إعلانات Zone 4B

[CLOSE]

إعلانات Zone 3B

[CLOSE]
أحدث الأخبار:

إعلانات Zone 2B

[CLOSE]
الرئيسية | ثقافة | قصص وروايات | آمنة جمعة - قصة قصيرة
المصنفة ايضاً في: قصص وروايات

آمنة جمعة - قصة قصيرة

آخر تحديث:
image
الكاتب:
عدد المشاهدات: 11467
عدد التعليقات: (2)
قيّم هذا المقال/الخبر:
5.00
حجم الخط: A+ A-
نسخة صالحة للطباعة   نسخة نصية   أرسل إلى صديق
آمنة جمعة - قصة قصيرة

ليس غريباً أن يهرب ويختفي باخوس وجوبيتر من معبديهما،تاركين الهياكل والأعمدة، يستقبلان ويصارعان هِبة وعطاءات السماء. وليس غريباً أيضاً أن تهجر السنونو أعشاشها وترتدي مدينة الشمس هذه الحلة البيضاء،إلا أن هذا العام ليس كغيره أو كسابق عهده،إنه عام الأحزان...!.

 

إنه شهر شباط من تسعينيات القرن الماضي،ولعل الغالبية العظمى من اللبنانيين،وكذلك المقيمين على الأرض اللبنانية داخل أوطانهم المصطنعة والصغيرة، يعوون ويتذكرون ما حصل بدقة بالغة وهي ذكريات لن تمحى وتزول من دفاتر مذكراتهم المثقلة بهموم ربما كانت بحجم الثلوج المتساقطة،جراء عاصفة لم تشهدها المنطقة منذ الخمسينيات،حيث وصل علو الثلج في بعلبك إلى المترين وفي بعض المناطق الى ثلاثة أمتار والأعلى كان في طريق ظهر البيدر المؤدية إلى بيروت، حيث وصل مستوى الثلج إلى أربعة أو خمسة أمتار، بسببِ عاصفة استمرَّتْ أربعة وعشرين يوماً متواصلة، و خلالها، انطمرت السيارات والكميونات، ما أدى الى وفاة العشرات من الناس داخل سياراتهم خنقاً وبرداً....!.

 

إلا أن الأغرب في الأمر،هو تبعثر كياني وتشتتي إلى أجزاء، بات من الصعب لملمتها عندما وصلني خبر وفاة ورحيل،أعظم سيدة في مخيم ويفل، عمتي الحاجة آمنة جمعة في منزل والدي،والذي انتقلت عنه بعد زواجي لأبتعد عنها، ليس أكثر من كيلو ميتر واحد ...!.

 

كان لا بد أن أقطع هذه الألف من الأمتار برفقة زوجتي الحامل بشهرها الرابع مشياً على الأقدام، و الوجهةُ كانتْ منزل الأهل في المخيم،حيث الوطن،وطن القهر والعزل يزينه أمل العودة إلى ربوع الجليل...!.

 

بخطى مبعثرة ومتثاقلة،خطونا رحلة الفراق،لا نشعر بذاتنا، و تعصف بنا ريح صرصر عاتية، محملة بثلوج ناعمة مخترقة حتى النوافذ المحكمة الإغلاق. كنت أغبط زوجتي على جوربين شتويين وسميكين، تكسو بهما قدميها، و كانت قد قدمتهما لها عمتي، كي تحمي لها حلمها المستقبلي بمولودنا العتيد "علي"، إلا أن "علي" كان المولود الثاني، بعدما كانت "وفاء" الابنة البكر...!.

 

لعلك تتخيل معي،ذلك الطقس العاصف وترتيبات إكرام سيدة الدنيا مع غياب كل ما يدل على الحياة في بقاع يئن بالصقيع والألم...؛ كان لا بد أن نتصرف وبسرعة لفتح الطرقات الداخلية للمخيم وصولاً إلى المسجد، وكذلك الطريق المؤدي إلى التربة التي تقع خلف المخيم، والتي علينا سلوكها عكس عقارب الساعة وعكس هذا العمر المتآكل الذي رسم لوحاته عبر خطوط و تجاعيد تصور اللجوء وقسوته على جباهنا المرفوعة بعنفوان وإصرار على حقِّنا في العودة...!.

 

هي حكمة وإبداع الخالق بهذا الوشاح الأبيض المعد لاستقبال العذراء أخت الرجال، بل أعظم الرجال، التي رفضت الزواج ، وردَّتْ طلباتِه لأكثر من خاطب، وترحل عن عمر يناهزُ السبعينَ عاماً،بعد أن احتضنت أمها "جدتي عائشة"، التي ذهب عقلها من كثرة بكائها وألمها على أخيها المجاهد "حسن جمعة" بعد مقتلة على يد الأنكليز وعصابات الهاجانا والأرجون اليهوديتين إبان إضراب وثورة 1936 بعد أن وشى به أحد العملاء والجواسيس آنذاك، حيثُ كانت تتحدث على مدار الساعة، و من دون توقف، وتروي قصصاً غير مترابطة،تستطيع أن تلتقط منها على سبيل المثال لا الحصر "إجت صبحية وراحت حسنية ودار أبو الفول".

