إعلانات Zone 4B

[CLOSE]

إعلانات Zone 3B

[CLOSE]
أحدث الأخبار:

إعلانات Zone 2B

[CLOSE]
الرئيسية | ملفات | شخصيات لا تنسى | جيفارا في مذكراته يصف البيت الأبيض ببيت الديدان
المصنفة ايضاً في: شخصيات لا تنسى, تشي جيفارا, مذكرات

جيفارا في مذكراته يصف البيت الأبيض ببيت الديدان

النسوة المناضلات كن أكثر صلابة من بعض الرجال

آخر تحديث:
الكاتب:
عدد المشاهدات: 10057
قيّم هذا المقال/الخبر:
0
حجم الخط: A+ A-
نسخة صالحة للطباعة   نسخة نصية   أرسل إلى صديق

ونكمل مع المناضل الثوري جيفارا مذكراته حول مسيرة الثوار وهروبهم من جيش باتيستا فيقول: ابتعدنا بالتدريج عن سيرا مايسترا لنمضي ناحية السهل للوصول إلى نقاط ينبغي أن نلتقي من خلالها مع المناضلين من منظمة المدن، وعبرنا حزاماً من الأكواخ الريفية يدعى لامونتريا، وبعد ذلك نصبنا أعمدة خيامنا في غابة صغيرة قرب جدول في منطقة إبيفانيو دياس وكان أبناء تلك المنطقة يقاتلون من أجل الثورة ولقد اقتربنا منهم جغرافيا حتى يمكننا أن نوثق اتصالاتنا مع الحركة حيث إن الحياة الخشنة البدوية التي كنا نعيشها خفية جعلت من غير الممكن إقامة تبادل بين فرعي الحركة، وفي هذه المزرعة التقينا مع ألمع رموز الحركة في المراكز المدنية، وأذكر من بين الذين التقينا بهم ثلاث نساء شهيرات الآن في كوبا، وهن فيلما أسيين رئيسة الاتحاد النسائي، وزوجة راوول كاسترو (شقيق فيدل كاسترو)، وهايدا سانتا ماريا رئيسة بيت البلدان الأمريكية؛ وهي على صلة قرابة بأرماندو هارت وسيليا سانتش رفيقتنا العزيزة في كل سنوات الكفاح الثوري ، وقد انضمت بعد وقت قصير وبشكل نهائي إلى الحركة ، ولم تفارقنا بعد ذلك على الإطلاق .

أما فيما يتعلق بالإمدادات التي كانت في طريقها إلى الثوار، فيقول جيفارا: كانت عبارة عن خمسين رجلاً منهم ثلاثين فقط مسلحين وقد زادت أسلحتنا بندقيتين رشاشتين كانت واحدة من طراز مادزن والأخرى من طراز تومبسون . وكانت الأشهر القليلة التي قضيناها في السيرا قد أفادتنا وزودتنا بالخبرات ، فظهرت أمامنا عيوب الرجال الجدد التي كانت فينا أيضاً يوم هبطنا على الشاطئ من الجرانما ، فليس هناك نظام وليس هناك تكيف بالصعوبات الأساسية ، ولم يكن هناك عزم على أمر . لقد كان لديهم باختصار حالة من عدم التوافق مع هذا النوع من الحياة الشاقة، وكان يترأسهم الكابتن خورخي سوتوس ، وكانوا قد انقسموا إلى خمس فصائل كل فصيلة مكونة من عشرة رجال وعلى رأسها ملازم .

بعد ذلك بُعث خورخي سوتوس في مهمة خاصة إلى ولاية ميامي، وهناك انقلب على الثورة وخانها حيث أسس علاقات مع فيليب باسوس الذي ينسى وعوده ويرشح نفسه للرئاسة المؤقتة في مؤامرة كان للخارجية الأمريكية فيها دور رئيسي، وبمرور الوقت أبدى الكابتن سوتوس حرصه الشديد على رد اعتباره، ومن ثم منحه راوول كاسترو فرصة ذهبية، ولكن سوتوس قام بتوظيفها لكي ينسج خيوط مؤامرة ضد الثورة ، وقضت المحكمة بعقوبته بالسجن عشرين عاماً، ثم سرعان ما نجح في الهرب من محبسه بعد أن رشى سجانه، وقد أطلق ساقه للريح قاصداً "مركز الديدان" السامي: الولايات المتحدة .

