيئاً. لم يكن البَرد شديد الوطأة. و لم يحدث أي شيء يحمل على الأهميّة. و أمضيت اليوم في القِراءة. إذ كنت مُهتَماً بتأمين الكتب لِنَفسي.

الخامِس من إبريل. شاهدت ظاهِرة فريدة للشمس البازِغة في حين كانت الأرض مكتنَفة بالظّلام. و لكن، حدث أن انتشر النور في لحظة واحِدة. و مجدّداً، رأيت الخط الثّلجي الواقِع نحو الشّمال، كانت بعيدة الآن، و قد بدا لونها أغمق من مياه المحيط. و قد كان من الواضِح أني أقترِب منها بِسرعة عظيمة. و قد تصوّرت إمكانيّة تمييز قِطاع أرضي نحو اجِهة الشرقيّة، و أخرى نحو الجهة الغربيّة، لكني لم أكن متأكّداً من ذلك. كان الجو معتَدِلاً. و لم يحدث شيء ذو أهميّة تُذكر خِلال اليوم. و أويت إلى فراشي باكِراً.

السّادِس من إبريل. ذُهِلت لرؤية حافّة الثّلج إذ كانت على مسافة معتَدِلة، و حقلاا هائلاً منها كان ممتدّاً بعيداً باتّجاه الأفق شمالاً. و كان واضِحاً أنه إن تابَع المنطاد طريقه، سيصل قريباً فوق المحيط المتجَمّد، و لم يبقى لديّ أدنى شك من مشاهدة القُطْب. طِوال اليوم كلّه كنت في اقتِراب مستمِر نحو الثّلج. و عند حلول الظّلام، اتّسَعت حدود الأفق فجأة أمام نظري، عازياً ذلك، و دون شك، إلى شكل الأرض ذات الصّورة الكرويّة المُفَلْطَحَة، و إلى الوصول إلى الأماكِن المجاوِرة من أرجاء دائرة القُظْب الشّمالي. و عندما حل الظلام، أويت إلى فِراشي، و كنت متحَمّساً بِشِدّة، إذ كنت خائفاً من إهمال مشاهدة المنطقة .

