إعلانات Zone 4B

[CLOSE]

إعلانات Zone 3B

[CLOSE]
أحدث الأخبار:

إعلانات Zone 2B

[CLOSE]
الرئيسية | ثقافة | قصص وروايات | الفتى المُجاهِد
المصنفة ايضاً في: قصص وروايات

الفتى المُجاهِد

آخر تحديث:
image
الكاتب:
عدد المشاهدات: 860
قيّم هذا المقال/الخبر:
0
حجم الخط: A+ A-
نسخة صالحة للطباعة   نسخة نصية   أرسل إلى صديق

إعلانات Zone 6B

الفتى المُجاهِد

كان جهاد شابًّا مؤمنًا وشجاعًا. فالأمور الروحية كانت تستهويه منذ أَيّامِ طفولته، مثلما كان للحكمة التي اكتسبها أيّامَ حداثتِه فضلٌ كبير في مُساعدةِ أَبناءِ قريتِه الكبيرة بأسرها في تغيير أمور كثيرة في حياتهم. وطالما كان يُمضي وقتًا مديدًا في التفكير والتأمُّلِ الروحيِّ العميق، الأمرُ الذي جعلَه أشدَّ تقرُّبًا من الله وابتعادًا عن الأمور الدنيويَّة المادِّية. وكثيرًا ما شوهِدَ في أثناء تحدُّثِه مع الناس في حالةٍ نفسيَّة غريبة و نادرة تُشبه الغَيبوبة. ومن الأُمورِ التي أثارت إعجابي فيه حقًّا محبَّـتُه و بذلُه كلَّ ما هو غالٍ ونفيس في سبيل إسعادِ كلِّ مَن هو مُحتاج. أمّا رزقُه فكان يكسبُه من خلال عملِه في قطعةِ أرضٍ كان قد ورثَها عن أبيه،في إحدى القُرى المكسيكيّة إذ كان أجداده قد هاجروا الى ذلك البلد منذ أكثر من مئة سنة تقريباً.

وفي أحد الأيام، في أثناء قيامه بعملِه في قطعة الأرض هذه، حصلَ شِجارٌ بين سكّان تلك القرية كان من الشدَّة بحيثُ استرعى انتباهَ أحدِ الحيوانات المفترسة النادرة القاطنة في الغابة المجاورة لذلك الحقل. فشنَّ هذا الحيوانُ الضاري هجومًا على شيخٍ عجوز كان بين الأشخاص المتشاجرين. فعَدا العجوزُ حثيثًا في طريقٍ شاقَّةٍ متعرِّجة نحو الغابة.

فما كان من ذلك الوحش إلاّ أن تبعَه بسرعة أيضًا. والحقّ يُقال كان ذلك المشهدُ رهيبًا، فقد أَثارَ الرعبَ في قلوب كلِّ مَن كانوا هناك! كان طولُ الوحشِ نحو مترين ونصف على أَقلِّ تقدير، وجسدُه ممتلئًا بالشعر الكثيف، ووجهُه شبيهًا بوجه إنسان؛ أمّا أسنانُه فأسنانُ ذئب.

وفيما كان هذا الوحش يشقُّ طريقَه عَبر الأدغال، شوهِدَ جهاد عادِيًا بسرعةٍ خاطفة مُخترقًا الجموع، باذلاً جهدًا كبيرًا للِّحاقِ بالشيخ لإنقاذِه. وسُرعانَ ما قابلَ الوحشَ وجهًا لوجه، وقام ببعض الحركات المرموزة مومئًا له كأنَّما يُخاطبُه، فأجبرَه على التوقُّف عن مُهاجمة الشيخ الذي أُصيبَ بجراحٍ خطِرة.

والأمرُ الغريب قيامُ هذا المخلوق العجيب بحركاتٍ غريبة على أثر الإيماءات المرموزة التي أَدَّاها جهاد أمامه، إذْ أخذ يرقص ويقفز، الأمرُ الذي أثار موجةً عارمة من الضحك استولت على كلِّ مَن لحقَ بجهاد بعد سيطرته على الموقف. بعد ذلك أَكبَّ جهاد على تضميد جراحِ الشَّيخ، على الرغم من متابعة الوحش لحركاته الغريبة. وبسبب إعجابِ الجموع بعملِ جهاد البُطوليّ فقد ألقت أَمامه نقودًا كثيرة. أمَّا هو فقام بإنفاق تلك النقود على الفقراء والمساكين، واحتفظَ بكلِّ ما تبقَّى منها للأمور الضروريَّة.