ويواصل جيفارا مذكراته عن إعداد الرجال للتدريب والتنظيم ورسم الخطط المستقبلية ، وكانت هذه القوات مع الدعم الجديد الذي حصلوا عليه تتكون من ثمانين رجلاً تقريباً ، ويقول جيفارا: انضم إليّ أحد الرفاق ويدعى يولينو لكي يساعدني في نقل الأدوية وهكذا أصبحت مهمتي يسيرة وتمكنت من أن أخصص بضع دقائق يومياً بعد أن ينتهي شوط السير من أجل التفرغ للاهتمام بصحة الفرقة . ورجعنا إلى رابية كاراكاس موضع الغارة التي شنها طيران العدو علينا بسبب خيانة جيرا ووجدنا هناك إحدى البنادق التي كانت تفيض عنا وقد اضطر أحد جنودنا إلى تركها ليمشي بخطى أسرع عند التراجع ، أما الآن فلا يوجد في حوزة الفرقة مزيد من البنادق بل الحقيقة التي لا يخالجنا الشك فيها أننا في حاجة ماسة للبنادق حيث نشكو النقص فيها .

ثم يحدثنا جيفارا عن مرحلة جديدة ومثيرة وتستدعي الانتباه فيقول: قد حدث تغير نوعي ، لقد كانت هناك منطقة كاملة كان جيش العدو يتجنب أن يجازف بالمغامرة فيها حتى لا يصطدم بنا ، ورغم ذلك فلم نكن نحن أيضاً نظهر رغبة عارمة في مقابلة هذا الجيش .

كان الوضع السياسي أثناء ذلك يفسح المجال للاستغلال وكانت الأصوات الضخمة التي يعرفها الناس أصوات يارد ويادا وكونت أجويرو والعديد من فئة المستغلين حيث يتصايحون بالخطب الرنانة بالديماجوجية في دعوة للوفاق والوئام من خلال هجوم حاد وعنيف على الحكومة . والحكومة بدورها راحت تتحدث عن السلام وقد صرح رئيس الوزراء الجديد ريفيرو أوجويرو لكل إنسان أنه مستعد إذا دعت الضرورة أن يتوجه إلى سيرا مايسترا من أجل نشر لواء السلام في ربوع الوطن ، ومع ذلك فبعد مرور عدة أيام أكد باتيستا أنه ينبغي إجراء أي حوار مع فيدل وأمثاله من الخارجين على القانون ، وقال إن فيدل ليس في السيرا وإنه لا يوجد هناك أحد في أعالي الجبال ، ومن ثم لا يوجد داع يفرض علينا أن نتوجه لكي نتفاوض مع حفنة من الأشقياء ، وهكذا اتضحت من جانب باتيستا العزيمة في المضي قدماً لمواصلة العمليات الحربية ، وكانت هذه هي المناسبة الوحيدة التي اتفقنا فيها مع العدو وعلى الفور قررنا نحن أيضاً مواصلة القتال مهما كان الثمن .

في ذلك الوقت عينت الحكومة الكولونيل باريرا رئيساً للعمليات وهو معروف بشراهته وجشعه وطمعه في مأكولات الجنود وقد استطاع بعد ذلك أن يشهد لحظة اندثار نظام باتيستا، وذلك من كاراكاس عاصمة فنزويلا خاصة وأنه كان يعمل ملحقاً عسكرياً .

ويستمر جيفارا في السرد عن هذه المرحلة قائلاً: وفي هذه المرحلة من شهر مايو 1957 أنشأنا شبكة اتصالات واستكشفنا مناطق جديدة حاملين شعلة الثورة وأسطورة الجيش الملتحمة إلى قطاعات أخرى من السيرا ، وانتشرت في الجبل روح جديدة فكان الفلاحون يأتون إلينا لإلقاء التحية علينا في خوف ومن جانبنا لم نعد نخشى من وجودهم لأن قوتنا الصغيرة تضاعف عددها وأحسسنا بأننا قد صرنا أكفأ وأقوى وأكثر استعاداً وتحسباً لوقوع أية مفاجأة قد نواجهها من جيش باتيستا فضلاً عن أننا كنا أكثر ثقة بفلاحينا واطمئناناً إليهم .

