إعلانات Zone 4B

[CLOSE]

إعلانات Zone 3B

[CLOSE]
أحدث الأخبار:

إعلانات Zone 2B

[CLOSE]
الرئيسية | ثقافة | قصص وروايات | رحلة النجاة العجيبة
المصنفة ايضاً في: قصص وروايات

رحلة النجاة العجيبة

آخر تحديث:
image
الكاتب:
عدد المشاهدات: 829
قيّم هذا المقال/الخبر:
0
حجم الخط: A+ A-
نسخة صالحة للطباعة   نسخة نصية   أرسل إلى صديق

إعلانات Zone 6B

رحلة النجاة العجيبة

كان مصطفى يعيش في جزيرة تقع في قارة أمريكا الجنوبية. و قد هاجر أهله من لبنان قاصدين البرازيل في أثناء الحرب العالمية الثانية. إلا أن الحالة المَعيشية الصعبة في تلك الاثناء هي التي دفعت بهم الى هجرة وطنهم، ليغادروا في أحد الأيام على متن إحدى السّفن المسافرة. و ما أن اقتربت تلك السفينة من الشواطئ الجنوبية البرازيليّة حتى تعرضت سفينتهم لعاصفة هوجاء انقلبت على اثرها السفينة، وكان من نصيب عائلة مصطفى أن تنجو مع العشرات من الأشخاص الذين تشبّث بعضهم بحُطام السفينة، و آخَرون ركِبوا قوارب للنجاة. و قد وصلوا الى جزيرة نائية يقطنها أناس يعيشون حياة بدائية. و لكن ، و مع مرور السنين، اعتاد كل من نجا و بقي على قيد الحياة على العيش وسط تلك الظروف الصّعبة فقد كانت الجزيرة مَلأى بالأشجار المُثمِرة و الدّواب كالماعز و الغزلان. و لكن و بعد سبع سنوات تقريبا، كان نبأ تحطّم السّفينة قد وصل الى مسامع إحدى العصابات التي كانت تجني الأموال من السّرِقة. كانت هذه العصابة تملك أسلِحة فتّاكة و طائرات حربية. وحدث في إحدى الليالي أن أن استطاعت أن تجد تلك الجزيرة بواسطة آلاتِ الرّصدِ التي تملكها و شَنّت حرباً على قاطني تلك الجزيرة. وكان آنذاك مصطفى صغير السّن يبلغ من العُمرِ الرّابِعة، أما والداه فقد كانا من الأشخاص الذين قدّموا حياتهم في سبيل الدّفاع عن وَطَنِهِم الجديد. فقد استُشهِد والداه على اثر تعرّض منزله الى غارة جوية عنيفة. و هكذا احتُلّت الجزيرة من قِبَلِ أفرادِ تلك العصابة . كان من الصّعب التّعرّف على هويات الجُثَث بسبب التشوّهات التي أصابت الأجساد. أما مصطفى فقد استطاع التّعرّف إلى مَلامِح ذويه على الرغم من صعوبة و استحالة الأمر حتى على الرّجال المختصين من تلك العصابة الدولية! و لكن، ظلّ ذلك المشهد محفوراً في ذاكرته. ظلّ مًصطفى رازحاً مُدّة سنة تحت وطأة الألم النّفسي الناتج عن تلك الذّكريات المؤلمة.حقاً، لقد عاش طيلة حياته في الأسر، و كان على الرغم من حالته الصّعبة يساعد المَرضى على تخطّي آلامِهم بواسطةِ قيامه بمهِمّةِ التّدليك الطبيّ الذي كان قد بَرَعَ به و ألمّ بجميع خفاياه، لدرجة أنه تفوّق بِفنَّهِ على جميع الأطباء الذين كانوا يزورون المُعتقَل من فترةٍ الى أخرى. و قد أراح الكثيرين ممّن كانوا يعانون من أمراض نفسية كادت أن تصيبهم في وقت لاحق. و قد أعجبت إحدى الفتيات بطريقة مساعدته للمرضى، و كانت هي نفسها تشكو من مرض في القلب. و قد تَعرّفَ إليها عندما كان في الرّابعة عشر من عمره. و قد كانت هذه الفتاة "ناتالي" تجمع القِصص و الأخبار في أثناءِ سيرها داخل هذا المُعْتَقَل الكبير؛ فتستمِعُ الى جميع من كانت لديهم خبرة و معلومات.كما كانت تجلس معهم مُشاركةً إيّاهُم في المواضيع الرّوحيّة و العلوم و غيرها. و قد حدّثَت مُصطفى عن روايات الأساطير الموجودة في الكُتُب الدينيّة كقِصّةِ شمشون الجَبّار و عن الحُروبِ الفينيقيّة، كما ووصَفَتْ له أشكال المَراكب الفينيقيّة. و قد جاءته فكرة على اثر ذلك، وهي أن يُمضي وقت فراغِه بصناعة قارب فينيقيّ بحسب وصف ناتالي له. و قد أنجز بناءه في غضون شهرين. حَقّاً لقد أعجِب أحد الَضبّاط بهذه السّفينة فقام بوضع زجاجٍ كالقُبّة ليكون بِمثابة سقف للقارِب، و فُتحة دائرية على الجِهة الأماميّة للنّافِذة. أمّا الزّجاج فقَد اقتُلِعَ مِن إحدى الطّائرات،وهكذا يستطيع الأنسان الدّخول عبر هذه النافذة. و هكذا كان الغِطاء الزّجاجيّ يُغَطّي المَركَبة كُلّها باسثناء تِلك الفُتحة. و قَد ثُبّت في وسط القارِب صارياً، و جُعِلَ في سقفِ الزّجاج فُتحة لكي يدخل مِنها عامود الصّاري، و ذلك لِرَبطِ الشّراع، و قام بإحكام تلك العصا بواسطة مادّة صمغيّة لاصقة لمنع تسرّب الهواء إلى داخل السّفينة. وقد قام بِطَلي الزّجاج بِمادّة حاجِبة للنور، و ذلك لتفادي أشعّة الشّمس الحارِقة عن الرّاكِب. و قام مُصطفى بِصناعة دَفّة صغيرة.

