إعلانات Zone 4B

[CLOSE]

إعلانات Zone 3B

[CLOSE]
أحدث الأخبار:

إعلانات Zone 2B

[CLOSE]
الرئيسية | ثقافة | قصص وروايات | حتى يجف من الماء... قصة: نبيل عودة
المصنفة ايضاً في: قصص وروايات

حتى يجف من الماء... قصة: نبيل عودة

آخر تحديث:
image
الكاتب:
عدد المشاهدات: 8814
قيّم هذا المقال/الخبر:
0
حجم الخط: A+ A-
نسخة صالحة للطباعة   نسخة نصية   أرسل إلى صديق

إعلانات Zone 6B

حتى يجف من الماء

  حتى يجف من الماء...

 قصة: نبيل عودة

 

 كثرت الأقاويل حول ابنة حارتنا جانيت، لوهلة تبدو فتاة جميلة الوجه، سمارها الدكن يعطيها جاذبية خاصة وشعرها الأسود الطويل المجدل بجدولين يضفي عليها مسحة جمالية تشد الأبصار. لكنها فتاة لا تحب عمل البيت وتجلس وحيدة معظم ساعات النهار.

 

كنا صغارا نتفاجأ من وحدتها ومن عبوسها الدائم في وجوهنا. أهلنا نبهونا ان لا نتعرض لها، لأن الله يحب كل ابنائه مهما كانوا مختلفين . لم نفهم مسألة حب الله لأبنائه رغم اختلافهم ، فنحن لم نطرح تساؤلات عن هذا الموضوع ولم نفهم بالتالي تخوف أهلنا من مضايقتنا لابنة حارتنا جانيت.  في الحقيقة كنا نسخر منها ونحاول اثارة غضبها لتلحقنا بفردة حذائها وهي تنط مثل الجندب، هذا الأمر كان يملأنا ضحكا. في جيل المراهقة صرنا ننظر الى جانيت نظرات فيها شهوة غريبة لم نعرفها سابقا.

 

كانت حين تحرك ساقيها لتغيير زاوية جلوسها ينكشف بعض فخذها فوق الركبة ، فنهلل بسعادة  ونبدأ  بإشارات لإثارتها وجعلها دائمة الحركة فوق كرسيها. كانت تمضي الأيام على شقونتنا وسؤال واحد يقلقنا ، لماذا لا تشارك جانيت بنات الحارة في العابهن؟

 

انها فتاة جميلة  بل أجمل من الكثير من بنات الحارة، عاقلة جدا وصموتة جدا الا حين ننجح باخراجها من صمتها وهدوئها. قالوا لنا أنها مصابة بلطف الله، لم نفهم لطف الله الا بأنه أضفى عليها حسنة نفتقدها. في فجر أحد الأيام انفجر غضبها على أهلها.. علت شتائمها وطار الزبد من شفتيها، بصعوبة أمسكوا بها،  كانت تقاوم بشراسة بكل قوتها، لم نكن  نعرفها بهذه الشراسة والعدوانية.

 

منذ ذلك اليوم غابت جانيت عن حارتنا وغابت عن كرسيها في زاوية بلكون بيتها وبدأنا ننسى جانيت ، حين  كنا نسال عنها يقال انها في مصحة عقلية، بعضنا قال انها في العصفورية وتعلمنا ان العصفورية هي مصحة عقلية لمن يصابون بلطف الله وان لطف الله يعني الجنون وليس حسنة تضاف للشخص الذي يختاره الله للطفه.  هل حقا كانت جانيت مجنونة ام انها جنت فجاة في فجر ذلك اليوم؟  نحن نعرف المجانين مشردين في الشوارع ، ثيابهم رثة ووسخة، يكلمون انفسهم، نلحقهم لنضحك على كلماتهم وحركاتهم  ولكن جانيت كانت فتاة مرتبة الثياب ، يتدلى شعرها دائما بجدوليه على ظهرها طويلا جميلا تتمناه كل فتاة.

 

كانت رغم شقوتنا ومحاولاتنا لاستفزازها قليلا ما تغضب وتلحقنا بشتائمها واذا فعلت تعود بعد دقائق الى مقعدها هادئة وكأن شيئا لم يحدث  مما يجعلنا حقا نلوم انفسنا على ما سببناه لها ونتعهد ان لا نكرر فعلتنا، كثيرا ما وصلت شكاوي والدتها لأهلنا، فتعرضنا للعقاب الشديد بسبب تطاولنا على جانيت.