في الثاني عشر من مايو وصلتنا أخبار عن شحنة الأسلحة ، وقد راجت الأنباء في قلب المعسكر الذي تناثرت في الأقاويل والشائعات على الفور حيث كان جميع الثوار يعلمون باليوم الذي سيحملون في أسلحة جديدة متطورة بدلاً من تلك الأسلحة المتهالكة التي يحملونها ، ويرغبون في التخلص منها، ووصلتنا أخبار جديدة تدور حول الفيلم القصير ذلك الذي سجله الصحفي الأمريكي بوب تاير في جبل سيرا مايسترا ، وقد حقق نجاحاً ساحقاً لى شاشات التلفاز الأمريكي، وقد ذكر الجميع ذلك الخبر باستثناء أندروز سانت جورج ، وكنا قد شعرنا بالغيظ من عمالته لمكتب التحريات الاتحادي الأمريكي، ومن جبنه الصحفي أيضاً ولهذا شعرنا بالصدمة المروعة من جراء عدم مشاركته الابتهاج بهذا النبأ ، ومنذ اليوم التالي غادر منطقة آل بابون على متن أحد اليخوت المتجهة إلى سانتياجو كوبا .

وصلت شحنة الأسلحة ليلاً وكان وصولها في تقديري يمثل أجمل وأروع مشهد في حياتي ، وقد بدت الأسلحة الفتاكة كأنها في معرض من معارض الأزياء الحديثة اللامعة البراقة أو هكذا رأيتها أو تخيلتها . من هنا ومن هذه اللحظة في هذا المكان صرت مقاتلاً دائماً مع ضرورة عملي كطبيب للمجموعة ، ومن خلال هذا الحدث شعرت بتطور هائل في حياتي كلها في جبل سيرا مايسترا .

ويواصل جيفارا مذكراته فيما كان بينه وبين كاسترو قائلاً: كانت هناك عدة مناقشات قد جرت بيننا ، كان ركناها الرئيسيان فيدل كاسترو وكاتب هذه المذكرات، وكنت من أنصار الرأي الذي يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أننا لا يمكننا أن نترك مثل تلك الفرص الرائعة تتسرب من بين أيدينا دون أن نلقى بكل ثقلنا على شاحنة واحدة ثم علينا أن نطارد الشاحنات على الطرقات التي تتحرك في كافة الاتجاهات بكل اطمئنان . أما فيدل فكان فكرته تصل بعملية الاشتباك في الأوفيرو ، وكان يرى أهمية النجاح في السيطرة على مركز الأوفيرو ، الذي سوف يكون بالغ الدلالة والمغزى، فمثل هذا الاستيلاء سوف يكون له أثر حاسم وخطير وسوف يؤدي بالضرورة على إحداث صدمة معنوية حقيقية تمتد آثارها إلى جميع أرجاء البلاد وهو ما لا يتحقق في الهجوم على شاحنة ، ففي مثل هذا الهجوم التقليدي يمكن للعدو أن يذيع نبأ سقوط شاحنة لانقلابها ومصرع من كانوا على متنها دون الإشارة إلى أي عملية عسكرية وحتى لو ارتاب الناس في أمر الحادث فالواقع أنه لا يتوافر لديهم الدليل المادي الدال على دور حركتنا في ضرب وملاحقة الشاحنات. وأضاف فيدل: أننا لا ينبغي أن نتخلى عن ضرب الشاحنات ولكن لا يجوز أيضاً أن نتخذها محوراً ومركزاً لجميع تحركاتنا .