و حَدَثَ في أحَد الأيّام أن اشتدّ مرض القلب على ناتالي، فأصابتها آلام شديدة. وحدث في إحدى الليالي أن أصيبت بنوبةٍ قلبيّة. فما كان من مصطفى الا أن تسلّل الى غرفتها، و قام بالضّغط على صدرِها بِكِلتا يديه بأسلوب مُعيّن عَلّ وضعها الصحي يتحسّن. و كان يهمس في أذنها في تلك اللحظة عن كيفية إنقاذه لأحد الطيورمن المَوْت جوعاً علّه يُنسيها آلامَها. و أخبرها بأنّه كان يعزف على ناي كان قد صَنَعَهُ في المُعتقل، و قد تشقّقت أصابعه نظراً للثقوب الحادّة الموجودة فيه أثناء عزفه في تلك اللحظة. وما أن شاهد ذلك الطائر الشّبيه بالنّسر النّاي حتى وضع منقاره في الثقوب المليئة بالدّماء ماصّاً إيّاها.و عادت الحياة إذ ذاك الى الطائر بأعجوبة. و لكن حدث بعد إنهائه للقصة أن ابتسمت ناتالي في وجه حبيبها ابتسامة لن ينساها الى الأبد لجمال سحرها الأخّاذ، لكن سُرعان ما فقدت الوعي بعد ذلك. فَغَضِبَ إذ ذّاك غضباً شديداَ، فضغط على صَدْرِ ناتالي بطريقة معينة و قاسية، (لاشعوريّاً)، وأغميَ عليه من الحزن و الضيق المُفرَط ، ليجد نفسه في اليوم التالي في السّجن. و قد حُكِمَ عليه بالموت شنقاً لأن يداه قد اخترقتا صدر الفتاة البالِغ الشفّافيّة و الرّقّة ، ليبرز شريان قلبها الرّئيسي مِن عُنقِها.

و هكذا نُفّذ فيه حكم الإعدام و قرّروا نقل جثمانِه الى وطنه على متن إحدى السفن لدفنه. ثم بعد ذلك التفّ عَدَدٌ من الأطباء حول ناتالي ليحدّدوا سبب الوفاة، لكن الأمر العجيب هو ملاحظتهم بأن الجُرْح قد التأم. و أمّا السّبَب فهو أنّ مصطفى الذي كاد يصاب بالجنون في أثناء مُعالَجَتِه إيّاها جَعَلَ يلوّح بيديه الاثنتين في الهواء، فشاهده نسر على اثر ذلك و لاحظ الدّماء، ولاحظ أيضا الأمكنة التي كانت أصابع مصطفى تضغط على صدر الفتاة، ثم أخذ ينتزع الشّحم المترسّب حول شريان الفتاة الذي برز، الأمر الذي أعاد تدفق الدماء الى قلب ناتالي . فقد تبع النّسر يد مصطفى البارعة التي دلّته إلى حيث ينبغي أن يمتصّ الشّحم المُترسّب. و كانت ناتالي في لحظة استيقاظها من الغيبوبة تردّد اسم حبيبها دون انقطاع.

أمّا جسد مصطفى فقد وضِعَ في سفينةٍ لدَفنه في وطنه لبنان. أمّا القارب الصّغير الذي كان قد صنعه فقد استُخدِمَ كقاربِ نجاةٍ نظراً لِمتانةِ صنعه، فَرُبِطَ عندَ على متن السّفينة التي أقلّت مُصطفى.ترى هل سيردّ مصطفى على نداءِ نتالي و قد أصبح في العالم الآخر؟