لن ينسى سكّانُ تلك المنطقة عملَ جهاد الجبّار في سبيل مساعدة ذلك الرجل العجوز، إذْ شقَّ طريقَه عبرَ أرض شائكة مُعرِّضًا حياتَه للخطر، وعلى أثر ذلك أُصيبَ بجروحٍ بليغة.

لكنْ بعد انتهاءِ جهاد من مُساعدة الشيخ، أُصيبَ بغَيـبوبة.

وبعد عدَّةِ أسابيع، ما إنْ فتحَ عَينَيه حتّى رأَى فتاةً اسمُها سَوسن تُضمِّدُ جراحَه. كانت من أجمل فتياتِ تلك القرية، وعلى علاقة وُدّية به منذ أيّامِ الطفولة، وبعد مُشاهدتها تلك الحادثة، ازداد تعلُّقُها به. لكنَّ حالةَ جهاد النفسيَّة كانت قد أصبحت صعبة، وبدا كأنّه أُصيب بفقدانِ للذاكرة. لذلك أخذَت سَوسن تروي له وقائعَ الحادثة التي حصلَت عند إنقاذِه الشيخَ مُحاوِلةً تذكيرَه، ثمّ جعلَت تُذكِّره بالأيام التي أمضياها معًا، ويومَ وعدَها بإحضارِ نوعٍ من الخشَب كان قد وجدَه في منطقة اكتشفَها داخل الغابة، وبصُنعِه منه قيثارةً ليتعلَّما العزف عليها معًا. ثمَّ ذكَّرته بالأيام التي أمضياها في تعلُّمِ العَزف وبالنوتات الموسيقيَّة التي ألَّفاها معًا. وما إن انتهَت من سَردِ تلك الذكريات حتّى سقطَت أرضًا مُتَّخذةً وضعَ ذلك الشيخ الجريح في أثناء سقوطِه بين براثنِ ذلك الوحش. في تلك اللحظة استعاد جهاد ذاكرتَه، ونهضَ من سريره لمساعدة سَوسن بسرعة، فقام بحَملِها بين ذراعَيه. لكنْ سرعان ما ابتسم عندما رآها تستيقظ ضاحكةً قائلةً له إنَّها كانت تـتصنَّعُ ذلك لمساعدتِه و تشجيعِه على استعادةِ ذاكرته، إذْ كانت حالتُه صعبةً جدًّا؛ فتعانقا، ولم تطُل الأيَّام حتّى شُفِيَ فِعلاً. وكان لعبير الزهور التي قدَّمها له الزائرون الذين عادوه دورٌ مهمّ في مُساعدتِه على الشفاء.

و بعد شفاء جهاد بعدّة أسابيع أَخذَ يرتاد تلك الغابة متوغّلاً فيها تارةً بمفرده وطورًا بصُحبة سَوسن. وفي أحدِ الأيّام خرجَ برفقةِ سَوسن في نزهة الى الغابة عَبر وادٍ مُلئ بالأشجار، هو الوادي المجهول الذي كان قد اكتشفَه.وأراها كوخاً صغيراً فوقَ شجرة أرز كان قد بناه ليُمضي أوقات فراغه فيه،و كان يصعَد الى منزله بواسطة نباتات متسلّقةٍ كان قد ربطها بأغصان الشّجرة.وطلبَ من سَوسن أن تنتظرَه في ظلِّ إحدى الأشجار لأنه أراد التوغُّل في عُمقِ تلك المنطقة المجهولة والخطِرة، وذلك كي يأتيها ببضعة أخشاب كي يصنع منها قيثارة لأنَّه وعدها بأن يُشكِّلَ معها فرقة موسيقية ثُنائية. لكنَّ أمرًا مُفاجئًا حدَث، إذْ مرَّ الوقتُ من دون عَودةِ جهاد من عُمق تلك المنطقة المجهولة.