 

عائشة التي أمضت عمرها تجمع الأحجار من حارات المخيم وتضعها في زاوية من زوايا حارتها،تحافظ عليها وتهتم بها أكثر من نفسها رغم عدم إدراكها فحوى تصرفها هذا، إلا أن هذا التصرف كثيراً ما استوقفني وجعلني أبحث عن تعليلٍ أو تفسيرٍ له...، فربما كانت تريد أن تقول لنا شيئاً عن بيتها وتلك الحاكورة والحقل في حيفا وكأني بها تقول: إجمعوا الأحجار كي نعود ونبنبي الدار..!،الدار والحقل التي أودعتني عمتي آمنة أوراقَ ملكيَّتها لهما "الطابو"، وهُوية جدي الصادرتين عن حكومة فلسطين ،قبل أن ترحلَ وتوارى الثرى، ويتوارى معها كل شيء جميل من مثلِ الكرم، الشهامة والوفاء...!. منذ ذلك الحين، و أنا أبحث عن شبيهٍ لها تُطابقُ مواصفاتُهَ ما هيَ عليهِ ولو بنسبة خمسين بالمائة،أبحث عن تلك العذراء وما زلت أبحث...، التي حيرني عقلها وحسن تدبيرها،أبحث عن تلك الثورية والوطنية بامتياز،وهي من كانت تصنع في بيتها الصغير قنابل المولوتوف في سبعينيات القرن الماضي وتخبئها لحين الحاجةِ إليها، وفي صباح كل عيد كانت تتركنا وتذهب إلى القواعد العسكرية بصحبة بعض نساء المخيم،محمَّلاتٍ بالمأكولات والهدايا إلى الفدائيين على الحدود اللبنانية الفلسطينية، أولئكَ الواقفين على خطوط النار...!.

 

وهي التي توظفت في هيئة الأمم المتحدة،وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين"الأونروا"، طاهية في المطعم لإتقانها ذلك، ولكرمها وسخائها ولذة طعامها على صعيد هذا الوطن الصغير...!.

 

ما زلت أتذكَّرُ تلك اللحظات، وما زلت أحلم وأتمنى أن تعود وتأخذ بيدي الى سوق بعلبك"البلد" كما عودتني صغيراً صبيحة كل أحد منذ ذلك الزمن,زمن السكون والمحبة والعطاء...!.

 

ما زالت آمنة جمعة تسكنني، وما زلت أسكنها، وهي التي لم تدخل مدرسة او جامعة،ولم تسمع بعالم الفضائيات والشيف رمزي، ولم تلم بعلوم الكومبيوتر والانترنت،كما لم تخضعْ لدورات حسن الإدارة والتنظيم والتخطيط،ولم تدخل جمعية من جمعيات هذا العصر، تلكَ التي تحمل أسماء براقة وجوهراً فارغاً من أيِّ مضمونٍ راق...!. كانت عمتي كل ذلك وأكثر،كانت تقوم بأعظم الأمور، من دون إرشاد أوتوجيه من أحد. كيف لا وهي التي أخذت مستحقاتها من الأونروا من توفير وتعويض، ثُمَّ توفيت لا تملك شيئاً، بعدما ساعدت كل محتاج ومريض،وهي التي تخلت عن ثلاثة منازل لها، كي تقدمها هدية زواج لابني أخيها وأختها لتأتي وأعيش معها في غرفتي داخل منزل الأهل، وتكون أروع رفيقة وصديقة لي ولا يٌشبهها ألقاً وطيبةً وروعةً، جميعُ رفاق واصدقاء الدنيا...!.

 

كانت – رحمها اللهُ تعالى- مدرسة، فاضت الدنيا منها وبها حناناً، رشداً، ووطنية...!.

 

رحلت آمنة، و مع رحيلِها، كلُّ شيءٍ جميلٍ رحل!!!؛ ومعها أخذت الحب والوطن، و كل الحنان وصلة الوصل، وتلك البوصلة التي تاهت من دونها، حركة المراكب والنجوم،وبتُّ أفتقد معنى الطيبة والإباء، ومعها تغير لونُ وطعمُ الحياة، وبتنا لا نشبه أنفسنا، وبات وطننا الصغير لا يشبه بقايا الوطن، وبات الحنين إليه ليس إلا شعارات باهتة صفراء، يحملها منتفعون ومارقون، ليسوا أهلاً لقضية عادلة، هي أسمى وأغلى من حروف وكلمات مرصعة بالذهب...!.