لقد استغرق نقل جثمانه من السّجن الى السّفينة نصف ساعة.وقد وضع جُثمانه في أسفل السفينة. الا أنهُ بقي على قيد الحياة! و كان يأكل من المؤن التي تختزن في غرفة مجاورة. و قد استطاع التّسلّل ليلاً صاعداً إلى متن السّفينة، ثمّ قام بفكّ قارب النّجاة الصّغير الذي كان قد صنعه في المُعتقل، إذ كان القرار قد اتُخِذ بفن مصطفى فيه. و هكذا دَفَعَت الرياح بالقارِب بعيداًعن السّفينة نحو وجهة غير معلومة وسط عاصفة شديدة. واقتادته الأمواج الى جزيرة ملأى بالأشجار الكثيفة المُثمِرَةِ والحشائش التي لم تطأها قدم. و من الأشياء التي اكتشفها، نباتات ذات أوراق و ثمار ذات ألوان فوسفوريّة مُشِعّة أضاءت له الطريق ليلاً، و قد بدت كأشجار عيد الميلاد المزيّنة بأجمل طريقة و إبداع.انها كالحَشرات المضيئة التي يستعين بها الفلاّحون ليلاً لإرشادِهِم عبر المَسالِكِ الوعِرة. لقد أمضى في تلك الليلة أوقاتاً صعْبة اذ كان يستيقظ من نومه من فترةٍ لأخرى على أصوات الحيوانات المفترسة التي كانت تُسْمَع باستمرار حول المَكان، و باتَ المُكوث هناك مُستحيلا، فأيقن بأن نهايته قد أصبحت وشيكة. و قد لاحظ بأن تلك النّباتات المشعّة كانت تُفرِزُ سائلاً ذو حَرارةٍ عالية، فجمع عدداً كبيراً منها و قام بتنظيف قاربه بهذا السائل، و ما ذلك الاّ لكي يُبعِد انتباه الحيونات المفترسة عنه.إذ لاحظ أنّه عندَ الضّغط على هذه الأزهار، ينطفئ الضّوء المُنْبَعِث مِنها، مُخرِجاً سائلاً مائيّاً، مُتَغلغِلاً في خشَب القارِب. لكن أمراً عجيبا حدَثَ فجأة، إذ لاحظ بأن تفاعلاً كيميائياً بدأ يَحْدُث لدى تسرّب ذلك السّائل في الخشب الأمر الذي أنتج بخاراً كثيفاً و ضغطاً عالياً حول المركب،ليرتفع القارب على اثر تلك القوّة الضّاغِطَة نحو الأعلى. و ما أن ارتفع القارب الى مستوى رأسه حتى قفز فقزةً استعراضيّةً في الهواء مُدخِلاً نَفْسَهُ في غُرْفَةٍ المرْكب الصغيرة ذات النّافِذة الصّغيرة. وكم كانت سعادته لدى مشاهدته قفزات الحيوانات المُفتَرِسةِ التي كانت تحاول الوصول إليهِ أسفل القارِب لكن دون جدوى، اذ كان القارب آخذاً في الارتفاع بِشكلٍ عاموديّ رويداً رويداً بسبب تفاعل سائل تلك النّباتات إذ بدا كتفاعل نووي! و كم كان شعوره جميلاً لدى وصولِ السّفينة الى قِمّة مجموعة من الأشجار الشّاهقة، إذ شعر نفسه كأنّه في عشّ نسر أو طائر ينتقل من غصن الى غصن. و جعَلَ يقطَع بواسطة خنجره ما أمكَنَهُ مِن حِبال لِنباتات مُتَسَلّقة لاستِخدامِها عند الضّرورة. و الجَدير ذكره هو المتانة العَجيبة لهذه الحِبال. و ما أن مَضت ساعتان دون أن يَشعُر بهما حتّى شاهد أشجار هذه الغابة و قد بدَت كأرض من الحشائش تحيط بها الجبال بشكل دائري عجيب، كما استطاع أن يشاهد الأفق، و أيضا مجموعة من السفنِ التّجاريّة البعيدة جدّا عن الشّاطئ. وإذ كان خائفا من السّقوط، قام بربط نفسه بواسطة الحِبالٍ ،أما الجزء الأخر فربطه بصاري السفينة المتقن الأحكام. و بعد أربع ساعات أي عند ال"الثامنة صباحا" بدت له الأرض كَكُتلة أنوار لامعةٍ أي و تلاشي الظّلام. و قد ظهرت له مساحة كبيرة من جنوب قارّة أمريكا الشّماليّة حيث صحراء تِكساس. وها قد بدأت سرعة المركبة تزداد و تنساب مع الهواء شمالا حتّى بدأت الجبال الخضراء تظهر ليرى الوديان السّحيقة التي تملأها الأزهار، و تحوم حولها الطّيور ذات الألوان و الأشكال المختلفة. قد شاهد أيضا جُسوراً غير مُكتشفة تتخلّل الجبال عبر كُهوفٍ و دَهاليز، و متاهات، وكانت الجسور ذات تصميم هندَسيّ رائع .ثم بدأ يشعر بأنّ سرعة المركبة بدأت تزداد اذ راحت المركبة تتّجه نحو الشّرق و لم يجرؤ على وضع يده الى الخارج اذ أخرج خشبة غليظة كانت في داخل الغرفة فانشطرت الى قسمين كأنها قطعت بواسطة شفرة. و قد شاهد في تلك اللحظة نسراً يحلّق فوق الغيوم حيث كانت المركبة محلّقة. إلا أنّ النّسر بمهارته استطاع الدّخول الى السّفينة بعد سيره في طريق متعرّج صعودا و هُبوطا. و تناول الطّائر بعض الحُبوب النّباتيّة الموجودة بجوارِ مصطفى، لكن سرعان ما أخرجها كفضلات بسبب سرعة السٍّفينة التي لم يشهد الطّائر مثلها حتّى في مرحلة هبوطه.و شعر النّسر بجوع شديد كما شعر مصطفى بألم شديد في رأسه على اثر قِلّةِ الهواء. لكنّ بهجة عارمة استولت عليه و لاسيما عندما أدرك أنّ هذا النّسر هو نفسه الذي شاهدهُ في المُعْتَقَل، فقد لحق(النّسر) به علّه يُساعده، الأمر الذي أعطى مصطفى قوّةً معنويّةً للتّغلّب على آلامه. لكنّه لاحظ بأن النّسر أيضا سيموت. فقوّة الضّغط الجوّي ضغطت على جسد الطّائر حتّى بدا ككتلة معجونة.أمّا مصطفى فقد شعر براحة في الّنفّس و ما أن نظر الى النّافذة حتى عرف السّبب.