 

الشيء الغريب في قصة جانيت انها كانت تحب السباحة وتجيدها كما تروي والدتها لأهل الحارة، وانها في ايام الصيف تأخذها والدتها الى بركة السباحة ، حيث تسبح ولا تخرج من الماء الا بعد رجاء والدتها الطويل . ترى هل هي مجنونة حقا، ام بها مرض آخر ؟ لا تبدو مثل مجانين البلد . بل منعزلة وهادئة،  فهل هذا يعتبر جنونا  ام مرضا يعالج بسهولة؟ صرنا شبابا ومعظمنا تزوج وصار أبا لأولاد ، صارت جانيت نسيا منسيا من الماضي، توفيت والدتها وظل والدها العاجز حيا لفترة أطول قليلا  ولكن أختها العانس ظلت في البيت، لم تكن جميلة بل بشعة الوجه بشكل لا يريح النظر لوجهها،  كثيرا ما قالت والدتي لو ان الله عدل لأعطى وجه جانيت وشعرها الجميل لأختها ليرزقها الله بعريس وأعطى جانيت الهبلة وجه أختها. وكنت اسمع وقتها تعبير "الهبلة" لأول مرة وعرفت انه يعني "المجنونة".

 

في فجر أحد الأيام سمعنا حركة سيارات قرب منزل جانيت، شاهدنا اختها تخرج راكضة لتعانق امراة تنزل من احدى السيارات  ولولا شعرها المجدل الطويل لما عرفنا انها جانيت. جمالها لم يتغير، تعانقت الأختان. كانت الحارة تبصبص من وراء الشبابيك ومن البلاكين على هذا اللقاء الذي لم يتوقعه أحد.  ترى هل عادت جانيت الى وعيها وعقلها؟  هذه الأسئلة ترددت كثيرا في الأيام الأخيرة. لم تعد جانيت تجلس على كرسيها في البلكون. كانت تتحرك داخل البيت، أحيانا نراها تكنس أو تمسح الأرض واحيانا تنشر بعض الغسيل. ترى هل اكتمل علاجها؟ هل أعفاها الله من لطفه ؟! بدأت تتجمع الحكايات عن جانيت، قالوا أن  تحريرها جاء بعد أن أثبتت أنها امرأة عاقلة ومسئولة.

 

 كيف جرى ذلك؟

 يقال ان احد المرضى في نفس العصفورية  سقط في بركة مياه عميقة  بعد ان تسلق حاجزأ يفصل ساحة المستشفى عن البركة ، قام ضجيج وصراخ قوي من الممرضات المرعوبات وبعض المرضى، فما كان من جانيت إلا أن ركضت وقفزت فوق الحاجز ، قفزت داخل البركة وغاصت وراء المريض إلى قعر البركة وسحبته إلى سطح البركة وأنقذته من الموت غرقا.. وعليه قرر الأطباء  أنها فتاة عاقلة تستطيع أن تعيش وسط الناس بدون مشاكل.

 

بما اننا أقرب الجيران فقد دعونا جانيت وأختها للعشاء في أحدى الأمسيات. بصراحة تصرفت جانيت بشكل طبيعي ، شكرتنا على الوجبة الشهية، عندما عرضنا عليها فنجان قهوة اعتذرت بقولها انها لا تشرب الا الشاي فاعدت لها والدتي فنجان شاي.

 

كانت صموتة  وترد على التساؤلات بكلمات مقتضبة. حدثتنا اختها بفخر كبير عن جانيت كيف أنقذت شابا من الغرق الأمر الذي حدا بأطباء المستشفى أن يحرروها إلى بيتها  وها هي حقا هادئة تتجاوب مع الناس، لا يبدو عليها أمر غريب ، أو غير عادي عن أي شخص لم يصيبه الله بلطفه.

 

سالتها ونحن نجلس في الصالون بعد العشاء:

-       هل ما زلت تحبين السباحة يا جانيت؟

-       السباحه اجمل ما في الحياة.

-       لم تخافي من الغرق عندما قفزت لإنقاذ زميلك المريض؟

هزت رأسها مبتسمة :

- لماذا أخاف ، أنا سباحة ماهرة..

 - وزميلك  هل تحسنت حالته ؟

 - للأسف لا .

قالتها بحزن شديد.

- هل مات متأثرا من غرقه؟

 - مات معلقا من رقبته في الحمام؟

 - هل انتحر؟  -

 -       لا لم ينتحر.  

- لماذا شنق نفسه في الحمام؟

 - لم يشنق نفسه ... أنا علقته ليجف من الماء...