السّابِع من إبريل. نهضت باكِراً، و بعد فترة و جدت أنه لا مَجال للتّرَدّد في الإعتقاد بأنها القّارة الشّماليّة بِعينها. كانت هناك، دون أدنى شك، و تحت قدماي تماماً؛ و لكن، وا أسفاه! لقد بَلَغتُ ارتِفاعاً شاهِقاً، لِدرجة أنه لم يعد بالإمكان تَبَيّن أي شيء بِدِقّة. وبالطّبع، إذ، وَ لِلحُكم في الأعداد المُتتالية التي تشير إلى ارتِفاعاتي بِشكل متعاقِب، و في فترات مختَلِفة، بين السّادِسة، صباحاً، في الثاني من إبريل، و التّاسِعة إلا ثلث، صباحاً، من نفس اليوم، حيث هبط مؤشِر آلة قياس الضّغط الجوي، و الآن، عند الرّابِعة من صباح يوم السّابِع من إبريل، سَنَجِدُ أني قد بلغت ارتِفاع 7254 أميال على الأقل فوق سطح البحر. قد يبدو هذا الإرتفاع هائلاً، و لكن التقدير الحسابي النّاتِج عنه قد أعطى نتيجة خِلافاً هذه الحقيقة. فبجميع الأحوال، و دون شَك، لقد شاهدتُ كل القُطْر الأساسي للأرض، فالقِسم الأعلى من الكرة الأرضية يَقع تحتي كخريطة الإسقاط المُتعامِد؛ كما أن دائرة خط الإستواء نفسها قد شكّلت حدود خَطّي الأفقي. و لكن قد يتخيّل، سعادتكم، حتى اليوم، أن المناطِق المحدودة غير المكتَشَفة، الواقِعة ضِمن دائرة القُطْب الشّمالي، و بالرغم من وجودها تحتي واضِحة المعالَم دون الحاجة إلى تحديد صورتها، قد تَظنّون بأنّها ما تزال، مُصَغّرة، و على مسافة بعيدة جِداً من نقطة المشاهَدة، بالنّسبة للإعتراف بأي فَحْصٍ مُحَدّد. و لكن بالرّغم من ذلك، فما يُمكِن مشاهدته يبدو فريداً و شيّقاً. فباتّجاه الشّمال، و من تلك الحّافة الهائلة التي كنت قد ذكَرْتُها، و مع قِلّةٍ من الكفاءة، يمكن اعتبارها بالحدود التي لم يتمَكّن الإنسان الوصول إليها للإكتشاف مناطِقها؛ هناك حيث تمتد قطعة ثلج مكسورة أو ربّما غير مكسورة. ففي أولى درجات سيرها نُدرِك أنّها شِبه مُسَطّحة، ثم عند ابتعادها تتقَعّر لِتصير مُسَطّحة، و في النهاية يزول عنها كل أثر تَقَعّري. فهي تنتهي، عند القُطب تماماً، بِشكل دائريّ تامّ الحدود، إذ تُقابِل المنطاد بِسِتّ و خمسين درجة، و التي بِلونها الدّاكِن، ذو الكثافة المتفاوتة، يبدو الأكثر دكونة في قِسم الكرة الأرضية المَرئي، و أحيانا قد تصِل الدّكونة إلى السّواد. لكن لا يمكن التحقق أبعد مما وصلت إليه. عند الثانية عشرة كان المركز الدائري قد تقلص فِعليّاً. و عند السّابِعة مساء كنت فقدت رؤيتها تماماً؛ إذ كان المنطاد مارّاً بالطّرَف الغربيّ للثّلج، سابِحاً باتّجاه الخط الإستوائي.

الثامِن من إبريل. وجدت نقصانا ملموساً في قٌطر الأرض الظاهِر، بالإضافة إلى تغيير شكلي بِلونها العام و بِمظهرها. و قد اتّخذت المساحة المنظورة بِرُمّتها، لوناً أصفراً كان على درجات متفاوتة، و في مناطِق أجزاء أخرى اتخذت لمعاناً شديداً مؤذياً للعين. و كان نظري إلى أسفل مُعْتَرَضاً بِنِسبة كبيرة بِسبب الضغط الجويّ الكثيف بِجوار السّطح، إذ كانت مليئة بالغيوم، حيث بالكاد استطعت الحصول على نظرة خاطِفة للأرض نفسها. و قد تَسبّب لي النظر المباشر ضيقات في السّاعات الثمانية و الأربعين الأخيرة؛ و لكن ارتفاعي الشّاهِق هذا قد جمع معاً الأجسام البخاريّة العائمة أمامي، و قد أمسى الإزعاج مَلموساً بالنّسبة لِصعودي. و بالرغم من ذلك، تمكنت بِسهولة من إدراك أن المنطاد كان يحوم الآن حول البحيرات العُظمى للقارّة الأمريكيّة الشّماليّة، و كان متّجهاً نحو الجنوب حامِلاً إيّاي إلى المناطِق الإستوائيّة. لم تفشل هذه الظّروف من منحي الرّضى القلبي التّام، و قد قبلتُها كفأل نجاح مُطلَق. و بالتّأكيد إن الإتجاه الذي اتخذته حتّى الآن، ملأني بالإنزِعاج، إذ كان من الواضح أنه إذا تابعت مسيري هذا لِوقت أطول، فلن يتسنّى لي الوصول إلى القَمَر، الذي يسير بِمدار يميل بمقدار 5 درجات و 8‘48" الأمر الذي يبدو غريباً، و كان أني اكتشفت خطإي في في هذه الفترة المتأخِرة، و هي أني لم أنطلِق من الأرض في وقت القطع النّاقِص للقمر.