اذ بدا جسد الطّائر كحِجابٍ حاجزٍ مطّاطي ساعد على تنظيم الهواء في السّفينة وابقاء الضّغط فيها كي يعادل ضغط الانسان.اذ سدّ ذلك الطّائر الباب بجسده و بدا جسده أكبر من المعتاد و كان النّسر يسْحب الهواء بإخراج رأسِهِ إلى الخارج ثم إدْخالِهِ إلى الغُرفَة كي يتنفّس مصطفى، فالهواء يَدخُلْ تلقائياً في رِئةِ النّسر مالئاً الفراغ في رئتيه على هذا العلو. أمّا مصطفى فقد ساعد النّسر على البقاء على قيد الحياة بسبب سحبه للهواء داخل الغرفة و بالتّالي يتحرّك صدر النّسر دون عناء شهيقاً و زفيراً، و قد تشكّل على أثر ذلك جهاز تنفسي ّ طبيعي مشترك بين مصطفى و الطّائر. و ما إن نَظَرَ مصطفى الى أسفل حتى شاهد طبقةً كبيرةً من الغيوم كانت بعيدة جداً عنه، و هكذا أدرك أنه أصبح على ارتفاع شاهق. و سرعان ما شعر بالنعاس،ثم نام فعلا. لكنه استيقظ بعد ساعتين تقريبا ليشاهد سلسلة من الجبال الجليديّة ممتدّة عبر مسافات شاسعة، ثمّ شاهد من هذا الارتفاع دوّامات لغيوم هائلة و مرعبة كانت آخذةً في الارتفاع مشّكلة بؤر مائيّة و أمواج عاتية يعرف بأنّها ناتجة عن أعاصير. كانت الغيوم تلتف حول نفسها بشكل دائري و كان خَطر تَحُطّم السّفينة مُحتّماً. و قد ساعدت قوّة الهواء المتعارضة على الحفاظ على توازن السّفينة. وللحال جاء تيّاران متعارضان و بدَت تيّارات الهواء كأمواج بَحْرٍ عظيمة فتذكّر كيف على مرتادي الأمواج أن يغطسوا إلى عُمقِ الموجة ليتفادوا سقوط وزن الموجة الهائل فوق رؤوسهم. لكن كيف له أن ينفّذ هذه الفكرة و هو مقيّد داخل السّفيتة ليقيها شرّ التحطّم و لا سيما بأن السفينة بدأت تتأرجح كريشة في مهبّ الرّيح تارةً تخفّ سرعتها و طوراً تزداد وِفقا لِدَرَجَةِ اندفاع الرّياح. و قام بِرَبط أحد الحِبال النباتيّة المُتسلّقة التي كان قَد جمعها في الغابة، و ربط أحد أطرافه بِصاري القارِب، أمّا الطّرَف الآخر فَرَبَطَهُ حول وَسطه. وحدث في تلك اللحظة أن أفلت الطائر عند اقتراب المركبة من الاعصاران، فما كان من مصطفى الا أن انطلق باتجاهه، و قد بدت المركبة كأنها جزءً منه،إلاّ أنّ رأس مصطفى كان قد اخترق قوّة الهواء المعاكسة(إذ كانت المركبة قد علِقَت بين تيّارين مُتَعارِضيْن،في نُقطةٍ يَخِفّ فيها الانجِذاب نحو أحد التيّارات)،الأمر الذي دَفَعَ بالسّفينة إلى عمق التيّار الرّهيب الذي تكوّن ليشاهد التيّاران اللّذان تبلغ سرعتهما المزدوجة أكثر من مِئة كيلومتر في السّاعة، لكن اختراقه السّريع،الجميل و الفنّي جعله ينساب بسهولة ليُدرِكَ بعد دقائق بأنه قد نجا بأعجوبة كَنَجاةِ الغطّاسين تماماً من الأمواج القاتلة حين يغطسون عند مجيئها لتلافي ضربتها البالغة الثّقل. و هكذا نجا بالسّفينة و الطائر من موت رهيب، إذ دَخلا السّفينة دون أن يدريا. و قد شاهد لحظة وقوع حادثة تلاحم الاعصاران، لكن في لحظة خروجه من الدوّامة لاحظ خطوطا هندسيّة جميلة على الأرض كانت لسورِ الصين العظيم، و ذلك بعد غيبوبة صغيرة كانت قد حدثت له. لقد لاحظ بأن يداه مطبقتانِ على رِجليّ النّسر دون أن يدري. كانت السّاعة آنذاك الثانية عشرة ظُهراً. و فجأة شعر بقوّة ضغط شديدة كادت تعجن عظامه عجنا، إذ كانت المركبة قد وصلت إلى ارتفاع ثلاثين كيلومتراً.و قد مرّت الدّقائق في تلك اللحظة كأنّها دهورا، حتى أصبح مصطفى جمادا أي جسدا دون روح. أمّا السّبب في ذلك فهو كميّة الضّغط التي ضغطت عليه بقوّة و على أخشاب السفينة لتزداد سرعتها بالغة السّبعمِئة كيلومتراً في السّاعة. و استطاع مشاهدة مظلّة بخاريّة كانت آخذةً بالامتداد في جَميع الاتّجاهات،و كانت متّصلة بالمركبة و به أيضا(نتيجَةً للتّفاعُل الكيميائي الذي أحدثتهُ تلك النّباتات العجيبة) فقد أصبَح هيكل السّفينة نفسه آخِذاً بالتمدّد، لِتبدو بِدورِها(السّفينة) كبيرة الحجم. وقد سبّبت هذه المظلّة حالة كسوف في الأرض. أمّا تلك المظلّة فأجبرت السّفينة على الارتفاع بقوّة إلى عُلوّ مُحَدّد. و أمّنت الهواء و الطّقس المناسب و الحماية من أشعّة الشّمس الخطِرة. و فقد مصطفى في تلك اللحظة لأسبابٍ جسديّةٍ خاصّة القُدرة على التّركيز و التّنفّس إذ انتابَهُ دُوار لم يستَطِع تَحَمّلهُ. ثمّ بعد قليل شاهدَ نفسهُ يدخُل في ظلام دامس؛ فقد حَجَبَت تلك المظلّة الشّمس عن الأرض، ثم أدرك بأنّه يحلّق الآن فوق القارّة القطبيّة الشماليّة حيث تستمر مدّة اليوم هناك ستّة أشهر تقريبا. لكن ارتفاعه الشّديد عن الأرض لم يجعلاه يشاهد سوى قبّة السّماء السوداء مع النّجوم والمذنّبات على الرّغم من إشراق الشّمس.