وانتظرته سَوسن وحيدةً ثلاثةَ أيام داخلَ الغابة تأكل من أثمار الأشجار و تشرب من ينبوع مجاور لتلك الشجرة، وهي تبحثُ عنه دونما فائدة. وفي اليوم الثالث أخذَت تصرخ بقوّة، فسمعها رجالُ الأمن الذين جاءوا للبحث عنها، فوجدوها. كان جسدها بحالة سيِّئة ويدُها تنزف. و بعد أن ضمَّدوا لها جراحها، قاموا باستجوابها، فأعلمتهم بكلِّ ما حدثَ في الغابة، وبأنَ جُرحَ يَدِها البليغ سببُه عبورُها بين النباتات الشائكة باحثةً عن جهاد. و هكذا أصبحت حالتها النفسية صعبة جدًّا، فصوتُ جهاد وصورتُه كانا في ذهنها دائمًا خصوصًا عندما كانت تتذكَّر عملَه الدائم في تلك الأرض الواسعة التي كان يملكُها ويعملُ فيها، وكذلك وعدَه إيّاها وهو على فراش الموت باصطحابها الى كلِّ الأماكن التي تتمنَّى زيارتَها. وكانت تـتذكَّرُ تضحياتِه الإنسانيَّة الجبّارة، إذْ كان بمنزلةِ أخٍ لها؛ فضلاً عن ذالك فهو يمتُّ لها بصِلة القُربى. وهكذا كان حزنُها يزدادُ يوماً بعد يوم حتَّى فقدَت الأملَ بالعثور عليه نهائيـًّا.

بعد عدَّة أشهر على حصول هذه الحادثة طرقَ بابَ سَوسن ذلك الشيخُ العجوز، ووعدَها بأنّه سيبذلُ كلَّ ما باستطاعته للعثور على جهاد مهما كلَّف الأمرُ ابتداءً من تلك اللحظة، وذلك بالرّغم من برودة الطقسِ الشديدة والأمطار الغزيرة. وقبل توديعها، انحنى أمامها مُقبِّلاَ يدَها، وانصرف حاملاً قنديلَه ليؤدّي دورًا خطيرًا في تلك الساعة المتأخِّرة من الليل في هذه الغابة الموحشة الكبيرة! فيا لها من مُغامرة!

قَّررَ المكوثَ في تلك الغابة المُثمِرة غيرَ آبهٍ بلأخطار التي ستعترضُه،متّخذاً من كوخ جهاد مأوى يقيه غائلة البرد و الأمطار.و لكن حدث في أحد الأيام العاصفة عندَ عودته من الغابة لزيارة سوسن أن وجدها في منزلها في حالة غيبوبة،و ذلك بسبب دويّ الرّعد المتواصل و العنيف.فقام بنقلها خارج البلاد للمُعالجة، و تحديداً الى ولاية سان دييغو الأمريكيّة،بسبب وضعها الصحي الحَرِجْ .والجديرُ ذكرُه أنَّ رجالَ التحرّي استطاعوا الإمساكَ بذلك الوحش، فقيّدوه على الرغم من مُقاومته الجبّارة، ثم ربطوا كلَّ طرف من أطرافه بالأشجار في مكان بعيد عن الناس؛ ولم يجرؤ أحدٌ منهم على الاقتراب منه من جرّاء هيئته المرعبة وقوته البدنية الرهيبة. واللافتُ للنظر حقًّا هو عثورهم على قطعة قماش تعود لجهاد! تُرى هل كانت جثّته هناك؟ لكن لماذا لم يستطيعوا العثور عليه؟ أيكون ذلك المخلوق المخيف قد ارتكب الجريمة؟ هذه الاسئلة كانت تدور في رؤوس رجال التحرّي، وكانت السبب الذي دفعَهم إلى إلقاءِ القبض على هذا المخلوق العجيب الذي لم يُمسِك به أحد قطّ! وحالفَهم الحظُّ في مسعاهم بعد جهد لا يصدّقه عقل في صراع مُلِئَ بالخوف و الكرِّ والفر...

***

بعد مرور سنة على هذه الحادثة، وصلت من ذلك الشيخ رسالة الى سَوسن، وكانت تتضمَّن ما سمع به عند ذهابه الى الغابة من أمور خفيَّة غامضة في مهمة البحث عن جهاد؛ وكان من أهمِّ ما ورد فيها الآتي:

 

عزيزتي سَوسن،

أتمنَّى أن تكوني بأحسن حال وبصحة تامَّة، وأنَّ نفسَكِ تقطنُ في أسمى الدرجات من مواطن السعادة حيث الاطمئنان والسلام المتدفق يروي ظمأ كلِّ تائق الى معرفة الحقيقة.