والآن بعد أن مرت سنوات عديدة على هذه المناقشات التي وضع فيدل من خلالها النقاط فوق الحروف ينبغي أن أقر وأعترف أن تقدير فيدل كان صائباً وأنني كنت على خطأ حيث إن هجوماً منعزلاً على إحدى الدوريات التي تتجول بالشاحنات لم يكن ذا جدوى لحركتنا الثورية لأننا كنا في هذه الأيام نتحرق شوقاً إلى القتال بعد أن فاض بنا الصبر أو بمعنى أدق سئمنا منه وربما لأننا لم نكن نتمتع بتلك الرؤية التي تميز بها فيدل عنا جميعاً . على أية حال فقد كنا في آخر مرحلة من مراحل الاستعداد لمعركة الأوفيرو .

في اليوم التالي من معركة الأوفيرو حلقت طائرات العدو منذ ساعات الفجر الأولى في سماء المنطقة ، وكنا بعد أن فرغنا من توديع الطابور الذي واصل سيره قد انكببنا على إزالة أي أثر لدخولنا في أرض المقاومة ، واحتشد رجلنا على بعد بضع مئات من الأمتار لا أكثر ، من بين إحدى الطرق السالكة ننتظر قدوم أنريكي لوبيز الذي كان قد حمل على كاهله تدبير ملجأ لنا ونقل الجرحى إليه ، الذين كان من بينهم ألميدا ويينا واللذان كانا غير قادرين على الترجل ، ولم يكن كويكي أسالونا أكثر حيوية ونشاطاً وكان مانالس محظوراً عليه الترجل بسبب إصابة رئته بجرح بالغ إثر اختراق إحدى الرصاصات، وكان مانويل أكوينا وهرمس ليفا وماسيو بمفردهم يستطيعون الترجل بأدواتهم الخاصة بهم ، ومن أجل الدفاع عن تلك المجموعة الصغيرة من المعاقين كان هناك بجواري فيلوا وينا وسينبيو تورس وخويل إيجليسيا وأليخاندرو أويناتي ، وبعد أن أقبلت تباشير الصباح جاء أحدهم يخبرنا أن أنريكي لوبيز قد لا يمكنه دعمنا حيث إن أحد أبنائه اجتاحته نوبة مرضية مباغته فاضطر للذهاب إلى سانتياجو ، وقد بذل جهده لكي يبعث لنا متطوعين لمساعدتنا ، ولكننا حتى هذه اللحظة كما ننتظر وصول هؤلاء المتطوعين الجدد .

وحول مساعدات الفلاحين للثوار يقول جيفارا: وكنا للإنصاف في موقف بالغ السوء إذ أن جراح كويكي أسكالونا قد بدت تفوح منها رائحة عفنة ، وكان من المتعذر علينا تقدير درجة خطورة جراح هانالس تقديراً دقيقاً ، وكنا نغامر في الترجل على الطرقات دون أن نقف وجهاً لوجه مع قوات العدو، ومن ثم قررنا أن ننقل الجرحى إلى كوخ يقع على بعد 3 أو 4 كيلو مترات من المكان وهو كوخ هجره صاحبه، ولكن فيه عدداً كبيراً من الدجاج . وفي اليوم الأول من هذه الأيام قدم لنا عاملان من عمال المنشرات بعض المساعدات فلم يكن من السهل نقل الجرحى في أرجوحاتهم .

وفي الصباح الباكر بعد أن التهمنا بعض الدجاجات تركنا المكان على الفور ، وقد تأخرنا كثيراً عن الطرق التي من الممكن أن يجوبها العدو بحثاً عنا ، وكنا في آخر إحدى هذه الطرقات التي سدتها شركة آل بابون لاستثمار الغابات وأرسلنا بعض رجالنا الأشداء الأكفاء حملة تتسم بالخطورة والصعوبة ، وهي تتطلب منهم الهبوط على شاطئ الجدول الصغير دل أنديو ثم يصعدوا بعدها في ممر ضيق حتى يبلغوا كوخاً مغطى بورق الشجر إذ يقيم فلاح اسمه إسرائيل مع زوجته وعديله ، ولقد كان الأمر بالغ الصعوبة بالفعل حيث إن عملية نقل رفقائنا الجرحى في قطاع منحدر كهذا القطاع ، وكلنا نجحنا في ذلك أخيراً .