أمّا تلك الطّبَقة الجديدة المتكوّنة فكانت تخيّم فوق جزء كبير من اليابان حيث شاهد جُزُرُها الجميلة المضيئة. أمّا مصطفى فقد أصبح بين حالتي الوعي و الاّوعي و حاول استجماع أفكاره لكن دون جدوى. و تقيّأ كثيراً شاعرا بأنّ روحه بدأت تزهق. و قد حدَث أن بعضاً من ريش الطّائر كان قد اقتُلِعَ من جسد النّسر و دَخَلَ كالرّصاص في خشب السّفينة و في جَسَدِه و كان له تأثير سام على تفكيره و على حالته العصبيّة. الأمر الذي أدّى الى خَلَلٍ في جهازه العَصبي، لتسبق الصورة التي يراها الفكرة التي تدفعه لعمل شيء! أي عِوَضَ أن يقوم بأمر نتيجة فكرةٍ ما، أصبح يرى الشّيء الذي يودّ القيام به ثمّ يفكّر لماذا عمله. لقد شعر بأنه داخل قصر امبراطوريّ كبير. لكنّ تلك المادة لَم تكُن (البَتّة) مِن نارٍ أو ضوءٍ عاديّ.أجل لقد كانت تلك الطّبقة الجويّة بِمثابة غلافٍ جَوّيّ عاكسٍ للنّور لشدّة نقائه ليُحتجَز النّور بِداخله و بالتّالي يُحْتَجَز و مركبته التي بدا حجمها كأنه آخِذٌ بالامتِداد. و قد بدا هذا الغلاف كعدسة مقعّرة لتبدو الأشياء البالغة البعد قريبة جدا. ولا يُمكِن لأيّ شيء اختراقَهُ مهما كان مُتناهياً في الصّغَر، إلاّ بِمُعجِزة روحيّة. ثم بدأت تظهر أمواج في ذلك الغلاف الجوي الذي بدا كماءِ نهر صافٍ كالبلّور لتتحرّك و تتمايل الأمواج وفقا لأيّ حركةٍ تنتج داخل هذا الغلاف و بالتّالي وفقا لحركة السّفينة و ما فيها. كانت التركيبة الكيميائيّة لتلك النباتات عَجيبة، فقد أدّت إلى تَفاعُلٍ غريب، الأمر الذي أدّى إلى حدوث ذبذبات لدى تَحَرّكه. أمّا شكل الغلاف فكان بيضاويّاً محيطاً بالمركبة؛ أي أن قطبيه العلويّ و السّفليّ كانا شِبه مسطّحين، أما مساحتهُما فكانت حوالي مئة و خمسين كيلومتر عامودياً ، و مئتيّ كيلومتر أفقيّ .أمّا الجزء السّفليّ فقد لامس سطح البحر مُمتدّاً إلى مسافة كبيرة. و قد شاهد بيوتا ثلجيّة شبيهة ببيوت الأسكيمو مَحفورة في التّلال لتبدو مُجتمِعةً كقصر ثلجيّ رائع، كما شاهد تماثيل ثلجيّة منحوتة لآلهة إغريقيّة. وفجأة بدأ البخار يتكثّف متحوّلا للون أسود فاحِم،مشكّلة شبكة ساحبة للهواء هي كناية عن امتدادٍ لقوّة الهواء النّاتِج عن تَحَلّلِ السّفينة. الواقع بين أمريكا و اليابان. و للحال توقّفت السّفينة تدريجيّا بسبب تلك الأعمدة التي عملت كمَكابِح، ليَشعُر بأنّه داخل كهف حجري مظلم. و ساد صمت و سكون كبيرين. كانت الأعمدة مُنسابة بشكل مقوّس على الغلاف البيضاويّ، لتجتمع في منطقة واحدة بين أمريكا و الصين.و شعر مصطفى بأنّه محجوز داخل حُجْرَة أو خليّة من الطّاقة. و شعر بأن الرّؤيا قد أصبحت أفقيّة أي أن المناظر التي على الأرض صارَت تُرى أمامه و ليس أسفله، على الرّغم من ارتفاع المركبة الشّديد عن الأرض. و شاهد نفقا طويلا بدا كالدّهليز، و عند حافّته شاهد أناسا (اذ كما ذكرت سابقا فقد ساعد الغلاف الجوي الأشياء البعيدة تبدو كأنّها قريبة). و كان هؤلاء النّاس واقفين عند مُنحدرٍ جَبليّ عالٍ يقرعون طبولاً ظانّين بأنّ تنّينا، بحسب معتقدهم، كان يحجُب الشّمس بأجنحته، إذ بدا المشهد في السّماء مع تكاثف الغيوم كتنّين حقيقي، وبدت الأعمدة الدّخانيّة كأذرع ذات مخالب لذلك التنين.أمّا السّبب في ذلك فهو بروز جسم المركبة المُشعّ بسبب تلك المادة الأثيرية، فقد بَدَت المركبة كتنّين. و هكذا ظنّ أولئك النّاس بأنّ التنّين سيسقط إذا قَرَعوا الطّبول. أمّا السّفينة المتوقّفة الآن في أعالي هذا النّفق الشّبيه بالمُنحَدَرِ الصّخري فقد أصبحت على علوّ مئة و خمسين كيلومتر عن سطح البحر. وقد بدَت المَركبة كحَجَرِ المقلاع المثبّت ليدور حول مركز الأرض. و شعر مصطفى بأنّ طبقة الغلاف تلك قد ارتطمت بشيء ضخم في البحر، كشبكة اصطادت شيئا ما، و للحال ظهر مخلوق ضخم من البحر. و قد أدّى تكثّف البخار الذي بدا كالمادّة الصّلبة الى توقّف السّفينة لأن حبالها قد علِقَت بذلك المخلوق أو الوحش، لتتحوّل الطّاقة المختزنة داخل الغلاف الجوي أي المركبة و ما فيها ،من طاقة حركيّة الى طاقة كامنة إذ توقّفت عن الارتِفاع، هذا يعني أنّها بعد تحرّكها إمّا أن تنطلق بسرعة النّور نحو الفضاء في رحلة أبديّةٍ أو ترتطم في الأرض في أقلّ من ثانية شرّ ارتطام، فأي حركة صغيرةٍ ستُحَدّد مَصير مصطفى لأنّها ستدفع بالسّفينة بسرعة و قوّة فائقتين نحو المجهول؛ وكان عليه أن يبقى دون حراك لكي لا تنطلِق السّفينة في أيّ اتّجاه. بالنّسبة للسّفينة، لقد رَسَت في منتصف ذلك الغلاف مشكّلة شبكة من الغاز . لكن ذلك الغلاف كان آخِذاً بالتكَثّف لِدَرَجَة أنّه أصبَحَت (بين) الحالتين الصّلبة و السّائلة. و بَقِيَت الحَرَكة مُقتَصِرة على مُصطفى الذي باستِطاعَتِه التّحَكّم بِمسارِها لأنّها تحوي على قوّة مُختَزَنة هائلة؛ أي أن مكانه في المركبة كان الموجّه الوحيد للمركبة، فهو في مركز قوة توازُن السّفينة.