التاسِع من بريل. في هذا اليوم تلاشى قدر كبير من قُطْر الأرض، في حين اتخذت لون الأرض صبغة صفراء أغمَق. تابع المنطاد سيره نحو الجنوب، واصِلاً في التاسِعة

مساء إلى الضّفّة الشّماليّة للمكسيك

في العاشِر من إبريل. استيقظت من قيلولتي عند الخامسة من صباح هذا اليوم، تحت وطأة صوت فَرقعة، عال، و هائل، الأمر الذي لم يكن في حُسباني على الإطلاق. و قد استغرَق مُدّة قصير جِداً، لكن، في حين حدوثه، لم أستطع تشبيهه بي شيء رأيته في حياتي. و لم يكن بِحاجة للقول بأني أصبحت في حالة قلق شديدة، إذ عزوت الأمر في البداية إلى انفجار المنطاد. فقمت بِفحص الجِهاز، بانتِباه تامّ، لكني لم أجد شيئا خارج عن المألوف. و أمضيت شطراً عظيماً من النهار في التأمل بِظهور هذا الأمر الفريد، لكنّي لم أجد أي تعليل لِحدوثها. فأويت إلى فراشي مُستاء، و في حالة شديدة من القَلَقْ و الإهتياج.

الحادي عشر من نيسان. وجدت تضاءلاً مُذهِلاً في حجم قُطْر الأرض الظّاهِر، و بِزيادة كبيرة بذلك الذي للقمَر نفسه، الذي احتاج بِدوره لِبضعة أيّام ليكتَمِل. و قد احتجت لِعَمل طويل و مُفرَط لِتكثيف كميّات كافية من الضغط الهوائي للعَيْش.

الثاني عشر من إبريل. حدث تغيير بسيط في مسار المنطاد، الأمر الذي كان متوقّعاً، مانِحاً إياي فرحة مُلتَبَسة. و فيما وصلَ إلى مساره السّابِق أي ما يوازي خط العرض العِشرين، انحرَفَ فجأة نحو الشّرق، و هكذا تابَعَ سيره طوال اليوم، مُبْقياً اتجاهه تقريباً، أو كُليّاً نحو سطح القمَر البيضاوي الإستدارة. و ما كان جديراً بالذّكر هو تأرجّح في المَركَبَة، كان ناتِجاً عن هذا التغيّر في المسار؛ تأرجُحٌ استَمَر لِمدّة ساعات تقريباً.

الثالِث عشر من إبريل. رُوّعت لِحدوث صوت بالِغ العُلوّ حدث على دُفُعات، و لا سيما في الدّفعة العاشِرة ، إذ كان قد أرهبني. فكّرت مليّاً في الموضوع، لكني لم أصِل إلى أي استنتاج يُذكَر. و قد حدث نقصان عظيم في قُطْر الأرض، بِزاوية مقابِلة، ليست أقل من خمس و عشرين درجة. لم يكن بالإمكان رؤية القمر على الإطلاق، إذ كان تقريباً فوق رأسي؛ (أي المنطاد) و قد تابعت مسيري نحو القطع تاناقِص للقمر، لكن بِتقَدّم قليل نحو الشّرق.

الرابِع عشر من إبريل. حدث نقصان سريع في حجم قُطْر الأرض. و قد أخذت انطباعاً إيجابياً في هذا اليوم بِسبب فِكرة أن المنطاد يسير في نقطة إلتقاء الأوجين،- و بِمعنى آخر المَسار المباشر الذي يمكن أن يأخذ المنطاد إلى القمر مِن أقرب نقطة لِجاذبية الأرض. كان القمر فوق رأسي و بالتّالي متوارياً عن نظري. و قد تم إمضاء وقت عظيم و طويل في سبيل تكثيف الضّغط الجوي.