سَوسن، لعلَّكِ تذكرين تلك الليلةَ الرهيبة التي ذهبتُ فيها باحثًا عن جهاد. فقد توقَّفتُ عند هوَّةٍ عميقة بدَت كأنَّها فوهةُ بركان حيث كانت المياه تتصبَّب من عدّة اتّجاهات عبرَ قنوات لها. أمّا الأحداث الغريبة فليس بوسعي سوى أن أذكرها، إذ شعرتُ في أحد الأيّام، في أثناء مكوثي في الغابة، بقوة غريبة تضغط على صدري فأيقظتني من النوم، وسمعتُ أصواتًا كأنها آتية من عالم آخر، و كان ما سمعتُه ليلاً هو الآتي مثلما ورد حرفيًّا:

"ها قد وصلنا الآن الى الحالة التي يسمّيها البشرُ بالموت، فالموت لا وجود له بالحقيقة، بل هو حالة روحية طبيعية، فالأُمورُ الروحية تخضع لنواميسها الروحية وبذلك يتمُّ انتقالُ السيَّالات الروحيَّة. لقد مضى على انتقالي ردحًا طويلاً من الزمن استحقَقتُ من خلاله أن أوجد على كوكب النعيم هذا إذ من غير المُمكِن مقارنة اللحظات القصيرة بتلك التي على الأرض فاللحظة هنا تساوي أشهراً أرضيّة. و فجأةً سمعتُ صوتًا آخر يقول: ’أنا أذكرُ تلك المعركة الروحيَّة الطاحنة التي شاركتَ فيها، يا جهاد، عندما كنتَ على كوكب الأرض! أمّا الآن فقد تكشَّفت لك حقيقةُ كلِّ شيء، فأخبرنا.‘

فأجاب جهاد: ’أجل، والحمدُ لله الذي أعطاكم المعونة لكي تساعدوني في وسط كلِّ تلك الأحداث الصعبة الغريبة، إذْ كنتم آنذاك في كوكب عُلويّ، وسأسردُ عليكم قصّتي بالتفصيل بعدما تكشَّفت لي حقيقةُ كلِّ شيء بعد الانتقال. كنتُ في يومٍ عاصفٍ شديد البرودة و الرطوبة، وأحسستُ في ذلك اليوم بنعاس شديد يستولي عليَّ. وبينما كنتُ مستغرقًا في نومٍ عميق رأيتُ حلمًا عجيبًا قد يُـعَدُّ الأسوأ في حياتي. فقد رأيتُ إبليس يُهدِّدُني بشَنِّ هجومٍ عنيف عليَّ! وفجأةً رأيتُ نفسي مُحاطًا بجنودٍ عددُهم لا يُحصى وبقوًى غريبة وغامضة حاولَت السيطرةَ عليَّ. فقد هدَّدَني إبليس بأنه سيشنُّ ضدّي حربًا اضطهاديَّة قلَّ نظيرُها.

استيقظتُ من النوم وأَنا أَشعرُ بحالةٍ من الذُّعر وبعذابٍ نفسيٍّ شديد. فقد سُلِّطَت عليَّ رياحُ الشرّ، وأصبحتُ أعيش بحالتَين نفسيَّتَين؛ فشعرتُ بـيأس و اضطراب لا يمكن أن يصفَهما قلم. وزاد استغرابي استيقاظي، بعد ذلك الحلم، لأشاهد ضبابًا يملأ تلك المنطقة، ورؤيتي لونَ الشمس وقد أصبح أحمر كالدم! وفجأةً سمعتُ أنا الشيخ صوتًا آخر يقول: ’أجل، فأنا أذكر أنّنا ساعدناك كثيرًا بمعونة الملائكة، وقد كنتَ، يا جهاد، في حالة لا توصَف من العذاب الروحيِّ العجيب، إذْ كان عددُ أتباع الشرّير يفوقُ عددَنا أضعافًا مُضاعفة، لكنَّكَ أثبتَّ أنك قائدٌ عظيم بمعونة الله.‘"

وفي تلك اللحظة تحدَّث جهاد قائلاً: "لا بدَّ من أنك رأيتَ إصرار ابليس على السيطرة بكلِّ ما أوتي من قوة روحية خارقة، لكنَّ ثباتي في الإيمان باستخدام سَيفِ الروح ودِرعِ الإيمان بثبات هو الذي ساعدَني على إتمامِ طريقي حتى النهاية. فإنَّ هدفَ الشرير هو ادخالُ التشويش في نفس الإنسان، أمّا نحن المؤمنين فنعلم من جراء البرِّ والتقوى بجميع حِيَلِ الشرّير."