و بدت الثواني بالنسبة له كأنّها قرون.لكنّه كان يصلّي،اذ أن مصير المركبة متعلّق به وحده . ثم بدأت جنبات ذلك الدّهليز تتّخذ لوناً قُرْمُزيّا كالدّم.و فجأة رأى سِرباً من الطّيور كانت ذوات ألوان فضيّة و ذهبيّة و زرقاء تحلّق بشكل دائري حول الوحش، إذ عَلِقَت في دَوّامة التيّار الهوائيّ الخاص بالمَركَبة. و شَعَرَ بأنّه مقيّد تماماً داخل سجنِ هذا الغلاف الجوّي، و بالطّبع لم يجرؤ على التّحرّك، إذاً ما العمل؟ و رَسَم بإصبَعِه نجمَةً خُماسيّة متّصلة الأضلاع، فإذا بنفَقٍ يظهَر مُختَرِقاً تلك الطّبقة الهُلاميّة.و كان ذو فتحتين عند طرَفيه. الأولى تنتهي عندَ المَركَبة و الأخرى بين فكيّ التنّين.و حدث في تلك اللحظة أن شعر بفقدان وعي مؤقّت، و جعل يتخيّل بأنّه يحرّك جسده، و حدثت المفاجأة، إذ تحرّكت ذبذبات الغلاف الجوّي قاسمةً سِرْب الطّيور الذي كان يحلّق بشكل دائري حول الوحش الى مجموعتين. حقّا لقد بدا (كأنّه) يحرّك جسده فعلاً. و تخيّل بأنّه يمسك ريشة ذلك النّسر الذي كان يقف بالرّوح على كتفه، و تخيل أنّه يرسم بإصبَعه صورة نسر، و فيما كان يرسمه، شعر بأنّ (نفْسهُ) قد تقمّصت فعليّا هيئة ذلك الطّائر الذي كان يرسمه، وبأنّه ينخرط مع ذلك السّرب مُختَرِقاً ذلك النّفق الي حَدَث،ليجتمع ذلك السّرب متّحدا بقيادة النّسر الرّئيس الذي هو مُصطفى. و ما أن شاهد التنين ذلك السّرب الذي ظنّه تنيناً حتى اقترب منه، لكن السّرب أخذ يدور و يلتف فوق رأس الوحش بسرعة وقوّة رهيبتين متحديّا التنين، إلاّ أنّ التنين راح يتّجه نحو مركز الدّائرة التي كانت تلتفّ حوله بانتظام كي تجعله يشعر بالدّوار و ما أن اجتمعت الطيور لتفقأ عينيّ التنين حتّى وثب وثبة خاطفة مبتلعا السّرب.حقّا كان صراعاً رهيباً. لقد أطلق التنين غازاً سامّاً كاد يشلّ النّسر القائد، لكن النّسر استطاع أن يشُقّ طريقَهُ نحو المركبة، مُتَمَلّصاً مِن براثِن التنين،عائداً إلى حجرَته في المركَبة. إذ لم يستطِع إيجاد أي منفَذ ثالِث بِسَبب تلك الطّبَقة. و فقد مصطفى القدرة على التركيز والتّفكير، كأن طاقتا التّركيز و التفكير لديه قد انقطعتا في هذه اللحظة بِسَبب الانهاك و الجّهد.و كانت السّفينة تارَةً تختفي جُزئيّاً و طوراً تظهر للعيان بسبب تفاعُل عناصرِها. وألقى مُصطفى في تِلك اللحظة نظرةً أخرى إلى العالَم ليُشاهِدَ قارّتا أمريكا و آسيا، وقد بدا الأفُق أمامه كالسّيف، و للحال شاهد مصطفى فم التنين و قد تحوّل الى لون ذهبي، و بدا كسيفٍ حاد، و بعد لحظات راح لون فمه يتحوّل لعدّة ألوان، ثما بدا رأسه على هيئة رجل محارب جبّار و كانت جنبات الكهف الحَجَريّ تزداد احمراراً. أمّا الوحش فأراد تخليص نفسه بالغوْصِ و بالتّالي جذب السّفينة العالق بها، حتّى لو كلّفه ذلك حياته. أمّا العجيب في الأمر، هو أنّ نور ذلك السّيف المُشع الذي بَدّد الظلام مخترقا إيّاه. و فجأة سمع مصطفى صوتاً صارخا يناديه قائلا:سدّد نحوَ عين الوحش. فاستيقظ فجأة مُدركاً أنه كان في حلم، ترى هل انطلقت نفْسَه، لا إراديّاً، أثناء نومه،آخذة هيئة النّسر و محاربة إيّاه؟! .و تذكّر بأنّ المركبة قد (بدت) كشعلة شبه ضوئيّة كأنّها من نار (بالنّسبة للعين البشريّة)، و قد بدا الحبل الذي كان مصطفى يمسكه كأنه وتر لجذب القوس الخشبي الذي يستعمله المحاربون. و هكذا اندمجت المركبة أخيراً بذبذباتِ النّور بشكل كُليّ بما فيه جسد مصطفى .أمّا هو فكان تلك الطّلقة عينها مقيّدا بالقوس الذي هو المركبة. و قد بدا مصطفى كتمثال مصارع جبّار يريد الفتك بوحش عظيم قد عاث بالأرض فسادا. ما أن وجّه السّفينة نحو عين التنين بصعوبة كبيرة بعد الحساب المضني الشّديد. حتى انطلقت السّفينة بسرعة النّور مجدّدا كسَهْمٍ ناري بِسَبب القوّة المختَزَنة فيها عبر الأجواء لتخترق قلب التنين مُحرِقةً التنين. وأخذت سرعة المركبة تنخفض محلّقة بشكل موازٍ للأرض بعد ارتطام المركبة الضّوئيّة بالسّيف أي الأفُق الذي بدا لمصطفى كأنّه أنياب التنين. تُرى ما هو سر جميع تلك الرّؤى؟ و هكذا بدأ ذلك الغِلاف الجوي يتقلّص و يذوب، و ما ذلك إلاّ بِسَبَبِ انخفاض قوّة التّفاعُل الكيميائي وبالتّالي برودة أجزاء المركبة. و عادَت المَركَبة إلى هيئتِها الماديّة الطبيعيّة لأن الطاقة الُمُختَزَنة الناتِجة عن تلك المواد العُشبيّة فيها حالت دون تفَتّت المَركبة،فعادَت إلى حالتها السّابِقة،إذ انتَصَرَت تِلك التّركيبة العُشبيّة في النّهاية على الرّغم مِن احتراق العناصر؛ إذ هُناك طاقة خَفيّة أعادَتها في النّهاية.