الخامِس عشر من إبريل. لم يكن بالإمكان اقتفاء أي أثر لِحدود القارّات و البِحار على الأرض بِوضوح. عند حوالي الثانية عشرة أصبحت على بيّنة من الصوت المُرعِب الذي كان قد أذهلني سابِقاً، و قد استمرّت الأصوات هذه المَرّة للحظات، مُجتمّعة بِشِدة في استمرارها. و مع الوقت و إذ كنت مُخَدّراً، و مأخوذاً بالخوف، وقفت مترقّباً ما لا يمكن تخيّله من دمار مُرتَقَب، فقد اهتزّت السيّارة بِعنف شديد، و حدث صوت عظيم و رأيتُ شيئاً من مادّة مُشتِعِلة، لم استطِع تمييزها، جاءت مع صوت يُضاهي آلاف الرّعود، راعِدة و متعاظِمة بِجانِب المنطاد. و عند استعادة روعي من الذهول إلى حَدّ ما، لم أجد كثير صعوبة في افتِراض أن شظيّة بركانيّة ما قد خرجت من العالِم الذي كنت سائراً نحوه، و هي كَتلك التي يتم التقاطها في الأرض، و الموصوفة بالحِجار النيزكيّة و ذلك من أجل منحها تسمية أفضل ليس إلاّ.

السّادِس عشر من إبريل. اليوم قمت بالنظر فوقي بأفضل ما أمكنني، و ذلك عبر النوافِذ الجانبيّة، و قد شاهدت لِسروري، جزءاً صغيراً جِدّاً من قُرْص القَمَر، كان بارِزا، كما هو واقِع الحال، على جميع جوانِب المنطاد. كانت إثارتي قد بَلَغت حَدّها الأقصى، و لم يبقي لي شك كثير من الوصول إلى نهاية رِحلتي المحفوفة بالمخاطِر. و بالتّأكيد، لقد ازدادت حاجة جهاز التكثيف إلى درجة الإرهاق القصوى، و بالكاد منحتني راحة بعد الجهد المَبذول. و كان النّوم بعيداً عن السّؤال. فأصبحت مُعْتَلاّ بعض الشيء، و ارتعش جسدي من الإنهاك. كان يصعب للطبيعة البشريّة أن تُقاسي فترة أطول. و في فترة الظّلام هذه ، مَرّ حجر نيزكي بِجواري. و قد منحني تكرار حدوث هذه الظواهر فهماً أكثر.