وأمسكَ جهاد بمرآة مُستشهدًا بآية بولس الرسول القائلة: "فإنّنا ننظرُ الآن في مرآة رؤيةً مُلتبسة، لكنْ يومذاك فتكون رؤيتُنا وجهًا لوجه. الآن أعرف معرفةً ناقصة، لكنْ حينئذٍ سأعرفُ مثلما عُرِفتُ. الإيمانُ والرجاءُ والمحبَّة هذه الثلاثة هي الباقية، وأعظمُها المحبَّة." (13كورنتس12-13)

"فمساعدةُ الإنسان من الداخل تجعلُه إنسانًا جديدًا، فتتغيَّر نظرتُّه إلى كلِّ شيء، لأنَّ ينبوعَ ماءٍ حَيٍّ وأبديٍّ سيتدفَّق في أحشائه."

وقال صوتٌ آخر: "لكنْ كيف استطعتَ أن تبقى على قَيدِ الحياة (على الأرض) و أنت تحت وطأةِ هذا العذاب الروحيّ، إذْ كنتَ مُقيَّدًا، يا جهاد؟ وقد رأينا حربًا عجيبة وقويّة، وكان إبليس يحاربُك بشدَّة؛ ثمَّ رأينا ملاك خَير و ملاك شرّ يتصارعان كأنهما قُطبا كهرباء موجِب وسالب. ثمَّ حدثَت قصفةُ رعدٍ هائلة على الأرض."فقد تقمّصا سحابتان تحمل كلّ منهما شُحنةً مُعاكِسةً للأُخرى.

و في هذه اللحظة استطرد جهاد قائلاً: "أجل، كنتُ على عِلمٍ بسيط بما حدَث، في أثناء وجودي على الأرض مُقيَّدًا بالروح، بالرغم من العذاب العجيب،بسبب تحليلي العميق لما كنتُ أشاهده من ظواهر تتراءى لي طيلة هذه الفترة المحدودة من الزّمان تارةً بشكلٍ مُستَمِر و طوراً بشكل متقطّع. وعرفتُ القليلَ من سرِّ هذه الأشياء، إذْ رأيتُ الصواعقَ تنقضُّ من السماء وتُحرق كثيرًا من الأشجار.و في هذه اللحظة ارتعدَ جِهاد بالرّوح متحدّثاً بنبرة غاضبة و هو يلوّح بيديه في الهواء فاتحاً كفّيه ليُشير إلى عدد السّنين قائلاً: فقد حدثَت كلُّ تلك الضربات على أَثر معركةٍ روحيَّة طويلة أخذت من حياتي خمسَ عشرةَ سنة، لكنّي شعرتُ كأنّها دهور. و في تلك الأثناء قام مخلوق قويّ من أجناد الشّر آتياً من عالمه مُختَرِقاً أجواء الأرض،متقمّصاً إعصار، فنزلَ مطرٌ غزير من السماء مُغرِقًا جميعَ المزروعات،نتيجة ذلك الخَرْق الغريب لعالمنا الذي أحدث مُعجِزة. وكان البشر في خطر كبير. فلولا إرشادُ الله عزَّ وجلَّ وحمايتُه لَسقط ودُمِّرَ كلُّ شيء في تلك المنطقة، و قُتِلتُ أنا أيضًا. فقد جرَّ إبليس أرواحًا ونفوسًا بشريَّة كثيرة بعد أن فَقَدوا رجاءهم،مُذعِنين بإرادتِهِم لأوامرهِ. أمَّا الذين صبروا مُتَّكلين على الله وحده فهم الذين فُكَّت قيودهم النّفسيّةِ و انتصروا."

وسمعتُ صوتًا آخر يقول: "لقد مُنِحتَ، يا جهاد، مسؤوليَّة عجيبة، إذْ لم يستطع الشرّير التمكُّنَ منك وزعزعةَ إيمانكَ بالله القادر على كلِّ شيء، بل عندما رآك هؤلاء الأشرار صامدًا بكلِّ هذه القوَّة ورأوا دفاعَك المستميت، انقلبَ كثيرون منهم معك.أي مؤمنين بكلام الله، و مُحدّثين بعضهم بعضاً بعجائِبه"