(فالأمر يُشبِه الحديد المُحَمّى ، فبعد ذوبانِه يعود إلى حالتِه الأصليّة الصّلبة)،و هذه هي حال هذه المادّة العجيبة. و عادت إلى مصطفى هيئته البشريّة. كان الرّجال الذين كانوا يدقّون على الطّبول يهتفون بسبب سقوط الوحش، فقد تحرّر البلد من سلطان ذلك الوحش، لكن الكثيرين من شهود العيان قالوا بأنّ الغيمة الّتي في السّماء بدت كتنّين، و قد بدا مصطفى كأنّه كان داخلا في جيب تنّين، إذ كان الغلاف البيضاويّ الَضاغط الى أعلى و السّاحب الهواء بِمثابةِ مَخالب. كان أوّل شيئ رآهُ بعد انتصارهِ هو الأفق الذي بدا كالسّيف، لكن، و لعينِ الدّهشة شاهد طيوراً مُطابقةً في شكلها للتي كان قد رآها من فوق، فقد خرجت إذاً مِن جوفِ التنين. و قد شاهد مع اندفاع المركبة جميع نفوس الذين قتلوا بسبب ذلك الاعصار القاتل الذي حطّم منازل كثيرة، ثم شاهد عند توجّه السّفينة بحراً مِن الأمواج العالية و الدوّارات المائيّة. و فقد وعيه للحظات ليستفيق عند شاطئ بحريّ كانت الأمواج قد قذفت السّفينة اليه، لأن السّفينة كانت قد سقطت في البحر. لقد وصل إلى الجزيرة التي كان أسيراً فيها. و قد لاحظ بادئ الأمر بأنّ حجم السّفينة قد ازداد أضعافا مضاعفة! لقد استقرّت السّفينة تحت كهف حجري. أمّا سر عدم اكتشاف الحرّاس لمكان وجودها فهو بسبب الظّلال الآتية من جدران الكهف التي تبدو كأعمدة سوداء تجتمع في نقطة واحدة؛ أي بين سقف الكهف و أرضه لتبدو كبؤبؤ العين، و يقال بأن هذا الكهف كان في الأزمنة الغابرة مَعْبَداً للنسّاك. ثم تذكّر أنّ هذه الأرض هي تحت حراسةٍ مشدّدة؛ فالحرّاس يملأون كل بقعة فيها.أي من تحت الأرض و من فوقها. الاّ أن ذلك المكان الذي كان متواجدا فيه لم يستطع أحد اكتشافه. ثمّ تذكّر صديقته ناتالي. لقد استطاع أيضاً مشاهدة صديقته بينما كانت تتأمّل النّجوم، و قد كان يعلم بأنّها تفكّر فيه. و للحال أخذ يلوّح لها بيده بعد أن صعد فوق ذلك الكهف البالغ الارتفاع. ولحُسن الحظ لاحظَتْهُ، ثمّ اتّجهت برفقة أصدقائها نحوه، و كان هاتف داخلي في قلبها يشعرها بأنه حبيبها. لكن الجنود الأشرار كانوا قد بدأوا بالرّكض خلفهم صاعدين التلّة التي باتّجاه الكهف. لقد برزت أعمدة السّفينة مخترقة الأرض الى عمق معيّن لتبرز فوق الأرض مجدّدا بهيكلها الخشبي اذ كان آخذاً بالتمدّد بفعل الطّاقة الكامنة التي كانت لا تزال تتبدّد شيئا فشيئا، فارتطم الحرّاس بهيكلها و غرقوا في أحراج النّباتا الشّائكة. أمّا الغريب في الأمر فهو أن الحرّاس الذين كانوا خلفهم.و بعد تطويق المنطقة من جميع الاتّجاهات، لم يستطيعوا إصابة أصدقاء مصطفى الكثيرين بواسطة بَنادقهم المُتطوّرة الصّنْع لأن مصطفى و أصدقاءه كانوا واقفين على أطراف حدود ذلك الكهف العجيب، أي على خطوط هندسيّة شبيهة بالمكعّب، وبالتّالي كانوا يظهرون بصورة معيّنة من ناحية معيّنة، ثمّ يظهرون واقفين في مكان آخر مِن ناحية أخرى و ما تلك الاّ خدع بصريّة، فيبدو الواقفون حول الكهف في أثناء تغيّر مواقعهم الوهمية كانّهم أمواج بحر تظهر تارة لتختفي طوراً آخر، لتبدو الظلال أيضاً كأنّها تجذبهم، فكأنّ رؤيا مصطفى قد أخذت طابعا جديدا! و قد بدت السّفينة كقصر صخريّ عظيم و بديع. أمّا الفتاة و أصدقاءها فقد شاهدوا مشهداً مدهشاً، إذ رأوا شيئا محفورا في الثّلج، اذ شاهدوا مصطفى مَدْفوناً في الثّلج،كأنّه في تابوت ثلجي، و كان مُكلّلاً بأزهار نادرة. و فيما كان الجميع يهمّون بالمغادرة نظراً لِرَداءةِ الطّقس، أصرّت ناتالي على البَقاء و الموت مع حبيبها الذي أنقذها مع رفاقها بذكائه المدهش، بالرّغم من الحاح أصدقاءها عليها بمغادرة المكان، و هكذا تركوها اذ وعدتهم بأنّها ستلحق بهم لاحقاً. لكن، ما إن ابتعدوا عنها حتّى ألقت بنفسها على التّابوت الثّلجي، و قد دُفِنَتْ فيه بسبب الحرارة المنبعثة من جسدها الذي اخترق الثلج لتضمّ حبيبها،اذ شاهدته لابساً ثياباً تشبه ريش الطيور ذات الألوان المتعدّدة.أجل لقد قطع حبيبها مسافة طويلة حول الأرض في أربعة و عشرين ساعة فقط.و قد علق طوق الأزهار في عنق سوسن ليتوّجا كملك و ملكة على هذه السّفينة. وظهر فجأة تمثال فوق السّفينة بمعجزة روحيّة يمثّل تمثالا ثلجيّا لكيوبيد يلقي سهمه على أبوليون ملاك الهاوية. أنّه ذلك التنين الذي رسمه مصطفى في أثناء تواجده في الجوّ، و ها قد خُلّدَتْ ذِكرى هذه المعركة الرّهيبة.