السابِع عشر من نيسان. لقد أثبت هذا النهار عهداً في رحلتي، و سيُذكَر أنه في الثالِث عَشر، كانت الأرض قد قوبِلَت بِزاوية خمسة و عشرين درجة. و في الرابعة عشر، كانت هذ قد تتضاءلت؛ و في الخامِسة عشر، كانت قد تضاءلت يِشكل سريع و ملحوظ؛ و عند نهاية العمل في الليلة السادِس عشرة، لم أشاهد سوى الزاوية سبع و خمس عشرة دقيقة. و بالتّالي مِمّا أدهشني حقّاً لدى استيقاظي من قيلولة قصيرة في هذا الصّباح السابِعة عشر، هو إيجاد أن السّطح تحتي قد ازداد حجمه، إلى درجة تمتد إلى تسع و ثلاثين درجة من قُطْر الزاوية الظّاهِر! كنت مَشدوهاً! و لم يكن لكلِمة أن تُعَبّر عن مدى شِدة و رهبة ذهولي، إذ كنت موقوفاً، و مأخوذاً، و بالإجمال غارِقاً. و قد تمايَلَت رِجْلاي – و اصطَكّت أسناني- ووقف شعر رأسي. " ثم حدث بعد ذلك أن انفجر المنطاد!" كانت هذه هي الأفكار العنيفة التي بادَرَتْني: " أي لقد انفَجَر المنطاد!"- فكُنْتُ أسقُط- باندِفاع عنيف و سُرعة غير مسبوقة! و ذلك بالإحتِكام إلى المسافة الهائلة التي قطعتُها، لم تكن هناك أقل من عشر دقائق على أبعد تقدير، قبل أن ألاقي سطح الأرض، لكي أبعث للهلاك!" لكن، بعد مضي الوقت، راودتني الأفكار لأشعر بالإرتياح. إذ توقّفت؛ تأمّلتُ؛ و بدأت أشُكّ. فالأمر يبدو مستحيلاً. فلا يمكن أن أهبِط بِهذه السرعة دون سبب معقول. و بِجانِب ذلك، و بالرّغم من اقتِرابي من السّطح الواقِع تحتي، كان ذلك قد حدث بِسرعة غير مساوية للسرعة التي كانت في تصَوّري. و قد ساهم ذلك في التخفيف من اضطرابي، و في النّهاية نجحت في وضع الظاهِرة في وضعها الطبيعي. فبالحقيقة، كانت الدّهشة قد جَرّدتني من جميع حواسي، إذ أنني لم أنظر إلى الفرق الشّاسِع بين السّطح الواقِع تحتي، و بين سطح الأرض الأم. فالأخير كان بالتأكيد فوق رأسي، و محجوب بِشكل كامِل خلف المنطاد، بينما كان القمر- القمر نفسه، و بِكامِل بَهائه- واقِعاً تحتي، و عند قدماي.

يتبَع...

 

إشترك في خلاصة التعليقات عدد التعليقات: (0 منشور)

المجموع: | عرض:

إكتب تعليق

البريد الالكتروني يبقى سرّي و لا ينشر
  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

- التعليقات الواردة من القراء هي مسؤولية أصحابها ولا تعبر عن رأي إدارة الموقع بالضرورة
- تتم مراجعة تعليقاتكم قبل نشرها عن طريق إدارة الموقع

- (سياسة نشر التعليقات)

تابعونا

  1. دول خليجية تحذر رعاياها من السفر إلى لبنان (5.00)

  2. وفاة "ملكة الديسكو" دونا سمر عن 63 عاماً (5.00)

  3. معارض صيني ضرير بمطار بكين متوجهاً لنيويورك (5.00)

  4. الاكتئاب لدي المراهقين .. له إشارات يجب الانتباه لها (5.00)

  5. صحف العالم: أمريكا "تعاقب" باكستان بعدد سنوات سجن أفريدي (5.00)

  6. فيلم منتظر يكشف تفاصيل اغتيال بن لادن (5.00)

  7. أستراليا: التيار الوطني الحر في سيدني ينعي فقيده المفكر و المناضل والاعلامي المخضرم الأستاذ بطرس عنداري (5.00)

  8. الرحيل المفاجئ (5.00)

يوسف قبلان سلامة

يوسف قبلان سلامة

يوسف قبلان سلامة - مكان الولادة:أبوظبي، الإمارات العربيّة المتّحدة تاريخ الولادة:28-04-1978 الجنسيّة:لبنانيّ التحصيل العِلمي إسم المدرسة: السّنة: 1.إيستوود كولدج(المنصوريّة، لُبنان) 1995-1996 2.المركز الدّولي للعلوم التّقنيّة(الدّورة، لبنان) 2006-2006 اللغات: المستوى: 1.اللغة العربيّة جيّد 2.اللغة الإنجليزيّة جيّد الشاهادات: حاصِل على شهادة بكالوريا القسم الثّاني من مدرسة إيست وود كولدج، منصورية-المتن الشّمالي، لبنان حاصِل على شهادة مُحاسب عام من المعهد الدّولي للعلوم التّقنيّة في العام 2005، في الدّور،بيروت، لُبنان الهوايات: قراءة الكُتُب، الكِتابة، العزف على آلة القيثارة

المزيد من اعمال الكاتب