وهنا قال جهاد: "أحسستُ نفسي غريبًا عن هذه الأرض وبحالةٍ نفسية غريبة، ملأى بالارتباك والضيق الشديد، إذْ كنتُ مقيَّدًا بالروح و شعرتُ بأنّ مُرورَ يوم واحد بالنّسبة لي كأنّه دهور! فإن كنتُ ضعيفًا من الناحية الجسديَّة أكون قويًّا بالروح. أجل، لا تستطيع أيُّ قوَّة، مهما بلغت من الجبروت، أن تُزعزع المؤمن عن إيمانه بالله." واستطرد جهاد قائلاً بأن الأجنادَ الروحية كانت تُطيعه (أي) متّخِذةً من إيمانه عِبرَةً و بذلك قُيِّدت بدورها مِن قِبَل قوّات الظّلمة لسيرها في هُدى الله ناظرة الى بسببِ قوّة إيمان جهاد وتواضُعِهِ. وكانت صلواتُه مُستجابة؛ فنزل كثيرٌ من أجناد الشرِّ التّابعة للدّرَكات السّفليّة مُجَدّداً الى الهاوية.إذ استجاب الله لدُعائه مخلّصاً إيّاه من براثنِهِم المُهلِكة. وعلى أثر ذلك أُطلِقت اللعنات، فنزل ماءٌ على الأرض كالطوفان، نتيجةً لِغَضَبِ الله وحدثَت زلازلُ عظيمة، فنزلت حمَم من البركان الذي كان في منطقتنا، فاحترق عدد كبير من الأشجار.و ما ذلك الاّ جزاءً وفاقاً قد سمح به الله على الذين يَعصَون كلامه وقال جهاد أيضًا: هنا أحسستُ بدُوار من ثقل تلك الرؤى الغامضة.

وقال الصوتُ الذي كان يتحدَّث مع روح جهاد: "كنّا ننتظر لقاءك بشوق عارم لا يوصف، فقد استحقَّت سيَّالاتك أن تكون معنا على هذا الكوكب. و فجأة، يا جهاد، اختفيتَ عن أنظارنا، ورأينا إنسانًا يُصارعُ وحشًا عظيمًا كالتنّين، وكانا ملتحمَين يدًا بيَد و رِجلا برِجل. ثمَّ رأينا ذلك الرجلَ يغرسُ في قلب ذلك الوحش سيفًا؛ فهوى التنّين إذْ ذاك في ذلك البركان الثائر! وكان ذلك الإنسان هو أنت، يا جهاد، فقد جَبَهتَه بعد مُفارقةِ روحك لجسدك، إذْ لم تدعه يُفلِت. نعم، كانت تلك اللحظة هي التي جعلَتك تختفي عن أنظارنا، إنها لحظة انفصال الجسد عن الروح. و بعد ذلك رأينا المطَر قد توقَّف عن الهطول، والبركانَ هدأ! واذا الإيمانُ يعمُّ المنطقةَ مُجدَّدًا. أمّا الفرحة فقد تجلّت بلقائنا بك ثانيةً، ذلك اللقاء الذي لم نكُن نتوقّعه البتَّة. وتعانق الشبّان عناقًا حارًّا، وشربوا خمرة النصر. وفي هذه اللحظة سُمِعَ صوتٌ قويّ كأنّه آت من جميع الاتّجاهات قائلاً: بحقّ الله و النّبي الحبيب الهادي و الشخصيّات السّت و السيّال العشرين*.فَخَرّوا ساجدين لله مُردّدين هذه العِبارة عِدّة مرّات عالمين أنّهُ قد حان وقتُ الصَلاة. . فساروا وسط ذالك الفردوس بخشوع نحو المعبد.. وأُعلِنَ عن بداية نهار جديد في حياتهم...

***

بهذه الكلمات أنهى الشيخُ رسالتَه موقِّعًا إيّاها باسمه.

قرأت سَوسن هذه الرسالة غيرَ مصدِّقة كلَّ تلك الأخبار. لكنَّ الأخبار التي سمعَتها عن تلك المدينة وعن إيمان أهلها المفاجئ والعجيب حَلُّ لُغزِها موجودٌ في هذه الرسالة. وأيقنت إذْ ذاك بأنَّ سببَ جميع الأمور والأحداث روحيّ. ثمّ تذكَّرت كلَّ تلك اللحظات التي أمضَتها برفقة جهاد، و لا سيَّما في آخر أيّامها معه، قُبَيلَ موته، وأمسكت قيثارتَها وأخذت تعزفُ بأناملها "لحنَ الوداع لبيتهوفن، وبدأت يدُها الجريحة تنزفُ بشدَّة؛ أمّا اللحن الذي كانت تعزفُه فقد بدا كأنه آتٍ من السماء.كانت تعزف في حديقة المُستشفى أمام نافورة مياه شُيّدَ فوقَها تمثال لفينوس و هي تعزفُ على قيثارتها أمام كيوبيد الجاثي بخشوعِ على رُكبَتيه لعظمة الله في مخلوقاتِه.