وقدم لنا الفلاحون حتى أسرَّتهم الزوجية لكي ينام عليها الجرحى وخبأنا حيث أقمنا مخيمنا الأول عدداً من الأسلحة التي أضحت في حالة شديدة السوء ، ومن ثم عجزنا عن أن نحملها معنا ما أننا تركنا العديد من الأغراض والأدوات من الغنائم في عرض الطريق كلما شعرنا بثقل وزن الجرحى . كنا في تلك الأثناء نتصف بالغباء حيث إن هذه الأشياء التي ترناها على الطريق ترشد العدو لطريقنا ومركزنا ، ومن ثم بعد أن فطنت لهذه الجريمة الغبية عدت أدراجي برفقة بعض الرجال لتحري الطريق والتخلص من الأشياء التي من الممكن أن تتحول إلى مخبر أو مرشد يقود العدو إلى طريقنا .

ويتذكر جيفارا ليديا فيقول: عندما رفعت عيني للمرة الأولى على ليديا لم يكن مر على عمر الثورة أكثر من ستة أشهر ، وكنت في ذلك الوقت توليت مهام قائد الطابور الرابع ، وقد عرفت ليديا خلال نزول فرقتنا من الجبل بشكل سريع من أجل الحصول على الإمدادات التموينية , كانت هذه السيدة العظيمة توحي إليّ بأشياء عظيمة ورائعة خاصة إذا ما ذكرت اسمها ذات مرة ، وكانت هي في واقع الأمر شديدة الارتباط بي بشكل خاص وترغب في أن تعمل تحت قيادتي مهما كانت نوعية المهام المكلفة بها وصعابها ومتاعبها .

والواقع أنني لا أستطيع أن أرصد كم عدد المرات التي تدخلت فيها ليديا على اعتبار أنها رسول خاصة أو رسول الحركة فمن سانتياجو كوبا إلى لاهافانا كانت تتولى نقل أهم الأوراق وجميع المذكرات التي تخص فرقتنا ومخابراتها ، وهي كانت أوراق تتصف بالأهمية القصوى والخطورة الشديدة فضلاً عن أننا كنا نوكل إليها مهام توزيع جريدة " الكوبي الحر " وغير ذلك . كانت ليديا تعرف أنني محباً لاقتناء الكلاب فكانت تعدني كلما رأتني أن تحضر لي كلباً من هافانا وكان هذا وعداً يتعذر عليها تطبيقه عملياً ، ومع ذلك فقد أوفت بوعدها في فترة الهجوم الكبير ، وكانت تذهب وتعود بين رجال السيرا مايسترا والسهل تأخذ وثائق سرية وتعود بأوراق خطيرة ذات أهمية وكانت هي وسيلة الاتصال الآمنة لنا بالعالم الخارجي ، كانت تعمل وتناضل دائماً برفقة مقاتلة أخرى من طينتها لا أذكر اليوم سوى اسمها ، وكان جميع الرفقاء يذكرون اسمها ويحملون لها في قلوبهم محبة واحتراماً وتقديراً عميقاً ، إنها كلود ميرا وأمست ليديا وكلود ميرا لا ينفصلان في مواجهة الأخطار ، ولذلك كان يذهبان ويعودان دائماً معاً من طرف لآخر .

بيد أن ليديا وكلود ميرا لم تقوما بهذه الرحلة القادمة أبداً إذ تسبب ضعف أحد الرجال الذي كان أقل منها من حيث الجسارة والشجاعة ومقاتل وكثوري وإنسان فقد استطاع جيش باتيستا من أن يكشف مكان فئة من رجالنا الذين كانت ليديا تتردد عليهم بصحبة كلود ميرا واستبسل رجالنا في المقاومة حتى الموت ، وكانت ليديا قد تعرضت للإصابة في رأسها فضلاً عن وقوعها أسيرة في شباك العدو حتى لفظت أنفاسها الأخيرة هي ورفيقتها ، كنموذج يصعب على الوجود أن يأتي بمثله كعشاق للحرية وشهداء في سبيلها ، ولا نعرف أين جسد ليديا ورفيقتها ، وقد نتمكن من العثور في أحد الأيام على رفاتهما في أحد الحقول في تلك المقبرة الكبرى التي كانت في يوم من الأيام جزيرة كوبا بأسرها .