 

 

نابيه-المتن الشّمالي، لُبنان

في: 28-2-2007

*ملاحظة هامّة: إن الأحداث الواردة في هذه القصّة هي من محض الخيال و لا تمُتّ للحقيقة بصلة.

إشترك في خلاصة التعليقات عدد التعليقات: (0 منشور)

المجموع: | عرض:

إكتب تعليق

البريد الالكتروني يبقى سرّي و لا ينشر
  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

- التعليقات الواردة من القراء هي مسؤولية أصحابها ولا تعبر عن رأي إدارة الموقع بالضرورة
- تتم مراجعة تعليقاتكم قبل نشرها عن طريق إدارة الموقع

- (سياسة نشر التعليقات)

تابعونا

  1. دول خليجية تحذر رعاياها من السفر إلى لبنان (5.00)

  2. وفاة "ملكة الديسكو" دونا سمر عن 63 عاماً (5.00)

  3. معارض صيني ضرير بمطار بكين متوجهاً لنيويورك (5.00)

  4. الاكتئاب لدي المراهقين .. له إشارات يجب الانتباه لها (5.00)

  5. صحف العالم: أمريكا "تعاقب" باكستان بعدد سنوات سجن أفريدي (5.00)

  6. فيلم منتظر يكشف تفاصيل اغتيال بن لادن (5.00)

  7. أستراليا: التيار الوطني الحر في سيدني ينعي فقيده المفكر و المناضل والاعلامي المخضرم الأستاذ بطرس عنداري (5.00)

  8. الرحيل المفاجئ (5.00)

يوسف قبلان سلامة

يوسف قبلان سلامة

يوسف قبلان سلامة - مكان الولادة:أبوظبي، الإمارات العربيّة المتّحدة تاريخ الولادة:28-04-1978 الجنسيّة:لبنانيّ التحصيل العِلمي إسم المدرسة: السّنة: 1.إيستوود كولدج(المنصوريّة، لُبنان) 1995-1996 2.المركز الدّولي للعلوم التّقنيّة(الدّورة، لبنان) 2006-2006 اللغات: المستوى: 1.اللغة العربيّة جيّد 2.اللغة الإنجليزيّة جيّد الشاهادات: حاصِل على شهادة بكالوريا القسم الثّاني من مدرسة إيست وود كولدج، منصورية-المتن الشّمالي، لبنان حاصِل على شهادة مُحاسب عام من المعهد الدّولي للعلوم التّقنيّة في العام 2005، في الدّور،بيروت، لُبنان الهوايات: قراءة الكُتُب، الكِتابة، العزف على آلة القيثارة

المزيد من اعمال الكاتب