في تلك اللحظة وقَعَ عليها ظلٌ فظنّنت أن الشّمس قد غابت لكن ما أن التفَتَت الى الخلف حتى شاهدَت شابّاً وسيماً جِداً يُقبِل لمعانقتها، ويهمسُ لها في أذنها كلماتٍ تجعلُها تنسى كلَّ آلامها،إنّها أسرار تلك المعركة الرّوحيّة. وفي تلك اللحظة سُمِعَ صوتُ زمجرةٍ بدَت كزمجرةِ الأسد، ثم سُمعِت أصواتُ أناسٍ تصرخُ بهلع قائلة إنَّ مخلوقًا عجيبًا قد أفلت من قبضة مالكيه. وفجأة دخل ذلك الوحش الى منزل سَوسن! فكان المشهد مُحزنًا للدرجة القُصوى، إذْ أخذَ ذلك المخلوق يبكي و يُزمجر!... ثمَّ هجم على جهاد لاحتضانه، وما لبثَ أن تركَه وعانقَ سَوسن، لكنّه عصرَها بقوَّة حتّى سُمِع صوتُ تكسُّر أضلاعها! فبدأت تصرخ صُراخًا عاليًا... وفي الحال أطلق أحدُ حُرّاس المستشفى رصاصةً أصابت قلبَ الوحش مخترقةً إبطَه الأَيسر لتخرجَ من إبطه الأيمن باتِّجاه رأس جهاد الذي اخترقَت جبهته، فمات بدوره على الفور.

على أثر الحادث دخلت الشرطة ودوَّنت التصريح التالي الذي نطقَت به سَوسن وهي تُحتضَر بسبب تحطُّم أضلاعها. قالت: "لقد بُعِثَت نفسُ جهاد الى الحياة مُجدَّدًا إذْ كان قد انتقل الى عالَمٍ آخر منذ زمن، وهناك شاهدني و أنا أعزفُ على القيثارة، فتضرَّع الى الله أن يسمح بتجسّده على الأرض؛ فسُمِح له، وعادت سيَّالاتُه الروحيَّة الى جسده. أمّا المعجزة فهي حَملُ ذلك المخلوق جهاد الى هذا البلد بمعجزة روحية من المكسيك الى سان دييغو."إذ إن هذا الشيطان هو تجسّد للشيطان على الأرض،و قد سُمِح له بتجربة جهاد و مُحاربَتَهُ.

ثمّ أدلت سَوسن باعتراف خطير، وهو أنها هي من قتَلته في الغابة، إذ جعلته يشرب من سُمِّ ذلك النبات الذي دلَّها عليه، ذلك النبات الذي صنعَ منه القيثارة، وقد حذَّرها من شُربِ السائل الذي يفرزُه. فاحتالت عليه ومزجَته بكوب ماء، وجعلته يتجرَّعه، فتوفّي على الفور. والحقيقة هي أنّه لم يغِب عنها سوى نصف ساعة لكنّها قامت باستخراج ذلك السّائل بخِفّة يدٍ واضعةً إيّاه في كوب ماء،إذ كان عطشاناً،و عند غيابه عن الوعي قامت بِجَرّ جَسَدِه ملقيَةً بِهِ عندَ حافة وادٍ سحيق كأنّه بِئر تلتقي جوانبه في آخِرِه. ثمَّ أخذت تتظاهرُ بالبكاء والصراخ لتبدو أنها تبحث عنه. أمَّا الجرحُ الذي في يدها فقد أَحدثَته إحدى شوكات ذلك النبات السامّ الذي غرزَ في يدها في أثناء استخراج السمّ. أمَّا غايةُ قتله فهي استيلاؤها على قطعة الأرض التي يملكُها.إذ كان يتيماً ووحيداً و كانت سوسن هي الفتاة الوحيدة التي تمت له بصِلة القُربى،و بالتالي يحق لها بعد وفاته أن تحصل على نصيب من تلك الأرض،إذ أن جدّهما واحد. "

نطقَت سَوسن بكلّ هذا الكلام، ثمّ ماتت على أثر نوبةٍ قلبيّة نادمةً أشدَّ الندم.