وفي 26 يونيو بدأت أولى أعمالي كطبيب أسنان وينبغي أن أقرها أن المرضى الذين ترددوا عليّ لمعالجتهم في جبل السيرا مايسترا أطلقوا عليّ لقب " خالع الأضراس " البسيط ، وكان إسرائيل يادرو أول ضحية لي وقد قمت بإجراء عملية الخلع وفقاً للقواعد تقريباً ، وإن كنت قد استخدمت البنج النفسي في تهدئة روع مرضاي إذا تعالت صيحاتهم وصرخاتهم وأنينهم أو عند لهفتهم في الشكوى وحين أعطينا المجموعة إشارة البدء في الرحيل حتى هدأت ثورة حماس بعض الرجال الذين تركونا وحل مكانهم لحسن الحظ رجال متطوعون جدد إذا أقبل تامايو بأربعة من الرجال كان على رأسهم فيلكس ماندوسا الذي أتى حاملاً بندقية وشرح لنا كيف باغتته هو وزميله فصيلة من جيش العدو وقد وقع زميله في قبضة الأسر وألقى هو بنفسه خلف صخور الشاطئ وأطلق ساقه للريح دون أن يلحظه أحد من أفراد الجيش، وعلمنا بعد ذلك أن الجيش لم يكن سوى دورية يترأسها لالو سردينياس ونتيجة ذلك وجد زميل فليكس نفسه في جيش فيدل ، ثم كان هناك أحد المتطوعين الجدد ويدعى أيفيليو سابوريت .

وعن معركة الأمبريتو يقول جيفارا: في 29 أغسطس أقبل إلينا فلاح ليخبرنا أن جيشاً كبيراً يستعد للصعود إلى قمة المايسترا بواسطة طريق الأمبريتو الذي ينحدر إلى الوادي أو يستمر ناحية مرتفع الكونرادو ليخترق المايسترا ، وكان من شأن هذه الأنباء الخاطئة التي أذاعها علينا هذا الرجل أن خلقت بداخلنا حصانة ومناعة ضد كافة أنواع الرعب ووجدتني أضعه في حوزتنا رهينة لإرغامه على أن يقول الحقيقة وهددته بعقوبات قاسية وعنيفة إن عاود لرواية الأنباء المغلوطة بيد أنه أقسم بأغلظ الأيمان على أن ينطق بالحق وأن جنود الحرس الحكومي احتشدوا في مزرعة خوليو زياتيرو على بعد كيلو مترين قبل المايسترا .

وانتظرنا الليل لنتوجه إلى المكان لنحدد نقاط الحركة وكان على فصيلة لالو سردينياس أن تسيطر على الجبهة الشرقية من الموقع في غابة من شجيرات الخنشار الجافة ، وأن تصب نيرانها على الطابور حينما ينطبق على الطوق ، كان على راميرو فالديس ومجموعة الرجال المسلحين تسليحاً أخف أن يشنوا من الجانب الغربي الهجوم الصوتي لنشر حالة من الرعب في قلوب رجالنا . أما أنا فقد كنت مكلفاً مع مجموعة صغيرة من الرماة المسلحين على أعلى مستوى من التسليح أن أعطي الأمر بإطلاق النار ، وذلك بإطلاق الرصاصة الأولى .

ويواصل جيفارا مذكراته عن مطاردة جيش باتيستا للثوار قائلاً: وبعد ظهر يوم من الأيام سمعنا من خلال الراديو الصغير الذي ننقله معنا تقريراً قدمه الجنرال فرنسيسكو تابرينا دولس حينئذٍ بكل صلف وغرور الذي يتباهى بشجاعته ، وقد أعلن فيه تدمير المجموعات الصغيرة التي يترأسها تشي جيفارا ، وقائمة طويلة بالقتلى والجرحى والمقاتلين الذين لم يتعرضوا لأذى ، وكل هذه الأخبار مصدرها الأوراق التي عثروا عليها من حقائبنا التي وقعت في يد العدو بعد اشتباكنا الرهيب معه قبل بضعة أيام ، وقد خلط معها معلومات مغلوطة جمعها أركان حرب الجيش الحكومي ، ولقد شاع نبأ موتنا مناخاً يثير الضحك والسخرية في صفوف قواتنا الصغيرة .