 

nabiloudeh@gmail.com

إشترك في خلاصة التعليقات عدد التعليقات: (0 منشور)

المجموع: | عرض:

إكتب تعليق

البريد الالكتروني يبقى سرّي و لا ينشر
  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

- التعليقات الواردة من القراء هي مسؤولية أصحابها ولا تعبر عن رأي إدارة الموقع بالضرورة
- تتم مراجعة تعليقاتكم قبل نشرها عن طريق إدارة الموقع

- (سياسة نشر التعليقات)

تابعونا

  1. دول خليجية تحذر رعاياها من السفر إلى لبنان (5.00)

  2. وفاة "ملكة الديسكو" دونا سمر عن 63 عاماً (5.00)

  3. معارض صيني ضرير بمطار بكين متوجهاً لنيويورك (5.00)

  4. الاكتئاب لدي المراهقين .. له إشارات يجب الانتباه لها (5.00)

  5. صحف العالم: أمريكا "تعاقب" باكستان بعدد سنوات سجن أفريدي (5.00)

  6. فيلم منتظر يكشف تفاصيل اغتيال بن لادن (5.00)

  7. أستراليا: التيار الوطني الحر في سيدني ينعي فقيده المفكر و المناضل والاعلامي المخضرم الأستاذ بطرس عنداري (5.00)

  8. الرحيل المفاجئ (5.00)

نبيل عودة

نبيل عودة
نبيل عودة - ولد في مدينة الناصرة عام 1947 درس الفلسفة والعلوم السياسية في معهد العلوم الاجتماعية في موسكو . يكتب وينشر القصص منذ عام1962. عمل 35 سنة في مهنة الحدادة ( الصناعات المعدنية الثقيلة )منها 30 سنة كمدير عمل ثم مديرا للإنتاج... بسبب رفض توظيفه بالتعليم او في أي عمل مكتبي مناسب، ذلك في فترة سيادة الأحكام العسكرية التعسفية على مجتمعنا بعد النكبة وتحكم المؤسسة المخابراتية بكل مرافق حياتنا . . .واصل الكتابة الأدبية والفكرية , ثم النقد الأدبي والمقالة السياسية. ترك عمله اثر إصابة عمل مطلع العام 2000 ..حيث عمل نائبا لرئيس تحرير صحيفة " الاهالي " ( رئيس التحرير كان الكاتب ، الشاعر والمفكر سالم جبران) التي صدرت مرتين ثم ثلاث مرات في الاسبوع بين 2000-2005 ، كانت تجربة صحفية مثيرة وثرية بكل المقاييس ، اذ لاول مرة تصدر صحيفة مستقلة تماما تحولت الى منبر سياسي وثقافي وفكري واجتماعي غير مهادن اثارت قلقا واسعا في اوساط سياسية مختلفة.. وبسبب ضغوطات مارستها مختلف التيارات السياسية على صاحب الجريدة اوقفت هذه التجربة.. (ولكنها كانت جامعتي الاعلامية الهامة التي اثرتني فكريا وثقافيا واعلاميا واثرت لغتي الصحفية وقدراتي التعبيرية واللغوية) ). شارك باصدار وتحرير مجلة "المستقبل" الثقافية الفكرية، منذ تشرين اول 2010 استلم رئاسة تحرير جريدة " المساء" اليومية صدرت لنصف سنة بين 2010 - 2011. يعمل اليوم محررا لبرامج سياسية اذاعية.. ومحاضرا في منظمات شبابية عربية ويهودية. صدرت للكاتب : 1- نهاية الزمن العاقر (قصص عن انتفاضة الحجارة) 1988 2-يوميات الفلسطيني الذي لم يعد تائها ( بانوراما قصصية فلسطينية ) 1990 3-حازم يعود هذا المساء - حكاية سيزيف الفلسطيني (رواية) 1994 4 – المستحيل ( رواية ) 1995 5- الملح الفاسد ( مسرحية )2001 6 – بين نقد الفكر وفكر النقد ( نقد ادبي وفكري ) 2001 7 – امرأة بالطرف الآخر ( رواية ) 2001 8- الانطلاقة ( نقد ادبي ومراجعات ثقافية )2002 9 – الشيطان الذي في نفسي ( يشمل ثلاث مجموعات قصصية ) 2002 ومئات كثيرة من الأعمال القصصية والمقالات والنقد التي لم تجمع بكتب بعد ، لأسباب تتعلق اساسا بغياب دار للنشر، تأخذ على عاتقها الطباعة والتوزيع.
المزيد من اعمال الكاتب