أجل، كان تأثير هذا السمّ مُميتًا في جسد جهاد، الأمر الذي أَزهقَ نفسَه لتتكشَّف أمامه تلك الحقائقُ الروحية التي قام الشيخ بتدوينها تخليدًا لهذه الحادثة الرهيبة،مصليّاً بأن يجمع الله جهاد بسوسن في الدّرجات العُليا. ذاكراً بأنّ نعمة التقمّص هي رحمة الله المُثلى التي ننال من خلالها مغفرة لخطايانا إذ ننتقل من كوكب الى كوكب نخضع فيه لتجارب خاصّة وِفقاً لأنظمة و نواميس ذلك الكوكب بعد أن يسمح الله تعالى بتلك التّجارِب أن تجري على مخلوقاته لفترات معيّنَةٍ و مُقَدّرَة لامتحان مخلوقاتِه بِحَسَبِ أعمالِهِم،فهو الدّيان وحده و به الخلاص لهُ المُلك و القوّة و المَجد الى أبدِ الابدين آمين.

نابيه- المتن، لبنان

2-9-

2005

 

*هي عِبارة تُتلى في الصّلاة و الدّعاء الدّاهشيّ. أمّا عِبارة النبي الحبيب في "الرّسالة الدّاهشيّة" فهي لا تُشير إلى نبيّ معيّن؛ فهي تشير إلى النبي عيسى عليه السّلام إذا كان المصلّي مسيحيّاً، كما أنّها تشير إلى النبي محمّد (صلّى الله عليه و سلّم) إذا كان المصلّي مُسلِماً.

أمّا الشخصيّات السّت فهي امتدادات نفسيّة طاهِرة للنبيّ كائنة في ستة كواكِب أو دَرَجات علويّة فردوسيّة.

*السيّال: وَرَدَت كلمة "سيّال" في أحد كتُب الأديب العظيم جبران خليل جبران، و اسم الكتاب هو "الأجنحة المُتَكَسّرة". تقع هذه الكَلمة في قِسْم "باب الهيكَل"ص.54، عن دار الجيل للنّشر.

أمّا الجُملة فهي:"هو سيّالٌ خافٍ عن العين يتموّجُ بين عواطِف النّاظِر و حقيقةِ المنظور."

إذَن، السيّال هو النّفْس الحيّة و المُدرِكة الذي تغذّيها الرّوح البعيدة عن كُلّ شائبة ماديّة.

إشترك في خلاصة التعليقات عدد التعليقات: (0 منشور)

المجموع: | عرض:

إكتب تعليق

البريد الالكتروني يبقى سرّي و لا ينشر
  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

- التعليقات الواردة من القراء هي مسؤولية أصحابها ولا تعبر عن رأي إدارة الموقع بالضرورة
- تتم مراجعة تعليقاتكم قبل نشرها عن طريق إدارة الموقع

- (سياسة نشر التعليقات)

تابعونا

  1. دول خليجية تحذر رعاياها من السفر إلى لبنان (5.00)

  2. وفاة "ملكة الديسكو" دونا سمر عن 63 عاماً (5.00)

  3. معارض صيني ضرير بمطار بكين متوجهاً لنيويورك (5.00)

  4. الاكتئاب لدي المراهقين .. له إشارات يجب الانتباه لها (5.00)

  5. صحف العالم: أمريكا "تعاقب" باكستان بعدد سنوات سجن أفريدي (5.00)

  6. فيلم منتظر يكشف تفاصيل اغتيال بن لادن (5.00)

  7. أستراليا: التيار الوطني الحر في سيدني ينعي فقيده المفكر و المناضل والاعلامي المخضرم الأستاذ بطرس عنداري (5.00)

  8. الرحيل المفاجئ (5.00)

يوسف قبلان سلامة

يوسف قبلان سلامة

يوسف قبلان سلامة - مكان الولادة:أبوظبي، الإمارات العربيّة المتّحدة تاريخ الولادة:28-04-1978 الجنسيّة:لبنانيّ التحصيل العِلمي إسم المدرسة: السّنة: 1.إيستوود كولدج(المنصوريّة، لُبنان) 1995-1996 2.المركز الدّولي للعلوم التّقنيّة(الدّورة، لبنان) 2006-2006 اللغات: المستوى: 1.اللغة العربيّة جيّد 2.اللغة الإنجليزيّة جيّد الشاهادات: حاصِل على شهادة بكالوريا القسم الثّاني من مدرسة إيست وود كولدج، منصورية-المتن الشّمالي، لبنان حاصِل على شهادة مُحاسب عام من المعهد الدّولي للعلوم التّقنيّة في العام 2005، في الدّور،بيروت، لُبنان الهوايات: قراءة الكُتُب، الكِتابة، العزف على آلة القيثارة

المزيد من اعمال الكاتب