ويستمر جيفارا في سرد مذكراته عن القتال يسجل فيها انتصارات الثورة ، فيقول: وبعد ذلك سقط مركز الشرطة وسُلمنا الدبابات التي كانت تدافع عنه، ثم جاء الاستسلام السريع من ناحية الثكنة رقم 31 للقومندان كوبيلا فيما كان السجن وقصر العدل وقصر حكومة المقاطعة تستسلم لنا، وكذلك الفندق الكبير حيث استمر المحاصرون يطلقون أعيرة النار من الطابق الثاني حتى انتهى القتال، وفي هذا الوقت لم يتبق في أيدي الديكتاتورية إلا ثكنة ليونسيو فيدل أكبر قلعة في وسط الجزيرة . ولكن في أول يناير 1959 كانت علامات الاختناق قد أخذت تبدو على المدافعين ، في صباح أول يناير أرسلنا الكابتن نوثيس خمينيس ورودريحس دي لافيجا يفاوضان لاستسلام الثكنة، وكانت الأنباء غريبة ومتناقضة لقد هرب باتيستا مسبباً انهيار إدارة القوات المسلحة . واتصل مندوبانا بواسطة الراديو مع كانتيو وأبلغاه عرض الاستسلام، ولكنه من جانبه رأى أن مجرد قبول هذا العرض غير ممكن إذ هو يشكل إنذاراً، وإنه تولى إدارة الجيش وقد اتبع تعليمات فيدل كاسترو بدقة متناهية واتصلنا فوراً بفيدل وأطلعناه على الأمر وأعطيناه رأينا بموقف كانتيو المريب .

لقد رفض كاسترو أن يأخذ قول كانتيو بجدية واهتمام وراح يصدر أمره بالزحف والتوغل نحو هافانا، ثم استيلاء الجنرال تاركين على إدارة الجيش حالما خرج من سجن جزيرة الصنوبر، واستيلاء كاميلو سينفويجوس على مدينة كولومبيا العسكرية، وسيطرة طابورنا الثامن على قلعة كابانيا، وأخيراً بعد مرور عدة أيام تم تنصيب فيدل كاسترو رئيساً للوزراء في الحكومة المؤقتة، وكل هذا يشكل جزءاً من تاريخ البلاد السياسي الحالي .

ولقد كانت بوليفيا هي المحطة الأخيرة التي وصل إليها قطار جيفارا ليلقى بها مصرعه بعد أن ظل بها يعمل ويكافح ويناضل منذ 7 نوفمبر 1966 وحتى أسلم روحه لبارئها في 7 أكتوبر 1967 ليواري جثمانه الثرى بعد حياة حافلة بالتحديات والصعوبات .

إعلانات Zone 5B

[CLOSE]

إشترك في خلاصة التعليقات عدد التعليقات: (0 منشور)

المجموع: | عرض:

إكتب تعليق

البريد الالكتروني يبقى سرّي و لا ينشر
  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha

- التعليقات الواردة من القراء هي مسؤولية أصحابها ولا تعبر عن رأي إدارة الموقع بالضرورة
- تتم مراجعة تعليقاتكم قبل نشرها عن طريق إدارة الموقع

- (سياسة نشر التعليقات)

  1. دول خليجية تحذر رعاياها من السفر إلى لبنان (5.00)

  2. وفاة "ملكة الديسكو" دونا سمر عن 63 عاماً (5.00)

  3. معارض صيني ضرير بمطار بكين متوجهاً لنيويورك (5.00)

  4. الاكتئاب لدي المراهقين .. له إشارات يجب الانتباه لها (5.00)

  5. صحف العالم: أمريكا "تعاقب" باكستان بعدد سنوات سجن أفريدي (5.00)

  6. فيلم منتظر يكشف تفاصيل اغتيال بن لادن (5.00)

  7. أستراليا: التيار الوطني الحر في سيدني ينعي فقيده المفكر و المناضل والاعلامي المخضرم الأستاذ بطرس عنداري (5.00)

  8. الرحيل المفاجئ (5.00)