 

...، ولا أستطيع نسيان رحلة مرضها!!!، عندما أجمع أكثر من طبيب، على أنه لم يعد هناك من أمل في شفائها وبُرئها، وهي التي استقلت رحلة العذاب عبر خطوط رحلة سرطان الرحم، إلا أني أبيت غير مصدق، رافضاً التخلي عن أجمل كنز وهِبة من الله تعالى، متوجهاً إلى الجامعة الاميركية في بيروت، متأملاً تلك القشة المرجوة في عرض البحر...!.

 

كنت أجلس قربها في إحدى الطوابق العلوية، ننتظر دورنا أمام نافذة كبيرة تطل على شارع الحمراء إذ شاهدت ما تحب، بائع الكعك المتجول، و حينذاك قالت لي:

 

يا عمتي بدك تشتري لي ثلاث كعكات لخزنة إم حسين أختي، وثلاثة لأختي إم الأمين مريم، وكم كعكة إلنا ولأهلك...!.

 

كم أنت طيبة وحنون يا ست الدنيا، وكم أنت عظيمة يا نبع المحبة والكرم،فمن أين جئت بذلك العقل والتدبير، وبهذا الكرم وذياك الحنان...!.

 

كنت ألتجئ إليها تائهاً، باحثاً عن ذاتي وأنا ابن سبع سنين، حيث غرفتها الصغيرة من "البركس"،أجلس إلى جانبها وبابور الكاز يتوسط الغرفة هادراً، كما قنديل الزيت المتراقصة ظلاله على الحيطان، ملقياً رأسي على رجلها، متخذاً منها وسادةً لقلبي وهامتي، فأتيهُ جَذِلَاً في عالم ليته يعود...!!!؛ وإلى هذا اليوم ما زلتُ أسائل نفسي: أأبحث عنكِ، أم أبحث عن ذاتي، أم عن فوهة ينبوع الحنان المفتقد،أم أبحث عمَّن تفوقت على نفسها ، وفاقت بعطاءاتها شهامة جميعِ الرجال...!.

 

فيا من تستنطقين الأرضَ بخطواتك كما قال فيك "فريدريك نيتشه" عندما أرى جميعَ النساء والرجال يشيرون إليك عندما يضيق بهم الحال، فكانوا يلوذون بك كما ألوذ بك كل حين.

 

لن تغيبي عمتي آمنة، يا من تسكنينني... يا ألف امرأة توحَّدتْ و اجتمعت في واحدة،يا منارة حيفا وقناديل الياجور،يا رائحة "البصارة" وما أشعلت من بخور...!.

 

ما زال الحبق عطشاً ينتظر إبريقك الفخاري في كل صباح ، يناديك كي تسمعيه ما عشَّشَ فيه، وما سكن عقلي قبل قلبي من ابتهالات النقشبندي وهو يقول :"ماشي بنور الله أدعي وأقول يا رب"

 

وما زلت عمتي وأنا في عقدي الأربعينيِّ الآفل أردد :

 

ياما رحمت ألوف

 

يا رب ترعاها، وترعاني...!

إشترك في خلاصة التعليقات عدد التعليقات: (2 منشور)

avatar
عماد اللهيب
الثلاثاء, 11 حزيران / يونيو 2013, 06:03:PM
قصة جميلة و تفيض بالعواطف والحنين.
بانتظار جديدك
avatar
حسين جمعه الثلاثاء, 11 حزيران / يونيو 2013, 06:43:PM
Thats kind of you doctor imad
المجموع: 1 | عرض: 1 - 1

إكتب تعليق

البريد الالكتروني يبقى سرّي و لا ينشر
  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

- التعليقات الواردة من القراء هي مسؤولية أصحابها ولا تعبر عن رأي إدارة الموقع بالضرورة
- تتم مراجعة تعليقاتكم قبل نشرها عن طريق إدارة الموقع

- (سياسة نشر التعليقات)

تابعونا

  1. دول خليجية تحذر رعاياها من السفر إلى لبنان (5.00)

  2. وفاة "ملكة الديسكو" دونا سمر عن 63 عاماً (5.00)

  3. معارض صيني ضرير بمطار بكين متوجهاً لنيويورك (5.00)

  4. الاكتئاب لدي المراهقين .. له إشارات يجب الانتباه لها (5.00)

  5. صحف العالم: أمريكا "تعاقب" باكستان بعدد سنوات سجن أفريدي (5.00)

  6. فيلم منتظر يكشف تفاصيل اغتيال بن لادن (5.00)

  7. أستراليا: التيار الوطني الحر في سيدني ينعي فقيده المفكر و المناضل والاعلامي المخضرم الأستاذ بطرس عنداري (5.00)

  8. الرحيل المفاجئ (5.00)

حسين جمعه

حسين جمعه

حسين عبد الله جمعه

فلسطيني الجنسيه مقيم في لبنان - بعلبك مجاز في العلوم السياسيه من الجامعه اللبنانيه2011 وحائز على: دبلوم في الصيدله من سوريا 1988 موظف في هيئة الامم المتحده منذ 1989 كاتب وباحث.

المزيد من اعمال الكاتب